٢٧٢٨ - الزجاج (١):
الإمام، نحوي زمانه، أبو إسحاق، إبراهيم بن محمد بن السري الزجاج، البغدادي، مصنف كتاب "معاني القرآن"، وله تآليف جمة.
لزم المبرد، فكان يعطيه من عمل الزجاج كل يوم درهمًا، فنصحه وعلمه، ثم أدب القاسم بن عبيد الله الوزير، فكان سبب غناه، ثم كان من ندماء المعتضد.
مات سنة إحدى عشرة وثلاث مائة.
وقيل: مات في تاسع عشر جمادى الآخرة، سنة عشرة.
وله كتاب: "الإنسان وأعضائه"، وكتاب "الفرس"، وكتاب "العروض"، وكتاب "الاشتقاق"، وكتاب "النوادر"، وكتاب "فعلت وأفعلت".
وكان عزيزًا على المعتضد، له رزق في الفقهاء، ورزق في العلماء، ورزق في الندماء، نحو ثلاث مائة دينار.
ويقال: توفي سنة ست عشرة.
أخذ عنه العربية أبو علي الفارسي، وجماعة.
стр. 6337
٢٧٢٩ - ابن اليزيدي (١):
العلامة، شيخ العربية، أبو عبد الله محمد بن العباس بن محمد بن أبي محمد يحيى بن المبارك اليزيدي البغدادي. كان رأسًا في نقل النوادر وكلام العرب، إمامًا في النحو.
له كتاب "الخيل"، وكتاب "مناقب بني العباس"، وكتاب "أخبار اليزيديين"، ومصنف في النحو. أدب أولاد المقتدر.
توفي في جمادى الآخرة، سنة عشر وثلاث مائة، عن ثنتين وثمانين سنة وثلاثة أشهر.
٢٧٣٠ - الضبي (٢):
العلامة، أبو الطيب، محمد بن المفضل بن سلمة بن عاصم الضبي البغدادي، الشافعي، أكبر تلامذة ابن سريج، له ذهن وقاد، ومات شابًا.
صنف الكتب، وله وجوه في المذهب، منها: أنه كفر تارك الصلاة، ومنها: أن الولي إذا أذن للسفيه في أن يتزوج، لم يجز كالصبي.
وكان ابن سريج يعتني بإقرائه. توفي: في المحرم، سنة ثمان وثلاث مائة.
وكان أبوه:
٢٧٣١ - أبو طالب المفضل بن سلمة (٣):
لغويًا، أديبًا، علامة، له تصانيف في معاني القرآن والآداب.
أخذ عن ابن الأعرابي، وغيره من مشاهير العلماء.
أخذ عنه الصولي، وغيره. ومات بعد التسعين ومائتين.
وأبوه -سلمة بن عاصم النحوي- هو راوية الفراء.
وفي القدماء: المفضل بن محمد الضبي، المقرئ -صاحب عاصم.
стр. 6338
٢٧٣٢ - التستري (١):
الإمام الحجة المحدث البارع، علم الحفاظ، شيخ الإسلام، أبو جعفر أحمد بن يحيى بن زهير التستري، الزاهد.
سمع: أبا كريب محمد بن العلاء، ومحمد بن حرب النشائي، والحسين بن أبي زيد الدباغ، ومحمد بن عمار الرازي، وعمرو بن عيسى الضبعي، ومحمد بن بشار، ومحمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل، وخلقًا كثيرًا من أصحاب سفيان بن عيينة، وأبي معاوية الضرير.
وكانت رحلته قبل الخمسين ومائتين.
جمع، وصنف، وعلل، وصار يضرب به المثل في الحفظ.
حدث عنه: أبو حاتم بن حبان، وأبو إسحاق بن حمزة، وسليمان بن أحمد الطبراني، وأبو عمرو بن حمدان، وأبو بكر بن المقرئ، وآخرون.
قال أبو عبد الله الحاكم: سمعت جعفر بن أحمد المراغي يقول: أنكر عبدان الأهوازي حديثًا مما عرض عليه لأبي جعفر بن زهير، فدخل عليه، وقال: هذا أصلي، ولكن من أين لك أنت: ابن عون، عن الزهري، عن سالم؟ فذكر حديثًا. فما زال عبدان يعتذر إليه، ويقول: يا أبا جعفر، إنما استغربت الحديث.
قال الحافظ أبو عبد الله بن مندة: ما رأيت في الدنيا أحفظ من أبي إسحاق بن حمزة!، وسمعته يقول: ما رأيت في الدنيا أحفظ من أبي جعفر بن زهير التستري!. وقال أبو جعفر: ما رأيت أحفظ من أبي زرعة الرازي!
وقال أبو بكر بن المقرئ: حدثنا تاج المحدثين أحمد بن يحيى بن زهير، فذكر حديثًا.
توفي أبو جعفر: في سنة عشر وثلاث مائة، وكان من أبناء الثمانين.
قرأت على محمد بن عبد السلام التميمي: عن عبد المعز بن محمد البزاز، أخبرنا تميم بن أبي سعيد، ورجل آخر، قالا: أخبرنا أبو سعد محمد بن عبد الرحمن الكنجروذي، أخبرنا أبو عمرو محمد بن أحمد الحيري، أخبرني أحمد بن يحيى بن زهير التستري، حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل، حدثنا أبو عاصم، حدثنا سفيان، عن نعيم بن أبي هند، عن
стр. 6339
أبي المسهر، عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام يومًا قبل موته يريد وجه الله، دخل الجنة". هذا حديث غريب، ولا أعرف هذا التابعي، ولا ذكره أبو أحمد في "الكنى".
ومات معه في العام: محمد بن جرير.
ومقرئ بغداد؛ أبو علي الحسن بن الحسين الصواف -صاحب أبي حمدون.
وأبو محمد خالد بن محمد بن خالد الصفار -صاحب يحيى بن معين.
ومسند مصر؛ أبو شيبة داود بن إبراهيم البغدادي.
والعباس بن الفضل بن شاذان -مقرئ الري.
وعلي بن أحمد بن بسطام الزعفراني.
وعلي بن العباس البجلي المقانعي.
والحافظ أبو بشر الدولابي.
ومحمد بن أحمد بن عبيد بن فياض الدمشقي.
والمحدث أبو العباس محمد بن الحسن بن قتيبة العسقلاني.
ومقرئ الرقة؛ أبو مران موسى بن جرير النحوي.
والحافظ أبو العباس الوليد بن أبان الأصبهاني.
стр. 6340
٢٧٣٣ - ابن خزيمة (١):
محمد بن إسحاق بن خزيمة بن صالح بن بكر. الحافظ، الحجة، الفقيه، شيخ الإسلام، إمام الأئمة، أبو بكر السلمي النيسابوري، الشافعي، صاحب التصانيف.
ولد سنة ثلاث وعشرين ومائتين. وعني في حداثته بالحديث والفقه، حتى صار يضرب به المثل في سعة العلم والإتقان.
سمع من: إسحاق بن راهويه، ومحمد بن حميد، ولم يحدث عنهما؛ لكونه كتب عنهما
стр. 6341
في صغره، وقبل فهمه، وتبصره. وسمع من: محمود بن غيلان، وعتبة بن عبد الله المروزي، وعلي بن حجر، وأحمد بن منيع، وبشر بن معاذ، وأبي كريب، وعبد الجبار بن العلاء، وأحمد بن إبراهيم الدورقي، وأخيه؛ يعقوب، وإسحاق بن شاهين، وعمرو بن علي، وزياد بن أيوب، ومحمد بن مهران الجمال، وأبي سعيد الأشج، ويوسف بن واضح الهاشمي، ومحمد بن بشار، ومحمد بن مثنى، والحسين بن حريث، ومحمد بن عبد الأعلى الصنعاني، ومحمد بن يحيى، وأحمد بن عبدة الضبي، ونصر بن علي، ومحمد بن علي، ومحمد بن عبد الله المخرمي، ويونس بن عبد الأعلى، وأحمد بن عبد الرحمن الوهبي، ويوسف بن موسى، ومحمد بن رافع، ومحمد بن يحيى القطعي، وسلم بن جنادة، ويحيى بن حكيم، وإسماعيل بن بشر بن منصور السليمي، والحسن بن محمد الزعفراني، وهارون بن إسحاق الهمداني، وأمم سواهم. ومنهم: إسحاق بن موسى الخطمي، ومحمد بن أبان البلخي.
حدث عنه: البخاري، ومسلم في غير "الصحيحين"، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم -أحد شيوخه- وأحمد بن المبارك المستملي، وإبراهيم بن أبي طالب، وأبو حامد بن الشرقي، وأبو العباس الدغولي، وأبو علي الحسين بن محمد النيسابوري، وأبو حاتم البستي، وأبو أحمد بن عدي، وأبو عمرو بن حمدان، وإسحاق بن سعد النسوي، وأبو حامد أحمد بن محمد بن بالويه، وأبو بكر أحمد بن مهران المقرئ، وحفيده؛ محمد بن الفضل بن محمد بن خزيمة، ومحمد بن أحمد بن علي بن نصير المعدل، وأبو بكر بن إسحاق الصبغي، وأبو سهل الصعلوكي، والحسين بن علي التميمي حسينك، وبشر بن محمد بن محمد بن ياسين، وأبو محمد عبد الله بن أحمد بن جعفر الشيباني، وأبو الحسين أحمد بن محمد البحيري، والخليل بن أحمد السجزي القاضي، وأبو سعيد محمد بن بشر الكرابيسي، وأبو أحمد محمد بن محمد الكرابيسي الحاكم، وأبو نصر أحمد بن الحسين المرواني، وأبو العباس أحمد بن محمد الصندوقي، وأبو الحسن محمد بن الحسين الآبري، وأبو الوفاء أحمد بن محمد بن حمويه المزكي، وخلق كثير.
أخبرنا أبو الفضل أحمد بن هبة الله -فيما قرأت عليه سنة ست وتسعين وست مائة- عن عبد المعز بن محمد الهروي، أخبرنا تميم بن أبي سعيد القصار، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن سنة تسع وأربعين وأربع مائة، أخبرنا محمد بن محمد النيسابوري، الحافظ، أخبرنا أبو بكر محمد بن إسحاق، حدثنا علي بن حجر، حدثنا عبد العزيز بن حصين، عن أبي أمية: أن حبيبًا أخبره، عن زر بن حبيش: أنه أتى صفوان بن عسال -وكان من الصحابة- فقال له: ما جاء بكم؟ قالوا: خرجنا من بيوتنا لابتغاء العلم. قال: إنه من خرج من بيته لابتغاء العلم،
стр. 6342
فإن الملائكة تضع أجنحتها لمبتغي العلم. فسأله عن المسح على الخفين، قال: سئل رسول الله ﷺ فجعل للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة، لا أقول من جنابة، ولكن من غائط، أو بول، أو نوم. قال: محمد بن محمد الحافظ: غريب من حديث حبيب بن أبي ثابت. لا أعلم حدث به غير أبي أمية عبد الكريم بن أبي المخارق. واسم أبيه: قيس.
أخبرنا أحمد بن هبة الله بن أحمد عن عبد المعز بن محمد، أخبرنا زاهر بن طاهر، أخبرنا أبو سعد الكنجروذي، حدثنا بشر ابن محمد الحاكم، أخبرنا ابن خزيمة، أخبرنا أحمد بن نصر المقرئ، أخبرنا محمد بن الحسن البصري محبوب، حدثنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن سلمة، قال: كانت الركبان تأتينا من عند رسول الله ﷺ فأتلقى منهم الآية والآيتين، فكانوا يخبرونا: أن رسول الله ﷺ قال: "ليؤمكم أكثركم قرآنًا"، وكنت أؤم قومي وأنا صغير السن (١).
وبه إلى ابن خزيمة: حدثنا أبو حصين بن أحمد بن يونس، حدثنا عبثر بن القاسم، حدثنا حصين، عن الشعبي، عن محمد ابن صيفي، قال: قال: رسول الله ﷺ يوم عاشوراء: "أمنكم أحد أكل اليوم"؟. قالوا: منا من صام، ومنا من لم يصم. قال: "فأتموا بقية يومكم، وابعثوا إلى أهل العروض، فليتموا بقية يومهم". هذا حديث صحيح، غريب. أخرجه: النسائي (٢)، عن أبي حصين، فوافقناه.
قال الحاكم في "تاريخه": أخبرني محمد بن أحمد بن واصل الجعفي ببيكند، حدثني أبي، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني محمد، حدثنا أحمد بن سنان، حدثني مهدي -والد عبد الرحمن بن مهدي- قال: كان عبد الرحمن يكون عند سفيان عشرة أيام أو أكثر، لا يجيء إلى البيت، فإذا جاءنا ساعة، جاء رسول سفيان، فيذهب ويتركنا.
وقال الحاكم: محمد: هو ابن إسحاق بن خزيمة بلا شك، فقد حدثنا أبو أحمد الدارمي، حدثنا ابن خزيمة بالحكاية.
قال الحاكم: قرأت بخط مسلم: حدثني محمد بن إسحاق -صاحبنا، حدثنا زكريا بن يحيى بن أبان، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا إسماعيل بن ربيعة بحديث في الاستسقاء.
стр. 6343
قال الحاكم: كتب إلي أحمد بن عبد الرحمن بن القاسم من مصر، أن محمد بن الربيع الجيزي حدثهم، حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثني محمد بن إسحاق بن خزيمة، حدثنا موسى بن خاقان، حدثنا إسحاق الأزرق، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: لما أخرجوا نبيهم، قال: أبو بكر ﵁: علمت أنه سيكون قتال.
قال أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الحيري: حدثنا ابن خزيمة، قال: كنت إذا أردت أن أصنف الشيء، أدخل في الصلاة مستخيرًا حتى يفتح لي، ثم أبتدئ التصنيف. ثم قال أبو عثمان: إن الله ليدفع البلاء عن أهل هذه المدينة لمكان أبي بكر محمد بن إسحاق.
الحاكم: أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر، سمعت ابن خزيمة وسئل: من أين أوتيت العلم؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : "ماء زمزم لما شرب له" (١)، وإني لما شربت، سألت الله علمًا نافعًا.
الحاكم: سمعت أبا بكر بن بالويه، سمعت أبا بكر بن إسحاق وقيل له: لو حلقت شعرك في الحمام؟ فقال لم يثبت عندي أن رسول الله ﷺ دخل حمامًا قط، ولا حلق شعره، إنما تأخذ شعري جارية لي بالمقراض.
قال الحاكم: وسألت محمد بن الفضل بن محمد عن جده؟ فذكر أنه لا يدخر شيئًا جهده، بل ينفقه على أهل العلم، وكان لا يعرف سنجة الوزن، ولا يميز بين العشرة والعشرين، ربما أخذنا منه العشرة، فيتوهم أنها خمسة.
стр. 6344
الحاكم: سمعت أبا بكر القفال يقول: كتب ابن صاعد إلى ابن خزيمة يستجيزه كتاب الجهاد، فأجازه له.
قال محمد بن سهل الطوسي: سمعت الربيع بن سليمان، وقال لنا: هل تعرفون ابن خزيمة؟ قلنا: نعم. قال: استفدنا منه أكثر ما استفاد منا.
محمد بن إسماعيل السكري: سمعت ابن خزيمة يقول: حضرت مجلس المزني، فسئل عن شبه العمد، فقال له السائل: إن الله وصف في كتابه القتل صنفين: عمدًا وخطأ، فلم قلتم: إنه على ثلاثة أقسام، وتحتج بعلي بن زيد بن جدعان؟ فسكت المزني، فقلت لمناظره: قد روى الحديث أيضًا أيوب وخالد الحذاء. فقال لي: فمن عقبة بن أوس؟ قلت: شيخ بصري، قد روى عنه ابن سيرين مع جلالته. فقال للمزني: أنت تناظر أو هذا؟ قال: إذا جاء الحديث، فهو يناظر؛ لأنه أعلم به مني، ثم أتكلم أنا.
قال محمد بن الفضل بن محمد: سمعت جدي يقول: استأذنت أبي في الخروج إلى قتيبة، فقال: اقرأ القرآن أولًا حتى آذن لك. فاستظهرت القرآن، فقال لي: امكث حتى تصلي بالختمة، ففعلت، فلما عيدنا، أذن لي، فخرجت إلى مرو، وسمعت بمروالروذ من محمد بن هشام -صاحب هشيم- فنعي إلينا قتيبة.
قال الحافظ أبو علي النيسابوري: لم أر أحدًا مثل ابن خزيمة.
قلت: يقول مثل هذا وقد رأى النسائي.
قال أبو أحمد حسينك: سمعت إمام الأئمة أبا بكر يحكي عن علي بن خشرم، عن ابن راهويه، أنه قال: أحفظ سبعين ألف حديث. فقلت لابن خزيمة: كم يحفظ الشيخ؟ فضربني على رأسي، وقال: ما أكثر فضولك! ثم قال: يا بني! ما كتبت سوداء في بياض إلَّا وأنا أعرفه.
قال أبو علي الحافظ: كان ابن خزيمة يحفظ الفقهيات من حديثه كما يحفظ القارئ السورة.
أخبرنا أبو علي الحسن بن علي، أخبرنا عبد الله بن عمر، أخبرنا أبو الوقت، أخبرنا شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري، أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن صالح، حدثنا أبي، حدثنا أبو حاتم بن حبان التميمي، قال: ما رأيت على وجه الأرض من يحفظ صناعة السنن، ويحفظ ألفاظها الصحاح وزياداتها حتى كأن السنن كلها بين عينيه، إلَّا محمد بن إسحاق ابن خزيمة فقط.
стр. 6345
قال أبو الحسن الدارقطني: كان ابن خزيمة إمامًا، ثبتًا، معدوم النظير.
حكى أبو بشر القطان، قال: رأى جار لابن خزيمة -من أهل العلم- كأن لوحًا عليه صورة نبينا ﷺ وابن خزيمة يصقله. فقال المعبر: هذا رجل يحيى سنة رسول الله ﷺ .
قال الإمام أبو العباس بن سريج -وذكر له ابن خزيمة- فقال: يستخرج النكت من حديث رسول الله بالمنقاش.
وقد كان هذا الإمام جهبذًا، بصيرًا بالرجال، فقال -فيما رواه عنه أبو بكر محمد بن جعفر- شيخ الحاكم: لست أحتج بشهر ابن حوشب، ولا بحريز بن عثمان لمذهبه، ولا بعبد الله بن عمر، ولا ببقية، ولا بمقاتل بن حيان، ولا بأشعث بن سوار، ولا بعلي بن جدعان لسوء حفظه، ولا بعاصم بن عبيد الله، ولا بابن عقيل، ولا بيزيد بن أبي زياد، ولا بمجالد، ولا بحجاج بن أرطاة إذا قال: عن، ولا بأبي حذيفة النهدي، ولا بجعفر بن برقان، ولا بأبي معشر نجيح، ولا بعمر بن أبي سلمة، ولا بقابوس بن أبي ظبيان … ثم سمى خلقًا دون هؤلاء في العدالة، فإن المذكورين احتج بهم غير واحد.
وقال أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري: سمعت ابن خزيمة يقول: ليس لأحد مع رسول الله ﷺ قول إذا صح الخبر.
قال الحاكم: سمعت محمد بن صالح بن هانئ، سمعت ابن خزيمة يقول: من لم يقر بأن الله على عرشه قد استوى فوق سبع سماواته، فهو كافر حلال الدم، وكان ماله فيئًا.
قلت: من أقر بذلك تصديقًا لكتاب الله، ولأحاديث رسول الله ﷺ وآمن به مفوضًا معناه إلى الله ورسوله، ولم يخض في التأويل ولا عمق، فهو المسلم المتبع، ومن أنكر ذلك، فلم يدر بثبوت ذلك في الكتاب والسنة، فهو مقصر والله يعفو عنه، إذ لم يوجب الله على كل مسلم حفظ ما ورد في ذلك، ومن أنكر ذلك بعد العلم، وقفا غير سبيل السلف الصالح، وتمعقل على النص، فأمره إلى الله، نعوذ بالله من الضلال والهوى.
وكلام ابن خزيمة هذا -وإن كان حقًا- فهو فج، لا تحتمله نفوس كثير من متأخري العلماء.
قال أبو الوليد حسان بن محمد الفقيه: سمعت ابن خزيمة يقول: القرآن كلام الله -تعالى- ومن قال: إنه مخلوق، فهو كافر، يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، ولا يدفن في مقابر المسلمين.
стр. 6346
ولابن خزيمة عظمة في النفوس، وجلالة في القلوب؛ لعلمه ودينه واتباعه السنة.
وكتابه في "التوحيد" مجلد كبير، وقد تأول في ذلك حديث الصورة (١). فليعذر من تأول بعض الصفات، وأما السلف، فما خاضوا في التأويل، بل آمنوا وكفوا، وفوضوا علم ذلك إلى الله ورسوله، ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده -مع صحة إيمانه، وتوخيه لاتباع الحق- أهدرناه، وبدعناه، لقل من يسلم من الأئمة معنا، رحم الله الجميع بمنه وكرمه.
قال الحاكم: فضائل إمام الأئمة ابن خزيمة عندي مجموعة في أوراق كثيرة، ومصنفاته تزيد على مائة وأربعين كتابًا سوى المسائل، والمسائل المصنفة أكثر من مائة جزء. قال: وله فقه حديث بريرة (٢) في ثلاثة أجزاء.
قال حمد بن عبد الله المعدل: سمعت عبد الله بن خالد الأصبهاني يقول: سئل عبد الرحمن بن أبي حاتم عن أبي بكر بن خزيمة، فقال: ويحكم! هو يسأل عنا، ولا نسأل عنه! هو إمام يقتدى به.
قال الإمام أبو بكر محمد بن علي الشاشي: حضرت ابن خزيمة، فقال له أبو بكر النقاش، المقرئ: بلغني أنه لما وقع بين المزني وابن عبد الحكم، قيل للمزني: إنه يرد على الشافعي. فقال المزني: لا يمكنه إلَّا بمحمد بن إسحاق النيسابوري. فقال أبو بكر: كذا كان.
стр. 6347
وعن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن المضارب، قال: رأيت ابن خزيمة في النوم، فقلت: جزاك الله عن الإسلام خيرًا. فقال: كذا قال لي جبريل في السماء.
قال الحاكم: حدثني أبو بكر محمد بن حمدون، وجماعة من مشايخنا -إلَّا أن ابن حمدون كان من أعرفهم بهذه الواقعة- قال: لما بلغ أبو بكر بن خزيمة من السن والرئاسة والتفرد بهما ما بلغ، كان له أصحاب صاروا في حياته أنجم الدنيا، مثل أبي علي محمد بن عبد الوهاب الثقفي، وهو أول من حمل علوم الشافعي، ودقائق ابن سريج إلى خراسان، ومثل أبي بكر أحمد بن إسحاق -يعني: الضبعي- خليفة ابن خزيمة في الفتوى، وأحسن الجماعة تصنيفًا، وأحسنهم سياسة في مجالس السلاطين، وأبي بكر بن أبي عثمان، وهو آدبهم، وأكثرهم جمعًا للعلوم، وأكثرهم رحلة، وشيخ المطوعة والمجاهدين، وأبي محمد يحيى بن منصور، وكان من أكابر البيوتات، وأعرفهم بمذهب ابن خزيمة وأصلحهم للقضاء. قال: فلما ورد منصور بن يحيى الطوسي نيسابور، وكان يكثر الاختلاف إلى ابن خزيمة للسماع منه -وهو معتزلي- وعاين ما عاين من الأربعة الذين سميناهم، حسدهم، واجتمع مع أبي عبد الرحمن الواعظ القدري بباب معمر في أمورهم غير مرة، فقالا: هذا إمام لا يسرع في الكلام، وينهى أصحابه عن التنازع في الكلام وتعليمه، وقد نبغ له أصحاب يخالفونه وهو لا يدري، فإنهم على مذهب الكلابية، فاستحكم طمعهما في إيقاع الوحشة بين هؤلاء الأئمة.
قال الحاكم: سمعت الإمام أبا بكر أحمد بن إسحاق يقول: كان من قضاء الله -تعالى- أن الحاكم أبا سعيد لما توفي، أظهر ابن خزيمة الشماتة بوفاته، هو وجماعة من أصحابه -جهلًا منهم- فسألوه أن يتخذ ضيافة، وكان لابن خزيمة بساتين نزهة. قال: فأكرهت أنا من بين الجماعة على الخروج في الجملة إليها.
وحدثني أبو أحمد الحسين بن علي التميمي: أن الضيافة كانت في جمادى الأولى، سنة تسع وثلاث مائة، وكانت لم يعهد مثلها، عملها ابن خزيمة، فأحضر جملة من الأغنام والحملان، وأعدال السكر، والفرش، والآلات، والطباخين، ثم إنه تقدم إلى جماعة المحدثين من الشيوخ والشباب، فاجتمعوا بجنزروذ (١) وركبوا منها، وتقدمهم أبو بكر يخترق الأسواق سوقًا سوقًا، يسألهم أن يجيبوه، ويقول لهم: سألت من يرجع إلى الفتوة والمحبة لي أن يلزم جماعتنا اليوم. فكانوا يجيئون فوجًا فوجًا حتى لم يبق كبير أحد في البلد -يعني: نيسابور- والطباخون يطبخون، وجماعة من الخبازين يخبزون، حتى حمل أيضًا
стр. 6348
جميع ما وجدوا في البلد من الخبز والشواء على الجمال والبغال والحمير، والإمام ﵀ قائم يجري أمور الضيافة على أحسن ما يكون، حتى شهد من حضر أنه لم يشهد مثلها.
فحدثني أبو بكر أحمد بن يحيى المتكلم، قال: لما انصرفنا من الضيافة، اجتمعنا عند بعض أهل العلم، وجرى ذكر كلام الله: أقديم هو لم يزل، أو نثبت عند إخباره تعالى أنه متكلم به؟ فوقع بيننا في ذلك خوض، قال جماعة منا: كلام البارئ قديم لم يزل. وقال جماعة: كلامه قديم غير أنه لا يثبت إلَّا بإخباره وبكلامه. فبكرت إلى أبي علي الثقفي، وأخبرته بما جرى، فقال: من أنكر أنه لم يزل، فقد اعتقد أنه محدث. وانتشرت هذه المسألة في البلد، وذهب منصور الطوسي في جماعة إلى ابن خزيمة، وأخبروه بذلك، حتى قال منصور: ألم أقل للشيخ: إن هؤلاء يعتقدون مذهب الكلابية؟ وهذا مذهبهم. قال: فجمع ابن خزيمة أصحابه، وقال: ألم أنهكم غير مرة عن الخوض في الكلام؟ ولم يزدهم على هذا ذلك اليوم.
قال الحاكم: وحدثني عبد الله بن إسحاق الأنماطي المتكلم، قال: لم يزل الطوسي بأبي بكر بن خزيمة حتى جرأه على أصحابه، وكان أبو بكر بن إسحاق، وأبو بكر بن أبي عثمان يردان على أبي بكر ما يمليه، ويحضران مجلس أبي علي الثقفي، فيقرؤون ذلك على الملأ، حتى استحكمت الوحشة. سمعت أبا سعيد عبد الرحمن بن أحمد المقرئ، سمعت ابن خزيمة يقول: القرآن كلام الله، ووحيه، وتنزيله، غير مخلوق، ومن قال: شيء منه مخلوق، أو يقول: إن القرآن محدث، فهو جهمي، ومن نظر في كتبي، بان له أن الكلابية -لعنهم الله- كذبة فيما يحكون عني بما هو خلاف أصلي وديانتي، قد عرف أهل الشرق والغرب أنه لم يصنف أحد في التوحيد والقدر وأصول العلم مثل تصنيفي، وقد صح عندي أن هؤلاء -الثقفي، والصبغي، ويحيى بن منصور- كذبة، قد كذبوا علي في حياتي، فمحرم على كل مقتبس علم أن يقبل منهم شيئًا يحكونه عني، وابن أبي عثمان أكذبهم عندي، وأقولهم علي ما لم أقله.
قلت: ما هؤلاء بكذبة، بل أئمة أثبات، وإنما الشيخ تكلم على حسب ما نقل له عنهم. فقبح الله من ينقل البهتان، ومن يمشي بالنميمة.
قال الحاكم: وسمعت محمد بن أحمد بن بالويه، سمعت ابن خزيمة يقول: من زعم بعض هؤلاء الجهلة: أن الله لا يكرر الكلام، فلا هم يفهمون كتاب الله، إن الله قد أخبر في مواضع أنه خلق آدم، وكرر ذكر موسى، وحمد نفسه في مواضع، وكرر: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَان﴾ [الرحمن: ١٣]، ولم أتوهم أن مسلمًا يتوهم أن الله لا يتكلم بشيء مرتين،
стр. 6349
وهذا قول من زعم أن كلام الله مخلوق، ويتوهم أنه لا يجوز أن يقول: خلق الله شيئًا واحدًا مرتين.
قال الحاكم: سمعت أبا بكر أحمد بن إسحاق يقول: لما وقع من أمرنا ما وقع، وجد أبو عبد الرحمن ومنصور الطوسي الفرصة في تقرير مذهبهم، واغتنم أبو القاسم وأبو بكر بن علي والبردعي السعي في فساد الحال، انتصب أبو عمرو الحيري للتوسط فيما بين الجماعة، وقرر لأبي بكر بن خزيمة اعترافنا له بالتقدم، وبين له غرض المخالفين في فساد الحال، إلى أن وافقه على أن نجتمع عنده، فدخلت أنا، وأبو علي، وأبو بكر بن أبي عثمان، فقال له أبو علي الثقفي: ما الذي أنكرت أيها الأستاذ من مذاهبنا حتى نرجع عنه؟ قال: ميلكم إلى مذهب الكلابية، فقد كان أحمد بن حنبل من أشد الناس على عبد الله بن سعيد بن كلاب، وعلى أصحابه مثل الحارث وغيره … ، حتى طال الخطاب بينه وبين أبي علي في هذا الباب. فقلت: قد جمعت أنا أصول مذاهبنا في طبق، فأخرجت إليه الطبق، فأخذه، وما زال يتأمله وينظر فيه، ثم قال: لست أرى هاهنا شيئًا لا أقول به. فسألته أن يكتب عليه خطه أن ذلك مذهبه، فكتب آخر تلك الأحرف. فقلت لأبي عمرو الحيري: احتفظ أنت بهذا الخط حتى ينقطع الكلام، ولا يتهم واحد منا بالزيادة فيه. ثم تفرقنا، فما كان بأسرع من أن قصده أبو فلان وفلان، وقالا: إن الأستاذ لم يتأمل ما كتب في ذلك الخط، وقد غدروا بك، وغيروا صورة الحال. فقبل منهم، فبعث إلى أبي عمرو الحيري لاسترجاع خطه منه، فامتنع عليه أبو عمرو، ولم يرده حتى مات ابن خزيمة، وقد أوصيت أن يدفن معي، فأحاجه بين يدي الله -تعالى- فيه، وهو القرآن؛ كلام الله -تعالى- وصفة من صفات ذاته، ليس شيء من كلامه مخلوق، ولا مفعول، ولا محدث، فمن زعم أن شيئًا منه مخلوق أو محدث، أو زعم أن الكلام من صفة الفعل، فهو جهمي ضال مبتدع، وأقول: لم يزل الله متكلمًا، والكلام له صفة ذات، ومن زعم أن الله لم يتكلم إلَّا مرة، ولم يتكلم إلَّا ما يتكلم به، ثم انقضى كلامه، كفر بالله، وأنه ينزل تعالى إلى سماء الدنيا، فيقول: "هل من داع فأجيبه". فمن زعم أن علمه تنزل أوامره، ضل، ويكلم عباده بلا كيف ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، لا كما قالت الجهمية: إنه على الملك احتوى، ولا استولى. وإن الله يخاطب عباده عودًا وبدءًا، ويعيد عليهم قصصه وأمره ونهيه، ومن زعم غير ذلك، فهو ضال مبتدع. وساق سائر الاعتقاد.
قلت: كان أبو بكر الصبغي هذا عالم وقته، وكبير الشافعية بنيسابور، حمل عنه الحاكم علمًا كثيرًا.
стр. 6350
ولابن خزيمة ترجمة طويلة في "تاريخ نيسابور"، تكون بضعًا وعشرين ورقة، من ذلك وصيته، وقصيدتان رثي بهما. وضبط وفاته: في ثاني ذي القعدة، سنة إحدى عشرة وثلاث مائة، عاش تسعًا وثمانين سنة. وقد سمعنا "مختصر المختصر"، له عاليًا بفوت لي.
وفيها مات: أبو جعفر بن حمدان الحيري -صاحب "الصحيح"- وأبو جعفر أحمد بن عمرو الإلبيري -حافظ أهل الأندلس- وشيخ الحنابلة أبو بكر الخلال، وشيخ الصوفية بالعراق أبو محمد أحمد بن محمد الجريري -وقيل: اسمه حسن- وشيخ العربية أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج البغدادي، وصدر الوزراء حامد بن العباس، وحماد بن شاكر النسفي -صاحب البخاري- ومسند بغداد أبو محمد عبد الله بن إسحاق المدائني الأنماطي، وحافظ هراة أبو محمد عبد الله بن عروة، وحافظ مرو عبد الله بن محمود، ومحدث أنطاكية أبو طاهر بن فيل الهمداني، وشيخ الطب محمد بن زكريا الرازي الفيلسوف، ومسند نيسابور أبو العباس محمد بن شادل بن علي -مولى بني هاشم.
أخبرنا أحمد بن هبة الله، عن عبد المعز بن محمد، أخبرنا زاهر المستملي، أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم المقرئ، أخبرنا محمد بن الفضل بن محمد بن خزيمة، أخبرنا جدي، حدثنا أبو موسى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "من نسي صلاة، أو نام عنها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها" (١).
стр. 6351
٢٧٣٤ - الباغندي (١):
محمد بن محمد بن سليمان بن الحارث، الإمام، الحافظ الكبير، محدث العراق أبو بكر ابن المحدث أبي بكر الأزدي، الواسطي، الباغندي، أحد أئمة هذا الشأن ببغداد.
ولد سنة بضع عشرة ومائتين، وكان أول سماعه بواسط في سنة سبع وعشرين ومائتين.
سمع: علي بن المديني، وشيبان بن فروخ، وأبا بكر بن أبي شيبة، وهشام بن عمار، وسويد بن سعيد، ومحمد بن الصباح الجرجرائي، والصلت بن مسعود الجحدري، وأبا نعيم عبيد بن هشام الحلبي، وعبد الرحمن بن عبيد الله الحلبي، ومحمد بن سليمان لوين،
стр. 6352
ودحيمًا، وأحمد بن أبي الحواري، وعثمان بن أبي شيبة، وعبد الملك بن شعيب بن الليث، والحارث بن مسكين، ومحمد ابن زنبور المكي، ومحمد بن عبد الله بن نمير، ومحمود بن خالد الدمشقي، وخلقًا كثيرًا.
وجمع، وصنف، وعمر، وتفرد.
حدث عنه: ابن عقدة، والقاضي المحاملي، ومحمد بن مخلد، ودعلج السجزي، وأبو بكر الشافعي، والطبراني، وأبو علي ابن الصواف، وأبو عمر بن حيويه، وأبو حفص بن شاهين، وعلي بن عمر السكري، ومحمد بن المظفر، وأبو أحمد الحاكم، وأبو بكر بن المقرئ، وأبو بكر أحمد بن عبدان، وأبو بكر الإسماعيلي، وأبو الحسين أحمد بن محمد البحيري النيسابوري، وخلق سواهم.
قال أبو بكر الخطيب: رحل في الحديث إلى الأمصار البعيدة، وعني به العناية العظيمة، وأخذ عن الحفاظ والأئمة، وكان حافظًا فهمًا عارفًا، فسمعت أحمد بن علي البادا مذاكرة يقول: سمعت أبا بكر الأبهري يقول: سمعت أبا بكر الباغندي يقول: أنا أجيب في ثلاث مائة ألف مسألة من حديث رسول الله ﷺ . فأخبرت ابن المظفر بقول الأبهري، فقال: صدق، سمعته منه.
قال الخطيب: وسمعت هبة الله اللالكائي يقول: إن الباغندي كان يسرد الحديث من حفظه، ويهذه مثل تلاوة القرآن السريع القراءة، وكان يقول: حدثنا فلان، قال: حدثنا فلان، وحدثنا فلان. وهو يحرك رأسه حتى تسقط عمامته.
أخبرنا عمر بن عبد المنعم، أخبرنا عبد الصمد بن محمد القاضي حضورًا، أخبرنا أبو الحسن السلمي، أخبرنا ابن طلاب، أخبرنا ابن جميع، حدثنا أحمد بن محمد بن شجاع بالأهواز، قال: كنا عند إبراهيم بن موسى الجوزي ببغداد، وكان عنده أبو بكر الباغندي ينتقي عليه، فقال له إبراهيم: هوذا تضجرني، أنت أكثر حديثًا مني، وأحفظ، وأعرف. فقال له: لقد حبب إلي هذا الحديث، حسبك أني رأيت رسول الله ﷺ في النوم، فلم أقل له: ادع لي، وقلت يا رسول الله! أيما أثبت في الحديث: منصور أو الأعمش؟ فقال: منصور، منصور.
وقال العتيقي: سمعت عمر بن شاهين يقول: قام أبو بكر الباغندي ليصلي، فكبر، ثم قال: أخبرنا محمد بن سليمان لوين، فسبحنا به، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين.
стр. 6353
قال حمزة السهمي: سألنا الوزير جعفر بن الفضل بمصر عن الباغندي، فقال: لم أسمع منه، ولحقته، وكان للوزير الماضي حجرتان، إحداهما للباغندي، يجيئه، ويقرأ له، "والأخرى لليزيدي"، ثم قال: جعفر: فسمعت أبي يقول: كنت يومًا مع الباغندي في الحجرة يقرأ لي كتب أبي بكر بن أبي شيبة، فقام إلى الطهارة، فأخذ جزءًا "من حديث أبي بكر بن أبي شيبة، فإذا" على ظهره مكتوب: مربع، والباقي محكوك، فرجع، فرأى في يدي الجزء، فتغير وجهه، فقلت: أيش هذا مربع؟ فغير ذلك، ولم أفطن "له؛ لأني أول ما كنت دخلت في كتب الحديث"، ثم سألت عنه، فإذا الكتاب لمحمد بن إبراهيم مربع، فحكه، وترك مربع، فبرد عندي، ولم أخرج عنه شيئًا.
قال عمر بن حسن الأشناني: سمعت محمد بن أحمد بن أبي خيثمة -وذكر عنده أبو بكر الباغندي- فقال: ثقة، كثير الحديث، لو كان بالموصل، لخرجتم إليه، ولكنه يتطرح عليكم، ولا تريدونه.
قال الدراقطني في كتاب "المصحفين": حدثني أبي، أنه سمع أبا بكر الباغندي أملى عليهم في الجامع في حديث ذكره: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ "هويًا" بالياء وضم الهاء.
وقال الدارقطني في "الضعفاء": الباغندي مدلس مخلط، يسمع من بعض رفاقه، ثم يسقط من بينه وبين شيخه، وربما كانوا اثنين وثلاثة، وهو كثير الخطأ.
قال البرقاني: سألت أبا بكر الإسماعيلي عن ابن الباغندي، فقال: لا أتهمه في قصد الكذب، ولكنه خبيث التدليس، ومصحف أيضًا، كأنه تعلم من سويد التدليس.
وقال حمزة السهمي: سألت أبا بكر بن عبدان عن محمد بن محمد الباغندي: "هل يدخل في الصحيح"؟، فقال: لو خرجت "الصحيح"، لم أدخله فيه، كان يخلط ويدلس، وليس ممن كتبت عنه آثر عندي ولا أكثر حديثًا منه، إلَّا أنه شره، وهو أحفظ من أبي بكر بن أبي داود. وسألت أبا الحسن الدارقطني عنه، فقال: كثير التدليس، يحدث بما لم يسمع، وربما سرق.
قال الخطيب: لم يثبت من أمر الباغندي ما يعاب به سوى التدليس، ورأيت كافة شيوخنا يحتجون به، ويخرجونه في الصحيح.
قلت: يقع حديثه عاليًا للفخر بن البخاري، وطبقته.
стр. 6354
قال ابن شاهين: مات في يوم الجمعة، في عشرين شهر ذي الحجة، سنة اثنتي عشرة وثلاث مائة.
أخبرنا أبو الفضل أحمد بن هبة الله بن عساكر، أنبأنا أبو روح الهروي، أخبرنا أبو القاسم المستملي، أخبرنا أبو سعد الكنجروذي، أخبرنا أبو الحسين البحيري، أخبرنا محمد بن محمد بن سليمان، حدثنا شيبان، حدثنا حماد، حدثنا ثابت، وسليمان التيمي، عن أنس: أن رسول الله ﷺ قال: "أتيت -ليلة أسري بي- على موسى ﵇ عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره" أخرجه مسلم (١) عن شيبان.
أخبرنا علي بن أحمد في كتابه، أخبرنا عمر بن محمد، أخبرنا محمد بن عبد الباقي، أخبرنا أبو محمد الجوهري، أخبرنا محمد بن المظفر، حدثنا أبو بكر الباغندي، حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا البراء بن عبد الله الغنوي، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إلَّا أنبئكم بشرار هذه الأمة؟ هم الثرثارون المتفيهقون، إلَّا أنبئكم بخياركم؟ أحسنكم خلقًا". تفرد به: البراء. أخرجه البخاري، في كتاب "الأدب" (٢) له.
وفيها مات الحافظ أحمد بن عمرو الإلبيري الأندلسي، وأحمد بن محمد بن الأزهر، والحسن بن علي بن نصر الطوسي، والوزير أبو الحسن بن الفرات، وعبدوس بن أحمد بن عباد الهمذاني، وعلي بن الحسن بن قديد بمصر، ومحمد بن سليمان بن فارس الدلال، وأبو بكر محمد بن هارون بن المجدر، وشيخ الطريق أبو محمد الجريري.
стр. 6355
٢٧٣٥ - السراج (١):
محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران، الإمام، الحافظ، الثقة، شيخ الإسلام، محدث خراسان، أبو العباس الثقفي مولاهم، الخراساني، النيسابوري، صاحب "المسند الكبير" على الأبواب والتاريخ وغير ذلك، وأخو إبراهيم المحدث وإسماعيل.
стр. 6356
مولده في سنة ست عشرة ومائتين.
رأى يحيى بن يحيى التميمي، ولم يسمعه، وسمع من: إسحاق، وقتيبة بن سعيد، ومحمد بن بكار بن الريان، وبشر بن الوليد الكندي، وأبي معمر القطيعي، وداود بن رشيد، ومحمد بن حميد الرازي، ومحمد بن الصباح الجرجرائي، وعمرو بن زرارة، وأبي همام السكوني، وهناد بن السري، وأبي كريب، ومحمد بن أبان البلخي، والحسن بن عيسى بن ماسرجس، ومحمد بن عمرو زنيج، وأحمد بن المقدام، ومحمد بن رافع، ومجاهد بن موسى، وأحمد بن منيع، وزياد بن أيوب، ويعقوب الدورقي، وسوار بن عبد الله، وهارون الحمال، وعقبة بن مكرم العمي، وابن كرامة، وعبد الجبار بن العلاء، وعبد الله بن عمر بن أبان، وأبي سعيد الأشج، وعبد الله بن الجراح، وأحمد بن سعيد الدارمي، وعباد بن الوليد، وخلق سواهم، وينزل إلى: أحمد بن محمد البرتي، ومحمد بن إسماعيل الترمذي، والحسن بن سلام.
وسكن بغداد مدة طويلة، وحدث بها، ثم رد إلى وطنه.
حدث عنه: البخاري ومسلم بشيء يسير خارج الصحيحين، وأبو حاتم الرازي -أحد شيوخه- وأبو بكر بن أبي الدنيا، وعثمان بن السماك، والحافظ أبو علي النيسابوري، وأبو حاتم البستي، وأبو أحمد بن عدي، وأبو إسحاق المزكي، وإبراهيم بن عبد الله الأصبهاني، وأبو أحمد الحاكم، وعبيد الله بن محمد الفامي، وحسينك بن علي التميمي، وأبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي، وأبو بكر محمد بن محمد بن هانئ البزاز، والخليل بن أحمد السجزي القاضي، والقاضي يوسف بن القاسم الميانجي، وعبد الله بن أحمد الصيرفي، وسهل بن شاذويه البخاري -ومات قبله- وأبو العباس بن عقدة، وأبو سعيد بن أبي بكر بن أبي عثمان، ويحيى بن محمد العنبري، وأبو بكر بن مهران المقرئ، وأبو حامد أحمد بن محمد بن بالويه، وأبو الحسين أحمد بن محمد البحيري، وأبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن محفوظ العابد، وبشر بن محمد بن محمد بن ياسين الباهلي، والحسن بن أحمد بن محمد -والد أبي بكر أحمد بن الحسن الحيري- والحافظ أبو علي الحسين بن محمد الماسرجسي، وعبد الله بن أحمد بن جعفر الشيباني، وأبو عمرو بن حمدان الحيري، وأبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن خزيمة، وأبو الحسين محمد بن محمد بن يعقوب الحجاجي، ومحمد بن محمد بن سمعان الواعظ، ويحيى بن إسماعيل المزكي -عرف بالحربي- وخلق، آخرهم موتًا: الشيخ أبو الحسين أحمد بن محمد الخفاف القنطري -راوي بعض مسنده عنه.
стр. 6357
قال الخطيب: كان من الثقات الأثبات، عني بالحديث، وصنف كتبًا كثيرة، وهي معروفة.
أخبرنا أبو الفضل أحمد بن هبة الله بن أحمد بن عساكر قراءة عليه، أنبأنا المفتي أبو بكر القاسم بن عبد الله بن عمر النيسابوري ابن الصفار، أخبرنا أبو بكر وجيه بن طاهر الشحامي سنة تسع وثلاثين وخمس مائة، أخبرنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، ويعقوب بن أحمد الصيرفي، وأحمد بن عبد الرحيم الإسماعيلي، قالوا: أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد الخفاف، حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا عبد الأعلى، حدثنا داود بن أبي هند عن الشعبي، قال: سألت علقمة: هل كان عبد الله بن مسعود شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ فقال: لا، وكنا معه ليلة، ففقدناه، فبتنا بشر ليلة، فلما أصبحنا، إذا هو جاء من حراء، فقال: "إنه أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن". فانطلق بنا حتى أرانا آثارهم ونيرانهم، فسألوه عن الزاد، فقال: "لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه، يقع في يد أحدكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة علف لدوابكم". فقال رسول الله ﷺ : "لا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم من الجن" (١).
هذا حديث صحيح، عال. أخرجه: مسلم، وأبو داود، وأبو عيسى، والنسائي، من حديث عبد الله بن إدريس، وابن علية، وجماعة سمعوه من داود بن أبي هند. وفي روايتنا اختصار، وصوابه: فقال ابن مسعود: كنا معه.
ويقع حديث السراج عاليًا بالاتصال لابن البخاري.
أنبأنا المسلم بن علان، والمؤمل بن محمد، أخبرنا الكندي، أخبرنا الشيباني، أخبرنا الخطيب، أخبرنا أبو سعد الماليني، أخبرنا أحمد بن أبي عمران، أخبرنا علي بن الحسن بن خالد المروزي، أخبرنا محمد بن إسماعيل البخاري، أخبرنا محمد بن إسحاق السراج، حدثنا أخي إبراهيم، حدثنا محمد بن أبان، حدثنا جرير بن حازم، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "من أتى الجمعة، فليغتسل" (٢).
قال أبو بكر بن جعفر المزكي: سمعت السراج يقول: نظر محمد بن إسماعيل البخاري في "التاريخ" لي، وكتب منه بخطه أطباقًا، وقرأتها عليه.
стр. 6358
وروي عن أبي العباس السراج: أنه أشار إلى كتب له، فقال: هذه سبعون ألف مسألة لمالك، ما نفضت عنها الغبار مذ كتبتها.
قال أبو الوليد حسان بن محمد: دخل أبو العباس السراج على أبي عمرو الخفاف، فقال له: يا أبا العباس! من أين جمعت هذا المال؟ قال: بغيبة دهر أنا وأخواي إبراهيم وإسماعيل، غاب أخي إبراهيم أربعين سنة، وغاب أخي إسماعيل أربعين سنة، وغبت أنا مقيمًا ببغداد أربعين سنة، أكلنا الجشب (١)، ولبسنا الخشن، فاجتمع هذا المال، لكن أنت يا أبا عمرو! من أين جمعت هذا المال؟ -وكان لأبي عمرو مال عظيم- ثم قال: متمثلًا:
أتذكر إذ لحافك جلد شاة … وإذ نعلاك من جلد البعير
فسبحان الذي أعطاك ملكًا … وعلمك الجلوس على السرير
قال أبو العباس بن حمدان شيخ خوارزم: سمعت السراج يقول: رأيت في المنام كأني أرقى في سلم طويل، فصعدت تسعًا وتسعين درجة، فكل من أقصها عليه يقول: تعيش تسعًا وتسعين سنة. قال: ابن حمدان: فكان كذلك.
قلت: بل بلغ سبعًا، أو خمسًا وتسعين سنة، فقد قال: أبو إسحاق المزكي عنه: ولدت سنة ثماني عشرة ومائتين، وختمت عن رسول الله ﷺ اثني عشر ألف ختمة، وضحيت عنه اثني عشر ألف أضحية.
قلت: دليله حديث شريك، عن أبي الحسناء، عن الحكم، عن حنش، قال: رأيت عليًا ﵁ يضحي بكبشين، فقلت له: ما هذا؟ قال: أوصاني رسول الله ﷺ أن أضحي عنه. زاد الترمذي: واحد عن النبي ﷺ وواحد عن نفسه.
أخبرنا المسلم بن علان، والمؤمل بن محمد كتابة، قالا: أخبرنا الكندي، أخبرنا القزاز، أخبرنا الخطيب، أخبرنا رضوان بن محمد بالدينور، أخبرنا حمد بن عبد الله الأصبهاني، حدثنا أبو العباس بن أحمد الأردستاني، حدثنا أبو حاتم الرازي، حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي: سمعت أحمد بن سعيد الدارمي يقول: عادني محمد بن كثير الصنعاني، فقال: أقالك الله عثرتك، ورفع جنتك، وفرغك لعبادة ربك.
بلغنا أنه قيل لأبي العباس السراج، وهو يكتب في كهولته عن يحيى بن أبي طالب: إلى كم هذا؟ فقال: أما علمت أن صاحب الحديث لا يصبر؟!
стр. 6359
قال: عبد الرحمن بن أبي حاتم: أبو العباس السراج صدوق، ثقة.
وقال أبو إسحاق المزكي: كان السراج مجاب الدعوة.
قال محمد بن أحمد الدقاق: رأيت السراج يضحي كل أسبوع أو أسبوعين أضحية عن رسول الله ﷺ ثم يصيح بأصحاب الحديث، فيأكلون.
وكان أبو سهل الصعلوكي يقول: حدثنا أبو العباس السراج الأوحد في فنه، الأكمل في وزنه.
قال الحافظ أبو علي بن الأخرم الشيباني: استعان بي السراج في التخريج على "صحيح مسلم"، فكنت أتحير من كثرة الحديث الذي عنده، وحسن أصوله، وكان إذا وجد حديثًا عاليًا، يقول: لا بد أن تكتبه. فأقول: ليس من شرط صاحبنا. فيقول: فشفعني في هذا الحديث الواحد.
قال إسماعيل بن نجيد: رأيت أبا العباس السراج يركب حماره، وعباس المستملي بين يديه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يقول: يا عباس! غير كذا، اكسر كذا.
قال: أبو عبد الله الحاكم: سمعت أبي يقول: لما ورد الزعفراني، وأظهر خلق القرآن، سمعت السراج يقول: العنوا الزعفراني. فيضج الناس بلعنته، فنزح إلى بخارى.
قال الصعلوكي: كنا نقول: السراج كالسراج.
قال الحاكم: أخبرنا أبو أحمد بن أبي الحسن: أرسلني ابن خزيمة إلى السراج، فقال: قل له: أمسك عن ذكر أبي خليفة وأصحابه، فإن أهل البلد قد شوشوا. فأديت الرسالة، فزبرني.
قال الحاكم: وسمعت أبا سعيد بن أبي بكر يقول: لما وقع من أمر الكلابية ما وقع بنيسابور، كان أبو العباس السراج يمتحن أولاد الناس، فلا يحدث أولاد الكلابية، فأقامني في المجلس مرة، فقال: قل: أنا أبرأ إلى الله -تعالى- من الكلابية. فقلت: إن قلت هذا، لا يطعمني أبي الخبز. فضحك، وقال: دعوا هذا.
أبو زكريا العنبري: سمعت أبا عمرو الخفاف يقول لأبي العباس السراج: لو دخلت على الأمير، ونصحته. قال: فجاء وعنده أبو عمرو، فقال أبو عمرو: هذا شيخنا وأكبرنا، وقد حضر ينتفع الأمير بكلامه. فقال السراج: أيها الأمير! إن الإقامة كانت فرادى، وهي كذلك بالحرمين، وهي في جامعنا مثنى مثنى، وإن الدين خرج من الحرمين. قال: فخجل الأمير
стр. 6360
وأبو عمرو والجماعة، إذ كانوا قصدوا في أمر البلد، فلما خرج، عاتبوه، فقال: استحييت من الله أن أسأل أمر الدنيا وأدع أمر الدين.
قال أبو الوليد حسان بن محمد: سمعت أبا العباس السراج يقول: واأسفي على بغداد! فقيل له: ما حملك على فراقها؟ قال: أقام بها أخي إسماعيل خمسين سنة، فلما توفي ورفعت جنازته، سمعت رجلًا على باب الدرب يقول لآخر: من هذا الميت؟ قال: غريب كان هاهنا. فقلت: إنا لله، بعد طول مقام أخي بها، واشتهاره بالعلم والتجارة، يقال له: غريب كان هنا. فحملتني هذه الكلمة على الانصراف إلى الوطن.
قلت: كان أخوه إسماعيل السراج ثقة، عالمًا، مختصًا بأحمد بن حنبل، يروي عن: يحيى بن يحيى، وجماعة. روى عنه: إسماعيل الخطبي، وابن قانع، وطائفة.
أخبرنا إسماعيل بن إسماعيل في كتابه، أخبرنا أحمد بن تميم اللبلي ببعلبك، أخبرنا أبو روح بهراة، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن محمد الخفاف، حدثنا أبو العباس السراج إملاء، قال: من لم يقر بأن الله -تعالى- يعجب، ويضحك، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، فيقول: "من يسألني، فأعطيه"، فهو زنديق كافر يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين.
قلت: لا يكفر إلا إن علم أن الرسول ﷺ قاله، فإن جحد بعد ذلك، فهذا معاند -نسأل الله الهدى- وإن اعترف إن هذا حق، ولكن لا أخوض في معانيه، فقد أحسن، وإن آمن، وأول ذلك كله، أو تأول بعضه، فهو طريقة معروفة.
وقد كان السراج ذا ثروة وتجارة، وبر ومعروف، وله تعبد وتهجد، إلَّا أنه كان منافرًا للفقهاء أصحاب الرأي، والله يغفر له.
قال الحاكم: سمعت أبا سعيد المقرئ، سمعت السراج يقول عند حركاته إذا قام أو قعد: يا بغداد! واأسفى عليك، متى يقضى لي الرجوع إليك.
نقل الحاكم، وغيره: أن أبا العباس السراج مات في شهر ربيع الآخر، سنة ثلاث عشرة وثلاث مائة، بنيسابور.
أخبرنا محمد بن عبد السلام التميمي، وأحمد بن هبة الله بن تاج الأمناء قراءة، عن عبد المعز بن محمد البزاز، أخبرنا محمد بن إسماعيل الفضيلي، أخبرنا سعيد بن أبي سعيد
стр. 6361
العيار، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد، أخبرنا أبو العباس السراج، أخبرنا قتيبة بن سعيد، أخبرنا الليث، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، أنه قال: "قضى رسول الله ﷺ في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتًا بغرة عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت، فقضى رسول الله ﷺ بأن ميراثها لبينها وزوجها، وأن العقل على عصبتها" (١). أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، عن قتيبة.
وقال أبو يعلى الخليلي في "إرشاده": محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران بن عبد الله بن العباس الثقفي: ثقة، متفق عليه من شرط "الصحيح"، سمع حتى كتب عن الأقران ومن هو أصغر منه سنًا، لعلمه وتبحره، سمعت أنه كتب عن ألف وخمس مائة، وزيادة.
سمع منه: البخاري، وأبو حاتم، والحسن بن سفيان، وابن خزيمة.
ومات مع السراج: الثقة أبو العباس أحمد بن عبد الله بن سابور الدقاق، ومسند نيسابور أبو العباس أحمد بن محمد بن الحسين الماسرجسي، والعلامة أبو القاسم ثابت بن حزم بن مطرف السرقسطي اللغوي، ومحدث الكوفة أبو محمد عبد الله بن زيدان بن بريد البجلي العابد، وأبو عمر عبد الله بن عثمان العثماني -صاحب ابن المديني- والفقيه أبو الحسن علي ابن محمد بن بشار البغدادي الزاهد، والمحدث أبو جعفر محمد بن أحمد بن أبي عون النسوي، وأبو عبد الله محمد ابن إبراهيم بن زياد الطيالسي، وأبو لبيد محمد بن إدريس بن إياس السامي السرخسي، والحافظ أبو قريش محمد بن جمعة القهستاني، والقاضي أبو عبيد الله محمد بن عبدة بن حرب -وليس بثقة- وإمام جامع واسط يوسف بن يعقوب الواسطي.
стр. 6362
٢٧٣٦ - السعدي:
الشيخ العالم الحافظ، محدث مرو، أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمود بن عبد الله السعدي، المروزي.
سمع: حبان بن موسى، وعلي بن حجر، وعتبة بن عبد الله، ومحمود بن غيلان، وعمر بن شبة، وعدة.
حدث عنه: أبو منصور الأزهري، والفقيه أحمد بن سعيد المعداني، وأبو الفضل محمد بن الحسين الحدادي، وآخرون. وقد سمع منه إمام الأئمة؛ ابن خزيمة، وماتا في عام، سنة إحدى عشرة.
قال أبو عبد الله الحاكم: ثقة، مأمون.
وقال الخليلي: حافظ، عالم بهذا الشأن، كان أبوه قد سمع من سفيان بن عيينة.
قرأت على أبي الفضل بن عساكر، عن أبي روح الهروي، أخبرنا محمد بن محمد بن الحسين، وأبو النضر الفامي، قالا: أخبرنا الحسين بن محمد الكتبي، أخبرنا أبو نصر محمد بن بكر الخلال المروزي، أخبرنا أبو الفضل محمد بن الحسين الحدادي، أخبرنا عبد الله بن محمود، حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا الفضل بن موسى، أخبرنا عبد الله بن سعيد، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ" (١).
وقع هذا لنا في الصحيح عاليًا، من رواية مكي بن إبراهيم.
стр. 6363
٢٧٣٧ - ابن وهب (١):
العالم الحافظ البارع الرحال، أبو محمد عبد الله بن محمد بن وهب الدينوري.
سمع: أبا عمير بن النحاس الرملي، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، وأبا سعيد الأشج، ومحمد بن الوليد البسري، وأحمد ابن أخي ابن وهب، ويونس بن عبد الأعلى، وطبقتهم بمصر، والشام، والعراق، والحجاز. وصنف، وخرج.
حدث عنه: جعفر الفريابي -وهو أكبر منه- والحافظ أبو علي النيسابوري، والقاضي يوسف الميانجي، والقاضي أبو بكر الأبهري، وعمر بن سهل الدينوري، وعبد الله بن سعيد البروجردي -وهو آخر من حدث عنه.
قال الحافظ أبو علي: بلغني أن أبا زرعة الرازي كان يعجز عن مذاكرة ابن وهب الدينوري.
وقال أبو أحمد بن عدي: كان ابن وهب يحفظ، وسمعت عمر بن سهل يرميه بالكذب، وسمعت أبا العباس بن عقدة يقول: كتب إلي ابن وهب الدينوري جزأين من غرائبه عن سفيان الثوري، فلم أعرف منهما إلَّا حديثين، وكنت أتهمه.
стр. 6364
وقال الدارقطني: متروك الحديث.
قال أبو علي الحافظ: سمعت ابن وهب الدينوري يقول حضرت أبا زرعة وخراساني يلقي عليه الموضوعات، وهو يقول: باطل، والرجل يضحك، ويقول: كل مالا تحفظه تقول: باطل. فقلت: يا هذا! ما مذهبك؟ قال: حنفي. قلت: ما أسند أبو حنيفة عن حماد؟ فوقف فقلت: يا أبا زرعة! ما تحفظ لأبي حنيفة عن حماد؟ فسرد له أحاديث، فقلت للعلج: ألا تستحي، تقصد إمام المسلمين بالموضوعات، وأنت لا تحفظ حديثًا لإمامك؟! قال: فأعجب ذلك أبا زرعة، وقبلني.
قال الحافظ ابن عدي: وقد قبل قوم ابن وهب الدينوري، وصدقوه.
وقال الحاكم: سألت أبا علي الحفاظ عن ابن وهب الدينوري، فقال: كان حافظًا.
وقال السلمي: سألت الدارقطني عنه، فقال: كان يضع الحديث.
وقال ابن أبي الفوارس، والبرقاني، عن الدارقطني: متروك.
قلت: هو عبد الله بن حمدان بن وهب، وما عرفت له متنا يتهم به، فأذكره، أما في تركيب الإسناد، فلعله مات سنة ثمان وثلاث مائة.
حدثنا أحمد بن إسحاق، أخبرنا عمر بن كرم، أخبرنا عبد الأول بن عيسى، أخبرنا عبد الوهاب بن أحمد، حدثنا محمد بن الحسين السلمي، حدثنا الحسين بن علي بن يزيد الحافظ، حدثنا عبد الله بن حمدان بن وهب، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن خالد الأصم، حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن زياد بن سعد: أن ابن شهاب أخبره، عن عروة، عن عائشة: "أن رسول الله ﷺ كان يصلي من الليل فيما بين صلاة العشاء الآخرة إلى طلوع الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بركعة واحدة" (١). غريب.
стр. 6365
٢٧٣٨ - ابن بجير (١):
الإمام الحافظ الثبت الجوال، مصنف "المسند"، أبو حفص عمر بن محمد بن بجير الهمداني، السمرقندي، محدث ما وراء النهر، ومصنف "التفسير" أيضًا، و"الصحيح"، وغير ذلك.
كان من أوعية العلم. ولد سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وكان أبوه صاحب حديث، ومن أصحاب عارم وطبقته، فرحل بابنه عمر إلى الأقاليم.
حدث عن: عيسى بن حماد زغبة، وبشر بن معاذ العقدي، وعمرو بن علي الفلاس، ومحمد بن معاوية، خال الدارمي، وأحمد بن عبدة الضبي، وأبي الأشعث أحمد بن المقدام، وبندار، وطبقتهم.
حدث عنه: محمد بن محمد بن صابر، ومحمد بن بكر الدهقان، ومحمد بن أحمد بن عمران الشاشي، ومحمد بن علي المؤدب، ومعمر بن جبريل الكرميني، وأعين بن جعفر السمرقندي، وعيسى بن موسى الكسائي، وآخرون.
ولما أن وصل إلى مصر، صادفته جنازة الحافظ أحمد بن صالح، فشيعها، وتألم لفواته.
قال أبو سعد الإدريسي: كان فاضلًا، خيرًا، ثبتًا في الحديث، له الغاية في طلب الآثار والرحلة.
قلت: لم يقع لي حديثه عاليًا، وهو تفرد -مع صدقه- بحديث غريب صالح الإسناد، فقال: أخبرنا العباس بن الوليد الخلال، حدثنا مروان بن محمد، حدثنا معاوية بن سلام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي نضرة: عن أبي سعيد مرفوعًا، قال: "إن الله زادكم صلاة إلى صلاتكم هي خير من حمر النعم، ألا وهي الركعتان قبل صلاة الفجر".
توفي ابن بجير في سنة إحدى عشرة وثلاث مائة.
أخبرنا أحمد بن هبة الله، عن عبد الرحيم بن أبي سعيد، أخبرنا عثمان بن علي، أخبرنا علي بن محمد بن خذام الواعظ، حدثنا جدي؛ القاضي أبو علي النسفي أحمد بن محمد بن عمر بن محمد بن بجير، أخبرنا جدي؛ أبو حفص، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا فليح، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "كل أمتي تدخل الجنة إلَّا من أبى". قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى" (٢).
стр. 6366
٢٧٣٩ - ابن معدان (١):
الإمام الحافظ المصنف، أبو بكر، محمد بن أحمد بن راشد بن معدان الثقفي مولاهم، الأصبهاني.
سمع: سلم بن جنادة، وموسى بن عامر الدمشقي، وإبراهيم بن سعيد الجوهري، والربيع المرادي، وأحمد بن الفرات، وعدة.
وعنه: أبو الشيخ، والطبراني، وأبو بكر بن المقرئ، وأهل بلده.
قال أبو الشيخ: هو محدث ابن محدث، كثير التصانيف، توفي بكرمان، سنة تسع وثلاث مائة.
٢٧٤٠ - الماسرجسي (٢):
الإمام المحدث، العالم الثقة، أبو العباس أحمد بن محمد بن الحسين بن عيسى الماسرجسي، سبط الحسن بن عيسى بن ماسرجس النيسابوري.
سمع: جده، وإسحاق بن راهويه، وشيبان بن فروخ، والربيع بن ثعلب، ووهب بن بقية، وعمرو بن زرارة، وطبقتهم.
حدث عنه: الحافظ أبو علي النيسابوري، وأبو إسحاق المزكي، وأبو سهل الصعلوكي، وأبو أحمد الحاكم، وآخرون.
مات في صفر، سنة ثلاث عشرة وثلاث مائة، وهو في عشر المائة، وكان من وجوه أهل بلده وعلمائهم، ﵀.
أخبرنا أبو الفضل أحمد بن هبة الله بن تاج الأمناء بقراءتي، أخبرنا عبد المعز بن محمد في كتابه، أخبرنا تميم بن أبي سعيد، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الكنجروذي سنة تسع وأربعين وأربع مائة، أخبرنا محمد بن محمد الحافظ، أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسين الماسرجسي، حدثنا إسحاق الحنظلي، أخبرنا عبد العزيز بن محمد، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: عن رسول الله ﷺ قال: "من أشرك بالله، فليس بمحصن".
قال أبو أحمد محمد بن محمد الحافظ: لا أعلم حدث به غير إسحاق، عن الدراوردي.
стр. 6367
٢٧٤١ - جماهر بن محمد:
ابن أحمد بن حمزة، الشيخ، الثقة، المحدث، أبو الأزهر الغساني، الزملكاني، الدمشقي.
حدث عن: هشام بن عمار، وأحمد بن أبي الحواري، وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم، ومحمود بن خالد، وطائفة.
حدث عنه: أبو زرعة وأبو بكر؛ ابنا أبي دجانة، وأبو بكر بن السني، وحمزة الكناني، وأبو سليمان بن زبر، وجمح بن القاسم، وأبو بكر بن المقرئ، ومحمد بن سليمان الربعي، وآخرون.
وثقه حمزة الكناني.
مات في المحرم، سنة ثلاث عشرة وثلاث مائة.
٢٧٤٢ - الغازي (١):
الإمام الثقة الحافظ، أبو الحسين، محمد بن إبراهيم بن شعيب الجرجاني، الغازي.
سمع: محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، وعمرو بن علي الفلاس، ومحمد بن حميد الرازي، ومحمد بن عبد الملك ابن زنجويه، ومحمد بن يحيى الذهلي، والبخاري، وأبا زرعة الرازي.
وعنه: أبو أحمد بن عدي، وأبو بكر الإسماعيلي، وأبو أحمد الحاكم، وجماعة.
لم أقع بتاريخ وفاته، وهي سنة نيف عشرة.
قرأنا على ابن تاج الأمناء، عن عبد المعز بن محمد، أخبرنا تميم المؤدب، أخبرنا أبو سعد الكنجروذي، أخبرنا محمد بن محمد الحافظ، أخبرنا محمد بن إبراهيم الغازي، حدثنا محمد -هو ابن حميد- حدثنا الحكم بن بشير، عن عمرو بن قيس الملائي، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، قال: قال: رسول الله ﷺ : "إذا كان رمضان، تفتح أبواب الجنة جميعًا، وتغلق أبواب النار كلها، وتغل مردة الشياطين" (٢).
стр. 6368
٢٧٤٣ - ابن عبدة (١):
قاضي القضاة، أبو عبيد الله، محمد بن عبدة بن حرب العباداني، البصري.
حدث عن: علي بن المديني، وهدبة بن خالد، وعبد الأعلى بن حماد، وكامل بن طلحة، وعدة.
حدث عنه: عبد العزيز بن جعفر الخرقي، وعلي بن لؤلؤ الوراق، وأبو حفص بن الزيات، وعلي بن عمر الحربي، وآخرون، وهو واه.
قال الحسن بن زولاق: أقامت مصر بعد بكار بن قتيبة بغير قاض ثلاثة أعوام، ثم ولي خمارويه -يعني: صاحب مصر- أبا عبيد الله محمد بن عبدة المظالم بمصر، فنظر بين الناس إلى آخر سنة سبع وسبعين ومائتين، ثم ولاه القضاء، فأخبرنا محمد بن الربيع، قال: ثم ولي محمد بن عبدة، فأظهر كتابه من قبل المعتمد، وكان جبارًا متملكًا، جوادًا مفضلًا. وذكر أنه كان له مائة مملوك ما بين خصي وفحل، وكان يذهب إلى قول أبي حنيفة، وكان عارفًا بالحديث، استكتب أبا جعفر الطحاوي واستخلفه، وأغناه، وكان الشهود يرهبون أبا عبيد الله ويخافونه، وأنشأ دارًا، قيل: أنفق عليها مائة ألف دينار، سوى ثمن مكانها، وكان يقول: السعيد من قضى لي حاجة.
وكان خمارويه يعظمه ويجله، ويجري عليه في الشهر ثلاثة آلاف دينار.
وكان ينظر في القضاء، والمظالم، والمواريث، والحسبة، والأوقاف.
وكان له مجلس في الفقه، ومجلس للحديث.
стр. 6369
وحدثني إبراهيم بن أحمد المعدل: أن أبا عبيد الله وهب رجلًا اختلت حاله -لا يعرفه- في ساعة واحدة ما مبلغه ألف دينار.
وكان يطعم الناس في داره في العيد، فقل من يتأخر عنه من الكبار. وتأخر شاهد عن مجلسه، فأمر بحبسه.
وكان أبو جعفر الطحاوي يكتب له، ويقول بحضرته للخصوم: من مذهب القاضي -أيده الله- كذا وكذا، ومن مذهبه كذا وكذا، حاملًا عنه المؤنة، إلى أن قال: وأحس أبو عبيد الله تيهًا من الطحاوي، فقال: ما هذا الذي أنت فيه؟!
وقد حدث بمصر وببغداد، وكانت له ببغداد لوثة مع أصحاب الحديث.
وكان قوي القلب واللسان، رأى من خمارويه انكسارًا، فقال: ما الخبر؟ قال: ضيق مال، واستئثار القواد بالضياع. فخرج إليهم القاضي، وكلمهم في مكان من الدار -لبدر وفائق وصافي وجماعة- وقال: ما هذا الذي يلقاه الأمير!؟ والله أشد السيف والمنطقة، وأحمل عنه. ثم وافقهم على أمور رضيها خمارويه، وشكره عليها.
ولم يزل أمر أبي عبيد الله يقوى إلى أن زالت أيامه، وانحرف أهل البلد عن أصحابه، وشنؤوهم بالطهماني. ولم يزل على حاله حتى قتل خمارويه بدمشق، ووصل تابوته، فصلى عليه أبو عبيد الله. ثم جرت أمور، واختفى القاضي في داره مدة سنتين، فكانت مدة ولايته سبع سنين سوى أشهر. ثم ظهر، وتغيرت الدولة، وولي قضاء مصر ثانيًا في سنة اثنتين وتسعين، فحكم شهرين، ثم ذهب إلى بغداد.
قلت رماه ابن عدي بالكذب.
وقال أبو بكر البرقاني: هو من المتروكين.
وحدث أيضًا بالموصل، وعمر، وبقي إلى سنة ثلاث عشرة وثلاث مائة. وعاش: نيفًا وتسعين سنة، وبقي بطالًا عشرين سنة.
قال إبراهيم بن المعدل: قال: ابن عبدة للطحاوي: ما هذا؟ والله لئن أرسلت بقصبة، فنصبت في حارتك، لترين الناس يقولون: قصبة القاضي -يعني: يعظمونها- قلت: إلى صرامته المنتهى، وهو في باب الرواية تالف، متهم.
стр. 6370
٢٧٤٤ - ابن عبيدة (١):
الإمام الحافظ الرحال الثقة، أبو بكر، أحمد بن محمد بن عبيدة بن زياد النيسابوري الشعراني، المستملي.
سمع: علي بن خشرم، ومحمد بن رافع، وعمر بن شبة، ويونس بن عبد الأعلى، وطبقتهم.
روى عنه: محمد بن الأخرم، ويحيى العنبري، وأبو بكر الصبغي، ومحمد بن صالح بن هانئ، والجعابي، وعبد الله بن إبراهيم الزبيبي، وعدة من البغداديين والنيسابوريين.
وثقه الخطيب، وما ذكر له وفاة.
٢٧٤٥ - ابن سلم (٢):
الحافظ العالم الثبت، أبو الحسن علي بن الحسن بن سلم الأصبهاني.
سمع: محمد بن يحيى الذهلي، وأحمد بن الأزهر، ومحمد بن الوليد البسري، ويحيى بن حكيم المقوم، وأحمد بن الفرات، ومحمد بن عاصم، وإسماعيل بن يزيد بن القطان، وطبقتهم.
حدث عنه: القاضي أبو أحمد العسال، وأبو الشيخ، والحافظ أبو علي النيسابوري، وأبو بكر بن المقرئ، وجماعة.
قال الحاكم: توفي بالري، سنة تسع وثلاث مائة.
قرأت على فاطمة بنت سليمان، أخبرنا المسلم بن أحمد سنة ثمان وعشرين وست مائة، أخبرنا علي بن الحسن الحافظ سنة ثمان وأربعين وخمس مائة، أخبرنا أبو القاسم النسيب، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن التميمي، أخبرنا يوسف القاضي، أخبرنا علي بن الحسن بن سلم الأصبهاني بالري، حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن أبي كريب، عن جابر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ويل للعراقيب من النار" (٣).
قال: الحافظ أبو علي النيسابوري: خرجت إلى الري، وبها علي بن الحسن بن سلم، وكان من أحفظ مشايخنا، فأفادني عن إبراهيم بن يوسف الهسنجاني، وغيره.
стр. 6371
٢٧٤٦ - ابن حَيُّون (١):
الإمام البارع المتقن، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن حيون الأندلسي، الحجاري -بالراء- نسبة إلى مدينة وادي الحجارة.
كان من الحفاظ النقاد.
سمع: محمد بن وضاح، ومحمد بن عبد السلام الخشني، وإسحاق بن إبراهيم الدبري اليمني، وعلي بن عبد العزيز البغوي، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وطبقتهم.
فأكثر وجود. وفيه تشيع بلا غلو.
حدث عنه: قاسم بن أصبغ، ووهب بن مسرة، وأبو عمر أحمد بن سعيد بن حزم الصدفي، وخالد بن سعد، وآخرون.
قال خالد بن سعد: لو كان الصدق إنسانًا، لكان ابن حيون.
وقال ابن الفرضي في "تاريخه": لم يكن بالأندلس قبله أبصر بالحديث منه.
قلت: قد كان قبله مثل بقي بن مخلد، وابن وضاح، وما قال: ابن الفرضي هذا القول، إلَّا وابن حيون رأس في الحفظ.
مات في آخر الكهولة، في سنة خمس وثلاث مائة، وهو من أقران الطبراني، وإنما قدمه إلى هنا كونه مات قبل أوان الرواية، ولقد كان من فرسان الحديث، ﵀.
وأما الطبراني، فقد عاش إلى سنة ستين وثلاث مائة، وصار شيخ الإسلام.
стр. 6372
٢٧٤٧ - السنجي (١):
الإمام الحافظ الكبير أبو علي، الحسين بن محمد بن مصعب بن رزيق المروزي، السنجي.
حدث عن: علي بن خشرم، ويحيى بن حكيم المقوم، وأبي سعيد الأشج، ومحمد بن الوليد البسري، ويونس بن عبد الأعلى، والربيع، ومحمد بن عبد الله بن قهزاذ، وطبقتهم، فأكثر حتى قيل: ما كان بخراسان أحد أكثر حديثًا منه. قاله: ابن ماكولا.
وكف بصره بأخرة.
وكان لا يكاد يحدث أهل الرأي؛ لأنهم يسمعون الحديث ويعدلون عنه إلى القياس.
حدث عنه: أبو حاتم البستي في كتبه، وزاهر بن أحمد السرخسي، وأبو حامد أحمد بن عبد الله النعيمي، وطائفة.
مات سنة خمس عشرة وثلاث مائة.
أخبرنا أبو بكر بن أحمد، أخبرنا محمد بن عبد الواحد الحافظ، أخبرنا عبد المعز بن محمد "ح". وأخبرنا ابن هبة الله، أخبرنا عبد المعز في كتابه، أخبرنا زاهر بن طاهر، أخبرنا سعيد بن محمد البحيري، أخبرنا زاهر بن أحمد الفقيه، أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد بن مصعب بسنج، حدثنا علي بن خشرم، أخبرنا عيسى بن يونس، عن شعبة، عن قتادة، عن زرارة ابن أوفى، عن سعد بن هشام الأنصاري، عن عائشة، قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا عمل عملًا، أثبته، وكان إذا نام من الليل أو مرض، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة، وما رأيت رسول الله قام ليلة حتى الصباح، ولا صام شهرًا متتابعًا إلَّا رمضان" مسلم (٢) عن علي بن خشرم.
وقيل: مات ابن مصعب في رجب، سنة ست عشرة وثلاث مائة.
стр. 6373
٢٧٤٨ - محمد بن عقيل (١):
ابن الأزهر بن عقيل، الحافظ الإمام، الثقة الأوحد، أبو عبد الله البلخي، محدث بلخ، وصاحب "المسند الكبير"، و"التاريخ"، و"الأبواب".
سمع: علي بن خشرم، وحم بن نوح، وعباد بن الوليد الغبري، وعلي بن إشكاب، ومحمد بن الفضل، وطبقتهم بخراسان، والعراق.
حدث عنه: محمد بن عبد الله الهندواني، وعبد الرحمن بن أبي شريح، وجماعة من أهل تلك الديار.
وكان من أوعية الحديث. لم تتصل بنا أخباره كما ينبغي.
توفي في شوال، سنة ست عشرة وثلاث مائة، من أبناء الثمانين، ﵀.
ومن حديثه: أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد، وأحمد بن محمد، ومحمد بن إبراهيم النحوي، وجماعة، قالوا: أخبرنا عبد الله بن عمر، وأخبرنا أحمد بن إسحاق، أخبرنا زكريا بن علي العلبي، قالا: أخبرنا عبد الأول بن عيسى، أخبرتنا بيبى بنت عبد الصمد، أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد، حدثنا محمد بن عقيل، حدثنا علي بن إشكاب، حدثنا إسحاق الأزرق عن سفيان عن زبيد عن أبي وائل عن مسروق عن عبد الله قال: قال: رسول الله ﷺ : "قتال المسلم كفر، وسبابه فسوق" (٢).
٢٧٤٩ - ابن أسيد (٣):
الإمام المجود الحافظ الرحال، صاحب "المسند الكبير"، أبو محمد عبد الله بن أحمد بن أسيد الأصبهاني.
سمع: نصر بن علي الجهضمي، وسلم بن جنادة، وعبد الرحمن بن عمر رسته، وابن الفرات.
وعنه: الطستي، وعثمان بن السماك، وأحمد بن بندار، وأبو الشيخ، وأبو بكر الطلحي، وآخرون.
توفي سنة عشر وثلاث مائة.
стр. 6374
٢٧٥٠ - أبو عوانة (١):
الإمام الحافظ الكبير الجوال، أبو عوانة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد النيسابوري الأصل، الإسفراييني، صاحب "المسند الصحيح"؛ الذي خرجه على "صحيح مسلم"، وزاد أحاديث قليلة في أواخر الأبواب.
مولده بعد الثلاثين ومائتين، وسمع بالحرمين، والشام، ومصر، واليمن، والثغور، والعراق، والجزيرة، وخراسان، وفارس، وأصبهان. وأكثر الترحال، وبرع في هذا الشأن، وبذ الأقران.
سمع: يونس بن عبد الأعلى، وعلي بن حرب الطائي، ومحمد بن يحيى الذهلي، وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب، وشعيب بن حرب الضبعي، وزكريا بن يحيى بن أسد المروزي، وسعد بن مسعود المروزي، وسعدان بن نصر، وعمر بن شبة، وعيسى بن أحمد البلخي، وعلي بن إشكاب، وعبد السلام بن أبي فروة النصيبي -صاحبًا لابن عيينة- وعطية بن بقية بن الوليد، وأبا ثور عمرو بن سعد بن عمرو الشعباني -صاحبًا لابن وهب- ومحمد بن سليمان بن بنت مطر، وأبا زرعة الرازي، وأبا جعفر بن المنادي، ومحمد بن عقيل النيسابوري، ومحمد بن إسماعيل الأحمسي، ومحمد بن عبد الله بن ميمون الإسكندراني، وموسى بن نصر الرازي، وأبا سلمة المسلم بن محمد بن المسلم بن عفان الصنعاني الفقيه، حدثه عن عبد الملك بن عبد الرحمن الذماري، وموهب بن يزيد بن موهب الرملي: حدثني ابن وهب، وأحمد بن محمد ابن أبي رجاء المصيصي، وأحمد بن يوسف السلمي، وأحمد بن سعيد الدارمي، وأحمد بن شيبان الرملي، وأحمد بن محمد بن عثمان الثقفي، عن الوليد بن مسلم. وأخطل بن الحكم: عن بقية، وإسماعيل بن عباد الأرسوفي، عن ضمرة، وأحمد بن ملاعب، وأحمد بن الجبار العطاردي، وأحمد بن حسن بن عبد القاسم رسول نفسه -من
стр. 6375
أصحاب ابن عيينة- وبحر بن نصر الخولاني، والربيع المرادي، وبشر بن مطر، والحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، وخلقًا كثيرًا. وينزل إلى أن يروي عن: عبد الله بن أحمد، وعبد الرحمن بن خراش، وعبدان.
حدث عنه: أحمد بن علي الرازي الحافظ، وأبو علي النيسابوري الحافظ، ويحيى بن منصور، وسليمان بن أحمد الطبراني، وأبو أحمد بن عدي، وأبو بكر الإسماعيلي، وحسينك بن علي التميمي، وولده؛ أبو مصعب محمد بن أبي عوانة، وأبو أحمد محمد بن أحمد الغطريفي، وجماعة، خاتمتهم: ابن ابن أخته أبو نعيم عبد الملك بن الحسن.
وقد دخل دمشق مرات.
قال أبو عبد الله الحاكم: أبو عوانة من علماء الحديث وأثباتهم، سمعت ابنه محمدًا يقول: إنه توفي سنة ست عشرة وثلاث مائة.
وقال ابن أخت أبي عوانة؛ المحدث الحسن بن محمد الإسفراييني: توفي أبو عوانة في سلخ ذي الحجة، سنة ست عشرة.
وقال غيره: بني على قبر أبي عوانة مشهد بإسفرايين يزار، وهو في داخل المدينة، وكان ﵀ أول من أدخل إسفرايين مذهب الشافعي وكتبه، حملها على الربيع المرادي، والمزني.
ومن عبارة الحاكم في "تاريخه": أبو عوانة سمع: محمد بن يحيى، ومسلم بن الحجاج، وأحمد بن سعيد الدارمي، وأبا زرعة، وأبا حاتم، وابن وارة، ويعقوب بن سفيان، وسعدان، وابن عبد الحكم، والمزني، وصالح بن أحمد بن حنبل، وعمرو بن عبد الله الأودي، ومحمد بن المقرئ، وأحمد بن سنان، وأسيد بن عاصم، وهارون بن سليمان. وسمى جماعة ثم أثنى عليه.
أخبرنا أبو الفضل أحمد بن هبة الله بن أحمد قراءة عليه، عن القاسم بن أبي سعيد الصفار، أخبرنا هبة الرحمن بن عبد الواحد، أخبرنا عبد الحميد بن عبد الرحمن البحيري، وأخبرنا أحمد، عن أبي المظفر بن السمعاني، أخبرنا عبد الله بن محمد الصاعدي، أخبرنا عثمان بن محمد المحمي، قالا: أخبرنا عبد الملك بن الحسن، أخبرنا أبو عوانة الحافظ، حدثنا بشر بن مطر، حدثنا سفيان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أن عمر أتى النبي ﷺ وقد كان ملك مائة سهم من خيبر اشتراها حتى استجمعها، فقال للنبي ﷺ : قد أصبت مالًا