← Тараджим

Тараджим · id 22669

سير أعلام النبلاء - ط الحديث

شمس الدين الذهبي

Полный текст (9 721 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وأما الشعر فنزهه الله تعالى عن الشعر قال -تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، فما قال الشعر مع كثرته وجودته في قريش، وجريان قرائحهم به، وقد يقع شيء نادر في كلامه ﵇ موزونا، فما صار بذلك شاعرا قط، كقوله: أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب وقوله: هل أنت إلا إصبع دميت … وفي سبيل الله ما لقيت ومثل هذا قد يقع في كتب الفقه والطب وغير ذلك مما يقع اتفاقا، ولا يقصده المؤلف ولا يشعر به، أفيقول مسلم قط: إن قوله تعالى: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣]، هو بيت؟! معاذ الله وإنما صادف وزنا في الجملة، والله أعلم. وقال في "السير" "١٣/ ٢٠٨": المشركون والكتابيون وغيرهم عرفوا الله -تعالى- بمعنى أنهم لم يحجدوه، وعرفوا أنه خالقهم، قال -تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، وقال: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠] فهؤلاء لم ينكروا البارئ، ولا جحدوا الصانع، بل عرفوه، وإنما جهلوا نعوته المقدسة، وقالوا عليه ما لا يعلمون، والمؤمن يعرف ربه بصفات الكمال، ونفى عنه سمات النقص في الجملة، وآمن بربه، وكف عما لا يعلم، فبهذا يتبين لك أن الكافر عرف الله من وجه، وجهله من وجوه، والنبيون عرفوا الله تعالى، وبعضهم أكمل معرفة لله، والأولياء فعرفوه معرفة جيدة، ولكنها دون معرفة الأنبياء، ثم المؤمنون العالمون بعدهم، ثم الصالحون دونهم. فالناس في معرفة ربهم متفاوتون، كما أن إيمانهم يزيد وينقص، بل وكذلك الأمة في الإيمان بنبيهم والمعرفة له على مراتب، فأرفعهم في ذلك أبو بكر الصديق مثلا، ثم عدد من السابقين، ثم سائر الصحابة، ثم علماء التابعين، إلى أن تنتهي المعرفة به والإيمان به إلى أعرابي جاهل وامرأة من نساء القرى، ودون كذلك وذلك القول في معرفة الناس لدين الإسلام. وقال في "السير" "٨/ ١٤٥": قال هارون بن عبد الله الحمال: ما رأيت أخشع لله من وكيع، وكان عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد أخشع منه.

стр. 72

فعقب الذهبي بقوله: قلت: خشوع وكيع مع إمامته في السنة، جعله مقدما، بخلاف خشوع هذا المرجئ -عبد المجيد عبد العزيز عفا الله عنه- أعاذنا الله وإياكم من مخالفة السنة، وقد كان على الإرجاء عدد كثير من علماء الأمة، فهلا عد مذهبا، وهو قولهم: أنا مؤمن حقا عند الله الساعة مع اعترافهم بأنهم لا يدرون بما يموت عليهم المسلم من كفر أو إيمان، وهذه قوله خفيفة، وإنما الصعب من قول غلاة المرجئة: أن الإيمان هو الاعتقاد بالأفئدة، وأن تارك الصلاة والزكاة، وشارب الخمر، وقاتل الأنفس، والزاني، وجميع هؤلاء يكونون مؤمنين كاملي الإيمان، ولا يدخلون النار ولا يعذبون أبدا. فردوا أحاديث الشفاعة المتواترة، وجسروا كل فاسق وقاطع طريق على الموبقات نعوذ بالله من الخذلان. وقال الذهبي في "السير" "١١/ ٣١٢": كل من أحب الشيخين فليس بغال، بلى من تعرض لهما بشيء من تنقص فإنه رافضي غال، فإن سب، فهو من شرار الرافضة، فإن كفر، فقد باء بالكفر، واستحق الخزي. وقال في "السير" "١٢/ ٤١٩": ليس تفضيل علي برفض، ولا هو ببدعة، بل قد ذهب إليه خلق من الصحابة والتابعين، فكل من عثمان وعلي ذي فضل وسابقة وجهاد، وهما متقاربان في العلم والجلالة، ولعلهما في الآخرة متساويان في الدرجة، وهما من سادة الشهداء ﵄ ولكن جمهور الأمة على ترجيح عثمان على الإمام علي، وإليه نذهب والخطب في ذلك يسير، والأفضل منهما -بلا شك- أبو بكر وعمر، من خالف في ذا فهو شيعي جلد، ومن أبغض الشيخين واعتقد صحة إمامتهما فهو رافضي مقيت، ومن سبهما واعتقد أنهما ليسا بإمامي هدى فهو من غلاة الرافضة، أبعدهم الله. وقال في "السير" "١٣/ ٢٣١": قال ابن حزم: الإمامية كلهم على أن القرآن مبدل، وفيه زيادة ونقص سوى المرتضى، فإنه كفر من قال ذلك، وكذلك صاحباه أبو يعلى الطوسي، وأبو القاسم الرازي. فعقب الذهبي بقوله: وفي تواليف المرتضى -أبي طالب علي بن حسين بن موسى- سب أصحاب رسول الله ﷺ فنعوذ بالله من علم لا ينفع.

стр. 73

هكذا يتبرأ الحافظ ﵀ من سب الصحابة الكرام، وممن بدل القرآن، وهذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة، وما كان عليه سلف الأمة قد أبانها الحافظ في أقواله المبثوثة في هذا الكتاب العظيم وفي ردوده على أهل الزيغ والضلال بيانا ساطعا يستضيء به كل باحث عن الحق. لقد كان الحافظ الذهبي ﵀ رأسا في علوم الحديث، وألف فيها كتبا كثيرة اعتمد عليها كثير من العلماء إلى يومنا هذا، وكانت له آراء حديثية هامة تهم كل عامل ومشتغل بهذا العلم الشريف، هذه الأقوال والآراء مبثوثة في كتابه "السير"، وسائر كتبه، نذكر بعض هذه الأقوال والآراء ليستضيء بها كل مشتغل بهذا العلم الجليل، وليقف القارئ على هذه المكانة السنية التي تبوأها هذا الحافظ الجليل حتى أصبح يشار إليه بالبنان بين أكابر علماء الحديث، فدونك أيها القارئ الكريم هذه الأقوال والآراء: قال في "السير" "٧/ ١١٥": قال جماعة سليمان بن حرب: سمعت حماد بن زيد يقول في قوله: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] قال: أرى رفع الصوت عليه بعد موته، كرفع الصوت عليه في حياته، إذا قرئ حديثه وجب عليك أن تنصت له، كما تنصت للقرآن يعمر. وقال في "السير" "٩/ ٧": ينبغي للمحدث أن لا يشهر الأحاديث التي يتشبث بظاهرها أعداء السنن من الجهمية، وأهل الأهواء، والأحاديث التي فيها صفات لم تثبت، فإنك لن تحدث قوما. بحديث لا تبلغه عقولهم، إلا كان فتنة لبعضهم، فلا تكتم العلم الذي هو علم، ولا تبذله للجهلة الذين يشغبون عليك، أو الذين يفهمون منه ما يضرهم. وقال في "السير" "٩/ ٢٢": قال علي ﵁: حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون. وقد صح أن أبا هريرة كتم حديثا كثيرا مما لا يحتاجه المسلم في دينه، وكان يقول: لو بثثته فيكم لقطع هذا البلعوم. وليس هذا من باب كتمان العلم في شيء، فإن العلم الواجب يجب بثه ونشره، ويجب على الأمة حفظه، والعلم الذي في فضائل الأعمال مما يصح إسناده يتعين نقله ويتأكد

стр. 74

نشرهن وينبغي للأمة نقله، والعلم المباح لا يجب بثه، ولا ينبغي أن يدخل فيه إلا خواص العلماء. والعلم الذي يحرم تعلمه ونشره: علم الأوائل، وإلهيات الفلاسفة، وبعض رياضتهم -بل أكثره- وعلم السحر، والسيمياء، والكيمياء، والشعبذة، والحيل، ونشر الأحاديث الموضوعة، وكثير من القصص الباطلة أو المنكرة، وسيرة البطال المختلفة، وأمثال ذلك، ورسائل إخوان الصفا، وشعر يعرض فيه إلى الجناب النبوي، فالعلوم الباطلة كثيرة جدا فلتحذر، ومن ابتلي بالنظر فيها للفرجة والمعرفة من الأذكياء فليقلل من ذلك، وليطالعه وحده وليستغفر الله تعالى وليلتجئ إلى التوحيد، والدعاء بالعافية في الدين، وكذلك أحاديث كثيرة مكذوبة وردت في الصفات، لا يحل بثها إلا للتحذير من اعتقادها، وإن أمكن إعدامها، فحسن، اللهم فاحفظ علينا إيماننا ولا قوة إلا بالله. وقال في "السير" "٧/ ٤٥٨": أكثر الأئمة على التشديد في أحاديث الأحكام، والترخيص قليلا، لا كل الترخيص في الفضائل والرقاق، فيقبلون في ذلك ما ضعف إسناده لا ما اتهم رواته، فإن الأحاديث الموضوعة والأحاديث الشديدة الوهن، لا يلتفتون إليها، بل يروونها للتحذير منها، والهتك لحالها، فمن دلسها، أو غطى تباينها، فهو جان على السنة، خائن لله ورسوله، فإن كان يجهل ذلك، فقد يعذر بالجهل، ولكن سلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. وقال في "السير" "١٢/ ١٦٨": كان الحفاظ يطلقون لفظة "ثقة" على الشيخ الذي سماعه بقراءة متقن، وإثبات عدل، وترخصوا في تسميته بالثقة، وإنما الثقة في عرف أئمة النقد كانت تقع على العدل في نفسه، المتقن لما حمله، الضابط لما نقل، وله فهم ومعرفة بالفن، فتوسع المتأخرون. وقال في "السير" "١٠/ ٣٤١": قال محمد بن بركة الحلبي: سمعت عثمان بن خرزاذ يقول: يحتاج صاحب الحديث إلى خمس، فإن عدمت واحدة فهي نقص، يحتاج إلى عقل جيد، ودين، وضبط، وحذاقة بالصناعة، مع أمانة تعرف منه.

стр. 75

فعقب الذهبي بقوله: قلت: الأمانة جزء من الدين، والضبط داخل في الحذق، فالذي يحتاج إليه الحافظ أن يكون تقيا ذكيا، نحويا لغويا زكيا حييا، سلفيا، يكفيه أن يكتب بيده مائتي مجلد، ويحصل من الدواوين المعتبرة خمسمائة مجلد، وأن لا يفتر من طلب العلم إلى الممات، بنية خالصة وتواضع، وإلا فلا يتعن. وقال في "السير" "٩/ ١٢٩ - (١٣٠) ": نحن لا ندعي العصمة في أئمة الجرح والتعديل، لكن هم أكثر الناس صوابا، وأندرهم خطأ، وأشدهم إنصافا، وأبعدهم عن التحامل، وإذا اتفقوا على تعديل أو جرح، فتمسك به، واعضض عليه بناجذيك، ولا تتجاوزه، فتندم، ومن شذ منهم، فلا عبرة به، فخل عنك العناء، وأعط القوس باريها، فوالله لولا الحفاظ الأكابر، لخطبت الزنادقة على المنابر، ولئن خطب خاطب من أهل البدع، فإنما هو بسيف الإسلام، وبلسان الشريعة، وبجاه السنة، وبإظهار متابعة ما جاء به الرسول ﷺ فنعوذ بالله من الخذلان. وقال في "السير" "١٠/ (١٠٤) ": من نظر في كلام البخاري في الجرح والتعديل علم ورعه في الكلام في الناس، وإنصافه فيمن يضعفه، فإنه أكثر ما يقول: منكر الحديث، سكتوا عنه، فيه نظر، ونحو هذا. وقل أن يقول: فلان كذاب، أو كان يضع الحديث حتى إنه قال: إذا قلت: فلان في حديثه نظر، فهو منهم واه. وهذا معنى قوله: لا يحاسبني الله أني اغتبت أحدا، وهذا هو والله غاية الورع. قال محمد بن أبي حاتم الوراق: سمعته -يعني: البخاري- يقول: لا يكون لي خصم في الآخرة، فقلت: إن بعض الناس ينقمون عليك في كتاب "التاريخ" ويقولون: فيه اغتياب الناس، فقال: إنما روينا ذلك رواية لم نقله من عند أنفسنا، قال النبي ﷺ : "بئس مولى العشيرة" يعني حديث عائشة (١). وسمعته يقول: ما اغتبت أحدا قط منذ علمت أن الغيبة تضر أهلها. وقال الحافظ في "الميزان" "١/ (٦) ": نقل ابن القطان أن البخاري قال: كل من قلت فيه: منكر الحديث فلا تحل الرواية عنه. _________ (١) صحيح: أخرجه أحمد "٦/ ٣٨"، والحميدي "٢٤٩"، والبخاري "٦٠٥٤"، "٦١٣١"، ومسلم "٢٥٩١" "٧٣" وغيرهم وقد خرجته في الموضع المشار إليه، فراجعه ثمت.

стр. 76

وقال في "السير" "٧/ ٥٨٣": كان يحيى بن سعيد القطان متعنتا في نقد الرجال، فإذا رأيته قد وثق شيخا، فاعتمد عليه، أما إذا لين أحدا، فتأن في أمره حتى ترى قول غيره فيه، فقد لين مثل إسرائيل، وهمام، وجماعة احتج بهم الشيخان، وله كتاب في "الضعفاء" لم أقف عليه، ينقل منه ابن حزم وغيره، ويقع كلامه في سؤالات علي، وأبي حفص الصيرفي، وابن معين له. وقال في "الميزان" "١/ ٦١": لا يلتفت إلى قول الأزدي، فإن في لسانه في الجرح رهقا. وقال الذهبي في "الميزان": لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف، ولا على تضعيف ثقة. وقال في "السير" "٨/ ٣٦٥": كل تغير يوجد في مرض الموت، فليس بقادح في الثقة، فإن غالب الناس يعتريهم في المرض الحاد نحو ذلك، ويتم لهم وقت السياق وقبله أشد من ذلك، وإنما المحذور أن يقع الاختلاط بالثقة، فيحدث في حال اختلاطه بما يضطرب في إسناده، أو متنه، فيخالف فيه. وقال في "السير" "٩/ ٣١٤": كل أحد يتعلل قبل موته غالبا ويمرض، فيبقى أيام مرضه متغير القوة الحافظة، ويموت إلى رحمة الله على تغيره، ثم قبل موته بيسير يختلط ذهنه، ويتلاشى علمه، فإذا قضى زال بالموت حفظه، فكان ماذا؟ أفبمثل هذا يلين عالم قط؟ كلا والله. وقال الحافظ في "السير" "٧/ ١١٥": المدلس داخل في قوله تعالى: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨]، قلت: والمدلس فيه شيء من الغش، وفيه عدم نصح للأمة، لا سيما إذا دلس الخبر الواهي يوهم أنه صحيح، فهذا لا يحل بوجه، بخلاف باقي أقسام التدليس، وما أحسن قول عبد الوارث بن سعيد: التدليس ذل. وقال في "السير" "٩/ ٣١٣": قال أبو عبد الله الحاكم: إسحاق، وابن المبارك، ومحمد ابن يحيى هؤلاء دفنوا كتبهم.

стр. 77

فعقب الذهبي "٩/ ٣١٤" بقوله: قلت: هذا فعله عدة من الأئمة، وهو دال أنهم لا يرون نقل العلم وجادة فإن الخط قد يتصحف على الناقل، وقد يمكن أن يزاد في الخط حرف، فيغير المعنى، ونحو ذلك. وأما اليوم فقد اتسع الخرق، وقل تحصيل العلم من أفواه الرجال، بل ومن الكتب غير المغلوطة، وبعض النقلة للمسائل قد لا يحسن أن يتهجى. وقال في "السير" "٩/ ٣٢٦": قال مطين: أوصى أبو كريب محمد بن العلاء بكتبه أن تدفن فدفنت. فعقب الذهبي "٩/ ٣٢٧" بقوله: قلت: فعل هذا بكتبه من الدفن والغسل والإحراق عدة من الحفاظ خوفا من أن يظفر بها محدث قليل الدين، فيغير فيها، ويزيد فيها، فينسب ذلك إلى الحفاظ، أو أن أصوله كان فيها مقاطيع وواهيات ما حدث بها أبدا، وإنما انتخب من أصوله ما رواه وما بقي، فرغب عنه، وما وجدوا لذلك سوى الإعدام فلهذا ونحوه دفن ﵀ كتبه. وقال في "السير" "٦/ ٥٩٤": قال أبو زرعة الدمشقي: حدثنا أبو اليمان قال: دخلنا على شعيب بن أبي حمزة حتى احتضر، فقال: هذه كتبي، فمن أراد أن يأخذها فليأخذها ومن أراد أن يعرض، فليعرض، ومن أراد أن يسمع، فليسمعها من ابني، فإنه سمعها مني. فعقب عليه الذهبي "٦/ ٥٩٥" بقوله: قلت: فهذا يدلك على أن عامة ما يرويه أبو اليمان عنه بالإجازة، ويعبر عن ذلك: بأخبرنا، وروايات أبي اليمان عنه ثابته في "الصحيحين"، وذلك بصيغة: أخبرنا ومن روى شيئا من العلم بالإجازة عن مثل شعيب بن أبي حمزة في إتقان كتبه وضبطه، فذلك حجة عند المحققين، مع اشتراط أن يكون الراوي بالإجازة ثقة، ثبتا أيضا، فمتى فقد ضبط الكتاب المجاز، وإتقانه، وتحريره، أو إتقان المجيز أو المجاز له، انحط المروي عن رتبة الاحتجاج به. ومتى فقد الصفات كلها، لم تصح الرواية عند الجمهور. وشعيب ﵀ فقد كانت كتبه نهاية في الحسن، والإتقان، والإعراب، وعرف

стр. 78

هو ما يجيز ولمن أجاز، بل رواية كتبه بالوجادة كاف في الحجة، وفي رواية أبي اليمان عنه بذلك دليل على إطلاق: أخبرنا في الإجازة كما يتعاناه فضلاء المحدثين بالمغرب، وهو ضرب من التدليس، فإنه يوهم أنه بالسماع. والله أعلم. وقال في "السير" "٦/ ٥٧١": القدري، والمعتزلي، والجهمي، والرافضي إذا علم صدقه في الحديث وتقواه، ولم يكن داعيا إلى بدعته، فالذي عليه أكثر العلماء قبول روايته، والعمل بحديثه، وترددوا في الداعية، هل يؤخذ عنه؟ فذهب كثير من الحفاظ إلى تجنب حديثه، وهجرانه. وقال بعضهم: إذا علمنا صدقه، وكان داعية، ووجدنا عنده سنة تفرد بها، فكيف يسوغ لنا ترك تلك السنة؟ فجميع تصرفات أئمة الحديث تؤذن بأن المبتدع إذا لم تبح بدعته خروجه من دائرة الإسلام، ولم تبح دمه، فإن قبول ما رواه سائغ. وهذه المسألة لم تتبرهن لي كما ينبغي، والذي اتضح لي منها: أن من دخل في بدعة، ولم يعد من رءوسها، ولا أمعن فيها، يقبل حديثه، كما مثل الحافظ أبو زكريا يحيى بن معين بقتادة، وهشام الدستوائي، وسعيد بن أبي عروبة، وعبد الوارث، وغيرهم، وهم يقولون بالقدر وهم ثقات، وحديثهم في كتب الإسلام لصدقهم وحفظهم. وقال في "السير" "١٢/ ٣٨٥": كان أبو القاسم عبد العزيز بن عبد الله الداركي الشافعي يتهم بالاعتزال وكان ربما يختار في الفتوى، فيقال له في ذلك، فيقول: ويحكم! حدث فلان عن فلان، عن رسول الله ﷺ بكذا وكذا، والأخذ بالحديث أولى من الأخذ بقول الشافعي وأبي حنيفة. فعقب الذهبي ﵀ بقوله: هذا جيد، لكن بشرط أن يكون قد قال بذلك الحديث إمام من نظراء الإمامين مثل مالك، أو سفيان، أو الأوزاعي، وبأن يكون الحديث ثابتا سالما من علة، وبأن لا يكون حجة أبي حنيفة والشافعي حديثا صحيحا معارضا للآخر. أما من أخذ بحديث صحيح وقد تنكبه سائر أئمة الاجتهاد، فلا كخبر: "فإن شرب في الرابعة فاقتلوه"، وكحديث: "لعن الله السارق، يسرق البيضة، فتقطع يده". وقال في السير "السير" "١١/ ٨٣": قال أبو سعيد بن يونس في "تاريخه" كان أبو عبد الرحمن النسائي إماما حافظا ثبتا.

стр. 79

فعقب الذهبي بقوله: قلت: هذا أصح، فإن ابن يونس حافظ يقظ، وقد أخذ عن النسائي، وهو به عارف. ولم يكن أحد في رأس الثلاثمائة أحفظ من النسائي، وهو أحذق بالحديث وعلله ورجاله من مسلم، ومن أبي داود، ومن أبي عيسى، وهو جار في مضمار البخاري، وأبي زرعة إلا أن فيه قليل تشيع وانحراف عن خصوم الإمام علي كمعاوية، وعمرو، والله يسامحه. وقد صنف "مسند علي" وكتابا حافلا في الكنى، وأما كتاب: "خصائص علي" فهو داخل في "سننه الكبير"، وكذلك كتاب "عمل اليوم والليلة"، وهو مجلد، وهو جملة من "السنن الكبير" في بعض النسخ، وله كتاب "التفسير" في مجلد، وكتاب "الضعفاء"، وأشياء والذي وقع لنا من "سننه" هو الكتاب "المجتبى" منه، انتخاب أبي بكر بن السني، سمعته ملفقا من جماعة سمعوه من ابن باقا بروايته عن أبي زرعة المقدسي سماعا لمعظمه، وإجازة لفوت له محدد في الأصل. قال أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن حمد الدوني، قال أخبرني القاضي أحمد بن الحسين الكار حدثنا ابن السني، عنه. وقال في "السير" "٨/ ٣٦٣ - ٣٦٤": ما فوق عفان أحد في الثقة، وقد تناكد الحافظ ابن عدي بإيراده في كتاب "الكامل" لكنه أبدى أنه ذكره ليذب عنه، فإن إبراهيم بن أبي داود قال: سمعت سليمان بن حرب يقول: أترى عفان كان يضبط عن شعبة، والله لو جهد جهده أن يضبط عنه حديثا واحدا ما قدر عليه، كان بطيئا رديء الفهم. ثم قال ابن عدي: عفان أشهر وأوثق من أن يقال فيه شيء، ولا أعلم له إلا أحاديث مراسيل عن حماد بن سلمة وغيره، وصلها، وأحاديث موقوفة رفعها، وهذا مما لا ينقصه، فإن الثقة قد يهم، وعفان كان قد رحل إليه أحمد بن صالح من مصر كانت رحلته إليه خاصة دون غيره. وقال في تذكرة الحافظ "ص ٩٧٩": كلمة المفيد أول ما استعملت لقبا في هذا الوقت قبل الثلاثمائة، والحافظ أعلى من المفيد في العرف، كما أن الحجة فوق الثقة. وقال في "السير" "١٠/ ٥١٢": ما زلنا نسمع بهذا "التفسير" الكبير لأحمد على ألسنة الطلبة وعمدتهم حكاية ابن المنادي

стр. 80

هذه، وهو كبير قد سمع من جده وعباس الدوري، ومن عبد الله بن أحمد، لكن ما رأينا أحدا أخبرنا عن وجود هذا "التفسير"، ولا بعضه أو كراسة منه، ولو كان له وجود، أو لشيء منه لنسخوه، ولاعتني بذلك طلبة العلم، ولحصلوا ذلك، ولنقل إلينا، ولاشتهر، ولتنافس أعيان البغداديين في تحصيله، ولنقل منه ابن جرير فمن بعده في تفاسيرهم، ولا -والله- يقتضي أن يكون عند الإمام أحمد في التفسير مائة ألف وعشرون ألف حديث، فإن هذا يكون في قدر "مسنده" بل أكثر بالضعف، ثم الإمام أحمد لو جمع شيئا في ذلك، لكان يكون منقحا مهذبا عن المشاهير، فيصغر لذلك حجمه، ولكان يكون نحوا من عشرة آلاف حديث بالجهد، بل أقل. ثم الإمام أحمد كان لا يرى التصنيف، وهذا كتاب "المسند" له لم يصنفه هو، ولا رتبه، ولا اعتنى بتهذيبه، بل كان يرويه لولده نسخا وأجزاء ويأمره: أن أضع هذا في مسند فلان، وهذا في مسند فلان، وهذا التفسير لا وجود له، وأنا أعتقد أنه لم يكن، فبغداد لم تزل دار الخلفاء، وقبة الإسلام، ودار الحديث، ومحلة السنن، ولم يزل أحمد فيها معظما في سائر الإعصار، وله تلامذة كبار، وأصحاب أصحاب، وهلم جرا إلى الأمس حين استباحها جيش المغول، وجرت بها من الدماء سيول، وقد اشتهر ببغداد "تفسير" ابن جرير، وتزاحم على تحصيله العلماء، وسارت به الركبان، ولم نعرف مثله في معناه، ولا ألف قبله أكبر منه، وهو في عشرين مجلدة، وما يحتمل أن يكون عشرين ألف حديث، بل لعله خمسة عشر ألف إسناد، فخذه، فعده إن شئت. وقال في "السير" "٧/ ١١٦": لا أعلم بين العلماء نزاعا في أن حماد بن زيد من أئمة السلف، ومن أتقن الحفاظ وأعدمهم غلظا على سعة ما روى ﵀. وقال في "السير" "٧/ ١٠٧": كان حماد بن سلمة بحرا من بحور العلم، وله أوهام في سعة ما روى، وهو صدوق، حجة -إن شاء الله- وليس هو في الإتقان كحماد بن زيد، وتحايد البخاري إخراج حديثه، إلا حديثا خرجه في الرقاق، فقال: قال لي أبو الوليد: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أبي، ولم ينحط حديثه عن رتبة الحسن. ومسلم روى له في الأصول، عن ثابت وحميد، لكونه خبيرا بهما.

стр. 81

وقد عقد الحافظ فصلا في غاية الأهمية في التمييز بين الحمادين، حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، والسفيانين سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة لن يجده الباحث في مكان غير هذا الكتاب، فقال ﵀ في السير" "٧/ ١١٨": فصل: اشترك الحمادان في الرواية عن كثير من المشايخ، وروى عنهما جميعا جماعة من المحدثين فربما روى الرجل منهم عن حماد، لم ينسبه، فلا يعرف أي الحمادين هو إلا بقرينة، فإن عرى السند عن القرائن، وذلك قليل لم نقطع بأنه ابن زيد، ولا أنه ابن سلمة، بل نتردد، أو نقدره ابن سلمة، ونقول: هذا الحديث على شرط مسلم، إذ مسلم قد احتج بهما جميعا. فمن شيوخهما معا: أنس بن سيرين، وأيوب، والأزرق بن قيس، وإسحاق بن سويد، وبرد بن سنان، وبشر بن حرب، وبهز بن حكيم، وثابت، والجعد أبو عثمان، وحميد الطويل، وخالد الحذاء، وداود بن أبي هند، والجريري، وشعيب بن الحبحاب، وعاصم بن أبي النجود، وابن عون، وعبيد الله بن أبي بكر بن أنس، وعبيد الله بن عمر، وعطاء بن السائب، وعلي بن زيد، وعمرو بن دينار، ومحمد بن زياد، ومحمد بن واسع، ومطر الوراق، وأبو جمرة الضبعي، وهشام بن عروة، وهشام بن حسان، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن عتيق، ويونس بن عبيد. وحدث عن الحمادين: عبد الرحمن بن مهدي، ووكيع، وعفان، وحجاج بن منهال، وسليمان بن حرب وشيبان، والقعنبي، وعبد الله بن معاوية الجمحي، وعبد الأعلى بن حماد، وأبو النعمان عارم، وموسى بن إسماعيل -لكن ماله عن حماد بن زيد سوى حديث واحد- ومؤمل بن إسماعيل، وهدبة، ويحيى بن حسان، ويونس بن محمد المؤدب، وغيرهم. والحفاظ المختصون بالإكثار، وبالرواية عن حماد بن سلمة: بهز بن أسد، وحبان بن هلال، والحسن الأشيب، وعمر بن عاصم. والمختصون بحماد بن زيد، الذين ما لحقوا ابن سلمة، فهم أكثر وأوضح: كعلي بن المديني، وأحمد بن عبدة، وأحمد بن المقدام، وبشر بن معاذ العقدي، وخالد بن خداش، وخلف بن هشام، وزكريا بن عدي، وسعيد بن منصور، وأبي الربيع الزهراني، والقواريري، وعمرو بن عوف، وقتيبة بن سعيد، ومحمد بن أبي بكر المقدمي، ولوين، ومحمد بن عيسى بن الطباع، ومحمد بن عبيد بن حساب، ومسدد، ويحيى بن حبيب، ويحيى بن يحيى التميمي، وعدة من أقرانهم

стр. 82

فإذا رأيت الرجل من هؤلاء الطبقة قد روى عن حماد وأبهمه، علمت أنه ابن زيد، وأن هذا لم يدرك حماد بن سلمة، وكذا إذا روى رجل ممن لقيهما، فقال: حدثنا حماد، وسكت، نظرت في شيخ حماد من هو؟ فإن رأيته من شيوخهما على الاشتراك، ترددت، وإن رأيته من شيوخ أحدهما على الاختصاص والتفرد، عرفته بشيوخه المختصين به، ثم عادة عفان لا يروي عن حماد بن زيد إلا وينسبه، وربما روى عن حماد بن سلمة فلا ينسبه، وكذلك يفعل حجاج بن منهال، وهدبة بن خالد، فأما سليمان بن حرب، فعلى العكس من ذلك، وكذلك عارم يفعل، فإذا قالا: حدثنا حماد، فهو ابن زيد، ومتى قال موسى التبوذكي: حدثنا حماد، فهو ابن سلمة، فهو راويته والله أعلم. ويقع مثل هذا الاشتراك سواء في السفيانين، فأصحاب سفيان الثوري كبار قدماء، وأصحاب ابن عيينة صغار، لم يدركوا الثوري، وذلك أبين، فمتى رأيت القديم قد روى، فقال حدثنا سفيان، وأبهم، فهو الثوري، هم كوكيع وابن مهدي والفريابي وأبي نعيم. فإن روى واحد منهم عن ابن عيينة بينه، فأما الذي لم يلحق الثوري، وأدرك ابن عيينة، فلا يحتاج أن ينسبه، لعدم الإلباس فعليك بمعرفة طبقات الناس. وقال في "السير" "١٠/ ٣٧٤": عن ابن ماجه قال: عرضت هذه "السنن" على أبي زرعة الرازي، فنظر فيه، وقال: أظن إن وقع هذا في أيدي الناس تعطلت هذه الجوامع، أو أكثرها، ثم قال: لعل لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثا، مما في إسناده ضعف، أو نحو ذا. فعقب الذهبي بقوله: قلت: قد كان ابن ماجه حافظا ناقدا صادقا، واسع العلم، وغنما غض من رتبة "سننه" ما في الكتاب من المناكير، وقليل من الموضوعات، وقول أبي زرعة -إن صح- فإنما عني بثلاثين حديثا؛ الأحاديث المطروحة الساقطة، وأما الأحاديث التي لا تقوم بها حجة فكثيرة، لعلها نحو الألف. وقال في "السير" "١٠/ ١٧٩": ليس في "صحيح مسلم" من العوالي إلا ما قل، كالقعنبي عن أفلح بن حميد، ثم حديث حماد بن سلمة، وهمام، ومالك، والليث، وليس في الكتاب حديث عال لشعبة، ولا للثوري، ولا لإسرائيل، وهو كتاب نفيس كامل في معناه، فلما رآه الحافظ أعجبوا به، ولم

стр. 83

يسمعوه لنزوله، فعمدوا إلى أحاديث الكتاب، فساقوها من مروياتهم عالية بدرجة وبدرجتين، ونحو ذلك، حتى أتوا على الجميع هكذا، وسموه: "المستخرج على صحيح مسلم". فعل ذلك عدة من فرسان الحديث، منهم: أبو بكر محمد بن محمد بن رجاء، وأبو عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفراييني -وزاد في كتابه متونا معروفة بعضها لين- والزاهد أبو جعفر أحمد بن حمدون الحيري، وأبو الوليد حسان بن محمد الفقيه، وأبو حامد أحمد بن محمد الشاركي الهروي، وأبو بكر محمد بن عبد الله بن زكريا الجوزقي، والإمام أبو علي الماسرجسي، وأبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني، وآخرون لا يحضرني ذكرهم الآن. وقال في "السير" "١٠/ ١٨١": مسلم بن الحجاج -لحدة في خلقه- انحرف عن البخاري، ولم يذكر له حديثا، ولا سماه في "صحيحه"، بل افتتح الكتاب بالحط على من اشترط اللقى لمن روى عنه بصيغة: عن، وادعى الإجماع في أن المعاصرة كافية، ولا يتوقف في ذلك على العلم بالتقائهما، ووبخ من اشترط ذلك. وإنما يقول ذلك أبو عبد الله البخاري، وشيخه علي بن المديني، وهو الأصوب الأقوى. وليس هذا موضع بسط هذه المسألة. وقال في "السير" "١٠/ ١٨٢": قال الحاكم: أراد مسلم أن يخرج "الصحيح" على ثلاثة أقسام، وعلى ثلاث طبقات من الرواة، وقد ذكر هذا في صدر خطبته، فلم يقدر له إلا الفراغ من الطبقة الأولى، ومات ثم ذكر الحاكم مقالة هي مجرد دعوى. فقال: إنه لا يذكر من الأحاديث إلا ما رواه صحابي مشهور له راويان ثقتان فأكثر ثم يرويه عنه أيضا راويان ثقتان فأكثر، ثم كذلك من بعدهم. فقال أبو علي الجياني: المراد بهذا أن هذا الصحابي أو هذا التابعي قد روى عنه رجلان، خرج بهما عن حد الجهالة. قال القاضي عياض: والذي تأوله الحاكم على مسلم من اخترام المنية له قبل استيفاء غرضه إلا من الطبقة الأولى، فأنا أقول: إنك إذا نظرت في تقسيم مسلم في كتابه الحديث على ثلاث طبقات من الناس على غير تكرار، فذكر أن القسم الأول حديث الحفاظ، ثم قال: إذا انقضى هذا، أتبعته بأحاديث من لم يوصف بالحذق والإتقان. وذكر أنهم لاحقون بالطبقة

стр. 84

الأولى، فهؤلاء مذكورون في كتابه لمن تدبر الأبواب. والطبقة الثانية: قوم تكلم فيهم قوم، وزكاهم آخرون، فخرج حديثهم عمن ضعف أو اتهم ببدعة، وكذلك فعل البخاري. ثم قال القاضي عياض: فعندي أنه أتى بطبقاته الثلاث في كتابه، وطرح الطبقة الرابعة. فعقب الذهبي "١٠/ ١٨٢ - (١٨٣) " بقوله: قلت: بل خرج حديث الطبقة الأولى، وحديث الثانية إلا النزر القليل مما يستنكره لأهل الطبقة الثانية. ثم خرج لأهل الطبقة الثالثة أحاديث ليست بالكثيرة في الشواهد والاعتبارات والمتابعات، وقل أن خرج لهم في الأصول شيئا، ولو استوعبت أحاديث أهل هذه الطبقة في "الصحيح"، لجاء الكتاب في حجم ما هو مرة أخرى، ولنزل كتابه بذلك الاستيعاب عن رتبة الصحة، وهم كعطاء بن السائب، وليث، ويزيد بن أبي زياد، وأبان بن صمعة، ومحمد بن إسحاق ومحمد بن عمرو بن علقمة وطائفة أمثالهم فلم يخرج لهم إلا الحديث بعد الحديث إذا كان له أصل وإنما يسوق أحاديث هؤلاء ويكثر منها أحمد في "مسنده"، وأبو داود والنسائي وغيرهم فإذا انحطوا إلى إخراج أحاديث الضعفاء الذين هم أهل الطبقة الرابعة، اختاروا منها، لم يستوعبوها على حسب آرائهم واجتهاداتهم في ذلك. وأما أهل الطبقة الخامسة، كمن أجمع على إطراحه وتركه لعدم فهمه وضبطه، أو لكونه متهما، فيندر أن يخرج لهم أحمد، والنسائي. ويورد لهم أبو عيسى فيبينه بحسب اجتهاده، لكنه قليل. ويورد لهم ابن ماجه أحاديث قليلة ولا يبين والله أعلم. وقل ما يورد منها أبو داود فإن أورد بينه في غالب الأوقات. وأما أهل الطبقة السادسة: كغلاة الرافضة، والجهمية الدعاة، وكالكذابين والوضاعين، وكالمتروكين المهتوكين، كعمر بن الصبح، ومحمد بن المصلوب، ونوح بن أبي مريم، وأحمد ابن الجويباري، وأبي حذيفة البخاري، فما لهم في الكتب حرف ما عدا عمر، فإن ابن ماجه خرج له حديثا واحدا (١) فلم يصب. وكذا خرج ابن ماجه للواقدي حديث واحدا، فدلس اسمه وأبهمه (٢). _________ (١)، (٢) راجع تعليقنا رقم "١٨٦"، "١٨٧" في الجزء العاشر "ص ١٨٣".

стр. 85

وقال في "السير" "٩/ (٢٨٤) ": في الصحيحين أحاديث قليلة في "المسند"، لكن قد يقال: لا ترد على قولهن فإن المسلمين ما اختلفوا فيها ثم ما يلزم من هذا القول: أن ما وجد فيه أن يكون حجة، ففيه جملة من الأحاديث الضعيفة ما يسوغ نقلها، ولا يجب الاحتجاج بها، وفيه أحاديث معدودة شبه موضوعة، ولكنها قطرة في بحر وفي غضون "المسند" زيادات. جمة لعبد الله بن أحمد. وقال الحافظ في "السير" "١٤/ (٢٧٦) ": كتاب "إحياء علوم الدين" لأبي حامد الغزالي فيه من الأحاديث الباطلة جملة، وفيه خير كثير لولا ما فيه من آداب ورسوم وزهد من طرائف الحكماء ومنحرفي الصوفية، نسأل الله علما نافعا، تدري ما العلم النافع؟ هو ما نزل به القرآن، وفسره الرسول ﷺ قولا وفعلا، ولم يأت نهي عنه قال ﵊: "من رغب عن سنتي فليس مني" (١) فعليك يا أخي بتدبر كتاب الله، وبإدمان النظر في "الصحيحين" و"سنن النسائي"، و"رياض النواوي" و"أذكاره"، تفلح وتنجح، وإياك وآراء عباد الفلاسفة، ووظائف أهل الرياضات، وجوع الرهبان، وخطاب طيش رءوس أصحاب الخلوات، فكل الخير في متابعة الحنيفية السمحة، فواغوثاه بالله. اللهم اهدنا إلى صراطك المستقيم. وقال في "السير" "١٤/ (٢٧٧) ": قال أبو الفرج ابن الجوزي: صنف أبو حامد "الإحياء" وملأه بالأحاديث الباطلة، ولم يعلم بطلانها، وتكلم على الكشف وخرج عن قانون الفقه وقال: إن المراد بالكوكب والقمر والشمس اللواتي رآهن إبراهيم أنوار هي حجب الله ، ولم يرد هذه المعروفات! وهذا من جنس كلام الباطنية، وقد رد ابن الجوزي على أبي حامد في كتاب "الإحياء" وبين خطأ في مجلدات، سماه كتاب "الأحياء". وقال في "السير" "١٢/ (١٨٧) ": قرأت بخط الحافظ الضياء في جزء علقه مآخذ على كتاب ابن حبان فقال في حديث أنس _________ (١) صحيح: أخرجه البخاري "٥٠٦٣"، ومسلم "١٤٠١"، والنسائي "٦/ ٦٠"، وأحمد "٣/ ٢٤١، ٢٥٩، ٢٨٥" من حديث أنس بن مالك.

стр. 86

في "الوصال" (١): فيه دليل على أن الأخبار التي فيها وضع الحجر على بطنه من الجوع كلها بواطيل، وإنما معناها الحجر، وهو طرف الرداء، إذ الله يطعم رسوله، وما يغني الحجر من الجوع (٢). فعقب الذهبي بقوله: قلت: فقد ساق في كتابه حديث ابن عباس في خروج أبي بكر وعمر من الجوع، فلقيا النبي ﷺ فأخبراه. فقال: "أخرجني الذي أخرجكما" فدل على أنه كان يطعم ويسقي في الوصال خاصة. وقال في حديث عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال لرجل: "أصمت من سرر شعبان شيئا؟ ". قال: لا قال: "إذا أفطرت فصم يومين" (٣) فهذه لفظة استخبار، يريد الإعلام ينفي جواز ذلك كالمنكر عليه لو فعله، كقوله لعائشة: "تسترين الجدر" (٤)، وأمره بصوم يومين من شوال، أراد به انتهاء السرار. وذلك في الشهر الكامل والسرار في الشهر الناقص يوم واحد. ثم قال "١٢/ (١٨٨) ": قلنا لو كان منكرا عليه لما أمره بالقضاء. وقال في "السير" "٧/ (٥٩٩) ": وهم أبو حاتم حيث حكى أن البخاري تكلم في أبي تميلة، ومشى على ذلك أبو الفرج ابن الجوزي. ولم أر ذكرا لأبي تميلة في كتاب "الضعفاء" للبخاري، لا في الكبير ولا الصغير. ثم إن البخاري قد احتج بأبي تميلة، وقد كان محدث مرو مع الفضل بن موسى السيناني. وقال في "السير" "٨/ (١٥) ": قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا حرملة: سمعت ابن وهب يقول: نذرت أني كلما _________ (١) هو: ما ورد عن أنس ﵁ قال: واصل رسول الله ﷺ في أول شهر رمضان فواصل ناس من المسلمين فبلغه ذلك فقال: لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا، يدع المتعمقون تعمقهم، إنكم لستم مثلي، "أو قال" إني لست مثلكم، إني أظل يطعمني ربي ويسقيني" أخرجه أحمد، وابن أبي شيبة، والبخاري "٧٢٤١"، ومسلم "١١٠٧"، وراجع تخريجنا له في الموضع المشار إليه. (٢) قد ثبت وضع ﷺ الحجر على بطنه من الجوع عند البخاري "٤١٠١"، وأحمد "٣/ ٣٠٠" من حديث جابر بن عبد الله. (٣) صحيح: أخرجه البخاري "١٩٨٣" ومسلم "١١٦١" من حديث عمران بن حصين. (٤) صحيح: أخرجه أحمد "٦/ ٢٤٧"، ومسلم "٢١٠٧".

стр. 87

اغتبت إنسانا أن أصوم يوما، فأجهدني، فكنت أغتاب وأصوم، فنويت أنى كلما اغتبت إنسانا أن أتصدق بدرهم، فمن حب الدراهم تركت الغيبة. فعقب الذهبي بقوله: قلت: هكذا -والله- كان العلماء، وهذا هو ثمرة العلم النافع وعبد الله حجة مطلقا، وحديثه كثير في الصحاح، وفي دواوين الإسلام، وحسبك بالنسائي وتعنته في النقد حيث يقول: وابن وهب ثقة، ما أعلمه روى عن الثقات حديثا منكرا. ثم قال الذهبي "٨/ ١٥ - ١٦": قلت: أكثر في تواليفه من المقاطيع والمعضلات، وأكثر عن ابن سمعان وبابته، وقد تمعقل بعض الأئمة على ابن وهب في أخذه للحديث، وأنه كان يترخص في الأخذ، وسواء ترخص ورأى ذلك سائغا، أو تشدد، فمن يروى مائة ألف حديث، ويندر المنكر في سعة ما روى فإليه المنتهي في الإتقان. وقال في "السير" "١٣/ ٣٦٥": تصانيف البيهقي عظيمة القدر، غزيرة الفوائد، قل من جود تواليفه مثل الإمام أبي بكر، فينبغي للعالم أن يعتني بهؤلاء سيما "سننه الكبير" وقد قدم قبل موته بسنة أو أكثر إلى نيسابور، وتكاثر عليه الطلبة، وسمعوا منه كتبه، وجلبت إلى العراق والشام والنواحي، واعتنى بها الحافظ أبو القاسم الدمشقي وسمعها من أصحاب البيهقي، ونقلها إلى دمشق هو وأبو الحسن المرادي. وبلغنا عن إمام الحرمين أبي المعالي الجويني قال: ما من فقيه شافعي إلا وللشافعي عليه منه إلا أبا بكر البيهقي، فإن المنة له على الشافعي لتصانيفه في نصرة مذهبه. فعقب الذهبي بقوله: قلت: أصاب أبو المعالي، هكذا هو، ولو شاء البيهقي أن يعمل لنفسه مذهبا يجتهد فيه، لكان قادرا على ذلك، لسعة علومه، ومعرفته بالاختلاف، ولهذا تراه يلوح بنصر مسائل مما صح فيها الحديث.

стр. 88

سابعا تصانيفه صنف ﵀ تصانيف كثيرة في مختلف العلوم، واختصر كثيرا من تآليف المتقدمين والمتأخرين، وكتب علما كثيرا. وقد سار بجملة من هذه المصنفات الركبان في أقطار البلدان، فمن هذه المصنفات: ١ - تاريخ الإسلام، وهو مطبوع متداول. ٢ - سير أعلام النبلاء، وهو هذا الذي بين يديك. ٣ - دول الإسلام. وهو مطبوع بحيدر أباد. ٤ - الإشارة إلى وفيات الأعيان، والمنتقى من تاريخ الإسلام. ٥ - الإعلام بوفيات الأعلام. ٦ - العباب في التاريخ. ٧ - العبر في خبر من غبر، وهو مطبوع بالكويت بتحقيق الدكتور صلاح الدين المنجد، والدكتور فؤاد السيد. ٨ - تجريد أسماء الصحابة، وهو مطبوع بحيدر أباد، وطبقات أخرى. ٩ - تذكرة الحفاظ. ١٠ - المعين في طبقات المحدثين. وهو مطبوع بتحقيق الدكتور محمد زينهم البدوي وطبعة أخرى بتحقيق الدكتور همام سعيد. ١١ - الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة. وهو مطبوع متداول. ١٢ - الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم. وهو مطبوع بالقاهرة. ١٣ - ميزان الاعتدال في نقد الرجال. وهو مطبوع متداول. ١٤ - المغني في الضعفاء. وهو مطبوع متداول. ١٥ - المشتبه في معرفة ما يشتبه ويتصحف من الأسماء والأنساب والكنى والألقاب مما اتفق وضعا واختلف نطقا، وهو مطبوع متداول.

стр. 89

١٦ - أخبار قضاة دمشق. ١٧ - معجم الشيوخ الكبير وهو مطبوع بمكتبة الصديق بالطائف. ١٨ - معجم شيوخه الأوسط. ١٩ - معجم شيوخه الصغير. ٢٠ - معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار. وهو مطبوع بالقاهرة. ٢١ - المرتجل في الكنى. أورده كارل بروكلمان في "تاريخ الأدب العربي" "٢/ ٥٩". ٢٢ - هالة البدر في عدد أهل بدر. ٢٣ - ترجمة السلفي -وهو المحدث أبو طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني المتوفى سنة "٥٧٦ هـ". ٢٤ - ترجمة الشافعي. ٢٥ - ترجمة مالك بن أنس. ٢٦ - ترجمة الشيخ الموفق. وهو أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، صاحب كتاب "المغني" المتوفى سنة "٦٢٠ هـ". ٢٧ - كسر وثن رتن -وهو رتن الهندي، شيخ دجال كذاب ظهر بعد الستمائة فادعى الصحبة ومات سنة اثنتين وثلاثين وستمائة. ٢٨ - بيان زغل العلم والطلب. وهو مطبوع متداول. ٢٩ - جزء في فضل آية الكرسي. ٣٠ - كتاب في أحاديث الصفات. ٣١ - جزء في الشفاعة. ٣٢ - كتاب العرش -أورده كارل بروكلمان في "تاريخ الأدب العربي" "١/ ٤٧". ٣٣ - العلو للعلي الغفار. وهو مطبوع متداول. ٣٤ - الكبائر. وهو مطبوع متداول.

стр. 90

٣٥ - مسألة دوام النار. ٣٦ - مسألة الغيبة. ٣٧ - مسألة الوعيد. ٣٨ - كتاب اللباس. ٣٩ - كتاب الوتر. ٤٠ - كتاب تحريم أدبار النساء. ٤١ - جزء في صلاة التسبيح. ٤٢ - جزء في دعاء المكروب. ٤٣ - التعزية الحسنة بالأعزة. ٤٤ - كشف الكربة عند فقد الأحبة. ٤٥ - الموقظة في علم مصطلح الحديث. وهو مطبوع متداول. ٤٦ - منية الطالب لأعز المطالب. ٤٧ - طرق أحاديث النزول. ٤٨ - كتاب الزيادة المضطربة. ٤٩ - العذب السلسل في الحديث المرسل. ٥٠ - كتاب التمسك بالسنة. وهو مما اختصره من كتب المتقدمين. ٥١ - التلخيص من كتاب المستدرك على الصحيحين للحافظ أبي عبد الله الحاكم، ﵀ وهو مطبوع بهامش مستدرك الحاكم. ٥٢ - مختصر سنن البيهقي الكبرى. وهو مطبوع. ٥٣ - مختصر المحلى. ٥٤ - مختصر الزهد للبيهقي. ٥٥ - مختصر جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر.

стр. 91

٥٦ - مختصر سلاح المؤمن في الأدعية المأثورة لابن الإمام وهو أبو الفتح محمد بن محمد بن علي المصري المتوفى سنة "٧٤٥ هـ". ٥٧ - مختصر الفاروق في الصفات لشيخ الإسلام الأنصاري. ٥٨ - مختصر القدر للبيهقي. ٥٩ - مختصر المدخل إلى كتاب السنن للبيهقي. ٦٠ - مختصر وفيات الأعيان لابن خلكان. ٦١ - مختصر الضعفاء لابن الجوزي. ٦٢ - مختصر تاريخ دمشق. ٦٣ - كتاب النبلاء في شيوخ السنة وهو مختصر من كتاب "المعجم المشتمل على أسماء شيوخ الأئمة النبل" لابن عساكر. ٦٤ - المنتقى من مسند عبد بن حميد. ٦٥ - المنتقى من مسند أبي عوانة. ٦٦ - منتقى الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر. ثامنا منهجه في كتابه قسم الحافظ كتاب السير إلى خمس وثلاثين طبقة في أربعة عشر مجلدا، ولم يسر فيه على نسق واحد، فالطبقة الثالثة والثلاثون تمتد من سنة "٦١٨ هـ" وهي سنة وفاة ابن راجح الجماعيلي الحنبلي إلى سنة "٦٣٥ هـ" وهي سنة وفاة مكرم بن محمد بن حمزة بن أبي الصقر. فاستوعبت هذه الطبقة سبعة عشر عاما. وأما الطبقة الرابعة والثلاثون فبدأت من سنة "٦٣٦ هـ" وهي سنة وفاة أبي الفضل جعفر ابن علي الهمداني إلى سنة "٦٥٢ هـ" وهي سنة وفاة ابن علان القيس الدمشقي. وقد استوعبت ستة عشر عاما. أما الطبقة الخامسة والثلاثون فبدأت من سنة "٦٥٣ هـ" وهي سنة وفاة إسماعيل بن حامد القوصي إلى سنة "٧٣٩ هـ". وهي سنة رؤية الحافظ الذهبي ﵀ لقليج قان ولد المعز عند قاضي القضاة تقي الدين السبكي. فاستوعبت هذه الطبقة ستة وثمانين عاما بينما امتدت

стр. 92

الطبقة التاسعة عشرة من سنة "٣٣٤ هـ" وهي سنة وفاة الوزير العادل علي بن عيسى بن داود بن الجراح، وحتى سنة "٣٤٣ هـ"، وهي سنة وفاة أبي العباس محمد بن إسحاق الضبعي، فاستوعبت هذه الطبقة تسع سنوات حسب. وقد تناولت هذه الطبقات الخمس والثلاثون جميع العصور من أول عصر الصحابة إلى عصر المؤلف. وقد بلغت عدد تراجم المترجمين "٥٩٦٤" ترجمة، وقد كرر بعض هذه التراجم، وقد ترجم فيها لجميع الأعلام في مشارق الأرض ومغاربها من ملوك، وخلفاء، وأمراء، ووزراء، وأطباء ومحدثين وفقهاء ونحاة وشعراء وزهاد وفلاسفة ومتكلمين غير أن اهتمامه الأكبر كان بالمحدثين الذي عني بهم أيما عناية فقد كان ﵀ شديد الإجلال والإكبار لهم، ولا غرو فهم الذين ينافحون عن السنة المشرفة، ومعرفة تراجم هؤلاء المحدثين وبيان شيوخهم وتلامذتهم، كلام العلماء عليهم جرحا وتعديلا مما يساعد في دراسة الأسانيد، والحكم عليها بما يليق بها من صحة أو ضعف ونحوه. كما جعل الحافظ الصحابة طبقة واحدة، لكنه قسم الصحابة إلى قسمين؛ قسم كبار الصحابة، وقسم لصغار الصحابة، لكنه وضع تراجم العشرة المبشرين بالجنة في مقدمة تراجم الصحابة. ولم يرتب بقية الصحابة تبعا للحوادث الزمنية؛ فجعل الحافظ الذهبي تراجم أمهات المؤمنين وبنات رسول الله ﷺ في مواضع متتالية -ليكون القارئ على علم بسيرهم- لكنه وضع ترجمة أم المؤمنين سودة بنت زمعة التي تزوجها رسول الله ﷺ بعد خديجة ﵂ وضعها بعد ترجمة جويرية، ووضع ترجمة عائشة في إثر ترجمة خديجة ﵄ فلم يرتب التراجم على الأحداث الزمنية، ولم يسر على نسق خاص في ترتيب تراجم الصحابة، ﵃. وقسم الحافظ رحمه الله تعالى التابعين إلى ست طبقات طبقة كبراء التابعين، وتبدأ من مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية المتوفى سنة "٦٥ هـ" وتنتهي في سنة "٩٣ هـ" وهي السنة التي توفي فيها صفوان بن محرز. ثم الطبقة الثانية من التابعين؛ وتبدأ بأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، والمتوفى سنة "٩٤ هـ" والتي امتدت إلى سنة "١٠٧ هـ"، وهي السنة التي مات فيها الشاعر الفحل كثير عزة.

стр. 93

ثم الطبقة الثالثة من التابعين؛ والتي بدأها بمعاوية بن قرة، المتوفى سنة "١١٣ هـ"، والتي امتدت إلى سنة "١٢٧ هـ" والتي مات فيها أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي. أما الطبقة الرابعة من التابعين؛ والتي بدأها بمنصور بن المعتمر، المتوفى سنة "١٣٣ هـ"، وامتدت إلى سنة "١٥٠ هـ" والتي توفي فيها حبيب المعلم. ثم الطبقة الخامسة من التابعين؛ والتي بدأها بجعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب، والمتوفى سنة "١٢٨ هـ"، وامتدت إلى سنة "١٥٦ هـ"، والتي توفي فيها عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي. أما الطبقة السادسة من التابعين؛ وهي طبقة صغار التابعين، والتي بدأها بسعيد بن أبي عروبة، والمتوفى في سنة "١٥٦ هـ"، وامتدت إلى سنة "١٦١ هـ"، وهي السنة التي توفي فيها يزيد بن إبراهيم التستري، أبو سعيد البصري. والملاحظ أنه لم يرتب التراجم في الطبقات على سنة الوفاة، فتراه مثلا ينهي الطبقة الرابعة بحبيب المعلم المتوفى سنة "١٥٠ هـ"، ويبدأ الطبقة الخامسة بجعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المتوفى سنة "١٢٨ هـ". وقد جمع الحافظ ﵀ بين الإخوة والأقارب في طبقة واحدة، جمع في الطبقة الثانية من التابعين بين أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف المتوفى سنة "١٠٤ هـ"، وأخيه إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، المتوفى سنة "٩٦ هـ" لكنه وضع ترجمة أبي سلمة بن عبد الرحمن قبل ترجمة أخيه إبراهيم بن عبد الرحمن، وبين وفاتيهما ثماني سنوات، وكان الأولى أن يقدم إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الذي توفي قبل أخيه أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، والذي تأخر عنه في الوفاة، فلم يراع سنة الوفاة بينهما. كما في الطبقة الثامنة والعشرين بين أخوين، وهما الملك شهاب الدين أبي القاسم محمود بن تاج الملوك بوري بن الأتابك طغتكين الذي قتل في سنة "٥٣٣ هـ"، وأخيه جمال الدين أبي المظفر محمد الذي توفي بعد أخيه بعشرة أشهر. كما يجمع الحافظ بين الآباء والأبناء في طبقة واحدة، وإن تباعدت سني وفاتهم، ففي الطبقة الثلاثين وضع ترجمة قاضي القضاة أبي طالب روح بن أحمد بن محمد بن أحمد الحديثي البغدادي المتوفى سنة "٥٧٠ هـ" وأعقبه بابنه أبي المعالي عبد الملك بن روح، المتوفى

стр. 94

سنة "٥٧٠ هـ"، وبين قاضي القضاة كمال الدين أبي الفضل محمد بن عبد الله بن القاسم بن مظفر بن الشهرزوري الموصلي، المتوفى سنة "٥٧٢ هـ" وابنه قاضي القضاة أبي حامد محمد، المتوفى سنة "٥٨٦ هـ" مع التباعد بين سنتي وفاتيهما. وفي الطبقة الثلاثين أيضا جمع بين أبي المحامد حماد بن إبراهيم بن إسماعيل بن الصفاري، المتوفى سنة "٥٧٦ هـ"، وأبيه العلامة ركن الدين أبي إسحاق إبراهيم، ولم يذكر له الحافظ سنة وفاة. وقد وضع ترجمتيهما متتاليتين. وفي الطبقة الثلاثين أيضا جمع بين السلطان صلاح الدين يوسف بن نجم الدين أيوب بن شاذي بن مروان، المتوفى سنة "٥٨٩ هـ"، وجمعه مع بنيه في تراجم متتالية، وهم أبو الفتح عماد الدين عثمان بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، المتوفى سنة "٥٩٥ هـ"، وابنه الفاضل أبو الحسن علي بن يوسف، المتوفى سنة "٦٢٢ هـ"، وابنه الظاهر سلطان حلب، غياث الدين أبو منصور، غازي ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، المتوفى سنة "٦١٣ هـ". وقد جمع الحافظ بينهم مع تباعد سني وفاتهم ووفاة أبيهم السلطان صلاح الدين. ثم ذكر الحافظ أخا السلطان صلاح الدين في نفس الطبقة، وهو صاحب اليمن سيف الإسلام، طغتكين بن أيوب بن شاذي، المتوفى في شوال سنة "٥٩٣ هـ". لقد كان الذهبي ذا علم ثر في كتابة التراجم، ولا غرو فهو الذي ألف تاريخ الإسلام الذي حوى تراجم كثيرة، وتذكرة الحفاظ، والعبر، وميزان الاعتدال، وغيرها من كتب التراجم، فكان ﵀ موسوعة معرفية في هذا العلم، وكان من بعده من العلماء وطلاب العلم عيال على هذه الكتب التي أثرت المكتبة الإسلامية، وأغنت العلماء في مجال طالما يحتاجون إليه في دراساتهم الحديثية والتاريخية. ولطالما بحثت عن ترجمة لأحد العلماء أو رواة الأحاديث فلم أجدها في كتب متداولة، وأقف على طلبتي في "السير"، فلا ريب أنه كتاب واسع استوعب كثيرا من تراجم الأعلام؛ ملوك وخلفاء وأمراء وولاة ووزراء وأطباء ومحدثين وفقهاء ونحاة، وشعراء، وزهاد، وفلاسفة ومتكلمين في مشارق الأرض ومغاربها لكنه عني أيما عناية بتراجم المحدثين الذين كان عظيم الإجلال والإكبار لهم، فهم الذين يحمون بيضة الإسلام، وينافحون عن حياض السنة المشرفة المصدر الثاني للتشريع، ودراسة تراجم هؤلاء المحدثين، ومعرفة شيوخهم وتلامذتهم وكلام العلماء عليهم جرحا وتعديلا مما يعوزه كل دارس للأسانيد؛ لكي يقف على درجة من صحة أو ضعف وغيره.

стр. 95

وقد اعتنى الحافظ الذهبي ﵀ بنقد المترجمين، والرد على بعض الأخطاء والانحرافات العقدية والفقهية والحديثية يراه القارئ الكريم في ردوده المبثوثة في تراجم الكتاب. وقد ذكرت مبحثا خاصا في هذه التقدمة لآرائه العقدية والفقهية والحديثية، وذكرت بعضا من أقوال المترجمين وتعقب الحافظ الذهبي لهم، ورده عليهم بالأدلة النقلية والعقلية التي يقيم بها الحجة ساطعة على مخالفيه مما يدل على رسوخ قدمه في العلوم الشرعية وتمكنه فيها. وقد اعتنى الحافظ أيضا بنقد المترجمين من رواة الأحاديث فيورد كلام علماء الجرح والتعديل في الرجل المترجم له، وقد يرجح رأيا على آخر في الرجل ويدلل عليه؛ فيقول الحافظ ﵀ في "السير" "٦/ ٥٦٣": قال أحمد بن حنبل: بلغ ابن أبي ذئب أن مالكا لم يأخذ بحديث "البيعان بالخيار" فقال: يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه، ثم قال أحمد: هو أورع وأقول بالحق من مالك. فتعقبه الذهبي "٦/ ٥٦٤" بقوله: قلت: لو كان ورعا كما ينبغي، لما قال هذا الكلام القبيح في حق إمام عظيم، فمالك إنما لم يعمل بظاهر الحديث، لأنه رآه منسوخا. وقيل: عمل به، وحمل قوله: "حتى يتفرقا" على التلفظ بالإيجاب والقبول، فمالك في هذا الحديث، وفي كل حديث له أجر ولا بد، فإن أصاب، ازداد أجرا آخر، وإنما يرى السيف على من أخطأ في اجتهاد الحرورية -أي الخوارج- وبكل حال: فكلام الأقران بعضهم في بعض لا يعول على كثير منه، فلا نقصت جلالة مالك بقول ابن أبي ذئب فيه، ولا ضعف العلماء ابن أبي ذئب بمقالته هذه، بل هما عالما المدينة في زمانهما ﵄ ولم يسندها الإمام أحمد، فلعلها لم تصح. وقال في "السير" "٦/ ٥٦٧": قال عثمان الدارمي: قلت ليحيى: ما حال ابن أبي ذئب في الزهري؟ فقال: ابن أبي ذئب ثقة. فعقب الذهبي بقوله: قلت: هو ثقة مرضي، وقد قال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: سألت عليا عنه، فقال: كان عندنا ثقة، وكانوا يوهنونه في أشياء رواها عن الزهري. وسئل عنه أحمد، فوثقه، ولم يرضه في الزهري.

стр. 96

وتراه يرجح بين راو حافظ، وراو آخر من معاصريه، فقال في "السير" "٧/ ١٠٧": كان حماد بن سلمة بحرا من بحور العلم، وله أوهام في سعة ما روى، وهو صدوق، حجة -إن شاء الله- وليس هو في الإتقان كحماد بن زيد، وتحايد البخاري إخراج حديثه إلا حديثا خرجه في الرقاق، فقال: قال لي أبو الوليد: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أبي. ولم ينحط حديثه عن رتبة الحسن. ومسلم روى له في الأصول، عن ثابت وحميد، لكونه خبيرا بهما. ثم عقد الحافظ الذهبي ﵀ فصلا في "السير" "٧/ ١١٨" وهو في غاية الأهمية لكل علماء الحديث وطلابه في التمييز بين الحمادين: حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وفي التمييز بين السفيانين: سفيان الثوري وسفيان بن عيينة. وهذا يبين سعة علمه ﵀ وعلو كعبه في علوم الحديث. كما انتقد الحافظ ﵀ بعض علماء الجرح والتعديل في توثيق الرجال وتجريحهم فقال ﵀ في "السير" "٧/ ٥٨٣": كان يحيى بن سعيد القطان متعنتا في نقد الرجال، فإذا رأيته قد وثق شيخا، فاعتمد عليه، أما إذا لين أحدا فتأن في أمره حتى ترى قول غيره فيه، فقد لين مثل إسرائيل، وهمام وجماعة احتج بهم الشيخان. وقال في "الميزان" "١/ ٦١": لا يلتفت إلى قول الأزدي، فإن في لسانه في الجرح رهقا. وقال في "السير" "٧/ ٥٩٩": وهم أبو حاتم حيث حكى أن البخاري تكلم في أبي تميلة، ومشى على ذلك أبو الفرج ابن الجوزي. ولم أر ذكرا لأبي تميلة في كتاب "الضعفاء" للبخاري لا في الكبير ولا الصغير. ثم إن البخاري قد احتج بأبي تميلة، وقد كان محدث مرو مع الفضل ابن موسى السيناني. ويبين الحافظ ﵀ متن يرد حديث المختلط، فيقول -رحمه الله تعالى- في "السير" "٨/ ٣٦٥": كل تغير يوجد في مرض الموت، فليس بقادح في الثقة، فإن غالب الناس يعتريهم في المرض الحاد نحو ذلك، ويتم لهم وقت السياق وقبله أشد من ذلك، وإنما المحذور أن يقع الاختلاط بالثقة، فيحدث في حال اختلاطه بما يضطرب في إسناده، أو متنه، فيخالف فيه.

стр. 97

وانتقد ﵀ أحاديث في "المسند" لم ترد في "الصحيحين" فقال في "السير" "٩/ ٢٨٤": في الصحيحين أحاديث قليلة ليست في "المسند"، لكن قد يقال: لا ترد على قوله، فإن المسلمين ما اختلفوا فيها، ثم ما يلزم من هذا القول: أن ما وجد فيه أن يكون حجة، فيه جملة من الأحاديث الضعيفة مما يسوغ نقلها، ولا يجب الاحتجاج بها، وفيه أحاديث معدودة شبه موضوعة، ولكنها قطرة في بحر. وفي غضون "المسند" زيادات جمة لعبد الله بن أحمد. وينتقد الأحاديث التي وردت في كتاب "إحياء علوم الدين" لأبي حامد الغزالي؛ فقال في "السير" "١٤/ ٢٧٦": كتاب "إحياء علوم الدين" لأبي حامد الغزالي فيه من الأحاديث الباطلة جملة، وفيه خير كثير لولا ما فيه من آداب، ورسوم، وزهد من طرائق الحكماء، ومنحرفي الصوفية، نسأل الله علما نافعا. وتراه ينتقد أحاديث سنن ابن ماجه؛ فقال في "السير" "١٠/ ٣٧٤": قد كان ابن ماجه حافظا ناقدا صادقا، واسع العلم، وإنما غض من رتبة "سننه" ما في الكتاب من المناكير، وقليل من الموضوعات. وفيه أحاديث لا تقوم بها حجة نحو الألف. وكثيرا ما يورد الحافظ -رحمه الله تعالى- في تراجم علماء الحديث ورواته أحاديث رووها بأسانيد لأنفسهم، فيعقب الحافظ عليها فيقول مثلا: إسناده واه، أو إسناده ضعيف، أو إسناده صحيح، ونحو ذلك. وقد وقع هذا كثيرا في تراجم رواة الأحاديث ولا يترك الحافظ هاتيك الأحاديث دون نقد لها، أو حكم على أسانيدها فكثير ما يقول: هذا حديث صحيح، أو ضعيف، أو موضوع. وهذا وفق ما يراه من حال هاتيك الأحاديث التي سبر حالها فقال ﵀ في "السير": في "٣/ ٤٤٧ - ٤٤٨": قيل: إن كل حديث فيه يا حميراء، لم يصح، وأوهى ذلك تشميس الماء، وقول النبي ﷺ لها: "لا تفعلي يا حميراء، فإنه يورث البرص". فإنه خبر موضوع. لذا فقد قال الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني ﵀: أعجبني منه ما يعانيه في تصانيف من أنه لا يتعدى حديثا يورده حتى يتبين ما فيه من ضعف متن، أو ظلام إسناد، أو طعن في رواته، وهذا لم أر غيره يراعى هذه الفايدة فيما يورده. وأورد هذا الحافظ صلاح الدين الصفدي، تلميذ الذهبي في كتابه "الوافي بالوفيات" "٢/ ١٦٣".

стр. 98

ويبين بلسان وقلم الناقد الحاذق أن كلام الأقران بعضهم في بعض غير مقبول، فيقول ﵀ في "السير" "٦/ ٤٩٦": لسنا ندعي في أئمة الجرح والتعديل العصمة من الغلط النادر. ولا من الكلام بنفس حاد فيمن بينهم وبينه شحناء وإحنة، وقد علم أن كثيرا من كلام الأقران بعضهم في بعض مهدر، لا عبرة به، ولا سيما إذا وثق الرجل جماعة يلوح على قولهم الإنصاف. ومحمد بن إسحاق، ومالك بن أنس كل منهما قد نال من صاحبه، لكنه أثر كلام مالك في محمد بعض اللين، ولم يؤثر كلام محمد فيه ولا ذرة، وارتفع مالك، وصار كالنجم، والآخر فله ارتفاع بحسبه، ولا سيما في السير، وأما في أحاديث الأحكام، فينحط حديثه فيها عن رتبة الصحة إلى رتبة الحسن، إلا فيما شذ فيه، فإنه يعد منكرا. هكذا يبين قلمه ولسانه عن موهبة نقدية تنبئ عن علم ثر في الجرح والتعديل، وسائر علوم الحديث، وهي انتقادات منصفة ليس فيها حيف أو انحراف عن الجادة. وقد أطال الحافظ ﵀ بعض تراجم الأعلام وقصر بعضا آخر، وذلك حسب حال المترجم ومنزلته العلمية أو الأدبية أو الاجتماعية، وقد اتبع منهجا خاصا في صياغة الترجمة فيذكر لقب المترجم وكنيته واسمه ونسبته، ثم يذكر تاريخ ولادته، وشيوخه، وتلاميذه، كما يذكر مؤلفاته وآثاره العلمية، ثم يذكر مكانته العلمية من خلال أقوال العلماء فيه، ثم يذكر تاريخ الوفاة، وربما يذكر عدة أقوال في تاريخ وفاة المترجم، ويرجح بينها. ويذكر من مات مع هذا المترجم في هذه السنة من الأعلام. تاسعا: أهمية كتاب السير بين كتب التراجم: لا جرم أن كتاب سير أعلام النبلاء من أعظم كتب التراجم التي حوت قدرا كبيرا من تراجم الأعلام في مشارق الأرض ومغاربا خلفاء، وملوك وأمراء ووزراء وأطباء، ومحدثين وفقهاء ونحاة وشعراء وزهاد وفلاسفة ومتكلمين أوعب فيها الحافظ -رحمه الله تعالى- تراجم حقبة كبيرة من الزمن ربت على السبعمائة عام من عصر الصحابة ﵃ إلى عصره الذي عاش فيه، وهي موسوعة معرفية هامة ينهل منها كل المتخصصين في التاريخ، والحديث، والنحو والشعر والفلسفة وعلم الكلام، وغيرها من المعارف.

стр. 99

وهذا الكتاب الفذ يعد تصويرا صادقا لا كانت عليه الأمة الإسلامية من تقدم وازدهار في كافة العلوم المعرفية، فهؤلاء هم علماء الأمة ومؤرخوها وشعراؤها الذين لا يزالون مفخرة للعرب والمسلمين في مختلف العصور، فما وجد هذا الحشد الهائل من العلماء، والمؤرخين، والنحاة والشعراء وغيرهم في أمة من الأمم. وهؤلاء هم الملوك والأمراء الذين فتحوا البلاد، ونافحوا عن المقدسات، قد سطر التاريخ بطولاتهم بأحرف من نور يستضيء بسيرتهم أبناء الأمة الإسلامية من ملوك ورؤساء وعلماء فلا جرم أن يكونوا مفخرة للعرب والمسلمين في مختلف الدهور والعصور. إن هذا الكتاب الفذ بهذا الحشد الهائل من العلماء، والمؤرخين، والشعراء لخير شاهد على أن أمة أنجبت هذا الحشد الكبير لهي أمة تقدس العلم والمعرفة، وهي حقيقة بأن ينظر إليها بعين الإجلال والإكبار. ولا جرم أن هذا الكتاب بهذا الحجم الضخم من التراجم سيكون مقصد كل متعلم وباحث عن المعرفة فإذا أراد التوسع في سيرة أي علم من الأعلام فسيجد طلبته ومقصده في هذا الكتاب، وإذا لم يجد ترجمة في الكتب المتداولة فسيجدها في هذا الكتاب العظيم. إن هذا الكتاب العظيم بهذه التراجم الكثيرة، والتي توسع فيها عن تراجم "تاريخ الإسلام" بأخباره الكثيرة، ومادته العلمية الثرة لهو حقيق بإجلال وإكبار كل العلماء على مختلف تخصصاتهم العلمية. فرحم الله عالمنا الحافظ الذهبي الذي ختم حياته بهذا المؤلف العظيم رحمة واسعة، وحشرنا في زمرته إنه سميع مجيب كريم جواد. عاشرا وفاته: قال تلميذه الأديب العلامة الشيخ صلاح الدين أبو الصفاء الصدفي في كتابه "الوافي بالوفيات" "٢/ ١٦٥": أخبرني العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي قال: عدت الحافظ شم الدين الذهبي ليلة مات، فقلت له: كيف تجدك؟ قال: في السياق. وكان قد أضر -رحمه الله تعالى- قبل موته بأربع سنين أو أكثر بماء نزل في عينيه، فكان يتأذى ويغضب إذا قيل له: لو قدحت هذه لرجع إليك بصرك. ويقول: ليس هذا بماء، وأنا أعرف بنفسي؛ لأنني ما زال بصري ينقص قليلا قليلا إلى أن تكامل عدمه. ثم سأله: أدخل وقت المغرب؟ فقال له الوالد: ألم تصل العصر؟ فقال: بلى ولكن لم أصل المغرب إلى الآن، ثم

стр. 100

سأله الشيخ تقي الدين علي السبكي ﵀ عن الجمع بين المغرب والعشاء تقديما، فأفتاه بذلك، ففعله، ومات بعد العشاء قبل نصف الليل (١) ليلة الإثنين ثالث ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وسبعمائة بدمشق، بالمدرسة المنسوبة لأم الصالح، في قاعة سكنه، وصلي عليه يوم الإثنين صلاة الظهر في جامع دمشق، ودفن بباب الصغيرة وحضر الصلاة عليه تلميذه تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي السكبي- صاحب "طبقات الشافعية الكبرى"- وقال في "الطبقات" "٩/ (١٠٦) ": أنشدنا شيخنا الذهبي، من لفظه لنفسه (٢): تولى شباب كأن لم يكن … وأقبل شيب علينا تولى ومن عاين المنحنى والنقى … فما بعد هذين إلا المصلى ثم قال الشيخ عبد الوهاب بن علي السبكي تاج الدين: وأنشدنا لنفسه، وأرسلها معي إلى الوالد ﵀، وهي فيما أراه آخر شعر قاله، لأن ذلك كان في مرض موته، قبل موته بيومين أو ثلاثة. قال الحافظ الذهبي ﵀ في آخر شعر قاله- يمدح به تقي الدين علي السبكي، والد تاج الدين عبد الوهاب صاحب الطبقات: تقي الدين يا قاضي الممالك … ومن نحن العبيد وأنت مالك بلغت المجد في دين ودنيا … ونلت من العلوم مدى كمالك ففي الأحكام أقضانا علي … وفي الخدام مع أنس بن مالك وكابن معين في حفظ ونقد … وفي الفتيا كسفيان ومالك وفخر الدين في جدل وبحث … وفي النحو المبرد وابن مالك وتسكن عند رضوان قريبا … كما زحزحت عن نيران مالك تشفع في أناس في فراء … لتكسوهم ولو من رأس مالك لتعطى في اليمين كتاب خير … ولا تعطى كتابك في شمالك ورثاه تقي الدين علي السكبي، فقال: _________ (١) طبقات الشافعية للسبكي "٩/ ١٠٥ - ١٠٦". (٢) البيتان في: شذرات الذهب "٦/ ١٥٥"، وذيول تذكرة الحفاظ "٣٧".

стр. 101

لما قضى شيخنا وعالمنا … ومات في التاريخ والنسب قلت عجيب وحق ذا عجبا … كيف تخطى البلى إلى الذهب ورثاه صلاح الدين الصفدي، فقال: أشمس الدين غبت وكل شمس … يغيب وزال عنا ظل فضلك وكم ورخت أنت وفاة شخص … وما ورخت قط وفاة مثلك ورثاه تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي بقصيدة مطلعها: من للحديث وللسارين في الطلب … من بعد موت الإمام الحافظ الذهبي من للرواية للأخبار ينشرها … بين البرية من عجم ومن عرب من للدراية والآثار يحفظها … بالنقد من وضع أهل الغي والكذب من للصناعة يدري حل معضلها … حتى يريك جلاء الشك والريب من للجماعة أهل العلم تلبسهم … أعلامه الغر من أبرادها القشب من للتخاريج يبديها ويدخل في … أبوابها فاتحا للمقفل الأشب من في القراءات بين الناس نافعهم … وعاصم ركنها في الججفل اللجب من للخطابة لما لاح يرفل في … ثوب السواد كبدر لاح في سحب (١) ومن هذه القصيدة: وإن تغب ذات شمس الدين لا عجب … فأي شمس رأيناها ولم تغب هو الإمام الذي روت روايته … وطبق الأرض من طلابه النجب مهذب القول لاعي ولجلجة … مثبت النقل سامي القصد والحسب ثبت صدوق خبير حافظ يقظ … في النقل أصدق أنباء من الكتب كالزهر في حسب والزهر في نسب … والنهر في حدب والدهر في رتب (٢) _________ (١) طبقات الشافعية الكبرى لتاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي "٩/ ١٠٩". (٢) طبقات الشافعية الكبرى "٩/ ١١٠ - ١١١".

стр. 102

وقد ترك الذهبي أولادا ثلاثة كانوا من العلماء، وهم: ١ - ابنته أم سلمة: سمعت مع أبيها من عيسى بن عبد الرحمن بن معالي بن حمد، أبي محمد الصالحي السمسار ومطعم الأشجار، المتوفى سنة "٧١٩ هـ ١٣٢٠ م"، قال الحافظ الذهبي في "معجم شيوخه الكبير" "٢/ ٨٦": "قلت: وسمعه معي ولداي عبد الله وأم سلمى". وقد أجاز لها ولوالدها شيخ المستنصرية الإمام العالم المحدث الصادق الخير رشيد الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عمر بن أبي القاسم البغدادي، المتوفى سنة "٧٠٧ هـ-١٣٠٧ م" كما قال الحافظ الذهبي في "معجم شيوخه الكبير" "٢/ ٢٠٤" أجاز لنا مروياته غير مرة أولها في سنة خمس وتسعين وستمائة "٦٩٥ هـ-١٢٩٦ م" وأجاز لبنتي أم سلمة وقد كان انفرد بأجزاء عوالي الأول الكبير من المخلصات، وجزء ابن كرامة، وتاسع الجعديات، والأطعمة للدارمي، والأول من عوالي ابن البطر، وجزء ابن محمش، وجزء ابن بالويه، والخامس والسادس من حديث ابن صاعد، وجزء ابن المنذر، ودرجات التائبين، ولمع ابن السراج في التصوف. ٢ - ابنه أبو هريرة، عبد الرحمن: قرأ هو ووالده على عمة الحافظ الذهبي: ست الأهل بنت عثمان بن قايماز بن عبد الله، أم محمد المتوفاة سنة "٧٢٩ هـ ١٣٢٩ م" كما قال الحافظ الذهبي في "معجم شيوخه الكبير" "١/ ٢٨٥". وسمع هو ووالده الحافظ الذهبي من عبد المحسن بن إبراهيم بن خولان الصالحي، المتوفى سنة "٧٢٢ هـ" كما قال في "معجم شيوخه الكبير" "١/ ٤١٦". وسمع مع أبيه من فاطمة بنت الإمام القدوة عز الدين إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن أحمد الصالحية الحنبلية، قال الحافظ الذهبي في "معجم شيوخه الكبير" "٢/ ١٠٢": "روت لنا نسخة أبي مسهر، وجزء الفراتي، سمعهما معي ابني عبد الرحمن". وسمع مع أبيه من محمد بن أحمد الزراد الحريري الصالحي، المتوفى سنة "٧٢٦ هـ-١٣٢٦ م". قال الحافظ في "معجم شيوخه الكبير" "٢/ ١٧٠": سمعت منه مع ولدي عبد الرحمن جزء ابن عرفة، وجزء ابن فيل، والبطاقة والجمعة ونسخة إبراهيم بن سعد، وجزء الفراتي، ونسخة أبي مسهر، وجزء الكسائي، ومعه من الذكر لابن فارس، وفضائل معاوية، وفوائد نصر، وجزء ابن الفرات، والعلم لأبي خيثمة.

стр. 103

وأجاز له الشيخ محمد بن عبد الحميد بن عبد الله بن خلف، أبو الفضل القرشي المصري المؤدب، المتوفى سنة "٧١٦ هـ-١٣١٦ م" كما قال الحافظ الذهبي في "معجم شيوخه الكبير" "٢/ ٢٠٦". وسمع مع والده من الشيخ محمد بن علي بن سالم بن رضوان المزي، أبي عبد الله المؤذن النجار، المتوفى سنة "٧٢٢ هـ-١٣٢٢ م"، قال الحافظ الذهبي في "معجم شيوخه الكبير" "٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩": سمعت منه مع ابني عبد الرحمن جزء ابن فيل، ونسخة إبراهيم بن سعد، والجمعة، وجزء البطاقة. توفي ابنه أبو هريرة عبد الرحمن سنة "٧٩٩ هـ" كما قال الحافظ ابن حجر في "الدرر الكامنة" "٢/ ٤٤٩". وعاش نيفا وثمانين سنة كما في "معجم الشيوخ الكبير" "١/ ٤١٦". ٣ - ابنه أبو الدرداء عبد الله: سمع مع أبيه من الشيخ عيسى بن عبد الرحمن بن معالي بن حمد، أبي محمد الصالحي السمسار في العقار ومطعم الأشجار، المتوفى سنة "٧١٩ هـ-١٣٢٠ م" كما قال الحافظ الذهبي في "معجم شيوخه الكبير" "٢/ ٨٦": قلت: وسمعه معي ولداي عبد الله وأم سلمى. مات عبد الله بن الحافظ الذهبي في ذي الحجة سنة "٧٥٤ هـ" كما قال الحافظ ابن حجر في "الدرر الكامنة" "٢/ ٣٩٢".

стр. 104

حادي عشر: ترجمة موجزة عن محقق الكتاب محمد أيمن الشبراوي، عفا الله عنه. مولده ونسبه ونشأته: هو أبو يعلى القويسني السلفي، محمد أيمن بن عبد الله بن حسن بن محمد الشبراوي. ولد سنة "١٣٧٦ هـ-١٩٥٥ م" في مدينة الجيزة المصرية التي كان يعمل بها والده موظفا بالبريد. وهو منسوب إلى مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية المصرية. مشايخه: ١ - الشيخ مقبل بن هادي الوادعي، محدث اليمن وعالمها، المتوفى في جمادى الأولى سنة "١٤٢٢ هـ" له مصنفات مشهورة في علم الحديث. ٢ - العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، رحمه الله تعالى، والمتوفى في رجب "١٤٢٠ هـ"، وهو محدث الشام، له مصنفات وتآليف مشهورة كثيرة منها سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وسلسلة الأحاديث الصحيحة، وكتاب إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، وكتب كثيرة. ٣ - الأديب الشيخ محمد بن إبراهيم شقرة، ومدير المسجد الأقصى بوزارة الأوقاف الأردنية، وإمام مسجد صلاح الدين -عمان الأردن. تلامذته: تتلمذ على يده كثير من طلبة العلم في علم الحديث الذي شرح أصوله مرات عديدة، كما شرح أصول الفقه لبعض طلاب العلم. وقرأ عليه تلامذة كثيرون في مصر وخارجها. منهم من كان يبحث في الدراسات العليا في كلية الشريعة قسم الحديث، وأفاد كثيرا من طلاب العلم في بحوثهم وفي رسائلهم في الماجستير والدكتوراة خاصة في علم الحديث الذي حاز فيه قصب السبق، ولم ير فيه مثل نفسه تحت أديم سماء مصر.

стр. 105

مصنفاته: له مصنفات كثيرة، وتحقيقات، وفهارس علمية لكثير من كتب السنة طبع أغلبها بلبنان ومصر، من هذه الكتب: ١ - الأرائك المصنوعة في الأحاديث الضعيفة والموضوعة، تأليف له في ثلاث مجلدات، كل مجلد يتضمن أربعمائة حديث، والمجلدات الثلاث تتضمن "١٢٠٠" حديث كلها أحاديث مشهورة تدور على ألسنة الخطباء والوعاظ والمتكلمين في إذاعات القرآن الكريم، وقد استوعب طرق هذه الأحاديث، وتكلم على هذه الطرق جرحا وتعديلا بإسهاب، وحكم على كل حديث بما يليق بحاله، وليس فيها حديث واحد ذكره الشيخ الألباني إلا عدة أحاديث يسيرة انتقدها عليه من مخالفة في حكم، أو زيادة علة أغفل الكلام عليها الشيخ الألباني ﵀ أو زيادة مصادر عزو لم يعز إليها الشيخ ﵀. وقد طبع المجلد الأول من هذه المجلدات الثلاث بمكتبة الدعوة بالأزهر سنة "١٤٢٠ هـ-٢٠٠٠ م"، يسر الله طبع بقية هذه المجلدات، وأكثر النفع بها، وجعلها في ميزان حسناته بكرمه ومنه إنه سميع مجيب كريم جواد. ٢ - أين الله؟ هل هو في كل مكان؟! هي رسالة ألفها في إثبات علو الله تعالى على عرشه فوق سماواته، وضمنه مقدمة، وأربعة فصول وخاتمة ورد فيها على ثمان شبه من شبه القائلين بأن الله في كل مكان تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. وكل هذه الشبه مما تلهج بها ألسنة الخالفين المخالفين. وقد دحض هذه الشبه بالدليل. وهو مطبوع متداول. ٣ - داء الرياء القاتل وعلاجه الناجع، كتاب ألفه في بيان داء الرياء، وعلاماته، وأنواعه، ودوافعه وعلاجه من اثني عشر طريقة، وهو مطبوع متداول. ٤ - النفاق وأثره السيئ في الأمة، كتاب ألفه ليقف المسلمون على خطورة هذا الداء العضال وقسمه إلى مقدمة وخمسة مباحث تضمنت: معنى النفاق لغة وشرعا، وصفات المنافقين، وأخطار النفاق والمنافقين، وكيف يعامل المؤمنون المنافقين، والعلاج الناجع للنفاق، وأتبع هذه المباحث الخمسة بخاتمة تعد زبدة البحث وخلاصته. وهو مطبوع متداول.

стр. 106

٥ - أحكام الصيام، أوعب فيه جميع أحكام الصيام، ورد فيه على شبه القائلين بإخراج زكاة الفطر نقودا، ودحض حجتهم من ستة وجوه، وهو مطبوع بدار العقيدة بالإسكندرية. ٦ - الشقاء والسعادة في ضوء الكتاب والسنة، كتاب ألفه لبيان حقيقة السعادة ومصادرها، والشقاء وأسبابه، وقد قسمه إلى مقدمة، وأربعة مباحث تتضمن: معنى السعادة لغة وشرعا، وأسباب وهمية لحصول السعادة، وأسباب الشقاء وعدم السعادة، وأسباب السعادة وذيله بخاتمة، وهو مطبوع بدار العقيدة بالإسكندرية. ٧ - بغية المستفيد في تحقيق وتخريج تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد، وهو مطبوع في مجلد كبير ضخم مع كتاب تيسير العزيز الحميد. ط. عالم الكتب بيروت - لبنان سنة "١٤١٩ هـ-١٩٩٩ م". ٨ - منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية لابن تيمية، ط. دار الحديث، ويقع في ثمانية أجزاء، وفي أربع مجلدات. خرج فيها أحاديثه، وعلق عليه بتعليقات نافعة، وقدم له بمقدمة ضافية، تكلم فيها بإسهاب عن سبعة عشر أصلا من أصول الشيعة الإمامية، وتعد هذه المقدمة مرجعا لمن أراد معرفة أصول الشيعة الإمامية. ٩ - تراجم الخلفاء الراشدين، تأليف محمد رضا. قدم فيه للكتاب وخرج فيه ما ورد فيه من أحاديث تخريجا علميا دقيقا، وصدر كل حديث بما يناسبه من حكم، وضبط نصه، وعلق عليه بما يفيد العامة بله الخاصة من العلماء وطلاب العلم، وهو مطبوع بدار الحديث بالقاهرة سنة "١٤٢٥ هـ-٢٠٠٤ م". ١٠ - سير أعلام النبلاء، للحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، خرج فيه جميع أحاديث الكتاب الذي يقع في ستة عشر مجلدا، غير الفهارس العلمية الدقيقة له، وقد حكم على كل حديث بما يناسبه من صحة، أو ضعف، وغيره. وذكر مصادر كل ترجمة من تراجم الكتاب التي بلغت "٥٩٦٤" ترجمة، ترجم فيها الذهبي لجميع الأعلام في مشارق الأرض ومغاربها من ملوك، وخلفاء، وأمراء، ووزراء، وأطباء، ومحدثين، وفقهاء ونحاة، وشعراء، وزهاد، وفلاسفة، ومتكلمين. وقدم للكتاب بمقدمة ضافية تعد مرجعا كبيرا، وترجمة واسعة للحافظ الذهبي رحمه

стр. 107

الله، تضمنت نشأة الذهبي، وبيئته السياسية، والدينية، والعلمية، ورحلاته في طلب العلم، وشيوخه، وتلامذته، ومنزلته العلمية، وأقوال العلماء فيه، وآراءه وأقواله في العقيدة والفقه والحديث، وتصانيفه وآثاره العلمية، ومنهجه في كتابه السير، وأهمية كتاب السير بين كتب التراجم، وبيان تاريخ وفاته، ومن ترك من أولاد. فجاءت ترجمة ضافية لا يستغني عنها كل باحث أو طالب علم. وهو هذا الكتاب الذي بين يديك أخي القارئ غفر الله لمؤلفه، ومحققه، ومن قام على طبعه ونشره وهو مطبوع بدار الحديث بالقاهرة سنة "١٤٢٧ - ٢٠٠٦ م". ١١ - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، تأليف الحافظ السيوطي، حققه وخرج أحاديثه. ط. دار الحديث القاهرة سنة "١٤٢٣ هـ-٢٠٠٢ م". ١٢ - الجواب الباهر في زوار المقابر، لابن تيمية، خرج أحاديثه، وعلق عليه. ط. دار الجيل، بيروت، لبنان سنة "١٤١٧ هـ-١٩٩٧ م". ١٣ - مكان رأس الحسين، لابن تيمية، خرج أحاديثه وعلق عليه. ط. دار الجيل، بيروت، لبنان سنة "١٤١٧ هـ-١٩٩٧ م". ١٤ - السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، لابن تيمية. ط. دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان سنة "١٤٠٩ هـ-١٩٩٨ م" خرج أحاديثه وعلق عليه. ١٥ - شرح العقيدة الواسطية، لابن تيمية شرح الشيخ خليل هراس، خرج أحاديثه، وعلق عليه، وقدم له بمقدمة هامة، وشرح ما فيه من غريب الألفاظ، وزور له فهارس علمية شاملة أوعبت كل ما في الكتاب. ١٦ - فتح المغيث بترتيب ما في سنن النسائي من الأثر والحديث. ط. دار الجيل بيروت، لبنان سنة "١٤١١ هـ-١٩٩١ م". وط. دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان سنة "١٤٠٨ هـ-١٩٨٨ م". ١٧ - فهرس مسند الحميدي. مطبوع مع مسند الحميدي بدار الكتب العلمية سنة "١٤٠٨ هـ-١٩٨٨ م". ١٨ - هداية المحتار إلى ترتيب كشف الأستار عن زوائد البزار، ط. دار الجيل بيروت لبنان سنة "١٤١١ هـ-١٩٩١ م". وط. دار الكتب العلمية سنة "١٤٠٨ هـ-١٩٨٨ م"

стр. 108

١٩ - السرر الموضوعة في ترتيب اللآلئ المصنوعة. ط. دار الجيل، بيروت، لبنان سنة "١٤١٧ هـ-١٩٩٧ م". ٢٠ - الروض الباسم في ترتيب السنة لابن أبي عاصم. ط. دار الجيل، بيروت، لبنان سنة "١٤١٧ هـ-١٩٩٧ م". ٢١ - فهارس صحيح ابن خزيمة. ط. دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان سنة "١٤٠٨ هـ-١٩٨٨ م". ٢٢ - فهرس تفسير ابن كثير. دار الجيل بيروت لبنان. وقد أعده بطريقتين فرتبه على أوائل أطراف الأحاديث، ورتبه على مسانيد الرواة، وأحال فيها القارئ إلى رقم الآية، واسم السورة التي يوجد بها الحديث، لينتفع كل من يتملك أي طبعة من تفسير ابن كثير. وكتب أخرى كثيرة تخرج له قريبا قريبا تقبل الله منه بأسمائه وصفاته، وجعلها في ميزان حسناته ثقيلة ثقيلة، وأكثر النفع بها بكرمه ومنه وسعة فضله، وجزى الله خيرا كل من ساهم في نشرها بالقول أو الفعل.

стр. 109

ثاني عشر: منهجنا في تحقيق الكتاب: ١ - عولت في تحقيق هذا الكتاب على النسخة الخطية الموجودة في دار الكتب المصرية بالقاهرة المحروسة تحت رقم عام "١٢١٩٥" حديث، والمصورة عن الأصل الموجود بمكتبة أحمد الثالث باستنبول رقم "٢٩١٠ - ١٣"، وتقع في إحدى عشر مجلدا، وقد بلغت عدد لوحات كل مجلد من هذه المجلدات الإحدى عشرة على التوالي: "٢٥٢، ٢٨٥، ٢٩٣، ٢٩٣، ٢٩٢، ٢٩٢، ٢٨٨، ٢٨٩، ٢٩٠، ٢٨٨، ٣١٩" لوحة عن نسخة مكتبة أحمد الثالث باستانبول. وكل لوحة تحتوي على صفحتين، متقابلتين. ومتوسط سطور كل صفحة "٢٤" أو"٢٥" سطرا، وعدد كلمات السطر "١٤" كلمة. وكتب على هذه الأجزاء تاريخ نسخها؛ فالجزء الرابع كتب عليه: تم الفراغ من نسخه في سنة تسع وثلاثين وسبعمائة. وأما الجزء العاشر فكتب عليه: كان الفراغ منه ليلة الأحد لعشر خلون من شهر رجب سنة إحدى وأربعين وسبعمائة. وأما الجزء الحادي عشر فقد كتب عليه: تم الفراغ من نسخه ليلة الإثنين لثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ذي الحجة سنة "٧٤١ هـ"، وهي أول نسخة نسخت من خط المصنف. وأما الجزء الثاني عشر فكتب على الصفحة الأخيرة منه: كان الفراغ من كتابته ليلة الجمعة لثلاث بقين من جمادى الأولى سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة والحمد لله وحده وصلواته وسلامه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما. أما الجزء الثالث عشر فقد كتب ناسخه على الصفحة الأخيرة: تم الجزء الثالث عشر من سير أعلام النبلاء للشيخ الإمام العالم العامل الحجة الناقد البارع جامع أشتات الفنون مؤرخ الإسلام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي فسح الله في مدته وهي أول نسخة نسخت من خط المصنف وقوبلت على حسب الإمكان وكان الفراغ منه لليلتين خلتا من شهر صفر سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة والحمد لله وحده وصلى الله على محمد. فالواضح أن هذه النسخة كتبت في حياة المؤلف من نسخة مكتوبة بخطه، والخط في جميع الأجزاء واحد، لكنه لم يبين اسم الناسخ كما هو معتاد في كتابة الناسخ لاسمه حين الفراغ من النسخ. لكن بوجه عام فالنسخة مكتوبة بخط جيد مقروء، وفي بعض صفحاتها تضبيب طولي، وهو نادر فيها مما لا يكاد يخلو منه مخطوط. وقد اعتمدت على بعض النسخ المطبوعة وكان أضبطها طبعة مؤسسة الرسالة.

стр. 110

٢ - رجعت إلى كتب السنن والمسانيد والمعاجم وبعض المصادر التي أخذ عنها المؤلف، وعارضت عليها، ما أورده من أحاديث وآثار وأقوال، وهو شيء كثير، وعدد كبير، وقد أصلحت ما وقع فيه من خطأ. ٣ - ضبطت النص ونسقته تنسيقا يعين على قراءته، وفهمه، وضبطت ما أشكل من أسماء الرواة والأعلام وكناهم، كما ضبطت المواضع والبلدان والمبهمات والغريب حتى تقرأ على نحو صحيح صائب معتمدا على أوثق وأفضل المصادر التي بينت ذلك أفضل بيان. ٤ - نبهت على ما ظهر لي من تصحيفات وقعت في الطبعة المذكورة التي اعتمدت عليها. ٥ - قمت بدراسة الأحاديث والآثار التي ذكرها المؤلف، وصدرت كل حديث بما يناسبه من صحة أو ضعف وغيره، وقد أحيل القارئ إلى مراجعة الحديث والكلام عليه بإسهاب في بعض كتبي مثل: الأرائك المصنوعة في الأحاديث الضعيفة والموضوعة، أو بغية المستفيد في تحقيق وتخريج تيسير العزيز الحميد، أو منهاج السنة النبوية لابن تيمية بتخريجنا وتعليقنا، أو الجواب الباهر في زوار المقابر بتخريجنا وتعليقنا، وغيرها من كتبي. ٦ - ذكرت مصادر ترجمة كل علم من الأعلام ليرجع إليها من رام زيادة، وقد قصدت فيها استيعاب المصادر، وذلك حسب ما تيسر لي منها. ٧ - شرحت الغوامض من المصطلحات والمبهمات والغريب، وعرفت ببعض الأماكن والبلدان، كما عرفت ببعض الأعلام من أصحاب النحل، أو ممن وردوا بالأسانيد، ليكون الكتاب سهلا ميسورا أمام القارئ. ٨ - قدمت للكتاب بمقدمة ضافية بينت فيها: نشأة الذهبي وبيئته السياسية والدينية والعلمية، ورحلاته في طلب العلم، وشيوخه، وتلامذته، ومنزلته العلمية وأقوال العلماء فيه، وآراءه في العقيدة والفقه والحديث، وتصانيفه وآثاره العلمية، ومنهجه في كتابه. كما بينت أهمية كتاب السير بين كتب التراجم، وبينت تاريخ وفاته، ومن ترك من أولاد، فجاءت ترجمة ضافية للحافظ الذهبي لا يستغني عنها أي باحث أو طالب علم.
следующие страницы →