← Тараджим

Тараджим · id 22669

سير أعلام النبلاء - ط الحديث

شمس الدين الذهبي

Полный текст (9 721 стр.). Показаны 8366–8405 · переход к 8371.

стр. 8366

علوم الأحوال، ومرامز الصوفية، وكان غير أنيسٍ بها، ولا خبير بمعرفتها، فسقط على أم رأسه، وشحن كتابه بالموضوعات. قلت: أما "الإحياء" ففيه من الأحاديث الباطلة جملة، وفيه خير كثر لولا ما فيه من آداب ورسوم وزهد من طرائق الحكماء ومنحرفي الصوفية، نسأل الله علمًا نافعًا، تدري ما العلم النافع? هو ما نزل به القرآن، وفسره الرسول ﷺ قولًا وفعلًا، ولم يأت نهي عنه، قال ﵇: "من رغب عن سنتي، فليس مني" (١)، فعليك يا أخي بتدبر كتاب الله، وبإدمان النظر في "الصحيحين"، و "سنن النسائي"، و "رياض النواوي" وأذكاره، تفلح وتنجح، وإياك وآراء عباد الفلاسفة، ووظائف أهل الرياضات، وجوع الرهبان، وخطاب طيش رؤوس أصحاب الخلوات، فكل الخير في متابعة الحنيفية السمحة، فواغوثاه بالله، اللهم اهدنا إلى صراطك المستقيم. نعم، وللإمام محمد بن علي المازري الصقلي كلامٌ على "الإحياء" يدل على إمامته، يقول: وقد تكررت مكاتبتكم في استعلام مذهبنا في الكتاب المترجم بـ"إحياء علوم الدين"، وذكرتم أن آراء الناس فيه قد اختلفت، فطائفةٌ انتصرت وتعصبت لإشهاره، وطائفة حذرت منه ونفرت، وطائفة لكتبه أحرقت، وكاتبني أهل المشرق أيضًا يسألوني، ولم يتقدم لي قراءة هذا الكتاب سوى نبذ منه، فإن نفس الله في العمر، مددت فيه الأنفاس، وأزلت عن القلوب الالتباس: اعلموا أن هذا رأيت تلامذته، فكل منهم حكى لي نوعًا من حاله ما قام مقام العيان، فأنا أقتصر على ذكر حاله، وحال كتابه، وذكر جمل من مذاهب الموحدين والمتصوفة، وأصحاب الإشارات، والفلاسفة، فإن كتابه مترددٌ بين هذه الطرائق. ثم إن المازري أثنى على أبي حامد في الفقه، وقال: هو بالفقه أعرف منه بأصوله، وأما علم الكلام الذي هو أصل الدين، فإنه صنف فيه، وليس بالمتبحر فيها، ولقد فطنت لعدم استبحاره فيها، وذلك أنه قرأ علوم الفلسفة قبل استبحاره في فن الأصول، فأكسبته الفلسفة جرأةً على المعاني، وتسهلًا للهجوم على الحقائق، لأن الفلاسفة تمر مع خواطرها، لا يزعها شرع، وعرفني صاحب له أنه كان له عكوف على "رسائل إخوان الصفا"، وهي إحدى وخمسون رسالةً، ألفها من قد خاض في علم الشرع والنقل، وفي الحكمة، فمزج بين العلمين، وقد كان رجل يعرف بابن سينا ملأ الدنيا تصانيف، أدته قوته في الفلسفة إلى أن

стр. 8367

حاول رد أصول العقائد إلى علم الفلسفة، وتلطف جهده، حتى تم له ما لم يتم لغيره، وقد رأيت جملًا من دواوينه، ووجدت أبا حامد يعول عليه في أكثر ما يشير إليه من علوم الفلسفة. وأما مذاهب الصوفية، فلا أدري على من عول فيها، لكني رأيت فيما علق بعض أصحابه أنه ذكر كتب ابن سينا وما فيها، وذكر بعد ذلك كتب أبي حيان التوحيدي، وعندي أنه عليه عول في مذهب التصوف، وأخبرت أن أبا حيان ألف ديوانًا عظيمًا في هذا الفن، وفي "الإحياء" من الواهيات كثير. قال: وعادة المتورعين أن لا يقولوا: قال مالك، وقال الشافعي، فيما لم يثبت عندهم. ثم قال: ويستحسن أشياء مبناها على ما لا حقيقة له، كقص الأظافر أن يبدأ بالسبابة، لأن لها الفضل على باقي الأصابع، لأنها المسبحة، ثم قص ما يليها من الوسطى، لأنها ناحية اليمين، ويختم بإبهام اليمنى، وروى في ذلك أثرًا. قلت: هو أثر موضوع. ثم قال: وقال: من مات بعد بلوغه ولم يعلم أن البارئ قديم، مات مسلمًا إجماعًا. قال: فمن تساهل في حكاية الإجماع في مثل هذا الذي الأقرب أن يكون الإجماع في خلافه، فحقيق أن لا يوثق بما روى، ورأيت له في الجزء الأول يقول: إن في علومه ما لا يسوغ أن يودع في كتاب، فليت شعري أحقٌّ هو أو باطل?! فإن كان باطلًا، فصدق، وإن كان حقًا، وهو مراده بلا شك، فلم لا يودع في الكتب، ألغموضه ودقته?! فإن كان هو فهمه، فما المانع أن يفهمه غيره?! قال أبو الفرج ابن الجوزي: صنف أبو حامد "الإحياء"، وملأه بالأحاديث الباطلة، ولم يعلم بطلانها، وتكلم على الكشف، وخرج عن قانون الفقه، وقال: إن المراد بالكوكب والقمر والشمس اللواتي رآهن إبراهيم، أنوار هي حجب الله ، ولم يرد هذه المعروفات، وهذا من جنس كلام الباطنية، وقد رد ابن الجوزي على أبي حامد في كتاب "الإحياء"، وبين خطأه في مجلدات، سماه كتاب "الأحياء". ولأبي الحسن ابن سكر رد على الغزالي في مجلد سماه: "إحياء ميت الأحياء في الرد على كتاب الإحياء". قلت: ما زال الأئمة يخالف بعضهم بعضًا، ويرد هذا على هذا، ولسنا ممن يذم العالم بالهوى والجهل.

стр. 8368

نعم، وللإمام كتاب "كيمياء السعادة"، وكتاب "المعتقد"، وكتاب "إلجام العوام"، وكتاب "الرد على الباطنية"، وكتاب "معتقد الأوائل"، وكتاب "جواهر القرآن"، وكتاب "الغاية القصوى"، وكتاب "فضائح الإباحية"، و "مسألة عوز الدور"، وغير ذلك. قال عبد الغافر الفارسي: توفي يوم الاثنين رابع عشر جمادى الآخرة سنة خمس وخمس مائة، وله خمس وخمسون سنة، ودفن بمقبرة الطابران قصبة بلاد طوس، وقولهم: الغزالي، والعطاري، والخبازي، نسبة إلى الصنائع بلسان العجم، بجمع ياء النسبة والصيغة. وللغزالي أخ واعظٌ مشهور، وهو أبو الفتوح أحمد، له قبول عظيم في الوعظ، يزن برقة الدين وبالإباحة، بقي إلى حدود العشرين وخمس مائة، وقد ناب عن أخيه في تدريس النظامية ببغداد لما حج مديدة. قرأت بخط النواوي ﵀: قال الشيخ تقي الدين بن الصلاح: وقد سئل: لم سمي الغزالي بذلك، فقال: حدثني من أثق به، عن أبي الحرم الماكسي الأديب، حدثنا أبو الثناء محمود الفرضي، قال: حدثنا تاج الإسلام ابن خميس، قال لي الغزالي: الناس يقولون لي: الغزالي، ولست الغزالي، وإنما أنا الغزالي منسوب إلى قرية يقال لها: غزالة، أو كما قال. وفي أواخر "المنخول" للغزالي كلام فج في إمام لا أرى نقله هنا. ومن عقيدة أبي حامد -رحمه الله تعالى- أولها: الحمد لله الذي تعرف إلى عباده بكتابه المنزل على لسان نبيه المرسل، بأنه في ذاته واحد لا شريك له، فرد لا مثل له، صمدٌ لا ضد له، لم يزل ولا يزال منعوتًا بنعوت الجلال، ولا تحيط به الجهات، ولا تكنفه السماوات، وأنه مستو على العرش على الوجه الذي قاله، وبالمعنى الذي أراده، منزهًا عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال، وهو فوق كل شيء إلى التخوم، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد، لا يماثل قربه قرب الأجسام، كان قبل خلق المكان والزمان، وهو الآن على ما كان عليه، وأنه بائنٌ بصفاته من خلقه، ما في ذاته سواه، ولا في سواه ذاته، مقدس عن التغير والانتقال، لا تحله الحوادث، وأنه مرئي الذات بالأبصار في دار القرار، إتمامًا للنعم بالنظر إلى وجهه الكريم. إلى أن قال: ويدرك حركة الذر في الهواء، لا يخرج عن مشيئته لفتة ناظر، ولا فلتة خاطر، وأن القرآن مقروء بالألسنة، محفوظ في القلوب، مكتوبٌ في المصاحف، وأنه مع ذلك قائمٌ بذات الله، لا يقبل الانفصال بالانتقال إلى القلوب والصحف، وأن موسى سمع

стр. 8369

كلام الله بغير صوت ولا حرف، كما ترى ذاته من غير شكل ولا لون، وأنه يفرق بالموت بين الأرواح والأجسام، ثم يعيدها إليها عند الحشر، فيبعث من في القبور. ميزان الأعمال معيار يعبر عنه بالميزان، وإن كان لا يساوي ميزان الأعمال ميزان الجسم الثقيل، كميزان الشمس، وكالمسطرة التي هي ميزان السطور، وكالعروض ميزان الشعر. قلت: بل ميزان الأعمال له كفتان، كما جاء في "الصحيح" (١) وهذا المعتقد غالبه صحيح، وفيه ما لم أفهمه، وبعضه فيه نزاع بين أهل المذاهب، ويكفي المسلم في الإيمان أن يؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر خيره وشره، والبعث بعد الموت، وأن الله ليس كمثله شيء أصلًا، وأن ما ورد من صفاته المقدسة حق، يمر كما جاء، وأن القرآن كلام الله وتنزيله، وأنه غير مخلوق، إلى أمثال ذلك مما أجمعت عليه الأمة، ولا عبرة بمن شذ منهم، فإن اختلفت الأمة في شيء من مشكل أصول دينهم، لزمنا فيه الصمت، وفوضناه إلى الله، وقلنا: الله ورسوله أعلم، ووسعنا فيه السكوت. فرحم الله الإمام أبا حامد، فأين مثله في علومه وفضائله، ولكن لا ندعي عصمته من الغلط والخطأ، ولا تقليد في الأصول.

стр. 8370

٤٦٢٨ - خَميسُ بنُ عَلي (١): ابن أحمد بن علي بن الحسن، الإمام الحافظ، محدث واسط، أبو الكرم الحوزي، الواسطي. سمع: أبا القاسم بن البسري، وأبا نصر الزينبي، وعاصم بن الحسن، وعلي بن محمد الواسطي النديم، ويحيى بن هبة الله البزاز، وأبا الفتح عبد الوهاب بن حسن القاضي، وهبة الله بن الجلخت، وخلقًا كثيرًا، وأملى مجالس، وجرح وعدل. حدث عنه: أبو الجوائز سعد بن عبد الكريم، وأبو طاهر السلفي، وأحمد بن سالم المقرئ، ويحيى بن هبة الله البزاز، وعبد الوهاب بن حسن الفرضي، وأبو بكر عبد الله بن منصور الباقلاني المقرئ، وآخرون. وكان السلفي يثني عليه، وقال: كان عالمًا، ثقة، يملي من حفظه كل من أسأله عنه، وكان لا يؤبه له. وفي "معجم السفر" للسلفي: حدثنا خميسٌ الحافظ، أخبرنا عبد الباقي بن محمد، وعبد العزيز بن علي الأنماطي، قالا: أخبرنا المخلص، فذكر حديثًا. ثم قال السلفي: كان خميسٌ من أهل الأدب البارع. قال ابن نقطة: والحوز: قرية بشرقي واسط، وكان له معرفة بالحديث والأدب، مولده: في شعبان سنة اثنتين وأربعين وأربع مائة، وفي شعبان مات سنة عشر وخمس مائة. أخبرنا الدشتي، أخبرنا ابن رواحة، حدثنا السلفي، حدثنا خميس بجزء من فوائده.

стр. 8371

٤٦٢٩ - أبو الخطاب (١): الشيخ الإمام، العلامة الورع، شيخ الحنابلة، أبو الخطاب محفوظ بن أحمد بن حسن بن حسن العراقي، الكلواذاني، ثم البغدادي، الأزجي، تلميذ القاضي أبي يعلى بن الفراء. مولده في سنة اثنتين وثلاثين وأربع مائة. وسمع: أبا محمد الجوهري، وأبا علي محمد بن الحسين الجازري، وأبا طالب العشاري، وجماعة، وروى كتاب "الجليس والأنيس" عن الجازري عن مؤلفه المعافى. روى عنه: ابن ناصر، والسلفي، وأبو المعمر الأنصاري، والمبارك ابن خضير، وأبو الكرم بن الغسال، وتخرج به الأصحاب، وصنف التصانيف.

стр. 8372

قال أبو الكرم بن الشهرزوري: كان إلكيا إذا رأى أبا الخطاب الكلوذاني مقبلًا قال: قد جاء الجبل. وقال أبو بكر بن النقور: كان إلكيا الهراسي إذا رأى أبا الخطاب قال: قد جاء الفقه. قال السلفي: هو ثقة رضا، من أئمة أصحاب أحمد. وقال غيره: كان مفتيًا صالحًا، عابدًا ورعًا، حسن العشرة، له نظم رائق، وله كتاب "الهداية"، وكتاب "رؤوس المسائل"، وكتاب "أصول الفقه"، وقصيدة في المعتقد يقول فيها: قالوا أتزعم أن على العرش استوى … قلت الصواب كذاك خبر سيدي قالوا فما معنى استواه أبن لنا … فأجبتهم هذا سؤال المعتدي توفي أبو الخطاب في الثالث والعشرين من جمادى الآخرة سنة عشر وخمس مائة. أخبرنا أحمد بن إسحاق، أخبرنا نصر بن عبد الرزاق القاضي، أخبرنا عمر بن هدية الفقيه، أخبرنا أبو الخطاب محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلوذاني، أخبرنا أبو يعلى محمد بن الحسين القاضي، أخبرنا أبو القاسم موسى بن عيسى، حدثنا محمد بن محمد الباغندي، حدثنا عيسى بن زغبة، حدثنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر قال: صلى معاذٌ بأصحابه العشاء، فطول عليهم، فانصرف رجل منا، فصلى وحده، فأخبر معاذٌ عنه، فقال: إنه منافق، فلما بلغ ذلك الرجل، دخل على رسول الله ﷺ ، فأخبره بما قال معاذ، فقال: "أتريد أن تكون فتانًا يا معاذ؟ إذا أممت الناس، اقرأ بالشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى، واقرأ سورة والليل إذا يغشى" (١). قلت: كان أبو الخطاب من محاسن العلماء، خيرًا صادقًا، حسن الخلق، حلو النادرة، من أذكياء الرجال، روى الكثير، وطلب الحديث وكتبه، ولابن كليب منه إجازة. قال ابن النجار: درس الفقه على أبي يعلى، وقرأ الفرائض على الوني، وصار إمام وقته، وشيخ عصره، وصنف في المذهب والأصول والخلاف والشعر الجيد.

стр. 8373

إلكيا، الزينبي: ٤٦٣٠ - إلْكِيَا (١): العلامة، شيخ الشافعية، ومدرس النظامية، أبو الحسن علي بن محمد بن علي الطبري الهراسي. رحل، فتفقه بإمام الحرمين، وبرع في المذهب وأصوله، وقدم بغداد، فولي النظامية سنة " (٤٩٣) " وإلى أن مات. تخرج به الأئمة، وكان أحد الفصحاء، ومن ذوي الثروة والحشمة، له تصانيف حسنة. حدث عن: زيد بن صالح الآملي، وجماعة. روى عنه: سعد الخير، وعبد الله بن محمد بن غالب، وأبو طاهر السلفي. قال السلفي: سمعت الفقهاء يقولون: كان الجويني يقول في تلامذته إذا ناظروا: التحقيق للخوافي، والجريان للغزالي، والبيان للكيا. مات إلكيا في المحرم سنة أربع وخمس مائة، وله ثلاث وخمسون سنة وشهران، وكانوا يلقبونه شمس الإسلام. قال ابن الأثير: اتهم إلكيا مدرس النظامية بأنه باطني، فقبض عليه السلطان محمد، فشهدوا ببراءة الساحة، فأطلق. قلت: وصنف كتابًا في الرد على مفردات الإمام أحمد فلم ينصف فيه. ٤٦٣١ - الزَّيْنَبِي (٢): الشريف الكبير المعمر، شيخ بني هاشم، أبو يعلى حمزة بن محمد بن علي العباسي، الزينبي، أخو المسند أبي نصر الزينبي، والنقيب طراد الزينبي، ونور الهدى. ولد سنة سبع وأربع مائة. وحدث عن: القاضي أبي العلاء محمد بن علي الواسطي، وأبي محمد الخلال، وقرأ "الفصيح" على النحوي علي بن عيسى الربعي، وأنا أتعجب من هذا! كيف لم يسمع من أبي الحسين بن بشران، وأبي علي بن شاذان. حدث عنه: أبو طاهر السلفي، وقال: قال لي: عول ابن أبي الريان الوزير على حملي إلى أبي الحسن بن الحمامي، فلم يتفق ذلك. قلت: أرخ السمعاني مولده، قال: وتوفي سنة أربع وخمس مائة.

стр. 8374

٤٦٣٢ - أخوه: نور الهدى (١): الإمام القاضي، رئيس الحنفية، صدر العراقين، نور الهدى، أبو طالب الحسين بن محمد بن علي بن حسن الزينبي الحنفي. مولده سنة عشرين وأربع مائة. وسمع: أبا طالب بن غيلان، وأبا القاسم الأزهري، والحسن بن المقتدر، وأبا القاسم التنوخي. وحج، فسمع "الصحيح" من كريمة المروزية، وتفرد به عنها، وقصده الناس. حدث عنه: عبد الغافر الكاشغري -ومات قبله بدهرٍ- وابن أخيه علي بن طراد، وهبة الله الصائن، وعبد المنعم بن كليب، وسمع منه "الصحيح" للبخاري، وقد كان قرأ القرآن على أبي الحسن بن القزويني الزاهد، ودرس مدةً طويلة بمدرسة شرف الملك، وترسل إلى ملوك الأطراف، وولي نقابة العباسيين والطالبيين، ثم استعفى بعد أشهرٍ، فوليها أخوه طرادٌ، وتفقه على قاضي القضاة أبي عبد الله الدامغاني، وللغزي الشاعر فيه قصيدة مدحه بها، وكان مكرمًا للغرباء، عارفًا بالمذهب، وافر العظمة. توفي في صفر سنة اثنتي عشرة وخمس مائة، فالإخوة الأربعة اتفق لهم أن ماتوا في عشر المائة، وهذا نادر. قال ابن النجار: أفتى ودرس بالمدرسة التي أنشأها شرف الملك أبو سعد، وولي نقابة العباسيين والطالبيين معًا في أول سنة اثنتين وخمسين وأربع مائة، فبقي مدةً على ذلك، ثم

стр. 8375

استعفى، وكان شريف النفس، قوي الدين، وافر العلم، شيخ أصحاب الرأي في وقته وزاهدهم، وفقيه بني العباس وواهبهم، له الوجاهة الكبيرة عند الخلفاء. قال السلفي: سألت شجاعًا الحافظ عن أبي طالب الزيني، فقال: إمام عالم مدرس، من أصحاب أبي حنيفة، سمع بمكة من كريمة "الصحيح". وقال ابن ناصر: كان سماع أبي طالب صحيحًا، وكان يتهم بالاعتزال، ولم أسمع منه شيئًا من ذلك. وقال السلفي: وأبو طالب الزيني أجل هاشمي رأيته في حضري وسفري، وأكثرهم علمًا، وأوفرهم علمًا، ويعد في فحول النظار. قلت: قد وجد له سماع من أبي الحسن بن قشيش سنة ثمان وعشرين وأربع مائة. قال أحمد بن سلامة الكرخي الشافعي الفقيه: مرضت مرضة شديدة، فعادني نور الهدى، فجعل يدعو لي، فتبركت بزيارته وعوفيت.

стр. 8376

٤٦٣٣ - شُجَاع بن فارس (١): ابن حسين بن فارس بن حسين بن غريب بن بشير، الإمام، المحدث، الثقة، الحافظ، المفيد، أبو غالب الذهلي، السهروردى، ثم البغدادي، الحريمي، الناسخ. سمع: أباه، وأبا طالب بن غيلان، وعبد العزيز بن علي الأزجي، وأبا محمد بن المقتدر، وأبا محمد الجوهري، وأبا جعفر بن المسلمة، وأبا بكر الخطيب، وخلقًا كثيرًا، إلى أن ينزل إلى أصحاب عبد الملك بن بشران، وابن ريذه، وكتب عن أقرانه. حدث عنه: إسماعيل بن السمرقندي، وعبد الوهاب الأنماطي، وابن ناصر، والسلفي، وعمر بن ظفر، وسلمانبن جروان، وآخرون. قال السمعاني: نسخ بخطه من التفسير والحديث والفقه ما لم ينسخه أحد من الوراقين، قال لي عبد الوهاب الأنماطي: دخلت عليه يومًا، فقال لي: توبني. قلت: من أي شيء؟ قال: كتبت شعر ابن الحجاج بخطي سبع مرات. قال عبد الوهاب: وقل بلد يوجد من بلاد الإسلام إلا وفيه شيء بخط شجاع الذهلي.

стр. 8377

وكان مفيد وقته ببغداد، ثقة، سديد السيرة، أفنى عمره في الطلب، وعمل مسودة لـ "تاريخ بغداد" ذيلًا على "تاريخ الخطيب"، فغسله في مرض موته، ولد شجاع في سنة ثلاثين، ومات في ثالث جمادي الأولى، سنة سبع وخمس مائة؛ وقد سأله السلفي عن أحوال الرجال، وأجاب وأفاد. قرأت ذلك على ابن الخلال، أخبرنا جعفر الهمداني، أخبرنا السلفي عنه. ومات معه: أبو بكر أحمد بن علي بن بدران الحلواني المقرئ، وابن طاهر المقدسي، والمؤتمن الساجي، والإمام أبو بكر محمد بن أحمد الشاشي، وأبو المظفر الأبيوردي الشاعر، وأبو بكر محمد بن عيسى بن اللبانة شاعر الأندلس، وهادي بن إسماعيل العلوي. أخبرنا أبو علي الحسن بن علي، أخبرنا علي بن الحسين النجار "ح". وأخبرنا محمد بن بلغزا، أخبرنا البهاء عبد الرحمن الفقيه، قالا: أخبرنا أبو السعادات نصر الله القزاز، أخبرنا شجاع بن فارس الحافظ، ومحمد بن الحسين الإسكاف، قالا: أخبرنا محمد بن علي الخياط، زاد شجاع، فقال: وأبو سعد بن السبط، وأبو طالب العشاري، قالوا: أخبرنا أحمد بن محمد بن دوست، أخبرنا الحسين بن صفوان، حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثنا الحسن بن عبد العزيز، عن ضمرة، عن ابن شوذب، قال: اجتمع مالك بن دينار ومحمد بن واسع، فتذاكروا العيش، فقال مالك، ما شيء أفضل من أن يكون للرجل غلة يعيش منها. فقال محمد: طوبى لمن وجد غداء ولم يجد عشاء، ووجد عشا ولم يجد غداء، وهو عن الله راضٍ، والله عنه راضٍ.

стр. 8378

٤٦٣٤ - الغَسَّال (١): الإمام المقرئ النحوي، أبو الخير المبارك بن الحسين بن أحمد الغسال، البغدادي، الشافعي، أحد الأئمة الأثبات. ولد سنة بضع وعشرين وأربع مائة. وسمع من: أبي محمد الخلال، وأبي جعفر بن المسلمة، والقاضي أبي يعلى. وتلا بالروايات على: أبي بكر الخياط، وأبي القاسم بن الغوري، وأبي على غلام الهراس، وعدة. وتصدر للإقراء، واشتهر، تلا عليه أبو محمد سبط الخياط، وغيره. وحدث عنه: أبو طاهر محمد بن محمد السنجي، وسعد الله بن محمد، وعبد المنعم بن كليب، وآخرون، لينه شيئًا ابن ناصر. توفى في غرة جمادي الأولى، سنة عشر وخمس مائة، وكان عالمًا مجودًا، بصيرًا باللغة.

стр. 8379

٤٦٣٥ - النسيب (١): الشيخ الإمام، المحدث الشريف النسيب، خطيب دمشق وشيخها، نسيب الدولة، أبو القاسم علي بن إبراهيم بن العباس بن الحسن بن العباس بن الحسن ابن السيد الرئيس أبي الجن حسين بن علي بن محمد بن علي بن إسماعيل ابن سيد الهاشميين جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين ابن الشهيد سبط رسول الله ﷺ وريحانته أبي عبد الله الحسين ابن الإمام علي بن أبي طالب العلوي، الحسني، الدمشقي. كان صدرًا معظمًا، وسيدًا محتشمًا، وثقة محدثًا، ونبيلًا ممدحًا، من أهل السنة والجماعة، والأثر والرواية، كل أحد يثني عليه، انتخب عليه الحافظ أبو بكر الخطيب عشرين جزءًا سمعناها، تعرف بـ "فوائد النسيب"، وتجد تفريغه على أكثر تواليف الخطيب. مولده في سنة أربع وعشرين وأربع مائة. وقرأ القرآن على الأستاد أبي علي الأهوازي، وغيره. وسمع في سنة ثمان وثلاثين، وبعدها من: أبي الحسن محمد بن عبد الرحمن بن أبي نصر التميمي، ومحمد بن يحيى بن سلوان المازني، ورشأ بن نظيف، وسليم بن أيوب الفقيه، والقاضي محمد بن سلامة القضاعي، وكريمة المروزية، وأبي القاسم الحنائي، ووالده مستخص الدولة، والخطيب، وعدة. حدث عنه: هبة الله بن الأكفاني، والخضر بن شبل الحارثي، وعبد الباقي بن محمد التميمي، وأبو المعالي بن صابر، وأبو القاسم ابن عساكر، وأخوه الصائن هبة الله، وعدة. قال ابن عساكر: كان ثقة، مكثرًا، له أصول بخطوط الوراقين، وكان متسننًا، وسبب تسننه مؤدبة أبو عمران الصقلي، وإكثاره من سماع الحديث. إلى أن قال: سمع منه شيخه عبد العزيز الكتاني، وأكثرت عنه، وقد حكى لي أنني لما

стр. 8380

ولدت سأل أبي: ما سميته وكنيته؟ فقال: أبو القاسم علي. فقال: أخذت اسمي وكنيتي. قال لي أبو القاسم السميساطي، أو قال: قال لي أبو القاسم بن أبي العلاء: إنه ما رأى أحدًا اسمه علي، وكنى أبا القاسم، إلا كان طويل العمر، وذكر أنه صلى مرة على جنازة، فكبر عليها أربعًا. قال: فجاء كتاب صاحب مصر إلى أبيه يعاتبه في ذلك. فقال له أبوه: لا تصل بعدها على جنازة. قلت: كان أصحاب مصر رافضة. ثم قال: وكانت له جنازة عظيمة، وأوصى أن يصلي عليه جمال الإسلام أبو الحسن الفقيه، وأن يسنم قبره، وأن لا يتولاه أحد من الشيعة، وحضرت دفنه، توفي في الرابع والعشرين من ربيع الآخر، سنة ثمان وخمس مائة، ودفن بالمقبرة الفخرية عند المصلى. وفيها توفي: المعمر الصالح أبو الحسن علي بن أحمد بن فتحان الشهرزوري البغدادي الذي روى مجلسًا عن ابن بشران، وله خمس وثمانون سنة، والمسند أبو عبد الله أحمد بن محمد الخولاني الأندلسي عن تسعين سنة، وأبو الوحش سبيع بن المسلم الدمشقي المقرئ، وابو الخير هبة الله بن الحسن الأبرقوهي، ومسند همذان أبو بكر عبد الله بن الحسين التوبي.

стр. 8381

٤٦٣٦ - محمد بن طاهر (١): ابن علي بن أحمد الإمام الحافظ، الجوال الرحال، ذو التصانيف، أبو الفضل بن أبي الحسين بن القيسراني المقدسي، الأثري، الظاهري، الصوفي. ولد ببيت المقدس، في شوال، سنة ثمان وأربع مائة. وسمع بالقدس ومصر، والحرميين والشام، والجزيرة والعراق، وأصبهان والجبال، وفارس وخراسان، وكتب ما لا يوصف كثرة بخطه السريع، القوي الرفيع، وصنف وجمع، وبرع في هذا الشأن، وعنى به أتم عناية، وغيره أكثر إتقانًا وتحريًا منه. سمع من: أبي علي الحسين بن عبد الرحمن الشافعي وطبقته بمكة، ومن سعد الزنجاني، وهياج بن عبيد. وسمع بالمدينة: الحسين بن علي الطبري، وجماعة. وسمع بمصر من: أبي الحسن الخلعي، وأبي إسحاق الحبال، وعدة. وسمع ببغداد من: أبي محمد الصريفيني،

стр. 8382

وابن النقور، وعلي بن البسري، وخلق، وبدمشق من: أبي القاسم بن أبي العلاء، وعدة. وبأصبهان من: محمد بن عبد العزيز، وعبد الوهاب بن أبي عبد الله بن منده، وطبقته، وبجرجان من: إسماعيل بن مسعدة الإسماعيلي، وببيت المقدس من: الفقيه نصر، وبنيسابور من: الفضل بن المحب، وطبقته، وبهراة من: محمد بن أبي مسعود الفارسي، وعبد الرحمن بن عفيف كلار، وطائفة، وبمرو: محمد بن الحسن المهربندقشايي، وبالإسكندرية من: الحسين بن عبد الرحمن الصفراوي، وبتنيس: علي بن الحسين بن الحداد، روى له عن جده عن الوشاء عن عيسى زغبة، وبحلب من: الحسن بن مكي، وبالجزيرة من: عبد الوهاب بن محمد اليمني صاحب أبي عمر بن مهدي، وبآمد من: قاسم بن أحمد الأصبهاني الخياط، روى له عن ابن جشنس عن ابن صاعد، وبإستراباذ: علي بن عبد الملك الحفصي، وبالبصرة: عبد الملك بن شغبة، وبالدينور: ابن عباد. وبالري: إسماعيل بن علي، وبسرخس محمد بن المظفر، وبشيراز علي بن محمد الشروطي، وبقزوين محمد بن إبراهيم العجلي، وبالكوفة أبا القاسم حسين بن محمد، وبالموصل هبة الله بن أحمد المقرئ، وبمرو الروذ، وساوة، والرحبة، والأنبار، والأهواز، ونوقان، وهمذان، وواسط، وأسداباذ، وإسفرايين، وآمل، وبسطام، وخسروجرد، وطوس. حدث عنه: شيرويه بن شهردار، وأبو جعفر بن أبي علي الهمذاني، وأبو نصر أحمد بن عمر الغازي، وعبد الوهاب الأنماطي، وابن ناصر، والسلفي، وأبو زرعة طاهر بن محمد، وولده، ومحمد بن إسماعيل الطرسوسي، وطائفة سواهم. قال أبو القاسم بن عساكر: سمعت إسماعيل بن محمد الحافظ يقول: أحفظ من رأيت محمد بن طاهر. وقال أبو زكريا يحيى بن منده: كان ابن طاهر أحد الحفاظ، حسن الاعتقاد، جميل الطريقة، صدوقًا، عالمًا بالصحيح والسقيم، كثير التصانيف، لازمًا للأثر. وقال السلفي: سمعت محمد بن طاهر يقول: كتبت "الصحيحين" و"سنن أبي داود" سبع مرات بالأجرة، وكتبت "سنن ابن ماجه" عشر مرات بالري. قال أبو سعد السمعاني: سألت الفقيه أبا الحسن الكرجي عن ابن طاهر، فقال: ما كان على وجه الأرض له نظيرٌ، وكان داودي المذهب، قال لي: اخترت مذهب داود. قلت: ولم? قال: كذا اتفق، فسألته: من أفضل من رأيت? فقال: سعد بن علي الزنجاني، وعبد الله بن محمد الأنصاري.

стр. 8383

قال أبو مسعود عبد الرحيم الحاجي: سمعت ابن طاهر يقول: بلت الدم في طلب الحديث مرتين، مرة ببغداد، وأخرى بمكة، كنت أمشي حافيًا في الحر، فلحقني ذلك، وما ركبت دابة قط في طلب الحديث، وكنت أحمل كتبي على ظهريٍ، وما سألت في حال الطلب أحدًا، كنت أعيش على ما يأتي. وقيل: كان يمشي دائمًا في اليوم والليلة عشرين فرسخًا، وكان قادرًا على ذلك، وقد ذكره الدقاق في "رسالته"، فحط عليه، فقال: كان صوفيًا ملامتيًا، سكن الري، ثم همذان، له كتاب "صفوة التصوف"، وله أدنى معرفة بالحديث في باب شيوخ البخاري ومسلم وغيرهما. قلت: يا ذا الرجل، أقصر، فابن طاهر أحفظ منك بكثير. ثم قال: وذكر لي عنه الإباحة. قلت: ما تعني بالإباحة? إن أردت بها الإباحة المطلقة، فحاشا ابن طاهر، هو _ والله _ مسلم أثري، معظم لحرمات الدين، وإن أخطأ أو شذ، وإن عنيت إباحة خاصة، كإباحة السماع، وإباحة النظر إلى المرد، فهذه معصية، وقول للظاهرية بإباحتها مرجوح. قال ابن ناصر: محمد بن طاهر لا يحتج به، صنف في جواز النظر إلى المرد، وكان يذهب مذهب الإباحة. قال أبو سعد السمعاني: سألت إسماعيل بن محمد الحافظ عن ابن طاهر، فتوقف، ثم أساء الثناء عليه، وسمعت أبا القاسم بن عساكر يقول: جمع ابن طاهر أطراف "الصحيحين" وأبي داود، وأبي عيسى، والنسائي، وابن ماجه، فأخطأ في مواضع خطا فاحشا. وقال ابن ناصر: كان لحنةً ويصحف، قرأ مرة: وإن جبينه ليتفصد عرقًا (١) -بالقاف- فقلت: بالفاء، فكابرني. وقال السلفي: كان فاضلًا يعرف، لكنه لحنة، قال لي المؤتمن الساجي: كان يقرأ، ويلحن عند شيخ الإسلام بهراة، فكان الشيخ يحرك رأسه، ويقول: لا حول ولا قوة إلَّا بالله.

стр. 8384

وقال شيرويه بن شهردار في "تاريخ همذان": ابن طاهر سكن همذان، وبنى بها دارًا، دخل الشام، والحجاز، ومصر، والعراق، وخراسان، وكتب عن عامة مشايخ الوقت، وروى عنهم، وكان ثقةً صدوقًا، حافظًا، عالمًا بالصحيح والسقيم، حسن المعرفة بالرجال والمتون، كثير التصانيف، جيد الخط، لازمًا للأثر، بعيدًا من الفضول والتعصب، خفيف الروح، قوي السير في السفر، كثير الحج والعمرة، مات ببغداد منصرفًا من الحج. قال ابن النجار: قرأت بخط شجاع الذهلي: أخبرني أحمد بن محمد بن أحمد البزاز، حدثنا محمد بن طاهر بن علي المقدسي، أخبرنا عثمان بن محمد المحمي بنيسابور، فذكر حديثًا. أنبؤونا عن شهاب الحاتمي، أخبرنا أبو سعد السمعاني، سمعت من أثق به يقول: قال عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي: ينبغي لصاحب الحديث أن يكون سريع القراءة، سريع النسخ، سريع المشي، وقد جمع الله هذه الخصال في هذا الشاب، وأشار إلى ابن طاهر، وكان بين يديه. وبه قال السمعاني: وسمعت أبا جعفر الساوي يقول: كنت بالمدينة مع ابن طاهر، فقال: لا أعرف أحدًا أعلم بنسب هذا السيد ﷺ مني، وآثاره وأحواله. وسمعت بعضهم يقول: كان ابن طاهر يمشي في ليلةٍ واحدة قريبًا من سبعة عشر فرسخًا. أنبؤونا عن عبد القادر الرهاوي، سمعت عبد الرحيم بن أبي الوفاء العدل، سمعت ابن طاهر الحافظ يقول: رحلت من طوس إلى أصبهان لأجل حديث أبي زرعة الرازي الذي أخرجه مسلم (١) عنه ذاكرني به بعض الرحالة بالليل، فلما أصبحت، سرت إلى أصبهان، ولم أحلل عني حتى دخلت على الشيخ أبي عمرو، فقرأته عه، عن أبيه، عن القطان، عن أبي زرعة، ودفع إلي ثلاثة أرغفةٍ وكمثراتين، فما كان لي قوتٌ تلك الليلة غيره، ثم لزمته إلى أن حصلت ما أريد، ثم خرجت إلى بغداد، فلما عدت، كان قد توفي. قال ابن طاهر: كنت يومًا أقرأ على أبي إسحاق الحبال جزءًا، فجاءني رجلٌ من أهل

стр. 8385

بلدي، وأسر إلي كلامًا قال فيه: إن أخاك قد وصل من الشام، وذلك بعد دخول الترك بيت المقدس، وقتل الناس بها، فأخذت في القراءة، فاختلطت علي السطور، ولم يمكني أقرأ، فقال أبو إسحاق: ما لك? قلت: خير، قال: لا بد أن تخبرني، فأخبرته، فقال: وكم لك لم تر أخاك? قال: سنين، قال: ولم لا تذهب إليه? قلت: حتى أتم الجزء، قال: ما أعظم حرصكم يا أهل الحديث، قد تم المجلس، وصلى الله على محمد، وانصرف. وأقمت بتنيس مدةً على أبي محمد بن الحداد ونظرائه، فضاق بي، فلم يبق معي غير درهم، وكنت أحتاج إلى حبرٍ وكاغد، فترددت في صرفه في الحبر أو الكاغد أو الخبز، ومضى على هذا ثلاثة أيام لم أطعم فيها، فلما كان بكرة اليوم الرابع، قلت في نفسي: لو كان لي اليوم كاغد، لم يمكني أن أكتب من الجوع، فجعلت الدرهم في فمي، وخرجت لأشتري خبزًا، فبلعته، ووقع علي الضحك، فلقيني صديقٌ وأنا أضحك، فقال: ما أضحكك? قلت: خير، فألح علي، وأبيت أن أخبره، فحلف بالطلاق لتصدقني، فأخبرته، فأدخلني منزله، وتكلف أطعمةً، فلما خرجنا لصلاة الظهر، اجتمع به بعض وكلاء عامل تنيس ابن قادوس، فسأله عني، فقال: هو هذا، قال: إن صاحبي منذ شهر أمر بي أن أوصل إليه كل يومٍ عشرة دراهم قيمتها ربع دينار، وسهوت عنه، فأخذ منه ثلاث مائة، وجاء بها. قال: وكنت ببغداد في سنة سبع وستين وأربع مائة، وتوفي القائم بأمر الله، وبويع للمقتدي بأمر الله، فلما كان عشية اليوم، دخلنا على أبي إسحاق الشيرازي، وسألناه عن البيعة، كيف كانت? فحكى لنا ما جرى، ونظر إلي، وأنا يومئذ مختط، فقال: هو أشبه الناس بهذا، وكان مولد المقتدي في عام مولدي، وأنا أصغر منه بأربعة أشهر، وأول ما سمعت من الفقيه نصر في سنة ستين وأربع مائة، ورحلت إلى بغداد سنة سبع، ثم رجعت، وأحرمت من بيت المقدس إلى مكة. قلت: قد كتب ابن طاهر عن ابن هزارمرد الصريفيني، وبيبى الهرثمية، وهذه الطبقة، ثم كتب عن أصحاب هلال الحفار، ثم نزل إلى أصحاب أبي نعيم، إلى أن كتب عن أصحاب الجوهري، بحيث إنه كتب عن تلميذه أبي طاهر السلفي، وسمع ولده أبا زرعة المقدسي من أبي منصور المقومي، وعبدوس بن عبد الله، والدوني، وخلق، وطال عمر أبي زرعة، وروى الكثير وبعد صيته. أنبئت عن أبي جعفر الطرسوسي عن ابن طاهر قال: لو أن محدثًا من سائر الفرق أراد أن يروي حديثًا واحدًا بإسناد إلى رسول الله ﷺ يوافقه الكل في عقده، لم يسلم له ذلك،

стр. 8386

وأدى إلى انقطاع الزوائد رأسًا، فكان اعتمادهم في العدالة على صحة السماع والثقة من الذي يروى عنه، وأن يكون عاقلًا مميزًا. قلت: العمدة في ذلك صدق المسلم الراوي، فإن كان ذا بدعة أخذ عنه، والإعراض عنه أولى، ولا ينبغي الأخذ عن معروف بكبيرة، والله أعلم. أخبرنا أحمد بن سلامة في كتابه، عن محمد بن إسماعيل الطرسوسي، عن محمد بن طاهر، أخبرنا الحسن بن عبد الرحمن بمكة، أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن فراس، أخبرنا محمد بن الربيع الجيزي، أخبرنا عبد الله بن أبي رومان بالإسكندرية، حدثنا ابن وهب، أخبرني عيسى بن يونس قال ابن طاهر: وأخبرنا الفضل بن عبد الله المفسر، أخبرنا أبو الحسين الخفاف، حدثنا أبو العباس السراج، حدثنا إسحاق الحنظلي، أخبرنا عيسى بن يونس، حدثنا حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح صلاته بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين، وكان إذا ركع لم يشخص رأسه، ولم يصوبه، وكان إذا رفع رأسه من الركوع، استوى قائمًا، وكان إذا رفع رأسه من السجدة، لم يسجد حتى يستوي جالسًا، وكان ينهى عن عقب الشيطان، وكان يفرش رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى، وكان يكره أن يفترش ذراعيه افتراش الكلب، وكان يختم الصلاة بالتسليم، وكان يقرأ في كل ركعتين التحية (١). وقرأناه على أحمد بن هبة الله، عن القاسم بن أبي سعد، أخبرنا وجيه ابن طاهر، أخبرنا أبو القاسم القشيري، أخبرنا الخفاف، فذكره. أخبرنا إسحاق بن طارق، وصالح الفرضي، قالا: أخبرنا يوسف بن خليل، أخبرنا محمد بن إسماعيل الحنبلي"ح"، وأنبأنا أحمد بن أبي الخير، عن محمد هذا، أخبرنا محمد بن طاهر الحافظ سنة ست وخمس مائة، أخبرنا قاسم بن أحمد بآمد، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن جشنس، حدثنا الحسن بن علي العدوي، حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا نافع أبو هرمز، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "عليكم بركعتي الفجر، فإن فيهما الرغائب" (٢). قال أبو زرعة: أنشدنا والدي لنفسه:

стр. 8387

يا من يدل بقده … وبخده والمقلتين ويصول بالصدغ المعق … رب شبه لامٍ فوق عين ارحم فديتك مدنفا … وسط الفلاة صريع بين قتلته أسهمك التي … من تحت قوس الحاجبين الله ما بين الفر … اق وبين من أهوى وبيني وله: أضحى العذول يلومني في حبهم … فأجبته والنار حشو فؤادي يا عاذلي لو بت محترق الحشا … لعرفت كيف تفتت الأكباد صد الحبيب وغاب عن عيني الكرى … فكأنما كانا على ميعاد وله: ساروا بها كالبدر في هودجٍ … يميس محفوفًا بأترابه فاستعبرت تبكي فعاتبتها … خوفًا من الواشي وأصحابه فقلت لا تبكي على هالكٍ … بعدك لن يبقى على ما به للموت أبوابٌ وكل الورى … لا بد أن يدخل من بابه وأحسن الموت بأهل الهوى … من مات من فرقة أحبابه ابن النجار: أنبأنا ذاكر، عن شجاع الذهلي قال: مات ابن طاهر عند قدومه من الحج في يوم الجمعة لليلتين بقيتا من شهر روى عنه، سنة سبع وخمس مائة، قال: وقرأت في كتاب عبد الله بن أبي بكر بن الخاضبة أنه توفي في ضحى يوم الخميس، العشرين من الشهر، وله حجات كثيرة على قدميه، وكان له معرفة بعلم التصوف وأنواعه، متفننًا فيه، ظريفًا مطبوعًا، له تصانيف حسنة مفيدة في علم الحديث، ﵀.

стр. 8388

٤٦٣٧ - تاج الإسلام (١): العلامة الحافظ الأوحد، أبو بكر محمد بن الإمام الكبير أبي المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار التميمي، السمعاني، الخراساني، المروزي، والد سيد الحفاظ أبي سعد. مولده في سنة سبع وستين وأربع مائة. وسمع من: أبي الخير محمد بن أبي عمران الصفار "صحيح البخاري" حضورًا، وسمع من: أبيه، وأبي القاسم الزاهري، وعبد الله بن أحمد الطاهري، وأبي الفتح عبيد الله الهاشمي، وارتحل، فسمع بنيسابور من علي بن أحمد بن الأخرم، ونصر الله بن أحمد الخشنامي، وعبد الواحد بن أبي القاسم القشيري، وطائفة، ودخل بغداد سنة سبع وتسعين، فسمع من: ثابت بن بندار، ومحمد بن عبد السلام الأنصاري، وعدة، وبالكوفة من: أبي البقاء الحبال، وبمكة، والمدينة، ووعظ ببغداد مدةً بالنظامية، وقرأ "تاريخ الخطيب" على أبي محمد بن الآبنوسي، وسمع بهمذان من: أبي غالب العدل، وبأصبهان من: أبي بكر حفيد ابن مردويه، وأبي الفتح الحداد. قال ولده: ثم ارتحل سنة تسع وخمس مائة بي وبأخي، فأسمعنا من الشيروي، وغيره، وأملى مائةً وأربعين مجلسًا بجامع مرو، كل من رآها، اعترف له أنه لم يسبق إلى مثلها، وكان يروي في الوعظ الأحاديث بأسانيده، وقد طلب مرةً للذين يقرؤون في مجلسه، فجاءه لهم ألف دينار من أهل المجلس. توفي في صفر، سنة عشر وخمس مائة، عن ثلاث وأربعين سنة. حدث عنه: السلفي، وأبو الفتوح الطائي، وأبو طاهر السنجي، وآخرون. ٤٦٣٨ - ابن اللبَّانة (٢): شاعر الأندلس، أبو بكر محمد بن عيسى بن محمد اللخمي، الداني، صاحب "الديوان"، والتصانيف الأدبية، مدح الملك ابن عباد، وان صمادح، وكان محتشمًا، كبير القدر. توفي بميورقة، سنة سبع وخمس مائة.

стр. 8389

٤٦٣٩ - محمود بن الفضل (١): ابن محمود بن عبد الواحد، الإمام الحافظ، مفيد الطلبة ببغداد، أبو نصر الأصبهاني الصباغ. سمع: عبد الرحمن بن منده، وأخاه عبد الوهاب ابني أبي عبد الله بن منده، وأبا الفضل البزاني، وأبا بكر بن ماجه، وعائشة بنت الحسين الوركانية، وببغداد رزق الله التميمي، وطرادًا الزينبي، وخلقًا كثيرًا، حتى إنه كتب عن أصحاب الصريفيني، وعلي بن البسري. روى عنه: ابن ناصر، وأبو الفتح محمد بن علي بن عبد السلام، والمبارك بن كامل، والسلفي، وآخرون. قال شيرويه الديلمي: قدم علينا همذان سنة اثنتين وخمس مائة، وكان حافظًا ثقة، يحسن هذا الشأن، حسن السيرة، عارفًا بالأسماء والنسب، مفيدًا لطلبة العلم. وقال السلفي: كان رفيقنا محمود بن الفضل يطلب الحديث، ويكتب العالي والنازل، فعاتبته في كتبه النازل، فقال: والله إذا رأيت سماع هؤلاء لا أقدر أن أتركه، قال: فرأيته بعد موته، فقلت: ما فعل الله بك? قال: غفر لي بهذا، وأخرج من كمه جزءًا. قلت: مات ببغداد في جمادى الأولى سنة اثنتين عشرة وخمس مائة، من أبناء الستين. ٤٦٤٠ - ظريف بن محمد: ابن عبد العزيز بن أحمد بن شاذان، العالم الرحال، أبو الحسن الحيري، النيسابوري. سمع: أباه، وأبا حفص بن مسرور، وأبا عثمان الصابوني، وأبا عامر الحسن بن محمد، وأبا مسعود أحمد بن محمد البجلي، وأبا سعد الطبيب. حدث عنه: أبو شجاع البسطامي، وأبو المعمر الأزجي، وأبو طاهر السلفي، وشهدة الكاتبة، وعبد المنعم بن الفراوي، وأبو الحسن بن الخل، وآخرون. قدم بغداد للحج، وحدث. قال السمعاني: كان ثقةً، مأمونًا، حسن السيرة، جميل الطريقة، من أولاد المحدثين. وقال عبد الغافر: ثقة، أمين، عنده سماع "الإكليل" للحاكم، و"المستدرك". توفي في ذي القعدة، سنة سبع عشرة وخمس مائة بنيسابور، وله ثمان وثمانون سنة.

стр. 8390

٤٦٤١ - ابن سُكَّرة (١): الإمام العلامة الحافظ القاضي أبو علي الحسين بن محمد بن فيرة بن حيون بن سكرة الصدفي الأندلسي، السرقسطي. روى عن: أبي الوليد الباجي، ومحمد بن سعدون القروي، وحج في سنة إحدى وثمانين، ودخل على أبي إسحاق الحبال، وهو ممنوع من التحديث كما مر. وسمع بالبصرة من: عبد الملك ابن شغبة، وجعفر بن محمد العباداني، وبالأنبار من: خطيبها أبي الحسن، وببغداد من: علي بن قريش، وعاصم الأديب، ومالك البانياسي. وبواسط من: محمد بن عبد السلام بن أحمولة، وحمل "التعليقة" عن أبي بكر الشاشي. وأخذ بدمشق عن: الفقيه نصر، ورجع بعلمٍ جم، وبرع في الحديث متنًا وإسنادًا مع حسن الخط والضبط، وحسن التأليف، والفقه والأدب مع الدين والخير والتواضع. قال ابن بشكوال: هو أجل من كتب إلي بالإجازة. وخرج له القاضي عياض "مشيخةً"، وأكثر عنه. وأكره على القضاء، فوليه بمرسية، ثم اختفى حتى أعفي. وتلا بالروايات على: ابن خيرون، ورزق الله، كتب عنه شيخه الفقيه نصر ثلاثة أحاديث، وروى عنه: ابن صابر، والقاضي محمد بن يحيى الزكوي، والقاضي عياض، فروى عنه "صحيح مسلم"، أخبرنا به أحمد ابن دلهاث العذري. استشهد أبو علي في ملحمة قتندة في ربيع الأول، سنة أربع عشرة وخمس مائة، وهو من أبناء الستين، وكانت معيشته من بضاعة له مع ثقات إخوانه، وخلف كتبًا نفيسة، وأصولًا متقنة تدل على حفظه وبراعته. وتلا أيضًا على: الحسن بن محمد بن مبشر صاحب أبي عمرو الداني، ومولده في نحو سنة أربع وخمسين وأربع مائة، وكان ذا دينٍ وورع وصون، وإكبابٍ على العلم، ويد طولى في الفقه، لازم أبا بكر الشاشي خمس سنين حتى علق عند "تعليقته" الكبرى في مسائل الخلاف، ثم استوطن مرسية، وتصدر لنشر الكتاب والسنة، وتنافس الأئمة في الإكثار عنه، وبعد صيته، ولما عزل نفسه من القضاء، وردت كتب السلطان علي بن يوسف بن تاشفين برجوعه إلى القضاء، وهو يأبى، وبقي ذلك أشهرًا حتى كتب الطلاب والرحالون كتابًا يشكون فيه إلى أمير المؤمنين بن تاشفين حالهم ونفاذ نفقاتهم، وانقطاع أموالهم، فسعى له قاضي الجماعة عند أمير المؤمنين، وبين له وجه عذره، فسكت عنه. قال القاضي عياض: لقد حدثني الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن جعفر أن أبا علي الحافظ قال له: خذ الصحيح، فاذكر أي متنٍ شئت منه، أذكر لك سنده، أو أي سندٍ، أذكر لك متنه.

стр. 8391

٤٦٤٢ - النُّهاوَندي (١): القاضي العلامة، أبو عبد الله الحسين بن نصر بن المرهف النهاوندي، ثم الأيدبني _ وأيدبن: من قرى ديار بكر _ الشافعي، قاضي نهاوند مدة طويلة. سمع من: أبي طاهر محمد بن هبة الله الموصلي بآمد، ثم قدم بغداد، وبرع في الفقه على أبي إسحاق الشيرازي، وأحكم الأصول، وسمع من: أبي محمد الجوهري، والقاضي أبي يعلى، وأبي بكر الخطيب. حدث عنه: الحسين بن خسرو، وأبو طاهر السلفي، وأحمد بن عبد الغني الباجسرائي، وغيرهم. قال السلفي: قال لي: إنه ولد سنة اثنتين وثلاثين وأربع مائة، وكان من كبار أصحاب أبي إسحاق، وولي قضاء نهاوند مدةً مديدةً، ولم يكن يقيم بها. وقال المبارك بن كامل الخفاف: مات بنهاوند في محرم، سنة تسع وخمس مائة. ٤٦٤٣ - ابن مرزوق (٢): الحافظ المفيد الرحال، أبو الخير عبد الله بن مرزوق الأصم الهروي، مولى شيخ الإسلام. سمع: أبا عمر المليحي، وأحمد بن أبي نصر الكوفاني، وأبا القاسم بن البسري، وعبد الرحمن بن منده، وطبقتهم، وجمع، فأوعى. أخذ عنه: هبة الله السقطي، وأبو موسى المديني، وجماعة. قال إسماعيل التيمي: هو حافظ متقن. قلت: مات في جمادى الآخرة، سنة سبع وخمس مائة، عن ست وستين سنة.

стр. 8392

٤٦٤٤ - ابن بَدْرَان (١): الشيخ الإمام، المقرئ المسند، أبو بكر أحمد بن علي بن بدران بن علي الحلواني، البغدادي، المقرئ، عرف بخالوه، شيخ صالح، دينٌ، عارف بالقراءات، عالي الرواية. تلا بالسبع على: أبي علي الحسن بن غالب، وعلي بن فارس الخياط. تلا عليه جماعة، منهم: أبو الكرم الشهرزوري، وقد سمع من: أبي الطيب الطبري، والقاضي أبي الحسن الماوردي، ومحمد بن علي بن شبانة الدينوري، وأبي محمد الجوهري، وانتقى عليه الحافظ أبو عبد الله الحميدي. وحدث عنه: إسماعيل بن السمرقندي، وابن ناصر، والسلفي، وأبو طالب بن خضير، وخطيب الموصل أبو الفضل، وعبد المنعم بن كليب، وآخرون. قال ابن ناصر: شيخ، صالح، ضعيف، لا يحتج بحديثه، لم تكن له معرفة بالحديث. ولد في حدود سنة عشرين وأربع مائة. وقال السلفي: كان ثقة زاهدًا. قال ابن ناصر: مات في جمادى الآخرة سنة سبع وخمس مائة، وأوصى بأن يدفن إلى جانب إبراهيم الحربي. قلت: وممن تلا عليه أبو محمد سبط الخياط، وعبد الوهاب بن محمد الصابوني. قال أبو محمد: تلوت عليه بكتاب "الجامع" لأبي الحسن الخياط، وتلا به على المصنف.

стр. 8393

ابن ملة، أحمديل: ٤٦٤٥ - ابن مَلَّة (١): الشيخ العالم، المحدث الواعظ، أبو عثمان إسماعيل بن محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر بن أبي سعيد بن ملة الأصبهاني، المحتسب، صاحب تلك المجالس المشهورة. سمع: أبا بكر بن ريذة صاحب الطبراني، وأبا طاهر بن عبد الرحيم، وأبا منصور عبد الرزاق بن أحمد الخطيب، وأبا القاسم عبد العزيز بن أحمد، وعلي بن شجاع المصقلي، وأبا العباس أحمد بن محمد بن النعمان، وأملى ببغداد. حدث عنه: ابن ناصر، وظاعن بن محمد الزبيري الخياط، وأبو طاهر السلفي، وقوم، آخرهم عبد المنعم بن كليب. قال ابن ناصر: وضع حديثًا، وأملاه، وكان يخلط. قلت: ثم روايته عن ابن ريذه حضور، فإن مولده -فيما ذكر- سنة ست وثلاثين في رجبها، ومات ابن ريذه سنة أربعين. وقال أبو نصر اليونارتي في "معجمه": كان ابن ملة من الأئمة المرضيين، يرجع في كل فن من العلم إلى حظ وافر. وقال السلفي: هو من المكثرين، يروي عن: عبد العزيز بن فادويه، وأبي القاسم عبد الرحمن بن الذكواني، وكان أبوه يروي عن أبي محمد بن البيع صاحب المحاملي. مات أبو عثمان في ثاني ربيع الأول، سنة تسع وخمس مائة، بأصبهان. ٤٦٤٦ - أحمديل (٢): صاحب مراغة، أحد الأبطال، كان إقطاعه يغل في السنة أربع مائة ألف دينار، وعسكره خمسة آلاف فارس، كان في مجلس السلطان محمد بن ملكشاه، فأتاه مسكين، فتضرع إليه في قصة يقدمها، فيضربه بسكين، فبرك أحمديل فوقه، فوثب باطني آخر فوق أحمديل، فجرحه، فأضرتهما السيوف، فوثب ثالث، وضرب أحمديل أثخنه، وذلك في أول سنة عشر وخمس مائة، وكان أحمديل إلى جانب أمير دمشق طغتكين قد قدما بغداد إلى خدمة محمد.

стр. 8394

٤٦٤٧ - أبو العز (١): محمد بن المختار بن محمد بن عبد الواحد بن عبد الله بن المؤيد بالله الهاشمي العباسي البغدادي، والد المعمر أبي تمام أحمد بن محمد، ويعرف بابن الخص. كان ثقةً صالحًا دينًا، جليلًا محترمًا، من أهل الحرم الطاهري. سمع الكثير من: عبد العزيز بن علي الأزجي، وأبي الحسن القزويني، وأبي إسحاق البرمكي، وأبي علي بن المذهب. روى عنه: أبو علي الرحبي، وأحمد بن السدنك، وأبو طاهر السلفي، ونصر الله القزاز، وعبد المنعم بن كليب، وآخرون. توفي في يوم عاشوراء، من سنة ثمان وخمس مائة، وعاش ثمانين عامًا. ٤٦٤٨ - ابن المُطَّلِب: الوزير الكبير، أبو المعالي هبة الله بن محمد بن علي بن المطلب الكرماني، الفقيه الشافعي. كان من كبار الأعيان، رأسًا في حساب الديوان، ساد وعظم، ووزر للمستظهر بالله سنتين ونصفا، ثم عزل. روى عن: عبد الصمد بن المأمون وطبقته، وكان ذا معروف وبر، يلقب بمجير الدين، له خبرة وفضيلة وذكاء، صرف في سنة اثنتين وخمس مائة، ولزم بيته إلى أن توفي سنة تسع وخمس مائة. ٤٦٤٩ - البَاقَرْحِي (٢): الشيخ الجليل المسند، أبو علي الحسن بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الباقرحي، ثم البغدادي، رجل مستورٌ، من بيت الرواية، سمع الكثير. مولده سنة سبع وثلاثين وأربع مائة.

стр. 8395

سمع: أبا الحسن بن القزويني، وأبا بكر بن بشران، وأبا الفتح شيطا، وأبا طاهر محمد بن علي بن العلاف، وأبا إسحاق البرمكي، وأبا القاسم التنوخي. حدث عنه: السلفي، وجماعة، وآخر من روى عنه: ذاكر بن كامل، وممن روى عنه أبو نصر عبد الرحيم اليوسفي. مات في رجب، سنة سعيد عشرة وخمس مائة. وفيها توفي: صاحب ماردين، وأبو ملوكها نجم الدين أيل غازي بن أرتق التركماني، ومحيي السنة أبو محمد البغوي، والحافظ أبو محمد عبد الله ابن أحمد بن السمرقندي أخو إسماعيل، وشيخ القراء أبو القاسم عبد الرحمن بن بكر بن الفحام الصقلي، مصنف "التجريد"، وصاحب "المقامات" أبو محمد القاسم بن علي الحريري البصري، وأبو عدنان محمد بن أحمد بن المطهر بن أبي نزار الربعي الأصبهاني، والحافظ محمد بن عبد الواحد الدقاق، وأبو نصر محمد بن هبة الله بن مميل الشيرازي معيد النظامية.

стр. 8396

٤٦٥٠ - الشقَّاق (١): العلامة أبو عبد الله الحسين بن أحمد البغدادي، ابن الشقاق الفرضي، لشق قرون القسي. أخذ الفرائض والحساب عن الخبري، وعبد الملك الهمداني، وبقي بلا نظير، وصنف التصانيف. قال السلفي: كان آية من آيات الزمان في الفرائض والحساب، يقرئ ذلك. وحدث عن: أبي الحسين بن المهتدي بالله، وسمع منه ابن ناصر، والسلفي، وخطيب الموصل. مات في آخر سنة إحدى عشرة وخمس مائة، وله نيف وسبعون سنة، ﵀. ٤٦٥١ - أبو طالب اليُوسُفي (٢): الشيخ الأمين، الثقة العالم المسند، أبو طالب عبد القادر بن محمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف البغدادي، اليوسفي ابن أبي بكر.

стр. 8397

ولد سنة نيف وثلاثين وأربع مائة. وسمع المصنفات الكبار من: أبي علي بن المذهب، وأبي إسحاق البرمكي، وأبي بكر بن بشران، وأبي محمد الجوهري، وعدة، وتفرد في وقته. حدث عنه: السلفي، وأبو العلاء العطار، وهبة الله الصائن، وأبو بكر ابن النقور، والشيخ عبد القادر، وعبد الحق اليوسفي، وأبو منصور بن أحمد الدقاق، ويحيى بن بوش، وعدد كثير. قال السمعاني: شيخ صالح، ثقة، دين، متحر في الرواية، كثير السماع، انتشرت عنه الرواية في البلدان، وحمل عنه الكثير. وقال السلفي: تربى أبو طالب على طريقة والده في الاحتياط التام في الدين في التدين من غير تكلف، وكان كامل الفضل، حسن الجملة، ثقةً متحريًا، إلى غايةٍ ما عليها مزيد، قل من رأيت مثله، وكان أبوه أبو بكر أزهد خلق الله. قال محمد بن عطاف: توفي أبو طالب في آخر يوم الجمعة ثامن عشر ذي الحجة، سنة ست عشرة وخمس مائة.

стр. 8398

٤٦٥٢ - ابن الفحَّام (١): الإمام شيخ القراء، أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي بكر عتيق بن خلف القرشي، الصقلي، المقرئ النحوي، ابن الفحام، نزيل الإسكندرية، ومؤلف "التجريد في القراءات". تلا بالسبع على: أبي العباس بن نفيس، وأبي الحسين نصر بن عبد العزيز الفارسي، وعبد الباقي بن فارس، وإبراهيم بن إسماعيل المالكي بمصر، وطال عمره، وتفرد، وتزاحم عليه القراء. تلا عليه: أبو العباس بن الحطية، وابن سعدون القرطبي، وعبد الرحمن بن خلف الله، وعدة. وتلوت كتاب الله من طريقه بعلو وبغير علو. أخذ النحو عن ابن بابشاذ، وعمل "شرحا" لمقدمته. قال سليمان بن عبد العزيز الأندلسي: ما رأيت أحدًا أعلم بالقراءات من ابن الفحام، لا بالمشرق ولا بالمغرب، وروى عنه: السلفي، وأبو محمد العثماني، وغيرهما، وثقه السلفي وابن المفضل. ولد سنة اثنتين أو خمس وأربع مائة، وهو يشك. وتوفي: في ذي القعدة، سنة ست عشرة وخمس مائة بالثغر، وله نيفٌ وتسعون سنة، وآخر أصحابه في الدنيا بالإجازة أبو طاهر الخشوعي. وقد ذكره السلفي، فقال: هو من خيار القراء، رحل سنة ثمان وثلاثين، فأدرك ابن هشيم، وابن نفيس، علقت عنه فوائد، وكان حافظًا للقراءات صدوقًا، متقنًا، عالمًا، كبير السن، وقيل: كان يحفظ القراءات كالفاتحة.

стр. 8399

٤٦٥٣ - غيثُ بنُ علي (١): ابن عبد السلام، المحدث المفيد، أبو الفرج الأرمنازي، ثم الصوري، خطيب صور ومحدثها. سمع: أبا بكر الخطيب، وعلي بن عبيد الله الهاشمي، وبدمشق أبا نصر بن طلاب، وطائفة، وبنتنيس من رمضان بن علي، وبمصر، والثغر، وكتب الكثير، وسوَّد "تاريخًا" لصور، وكان ثقة، حسن الخط. روى عنه شيخه؛ الخطيب، وأبو القاسم ابن عساكر، وذلك من نمط "السابق واللاحق"، فبين الحافظين في الموت مائة سنة وثمان سنين. مات غيث بدمشق، في صفر، سنة تسع وخمس مائة، عن ست وستين سنة. ٤٦٥٤ - عيسى بن شُعيب (٢): ابن إبراهيم، المحدث العالم الزاهد، شيخ المعمرين، أبو عبد الله السجزي، الصوفي، نزيل هراة، ووالد الشيخ أبي الوقت. لمولده بسجستان، في سنة عشر وأربع مائة، فسمع من علي بن بشرى الليثي الحافظ جملةً، وسمع بهراة من: عبد الوهاب بن محمد الخطابي، وبغزنة من: الخليل بن أبي يعلى، وطائفة، وحمل ابنه عبد الأول على ظهره من هراة إلى بوشنج مرحلة، فسمعا "الصحيح" من جمال الإسلام الداوودي. قال أبو سعد السمعاني: هو صحيح صالح، حريص على السماع، أجاز لي مروياته، ثم ذكر مولده، قال: وتوفي بمالين من هراة، في ثاني عشر شوال، سنة اثنتي عشرة وخمس مائة، وله مائة وسنتان. وفيها مات أمير المؤمنين المستظهر بالله أبو العباس أحمد بن المقتدي بالله عبد الله بن محمد بن القائم العباسي، وله اثنتان وأربعون سنة، وكانت دولته خمسًا وعشرين سنة، ومفتي بخارى شمس الأئمة الجابري، ونور الهدى الحسين بن محمد الزينبي، والعلامة أبو القاسم سلمان بن ناصر الأنصاري النيسابوري الأصولي صاحب إمام الحرمين، والمعمر أبو العلاء عبيد بن محمد القشيري، وشيخ الكلام أبو عبد الله محمد بن عتيق بن أبي كدية القيرواني الشعري ببغداد عن سن عالية، والحافظ محمود بن نصر الأصبهاني الصباغ ببغداد.

стр. 8400

٤٦٥٥ - أبو الفتح الهَرَوي (١): الإمام القدوة الزاهد، العابد المعمر، أبو الفتح نصر بن أحمد بن إبراهيم الحنفي الهروي. سمع من: جده لأمه أبي المظفر منصور بن إسماعيل الهروي، الراوي عن أبي الفضل بن خميرويه، وسمع من: أبي يعقوب القراب الحافظ، وأبي الحسن الدباس، وجماعة. وخرج له شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري "فوائد" في ثلاث مجلدات، وكان أسند من بقي ببلده وأزهدهم. حدث عنه: جماعة بهراة ومرو وبوشنج من مشايخ السمعاني. توفي سنة عشر وخمس مائة، لا بل توفي في سابع شعبان، سنة إحدى عشرة وخمس مائة. قال السمعاني: هو نصر بن أحمد بن إبراهيم بن أسد بن أحمد، من ولد حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. قال: وهو من أهل العلم والسداد والصلاح، أفنى عمره في كتابة العلم، وتفرد بالرواية الكثيرة. سمع: أباه، وجده، وجده لأمه، وأبا عثمان سعيد بن العباس القرشي، وإسحاق بن أبي إسحاق القراب، وعبد الوهاب ابن محمد بن عيسى، ومحمد بن الفضيل، ومولده: سنة تسع عشرة وأربع مائة. قلت: عاش اثنتين وتسعين سنة.

стр. 8401

٤٦٥٦ - أبو يعلى بن الهباريَّة (١): الشريف، كبير الشعراء، محمد بن صالح بن حمزة العباسي، من ذرية ولي العهد عيسى بن موسى، ولقبه نظام الدين البغدادي، رأسٌ في الهجو والخلاعة، وشعره فائق، خدم نظام الملك، وسعد به، وقد نظم كتاب "كليلة ودمنة" جوده وحرره. قيل: مات بكرمان، سنة أربع وخمس مائة. ٤٦٥٧ - الشَّاشِي (٢): الإمام العلامة، شيخ الشافعية، فقيه العصر، فخر الإسلام، أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر الشاشي، التركي، مصنف "المستظهري" في المذهب، وغير ذلك. مولده بميَّافارقين في سنة تسع وعشرين وأربع مائة، وتفقه بها على قاضيها أبي منصور الطوسي، والإمام محمد بن بيان الكازروني، ثم قدم بغداد، ولازم أبا إسحاق، وصار معيده، وقرأ كتاب "الشامل" على مؤلفه. وروى عن الكازروني شيخه، وعن ثابت بن أبي القاسم الخياط، وأبي بكر الخطيب، وهياج بن عبيد المجاور، وعدة.

стр. 8402

وانتهت إليه رياسة المذهب، وتخرج به الأصحاب ببغداد، وصنف. وكتاب "الحلية" فيه اختلاف العلماء، وهو الكتاب الملقب بالمستظهري، لأنه صنفه للخليفة المستظهر بالله، وولي تدريس النظامية بعد الغزالي، وصرف، ثم وليها بعد إلكيا الهراسي سنة أربع وخمس مائة، ودرس أيضًا بمدرسة تاج الملك وزير السلطان ملكشاه. حدث عنه: أبو المعمر الأزجي، وعلي بن أحمد اليزدي، وأبو بكر بن النقور، وأبو طاهر السلفي، وفخر النساء شهدة. مات في شوال سنة سبع وخمس مائة، ودفن إلى جنب شيخه أبي إسحاق الشيرازي، وقيل: دفن معه. وقع لي من حديثه. قال أبو القاسم يوسف الزنجاني: كان أبو بكر الشاشي يتفقه معنا، وكان يسمى الجنيد لدينه وورعه وزهده، رحمه الله تعالى.

стр. 8403

٤٦٥٨ - ابن مَنْدَه (١): الشيخ الإمام، الحافظ المحدث، أبو زكريا يحيى بن أبي عمرو عبد الوهاب بن الحافظ الكبير أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن الحافظ محمد بن يحيى بن منده العبدي، الأصبهاني. ولد في شوال، سنة أربع وثلاثين وأربع مائة. وبكّر به والده، فسمعه الكثير من أبي بكر بن ريذه، وأبي طاهر بن عبد الرحيم، وأحمد بن محمد الفضاض. وطلب هذا الشأن، فسمع من أحمد بن محمود الثقفي، ومحمد بن علي الجصاص، وإبراهيم بن منصور سبط بحرويه، وأبي الفضل عبد الرحمن بن أحمد الرازي، وأبي بكر البيهقي الحافظ، وخلق كثير، وأكثر عن أبيه، وعمه أبي القاسم، وأجاز له من بغداد أبو طالب بن غيلان، وطائفة، وأملى، وصنف، وجمع. روى عنه: عبد الوهاب الأنماطي، وابن ناصر، وعلي بن أبي تراب، وأبو طاهر السلفي، وعبد الحق اليوسفي، وأبو محمد بن الخشاب النحوي، ومحمد بن إسماعيل الطرسوسي، وأبو موسى المديني، وخلق. قال السمعاني: شيخ جليل القدر، وافر الفضل، واسع الرواية، ثقة حافظ، مكثر صدوق، كثير التصانيف، حسن السيرة، بعيد من التكلف، أوحد بيته في عصره، أجاز لي. وسألت إسماعيل الحافظ عنه، فأثنى عليه، ووصفه بالحفظ والمعرفة والدراية، وسمعت محمد بن أبي نصر اللفتواني الحافظ يقول: بين بني منده بدئ بيحيى، وختم بيحيى. مات في ذي الحجة، سنة إحدى عشرة وخمس مائة.

стр. 8404

٤٦٥٩ - المستظهر بالله (١): الإمام، أمير المؤمنين، أبو العباس أحمد بن المقتدي بأمر الله أبي القاسم عبد الله بن الذخيرة محمد بن القائم بأمر الله عبد الله بن القادر الهاشمي العباسي، البغدادي. مولده في شوال، سنة سبعين وأربع مائة، واستخلف عند وفاة أبيه في تاسع عشر المحرم، وله ست عشرة سنة وثلاثة أشهر، وذلك في سبع وثمانين. قال ابن النجار: كان موصوفًا بالسخاء والجود، ومحبة العلماء، وأهل الدين، والتفقد للمساكين، مع الفضل والنبل والبلاغة، وعلو الهمة، وحسن السيرة، وكان رضي الأفعال، سديد الأقوال. وحكى أبو طالب بن عبد السميع عن أبيه أن المستظهر بالله طلب من يصلي به، ويلقن أولاده، وأن يكون ضريرًا، فوقع اختياره على القاضي أبي الحسن المبارك بن محمد بن الدواس مقرئ واسط قبل القلانسي، فكان مكرمًا له، حتى إنه من كثرة إعجابه به كان أول رمضان قد شرع في التراويح، فقرأ في الركعتين الأوليين آيةً آيةً، فلما سلم، قال له المستظهر: زدنا من التلاوة، فتلا آيتين آيتين، فقال له: زدنا، فلم يزل حتى كان يقوم كل ليلة بجزء، وإنه ليلةً عطش، فناوله الخليفة الكوز، فقال خادم: ادع لأمير المؤمنين، فإنه شرفك بمناولته إياك، فقال: جزى العمى عني خيرًا، ثم نهض إلى الصلاة، ولم يزد على ذلك. وقال السلفي: قال لي أبو الخطاب ابن الجراح: صليت بالمستظهر في رمضان، فقرأت: ﴿إِنَّ ابْنَكَ سَرَق﴾ * [يوسف: ٨١]، رواية رويناها عن الكسائي، فلما سلمت، قال: هذه قراءة حسنة، فيه تنزيه أولاد الأنياء عن الكذب.

стр. 8405

قلت: كيف بقولهم: ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْب﴾، ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٧، ١٨]. قال ابن الجوزي: حدثني محمد بن شاتيل المقرئ، حدثني أبو سعد بن أبي عمامة قال: كنت ليلة جالسًا في بيتي، وقد نام الناس، فدق الباب، فإذا بفرَّاشٍ وخادمٍ معه شمعة، فقال: بسم الله، فأدخلت على المستظهر، وعليه أثر غم، فأخذت في الحكايات والمواعظ وتصغير الدنيا، وهو لا يتغير، وأخذت في حكايات الكرام وغير ذلك، فقلت: هذا لا ينام، ولا يدعني أنام، فقلت: يا أمير المؤمنين، لي مسألة، قال: قل، قلت: ولا تكتمني? قال: لا، قلت: بالله حل عليك نقدةٌ للبائع، أو انكسر زورقك، أو وقعوا على قافلةٍ لك، وضاق وقتك? عندي طبق خلافٍ أنا أقرضه لك، وتبقى بارزيًا في الدروب وما يخلي الله من رزق، فهذا هم عظيم، وقد مرستني الليلة، فضحك حتى استلقى، وقال: قم، فعل الله بك وصنع، فقمت، وتبعني الخادم بدنانير وتخت وثياب. قيل: إن ابن مقلد العواد غنى المستظهر، فسره، فأعطاه مائتي دينار، وقطعة كافور زنة ثلاثة أرطال مقمعة بذهب. قال أبو طالب بن عبد السميع: كان من ألفاظ المستظهر: خير ذخائر المرء لدنياه ذكرٌ جميلٌ، ولآخرته ثواب جزيل. شح المرء بفلسه من دناءة نفسه. الصبر على الشدائد ينتج الفوائد. أدب السائل أنفع من الوسائل. بضاعة العاقل لا تخسر، وربحها يظهر في المحشر. وله نظم حسن. قال محمد بن عبد الملك الهمذاني: توفي المستظهر بالله سحر ليلة الخميس، سادس عشرين ربيع الآخر، سنة اثنتي عشرة وخمس مائة، ومرض ثلاثة عشر يومًا من تراقي ظهر به، وبلغ إحدى وأربعين سنة وستة أيام، وكان لين الجانب، كريم الخلائق، مشكور المساعي، إذا سئل مكرمةً، أجاب إليها، وإذا ذكر بمثوبةٍ تشوف نحوها. وقيل: إنه أنشد قبل موته بقليل، وبكى: يا كوكبًا ما كان أقصر عمره … وكذاك عمر كواكب الأسحار
следующие страницы →