← Тараджим

Тараджим · id 22669

سير أعلام النبلاء - ط الحديث

شمس الدين الذهبي

Полный текст (9 721 стр.). Показаны 8331–8370 · переход к 8336.

стр. 8331

٤٦٠٥ - الأبِيُوَرْدِي (١): الأستاذ العلامة الأكمل أبو المظفر محمد بن أبي العباس أحمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق بن محمد بن إسحاق بن الحسن بن منصور بن معاوية بن محمد بن عثمان بن عنبسة بن عتبة بن عثمان بن عنبسة بن أبي سفيان ابن حرب بن أمية الأموي، العنبسي المعاوي، الأبيوردي اللغوي، شاعر وقته، وصاحب التصانيف، فالواسطة بينه وبين أبي سفيان خمسة عشر أبًا. سمع: إسماعيل بن مسعدة، وأبا بكر بن خلف الشيرازي، ومالك بن أحمد البانياسي، وأخذ العربية عن عبد القاهر الجرجاني. روى عنه ابن طاهر المقدسي، وأبو الفتوح الطائي، وأبو طاهر السلفي، وجماعة. قال يحيى بن منده: سئل الأديب أبو المظفر عن أحاديث الصفات، فقال: تقر وتمر. وقال السمعاني: صنف كتاب "المختلف"، وكتاب "طبقات العلم"، وكتاب "أنساب العرب"، وله في اللغة مصنفات ما سبق إليها.

стр. 8332

قلت: "ديوانه" كبير، وهو أقسام: العراقيات، والنجديات، والوجديات، وعمل "تاريخًا" لأبيورد. قال السمعاني: سمعت غير واحد يقولون: كان الأبيوردي يقول في صلاته: اللهم ملكني مشارق الأرض ومغاربها. قلت: هو ريان من العلوم، موصوفٌ بالدين والورع، إلَّا أنه تياه، معجب بنفسه، قد قتله حب السؤدد، وكان جميلًا لباسًا له هيئة ورواء، وكان يفتخر، ويكتب اسمه: العبشمي المعاوي، يقال: إنه كتب رقعة إلى الخليفة المستظهر بالله، وكتب: المملوك المعاوي، فحك المستظهر الميم، فصار العاوي، ورد الرقعة إليه. قال جماد الحراني: سمعت السلفي يقول: كان الأبيوردي -والله- من أهل الدين والخير والصلاح والثقة، قال لي: والله ما نمت في بيت فيه كتاب الله، ولا حديث رسول الله احترامًا لهما أن يبدو مني شيءٌ لا يجوز. أنشدنا أبو الحسين بن الفقيه، أخبرنا جعفر، أخبرنا السلفي، أنشدنا الأبيوردي لنفسه: وشادنٍ زارني على عجلٍ … كالبدر في صفحة الدجى لمعا لم أزل موهنا أحدثه … والبدر يصغي إلي مستمعا وصلت خدي بخده شغفا … حتى التقى الروض والغدير معا قال عبد الغافر في "السياق": فخر العرب أبو المظفر الأبيوردي الكوفني، الرئيس الأديب، الكاتب النسابة، من مفاخر العصر، وأفاضل الدهر، له الفضائل الرائقة، والفصول الفائقة، والتصانيف المعجزة، والتواليف المعجبة، والنظم الذي نسخ أشعار المحدثين، ونسج فيه على منوال المعري، ومن فوقه من المفلقين، رأيته شابًا قام في درس إمام الحرمين مرارًا، وأنشأ فيه قصائد كبارًا، يلفظها كما يشاء زبدًا من بحر خاطره كما نشاء، ميسرٌ له الإنشاء، طويل النفس، كثير الحفظ، يلتفت في أثناء كلامه إلى الفقر والوقائع، والاستنباطات الغريبة، ثم خرج إلى العراق، وأقام مدةً يجذب فضله بضبعه، ويشتهر بين الأفاضل كمال فضله، ومتانة طبعه، حتى ظهر أمره، وعلا قدره، وحصل له من السلطان مكانةٌ ونعمة، ثم كان يرشح من كلامه نوع تشبث بالخلافة، ودعوة إلى اتباع فضله، وادعاء استحقاق الإمامة، تبيض وساوس الشيطان في رأسه وتفرخ، وترفع الكبر بأنفه وتشمخ، فاضطره الحال إلى مفارقة بغداد، ورجع إلى همذان، فأقام بها يدرس ويفيد، ويصنف مدة.

стр. 8333

ومن شعره: وهيفاء لا أصغي إلى من يلومني … عليها ويغريني بها أن يعيبها أميل بإحدى مقلتي إذا بدت … إليها وبالأخرى أراعي رقيبها وقد غفل الواشي فلم يدر أنني … أخذت لعيني من سليمى نصيبها وله: أكوكبٌ ما أرى يا سعد أم نار … تشبها سهلة الخدين معطار بيضاء إن نطقت في الحي أو نظرت … تقاسم الشمس أسماعٌ وأبصار والركب يسرون والظلماء راكدة … كأنهم في ضمير الليل أسرار فأسرعوا وطلا الأعناق مائلةٌ … حيث الوسائد للنوام أكوار وله: تنكر لي دهري ولم يدر أنني … أعز وأحداث الزمان تهون فبات يريني الخطب كيف اعتداؤه … وبت أريه الصبر كيف يكون وله: نزلنا بنعمان الأراك وللندى … سقيطٌ به ابتلت علينا المطارف فبت أعاني الوجد والركب نومٌ … وقد أخذت منا السرى والتنائف وأذكر خودًا إن دعاني على النوى … هواها أجابته الدموع الذوارف لها في مغاني ذلك الشعب منزلٌ … لئن أنكرته العين فالقلب عارف قال محمد بن طاهر الحافظ: أنشدنا أبو المظفر الأبيوردي لنفسه: يا من يساجلني وليس بمدركٍ … شأوي وأين له جلالة منصبي لا تتعبن فدون ما حاولته … خرط القتادة وامتطاء الكوكب والمجد يعلم أينا خيرٌ أبا … فأسأله تعلم أي ذي حسبٍ أبي جدي معاوية الأغر سمت به … جرثومةٌ من طينها خلق النبي ورثته شرفًا رفعت مناره … فبنو أمية يفخرون به وبي

стр. 8334

أنشدني علي بن محمد الحافظ، أخبرنا جعفر بن علي، أخبرنا السلفي، أنشدنا الأبيوردي لنفسه: من رأى أشباح تبرٍ … حشيت ريقة نحله فجمعناها بدورًا … وقطعناها أهله توفي الأبيوردي بأصبهان مسمومًا، في ربيع الأول، سنة سبع وخمسين وخمس مائة كهلًا. قال قاضي القضاة عبد الواحد بن أحمد الثقفي: أنشدنا الأبيوردي: لم يبق مني الحب غير حشاشةٍ … تشكو الصبابة فاذهبي بالباقي أيبل من جلب السقام طبيبه … ويفيق من سحرته عين الراقي إن كان طرفك ذاق ريقك فالذي … ألقى من المسقي فعل الساقي نفسي فداؤك من ظلومٍ أعطيت … رق القلوب وطاعة الأحداق وقد ذكره ابن طاهر، فلم يتقن نسبه، وقال: كان أوحد أهل زمانه في علوم عدة. وقد عمل السلفي له سيرة وطول، وقال: كان في زمانه درة وشاحه، وغرة أوضاحه، ومالك رق المعاني، فلله دره حين يتناثر من فيه دره. في كل معنًى يكاد الميت يفهمه … حسنًا ويعبده القرطاس والقلم هذا مع ما تجمع فيه من الخلال الرضية، والخصال المرضية، كالتبحر في اللغة، والتقدم في النحو، والمعرفة برجال الحديث والأنساب، ونزاهة النفس، والمواظبة على الشرع، والتواضع الزائد للزاهدين، والصلف التام على أبناء الدنيا، وكان نادرًا في أنساب العرب قاطبة، كأنه يغرف من بحر، سمعته يقول: ما دخلت بلدًا يروى فيه الحديث إلَّا بدأت بسماع شيءٍ منه قبل التصدي لشؤوني، وحفظت كتاب "البلغة" في اللغة وأنا صبي، وما مقلت لغويًا قط، وأما النحو، فعبد القاهر، وأثنى عليه. وحكى لي الشريف أبو البلقاء خطيب جامع السلطان قال: كان أبو المظفر يطالع الرقعة الطويلة مرةً واحدة، ويعيدها حفظًا، قال: وممن كان يبالغ في مدحه أبو نصر بن أبي حفص، وأبو إسماعيل الأثعل الأصبهانيان كاتبا العصر، وبلغني وأنا بسلماس أنه فوض إليه إشراف الممالك، وأحضر عند السلطان محمد بن ملكشاه للشخصية وهو على سرير الملك، فارتعد منه ووقع، ورفع ميتًا.

стр. 8335

قال شيرويه: سمع الأبيوردي من إسماعيل بن مسعدة، وعبد القاهر الجرجاني، وأبي الفتح الشيرازي بالري، وعاصم بن الحسن، إلى أن قال: وكان من أفراد الوقت الذين ملكوا القلوب بفضلهم، وعمروا الصدور بودهم متعصبًا للسنة وأهلها، وله تصانيف كثيرة، ألف "تاريخ أبيورد ونسا" و "المختلف والمؤتلف" و "طبقات العلماء في كل فن" و "ما اختلف وائتلف من أنساب العرب"، وله في النحو واللغة مصنفات ما سبق إليها، حسن السيرة، خفيف الروح، متواضعًا، طرازًا لأهل البلد. وقال محمد بن عبد الملك الهمذاني: قدم بغداد سنة ثمانين، ولازم خزانة الكتب النظامية، وكان من الذكاء على وصف عجيب، كان يسمع القصيدة الطويلة في نوبةٍ، فيرويها، ويتصفح الكتاب مرة، فيذكر فوائده ويحكيها، كان يعاب بإعجابه بنفسه، وكان عفيفًا متصونًا، أكثر من مدائح الوزير أبي منصور بن جهير، فصادف منه رفدا جليلا، ثم هجاه في هوى مؤيد الملك بن النظام، فسعى ابن جهير إلى الخليفة بأنه قد هجاك، ومدح صاحب مصر، فأبيح دمه، فهرب إلى همذان، واختلق هذا النسب حتى ذهب عنه اسم صاحب مصر، ويقال: إن الخطير الوزير سمه، فمات فجأة. قال ابن الخشاب: قرأت على عبد الرحيم بن الإخوة ثلاثة أجزاء من أول كتاب "زاد الرفاق للأبيوردي، وهذا الكتاب -نعم والله- بارد الوضع، مشوب أدبه بفضول من علوم لا تعد في الفضل، دالة على أن الأبيوردي كان ممخرقًا محبًا لأن يرى بعين مفتن، متشبعًا بما لم يعط. ولأبي إسماعيل الطغرائي يرثي الأبيوردي: إن ساغ لي بعدك لي ماءٌ على ظمأ … فلا تجرعت غير الصاب والصبر أو إن نظرت من الدنيا إلى حسنٍ … مذ غبت عني فلا متعت بالنظر صحبتني والشباب الغض ثم مضى … كما مضيت فما في العيش من وطر هبني بلغت من الأعمار أطولها … أو انتهيت إلى آمالي الكبر فكيف لي بشبابٍ لا ارتجاع له … أم أين أنت فما لي عنك من خبر سبقتماني ولو خيرت بعدكما … لكنت أول لحاقٍ على الأثر

стр. 8336

٤٦٠٦ - الأبِيُوَرْدي: الشيخ أبو القاسم الفضل بن محمد الأبيوردي العطار الذي روى "سنن الدارقطني" بفوت جزئين عن أبي منصور النوقاني عن المؤلف، وكمل الجزئين على أبي عثمان الصابوني عنه إجازة. سمع الكتاب منه أبو سعد الصفار في سنة سبع عشرة وخمس مائة، وتوفي بعد عام بنيسابور. ٤٦٠٧ - الفضل بن محمد (١): ابن عبيد محمد بن محمد بن مهدي، العدل المأمون الصالح، أبو محمد القشيري النيسابوري، أخو عبيد بن محمد. ولد سنة عشرين وأربع مائة. وسمع من: الأستاذ أبي منصور عبد القاهر البغدادي، وعبد الرحمن بن حمدان النصروي، وأبي حسان المزكي، وعبد الغافر بن محمد الفارسي. وحدث ببغداد، حج، فروى عنه أبو الفتح بن عبد السلام الكاتب وغيره. مات في رمضان، سنة ست وخمس مائة. أخوه: ٤٦٠٨ - عبيد بن محمد (٢): التاجر الأمين المعمر أبو العلاء عبيد بن محمد القشيري. سمع: عبد القاهر بن طاهر البغدادي الأصولي، وأبا حسان المزكي، وعبد الرحمن بن حمدان، وأبا حفص بن مسرور، وسافر إلى المغرب في التجارة، وأقام هناك مدة، وحصل أموالًا، ثم عاد إلى نيسابور، وشاخ، ولزم داره، وكان قليل المخالطة، وكان الأخ الأكبر. ولد سنة سبع عشرة وأربع مائة، وصفع عبد الغافر بن إسماعيل في "تاريخه" بالصدق والعدالة والعبادة، وصحة السماع، والإنفاق على الفقراء، تصدق في آخر عمره بشيء كثير، وثقل سمعه. روى عنه أبو سعد السمعاني حضورًا بقراءة أبيه. قال ابن النجار: مات في ثامن عشر شعبان سنة اثنتي عشرة وخمس مائة، وعاش خمسًا وتسعين سنة.

стр. 8337

٤٦٠٩ - شِيُروَيه (١): ابن شهردار بن شيرويه بن فناخسره بن خسركان، المحدث، العالم، الحافظ، المؤرخ، أبو شجاع الديلمي، الهمذاني مؤلف كتاب "الفردوس" و "تاريخ همذان". ولد سنة خمس وأربعين وأربع مائة. وطلب هذا الشأن، ورحل فيه. سمع: محمد بن عثمان القومساني، ويوسف بن محمد بن يوسف المستملي، وسفيان بن الحسن بن منجويه، وعبد الحميد بن الحسن الفقاعي، وأبا الفرج علي بن محمد الجريري البجلي، وأحمد بن عيسى الدينوري، وعبد الباقي بن علي العطار، وأبا القاسم بن البسري، وأبا نصر الزينبي، وأبا عمرو بن منده، وعددًا كثيرًا. حدث عنه: ولده؛ شهردار، ومحمد بن الفضل العطار، وأبو العلاء العطار المقرئ، وأبو العلاء أحمد بن محمد بن الفضل، وأبو طاهر السلفي، وأبو موسى المديني، وعدة. قال يحيى بن منده: شاب كيس حسن، ذكي القلب، صلبٌ في السنة، قليل الكلام. قلت: هو متوسط الحفظ، وغيره أبرع منه وأتقن. مات في تاسع عشر رجب سنة تسع وخمس مائة، وله أربع وستون سنة. وفيها مات: أبو عثمان بن ملة الواعظ، ومحمد بن نصر الأعمش، وخطيب صور غيث بن علي الأرمنازي المحدث، وأبو يعلى محمد بن محمد بن الهبارية الشاعر، وأبو البركات هبة الله بن السقطي، وقوام بن زيد البكري الدمشقي المزي. ومات ولده الحافظ شهردار سنة ثمان وخمسين وخمس مائة، وسيأتي. ومات حفيده شيرويه بن شهردار سنة ست مائة، عن اثنتين وثمانين سنة، سمع من زاهر الشحامي "مسند أبي يعلى".

стр. 8338

٤٦١٠ - الخَوْلَاني (١): الشيخ الفاضل، المعمر الصادق، مسند الأندلس، أبو عبد الله أحمد ابن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن غلبون الخولاني، القرطبي. مولده في سنة ثمان عشرة وأربع مائة. واعتنى به أبوه، واستجاز له الكبار، وسمعه في الحداثة. سمع من: أبيه الحافظ أبي عبد الله كثيرًا، وسمع "الموطأ" من أبي عمرو عثمان بن أحمد القيجطالي صاحب أبي عيسى بن عبد الله الليثي، وتفرد في الدنيا بعلوه، وسمع من أبي عبد الله بن الأحدب، وأبي محمد الشنتجالي، وعلي بن حمويه الشيرازي، وعدة. وأجاز له يونس بن عبد الله بن مغيث القاضي، وأبو عمرو المرشاني الذي تفرد بإجازة أبي بكر الآجري المجاور، وأبو عمر أحمد بن محمد الطلمنكي، والحافظ أبو ذر الهروي المجاور، ومكي بن أبي طالب القيسي، والحافظ أبو عمرو الداني. قال ابن بشكوال: كان شيخًا فاضلًا، عفيفًا منقبضًا، من بيت علم ودين وفضل، ولم يكن عنده كبير علمٍ، أكثر من روايته عن هؤلاء الجلة، وكانت عنده أصولٌ يلجأ إليها، ويعول عليها. قلت: هو خال أبي الحسن شريح بن محمد. حدث عنه: أبو الوليد بن الدباغ، وعلي بن الحسين اللواتي، وجماعة. وأجاز لأبي عبد الله بن زرقون، وعمر دهرًا. توفي في شعبان سنة ثمان وخمس مائة، وله تسعون سنة. ٤٦١١ - أبو طاهر اليوسُفي (٢): الشيخ الأمين، العدل المسند، أبو طاهر عبد الرحمن بن أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف بن محمد بن يوسف البغدادي البزاز. سمع: أبا علي بن المذهب، وأبا إسحاق البرمكي، وأبا بكر بن بشران، وأبا محمد الجوهري، وعدة. وحدث بـ "سنن الدارقطني" عن ابن بشران عنه. حدث عنه: ابن ناصر، وأبو المعمر الأنصاري، وأبو طاهر السلفي، والصائن هبة الله بن عساكر، وأخوه الحافظ عبد الخالق اليوسفي، وابنا أخيه عبد الحق وعبد الرحيم ابنا عبد الخالق، وآخرون. قال السلفي: كان من أعيان رؤساء بغداد. قلت: ولد سنة خمس وثلاثين وأربع مائة، ومات في شوال، سنة إحدى عشرة وخمس مائة، وكان من أهل الدين والثقة والسنة، مات هو وأبو علي ابن نبهان المذكور في ليلة واحدة، ومن مروياته "سنن الدارقطني".

стр. 8339

٤٦١٢ - ابن صُلَيْعَة: الأمير القاضي، أبو محمد عبيد الله بن صليعة بن قاضي جبلة، كانت جبلة لصاحب طرابلس ابن عمار، فتعانى ابن صليعة- ويقال: ابن صليحة- الفروسية، وخاف منه ابن عمار، فعصى بجبلة وتملكها، وحصنها إلى الغاية، وخطب لبني العباس، ثم حاصره الفرنج، فأرجف بمجيء جيش بركياروق، فترحلوا عنه، ثم نازلوه، فشنع بمجيء المصريين، ثم قرر مع رعيته النصارى بأن يناصحوا الفرنج، ويواعدوهم إلى برجٍ، فانتدب من الفرنج من شجعانهم ثلاث مائة، فطالعهم النصارى في حبال، وكلما طلع واحد، قتله ابن صليحة حتى أباد الثلاث مائة، ثم صفف رؤوسهم على الشرفات، ثم حاصروه، ودكوا برجًا، فأصبح قد بناه في الليل. وكان يبرز في فوارسه، ويحمل على الفرنج، فطمعوا فيه مرة، واستجرهم إلى السور، فخرج إليهم المقاتلة، وأحاطوا بهم، فترحلوا. ثم إنه علم أن الفرنج لا يفترون، فقدم إلى دمشق، وبذل لصاحبها طغتكين جبلة بذخائرها، فبعث ولده فتسلمها. وذهب ابن صليحة إلى بغداد، فخرج عليه عسكر فنهبوه، فرد إلى دمشق، فأكرمه طغتكين وأنزله، ثم إنه اشترى حصن بلاطنس من ابن منقذ، فتحول إليه بأمواله، وترك بجبلة من الذخائر شيئًا كثيرًا. ثم إنه أخذها ابن عمار من ولد طغتكين، ولم أعرف وفاة ابن صليحة.

стр. 8340

٤٦١٣ - صاحب الهند (١): السلطان مسعود، علاء الدولة، أبو سعيد بن صاحب الهند إبراهيم بن مسعود ابن السلطان الكبير محمود بن سبكتكين ملك غزنة والهند. مات في شوال سنة ثمان وخمس مائة، فتملك بعده ابنه الملك أرسلان ابن عمة السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان، وتمكن، وقبض على إخوته، فغضب لهم السلطان سنجر، والتقاه، فانهزم صاحب الهند، ثم طلب الهدنة، وقوي طمع سنجر، ثم التقوا على باب غزنة، وكان عسكر غزنة ثلاثين ألف فارس وستين فيلًا، فانكسروا أيضًا، وتملك سنجر غزنة في سنة عشر، لكن عصت القلعة، وكان أرسلان ظلومًا، فسلمت القلعة، ونصب في غزنة بهرام، وعاثت جيوش سنجر، ونهبوا، وعثروا العامة، فصلب جماعةً من عسكره، فهذبوا. قال ابن الأثير: حصل لسنجر خمسة تيجان، قيمة أحدها أزيد من ألفي ألف دينار، ورجع سنجر بعد أربعين يومًا، فذهب أرسلان وجمع العساكر، وقصد غزنة، وجرت أمورٌ يطول شرحها، ثم إن أرسلان أسر وخنق، وكان بديع الجمال، عاش سبعًا وعشرين سنة. ٤٦١٤ - ابن مَرْزُوق (٢): الإمام المحدث الرحال، أبو الخير عبد الله بن مرزوق الهروي، مولى شيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري. قيل: ولد سنة إحدى وأربعين وأربع مائة. قال ابن النجار: قرأ العلم، ورزق الفهم، وسمع الكثير، وسافر وكتب وحصل، وكان موصوفًا بالحفظ والمعرفة، وحسن السيرة، وكان خطه رديئًا، ثقل سمعه بآخرة. سمع: أبا عمر المليحي، ومحمد بن عبد العزيز الفارسي، وأبا معمر أحمد بن عبد الواحد البانكي، وعبد الرحمن بن منده، وأخاه أبا عمرو، وأبا القاسم بن البسري، وطبقتهم. سمع منه: القاضي يعقوب بن إبراهيم إمام الحنابلة، وهبة الله بن السقطي، وسكن أصبهان. قال السلفي: سمعت إسماعيل بن محمد الحافظ يقول: أبو الخير الهروي حافظٌ للحديث متقن. وقال أبو موسى المديني في "معجمه": حدثنا الحافظ الزاهد عبد الله بن مرزوق الهروي، وكان ثقيل الأذن، ومات في جمادى الآخرة سنة سبع وخمس مائة. أخبرنا ابن أبي الخير في كتابه عن ابن كليب، أخبرنا أبو خازم محمد بن الفراء، وطلحة بن أحمد العاقولي، وعلي بن الزاغوني إذنًا، قالوا: أخبرنا أبو الخير عبد الله بن مرزوق من لفظه سنة " (٤٧٢) "، أخبرنا علي بن محمد بن جعفر الطريثيثي بها، أخبرنا أبو الحسين الخفاف، فذكر حديثًا.

стр. 8341

٤٦١٥ - ابن فاخر (١): الشيخ الإمام، إمام النحو، أبو الكرم المبارك بن فاخر بن محمد بن يعقوب البغدادي، النحوي اللغوي، صاحب التصانيف. ولد في ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وأربع مائة. وسمع من: القاضي أبي الطيب الطبري، وأبي محمد الجوهري، وأبي الحسين محمد بن النرسي، والقاضي أبي يعلى، وجماعة، وصحب أبا القاسم عبد الواحد بن برهان، وقرأ عليه عدة كتب، وعدة دواوين، حتى برع في لسان العرب. أخذ عنه أبو محمد سبط الخياط، وأبو طاهر السلفي، وأبو المعمر الأنصاري، وأبو طالب محمد بن علي الكتاني، وجماعة. قال أبو عامر العبدري: قال لي ابن فاخر: أخذت علم العربية عن أبي برهان، وأبي القاسم الرقي، وعيسى بن عمر بن الأصفر، وأبي الحسين بن شاهويه. إلى أن قال: ولقين من أصحاب أبي سعيد السيرافي هلالًا الصابئ، ومن أصحاب أبي علي الفارسي أبا القاسم التنوخي، والجوهري. قال ابن النجار: قرأت بخط أبي الكرم بن فاخر "ثبت" أنه سمع من التنوخي أشياء كثيرة من الكتب، وتحته بخط ابن ناصر: لم يسمع قط من التنوخي شيئًا، لقد اختلق وافترى، وكتب ابن فاخر أنه سمع "جزء الغطريف" من أبي الطيب، فكتب ابن ناصر: قد زور على القاضي، وسمع في "جزء الغطريف"، ولم يسمع منه شيئًا، وذكر ابن فاخر عدة كتب قرأها على بن برهان، وكتب ابن ناصر تحته: كذب -والله- فيما سطره. قال السمعاني: سألت أبا منصور بن خيرون عن ابن فاخر، فقال: كانوا يقولون: إنه كذاب. مات هذا في ذي القعدة، سنة خمس وخمس مائة، وكان سبط الخياط أكبر تلامذته.

стр. 8342

٤٦١٦ - الحدَّاد (١): الشيخ الإمام، المقرئ المجود، المحدث المعمر، مسند العصر، أبو علي الحسن بن أحمد بن الحسن بن محمد بن علي بن مهرة الأصبهاني الحداد، شيخ أصبهان في القراءات والحديث جميعًا. ولد في شعبان سنة تسع عشرة وأربع مائة. وسمع في سنة أربع وعشرين، وبعدها سمع: أبا بكر محمد بن علي بن مصعب التاجر، وأبا نعيم الحافظ، فلعله سمع منه وقر بعير، وأبا الحسين ابن فاذشاه، ومحمد بن عبد الرزاق بن أبي الشيخ، وهارون بن محمد الكاتب، وأبا القاسم عبد الله بن محمد العطار، وأبا سعد عبد الرحمن بن أحمد الصفار، وعلي بن أحمد بن مهران الصحاف، وأحمد بن محمد بن بزده الملنجي، وأبا بكر بن ريذه، والفضل بن محمد القاشاني، وأبا أحمد محمد بن علي بن سيويه المكفوف، وأبا ذر محمد بن إبراهيم الصالحاني، وعدة. وخرج لنفسه "معجمًا" سمعناه، أو لعله بتخريج ولده الحافظ المجود عبيد الله بن الحداد. وتلا بالروايات على: عبد الله بن محمد العطار، وأبي الفضل عبد الرحمن بن أحمد الرازي الزاهد، وأحمد بن الفضل الباطرقاني، وأحمد بن بزده، وتصدر وأفاد. تلا عليه بالروايات: أبو العلاء الحسن بن أحمد الهمذاني، وجماعة. وحدث عنه: السلفي، ومعمر بن الفاخر، وأبو العلاء العطار، وأبو موسى المديني، وأبو مسعود عبد الرحيم الحاجي، وأبو الفتح عبد الله بن أحمد الخرقي، وأبو الفضل الطوسي

стр. 8343

خطيب الموصل، ومحمد بن عبد الواحد الصائغ، ويحيى بن محمود الثقفي، والفضل بن القاسم الصيدلاني، ومحمد بن حسن بن الفضل الأدمي، ومحمد بن أحمد المصلح الأديب، وعبد الرحيم بن محمد الخطيب، وأبو جعفر محمد بن إسماعيل الطرسوسي، وخليل بن بدر الراري، ومسعود بن أبي منصور الحناط، ومحمد بن أبي زيد الكراني، وأبو المكارم أحمد بن محمد اللبان، وخلق خاتمتهم بالحضور: أبو جعفر الصيدلاني، وبالإجازة: عفيفة الفارقانية، وحدث عنه بالإجازة أيضًا: أبو القاسم بن عساكر، وأبو سعد السمعاني، وأجاز لأبي طاهر الخشوعي، وما ظهرت له الإجازة في حياته. قال السمعاني: كان عالمًا ثقة صدوقًا من أهل العلم والقرآن والدين، عمر دهرًا، وحدث بالكثير، كان أبوه إذا مضى إلى حانوته لعمل الحديد يأخذ بيده الحسن، ويدفعه في مسجد أبي نعيم. قلت: وكذلك كان يسمع منه، وقبله أخوه حمد الذي روى "الحلية" ببغداد. قال ابن نقطة: سمع أبو علي بن أبي نعيم "موطأ القعنبي"، و "مسند الإمام أحمد"، و "مسند الطيالسي"، و "مسند الحارث" الموجود سماعه، و "السنن" للكجي، و "المستخرج على البخاري"، و "المستخرج على مسلم" لأبي نعيم، وكتاب "الحلية" و "المعجم الأوسط" للطبراني، ومسندات الثوري، وعوالي الأوزاعي، ومسند الشاميين، والسنن من كتب عبد الرزاق، و "جامع عبد الرزاق"، و "مغازيه"، و "غريب الحديث" لأبي عبيد، و "مقتل الحسين"، وكتاب "الشواهد"، وكتاب "القضاء الأربعة" لأبي عبيد، وكتاب "فوائد سمويه"، و "فوائد بن علي الصواف"، و "الطبقات" لابن المديني، و "تاريخ الطالبيين" للجعابي. وقال السمعاني: هو أجل شيخٍ أجاز لي، رحل الناس إليه، ورأى من العز ما لم يره أحدٌ في عصره، وكان خيرًا صالحًا ثقة وقد سمع من أبي نعيم من تواليفه: التوبة والاعتذار، شرف الصبر، ذم الرياء، كسب الحلال، حفظ اللسان، تثبيت الإمامة، رياضة الأبدان، التهجد، الإيجاز وجوامع الكلم، فضل علي، الخطب النبوية، لبس السواد، تعظيم الأولياء، السعاة، التعبير، رفع اليدين، المزاح، الهدية، حرمة المساجد، الجار، السحور، الفرائض، في الاثنين وسبعين فرقة، مدح الكرام، مسألة ثم أورثنا الكتاب، سماع الكليم، العقلاء، حديث الطير، لبس الصوف، الثقلاء، المحبين مع المحبوبين، أربعي الصوفية، قربان المتقين، الأربعين في الأحكام، حديث النزول، في أن الفلك غير مدبر، المعراج، الاستسقاء، الخسف، الصيام والقيام، قراءات النبي ﷺ ، معرفة الصحابة، علوم الحديث، تاريخ أصبهان،

стр. 8344

الأخوة، العلم، المتواضعين، القراءة وراء الإمام، التشهد، حسن الظن، المؤاخاة، وعيد الزناة، الشهداء، القدر، الخلفاء الراشدين، وأشياء عدة سوى ذلك من الأجزاء والتواليف. توفي مسند الدنيا أبو علي الحداد في السادس والعشرين من ذي الحجة، سنة خمس عشرة وخمس مائة، وقد قارب المائة، ودفن عند القاضي أبي أحمد العسال بأصبهان.

стр. 8345

٤٦١٧ - البلدي (١): الشيخ الإمام، المحدث المعمر، أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن أبي النضر البلدي، النسفي، ونسبته بالبلدي إلى بلد نسف، أي: ليس هو من أهل قرى الناحية. سمع: أباه أبا نصر البلدي، وجعفر بن محمد المستغفري الحافظ، وأحمد بن علي المايمرغي، ومحمد بن يعقوب السلامي، وأبا مسعود البجلي، والحسين بن إبراهيم القنطري وعدة. قال السمعاني: حدثنا عنه نحو من عشرين نفسًا، وكان إمامًا فاضلًا، روى لنا عنه أحمد بن عبد الجبار البلدي، وحسن بن عبد الله المقرئ، ومسعود بن عمر الدلال، وميمون بن محمد الدربي. وقال عمر بن محمد النسفي في كتاب "القند": مولده سنة ثلاث وعشرين وأربع مائة، ومات في ثالث صفر، سنة خمس وخمس مائة. ٤٦١٨ - الساجي (٢): الحافظ الإمام المجود، مفيد الجماعة، أبو نصر المؤتمن بن أحمد بن علي بن حسين بن عبيد الله الربعي الدير عاقولي، البغدادي، الساجي. قال لابن ناصر: ولدت في صفر، سنة خمس وأربعين وأربع مائة. سمعت علي بن أحمد الفقيه، أخبرنا جعفر بن علي، أخبرنا أبو طاهر السلفي، سمعت المؤتمن الساجي يقول: ما أخرجت بغداد بعد الدارقطني أحفظ من أبي بكر الخطيب.

стр. 8346

وسمعت المؤتمن يقول: كان الخطيب يقول: من صنف، فقد جعل عقله على طبقٍ يعرضه على الناس. سمع عبد العزيز بن علي الأنماطي، وأبا الحسين بن النقور، وأبا القاسم بن البسري، وعبد الله بن الحسن الخلال، وإسماعيل بن مسعدة، وأبا نصر الزينبي، وأبا عثمان بن ورقاء -لقيه بالقدس- وأبا عمرو عبد الوهاب بن منده، وأبا منصور بن شكرويه، وأبا بكر بن خلف الشيرازي، وأبا علي التستري، وشيخ الإسلام الأنصاري، والقاضي أبا عامر الأزدي، وأممًا سواهم، وأقدم شيخ له أبو بكر الخطيب، سمع منه بصور، وكتب ما لا يوصف كثرةً، ثم أقبل على شأنه، وعبد الله حتى أتاه اليقين، وقد سمع بحلب من الحسن بن مكي الشيزري. حدث عنه: ابن ناصر، وسعد الخير الأندلس، وأبو المعمر الأنصاري، ومحمد بن أبي بكر السنجي، وأبو سعد البغدادي، وأبو طاهر السلفي، ومحمد بن علي بن فولاذ، وأبو بكر السمعاني، وعدة، وقل ما روى بالنسبة. قال أبو القاسم بن عساكر: سمعت أبا الوقت يقول: كان الإمام عبد الله بن محمد الأنصاري إذا رأى المؤتمن يقول: لا يمكن أحد أن يكذب على رسول الله ﷺ ما دام هذا حيًا. وحدثني أخي أبو الحسين هبة الله، قال: سألت السلفي عن المؤتمن الساجي، فقال: حافظ متقن، لم أر أحسن قراءةً للحديث منه، تفقه على الشيخ أبي إسحاق، وكتب "الشامل" عن ابن الصباغ بخطه، ثم خرج إلى الشام، فأقام بالقدس زمانًا، وذكر لي أنه سمع من لفظ الخطيب حديثًا واحدًا بصور، غير أنه لم يكن عنده نسخة، وكتب ببغداد "كامل بن عدي" عن ابن مسعدة الإسماعيلي، وكتب بالبصرة "سنن أبي داود". انتفعت بصحبته. وقال أبو النضر الفامي: أقام المؤتمن بهراة عشر سنين، وقرأ الكثير، ونسخ الترمذي ست كراتٍ، وكان فيه صلف نفس، وقناعة، وعفة، واشتغال بما يعنيه. قال أبو بكر السمعاني: ما رأيت بالعراق من يفهم الحديث غير المؤتمن، وبأصبهان إسماعيل بن محمد. قال السلفي: كان المؤتمن لا تمل قراءته، قرأ لنا على ابن الطيوري كتاب "الفاصل" للرامهرمزي في مجلس. وللسلفي:

стр. 8347

متى رمت أن تلقين حافظًا … يكون لدى الكل بالمؤتمن عليك ببغداد شرقيها … لتلقى أبا نصرٍ المؤتمن وقال يحيى بن منده: قرأ المؤتمن على أبي كتاب "معرفة الصحابة"، و كتاب "التوحيد"، و "الأمالي"، وحديث ابن عيينة لجدي، فلما أخذ في قراءة "غرائب شعبة"، فلما بلغ إلى حديث عمر في لبس الحرير مات أبي بعد عشاء الآخرة، فهذا ما رأينا. وذكر حكاية ابن طاهر أن المؤتمن إنما تمم كتاب الصحابة على أبي عمرو بعد موته وردها، وقال لابن طاهر: يجب أن تصلح هذا، فإنه كذب. قال: وكان المؤتمن متورعًا زاهدًا، صابرًا على الفقر. قال ابن ناصر: توفي المؤتمن في صفر، سنة سبع وخمس مائة ببغداد، وصليت عليه، وكان عالمًا ثقة، فهمًا مأمونًا.

стр. 8348

٤٦١٩ - فَخْرُ الُمْلكِ (١): ابن عمار، صاحب طرابلس، كان من دهاة الرجال وأفراد الزمان شجاعةً وإقدامًا ورأيًا وحزمًا، ابتلي بلده بحصار الفرنج خمسة أعوام، وهو يقاومهم، وينكي في العدو، ويستظهر عليهم، ويراسل ملوك الأطراف، ويتحفهم بالهدايا، وهم حائرون في أنفسهم، ولم ينجده أحد، وقد راسل صاحب الروم مرات، وكان حسن التدبير في الحصار، جيد المكيدة والمخادعة، برًا وبحرًا، شتاءً وصيفًا، حتى تفانت رجاله، وكلت أبطاله، فركب في البحر، وطلع حتى قدم دمشق، وأخذت طرابلس منه سنة اثنتين وخمس مائة، فأقطعه طغتكين قرية الزبداني، وكان لشدة ما نزل به يصادر الرعية ويعسفهم، وجرت له تنقلات وأحوال، إلى أن أدبرت أيامه، ووافاه حمامه، والله يسمح له. ٤٦٢٠ - ابن أصَبغ (٢): شيخ المالكية، وعالمهم بقرطبة أبو القاسم أصبغ بن محمد بن أصبغ الأزدي القرطبي. حدث عن حاتم بن محمد، وتفقه: بأبي جعفر بن رزق، وحمل عن: أبي مروان بن سراج، وأبي علي الغساني، وأجاز له أبو عمر بن عبد البر، وكان عجبًا في المذهب لا يجارى في الشروط، أمَّ بجامع قرطبة، سمع الناس منه، وتفقهوا به. مات في صفر، سنة خمسٍ وخمس مائة، عن ستين عامًا.

стр. 8349

٤٦٢١ - سَرْفَرْتج (١): الرئيس أبو سعد محمد بن علي بن محمد بن إبراهيم المديني، التاني، الكاتب، صاحب أبي نعيم الحافظ. حدث ببغداد، وخدم بالكتابة في الشام. حدث عنه: أبو الفتح بن البطي، وأبو طاهر السلفي، وأبو موسى المديني. مات في آخر يومٍ من سنة خمس وخمس مائة. ٤٦٢٢ - المُعَيِّر: الإمام المقرئ أبو غالب أحمد بن عبيد الله بن أبي الفتح محمد بن أحمد البغدادي، المعير، ابن خال شيخ القراء ابن سوار. تلا بحرف أبي عمرو على عبد الله بن مكي السواق عن الشنبوذي. وسمع من: ابن غيلان، ومحمد بن الحسين الحراني، وأبي محمد الخلال، وأحمد بن علي التوزي، وجماعة. حدث عنه: ابن ناصر، والسلفي، وأبو معمر الأنصاري، وعبد الحق اليوسفي، وآخرون. وبالإجازة: نصر الله القزاز، وكان من الثقات الصلحاء. عاش ثمانين سنة، توفي في جمادى الأولى سنة ثمان وخمس مائة، وتلا عليه المبارك بن كامل. ٤٦٢٣ - ابن البيهقي (٢): الفقيه الإمام، شيخ القضاة، أبو علي إسماعيل بن الإمام أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي الخسروجردي الشافعي، نزيل خوارزم، ثم نزيل بلخ، فحمل عنه أهل تلك الديار. مولده سنة ثمان وعشرين وأربع مائة.

стр. 8350

وحدث عن أبيه، وأبي حفص بن مسرور، وعبد الغافر الفارسي، وأبي عثمان الصابوني، وسعيد بن أبي سعيد العيار، وطبقتهم، وكان عارفًا بالمذهب، مدرسًا، جليل القدر. روى عنه عباس بن أرسلان، وحفيده محمود في "تاريخ خوارزم"، والأديب محمد بن إبراهيم الخياط، وشيخ الصوفية محمد بن أرسلان، والحسن بن سليمان الخجندي، وآخرون. وبالإجازة: أبو سعد السمعاني، واتفق أنه رجع إلى بيهق بعد غيبة ثلاثين سنة، فأقام بها أيامًا يسيرة، وأدركه الأجل في جمادي الآخرة، سنة سبع وخمس مائة. وقد حدث عنه أبو القاسم إسماعيل بن أحمد السمرقندي، وطائفة من أهل بغداد، وقارب الثمانين، ﵀.

стр. 8351

٤٦٢٤ - رضوان (١): صاحب حلب، الملك رضوان بن السلطان تتش بن السلطان ألب أرسلان السلجوقي. تملك حلب بعد أبيه، وامتدت أيامه، وقد خطب له بدمشق عندما قتل أبوه أيامًا، ثم استقل بحلب، وأخذت منه الفرنج أنطاكية. وكان ذميم السيرة، قرب الباطنية، وعمل لهم دار دعوة بحلب، وكثروا، وقتل أخويه أبا طالب وبهرامًا، ثم هلك في سنة سبع وخمس مائة، فتملك بعده أخوه الأخرس ألب أرسلان، وله ست عشرة سنة، فقتل أخوين له أيضًا، وقتل رأس الباطنية أبا طاهر الصائغ، وجماعة من أعيانهم، وهرب آخرون، فقتل الأمراء الأخرس بعد سنة، وملكوا أخاه سلطان شاه. وكان رضوان يميل إلى المصريين، فجاء رسول الأفضل أمير الجيوش يدعوه إلى طاعتهم والخطبة لهم، والبيعة للمستعلي، ووعدوه بالنجدة والمال، فخطب في بلاده للمستعلي، ولوزيره أمير الجيوش جمعًا، ثم دامت الخطبة عامين بحلب، ثم أعيدت الدعوة العباسة في أثناء سنة اثنتين وتسعين، إذ لم ينفعه المصريون بأمرٍ، وقصدت النصارى أنطاكية، ونازلوا بيت المقدس سنة اثنتين، وقتل به سبعون ألف مسلم، ونقل ابن منقذ ظهور الفرنج في هذا

стр. 8352

الوقت من بحر قسطنطينية، وجرت لهم مع طاغية الروم حروب، وعجز عنهم، ثم قالوا: ما نفتحه من بلاد الروم، فهو لك، ومهما نفتحه من بلاد الشام، فهو لنا. وقيل: كانوا في أربع مائة ألف، ثم أخذوا بعض بلاد الملك قلج رسلان بالسيف، فجمع حينئذٍ عساكره، والتقاهم في سنة تسعين، وأشرف على النصر، ثم كسرته الفرنج، وقتل من جنده خلقٌ، وهرب واستغاث بملوك النواحي على ما دهم الإسلام، فوصلت كتبه إلى حلب مسخمة مشققة فيها بعض شعر النساء، وانزعج الخلق، ثم توجهت الفرنج إلى الشام، فقيل: اعتبروا عدتهم بأنطاكية، فكانوا أزيد من ثلاث مائة ألف نفس، فعاثوا وأخربوا البلاد، وتفرقوا، وكبسهم المسلمون، وجرت فتنٌ وحروب لا يعبر عنها، وأخذت أنطاكية بالسيف سنة إحدى وتسعين، وقتل صاحبها، وقتل أيضًا من كبار الفرنج عدد كثير، وكان الأمر إلى كندفري، ثم إلى أخيه بغدوين وبيمنت، وابن أخيه طنكل وصنجيل هؤلاء ملوكهم، ثم جاء المسلمون نجدةً لأنطاكية وقد أخذت، فحاربوا العدو أيامًا، وانتصروا، وهلك خلقٌ من العدو، وجاعوا، وجرى غير مصاف.

стр. 8353

الطبقة السابعة والعشرون: ٤٦٢٥ - الرَّواسِي (١): الشيخ الإمام، الحافظ المكثر الجوال، أبو الفتيان عمر بن عبد الكريم بن سعدويه بن مهمت الدهستاني، الرواسي. طوف في هذا الشأن خراسان والحرمين والعراق ومصر والشام والسواحل، وكان بصيرًا بهذا الشأن محققًا. سمع ببلده: المحدث أبا مسعود البجلي الرازي وصحبه، وبنيسابور: أبا حفص بن مسرور، وعبد الغافر الفارسي، وأبا عثمان الصابوني، وبحران: مبادر بن علي، وببغداد: القاضي أبا يعلى بن الفراء، وأبا جعفر بن المسلمة، وأمثالهم. حدث عنه: أبو بكر الخطيب -شيخه- وأبو حامد الغزالي، وأبو حفص عمر بن محمد الجرجاني، ومحمد بن عبد الواحد الدقاق، والفقيه نصر بن إبراهيم المقدسي -شيخه- وهبة الله بن أحمد بن الأكفاني، والحافظ إسماعيل بن محمد التيمي، ومحمد بن الحسن الجويني، وعدة، والسلفي بالإجازة، وقدم طوس في آخر عمره، فصحح عليه الغزالي "الصحيحين"، ثم سار إلى مرو باستدعاء محدثها أبي بكر السمعاني ليحملوا عنه، فأدركته المنية بسرخس. قال أبو جعفر بن أبي علي الحافظ: ما رأيت في تلك الديار أحفظ منه، لا بل في الدنيا كلها، كان كتّابًا جوالًا دار الدنيا لطلب الحديث، لقيته بمكة، ورأيت الشيوخ يثنون عليه، ويحسنون القول فيه، ثم لقيته بجرجان، وصار من إخواننا. وقال إسماعيل التيمي: هو خريج أبي مسعود البجلي، سمعته يقول: دخل أبو إسماعيل دهستان، فاشترى من أبي رأسًا ودخل يأكله، فبعثني أبي إليه، فقال لي: تعرف شيئًا? قلت: لا، فقال لأبي: سلمه إلي، فسلمني إليه، فحملني إلى نيسابور، وأفادني، وانتهى أمري إلى حيث انتهى. قال ابن نقطة: سمعت غير واحد يقولون: إن أبا الفتيان سمع من ثلاثة آلاف وست مائة شيخ. قال خزيمة بن علي المروزي: سقطت أصابع عمر الرواسي في الرحلة من البرد.

стр. 8354

وقال الدقاق في "رسالته": حدث عمر بطوس بـ "صحيح مسلم" من غير أصله، وهذا أقبح شيء عند المحدثين. قلت: قد توسعوا اليوم في هذا جدًا، وفي ذلك تفصيل. قال: وحدثني أنه ولد سنة ثمان وعشرين وأربع مائة، وأنه سمع من هبة الله بن عبد الوارث في سنة " (٤٥٦) ". قال ابن طاهر، وغيره: الرواسي نسبة إلى بيع الرؤوس. وقال ابن ماكولا: كتب عني الرواسي، وكتبت عنه، ووجدنه ذكيًا. قال السمعاني: سمعت أبا الفضل أحمد بن محمد السرخسي يقول: لما قدم عمر بن أبي الحسن علينا، أملى، فحضر عدة، فقال: أنا أكتب أسماء الجماعة على الأصل، وسألهم وأثبت، ففي المجلس الثاني أخذ القلم، وكتبهم كلهم على ظهر قلب، وما سألهم، فقيل: كانوا سبعين نفسًا. قال عبد الغافر بن إسماعيل: عمر الرواسي شيخٌ مشهور، عارف بالطرق، كتب الكثير، وجمع الأبواب وصنف، وكان سريع الكتابة، وكان على سيرة السلف، معيلا مقلا، خرج من نيسابور إلى طوس، فأنزله حامد الغزالي عنده، وأكرمه، وقرأ عليه "الصحيح"، ثم شرحه. وعن أبي الفتيان الرواسي قال: أريد أن أخرج إلى مرو وسرخس على الطريق، وقد قيل: إنها مقبرة العلماء، فلا أدري كيف يكون حالي بها؛ فمات: بها، في ربيع الآخر سنة ثلاث وخمس مائة، كما هو مؤرخ على لوح قبره، -رحمه الله تعالى- عاش خمسًا وسبعين سنة. أخبرنا أحمد بن هبة الله بن تاج الأمناء، أنبأنا محمد بن صاعد بن سعيد الطوسي، أخبرنا أبي، أخبرنا عمر بن أبي الحسن الحافظ، أخبرنا أحمد بن عبد الرحيم النيسابوري، أخبرنا أبو الحسين الخفاف، أخبرنا أبو العباس السراج، حدثنا قتيبة، حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن أنس، أن النبي ﷺ كان أخف الناس صلاةً في تمامٍ (١). وأخبرناه عاليًا محمد بن عبد السلام، وأحمد بن هبة الله، عن عبد المعز بن محمد،

стр. 8355

أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محلم بن إسماعيل، أخبرنا الخليل بن أحمد، حدثنا محمد بن إسحاق السراج … ، فذكره. هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم عن قتيبة بن سعيد، وهو دال على استحباب تخفيف الصلاة، مع إتمام فرائضها وسننها، وقد حزروا أنه ﷺ كان يمكث في السجود قدر عشر تسبيحات.

стр. 8356

٤٦٢٦ - البُرْجِي (١): الشيخ الصالح، الأمين المعمر، مسند أصبهان، أبو القاسم غانم بن محمد بن عبيد الله بن عمر بن أيوب البرجي الأصبهاني، وهو غانم بن أبي نصر، وبرج: من قرى أصبهان. مولده في ذي القعدة سنة " (٤١٧) ". وأجاز له في سنة تسع عشرة من بغداد: أبو علي بن شاذان، وأبو القاسم بن بشران، والحسين بن شجاع الموصلي من بلده، والحسين بن إبراهيم الجمال. وسمع من: أبي نعيم الحافظ ما عنده من "مسند الحارث بن أبي أسامة"، وسمع من: أبي الحسين بن فاذشاه، والفضل بن محمد القاشاني، ومحمد بن عبد الله بن شهريار، وعمر بن محمد بن الهيثم، وعدة، وسمع: "الحلية" بفوت، وسمع "مسند الطيالسي" من أبي نعيم، وجزء محمد بن عاصم. حدث عنه: السلفي، وتاج الإسلام أبو بكر السمعاني، ومحمد بن أبي بكر السنجي، وأبو سعد الصائغ، وأبو موسى المديني، والفضل بن القاسم الصيدلاني، ومسعود بن أبي منصور الجمال، وخلق. وبالإجازة: أبو سعد السمعاني، وأبو المكارم اللبان، وكان صالحًا مكثرًا، مات: في ذي القعدة سنة إحدى عشرة وخمس مائة. وقيل: مات في صفر سنة اثنتي عشرة، والأول أصح. وفيها مات خطيب قرطبة أبو القاسم خلف بن إبراهيم بن النخاس، وأبو طاهر اليوسفي راوي "سنن الدارقطني"، والمحدث عبد الرحمن بن أحمد بن صابر الدمشقي، وأبو جعفر محمد بن الحسن بن باكير الكاتب، والمعمر أبو علي بن نبهان الكاتب، والسلطان محمد بن ملكشاه، والحافظ أبو زكريا يحيى بن أبي عمرو بن منده.

стр. 8357

٤٦٢٧ - الغَزَّالي (١): الشيخ الإمام البحر، حجة الإسلام، أعجوبة الزمان، زين الدين أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي، الشافعي، الغزالي، صاحب التصانيف، والذكاء المفرط. تفقه ببلده أولًا، ثم تحول إلى نيسابور في مرافقة جماعة من الطلبة، فلازم إمام الحرمين، فبرع في الفقه في مدة قريبة، ومهر في الكلام والجدل، حتى صار عين المناظرين، وأعاد للطلبة، وشرع في التصنيف، فما أعجب ذلك شيخه أبا المعالي، ولكنه مظهرٌ للتبجح به، ثم سار أبو حامد إلى المخيم السلطاني، فأقبل عليه نظام الملك الوزير، وسر بوجوده، وناظر الكبار بحضرته، فانبهر له، وشاع أمره، فولاه النظام تدريس نظامية بغداد، فقدمها بعد الثمانين وأربع مائة، وسنه نحو الثلاثين، وأخذ في تأليف الأصول والفقه والكلام والحكمة، وأدخله سيلان ذهنه في مضايق الكلام، ومزال الأقدام، ولله سر في خلقه. وعظم جاه الرجل، وازدادت حشمته بحيث إنه في دست أمير، وفي رتبة رئيس كبير، فأداه نظره في العلوم وممارسته لأفانين الزهديات إلى رفض الرئاسة، والإنابة إلى دار الخلود، والتأله، والإخلاص، وإصلاح النفس، فحج من وقته، وزار بيت المقدس، وصحب الفقيه نصر بن إبراهيم بدمشق، وأقام مدة، وألف كتاب "الإحياء"، وكتاب "الأربعين"، وكتاب "القسطاس"، وكتاب "محك النظر". وراض نفسه وجاهدها، وطرد شيطان الرعونة، ولبس زي الأتقياء، ثم بعد سنواتٍ سار إلى وطنه، لازمًا لسننه، حافظًا لوقته، مكبًا على العلم. ولما وزر فخر الملك، حضر أبا حامد، والتمس منه أن لا يبقي أنفاسه عقيمة، وألح على الشيخ، إلى أن لان إلى القدوم إلى نيسابور، فدرس بنظاميتها. فذكر هذا وأضعافه عبد الغافر في "السياق" إلى أن قال: ولقد زرته مرارًا، وما كنت

стр. 8358

أحدس في نفسي مع ما عهدته عليه من الزعارة والنظر إلى الناس بعين الاستخفاف كبرًا وخيلاءً، واعتزازًا بما رزق من البسطة، والنطق، والذهن، وطلب العلو؛ أنه صار إلى الضد، وتصفى عن تلك الكدورات، وكنت أظنه متلفعًا بجلباب التكلف، متنمسًا بما صار إليه، فتحققت بعد السبر والتنقير أن الأمر على خلاف المظنون، وأن الرجل أفاق بعد الجنون، وحكى لنا في ليالٍ كيفية أحواله من ابتداء ما أظهر له طريق التأله، وغلبة الحال عليه بعد تبحره في العلوم، واستطالته على الكل بكلامه، والاستعداد الذي خصه الله به في تحصيل أنواع العلوم، وتمكنه من البحث والنظر، حتى تبرم بالاشتغال بالعلوم العرية عن المعاملة، وتفكر في العاقبة، وما يبقى في الآخرة، فابتدأ بصحبة الشيخ أبي علي الفارمذي، فأخذ منه استفتاح الطريقة، وامتثل ما كان يأمره به من العبادات والنوافل والأذكار والاجتهاد طلبًا للنجاة، إلى أن جاز تلك العقاب، وتكلف تلك المشاق، وما حصل على ما كان يرومه. ثم حكى أنه راجع العلوم، وخاض في الفنون الدقيقة، والتقى بأربابها حتى تفتحت له أبوابها، وبقي مدةً في الوقائع وتكافؤ الأدلة، وفتح عليه بابٌ من الخوف بحيث شغله عن كل شيء، وحمله على الإعراض عما سواه، حتى سهل ذلك عليه، إلى أن ارتاض، وظهرت له الحقائق، وصار ما كنا نظن به ناموسًا وتخلقًا، طبعًا وتحققًا، وأن ذلك أثر السعادة المقدرة له. ثم سألناه عن كيفية رغبته في الخروج من بيته، والرجوع إلى ما دعي إليه، فقال معتذرًا: ما كنت أجوز في ديني أن أقف عن الدعوة، ومنفعة الطالبين، وقد خف علي أن أبوح بالحق، وأنطق به، وأدعو إليه، وكان صادقًا في ذلك، فلما خف أمر الوزير، وعلم أن وقوفه على ما كان فيه ظهور وحشةٍ وخيال طلب جاهٍ، ترك ذلك قبل أن يترك، وعاد إلى بيته، واتخذ في جواره مدرسةً للطلبة، وخانقاه للصوفية، ووزع أوقاته على وظائف الحاضرين من ختم القرآن، ومجالسة ذوي القلوب، والقعود للتدريس، حتى توفي بعد مقاساةٍ لأنواع من القصد، والمناوأة من الخصوم، والسعي فيه إلى الملوك، وحفظ الله له عن نوش أيدي النكبات. إلى أن قال: وكانت خاتمة أمره إقباله على طلب الحديث، ومجالسة أهله، ومطالعة "الصحيحين"، ولو عاش، لسبق الكل في ذلك الفن بيسير من الأيام. قال: ولم يتفق له أن يروي، ولم يعقب إلَّا البنات، وكان له من الأسباب إرثًا وكسبًا ما يقوم بكفايته، وقد عرضت عليه أموالٌ، فما قبلها. قال: ومما كان يعترض به عليه وقوع خللٍ من جهة النحو في أثناء كلامه، وروجع فيه،

стр. 8359

فأنصف، واعترف أنه ما مارسه، واكتفى بما كان يحتاج إليه في كلامه، مع أنه كان يؤلف الخطب، ويشرح الكتب بالعبارة التي يعجز الأدباء والفصحاء عن أمثالها. ومما نقم عليه ما ذكر من الألفاظ المستبشعة بالفارسية في كتاب "كيمياء السعادة والعلوم" وشرح بعض الصور والمسائل بحيث لا توافق مراسم الشرع وظواهر ما عليه قواعد الملة، وكان الأولى به -والحق أحق ما يقال- ترك ذلك التصنيف، والإعراض عن الشرح له، فإن العوام ربما لا يحكمون أصول القواعد بالبراهين والحجج، فإذا سمعوا شيئًا من ذلك، تخيلوا منه ما هو المضر بعقائدهم، وينسبون ذلك إلى بيان مذهب الأوائل، على أن المنصف اللبيب إذا رجع إلى نفسه، علم أن أكثر ما ذكره مما رمز إليه إشارات الشرع، وإن لم يبح به، ويوجد أمثاله في كلام مشايخ الطريقة مرموزة، ومصرحا بها متفرقة، وليس لفظ منه إلَّا وكما تشعر سائر وجوهه بما يوافق عقائد أهل الملة، فلا يجب حمله إذًا إلَّا على ما يوافق، ولا ينبغي التعلق به في الرد عليه إذا أمكن، وكان الأولى به أن يترك الإفصاح بذلك، وقد سمعت أنه سمع "سنن أبي داود" من القاضي أبي الفتح الحاكمي الطوسي، وسمع من محمد بن أحمد الخواري والد عبد الجبار كتاب "المولد" لابن أبي عاصم بسماعه من أبي بكر بن الحارث عن أبي الشيخ عنه. قلت: ما نقمه عبد الغافر على أبي حامد في الكيمياء، فله أمثاله في غضون تواليفه، حتى قال أبو بكر بن العربي: شيخنا أبو حامد بلع الفلاسفة، وأراد أن يتقيأهم، فما استطاع. ومن "معجم أبي علي الصدفي"، تأليف القاضي عياض له، قال: والشيخ أبو حامد ذو الأنباء الشنيعة، والتصانيف العظيمة، غلا في طريقة التصوف، وتجرد لنصر مذهبهم، وصار داعيةً في ذلك، وألف فيه تواليفه المشهورة، أخذ عليه فيها مواضع، وساءت به ظنون أمة، والله أعلم بسره، ونفذ أمر السلطان عندنا بالمغرب وفتوى الفقهاء بإحراقها والبعد عنها، فامتثل ذلك. مولده: سنة خمسين وأربع مائة. قلت: ما زال العلماء يختلفون، ويتكلم العالم في العالم باجتهاده، وكلٌّ منهم معذور مأجور، ومن عاند أو خرق الإجماع، فهو مأزور، وإلى الله ترجع الأمور. ولأبي المظفر يوسف سبط ابن الجوزي في كتاب "رياض الأفهام" في مناقب أهل البيت قال: ذكر أبو حامد في كتابه "سر العالمين وكشف ما في الدارين" فقال في حديث: "من كنت مولاه، فعليٌّ مولاه" (١) أن عمر قال لعلي: بخٍ بخٍ، أصبحت مولى كل مؤمنٍ ومؤمنة. قال

стр. 8360

أبو حامد: وهذا تسليم ورضا، ثم بعد هذا غلب عليه الهوى حبًا للرياسة، وعقد البنود، وأمر الخلافة ونهيها، فحملهم على الخلاف، فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنًا قليلًا، فبئس ما يشترون، وسرد كثيرًا من هذا الكلام الفسل الذي تزعمه الإمامية، وما أدرى ما عذره في هذا؟ والظاهر أنه رجع عنه، وتبع الحق، فإن الرجل من بحور العلم، والله أعلم. هذا إن لم يكن هذا وضع هذا وما ذاك ببعيد، ففي هذا التأليف بلايا لا تتطبب، وقال في أوله: إنه قرأه عليه محمد بن تومرت المغربي سرًا بالنظامية، قال: وتوسمت فيه الملك. قلت: قد ألف الرجل في ذم الفلاسفة كتاب "التهافت"، وكشف عوارهم، ووافقهم في مواضع ظنا منه أن ذلك حق، أو موافق للملة، ولم يكن له علم بالآثار ولا خبرة بالسنن النبوية القاضية على العقل، وحبب إليه إدمان النظر في كتاب "رسائل إخوان الصفا" وهو داء عضال، وجرب مرد، وسم قتال، ولولا أن أبا حامد من كبار الأذكياء، وخيار المخلصين، لتلف. فالحذار الحذار من هذه الكتب، واهربوا بدينكم من شبه الأوائل، وإلا وقعتم في الحيرة، فمن رام النجاة والفوز، فيلزم العبودية، وليدمن الاستغاثة بالله، وليبتهل إلى مولاه في الثبات على الإسلام وأن يتوفى على إيمان الصحابة، وسادة التابعين، والله الموفق، فيحسن قصد العالم يغفر له وينجو، إن شاء الله. وقال أبو عمرو بن الصلاح: فصل لبيان أشياء مهمة أنكرت على أبي حامد: ففي تواليفه أشياء لم يرتضاها أهل مذهبه من الشذوذ: منها قوله في المنطق: هو مقدمة العلوم كلها، ومن لا يحيط به، فلا ثقة له بمعلوم أصلًا. قال: فهذا مردود، إذ كل صحيح الذهن منطقي بالطبع، وكم من إمام ما رع بالمنطق رأسًا. فأما كتاب "المضنون به على غير أهله" فمعاذ الله أن يكون له، شاهدت على نسخة به بخط القاضي كمال الدين محمد بن عبد الله الشهرزورى أنه موضوع على الغزالي، وأنه مخترع من كتاب "مقاصد الفلاسفة"، وقد نقضه الرجل بكتاب "التهافت". وقال أحمد بن صالح الجيلي في "تاريخه" أبو حامد لقب بالغزالي، برع في الفقه،

стр. 8361

وكان له ذكاءٌ وفطنة وتصرف، وقدرة على إنشاء الكلام، وتأليف المعاني، ودخل في علوم الأوائل. إلى أن قال: وغلب عليه استعمال عباراتهم في كتبه، واستدعي لتدريس النظامية ببغداد في سنة أربع وثمانين، وبقي إلى أن غلبت عليه الخلوة، وترك التدريس، ولبس الثياب الخشنة، وتقلل في مطعومه. إلى أن قال: وجاور بالقدس، وشرع في "الإحياء" هناك -أعني: بدمشق- وحج وزار، ورجع إلى بغداد، وسمع منه كتابه "الإحياء"، وغيره، فقد حدث بها إذا، ثم سرد تصانيفه. وقد رأيت كتاب "الكشف والإنباء عن كتاب الإحياء" للمازري، أوله: الحمد لله الذي أنار الحق وأداله، وأبار الباطل وأزاله، ثم أورد المازري أشياء مما نقده على أبي حامد، يقول: ولقد أعجب من قوم مالكيةٍ يرون مالكًا الإمام يهرب من التحديد، ويجانب أن يرسم رسمًا، وإن كان فيه أثرٌ ما، أو قياسٌ ما، تورعا وتحفظا من الفتوى فيما يحمل الناس عليه، ثم يستحسنون من رجل فتاوى مبناها على ما لا حقيقة له، وفيه كثير من الآثار عن النبي ﷺ لفق فيه الثابت بغير الثابت، وكذا ما أورد عن السلف لا يمكن ثبوته كله، وأورد من نزغات الأولياء ونفثات الأصفياء ما يجل موقعه، لكن مزج فيه النافع بالضار، كإطلاقات يحكيها عن بعضهم لا يجوز إطلاقها لشناعتها، وإن أخذت معانيها على ظواهرها، كانت كالرموز إلى قدح الملحدين، ولا تنصرف معانيها إلى الحق إلَّا بتعسف على اللفظ مما لا يتكلف العلماء مثله إلَّا في كلام صاحب الشرع الذي اضطرت المعجزات الدالة على صدقه المانعة من جهله وكذبه إلى طلب التأويل، كقوله: "إن القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن" (١)، و "إن السماوات على إصبع" (٢)، وكقوله: "لأحرقت سبحات وجهه" (٣)، وكقوله: "يضحك الله" (٤)، إلى غير ذلك من الأحاديث الوارد ظاهرها بما أحاله العقل.

стр. 8362

إلى أن قال: فإذا كانت العصمة غير مقطوع بها في حق الولي، فلا وجه لإضافة ما لا يجوز إطلاقه إليه، إلَّا أن يثبت، وتدعو ضرورة إلى نقله، فيتأول. إلى أن قال: ألا ترى لو أن مصنفا أخذ يحكي، عن بعض الحشوية مذهبه في قدم الصوت والحرف، وقدم الورق، لما حسن به أن يقول: قال بعض المحققين: إن القارئ إذا قرأ كتاب الله، عاد القارئ في نفسه قديمًا بعد أن كان محدثًا، أو قال بعض الحذاق: إن الله محل للحوادث، إذا أخذ في حكاية مذهب الكرامية. وقال قاضي الجماعة أبو عبد الله محمد بن حمدين القرطبي: إن بعض من يعظ ممن كان ينتحل رسم الفقه، ثم تبرأ منه شغفًا بالشرعة الغزالية، والنحلة الصوفية، أنشأ كراسةً تشتمل على معنى التعصب لكتاب أبي حامد إمام بدعتهم، فأين هو من شنع مناكيره، ومضاليل أساطيره المباينة للدين?! وزعم أن هذا من علم المعاملة المفضي إلى علم المكاشفة الواقع بهم على سر الربوبية الذي لا يسفر عن قناعه، ولا يفوز باطلاعه إلَّا من تمطى إليه ثبج ضلالته التي رفع لهم أعلامها، وشرع أحكامها. قال أبو حامد: وأدنى النصيب من هذا العلم التصديق به، وأقل عقوبته أن لا يرزق المنكر منه شيئًا، فاعرض قوله على قوله، ولا يشتغل بقراءة قرآن، ولا بكتب حديث، لأن ذلك يقطعه عن الوصول إلى إدخال رأسه في كم جبته، والتدثر بكسائه، فيسمع نداء الحق، فهو يقول: ذروا ما كان السلف عليه، وبادروا ما آمركم به، ثم إن هذا القاضي أقذع، وسب، وكفر، وأسرف، نعوذ بالله من الهوى. وقال أبو حامد: وصدور الأحرار قبور الأسرار، ومن أفشى سر الربوبية، كفر، ورأى قتل مثل الحلاج خيرًا من إحياء عشرة لإطلاقه ألفاظًا، ونقل عن بعضهم قال: للربوبية سر لو ظهر، لبطلت النبوة، وللنبوة سرٌّ لو كشف، لبطل العلم، وللعلم سرٌّ لو كشف، لبطلت الأحكام. قلت: سر العلم قد كشف لصوفة أشقياء، فحلوا النظام، وبطل لديهم الحلال والحرام. قال ابن حمدين: ثم قال الغزالي: والقائل بهذا، إن لم يرد إبطال النبوة في حق الضعفاء، فما قال ليس بحق، فإن الصحيح لا يتناقض، وإن الكامل من لا يطفئ نور معرفته نور ورعه. وقال الغزالي في العارف: فتتجلى له أنوار الحق، وتنكشف له العلوم المرموزة المحجوبة عن الخلق، فيعرف معنى النبوة، وجميع ما وردت به ألفاظ الشريعة التي نحن منها على ظاهر لا على حقيقة.

стр. 8363

وقال عن بعضهم: إذا رأيته في البداية، قلت: صديقًا، وإذا رأيته في النهاية، قلت: زنديقًا، ثم فسره الغزالي، فقال: إذ اسم الزنديق لا يلصق إلَّا بمعطل الفرائض لا بمعطل النوافل. وقال: وذهبت الصوفية إلى العلوم الإلهامية دون التعليمية، فيجلس فارغ القلب، مجموع الهم يقول: الله الله الله، على الدوام، فليفرغ قلبه، ولا يشتغل بتلاوة ولا كتب حديث. قال: فإذا بلغ هذا الحد، التزم الخلوة في بيت مظلمٍ، وتدثر بكسائه، فحينئذ يسمع نداء الحق: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّل﴾. قلت: سيد الخلق إنما سمع ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ من جبريل عن الله، وهذا الأحمق لم يسمع نداء الحق أبدًا، بل سمع شيطانًا، أو سمع شئًا لا حقيقةً من طيش دماغه، والتوفيق في الاعتصام بالسنة والإجماع. قال أبو بكر الطرطوشي: شحن أبو حامد "الإحياء" بالكذب على رسول الله ﷺ ، فلا أعلم كتابًا على بسيط الأرض أكثر كذبًا منه، ثم شبكه بمذاهب الفلاسفة، ومعاني رسائل إخوان الصفا، وهم قوم يرون النبوة مكتسبة، وزعموا أن المعجزات حيل ومخاريق. قال ابن عساكر: حج أبو حامد وأقام بالشام نحوًا من عشر سنين، وصنف، وأخذ نفسه بالمجاهدة، وكان مقامه بدمشق في المنارة الغربية من الجامع، سمع "صحيح البخاري" من أبي سهل الحفصي، وقدم دمشق في سنة تسع وثمانين. وقال ابن خلكان: بعثه النظام على مدرسته ببغداد في سنة أربع وثمانين، وتركها في سنة ثمان وثمانين، وتزهد، وحج، وأقام بدمشق مدةً بالزاوية الغربية، ثم انتقل إلى بيت المقدس وتعبد، ثم قصد مصر، وأقام مدةً بالإسكندرية، فقيل: عزم على المضي إلى يوسف بن تاشفين سلطان مراكش، فبلغه نعيه، ثم عاد إلى طوس، وصنف: "البسيط" و "الوسيط" و "الوجيز" و "الخلاصة" و "الإحياء"، وألف: "المستصفى" في أصول الفقه، و "المنخول" و "اللباب" و "المنتحل في الجدل" و "تهافت الفلاسفة" و "محك النظر" و "معيار العلم" و "شرح الأسماء الحسنى" و "مشكاة الأنوار" و "المنقذ من الضلال" و "حقيقة القولين" وأشياء. قال ابن النجار: أبو حامد إمام الفقهاء على الإطلاق، ورباني الأمة بالاتفاق، ومجتهد زمانه، وعين أوانه، برع في المذهب والأصول والخلاف والجدل والمنطق، وقرأ الحكمة والفلسفة، وفهم كلامهم، وتصدى للرد عليهم، وكان شديد الذكاء، قوي الإدراك، ذا فطنة ثاقبة، وغوص على المعاني، حتى قيل: إنه ألف "المنخول"، فرآه أبو المعالي، فقال: دفنتني وأنا حيٌّ، فهلا صبرت الآن، كتابك غطى على كتابي.

стр. 8364

ثم روى ابن النجار بسنده: أن والد أبي حامد كان يغزل الصوف ويبيعه في دكانه بطوس، فأوصى بولديه محمد وأحمد إلى صديقٍ له صوفي صالح، فعلمهما الخط، وفني ما خلف لهما أبوهما، وتعذر عليهما القوت، فقال: أرى لكما أن تلجآ إلى المدرسة كأنكما طالبان للفقه عسى يحصل لكما قوتٌ، ففعلا ذلك. قال أبو العباس أحمد الخطيبي: كنت في حلقة الغزالي، فقال: مات أبي، وخلف لي ولأخي مقدارًا يسيرًا ففني بحيث تعذر علينا القوت، فصرنا إلى مدرسة نطلب الفقه، ليس المراد سوى تحصيل القوت، فكان تعلمنا لذلك، لا لله، فأبى أن يكون إلَّا لله. قال أسعد الميني: سمعت أبا حامد يقول: هاجرتا إلى أبي نصر الإسماعيلي بجرجان، فأقمت إلى أن أخذت عنه "التعليقة". قال عبد الله بن علي الأشيري: سمعت عبد المؤمن بن علي القيسي، سمعت أبا عبد الله بن تومرت يقول: أبو حامد الغزالي قرع الباب وفتح لنا. قال ابن النجار: بلغني أن إمام الحرمين قال: الغزالي بحر مغرقٌ، وإلكيا أسد مطرق، والخوافي نار تحرق. قال أبو محمد العثماني، وغيره: سمعنا محمد بن يحيى العبدري المؤدب يقول: رأيت بالإسكندرية سنة خمس مائة كأن الشمس طلعت من مغربها، فعبره لي عابر ببدعة تحدث فيهم، فبعد أيام وصل الخبر بإحراق كتب الغزالي من المرية. وفي التوكل من "الإحياء" ما نصه: وكل ما قسم الله بين عباده من رزقٍ وأجلٍ، وإيمانٍ وكفر، فكله عدلٌ محض، ليس في الإمكان أصلًا أحسن ولا أتم منه، ولو كان وادخره تعالى مع القدرة ولم يفعله، لكان بخلًا وظلمًا. قال أبو بكر بن العربي في "شرح الأسماء الحسنى": قال شيخنا أبو حامد قولًا عظيمًا انتقده عليه العلماء، فقال: وليس في قدرة الله أبدع من هذا العالم في الإتقان والحكمة، ولو كان في القدرة أبدع أو أحكم منه ولم يفعله، لكان ذلك منه قضاءً للجود، وذلك محال. ثم قال: والجواب أنه باعد في اعتقاد عموم القدرة ونفي النهاية عن تقدير المقدورات المتعلقة بها، ولكن في تفاصيل هذا العالم المخلوق، لا في سواه، وهذا رأي فلسفي قصدت به الفلاسفة قلب الحقائق، ونسبت الإتقان إلى الحياة مثلًا، والوجود إلى السمع والبصر، حتى لا يبقى في القلوب سبيلٌ إلى الصواب، وأجمعت الأمة على خلاف هذا الاعتقاد، وقالت عن بكرة أبيها: إن المقدورات لا نهاية لها لكل مقدر الوجود، لا لكل حاصل الوجود، إذ القدرة

стр. 8365

صالحة، ثم قال: وهذه وهلةٌ لا لعًا لها، ومزلة لا تماسك فيها، ونحن وإن كنا نقطةً من بحره، فإنا لا نرد عليه إلَّا بقوله. قلت: كذا فليكن الرد بأدبٍ وسكينة. ومما أخذ عليه، قال: إن للقدر سرًا نهينا عن إفشائه، فأي سرٍّ للقدر? فإن كان مدركًا بالنظر، وصل إليه ولا بد، وإن كان مدركًا بالخبر، فما ثبت فيه شيء، وإن كان يدرك بالحال والعرفان، فهذه دعوى محضة، فلعله عنى بإفشائه أن نعمق في القدر، ونبحث فيه. أخبرنا محمد بن عبد الكريم، أخبرنا أبو الحسن السخاوي، أخبرنا حطلبا بن قمرية الصوفي، أخبرنا سعد بن أحمد الإسفراييني بقراءتي، أخبرنا أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الطوسي قال: اعلم أن الدين شطران: أحدهما ترك المناهي، والآخر فعل الطاعات، وترك المناهي هو الأشد، والطاعات يقدر عليها كل أحد، وترك الشهوات لا يقدر عليها إلَّا الصديقون، ولذلك قال ﷺ : "المهاجر من هجر السوء، والمجاهد من جاهد هواه" (١). وقال أبو عامر العبدري: سمعت أبا نصر أحمد بن محمد بن عبد القادر الطوسي يحلف بالله أنه أبصر في نومه كأنه ينظر في كتب الغزالي ﵀ فإذا هي كلها تصاوير. قلت: الغزالي إمام كبير، وما من شرط العالم أنه لا يخطئ. وقال محمد بن الوليد الطرطوشي في رسالة له إلى ابن مظفر: فأما ما ذكرت من أبي حامد، فقد رأيته، وكلمته، فرأيته جليلًا من أهل العلم، واجتمع فيه العقل والفهم، ومارس العلوم طول عمره، وكان على ذلك معظم زمانه، ثم بدا له عن طريق العلماء، ودخل في غمار العمال، ثم تصوف، وهجر العلوم وأهلها، ودخل في علوم الخواطر، وأرباب القلوب، ووساوس الشيطان، ثم شابها بآراء الفلاسفة، ورموز الحلاج، وجعل يطعن على الفقهاء والمتكلمين، ولقد كاد أن ينسلخ من الدين، فلما عمل "الإحياء"، عمد يتكلم في

стр. 8366

علوم الأحوال، ومرامز الصوفية، وكان غير أنيسٍ بها، ولا خبير بمعرفتها، فسقط على أم رأسه، وشحن كتابه بالموضوعات. قلت: أما "الإحياء" ففيه من الأحاديث الباطلة جملة، وفيه خير كثر لولا ما فيه من آداب ورسوم وزهد من طرائق الحكماء ومنحرفي الصوفية، نسأل الله علمًا نافعًا، تدري ما العلم النافع? هو ما نزل به القرآن، وفسره الرسول ﷺ قولًا وفعلًا، ولم يأت نهي عنه، قال ﵇: "من رغب عن سنتي، فليس مني" (١)، فعليك يا أخي بتدبر كتاب الله، وبإدمان النظر في "الصحيحين"، و "سنن النسائي"، و "رياض النواوي" وأذكاره، تفلح وتنجح، وإياك وآراء عباد الفلاسفة، ووظائف أهل الرياضات، وجوع الرهبان، وخطاب طيش رؤوس أصحاب الخلوات، فكل الخير في متابعة الحنيفية السمحة، فواغوثاه بالله، اللهم اهدنا إلى صراطك المستقيم. نعم، وللإمام محمد بن علي المازري الصقلي كلامٌ على "الإحياء" يدل على إمامته، يقول: وقد تكررت مكاتبتكم في استعلام مذهبنا في الكتاب المترجم بـ"إحياء علوم الدين"، وذكرتم أن آراء الناس فيه قد اختلفت، فطائفةٌ انتصرت وتعصبت لإشهاره، وطائفة حذرت منه ونفرت، وطائفة لكتبه أحرقت، وكاتبني أهل المشرق أيضًا يسألوني، ولم يتقدم لي قراءة هذا الكتاب سوى نبذ منه، فإن نفس الله في العمر، مددت فيه الأنفاس، وأزلت عن القلوب الالتباس: اعلموا أن هذا رأيت تلامذته، فكل منهم حكى لي نوعًا من حاله ما قام مقام العيان، فأنا أقتصر على ذكر حاله، وحال كتابه، وذكر جمل من مذاهب الموحدين والمتصوفة، وأصحاب الإشارات، والفلاسفة، فإن كتابه مترددٌ بين هذه الطرائق. ثم إن المازري أثنى على أبي حامد في الفقه، وقال: هو بالفقه أعرف منه بأصوله، وأما علم الكلام الذي هو أصل الدين، فإنه صنف فيه، وليس بالمتبحر فيها، ولقد فطنت لعدم استبحاره فيها، وذلك أنه قرأ علوم الفلسفة قبل استبحاره في فن الأصول، فأكسبته الفلسفة جرأةً على المعاني، وتسهلًا للهجوم على الحقائق، لأن الفلاسفة تمر مع خواطرها، لا يزعها شرع، وعرفني صاحب له أنه كان له عكوف على "رسائل إخوان الصفا"، وهي إحدى وخمسون رسالةً، ألفها من قد خاض في علم الشرع والنقل، وفي الحكمة، فمزج بين العلمين، وقد كان رجل يعرف بابن سينا ملأ الدنيا تصانيف، أدته قوته في الفلسفة إلى أن

стр. 8367

حاول رد أصول العقائد إلى علم الفلسفة، وتلطف جهده، حتى تم له ما لم يتم لغيره، وقد رأيت جملًا من دواوينه، ووجدت أبا حامد يعول عليه في أكثر ما يشير إليه من علوم الفلسفة. وأما مذاهب الصوفية، فلا أدري على من عول فيها، لكني رأيت فيما علق بعض أصحابه أنه ذكر كتب ابن سينا وما فيها، وذكر بعد ذلك كتب أبي حيان التوحيدي، وعندي أنه عليه عول في مذهب التصوف، وأخبرت أن أبا حيان ألف ديوانًا عظيمًا في هذا الفن، وفي "الإحياء" من الواهيات كثير. قال: وعادة المتورعين أن لا يقولوا: قال مالك، وقال الشافعي، فيما لم يثبت عندهم. ثم قال: ويستحسن أشياء مبناها على ما لا حقيقة له، كقص الأظافر أن يبدأ بالسبابة، لأن لها الفضل على باقي الأصابع، لأنها المسبحة، ثم قص ما يليها من الوسطى، لأنها ناحية اليمين، ويختم بإبهام اليمنى، وروى في ذلك أثرًا. قلت: هو أثر موضوع. ثم قال: وقال: من مات بعد بلوغه ولم يعلم أن البارئ قديم، مات مسلمًا إجماعًا. قال: فمن تساهل في حكاية الإجماع في مثل هذا الذي الأقرب أن يكون الإجماع في خلافه، فحقيق أن لا يوثق بما روى، ورأيت له في الجزء الأول يقول: إن في علومه ما لا يسوغ أن يودع في كتاب، فليت شعري أحقٌّ هو أو باطل?! فإن كان باطلًا، فصدق، وإن كان حقًا، وهو مراده بلا شك، فلم لا يودع في الكتب، ألغموضه ودقته?! فإن كان هو فهمه، فما المانع أن يفهمه غيره?! قال أبو الفرج ابن الجوزي: صنف أبو حامد "الإحياء"، وملأه بالأحاديث الباطلة، ولم يعلم بطلانها، وتكلم على الكشف، وخرج عن قانون الفقه، وقال: إن المراد بالكوكب والقمر والشمس اللواتي رآهن إبراهيم، أنوار هي حجب الله ، ولم يرد هذه المعروفات، وهذا من جنس كلام الباطنية، وقد رد ابن الجوزي على أبي حامد في كتاب "الإحياء"، وبين خطأه في مجلدات، سماه كتاب "الأحياء". ولأبي الحسن ابن سكر رد على الغزالي في مجلد سماه: "إحياء ميت الأحياء في الرد على كتاب الإحياء". قلت: ما زال الأئمة يخالف بعضهم بعضًا، ويرد هذا على هذا، ولسنا ممن يذم العالم بالهوى والجهل.

стр. 8368

نعم، وللإمام كتاب "كيمياء السعادة"، وكتاب "المعتقد"، وكتاب "إلجام العوام"، وكتاب "الرد على الباطنية"، وكتاب "معتقد الأوائل"، وكتاب "جواهر القرآن"، وكتاب "الغاية القصوى"، وكتاب "فضائح الإباحية"، و "مسألة عوز الدور"، وغير ذلك. قال عبد الغافر الفارسي: توفي يوم الاثنين رابع عشر جمادى الآخرة سنة خمس وخمس مائة، وله خمس وخمسون سنة، ودفن بمقبرة الطابران قصبة بلاد طوس، وقولهم: الغزالي، والعطاري، والخبازي، نسبة إلى الصنائع بلسان العجم، بجمع ياء النسبة والصيغة. وللغزالي أخ واعظٌ مشهور، وهو أبو الفتوح أحمد، له قبول عظيم في الوعظ، يزن برقة الدين وبالإباحة، بقي إلى حدود العشرين وخمس مائة، وقد ناب عن أخيه في تدريس النظامية ببغداد لما حج مديدة. قرأت بخط النواوي ﵀: قال الشيخ تقي الدين بن الصلاح: وقد سئل: لم سمي الغزالي بذلك، فقال: حدثني من أثق به، عن أبي الحرم الماكسي الأديب، حدثنا أبو الثناء محمود الفرضي، قال: حدثنا تاج الإسلام ابن خميس، قال لي الغزالي: الناس يقولون لي: الغزالي، ولست الغزالي، وإنما أنا الغزالي منسوب إلى قرية يقال لها: غزالة، أو كما قال. وفي أواخر "المنخول" للغزالي كلام فج في إمام لا أرى نقله هنا. ومن عقيدة أبي حامد -رحمه الله تعالى- أولها: الحمد لله الذي تعرف إلى عباده بكتابه المنزل على لسان نبيه المرسل، بأنه في ذاته واحد لا شريك له، فرد لا مثل له، صمدٌ لا ضد له، لم يزل ولا يزال منعوتًا بنعوت الجلال، ولا تحيط به الجهات، ولا تكنفه السماوات، وأنه مستو على العرش على الوجه الذي قاله، وبالمعنى الذي أراده، منزهًا عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال، وهو فوق كل شيء إلى التخوم، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد، لا يماثل قربه قرب الأجسام، كان قبل خلق المكان والزمان، وهو الآن على ما كان عليه، وأنه بائنٌ بصفاته من خلقه، ما في ذاته سواه، ولا في سواه ذاته، مقدس عن التغير والانتقال، لا تحله الحوادث، وأنه مرئي الذات بالأبصار في دار القرار، إتمامًا للنعم بالنظر إلى وجهه الكريم. إلى أن قال: ويدرك حركة الذر في الهواء، لا يخرج عن مشيئته لفتة ناظر، ولا فلتة خاطر، وأن القرآن مقروء بالألسنة، محفوظ في القلوب، مكتوبٌ في المصاحف، وأنه مع ذلك قائمٌ بذات الله، لا يقبل الانفصال بالانتقال إلى القلوب والصحف، وأن موسى سمع

стр. 8369

كلام الله بغير صوت ولا حرف، كما ترى ذاته من غير شكل ولا لون، وأنه يفرق بالموت بين الأرواح والأجسام، ثم يعيدها إليها عند الحشر، فيبعث من في القبور. ميزان الأعمال معيار يعبر عنه بالميزان، وإن كان لا يساوي ميزان الأعمال ميزان الجسم الثقيل، كميزان الشمس، وكالمسطرة التي هي ميزان السطور، وكالعروض ميزان الشعر. قلت: بل ميزان الأعمال له كفتان، كما جاء في "الصحيح" (١) وهذا المعتقد غالبه صحيح، وفيه ما لم أفهمه، وبعضه فيه نزاع بين أهل المذاهب، ويكفي المسلم في الإيمان أن يؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر خيره وشره، والبعث بعد الموت، وأن الله ليس كمثله شيء أصلًا، وأن ما ورد من صفاته المقدسة حق، يمر كما جاء، وأن القرآن كلام الله وتنزيله، وأنه غير مخلوق، إلى أمثال ذلك مما أجمعت عليه الأمة، ولا عبرة بمن شذ منهم، فإن اختلفت الأمة في شيء من مشكل أصول دينهم، لزمنا فيه الصمت، وفوضناه إلى الله، وقلنا: الله ورسوله أعلم، ووسعنا فيه السكوت. فرحم الله الإمام أبا حامد، فأين مثله في علومه وفضائله، ولكن لا ندعي عصمته من الغلط والخطأ، ولا تقليد في الأصول.

стр. 8370

٤٦٢٨ - خَميسُ بنُ عَلي (١): ابن أحمد بن علي بن الحسن، الإمام الحافظ، محدث واسط، أبو الكرم الحوزي، الواسطي. سمع: أبا القاسم بن البسري، وأبا نصر الزينبي، وعاصم بن الحسن، وعلي بن محمد الواسطي النديم، ويحيى بن هبة الله البزاز، وأبا الفتح عبد الوهاب بن حسن القاضي، وهبة الله بن الجلخت، وخلقًا كثيرًا، وأملى مجالس، وجرح وعدل. حدث عنه: أبو الجوائز سعد بن عبد الكريم، وأبو طاهر السلفي، وأحمد بن سالم المقرئ، ويحيى بن هبة الله البزاز، وعبد الوهاب بن حسن الفرضي، وأبو بكر عبد الله بن منصور الباقلاني المقرئ، وآخرون. وكان السلفي يثني عليه، وقال: كان عالمًا، ثقة، يملي من حفظه كل من أسأله عنه، وكان لا يؤبه له. وفي "معجم السفر" للسلفي: حدثنا خميسٌ الحافظ، أخبرنا عبد الباقي بن محمد، وعبد العزيز بن علي الأنماطي، قالا: أخبرنا المخلص، فذكر حديثًا. ثم قال السلفي: كان خميسٌ من أهل الأدب البارع. قال ابن نقطة: والحوز: قرية بشرقي واسط، وكان له معرفة بالحديث والأدب، مولده: في شعبان سنة اثنتين وأربعين وأربع مائة، وفي شعبان مات سنة عشر وخمس مائة. أخبرنا الدشتي، أخبرنا ابن رواحة، حدثنا السلفي، حدثنا خميس بجزء من فوائده.
следующие страницы →