والشطار، وينقاد له الجهال، إلى أن ظهر بدمشق بتقرير قرره صاحب ماردين إيلغازي مع طغتكين، فأخذ يكرمه، ويبالغ اتقاءً لشره، فتبعه الغوغاء والسفهاء، والفلاحون، وكثروا، ووافقه الوزير طاهر المزدقاني، وبث إليه سره، ثم التمس من الملك طغتكين قلعةً يحتمي بها، فأعطاه بانياس في سنة عشرين وخمس مائة، فعظم الخطب، وتوجع أهل الخير، وتستروا من سبهم، وكانوا قد قتلوا عدةً من الكبار، فما قصر تاج الملوك فقتل الوزير كمال الدين طاهر بن سعد المذكور في رمضان، سنة ثلاث وعشرين بالقلعة، ونصب رأسه، وركب جنده، فوضعوا السيف بدمشق بالملاحدة الإسماعيلية، فسبكوا منهم في الحال نحوًا من ستة آلاف نفس في الطرقات، وكانوا قد تظاهروا، وتفاقم أمرهم، وراح في هذه الكائنة الصالح بالطالح.
وأما بهرام، فتمرد وعتا، وقتل سابًا من أهل وادي التين اسمه برق، فقام عشيرته، وتحالفوا على أخذ الثأر، فحاربهم بهران، فكبسوه وذبحوه إلى اللعنة، وسلمت الملاحدة بانياس للفرنج، وذلوا.
وقيل: إن المزدقاني كاتب الفرنج ليسلم إليهم دمشق، ويعطوه صور، وأن يهجموا البلد يوم جمعة، ووكل الملاحدة تغلق أبواب الجامع على الناس، فقتله لهذا تاج الملوك ﵀ وقد التقى الفرنج وهزمهم، وكانت وقعة مشهودة.
وفي سنة عشرين أقبلت جموع الفرنج لأخذ دمشق، ونزلوا بشقحب، فجمع طغتكين التركمانيين وشطار دمشق، والتقاهم في آخر العام، وحمي القتال، ثم فر طغتكين وفرسانه عجزًا، فعطفت الرجالة على خيام العدو، وقتلوا في الفرنج، وحازوا الأموال والغنائم، فوقعت الهزيمة على الفرنج، ونزل النصر.
стр. 8472
٤٧٢٦ - ابن الفاعوس (١):
الفقيه الزاهد، العابد القدوة، أبو الحسن علي بن المبارك بن علي بن الفاعوس البغدادي، الإسكاف، تلميذ الشريف أبي جعفر بن أبي موسى الحنبلي.
روى عن القاضي أبي يعلى، وأبي منصور العطار.
روى عنه: أبو المعمر الأنصاري، وأبو القاسم بن عساكر، وكان يقرأ للناس الحديث بلا إسناد يوم الجمعة، وله قبولٌ زائد لصلاحه وإخلاصه.
قال ابن الجوزي: توفي الفقيه تاسع عشر شوال، سنة إحدى وعشرين وخمس مائة، وغلقت الأسواق، وضج العوام بذكر السنة ولعن أهل البدع، ودفن بقرب الإمام أحمد.
وقيل: كان يتمنع من الرواية إزراء على نفسه، ﵀.
مات عن نيف وسبعين سنة.
قال السمعاني: سمعت أبا القاسم بدمشق يقول: أهل بغداد يعتقدون فيه، وكان أبو القاسم بن السمرقندي يقول: إن ابن الخاضبة كان يقول لابن الفاعوس: الحجري، لأنه كان يقول: الحجر الأسود يمين الله حقيقةً.
قال كاتبه: هذا أذًى لا يسوغ في حق رجل صالح، وإلا فهذا نزاع في إطلاق عبارة ما تحتها محذور أصلًا، وهو كقولنا: بيت الله حقيقة، وناقة الله حقيقة، وروح الله ابن مريم حقيقة، وذلك من قبيل إضافة التشريف، ونحو ذلك، وما يقول من له عقل قط: إن ذلك إضافة صفة، وفي سياق الخبر ما يوضح أنه إضافة ملك، لا إضافة صفة، وهو قوله: "فمن صافحه، فكأنما صافح الله" يعني أنه بمنزلة يمين البارئ تعالى في الأرض.
روى ابن جريج قال: سمعت محمد بن عباد بن جعفر يقول: سمعت ابن عباس يقول: هذا الركن السود يمين الله في الأرض يصافح به عباده مصافحة الرجل أخاه.
ولكن الأولى في هذا ترك الخوض في حقيقة أو مجاز، فلا حاجة بنا إلى تقييد ما أطلقه السلف، بل نؤمن ونسكت، وقولنا في ذلك: حقيقة أو مجازًا؛ ضربٌ من العي واللكن، فنزجر من بحث في ذلك، والله الموفق.
стр. 8473
٤٧٢٧ - المَسْجِدي (١):
الشيخ الصالح المسند، أبو القاسم سهل بن إبراهيم النيسابوري المسجدي، ويعرف أيضًا: بالسبعي.
روى عن: أبي محمد الجويني الفقيه، وأبي حفص بن مسرور، وعبد الغافر بن محمد الفارسي، وأبي عثمان الصابوني، وأبي سعد الطبيب، ووجيه بن أبي الطيب.
روى عنه أبو سعد السمعاني، وحفيده محمد بن أحمد المسجدي، وعبد المنعم بن
الفراوي، وعبد الرحمن بن أبي القاسم الشعري، وأبو سعد عبد الله بن عمر الصفار، وابن ياسر الجياني، وغيرهم.
وقيل له: المسجدي، لأنه كان خادم مسجد المطرز، وكان دينًا خيرًا، عالي الإسناد، وكان والده قد عرف بتلاوة سبع كل يوم، وكان ولده أحمد بن سهل يروي عن: يعقوب بن أحمد الصيرفي.
مات سهل سنة بضع وعشرين وخمس مائة، وقد ذكرته في "تاريخ الإسلام" تقريبًا في اثنتين وعشرين.
стр. 8474
٤٧٢٨ - السُّلطان (١):
صاحب العراق، مغيث الدين محمود بن السلطان محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي.
تملك بعد أبيه وهو حدث أمرد في أول سنة اثنتي عشرة، وخطب له على منابر بغداد، وكان ذكيًا فطنًا، له معرفة بالنحو، وميل إلى العلم، ونظر في التاريخ، مدحه الحيص بيص، وضعفت دولة بني سلجوق في أواخر أيامه، وكان عمه السلطان سنجر أعلى رتبةً منه.
مات بهمذان، في شوال سنة خمس وعشرين وخمس مائة، ويكنى أبا القاسم، وسلطنوا بعده أخاه طغرل، فمات بعد عامين، ثم تسلطن أخوهما مسعود، وطول.
٤٧٢٩ - الدِّينَوَرِي (٢):
الشيخ المعمر الصدوق، أبو الحسن علي بن عبد الواحد بن أحمد الدينوري، ثم البغدادي.
سمع: أبا الحسن القزويني، وأبا طالب بن غيلان، والحافظ أبا محمد الخلال، وأبا محمد الجوهري، وغيرهم.
حدث عنه: أبو المعمر الأنصاري، والحافظ ابن عساكر، وأخوه الصائن هبة الله، وأبو طاهر السلفي، وأبو الفرج بن الجوزي، وآخرون.
قال أبو سعد السمعاني: كان صاحب الخبر، توفي في جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وخمس مائة، وكان يقول: قد مر بي أبي من الدينور وأنا صبي، واحترقت كتبي زمن المستظهر، وقد سمع أبو الحسن القزويني من جدي أحمد.
стр. 8475
٤٧٣٠ - ابن البُخَاري (١):
الشيخ العدل، الكبير المسند، أبو البركات هبة الله بن محمد بن علي بن أحمد البغدادي، ابن البخاري، وهو المبخر.
ولد سنة أربع وثلاثين وأربع مائة.
سمع: أبا طالب بن غيلان، وأبا القاسم التنوخي، وأبا علي بن المذهب، وأبا محمد الجوهري، وأبا الحسن الباقلاني، وأبا طالب العشاري.
وعنه: عبد الجبار بن هبة الله البندار، والصائن بن عساكر، ويحيى بن بوش، وجماعة. وكان صحيح السماع، توفي في رجب سنة تسع عشرة وخمس مائة ببغداد.
٤٧٣١ - جعفر بن عبد الواحد (٢):
ابن محمد بن محمود بن أحمد المولى، الرئيس المعمر، أبو الفضل الأصبهاني الثقفي.
سمع: أبا بكر بن ريذه، وعبد الرحمن بن أبي بكر الذكواني، وأبا طاهر بن عبد الرحيم، ومحمد بن عبد الرحمن الأرزناني، وعبد الرزاق بن أحمد الخطيب، وسعيد بن أبي سعيد العيار، وأحمد بن الفضل الباطرقاني، وعدة.
حدث عنه: السلفي، وأبو موسى المديني، وأحمد بن أبي منصور بن الزبرقان، وناصر بن محمد الويرج، وعبد الواحد بن أبي المطهر الصيدلاني، وعبد الجليل بن أبي نصر بن رجاء، ومحمد بن أحمد المهاد، وخلق.
قال السمعاني: كان صالحًا سديدًا، ومن مروياته: شروط الذمة، وكتاب السنة، والضحايا، والعقيقة، والنوادر، والعتق، والرمي، والسبق، والسرقة، وفوائد العراقيين، الكل لأبي الشيخ، سمعها من ابن عبد الرحيم عنه، والأدب لابن أبي عاصم، والآحاد والمثاني له، وكتاب "الجامع" لأحمد بن الفرات، والصلاة لأبي نعيم.
مولده في سنة أربع وثلاثين وأربع مائة. وتوفي: في تاسع جمادى الأولى، سنة ثلاث وعشرين وخمس مائة، ولم يبق بعده من أصحاب ابن ريذه سوى فاطمة.
стр. 8476
٤٧٣٢ - الطَّرْقِي (١):
الحافظ أبو العباس أحمد بن ثابت بن محمد الأصبهاني، وطرق: من قرى أصبهان.
سكن برد، وكان متفننًا، له تصانيف، إلَّا أنه جهل، وقال بقدم الروح.
سمع: عبد الوهاب بن مندة وطبقته، وجال في الطلب، ولحق أبا القاسم بن البسري.
توفي في شوال، سنة إحدى وعشرين وخمس مائة.
٤٧٣٣ - خُوارِزمشاه:
الملك العالم، أبو الفتح محمد بن نوشتكين، ديّن فاضل، خيرٌ تقي، سخي، كثير التلاوة والغزو، عارف بالتفسير، كان يقول: سمعت نظام الملك يقول: صلاة الصبح بغلسٍ تذهب ظلمة القبر.
توفي سنة اثنتين وعشرين في شوال، وكانت دولته بخوارزم ثلاثين سنة، كان من أعدل الملوك، وتسلطن بعده ابنه أتسز.
٤٧٣٤ - القطائفي:
الشيخ المعمر أبو بكر أحمد بن عمر بن علي بن حمد النهاوندي، القطائفي، نزيل بغداد.
ولد بالدينور، في سنة ست وثلاثين وأربع مائة، وجاء هو وأبوه إلى بغداد منجفلين وقت ظهور الغز السلجوقية.
سمع من: علي بن المحسن التنوخي، وأبي محمد الجوهري، والقاضي أبي يعلى، والخطيب، وجماعة روى عنه: أبو المعمر الأنصاري، وعلي بن أبي سعيد الخباز، ومحمد بن عبد الملك الهمذاني، وعبد الله بن عبد الصمد السلمي.
قال ابن ناصر: هو رجل صالح حلواني، من أهل السنة، وسماعه صحيح.
وقال ابن كامل: مات في السادس والعشرين من رمضان، سنة عشرين وخمس مائة.
стр. 8477
٤٧٣٥ - ابن رضوان:
الجليل الرئيس، أبو نصر أحمد بن عبد الله بن أحمد بن رضوان بن محمد بن رضوان البغدادي، المراتبي.
سمع: أبا محمد الجوهري، وأبا يعلى بن الفراء، وأجاز له عبد العزيز بن علي الأزجي.
روى عنه محمد بن طاهر في "معجمه"، وأبو المعمر الأنصاري، وأبو القاسم ابن عساكر، وأبو القاسم بن السبط، وطائفة.
قال ابن النجار: كان صالحًا، صدوقًا، كثير الصلاة والصدقة، مات في جمادى الآخرة، سنة أربع وعشرين وخمس مائة، وله إحدى وثمانون سنة.
٤٧٣٦ - العَطَّار (١):
الشيخ المعمر، أبو غالب أحمد بن عبد الباقي بن أحمد بن بشر الكرخي، البغدادي، العطار.
سمع: أبا طالب بن غيلان، والجوهري.
وعنه: أبو المعمر الأنصاري، وأبو العلاء بن عقيل.
أعرض عنه المحدثون، لأن السمعاني قال: سألت أبا المعمر الأنصاري عن أبي غالب بن بشر، فقال: كان يشرب إلى أن مات- يعني: الخمر.
مولده في ربيع الأول، سنة أربع وثلاثين وأربع مائة. ومات: في جمادي الأولى، سنة عشرين وخمس مائة.
стр. 8478
٤٧٣٧ - ابن عَيْذُون (١):
لغوي العصر، أبو الحسن علي بن عبد الجبار بن سلامة بن عيذون الهذلي، التونسي، المعمر.
مولده في سنة ثمان وعشرين وأربع مائة.
رأى ابن البر، فتركه لتهتكه، ولقى ابن رشيق الشاعر.
أخذ عنه السلفي بالثغر، ووصفه بإتقان اللغة، وأن له قصيدة أحد عشر ألف بيت في الرد على المرتد البغدادي، ولو قيل: لم يكن في زمانه ألغى منه، لما استبعد، وقال لي: لم أر أحفظ للغة والعربية من ابن القطاع، فأكثرت عنه.
مات ابن عيدون سنة تسع عشرة وخمس مائة.
٤٧٣٨ - البَطَلْيَوْسى (٢):
العلامة أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد النحوي اللغوي، صاحب التصانيف.
أقرأ الآداب، وشرح "الموطأ"، وله كتاب "الاقتضاب في شرح أدب الكتاب"، وكتاب "الأسباب الموجبة لاختلاف الأئمة"، وأشياء، ونظم فائق.
مات في رجب، سنة إحدى وعشرين وخمس مائة.
٤٧٣٩ - البارع (٣):
الإمام النحوي، شيخ القراء، أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبد الوهاب بن أحمد بن محمد بن الحسن ابن الوزير القاسم بن عبيد الله بن سليمان الحارثي، البغدادي، ابن الدباس الشاعر، الملقب بالبارع، من بيت حشمة ووزارة، نسبة هكذا أبو محمد بن الخشاب.
ولد سنة ثلاث وأربعين وأربع مائة.
стр. 8479
وتلا بالروايات على أبي بكر محمد بن علي الخياط، وأبي علي بن البناء، ويوسف الغوري، وأبي بكر أحمد بن الحسن اللحياني، وأبي الخطاب الصوفي، والحسين بن الحسن الإسكاف، ومحمد بن محمد بن علي البصير.
وسمع من الحسن بن غالب، وأبي جعفر بن المسلمة، والقاضي أبي يعلى، وأبي الحسين بن النرسى، وعبد الواحد بن برهان الأسدى، وعدة.
وبرع في اللغات والنحو، ومدح المقتدى، والمستظهر، وعدة وزراء وكبراء، ودخل خراسان واليمن والشام، ولعب وعاشر، ثم تاب وأناب، ولزم مسجده بباب المراتب، وتكاثر عليه المقرئون والمحدثون والنحاة، وصنف له سبط الخياط كتاب "الشمس المنيرة في التسعة الشهيرة".
قرأ عليه خلق، منهم: أبو جعفر عبد الله بن أحمد الواسطي الضرير، وعلي بن عساكر البطائحي، وأبو العلاء الهمذاني، ونصر الله ابن الكيال، ويعقوب بن يوسف الحربي، والحسين بن علي بن مهجل الباقدرائي، وعوض المراتبي، وأبو بكر محمد بن خالد بن بختيار، وأبو المظفر أحمد بن أحمد بن حمدي، وآخرون.
حدث عنه: أبو القاسم ابن عساكر، وأبو بكر بن الباقلاني الواسطي، وأبو الفرج ابن الجوزي، وابو الفتح المندائي، وإبراهيم بن حمدية، وله "ديوان" شعر، وقد أضر في آخر عمره.
قال ابن عساكر: ما كان به بأس.
وقال أبو الفضل بن شافع: فيه تساهل وضعف.
قال ابن الخشاب: أخبرنا شيخنا البارع بكتاب "إصلاح المنطق" لابن السكيت بقراءتي من أصله، أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة بقراءة أخي الإمام أبي الكرم بن فاخر النحوي عليه سنة ثمان وخمسين، أخبرنا أبو القاسم بن سويد، أخبرنا ابن الأنباري، أخبرنا أبي، أخبرنا ابن رستم، أخبرنا المؤلف.
مات البارع في سابع عشر جمادي الآخرة، سنة أربع وعشرين وخمس مائة.
стр. 8480
٤٧٤٠ - ابن الحُصَين (١):
الشيخ الجليل، المسند الصدوق، مسند الآفاق، أبو القاسم هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن العباس بن الحصين الشيباني، الهمذاني الأصل، البغدادي، الكاتب.
مولده في رابع ربيع الأول، سنة اثنتين وثلاثين وأربع مائة.
وسمع في سنة سبع وثلاثين من أبي طالب بن غيلان، وأبي علي بن المذهب، وأبي محمد بن المقتدر، وأبي القاسم التنوخي، والقاضي أبي الطيب الطبري، وطائفة.
وتفرد برواية "مسند أحمد"، وفوائد أبي بكر الشافعي المشهورة بـ "الغيلانيات"، وبـ "اليشكريات"، وسماعه لكثير من "المسند" كان في سنة ست وثلاثين، كذلك بينه ابن المذهب في "الثبت" لابن الحصين، فقال: سمع مني الكتاب في سنتي ست وسبع وثلاثين.
قلت: فعلى هذا يكون سماعه في سنة ست، وهو في الخامسة، وأملى عدة مجالس، وتكاثر عليه الطلبة.
حدث عنه: ابن ناصر، والسلفي، وأبو العلاء العطار، وأبو موسى المديني، وأبو الفتح ابن المنى الفقيه، وقاضي بغداد أبو الحسن علي بن أحمد بن الدامغاني، وقاضي دمشق أبو سعد بن أبي عصرون، وأبو منصور عبد الله وإبراهيم ابنا محمد بن حمديه، وأبو محمد بن شدقينى، وعبد الرحمن بن سعود القصرى، والعلامة مجير الدين محمود الواسطي، وعبد الخالق بن هبة الله، والقاضي عبيد الله بن محمد الساوي، وعبد الرحمن بن ملاح الشط، وعبد الله بن أبي بكر بن الطويلة، وعلي بن عمر الحربي الواعظ، وعبد الله بن أبي المجد الحربي، وهبة الله بن الحسن السبط، وعلي بن محمد الأنباري، وعبد الله بن نصر بن مزروع، وعبد الرحمن بن أحمد العمري، والحسن بن أشنانة، وعبد الله بن محمد بن عليان، ولاحق بن قندرة، وفاطمة بنت سعد الخير، وعمر بن جريرة القطان، والمبارك بن مختار السبتي، وعبد الله بن عبد الرحمن البقلي، وحنبل بن عبد الله المكبر، وأبو الفتح المندائي، والحسين بن أبي نصر بن القارص، وأبو أحمد عبد الوهاب بن سكينة، وعمر بن طبرزد، وآخرون.
قال السمعاني: شيخ، ثقة، دين، صحيح السماع، واسع الرواية، تفرد وازدحموا عليه، وحدثني عنه معمر بن الفاخر، وأبو القاسم ابن عساكر، وعدة، وكانوا يصفونه بالسداد والأمانة والخيرية.
وقال ابن الجوزي، بكر به أبوه وبأخيه عبد الواحد، فأسمعهما، سمعت منه "المسند"، وكان ثقة، توفى في رابع عشر شوال، سنة خمس وعشرين وخمس مائة.
وقال الحسين بن خسرو: دفن يوم الجمعة، بباب حرب، في ثالث يوم من وفاته.
стр. 8481
٤٧٤١ - ابن تومرت (١):
الشيخ الإمام، الفقيه الأصولي الزاهد، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت البربري، والمصمودى، الهرغى، الخارج بالمغرب، المدعي أنه علوى حسنى، وأنه الإمام المعصوم المهدي، وأنه محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن هود بن خالد بن تمام بن عدنان بن صفوان بن جابر بن يحيى بن رباح بن يسار بن العباس بن محمد بن الحسن ابن الإمام على بن أبي طالب.
رحل من السوس الأقصى شابًا إلى المشرق، فحج وتفقه، وحصل أطرافًا من العلم، وكان أمارًا بالمعروف، نهاء عن المنكر، قوى النفس، زعرًا شجاعًا، مهيبًا قوالًا بالحق، عمالًا على الملك، غاويًا في الرياسة والظهور، ذا هيبة ووقار، وجلالة ومعاملة وتأله، انتفع به خلق، واهتدوا في الجملة، وملكوا المدائن، وقهروا الملوك.
أخذ عن إلكيا الهراسى، وأبي حامد الغزالي، وأبي بكر الطرطوشى، وجاور سنة.
وكان لهجًا بعلم الكلام، خائضًا في مزال الأقدام، ألف عقيدة لئقبها بـ "المرشدة"، فيها توحيد وخير بانحراف، فحمل عليها أتباعه، وسماهم الموحدين، ونبز من خالف "المرشدة" بالتجسيم، واباح دمه، نعوذ بالله من الغي والهوى.
وكان خشن العيش، فقيرًا، قانعًا باليسير، مقتصرًا على زي الفقر، لا لذة له في مأكل ولا منكح، ولا مال، ولا في شيء غير رياسة الأمر، حتى لقى الله تعالى.
لكنه دخل -والله- في الدماء لنيل الرياسة المردية.
وكان ذا عصًا وركوة ودفاس، غرامه في إزالة المنكر، والصدع بالحق، وكان يتبسم إلى من لقبه.
стр. 8482
وله فصاحة في العربية والبربرية، وكان يؤذى ويضرب ويصبر، أوذي بمكة، فراح إلى مصر، وبالغ في الإنكار، فطردوه، وآذوه، وكان إذا خاف من البطش به خلط وتباله.
ثم سكن الثغر مدة، ثم ركب البحر إلى المغرب، وقد رأى أنه شرب ماء البحر مرتين، وأخذ ينكر في المركب على الناس، وألزمهم بالصلاة، فآذوه، فقدم المهدية وعليها ابن باديس، فنزل بمسجد معلق، فمتى رأى منكرًا أو خمرًا، كسر وبدد، فالتف عليه جماعة، واشتغلوا عليه، فطلبه ابن باديس، فلما رأى حاله، وسمع كلامه، سأله الدعاء، فقال: أصلحك الله لرعيتك.
وسار إلى بجاية، فبقى ينكر كعادته، فنفى، فذهب إلى قرية ملالة، فوقع بها بعبد المؤمن الذي تسلطن، وكان أمرد عاقلًا، فقال: يا شاب، ما اسمك؟ قال: عبد المؤمن. قال: الله أكبر، أنت طلبتي، فأين مقصدك؟ قال: طلب العلم. قال: قد وجدت العلم والشرف، اصحبني ونظر في حليته، فوافقت ما عنده مما قيل: إنه اطلع على كتاب الجفر -فالله أعلم- فقال: ممن أنت؟ قال: من كومية. فربط الشاب، وشوقه إلى أمور عشقها، وأفضى إليه بسره، وكان في صحبته الفقيه عبد الله الونشريسى، وكان جميلًا نحويًا، فاتفقا على أن يخفي علمه وفصاحته، ويتظاهر بالجهل واللكن مدة، ثم يجعل إظهار نفسه معجزة، ففعل ذلك، ثم عمد إلى ستة من أجلاد أتباعه، وسار بهم إلى مراكش، وهي لابن تاشفين، فأخذوا في الإنكار، فخوفوا الملك منهم، وكانوا بمسجد خراب، فأحضرهم الملك، فكلموه فيما وقع فيه من سب الملك، فقال: ما نقل من الوقيعة فيه، فقد قلته، هل من ورائه أقوال، وأنتم تطرونه وهو مغرور بكم، فيا قاضي، هل بلغك أن الخمر تباع جهارًا، وتمشي الخنازير في الأسواق، وتؤخذ أموال اليتامى؟ فذرفت عينا الملك وأطرق، وفهم الدهاة طمع ابن تومرت في الملك فنصح مالك بن وهيب الفيلسوف سلطانه، وقال: إني خائف عليك من هذا، فاسجنه وأصحابه، وأنفق عليهم مؤنتهم، وإلا أنفقت عليهم خزائنك. فوافقه، فقال الوزير: يقبح بالملك أن يبكي من وعظه، ثم يسئ إليه في مجلس، وأن يظهر خوفك، وأنت سلطان: من رجل فقير. فأخذته نخوة، وصرفه، وسأله الدعاء.
وسار ابن تومرت إلى أغمات، فنزلوا على الفقيه عبد الحق المصمودى، فأكرمهم، فاستشاروه، فقال: هنا لا يحميكم هذا الموضع، فعليكم بتينمل، فهي يوم عنا، وهو أحصن الأماكن، فأقيموا به برهة كي ينسى ذكركم. فتجدد لابن تومرت بهذا الاسم ذكر لما عنده، فلما رآهم أهل الجبل على تلك الصورة، علموا أنهم طلبة علم، فأنزلوهم، وأقبلوا عليهم، ثم تسامع به أهل الجبل، فتسارعوا إليهم، فكان ابن تومرت من رأى فيه جلادة، عرض عليه
стр. 8483
ما في نفسه، فإن أسرع إليه، أضافه إلى خواصه، وإن سكت، أعرض عنه، وكان كهولهم ينهون شبانهم ويحذرونهم، وطالت المدة، ثم كثر أتباعه من جبال درن، وهو جبل الثلج، وطريقه وعر ضيق.
قال اليسع في "تاريخه": لا أعلم مكانا أحصن من تينملل لأنها بين جبلين، ولا يصل إليهما إلا الفارس، وربما نزل عن فرسه في أماكن صعبة، وفي مواضع يعبر على خشبة، فإذا أزيلت الخشبة، انقطع الدرب، وهي مسافة يوم، فشرع أتباعه يغيرون ويقتلون، وكثروا وقووا، ثم غدر بأهل تينملل الذين آووه، وأمر خواصه، فوضعوا فيهم السيف، فقال له الفقيه الإفريقي أحد العشرة من خواصه: ما هذا؟! قوم أكرمونا وأنزلونا نقتلهم!! فقال لأصحابه: هذا شك في عصمتي، فاقتلوه، فقتل.
قال اليسع وكل ما أذكره من حال المصامدة، فقد شاهدته، أو أخذته متواترًا، وكان في وصيته إلى قومه إذا ظفروا بمرابط أو تلمساني أن يحرقوه.
فلما كان عام تسعة عشر وخمس مائة، خرج يومًا، فقال: تعلمون أن البشير -يريد الونشريسي- رجل أمي، ولا يثبت على دابة، فقد جعله الله مبشرًا لكم، مطلعًا على أسراركم، وهو آية لكم، قد حفظ القرآن، وتعلم الركوب، وقال: اقرأ، فقرأ لختمة في أربعة أيام، وركب حصانًا، وساقه، فبهتوا، وعدوها آية لغباوتهم، فقام خطيبًا، وتلا: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال: ٣٧]، وتلا: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠]، فهذا البشير مطلع على الأنفس، ملهم ونبيكم ﷺ يقول: "إن في هذه الأمة محدثين، وإن عمر منهم" (١). وقد صحبنا أقوام أطلعه الله على سرهم، ولابد من النظر في أمرهم، وتيمم العدل فيهم، ثم نودي في جبال المصامدة: من كان مطيعًا للإمام، فليأت، فأقبلوا يهرعون، فكانوا يعرضون على البشير، فيخرج قومًا على يمينه، ويعدهم من أهل الجنة، وقومًا على يساره، فيقول: هؤلاء شاكون في الأمر، وكان يؤتى بالرجل منهم فيقول: هذا تائب ردوه على اليمين تاب البارحة، فيعترف بما قال: واتفقت له فيهم عجائب، حتى كان يطلق أهل اليسار، وهم يعلمون أن مآلهم إلى القتل، فلا يفر منهم أحد، وإذا تجمع منهم عدة، قتلهم قراباتهم حتى يقتل الأخ أخاه.
стр. 8484
قال: فالذي صح عندي أنهم قتل منهم سبعون ألفًا على هذه الصفة، ويسمونه التمييز، فلما كمل التمييز، وجه جموعه مع البشير نحو أغمات، فالتفاهم المرابطون، فهزمهم المرابطون، وثبت خلق من المصامدة، فقتلوا، وجرح عمر الهنتانى عدة جراحات، فحمل على أعناقهم مثخنًا، فقال لهم البشير: إنه لا يموت حتى تفتح البلاد. ثم بعد مدة، فتح عينيه، وسلم، فلما أتوا، عزاهم ابن تومرت، وقال: يوم بيوم، وكذلك حرب الرسل.
وقال عبد الواحد المراكشي: سمع ابن تومرت ببغداد من المبارك بن الطيورى، وأخذ الأصول عن الشاشي، ونفاه من الإسكندرية أميرها، فبلغني أنه استمر ينكر في المركب، فألقوه، فأقام نصف يوم يعوم، فأنزلوا من أطلعه، واحترموه، فنزل ببجاية، فدرس ووعظ، وأقبلوا عليه، فخاف صاحبها، وأخرجه، وكان بارعًا في خط الرمل.
وقيل: وقع بالجفر، وصادف عبد المؤمن، ثم لقيهما عبد الواحد الشرقي، فساروا إلى أقصى المغرب.
وقيل: لقى عبد المؤمن يؤدب بأرض متيجة، ورأى عبد المؤمن أنه يأكل مع الملك علي بن تاشفين، وأنه زاد على أكله، ثم اختطف منه الصحفة، فقال له العابر: لا ينبغي أن تكون هذه الرؤيا لك، بل لمن يثور على أمير المسلمين إلى أن يغلب على بلاده.
وكان ابن تومرت طويل الصمت، دائم الانقباض، له هيبة في النفوس، قيل له مرة: فلان مسجون، فأتى الحبس، فابتدر السجانون يتمسحون به، فنادى: فلان، فأجابه، فقال: أخرج، فخرج، والسجانون باهتون، فذهب به، وكان لا يتعذر عليه أمر، وانفصل، عن تلمسان وقد استحوذ على قلوب كبرائها، فأتى فاس، وأخذ في الأمر بالمعروف.
قال: وكان جل ما يدعو إليه الاعتقاد على رأي الأشعري، وكان أهل الغرب ينافرون هذه العلوم، فجمع متولى فاس الفقهاء، وناظروه، فظهر، ووجد جوًا خاليًا، وقومًا لا يدرون الكلام، فأشاروا على الأمير بإخراجه، فسار إلى مراكش، فبعثوا بخبره إلى ابن تاشفين، فجمع له الفقهاء، فناظره ابن وهيب الفيلسوف، فاستشعر ذكاءه وقوة نفسه، فأشار على ابن تاشفين بقتله، وقال: إن وقع إلى المصامدة، قوي شره، فخاف الله فيه، فقال: فاحبسه، قال: كيف أحبس مسلمًا لم يتعين لنا عليه حق؟ بل يسافر. فذهب ونزل بتينملل، ومنه ظهر، وبه دفن، فبث في المصامدة العلم، ودعاهم إلى الأمر بالمعروف، واستمالهم وأخذ يشوق إلى المهدي، ويروى أحاديث فيه، فلما توثق منهم قال: أنا هو، وأنا محمد بن عبد الله، وساق نسبًا له إلى علي، فبايعوه، وألف لهم كتاب "أعز ما يطلب"، ووافق المعتزلة
стр. 8485
في شيء، والأشعرية في شيء، وكان فيه تشيع، ورتب أصحابه، فمنهم العشرة، فهم أول من لباه، ثم الخمسين، وكان يسميهم المؤمنين، ويقول: ما في الأرض من يؤمن إيمانكم، وأنتم العصابة الذين عني النبي ﷺ بقوله: "لا يزال أهل الغرب ظاهرين" (١) وأنتم تفتحون الروم، وتقتلون الدجال، ومنكم الذي يؤم بعيسى، وحدثهم بجزئيات اتفق وقوع أكثرها، فعظمت فتنة القوم به حتى قتلوا أبناءهم وإخوتهم لقسوتهم وغلظ طباعهم، وإقدامهم على الدماء، فبعث جيشًا، وقال: أقصدوا هؤلاء المارقين المبدلين الدين، فادعوهم إلى إماتة المنكر وإزالة البدع، والإقرار بالمهدي المعصوم، فإن أجابوا، فهم إخوانكم، وإلا فالسنة قد أباحت لكم قتالهم، فسار بهم عبد المؤمن يقصد مراكش، فالتقاه الزبير ابن أمير المسلمين، فكلموهم بالدعوة، فردوا أقبح رد، ثم انهزمت المصامدة، وقتل منهم ملحمة، فلما بلغ الخبر ابن تومرت، قال: أنجى عبد المؤمن؟ قيل: نعم. قال: لم يفقد أحد. وهون عليهم، وقال: قتلاكم شهداء.
قال الأمير عزيز في "أخبار القيروان": سمي ابن تومرت أصحابه بالموحدين، ومن خالفه بالمجسمين، واشتهر سنة خمس عشرة، وبايعته هرغة على أنه المهدي، فقصده الملثمون، فكسروا الملثمين، وحازوا الغنائم، ووثقت نفوسهم، وأتتهم أمداد القبائل، ووحدت هنتاتة، وهي من أقوى القبائل.
ثم قال عزيز: لهم تودد وأدب وبشاشة، ويلبسون الثياب القصيرة الرخيصة، ولا يخلون يومًا من طراد ومثاقفة ونضال، وكان في القبائل مفسدون، فطلب ابن تومرت مشايخ القبائل ووعظهم، وقال: لا يصلح دينكم إلا بالنهي عن المنكر، فابحثوا عن كل مفسد، فانهوه، فإن لم ينته، فاكتبوا إلي أسماءهم، ففعلوا، ثم هدد ثانيًا، فأخذ ما تكرر من الأسماء، فأفردها ثم جمع القبائل، وحضهم على أنه لا يغيب منهم أحد، ودفع تلك الأسماء إلى البشير، فتأملها، ثم عرضهم رجلًا رجلًا، فمن وجند اسمه، رده إلى الشمال، ومن لم يجده، بعثه على اليمين، ثم أمر بتكتيف أهل الشمال، وقال لقراباتهم: هؤلاء أشقياء من أهل النار، فلتقتل كل قبيلة أشقياءها، فقتلوهم، فكانت واقعة عجيبة، وقال: بهذا الفعل صح دينكم، وقوي أمركم.
وأهل العشرة هم: عبد المؤمن، والهزرجي، وعمرو بن يحيى الهنتاتى، وعبد الله البشير،
стр. 8486
وعبد الواحد الزواوى طير الجنة، وعبد الله بن أبي بكر، وعمر بن أرناق، وواسنار أبو محمد، وإبراهيم بن جامع، وآخر.
وفي أول سنة أربع وعشرين؛ جهز عشرين ألف مقاتل عليهم البشير، وعبد المؤمن بعد أمور يطول شرحها، فالتقى الجمعان، واستحر القتل بالموحدين، وقتل البشير، ودام الحرب إلى الليل، فصلى بهم عبد المؤمن صلاة الخوف، ثم تحيز بمن بقى إلى بستان يعرف بالبحيرة، فراح منهم تحت السيف ثلاثة عشر ألفًا، وكان ابن تومرت مريضًا، فأوصى بإتباع عبد المؤمن، وعقد له، ولقبه أمير المؤمنين، وقال: هو الذي يفتح البلاد، فاعضدوه بأنفسكم وأموالكم، ثم مات في آخر سنة أربع وعشرين وخمس مائة.
قال اليسع بن حزم: سمي ابن تومرت المرابطين بالمجسمين، وما كان أهل المغرب يدينون إلا بتنزيه الله -تعالى- عما لا يجب وصفه بما يجب له، مع ترك خوضهم عما تقصر العقول عن فهمه.
إلى أن قال: فكفرهم ابن تومرت لجهلهم العرض والجوهر، وأن من لم يعرف ذلك، لن يعرف المخلوق من الخالق، وبأن من لم يهاجر إليه، ويقاتل معه، فإنه حلال الدم والحريم، وذكر أن غضبه لله وقيامه حسبة.
قال ابن خلكان: قبره بالجبل معظم، مات كهلًا، وكان أسمر ربعة، عظيم الهامة، حديد النظر مهيبًا، وآثاره تغنى عن أخباره، قدم في الثرى، وهامة في الثريا، ونفس ترى إراقة ماء الحياة دون إراقة ماء المحيا، أغفل المرابطون ربطه وحله، حتى دب دبيب الفلق في الغسق، وكان قوته من غزل أخته رغيفًا بزيت، أو قليل سمن، لم ينتقل عن ذلك حين كثرت عليه الدنيا، رأى أصحابه يومًا، وقد مالت نفوسهم إلى كثرة ما غنموه، فأمر بإحراق جميعه، وقال: من أراد الدنيا، فهذا له عندي، ومن كان يبغي الآخرة، فجزاؤه عند الله، وكان يتمثل كثيرًا:
تجرد من الدنيا فإنك إنما … خرجت إلى الدنيا وأنت مجرد
ولم يفتتح شيئًا من المدائن، وإنما قرر القواعد، ومهد، وبغته الموت، وافتتح بعده البلاد عبد المؤمن.
وقد بلغني -فيما يقال: أن ابن تومرت أخفى رجالًا في قبور دوارس، وجاء في جماعة ليريهم آية، يعني فصاح: أيها الموتى أجيبوا، فأجابوه: أنت المهدي المعصوم، وأنت وأنت، ثم إنه خاف من انتشار الحيلة، فخسف فوقهم القبور فماتوا.
стр. 8487
وبكل حال، فالرجل من فحول العالم، رام أمرًا، فتم له، وربط البربر بالعصمة، وأقدم على الدماء إقدام الخوارج، ووجد ما قدم.
قال الحافظ منصور بن العمادية في "تاريخ الثغر": أملى علي نسبه فلان، وفي ذلك نظر من حيث إن محمد بن الحسن لم يعقب.
ولابن تومرت:
دعني ففي النفس أشياء مخبأة … لألبسن بها درعا وجلبابا
والله لو ظفرت نفسي ببغيتها … ما كنت عن ضرب أعناق الورى آبى
حتى أطهر ثوب الدين عن دنس … وأوجب الحق للسادات إيجابا
стр. 8488
٤٧٤٢ - ابنُ صَدَقة (١):
الوزير الكبير، جلال الدين أبو علي الحسن بن علي بن صدقة النصيبي.
تنقل في الأعمال، ثم تزوج ببنت الوزير ابن المطلب، وولي الحلة، ثم وزر بعد أبي شجاع، وكان شهمًا كافيًا مهيبًا سائسًا، فوزر ثلاثة أعوام، وأمسك سنة ست عشرة، ونهبت داره، وسجن، ثم احتاجوا إليه بعد عام، ووزر إلى أن توفي في رجب سنة اثنتين وعشرون وخمس مائة، وله يد بيضاء في النظم والنثر، عاش ثلاثًا وستين سنة.
٤٧٤٣ - البَطَائِحي (٢):
هو وزير الديار المصرية، والدولة العبيدية، الملك أبو عبد الله المأمون بن البطائحي، وكان من قصته أن أباه كان صاحب خبر بالعراق للمصريين من أجلاد الرافضة، فمات، ونشأ المأمون فقيرًا صعلوكًا، فكان حمالًا في السوق بمصر، فدخل مرة إلى دار الأفضل أمير الجيوش مع الحمالين، فرآه الأفضل شابًا مليحًا، خفيف الحركات، فقال: من هذا? قال بعضهم: هذا ابن فلان، فاستخدمه فرّاشًا مع الجماعة، فتقدم وتميز، وترقى به الحال إلى الملك، وهو الذي أعان الآمر بالله على الفتك بأمير الجيوش، وولي منصبه، وكان شهمًا مقدامًا، جوادًا بالأموال، سفاكًا للدماء، عضلة من العضل، ثم إنه عامل أخا الخليفة الآمر على قتل الآمر، ودخل معهما أمراء، فعرف بذلك الآمر، فقبض على المأمون، وصلبه، واستأصله في سنة تسع عشرة وخمس مائة.
стр. 8489
٤٧٤٤ - الغَزِّي (١):
شاعر خراسان، أبو إسحاق إبراهيم بن يحيى بن عثمان الكلبي، صاحب الديوان.
سمع بدمشق من: الفقيه نصر، وأقام بنظامية بغداد مدة، ومدح الأعيان، ثم تحول إلى خراسان، ومدح وزير كرمان، ولو لم يكن له إلَّا قصيدته:
بجمع جفنيك بين البرء والسقم … لا تسفكي من دموعي بالفراق دمي
إشارة منك تكفينا وأحسن ما … رد السلام غداة البين بالعنم
تعليق قلبي بذات القرط يؤلمه … فليشكر القرط تعليقا بلا ألم
تبسمت فأضاء الليل فالتقطت … حبات منتثر في ضوء منتظم
مات بنواحي بلخ سنة أربع وعشرون وخمس مائة عن ثلاث وثمانين سنة.
٤٧٤٥ - ابن الأخشيذ (٢):
الشيخ الأمين، المسند الكبير، أبو سعد إسماعيل بن الفضل بن أحمد بن محمد بن علي بن الأخشيذ الأصبهاني التاجر، ويعرف بالسراج.
سمع: أبا القاسم عبد الرحمن بن أبي بكر الذكواني، وأبا طاهر بن عبد الرحيم الكاتب، وعلي بن القاسم المقرئ، وأبا العباس بن النعمان الصائغ، وأبا الفضل الرازي المقرئ، وأحمد بن الفضل الباطرقاني، وعدة من أصحاب ابن المقرئ، وغيره، ويكنى أيضًا أبا الفتح، وبها كناه السمعاني، وكناه بأبي سعد أبو طاهر السلفي، ووثقه.
وحدث عنه: هو، وأبو موسى المديني، ويحيى بن محمود الثقفي، وناصر الويرج، وخلف بن أحمد الفراء، وأسعد بن أحمد الثقفي، وأبو جعفر الصيدلاني، وجمع كثير.
قال أبو موسى: سمعته يقول: ولدت ليلة نصف شعبان، سنة ست وثلاثين وأربع مائة، وكان اسم أبي: محمدًا، ويكنى أبا الفضل، فغلب عليه الفضل.
قال السمعاني: كان سديد السيرة، قرأ بروايات، ونسخ أجزاء كثيرة، وكان واسع الرواية، موثوقًا به، كتب إلي بالإجازة، فمن مسموعه "طبقات الصحابة" لأبي عروبة مجلد سمعه من ابن عبد الرحيم عن ابن المقرئ عنه، وكتاب "الأشراف" لابن المنذر، سمعه من ابن عبد الرحيم عن ابن المقرئ عنه، وكتاب "السنن" للحسن بن علي الحلواني.
قلت: توفي في شعبان، وقيل: في رمضان سنة أربع وعشرون وخمس مائة.
стр. 8490
٤٧٤٦ - الكُرَاعي (١):
الشيخ الجليل المعمر، مسند مرو، أبو منصور محمد بن علي بن محمود الزولهي، التاجر، المروزي، المشهور بالكراعي، ويقال: إن اسمه أحمد، من قرية زولاه بنواحي مرو، شيخ صالح، صين دين، رحل إليه الناس، وصارت زولاه مقصدًا لطلبة الحديث، وكان آخر من حدث عن جده لأمه أبي غانم الكراعي صاحب عبد الله بن الحسين النضري، فسمع منه نحوًا من عشرين جزءًا.
قال أبو سعد السمعاني: سمعت منه بقراءة أبي طاهر السنجي اثني عشر جزءًا، ثم أحضره شيخنا الخطيب أبو الفتح محمد بن عبد الرحمن المروزي في الخانقاه، وقرئت عليه الأجزاء المسموعة له، فسمعتها.
إلى أن قال: ولد في العشرون من شوال، سنة اثنتين وثلاثين وأربع مائة.
قال: ومات في أواخر سنة أربع وعشرون وخمس مائة، أو في أوائل سنة خمس بقريته.
قلت: وممن روى عنه بالشام: أبو عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن المروزي الباقي إلى سنة ثمانين وخمس مائة، وداود بن محمد الخالدي.
ومات في سنة أربع: أبو المواهب أحمد بن محمد بن ملوك الوراق، وشاعر وقته أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان بن محمد الغزي ببلخ عن ثلاث وثمانين سنة، وإسماعيل بن الأخشيذ السراج، وأبو عبد الله البارع، وعبد الله بن محمد بن إسماعيل الغزال بمكة.
وقيل: مات فيها سهل المسجدي، وفيها ماتت: فاطمة الجوزدانية، وقراتكين بن الأسعد التركي، والحافظ أبو عامر محمد بن سعدون العبدري، وابن تومرت كبير الموحدين، والآمر بأحكام الله منصور، وهبة الله بن الأكفاني، وهبة الله بن القاسم المهراني.
стр. 8491
٤٧٤٧ - ابن كادش (١):
الشيخ الكبير، أبو العز أحمد بن عبيد الله بن محمد بن عبيد الله بن محمد بن أحمد بن حمدان بن عمر بن إبراهيم بن عيسى بن صاحب النبي ﷺ عتبة بن فرقد السلمي، العكبري، المعروف: بابن كادش، أخو المحدث أبي ياسر محمد.
ولد في صفر، سنة اثنتين وثلاثين وأربع مائة، وطلب الحديث، وقرأ على المشايخ، ونسخ بخطه الرديء المعقد جملةً، وجمع وخرّج.
سمع: أبا الطيب الطبري، وأقضى القضاة أبا الحسن الماوردي، وأبا محمد الجوهري، وأبا علي محمد بن الحسين الجازري، وأبا طالب العشاري، وأبا الحسين بن النرسي، وعدة.
سمع منه: ابن ناصر، والسلفي، وأبو العلاء الهمذاني، وأبو القاسم ابن عساكر، ومعمر بن الفاخر، وأبو موسى المديني، وهبة الله بن السبط، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أيوب الحربي، وآخرون.
قال ابن النجار: كان ضعيفًا في الرواية، مخلطًا، كذابًا، لا يحتج به، وللأئمة فيه مقال.
قال السمعاني: كان ابن ناصر يسيء القول فيه.
وقال عبد الوهاب الأنماطي: كان مخلطًا.
وقال ابن ناصر: لم يسمع كل كتاب "الجليس" من أبي علي الجازري، قال السمعاني: فذكرت هذا لأبي القاسم الدمشقي، فأنكره غاية الإنكار، وقال: كان صحيح السماع، ورأيت سماعه لهذا الكتاب في الأصل مثبتًا، وأثنى على أبي العز.
ثم قال السمعاني: سمعت ابن ناصر يقول: سمعت إبراهيم بن سليمان يقول: سمعت أبا العز بن كادش يقول: وضعت حديثًا على رسول الله ﷺ ، وأقر عندي بذلك.
قال عمر بن علي القرشي: سمعت أبا القاسم علي بن الحسن الحافظ يقول: قال لي ابن
стр. 8492
كادش: وضع فلان حديثًا في حق علي، ووضعت أنا في حق أبي بكر حديثًا، بالله أليس فعلت جيدًا?
قلت: هذا يدل على جهله، يفتخر بالكذب على رسول الله ﷺ .
قال ابن النجار: رأيت له كتابًا سماه "الانتصار لرتم القحاب" فيه أشعار، فيقول: أنشدتني المغنية فلانة، وأنشدتني ستوت المغنية بأوانا، وقد قرأه عليه ابن الخشاب.
قال مرة: ولدت سنة اثنتين وثلاثين، وسئل مرة، فقال: سنة إحدى وثلاثين.
وقال يوسف الدمشقي: سألته فقال: سنة خمس وثلاثين.
وقال الصائن بن عساكر: سألته، فقال: في المحرم، سنة سبع وثلاثين.
مات في جمادى الأولى سنة ست وعشرون وخمس مائة.
وفيها مات: الملك الأكمل أحمد ابن أمير الجيوش بمصر، وتاج الملوك بوري بن الأتابك طغتكين صاحب دمشق، والمحدث الحسين ابن محمد بن خسرو ببغداد، وفقيه المغرب أبو محمد عبد الله بن أبي جعفر المرسي المالكي، وعبد الكريم بن حمزة السلمي، وشيخ الحنابلة أبو الحسين محمد بن القاضي أبي يعلى، وأبو علي منصور بن الخير المالقي.
стр. 8493
٤٧٤٨ - المسترشد بالله (١):
أمير المؤمنين أبو منصور الفضل بن المستظهر بالله أحمد بن المقتدي بأمر الله عبد الله بن محمد بن القائم عبد الله بن القادر القرشي الهاشمي، العباسي، البغدادي.
مولده في شعبان، سنة ست وثمانين وأربع مائة في أيام جده المقتدي، وخطب له بولاية العهد وهو يرضع، وضربت السكة باسمه.
وسمع في سنة أربع وتسعين من: أبي الحسن بن العلاف، وسمع من: أبي القاسم بن بيان، ومن مؤدبه أبي البركات بن السيبي.
روى عنه: وزيره علي بن طراد، وحمزة بن علي الرازي، وإسماعيل بن الملقب.
وله خط بديع، ونثر صنيع، ونظم جيد، مع دينٍ ورأيٍ، وشهامةٍ وشجاعة، وكان خليقًا للإمامة، قليل النظير.
стр. 8494
قال ابن النجار: ذكر قثم بن طلحة الزينبي -ومن خطه نقلت- أن المسترشد كان يتنسك في أول زمنه، ويلبس الصوف، ويتعبد، وختم القرآن، وتفقه، لم يكن في الخلفاء من كتب أحسن منه، وكان يستدرك على كتابه، ويصلح أغاليط في كتبهم، وكان ابن الأنباري يقول: أنا وراق الإنشاء ومالك الأمر يتولى ذلك بنفسه الشريفة.
قال ابن النجار: كان ذا شهامة وهيبة، وشجاعة وإقدام، ولم تزل أيامه مكدرة بتشويش المخالفين، وكان يخرج بنفسه لدفع ذلك ومباشرته إلى أن خرج، فكسر، وأسر، ثم استشهد على يد الملاحدة، وكان قد سمع الحديث.
قال: وله نظم، ونثرٌ مليح، ونبل رأي.
أخبرنا عمر بن عبد المنعم، أنبأنا الكندي، أخبرنا إسماعيل بن السمرقندي، أخبرنا علي بن طراد، أخبرنا المسترشد بالله، أخبرنا ابن بيان الرزاز، أخبرنا ابن مخلد، أخبرنا الصفار، حدثنا الحسن بن عرفة، فذكر حديثًا.
قال ابن النجار: أنشدنا هبة الله بن الحسن بن السبط حفظًا للمسترشد بالله:
قالوا تقيم وقد أحا … ط بك العدو ولا تفر
فأجبتهم المرء ما لم … يتعظ بالوعظ غر
لا نلت خيرًا ما حييت … ولا عداني الدهر شر
إن كنت أعلم أن غي … ر الله ينفع أو يضر
وله:
أنا الأشقر الموعود بي في الملاحم … ومن يملك الدنيا بغير مزاحم
ستبلغ أرض الروم خيلي وتنتضى … بأقصى بلاد الصين بيض صوارمي
وقيل: إنه قال لما أسر مستشهدًا:
ولا عجبًا للأسد إن ظفرت بها … كلاب الأعادي من فصيح وأعجم
فحربة وحشي سقت حمزة الردى … وموت علي من حسام ابن ملحم
قال سعد الله بن نجا بن الوادي: حكى لي صديقي منصور بن إبراهيم قال: لما عاد الحيص بيص إلى بغداد، وكان قد هجا الخليفة المسترشد طالبًا لذمامه، فقال فيه:
стр. 8495
ثنيت ركابي عن دبيس بن مزيد … مناسمها مما تغذ دوامي
فرارًا من اللؤم المظاهر بالخنا … وسوء ارتحالٍ بعد سوء مقام
ليخصب ربعي بعد طول محيله … بأبيض وضاح الجبين إمام
فإن يشتمل طول العميم برأفةٍ … بلفظ أمانٍ أو بعقد ذمام
فإن القوافي بالثناء فصيحةٌ … تناضل عن أنسابكم وتحامي
قال: فخرج لفظ الخليفة: سرعة العفو عن كبير الجرم استحقار بالمعفو عنه.
وبخط قاضي المارستان قال: حكي أن الوزير علي بن طراد أشار على المسترشد أن ينزل في منزل اختاره، وقال: هو أصون. قال: كف يا علي، والله لأضربن بسيفي حتى يكل ساعدي، ولألقين الشمس بوجهي حتى يشحب لوني:
وإذا لم يكن من الموت بد … فمن العجز أن تكون جبانا
ابن النجار: أخبرنا زين الأمناء عن محمد بن محمد الإسكافي إمام الوزير، قال: لما كنا مع المسترشد بباب همذان، كان معنا "إنسان يعرف بـ" فارس الإسلام، وكان يقرب من خدمة الخليفة، فدخل على الوزير ابن طراد، فقال: رأيت الساعة النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، ما تقول في هذا الجيش? قال: مكسور مقهور، فأريد أن تطالع الخليفة بهذا، فقال: يا فارس الإسلام، أنا أشرت على الخليفة أن لا يخرج من بغداد، فقال: يا علي، أنت عاجز رد إلى بيتك، فلا أبلغه هذا، لكن قل لابن طلحة صاحب المخزن، فذهب إلى ابن طلحة، فأخبره، فقال: لا أنهي إليه ما يتطير به، فاكتب هذا إليه واعرضها، وأخل موضع مقهور، فكتبتها، وجئت إلى السرادق، فوجدت نجا في الدهليز، وقد صلى الخليفة الفجر، وبين يديه مصحف، ومقابله ابن سكينة إمامه، فدخل نجا الخادم، فسلم الرقعة إليه، وأنا أنظره، فقرأها غير مرة، وقال: من كتب هذه? فقال: فارس الإسلام، قال: أحضره، فجاء، فقبض على يدي، فأرعدت، وقبلت الأرض، فقال: وعليكم السلام، ثم قرأ الرقعة مرات، ثم قال: من كتب هذه? قلت: أنا، قال: ويلك، لم أخليت موضع الكلمة الأخرى? قلت: هو ما رأيت يا أمير المؤمنين. قال: ويلك، هذا المنام أريته أنا في هذه الساعة، فقلت: يا مولانا، لا يكون أصدق من رؤياك، ترجع من حيث جئت، قال: ويلك، ويكذب رسول الله ﷺ ؟! لا والله ما بقي لنا رجعة، ويقضي الله ما يشاء. فلما كان اليوم الثاني أو الثالث، وقع المصاف، وتم ما تم، وكسر وأسر وقتل، ﵀.
стр. 8496
قال ابن ناصر: خرج المسترشد بالله سنة تسع وعشرين وخمس مائة إلى همذان للإصلاح بين السلاطين، واختلاف الجند، وكان معه جمعٌ كثير من الأتراك، فغدر به أكثرهم، ولحقوا بمسعود بن محمد بن ملكشاه، ثم التقى الجمعان، فانهزم جمع المسترشد بالله في رمضان، وقبض عليه، وعلى خواصه، وحملوا إلى قلعة هناك، فحبسوا بها، وبقي الخليفة مع السلطان مسعود إلى نصف ذي القعدة، وحمل معهم إلى مراغة، ثم إن الباطنية ألفوا عليه جماعةً من الملاحدة، وكان قد أنزل ناحية من المعسكر، فدخلوا عليه، ففتكوا به، وبجماعةٍ كانوا على باب خركاهه، وقتلوا، ونقل، فدفن بمراغة، وكان مصرعه يوم الخميس سادس عشر ذي القعدة.
وجاء الخبر يوم التاسع من مقتله إلى بغداد، فكثر النوح والبكاء بها، وعمل العزاء.
وقال صدقة بن الحسين الحداد: كان قد صلى الظهر، وهو يقرأ في المصحف، وهو صائم، فدخل عليه من شرج الخيمة جماعة بالسكاكين، فقتلوه، ووقعت الصيحة، فقتل عليه جماعةٌ من أصحابه، منهم: أبو عبد الله بن سكينة، وابن الخزري، وخرجوا منهزمين، فأخذوا وقتلوا ثم أحرقوا، فبقيت يد أحدهم خارجة من النار مضمومة لم تحترق، ففتحت، وإذا فيها شعراتٌ من لحيته -صلوات الله عليه- فأخذها السلطان مسعود، وجعلها في تعويذ ذهب، وجلس للعزاء، وجاز الخادم ومعه المصحف، وعليه الدم إلى السلطان، وخرج أهل مراغة في المسوح وعلى وجوههم الرماد، وكانت خلافته سبع عشرة سنة وستة أشهر.
قال قثم بن طلحة: كان أشقر أعطر أشهل، خفيف العارضين، وخلف من الذكور: منصورًا الراشد بالله، وأحمد، وعبد الله، وإسحاق -توفي قبله- وبنتان، ووزر له محمد بن الحسين، وأبو علي بن صدقة، وعلي بن طراد، وأنوشروان.
وقضاته: علي بن الدامغاني، وعلي بن الحسين الزينبي.
قلت: بويع عند موت أبيه في ربيع الآخر، سنة اثنتي عشرة وخمس مائة، فكانت دولته سبع عشرة سنة وسبعة أشهر، وعاش ستًا وأربعين سنة، فقيل: إن الذين فتكوا به جهزهم مسعود، وكانوا سبعة عشر نفسًا، فأمسكوا، وقتلهم السلطان، وأظهر الحزن والجزع.
وقيل: بعث السلطان سنجر بن ملكشاه إلى ابن أخيه مسعود يوبخه على انتهاك حرمة المسترشد، ويأمره برده إلى مقر عزه، وأن يمشي بين يديه بالغاشية، ويخضع، ففعل ذلك ظاهرًا، وعمل على قتله، وقيل: بل الذي جهز الباطنية عليه السلطان سنجر من خراسان، وفيه بُعد.
стр. 8497
وقيل: إن الشاشي عمل "العمدة" في الفقه للمسترشد.
وفي سنة سبع عشرة كان المصاف بين المسترشد وبين دبيس الأسدي، وجذب يومئذ المسترشد سيفه، فانهزم دبيس وتمزق جمعه، ثم كانت بينهما وقعةٌ سنة "٥١٩"، فذل دبيس، وجاء وقبل الأرض، فلم يعط أمانًا، ففر إلى السلطان سنجر، واستجار به، فحبسه خدمةً للمسترشد، وصلى المسترشد بالناس يوم الأضحى وخطبهم، ونزل، فنحر بدنه بيده.
وفي سنة إحدى وعشرين: وصل السلطان محمود، وحاصر بغداد، واستظهر الخليفة.
وفي سنة سبع وعشرين سار المسترشد في اثني عشر ألف فارس، فحاصر الموصل ثمانين يومًا، فبذل له زنكي متوليها أموالًا ليرحل، فأبى، ثم إنه ارتحل، وعظمت هيبته في النفوس، وخضع زنكي، وبعث الحمل إلى المسترشد، وقدم رسول السلطان سنجر، فأكرم، ونفذ المسترشد لسنجر خلعة السلطنة ثمنت بمائة ألف دينار وعشرين ألف دينار، وعرض المسترشد جيوشه في هيئة لم يعهد مثلها من دهر طويل، فكانوا خمسة عشر ألفًا.
وفارق مسعود بغداد على غضب، وانضم إليه دبيس، وعزموا على أخذ بغداد، فطلب المسترشد زنكي بن أقسنقر، وهو محاصر دمشق، وطلب نائب البصرة بكبه، فبيت مسعود لطلائع المسترشد، فانهزموا، ولكن خامر أربعة أمراء إلى المسترشد، فأنعم عليهم بثمانين ألف دينار، وسار في سبعة آلاف، وكانت الملحمة في رمضان سنة تسع كما ذكرنا، فانهزم جيش الخليفة، وأسلموه، فأسره مسعود في نوع احترام، وحاز خزانته، وكانت أربعة آلاف ألف دينار، ومجموع القتلى خمسة أنفس، وزور السلطان على لسان الخليفة كتبًا إلى بغداد بما شاء، وقامت قيامة البغاددة على خليفتهم، وكان محبوبًا إلى الرعية جدًا، وبذلوا السيف في أجناد السلطان، فقتل من العامة مائة وخمسون نفسًا، وأشرفت الرعية على البلاء، ولما قتل المسترشد، بويع بالخلافة، ولده الراشد بالله ببغداد.
стр. 8498
٤٧٤٩ - الراشد بالله (١):
أمير المؤمنين، أبو جعفر منصور بن المسترشد بالله الفضل بن أحمد العباسي.
ولد سنة اثنتين وخمس مائة في رمضان. فقيل: ولد بلا مخرج، ففتق له مخرج بآلةٍ من ذهب، وأمه أم ولد.
خطب له بولاية العهد سنة ثلاث عشرة وخمس مائة، واستخلف في ذي القعدة سنة تسع وعشرين.
وكان أبيض مليحًا، تام الشكل، شديد الأيد، يقال: إنه كان بدار الخلافة أيل عظيم اعترضه في البستان، فأحجم الخدم، فهجم على الأيل، وأمسك بقرنيه ورماه، وطلب منشارًا، فقطع قرنيه.
وكان حسن السيرة، مؤثرًا للعدل، فصيحًا عذب العبارة، أديبًا شاعرًا، جوادًا، لم تطل أيامه حتى خرج إلى الموصل، ثم إلى أذربيجان، وعاد إلى أصبهان، فأقام على بابها مع السلطان داود، محاصرًا لها، فقتلته الملاحدة هناك، وكان بعد خروجه من بغداد مجيء السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه، فاجتمع بالأعيان، وخلعوا الراشد، وبايعوا عمه المقتفي.
قال أبو طالب بن عبد السميع: من كلام الراشد: إنا نكره الفتن إشفاقًا على الرعية، ونؤثر العدل والأمن في البرية، ويأبى المقدور إلَّا تصعب الأمور، واختلاط الجمهور، فنسأل الله العون على لم شعث الناس بإطفاء نائرة البأس.
قال أبو الحسن البيهقي في "وشاح دمية القصر": الراشد بالله أعطاه الله مع الخلافة صورةٌ يوسفية، وسيرةٌ عمرية.
أنشدني رسوله له:
زمانٌ قد استنت فصال صروفه … وذلل آساد الكرام لذي القرعى
أكولته تشكو صروف زمانه … وليس لها مأوى وليس لها مرعى
فيا قلب لا تأسف عليه فربما … ترى القوم في أكناف أفنائه صرعى
وله قصيدة طويلة منها:
أقسم بالله وهل خليفه … يحنث إن أقسم في اليمين
لا تزرن في الحروب صادقا … لأكشف العار الذي يعلوني
مشمرًا عن ساق عزمي طالبًا … ثأر الإمام الوالد الأمين
عمري عمري والذي قدر لي … ما ينمحي المكتوب عن جبيني
قال ابن ناصر: بقي الأمر للراشد سنة، ثم دخل مسعود، وفي صحبته أصحاب المسترشد
стр. 8499
الوزير علي بن طراد، وصاحب المخزن بن طلحة، وكاتب الإنشاء ابن الأنباري، وخرج الراشد مع غلمان داره طالبًا الموصل صحبة زنكي، فأحضر القضاة والشهود والعلماء عند الوزير أبي القاسم علي، وكتبوا محضرا فيه شهادة العدول بما جرى من الراشد من الظلم، وأخذ الأموال، وسفك الدماء، وشرب الخمر، واستفتي الفقهاء فيمن فعل ذلك، هل تصح إمامته? وهل إذا ثبت فسقه بذلك يجوز لسلطان الوقت أن يخلعه ويستبدل به? فأفتوا بجواز خلعه، والاستبدال به، فوقع الاختيار مع الغد بحضور مسعود وأمرائه في دار الخلافة على عمه أبي عبد الله محمد بن المستظهر بالله ولقبوه بالمقتفي، وله أربعون سنة، وقد وخطه شيب، وهو أسمر، وأمه أم ولد صفراء تدعى ست السادة.
قال: ثم بلغنا أن الراشد خرج من الموصل إلى بلاد أذربيجان إلى مراغة، وكان معه جماعة، فصادروا أهلها، وعاثوا، ثم ذهبوا إلى همذان، فقتلوا بها، وحلقوا لحى جماعة من الفقهاء، وعتوا، ومضوا إلى نواحي أصبهان، فانتهبوا القرى، وحاصروا البلد في جمع من أجناد داود بن محمود بن محمد، فمرض الراشد مرضًا أشفى منه، بلغنا أن جماعة من العجم كانوا فراشين في خدمته؛ اتصلوا به هناك؛ دخلوا خركاهه في السابع والعشرين من رمضان سنة اثنتين وثلاثين، فقتلوه بالسكاكين، وقتلوا بعده كلهم.
وقيل: كان قد سقي سمًا، ثم دفن بالمدينة العتيقة في حجرة من بناء نظام الملك، وجاء الخبر إلى عمه المقتفي، فعقدوا له العزاء يومًا واحدًا.
وقال عبد الجليل كوتاه: دفن بجنب الجامع بمدينة أصبهان. قال ابن النجار: زرت قبره بجي، وهو خشب منقوش، وعليه ستر أسود، فيه كتابةٌ من إبريسم، وله فراشون وخدم، وعقبه باق إلى آخر سنة ست مائة.
قلت: لما استخلف الراشد، بعث إليه السلطان مسعود يتعنته، ويطلب منه ذهبًا كثيرًا، ثم قدم الأتابك زنكي وغيره، فحسنوا له القتال لمسعود، وكان شجاعًا، فخافوه، ثم تغير عليه زنكي فقدم الملك داود بن محمود إلى الراشد، وقصدوا السلطان مسعودًا، فسار مسعودٌ من جهة أخرى، فنازل بغداد يحاصرها، ونهب عسكره واسطًا والنعمانية، وتملك بغداد.
وقيل: إنه أخرج خط الراشد يقول: إني متى عسكرت أو خرجت، انعزلت، وبالغ علي بن طراد الوزير في ذم الراشد، وخوف القضاة من غائلته ومن جوره، فحكم القاضي ابن الكرخي بخلعه، وعاش ثلاثين سنة، ﵀ وسامحه.
стр. 8500
٤٧٥٠ - حمزة بن هبة الله (١):
ابن محدث نيسابور محمد بن الحسين بن داود العلوي، الحسيني، النيسابوري، شيخٌ حسن السيرة، تفرد بأشياء.
سمع: ابن مسرور، وعبد الغافر الفارسي، وعبد الرحمن بن محمد الأنماطي صاحب الإسماعيلي، ومحمد بن الفضل النسوي، وسمع ببغداد، وكان زيديًا.
قال السمعاني: حدثنا عنه جماعةٌ، عاش ستا وتسعين سنة، توفي: في المحرم سنة ثلاث وعشرين وخمس مائة.
٤٧٥١ - تاج الملوك (٢):
صاحب دمشق، تاج الملوك، بوري بن صاحب دمشق الأتابك طغتكين، مولى السلطان تتش السلجوقي.
تملك بعد أبيه في صفر سنة اثنتين وعشرين، وكان ذا حلمٍ وكرمٍ، له أثر كبير في قتل وزيره والإسماعيلية.
مولده في سنة ثمان وسبعين وأربع مائة.
ولابن الخياط فيه مدائح في "ديوانه"، وقد وزر له أيضًا أبو الذواد ابن الصوفي، ثم كريم الملك بن عم المزدقاني.
ولما علم ابن صباح صاحب الألموت بما جرى على أشياعه الإسماعيلية بدمشق، تنمر، وندب طائفة لقتل تاج الملوك، فعين اثنين بشربوشين في زي الجند، ثم قدما، فاجتمعا بناسٍ منهم أجنادٌ، وتحيلا على أن صارا من السلحدانة، وضمنوهما، ثم وثبا عليه، فقتلاه. قال أبو يعلى القلانسي: وثبوا عليه في خامس جمادى الآخرة سنة خمس وعشرين، فضربه الواحد بالسيف قصد رأسه، فجرحه في رقبته جرحًا سليمًا، وضربه الآخر بسكين في خاصرته، فمرت بين الجلد واللحم.
قلت: كان تعلل من ذلك، ولكنه توفي في رجب سنة ست وعشرين وخمس مائة، وحلفوا بعده لولده شمس الملوك إسماعيل.
قال ابن الأثير: وصى بالأمر لإسماعيل، ووصى ببعلبك لابنه محمد.
وقيل: كان عجبًا في الجهاد، لا يفتر عن غزو الفرنج، ولو كان له عسكر كثير، لاستأصل الفرنج.
стр. 8501
٤٧٥٢ - شمس الملوك (١):
صاحب دمشق، شمس الملوك، إسماعيل بن بوري بن الأتابك طغتكين التركي.
تملك بعد أبيه في رجب سنة ست وعشرين، وكان بطلًا شجاعًا، شهمًا مقدامًا كآبائه، لكنه جبارٌ عسوف.
استنقذ بانياس من الفرنج في يومين، وكانت الإسماعيلية باعوها لهم من سبع سنين، وسعر بلادهم، وأوطأهم ذلا، ثم سار، فحاصر أخاه ببعلبك، ونازل حماة، وهي للأتابك زنكي، وأخذها لما سمع بأن المسترشد يحاصر الموصل، وصادر الأغنياء والدواوين، وظلم وعتا، ثم بدا له، فكاتب الأتابك زنكي ليسلم إليه دمشق، فخافته أمه زمرد والأمراء، فهيأت أمه من قتله، لأنه تهددها لما نصحته بالقتل، وكانت الفرنج تخافه لما هزمهم، وبيتهم، وشن الغارة على بلادهم، وعثرهم، وكان قد تسودن وتخيل من أمرائه، وأخذ يحول أمواله إلى قلعة صرخد.
قال ابن القلانسي: بالغ في الظلم، وصادر وعذب، ولما علم بأن زنكي على قصد دمشق، بعث يستحثه ليعطيه إياها لهذيان تخيله، ويقول: إن لم تجئ، سلمتها إلى الفرنج، كتب هذا بيده، فأشفق الناس، فحمل صفوة الملك دينها على حسم الداء، فأهلكته، وكثر الدعاء لها.
قتل في ربيع الأول سنة تسع وعشرين وخمس مائة، وله ثلاث وعشرون سنة، وتملك بعده أخوه محمود، ثم تزوجت أمه بصاحب حلب زنكي.
стр. 8502
٤٧٥٣ - ابن الأكفاني (١):
الشيخ الإمام، المفنن المحدث الأمين، مفيد الشام، أبو محمد هبة الله بن أحمد بن محمد بن هبة الله بن علي بن فارس الأنصاري الدمشقي المعدل، المعروف بابن الأكفاني. ولد سنة " (٤٤٤) ".
وسمع وهو ابن تسع سنين، وبعد ذلك من: والده، وأبي القاسم الحنائي، وأبي الحسين محمد بن مكي، وعبد الدائم بن الحسن الهلالي، وأبي بكر الخطيب، وعبد العزيز الكتاني، ولازمه مدةً، وأبي نصر بن طلاب، وأبي الحسن بن أبي الحديد، وطاهر بن أحمد القايني، وعبد الجبار بن برزة الواعظ، وأبي القاسم بن أبي العلاء، وخلق كثير، وكان أبوه قد سمع من عبد الرحمن بن الطبيز.
حدث عنه: غيث الأرمنازي، وأبو بكر بن العربي، وأبو طاهر السلفي، وابن عساكر، وأخوه الصائن، وعبد الرزاق النجار، وإسماعيل بن علي الجنزوي، وأبو طاهر الخشوعي، وآخرون.
قال ابن عساكر: سمعت منه الكثير، وكان ثقة، ثبتًا، متيقظًا، معنيًا بالحديث وجمعه، غير أنه كان عسرًا في التحديث، وتفقه على القاضي المروزي مدةً، وكان ينظر في الوقوف، ويزكي الشهود.
وقال السلفي: هو حافظٌ مكثر ثقة، كان تاريخ الشام، كتب الكثير.
وقال ابن عساكر: مات الأمين في سادس المحرم سنة أربع وعشرين وخمس مائة، ﵀.
٤٧٥٤ - ابن يَرْبُوع (٢):
الأستاذ الحافظ، المجود الحجة، أبو محمد عبد الله بن أحمد بن سعيد بن سليمان، بن يربوع الشنتريني، ثم الإشبيلي، نزيل قرطبة.
стр. 8503
سمع من: محمد بن أحمد بن منظور "صحيح البخاري"، ومن أبي محمد بن خزرج، وحاتم بن محمد، وأبي مروان بن سراج، وأبي علي الغساني، وعدة.
وأجاز له العباس بن دلهاث.
روى عنه: أبو القاسم بن بشكوال، وقال: كان حافظا للحديث وعلله، عارفا برجاله، وبالجرح والتعديل، ضابطا ثقة، كتب الكثير، وصحب أبا علي الغساني، واختص به، وكان أبو علي يفضله، ويصفه بالمعرفة والذكاء.
إلى أن قال: صنف كتاب "الإقليد في بيان الأسانيد"، وكتاب "تاج الحلية وسراج البغية في معرفة أسانيد الموطأ"، وكتاب "البيان عما في كتاب أبي نصر الكلاباذي من النقصان"، وكتاب "المنهاج في رجال مسلم"، سمعت منه مجالس، وتوفي: في صفر سنة اثنتين وعشرين وخمس مائة عن ثمان وسبعين سنة.
وفيها مات: وزير العراق جلال الدين أبو علي الحسن بن علي بن صدقة وزير المسترشد، وصاحب دمشق الأتابك طغتكين ظهير الدين والد تاج الملوك بوري، والمسند أبو منصور محمد بن علي الكراعي بمرو، وإبراهيم بن سهل النيسابوري المسجدي.
стр. 8504
٤٧٥٥ - العَبْدَرِي (١):
الشيخ الإمام، الحافظ الناقد الأوحد، أبو عامر محمد بن سعدون بن مرجى بن سعدون القرشي العبدري، الميورقي، المغربي، الظاهري، نزيل بغداد.
مولده بقرطبة، وكان من بحور العلم، لولا تجسيم فيه، نسأل الله السلامة.
سمع من: مالك البانياسي، ورزق الله التميمي، ويحيى السيبي، وطراد الزينبي، ونصر بن البطر، والحميدي، وابن خيرون، وطبقتهم.
حدث عنه أبو المعمر، وابن عساكر، ويحيى بن بوش، وأبو الفتح المندائي، وجماعة.
قال القاضي أبو بكر بن العربي في "معجمه": أبو عامر العبدري هو أنبل من لقيته.
وقال ابن ناصر: كان فهمًا عالمًا، متعففًا مع فقره، ويذهب إلى أن المناولة كالسماع.
стр. 8505
وقال السلفي: هو من أعيان علماء الإسلام بمدينة السلام، متصرف في فنون من العلم أدبا ونحوا، ومعرفة بالأنساب، وكان داوودي المذهب، قرشي النسب، كتب عني، وكتبت عنه.
وقال ابن نقطة: حدثنا أحمد بن أبي بكر البندنيجي أن الحافظ ابن ناصر لما دفنوا العبدري، قال: خلا لك الجو فبيضي واصفري. مات أبو عامر حافظ حديث رسول الله ﷺ ، فمن شاء، فليقل ما شاء.
وقال الحافظ ابن عساكر: كان العبدري أحفظ شيخ لقيته، وكان فقيها داووديا، ذكر أنه دخل دمشق في حياة أبي القاسم بن أبي العلاء، وسمعته وقد ذكر مالك، فقال: جلف جاف، ضرب هشام بن عمار بالدرة، وقرأت عليه "الأموال" لأبي عبيد، فقال _ وقد مر قول لأبي عبيد: ما كان إلَّا حمارًا مغفلًا، لا يعرف الفقه. وقيل لي عنه: إنه قال في إبراهيم النخعي: أعور سوء، فاجتمعنا يوما عند ابن السمرقندي في قراءة كتاب "الكامل"، فجاء فيه: وقال السعدي كذا، فقال: يكذب ابن عدي، إنما ذا قول إبراهيم الجوزجاني، فقلت له: فهو السعدي، فإلى كم نحتمل منك سوء الأدب، تقول في إبراهيم كذا وكذا، وتقول في مالك جاف، وتقول في أبي عبيد?! فغضب وأخذته الرعدة، وقال: كان ابن الخاضبة والبرداني وغيرهما يخافوني، فآل الأمر إلى أن تقول فيّ هذا?! فقال له ابن السمرقندي: هذا بذاك، فقلت: إنما نحترمك ما احترمت الأئمة، فقال: والله لقد علمت من علم الحديث ما لم يعلمه غيري ممن تقدم، وإني لأعلم من صحيح البخاري ومسلم ما لم يعلماه، فقلت مستهزئًا: فعلمك إلهام إذا، وهاجرته، وكان سيئ الاعتقاد، يعتقد من أحاديث الصفات ظاهرها، بلغني عنه أنه قال لي في سوق باب الأزج: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]، فضرب على ساقه، وقال: ساق كساقي هذه.
وبلغني عنه أنه قال: أهل البدع يحتجون بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، أي: في الإلهية، فأما في الصورة، فهو مثلي ومثلك، قد قال الله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، أي: في الحرمة.
وسألته يومًا عن أحاديث الصفات، فقال: اختلف الناس فيها، فمنهم من تأولها، ومنهم من أمسك، ومنهم من اعتقد ظاهرها، ومذهبي أحد هذه المذاهب الثلاثة، وكان يفتي على مذهب داود، فبلغني أنه سئل عن وجوب الغسل على من جامع ولم ينزل، فقال: لا غسل عليه، الآن فعلت ذا بأم أبي بكر.
إلى أن قال: وكان بشع الصورة زري اللباس.
وقال السمعاني: هو حافظ مبرز في صنعة الحديث، سمع الكثير، ونسخ بخطه وإلى آخر عمره، وكان ينسخ وقت السماع.
وقال ابن ناصر: فيه تساهل في السماع، يتحدث ولا يصغي، ويقول: يكفيني حضور المجلس، ومذهبه في القرآن مذهب سوء. مات: في ربيع الآخر، سنة أربع وعشرين وخمس مائة.
قلت: ما ثبت عنه ما قيل من التشبيه، وإن صح، فبعدًا له وسحقًا.
стр. 8506
٤٧٥٦ - الرَّازِي (١):
الشيخ العالم، المعمر الثقة، مسند الإسكندرية ومصر، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم بن أحمد الرازي، ثم المصري، الشروطي المعدل، المعروف بابن الحطاب الذي يقول فيه أبو طاهر السلفي فيما نقلته من خطه: لم يك في وقته في الدنيا من يدانيه في علو الإسناد.
قلت: مولده في سنة أربع وثلاثين وأربع مائة، واعتنى به والده المحدث أبو العباس، فسمعه الكثير في سنة أربعين، وبعدها سمع: أبا الحسن بن حمصة راوي مجلس البطاقة، وعلي بن ربيعة، وعلي بن محمد الفارسي، ومحمد بن الحسين الطفال، وأحمد بن محمد بن الفتح الحكيمي، وأبا الفضل السعدي، وتاج الأئمة أحمد بن علي بن هاشم، ومحمد بن الحسين بن سعدون، ومحمد بن الحسين بن الترجمان، وعدد شيوخه سبعة وأربعون، خرج له عنهم أبو طاهر السلفي، وخرج له أيضًا السداسيات، وروى عنه هو ويحيى بن سعدون القرطبي، وأبو محمد العثماني، وعبد الواحد بن عسكر، ومحمد بن عبد الرحمن الحضرمي، وأبو طالب محمد بن المسلم، وإسماعيل بن عوف الفقيه، وإسماعيل بن ياسين، وعبد الرحمن بن موقا، وآخرون.
مات في سادس جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وخمس مائة، وله إحدى وتسعون سنة.
وفيها مات أبو السعود أحمد بن علي بن المجلي -بجيم ساكنة- والخطيب أبو نصر أحمد بن محمد بن عبد القاهر الطوسي بالموصل، ومدرس النظامية أبو علي الحسن بن سلمان بن الفتى، والشيخ القدوة حماد بن مسلم الدباس، وطبيب الأندلس أبو العلاء زهر بن عبد الملك بن زهر الإشبيلي، وأبو غالب محمد بن الحسن الماوردي، والسلطان محمود بن محمد بن ملكشاه، وأبو القاسم هبة الله بن الحصين، ويحيى بن المشرف المصري التمار.
стр. 8507
٤٧٥٧ - ابن أبي ذر (١):
الشيخ الجليل الصدوق، مسند وقته، أبو بكر محمد بن علي بن الشيخ أبي ذر محمد بن إبراهيم الصالحاني، الأصبهاني. والصالحان: محلة مشهورة.
ولد سنة ثمان وثلاثين، وكان آخر من حدث عن أبي طاهر بن عبد الرحيم.
حدث عنه: أبو موسى المديني، وخلف بن أحمد، وتميم بن أبي الفتوح المقرئ، وسعيد بن روح الصالحاني، وعبيد الله بن أبي نصر اللفتواني، ومحمد بن أبي عاصم بن زينة، ومحمد بن أبي نصر الحداد الضرير، وزاهر بن أحمد الثقفي، والمخلص محمد بن الفاخر، وأبو مسلم بن الإخوة، وإدريس بن محمد العطار، ومحمود بن أحمد المضري، وعين الشمس بنت أحمد الثقفية، وعدة.
مات في ثاني جمادى الآخرة، سنة ثلاثين وخمس مائة، عن اثنتين وتسعين سنة.
٤٧٥٨ - ابن مُلوك (٢):
الشيخ الصالح الثقة، أبو المواهب أحمد بن محمد بن عبد الملك بن ملوك البغدادي الوراق، شيخ خير، صحيح السماع.
سمع: القاضي أبا الطيب الطبري، وأبا محمد الجوهري.
حدث عنه: أبو القاسم ابن عساكر، وعبد الخالق بن هبة الله البندار، وعمر بن طبرزد، وجماعة، عنده "جزء الغطريفي".
توفي في ذي الحجة، سنة خمس وعشرين وخمس مائة، وله خمس وثمانون سنة.
وقال ابن النجار: توفي سنة أربع.
стр. 8508
٤٧٥٩ - ابن عطية (١):
الإمام الحافظ، الناقد المجود، أبو بكر غالب بن عبد الرحمن بن غالب بن تمام بن عطية المحاربي الأندلسي، الغرناطي المالكي.
روى عن أبيه، والحسن بن عبيد الله الحضرمي، ومحمد بن حارث، ومحمد بن أبي غالب القروي، ورأى ابن عبد البر، وحج سنة تسع وستين، فسمع عيسى بن أبي ذر، والحسين بن علي الطبري، وأبا الفضل الجوهري، ومحمد بن معاذ التميمي المهدوي.
روى عنه ولده صاحب التفسير الكبير.
قال ابن بشكوال: كان حافظًا للحديث وطرقه وعلله، عارفًا بالرجال، ذاكرًا لمتونه ومعانيه، قرأت بخط بعض أصحابنا أنه سمعه يذكر أنه كرر على "صحيح البخاري" سبع مائة مرة.
قال: وكان أديبًا شاعرًا لغويًا، دينًا فاضلًا، أكثر الناس عنه، وكف بصره في آخر عمره، وكتب إلينا بإجازة ما رواه.
مولده سنة إحدى وأربعين وأربع مائة، وتوفي: في جمادي الآخرة سنة ثمان عشرة وخمس مائة، وله سبع وسبعون سنة، ﵀.
٤٧٦٠ - ابنه عبد الحق بن أبي بكر (٢):
الإمام العلامة، شيخ المفسرين، أبو محمد عبد الحق بن الحافظ أبي بكر غالب بن عطية المحاربي الغرناطي.
حدث عن: أبيه، وعن الحافظ أبي علي الغساني، ومحمد بن الفرج مولى ابن الطلاع، وأبي الحسين يحيى بن أبي زيد المقرئ بن البياز، وعدة.
وكان إمامًا في الفقه، وفي التفسير، وفي العربية، قوي المشاركة، ذكيًا فطنًا مدركًا، من أوعية العلم.
стр. 8509
مولده سنة ثمانين وأربع مائة، اعتنى به والده، ولحق به الكبار، وطلب العلم وهو مراهق، وكان يتوقد ذكاءً، ولي قضاء المرية في سنة تسع وعشرين وخمس مائة.
حدث عنه: أولاده، وأبو القاسم بن حبيش الحافظ، وأبو محمد بن عبيد الله، وأبو جعفر بن مضاء، وعبد المنعم بن الفرس، وأبو جعفر بن حكم، وآخرون.
توفي بحصن لورقة، في الخامس والعشرين من شهر رمضان، سنة إحدى وأربعين وخمس مائة.
وقال الحافظ خلف بن بشكوال: توفي سنة اثنتين وأربعين. وقال: كان واسع المعرفة، قوي الأدب، متفننًا في العلوم، أخذ الناس عنه، رحمه الله تعالى.
стр. 8510
٤٧٦١ - أبو غالب الماوردي (١):
الشيخ الإمام، المحدث الصدوق، أبو غالب محمد بن الحسن بن علي بن الحسن التميمي البصري الماوردي.
ولد سنة خمسين وأربع مائة.
وسمع: أبا الحسين بن النقور، وعبد العزيز الأنماطي، وعبد الله بن الخلال، وعدة ببغداد، وأبا عمرو بن منده، ومحمود بن جعفر، وعدة بأصبهان، ومحمد بن المنثور الجهني، وأبا الفرج محمد بن أحمد بن علان بالكوفة، وأبا علي التستري، وعبد الملك بن شغبة بالبصرة.
وكان شيخًا صالحًا عالمًا، ينسخ للناس بالأجرة.
حدث عنه أبو القاسم بن عساكر، وأبو الفرج بن الجوزي، ويحيى بن بوش، وعبد الوهاب بن سكينة.
قال ابن الجوزي: نسخ بخطه الكثير، وكان صالحا، مات في رمضان، سنة خمس وعشرين وخمس مائة.
قال: ورئي في المنام، فقال: غفر الله لي ببركات الحديث، وأعطاني جميع ما أملته.
قال ابن النجار: كان ثقةً صالحًا عفيفًا، حدث بالكثير.