← Тараджим

Тараджим · id 22669

سير أعلام النبلاء - ط الحديث

شمس الدين الذهبي

Полный текст (9 721 стр.). Показаны 8751–8790 · переход к 8756.

стр. 8751

٥٠٣٤ - عدي (١): لشيخ الإمام الصالح القدوة، زاهد وقته، أبو محمد، عدي بن صخر الشامي، وقيل: عدي بن مسافر وهذا أشهر ابن إسماعيل بن موسى الشامي، ثم الهكاري مسكنًا. قال الحافظ عبد القادر: ساح سنين كثيرةً، وصحب المشايخ، وجاهد أنواعًا من المجاهدات، ثم إنه سكن بعض جبال الموصل في موضع ليس به أنيس، ثم آنس الله تلك المواضع به، وعمرها ببركاته، حتى صار لا يخاف أحد بها بعد قطع السبل، وارتد جماعة من مفسدي الأكراد ببركاته، وعمر حتى انتفع به خلق، وانتشر ذكره، وكان معلمًا للخير، ناصحًا متشرعًا، شديدًا في الله، لا تأخذه في الله لومة لائم، عاش قريبًا من ثمانين سنة، ما بلغنا أنه باع شيئًا ولا اشترى، ولا تلبس بشيء من أمر الدنيا، كانت له غليلة يزرعها بالقدوم في الجبل، ويحصدها، ويتقوت، وكان يزرع القطن، ويكتسي منه، ولا يأكل من مال أحد شيئًا، وكانت له أوقات لا يرى فيها محافظةً على أوراده، وقد طفت معه أيامًا في سواد الموصل، فكان يصلي معنا العشاء، ثم لا نراه إلى الصبح، ورأيته إذا أقبل إلى قرية يتلقاه أهلها من قبل أن يسمعوا كلامه تائبين رجالهم ونساؤهم إلَّا من شاء الله منهم، ولقد أتينا معه على دير رهبان، فتلقانا منهم راهبان، فكشفا رأسيهما، وقبلا رجليه، وقال: أدع لنا فما نحن إلَّا في بركاتك، وأخرجا طبقًا فيه خبز وعسل، فأكل الجماعة. وخرجت إلى زيارة الشيخ أول مرة، فأخذ يحادثنا، ويسأل الجماعة، ويوانسهم، وقال: رأيت البارحة في النوم كأننا في الجنة ونحن ينزل علينا شيء كالبرد. ثم قال: الرحمة، فنظرت إلى فوق رأسي، فرأيت ناسًا، فقلت: من هؤلاء? فقيل: أهل السنة والصيت للحنابلة، وسمعت شخصًا يقول له: يا شيخ! لا بأس بمداراة الفاسق؟ فقال: لا يا أخي! دين مكتوم دين ميشوم. وكان لا يواصل الأيام الكثيرة على ما اشتهر عنه، حتى إن بعض الناس كان يعتقد أنه لا يأكل شيئًا قط، فلما بلغه ذلك أخذ شيئًا، وأكله بحضرة الناس، واشتهر عنه من الرياضات والسير والكرامات والانتفاع به ما لو كان في الزمان القديم لكان أحدوثةً، ورأيته قد جاء إلى الموصل في السنة التي مات فيها، فنزل في مشهد خارج الموصل، فخرج إليه السلطان وأصحاب الولايات والمشايخ والعوام حتى آذوه مما يقبلون يده، فأجلس في موضع بينه وبين الناس شباك بحيث لا يصل إليه أحد إلَّا رؤيةً، فكانوا يسلمون عليه، وينصرفون، ثم رجع إلى زاويته. وقال ابن خلكان: أصله من بيت فار من بلاد بعلبك، وتوجه إلى جبل الهكارية، وانقطع، وبنى له زاويةً، ومال إليه أهل البلاد ميلًا لم يسمع بمثله، وسار ذكره في الآفاق، وتبعه خلق جاوز اعتقادهم فيه الحد، حتى جعلوه قبلتهم التي يصلون إليها، وذخيرتهم في الآخرة، صحب الشيخ عقيلًا المنبجي، والشيخ حمادًا الدباس وغيرهما، وعاش تسعين سنة، وتوفي سنة سبع وخمسين وخمس مائة. قال مظفر الدين صاحب إربل: رأيت الشيخ عدي بن مسافر وأنا صغير بالموصل، وهو شيخ ربعة، أسمر اللون، ﵀. قلت: نقل الحافظ الضياء عن شيخ له أن وفاته كانت في يوم عاشوراء من السنة.

стр. 8752

٥٠٣٥ - ابن الحطيئة (١): لشيخ الإمام العلامة القدوة، شيخ الإسلام، أبو العباس أحمد بن عبد الله بن أحمد بن هشام اللخمي المغربي الفاسي المقرئ الناسخ ابن الحطيئة. مولده بفاس سنة ثمان وسبعين وأربع مائة. وحج، ولقي الكبار، وتلا بالسبع على أبي القاسم بن الفحام الصقلي، وغيره. وسمع من أبي الحسن بن مشرف، وأبي عبد الله الحضرمي، وأبي بكر الطرطوشي. حدث عنه: أبو طاهر السلفي وهو أكبر منه، وصنيعة الملك ابن حيدرة، وشجاع بن محمد المدلجي، والأثير محمد بن محمد بن بنان -وقرأ عليه- وإسماعيل بن محمد اللمطي، والنفيس أسعد بن قادوس خاتمة أصحابه. وقد دخل الشام، وزار، وسكن مصر، وتزوج، وكان يعيش من الوراقة، وعلم زوجته وبنته الكتابة، فكتبتا مثله، فكان يأخذ الكتاب ويقسمه بينه وبينهما، فينسخ كل منهما طائفةً من الكتاب، فلا يفرق بين الخطوط إلَّا في شيء نادر، وكان مقيمًا بجامع راشدة خارج الفسطاط، ولأهل مصر حتى أمرائها العبيدية فيه اعتقاد كبير، كان لا يقبل من أحد شيئًا، مع العلم والعمل والخوف والإخلاص. وتلا أيضًا بالسبع على أبي علي بن بليمة، وعلى محمد بن إبراهيم الحضرمي. وأحكم العربية والفقه، وخطه مرغوب فيه لإتقانه وبركته.

стр. 8753

وقد كان حصل قحط بمصر، فبذل له غير واحد عطاءً، فأبى وقنع، فخطب الفضل بن يحيى الطويل إليه بنته، فزوجه، ثم طلب منه أمها لتؤنسها، ففعل، فما أجمل تلطف هذا المرء في بر أبي العباس؟ قال السلفي: كان ابن الحطيئة رأسًا في القراءات، وقرأت بخط أبي الطاهر بن الأنماطي قال: سمعت شيخنا شجاعًا المدلجي وكان من خيار عباد الله يقول: كان شيخنا ابن الحطيئة شديدًا في دين الله، فظًا غليظًا على أعداء الله، لقد كان يحضر مجلسه داعي الدعاة مع عظم سلطانه ونفوذ أمره، فما يحتشمه، ولا يكرمه، ويقول: أحمق الناس في مسألة كذا وكذا الروافض، خالفوا الكتاب والسنة، وكفروا بالله، وكنت عنده يومًا في مسجده بشرف مصر وقد حضره بعض وزراء المصريين أظنه ابن عباس، فاستسقى في مجلسه، فأتاه بعض غلمانه بإناء فضة، فلما رآه ابن الحطيئة وضع يده على فؤاده، وصرخ صرخةً ملأت المسجد، وقال: واحرها على كبدي! أتشرب في مجلس يقرأ فيه حديث رسول الله ﷺ في آنية الفضة?! لا والله لا تفعل، وطرد الغلام، فخرج، وطلب الشيخ كوزًا، فجيء بكوز قد تثلم، فشرب، واستحيى من الشيخ، فرأيته والله كما قال الله: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِغُهُ﴾ [إبراهيم: ١٧]. قال: وأتى رجل إلى شيخنا ابن الحطيئة بمئزر، وحلف بالطلاق ثلاثًا لا بد أن يقبله، فوبخه على ذلك، وقال: علقه على ذاك الوتد. فلم يزل على الوتد حتى أكله العث، وتساقط، وكان ينسخ بالأجرة، وكان له على الجزية في السنة ثلاثة دنانير، ولقد عرض عليه غير واحد من الأمراء أن يزيد جامكيته، فما قبل، وكان له من الموقع في قلوبهم مع كثرة ما يهينهم ما لم يكن لأحد سواه، وعرضوا عليه القضاء بمصر، فقال: والله لا أقضي لهم .. إلى أن قال شجاع: وكتب صحيح مسلم كله بقلم واحد، وسمعته وقيل له: فلان رزق نعمةً ومعدةً، فقال: حسدوه على التردد إلى الخلاء، وسمعته كثيرًا إذا ذكر عمر بن الخطاب ﵁ يقول: طويت سعادة المسلمين في أكفان عمر. وذكرنا في "طبقات القراء" أن الناس بقوا بمصر ثلاثة أشهر بلا قاض في سنة ثلاث وثلاثين، فوقع اختيار الدولة على الشيخ أبي العباس، فاشترط عليهم شروطًا صعبةً، منها أنه لا يقضي بمذهبهم يعني الرفض، فلم يجيبوا إلَّا أن يقضي على مذهب الإمامية. تلوت بالسبع من طريقه على أبي عبد الله محمد بن منصور النحوي، عن الكمال العباسي، عن شجاع المدلجي، عنه.

стр. 8754

وقرأت بخط ابن الأنماطي، قال لي شيخنا شجاع: كان الشيخ أبو العباس قد أخذ نفسه بتقليل الأكل، بحيث بلغ في ذلك إلى الغاية، وكان يتعجب ممن يأكل ثلاثين لقمةً، ويقول: لو أكل الناس من الضار ما آكل أنا من النافع ما اعتلوا. قال: وحكى لنا شجاع أن أبا العباس ولدت له بنت، فلما كبرت أقرأها بالسبع، وقرأت عليه "الصحيحين" وغير ذلك، وكتبت الكثير، وتعلمت عليه كثيرًا من العلم، ولم ينظر إليها قط، فسألت شجاعًا: أكان ذلك عن قصد? فقال: كان في أول العمر اتفاقًا، لأنه كان يشتغل بالإقراء إلى المغرب، ثم يدخل بيته وهي في مهدها، وتمادى الحال إلى أن كبرت، فصارت عادةً، وزوجها، ودخلت بيتها والأمر على ذلك، ولم ينظر إليها قط. قلت: لا مدح في مثل هذا، بل السنة بخلافه، فقد كان سيد البشر ﷺ يحمل أمامة بنت ابنته وهو في الصلاة (١). توفي ابن الحطيئة ﵀ في المحرم سنة ستين وخمس مائة، وقبره بالقرافة ظاهر يزار.

стр. 8755

٥٠٣٦ - الداراني: أبو محمد، عبد الرحمن بن أبي الحسن بن إبراهيم بن عبد الله الكناني الداراني الدمشقي. سمعه خاله محمد بن إبراهيم النسائي من سهل بن بشر الإسفراييني، وعبد الله بن عبد الرزاق، وأبي الفضل بن الفرات. وعنه: ابن عساكر وابنه، والمسلم المازني، ومكرم، وكريمة، وآخرون. قال ابن عساكر: لم يكن الحديث من صنعته، توفي في جمادى الأولى سنة ثمان وخمسين وخمس مائة. روى كثيرًا من سنن النسائي الكبير عن الإسفراييني.

стр. 8756

٥٠٣٧ - الجواد (١): الوزير الصاحب، الملقب بالجواد، أبو جعفر، محمد بن علي بن أبي منصور الأصبهاني، وزير صاحب الموصل زنكي الأتابك. ولاه زنكي نيابة الرحبة ونصيبين، واعتمد عليه. وكان كريمًا نبيلًا، محببًا إلى الرعية، دمث الأخلاق، كامل الرئاسة، امتدحه القيسراني بهذه الكلمة: سقى اللّه بالزوراء من جانب الغرب … مهًا وردت ماء الحياة من القلب قال ابن خلكان: كان ينفذ في السنة إلى الحرمين ما يكفي الفقراء، وواسى الناس في قحط حتى افتقر وباع بقياره، وأجرى الماء إلى عرفات أيام الموسم، وأنشأ مدرسةً بالمدينة، ثم وزر لغازي بن زنكي، ثم من بعده لأخيه مودود، ثم إنه استكثر إقطاعه، وثقل عليه، فسجنه في سنة (٥٥٨)، فمات مضيقًا عليه في سنة تسع، وكانت جنازته مشهودةً من ضجيج الضعفاء والأيتام، ودفن بالموصل، ثم نقل بعد عام، فدفن بالمدينة النبوية. ٥٠٣٨ - ابنه جلال الدين علي (٢): وكان ابنه جلال علي أحد البلغاء، دونت رسائله، وعنه أخذ مجد الدين المبارك بن الأثير. توفي سنة أربع وسبعين وخمس مائة، وقد وزر أيضًا. ٥٠٣٩ - سديد الدولة (٣): كاتب السر للخلافة، سديد الدولة، محمد بن عبد الكريم بن إبراهيم ابن رفاعة الشيباني ابن الأنباري. أقام في كتابة الإنشاء خمسين سنة، وناب في الوزارة، ونفذ رسولًا إلى الشام وإلى خراسان.

стр. 8757

وكان من نبلاء الرجال، وكان بينه وبين الحريري مراسلات قد دونت. حدث عن: هبة الله بن الحصين، وعبد الله بن السمرقندي. أخذ عنه: المبارك بن النقور، وغيره. وعاش نيفًا وثمانين سنة، توفي سنة ثمان وخمسين وخمس مائة. حكى أن الحريري كتب إليه رقعةً، قال: فأجبته: أهلًا بمن أهدى إليّ صحيفةً … صافحتها بالرّوح لا بالرّاح وتبلّجت فتأرّجت نفحاتها … كالمسك شيب نسيمه بالرّاح فكتب إلى جواب هذه: لقد صدقت رواة الأخبار: أن معدن الكتابة الأنبار.

стр. 8758

٥٠٤٠ - اللباد (١): الشيخ المسند، أبو الحسن، علي بن أحمد بن محمد بن أبي العباس، الأصبهاني اللباد. سمع أبا بكر محمد بن أحمد بن ماجة، ورزق الله التميمي، ورجاء ابن قولويه، والرئيس الثقفي، وأبا نصر السمسار، وله إجازة صحيحة من أبي بكر بن خلف الأديب. انتخب عليه معمر بن الفاخر "جزءًا". حدث عنه: محمد بن مكي، وأهل تلك الديار. ولم يقع لنا حديثه متصلًا. وروى عنه بالإجازة ابن اللتي، وكريمة، وغيرهما. توفي في شوال سنة ستين وخمس مائة، وكان من أبناء التسعين. ٥٠٤١ - البزري (٢): الإمام عالم أهل الجزيرة، أبو القاسم، عمر بن محمد بن أحمد بن عكرمة، ابن البزري الجزري الشافعي. ارتحل، وأخذ المذهب عن الغزالي، وإلكيا، وطائفة. وبرع في غوامض الفقه، وتخرج به أئمة. وله مصنف كبير شرح فيه إشكالات "المهذب". قال ابن خلكان: كان أحفظ من بقي في الدنيا على ما يقال لمذهب الشافعي، وكان يلقب بزين الدين جمال الإسلام، لم يدع بالجزيرة نظيره، توفي في أحد الربيعين سنة ستين وخمس مائة وله تسع وثمانون سنة. وهذه نسبة إلى عمل البزر وبيعه وهو استخراج زيت الكتان.

стр. 8759

٥٠٤٢ - الحراني (١): العدل الجليل، أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن العباس بن عبد الحميد الحراني ثم البغدادي. سمع رزق الله التميمي، وهبة الله بن عبد الرزاق الأنصاري، وطرادًا الزينبي، وبأصبهان أبا الفتح الحداد، وجماعة. روى عنه بنته خديجة، وعبد اللطيف بن القبيطي. وأجاز للرشيد بن مسلمة. وله نظم حسن، ألف كتابًا سماه "روضة الأدباء". وكان آخر من مات من شهود القاضي أبي الحسن بن الدامغاني. توفي في ثاني عشر جمادى الأولى سنة ستين وخمس مائة. ٥٠٤٣ - ابن الفراء (٢): شيخ الحنابلة، المفتي القاضي، أبو يعلى الصغير، محمد بن أبي خازم محمد بن القاضي الكبير أبي يعلى بن الفراء البغدادي، من أنبل الفقهاء وأنظرهم. تخرج به خلق. سمع من أبي الحسن بن العلاف، والحسن بن محمد التككي، وطائفة. وولي قضاء واسط مدةً، ثم عزل، ولزم الإفادة. روى عنه: أبو الفتح المندائي، وابن الأخضر. توفي في جمادى الأولى سنة ستين وخمس مائة وله ست وستون سنة. تفقه بأبيه وبعمه أبي الحسين محمد. وقد أضر بأخرة، وكان أحد الأذكياء.

стр. 8760

٥٠٤٤ - ابن التلميذ (١): قسيس النصارى، وبقراط وقته، أمين الدولة، أبو الحسن، هبة الله ابن صاعد، المسيحي الطبيب، صاحب التصانيف. كان كثير الأموال والتجمل، وعاش أربعًا وتسعين سنة. مات سنة ستين وخمس مائة. ٥٠٤٥ - ابن الصابوني (٢): المقرى الإمام، أبو الفتح، عبد الوهاب بن محمد بن الحسين المالكي -من قرية المالكية- البغدادي الصابوني أبوه الخفاف الحنبلي. قرأ بالعشر على ابن بدران، وأبي العز القلانسي. وسمع الكثير من النعالي، وابن البطر، وثابت بن بندار، وابن الطيوري. روى عنه: سبطه عمر بن كرم تلك "الأربعين" المخرجة له، وابن الأخضر. قال ابن النجار: كان ثبتًا صدوقًا، قيمًا بمعرفة القراءات. وقال السمعاني: صدوق صالح، حسن السيرة بكتاب الله، يأكل من كد يده، كتبت عنه، وقال لي: ولدت سنة اثنتين وثمانين وأربع مائة. قلت: توفي في صفر سنة ست وخمسين وخمس مائة. وكان يصنع خفاف النساء.

стр. 8761

٥٠٤٦ - علي بن عساكر (١): ابن سرور، الشيخ الأمين المعمر، أبو الحسن المقدسي الخشاب، نزيل دمشق. ولد سنة ثمان وخمسين وأربع مائة. وسمع في سنة سبعين من الفقيه نصر المقدسي، وسمع بدمشق من أبي عبد الله الحسن بن أحمد بن أبي الحديد. وقدم دمشق في تجارة، ثم سكنها بعد استيلاء النصارى على بيت المقدس. وكان يصحب الفقيه نصر الله المصيصي. حدث عنه: الحافظ ابن عساكر وابنه القاسم، وأبو المواهب بن صصرى، وأخوه أبو القاسم الحسين، وجماعة. مات في شوال سنة ثلاث وخمسين وخمس مائة. وقع لي جزء من عواليه. ٥٠٤٧ - ابن قفرجل: الشيخ الثقة المسند، أبو القاسم، أحمد بن المبارك بن عبد الباقي بن محمد بن قفرجل البغدادي الذهبي القطان المقرئ، أخو الشيخ أبي محمد أحمد بن المبارك الذي يروي عن طراد ومات قبل أبي القاسم بعشر سنين. وأبو القاسم هذا سمع عاصم بن الحسن، وطراد بن محمد الزينبي، ورزق الله التميمي، والفضل بن أبي حرب الجرجاني، وأبا الغنائم بن أبي عثمان، وأبا الفضل بن خيرون، وأبا طاهر الباقلاني. حدث عنه: السمعاني، وسعد بن طاهر البلخي، وزيد بن يحيى البيع، ومحمد بن ليث الوسطاني، وعدة. وأجاز لأبي الحسن بن المقير. وكان شيخًا مستورًا لا بأس به. مات في سنة ست وخمسين وخمس مائة، وهو في عشر التسعين. وقع لي من المحامليات من طريقه. قال ابن النجار: روى لنا عنه ابن سكينة، وعبد الرزاق، وابن الأخضر، وثابت بن مشرف، مولده في شعبان سنة سبعين وأربع مائة، ومات يوم عاشوراء سنة ست وخمسين.

стр. 8762

٥٠٤٨ - ابن الحبوبي (١): الشيخ الجليل المسند، أبو يعلى، حمزة بن علي بن هبة الله بن حسن بن علي، الثعلبي الدمشقي البزاز ابن الحبوبي. ولد سنة اثنتين وسبعين وأربع مائة. وسمع أبا القاسم بن أبي العلاء، وأبا الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي، وسهل بن بشر الإسفراييني. سمعه عمه أبو المجد معالي بن الحبوبي. وقال الحافظ ابن عساكر: لا بأس به. قلت: حدث عنه: ابن عساكر وابنه، وأبو المواهب بن صصرى، وأخوه الحسين، وعبد الخالق بن أسد، وابنه غالب، وحمزة بن عبد الوهاب، وابنه أحمد بن حمزة ابن الحبوبي، ومكرم بن أبي الصقر، وأبو نصر بن الشيرازي، وكريمة الزبيرية وهي آخر من حدث عنه. مات في جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وخمس مائة، ودفن بسفح قاسيون. ٥٠٤٩ - الأقليشي (٢): العلامة، أبو العباس، أحمد بن معد بن عيسى بن وكيل التجيبي، الأقليشي الداني. سمع أباه، وتفقه بأبي العباس بن عيسى. وسمع من صهره طارق بن يعيش، وابن الدباغ، وبمكة من أبي الفتح الكروخي، وبالثغر من السلفي. وله تصانيف ممتعة، وشعر، وفضائل، ويد في اللغة. مات بقوص بعد الخمسين وخمس مائة.

стр. 8763

٥٠٥٠ - ابن التريكي (١): الشيخ الإمام المسند العدل، خطيب جامع المهدي، أبو المظفر، محمد بن أحمد بن علي بن الحسين، الهاشمي العباسي، المعروف بابن التريكي. ولد سنة سبعين وأربع مائة. حدث عن: أبي نصر الزينبي، وعاصم بن الحسن، ورزق الله التميمي. حدث عنه: السمعاني، وعلي بن هارون الحلي، وأبو الفرج محمد ابن عبد الرحمن الواسطي التاجر، وعبد السلام بن سكينة، ويحيى بن أبي المظفر الحنفي مدرس النفيسية، وآخرون. توفي في نصف ذي القعدة سنة خمس وخمسين وخمس مائة. ٥٠٥١ - الغانمي: الإمام الفقيه العابد الأديب، أبو المحاسن، مسعود بن محمد بن غانم ابن محمد الغانمي الهروي. ولد بطوس في سنة أربع وستين وأربع مائة. وأجاز له الإمامان أبو القاسم القشيري، وأبو صالح المؤذن. وسمع أبا إسحاق إبراهيم بن محمد الأصبهاني، وطائفةً. وسمع "مسند الهيثم الشاشي" من: أبي القاسم أحمد بن محمد الخليلي. وعنه: ابن عساكر، والسمعاني، والتاج المسعودي، وعبد الرحيم ابن السمعاني. سمع منه عبد الرحيم: "مسند" الشاشي، و"رسالة" القشيري. قال أبو سعد: كان إمامًا ورعًا، كثير العبادة، تورع عن طعام والده لاختلاطه بالدولة، وعمر في الطاعة، وكان سريع النظم، مات في ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وخمس مائة.

стр. 8764

٥٠٥٢ - الطائي (١): الشيخ الإمام الصالح الواعظ المحدث، أبو الفتوح، محمد بن أبي جعفر محمد بن علي بن محمد، الطائي الهمذاني، صاحب "الأربعين" المشهورة. ولد سنة خمس وسبعين وأربع مائة بهمذان. سمع: فيد بن عبد الرحمن الشعراني، وعبد الرحمن بن حمد الدوني، وظريف بن محمد النيسابوري، والأديب محمد بن أبي العباس الأبيوردي، وإسماعيل بن الحسن السنجبستي، وعبد الغفار بن محمد الشيروي، والعلامة أبا المحاسن الروياني، وأبا القاسم بن بيان الرزاز، وشيرويه الديلمي، وابن طاهر المقدسي، ومحيي السنة البغوي، وتاج الإسلام أبا بكر السمعاني، وتفقه عليهما بمرو. قال أبو سعد السمعاني: كان يرجع إلى نصيب من العلوم فقه وحديث وأدب ووعظ، حضرت وعظه بهمذان، فاستحسنته. قلت: حدث عنه: محمد بن عبد الله بن البناء الصوفي، وأبو عبد الله الحسين بن الزبيدي، وأخوه الحسن، وأبو المنجا بن اللتي، وجماعة سمعوا منه ببغداد. توفي بهمذان في شوال سنة خمس وخمسين وخمس مائة. وفيها مات مؤرخ دمشق العميد حمزة بن أسد التميمي ابن القلانسي، وحمزة بن علي ابن الحبوبي، والفائز عيسى بن الظافر خليفة العبيدية وله عشر سنين، وأمير المؤمنين المقتفي، والشيخ محمد بن يحيى الزبيدي الواعظ، وأبو طاهر محمد بن أبي بكر البخاري الصابوني، ومسعود بن عبد الواحد بن الحصين الشيباني، ويحيى بن عبد الرحمن الطوسي ابن تاج القراء، وأبو المظفر محمد بن أحمد ابن التريكي.

стр. 8765

٥٠٥٣ - سنجر (١): السلطان، ملك خراسان، معز الدين، سنجر بن السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان بن جغريبك بن ميكائيل بن سلجوق الغزي التركي السلجوقي، صاحب خراسان وغزنة وبعض ما وراء النهر. خطب له بالعراق وأذربيجان والشام والجزيرة وديار بكر وأران والحرمين. واسمه بالعربي أبو الحارث أحمد بن حسن بن محمد بن داود. كذا قال السمعاني، لكن قال في أبيه: حسن إن شاء الله. ولد بسنجار من الجزيرة في رجب سنة تسع وسبعين وأربع مائة إذ توجه أبوه لغزو الروم، ونشأ ببلاد الخوز، ثم سكن خراسان، وتدير مرو. قال ابن خلكان: ولي نيابةً عن أخيه السلطان بركياروق سنة تسعين وأربع مائة، ثم استقل بالملك في سنة اثنتي عشرة وخمس مائة. قال السمعاني: كان في أيام أخيه يلقب بالملك المظفر إلى أن توفي أخوه محمد بالعراق في آخر سنة إحدى عشرة، فتسلطن، ورث الملك عن آبائه، وزاد عليهم، وملك البلاد، وقهر العباد، وخطب له على أكثر منابر الإسلام. وكان وقورًا حييًا، كريمًا سخيًا، مشفقًا، ناصحًا لرعيته، كثير الصفح، جلس على سرير الملك قريبًا من ستين سنة. قال: وحكى أنه دخل مع أخيه محمد على المستظهر بالله، قال: فلما وقفنا ظنني السلطان، فافتتح كلامه معي، فخدمت، وقلت: يا مولانا، هو السلطان، وأشرت إلى أخي، ففوض إليه السلطنة، وجعلني ولي عهده. أجاز أبو الحسن علي بن أحمد المديني لسنجر مسموعاته، فقرأت عليه بها أحاديث، وقد ثقل سمعه. قال ابن الجوزي: حارب سنجر الغز يعني قبل سنة خمسين وخمس مائة -فأسروه، ثم تخلص بعد مدة. وقال ابن خلكان: كان من أعظم الملوك همةً، وأكثرهم عطاءً، ذكر أنه اصطبح خمسة

стр. 8766

أيام متواليه ذهب بها في الجود كل مذهب، فبلغ ما وهب من العين سبع مائة ألف دينار سوى الخلع والخيل. قال: وقال خازنه: اجتمع في خزائنه من الأموال ما لم يسمع أنه اجتمع في خزائن ملك، قلت له يومًا: حصل من خزائنك ألف ثوب ديباج أطلس، وأحب أن تراها، فسكت، فأبرزت جميعها، فحمد الله، ثم قال: يقبح بمثلي أن يقال: مال إلى المال. وأذن للأمراء في الدخول، وفرق عليهم الثياب. قال: واجتمع عنده من الجواهر ألف رطل ونيف، ولم يسمع عند ملك ما يقارب هذا. قال ابن خلكان: لم يزل في ازدياد إلى أن ظهرت عليه الغز في سنة ٥٤٨ وهي وقعة مشهورة استشهد فيها الفقيه محمد بن يحيى، فكسروه، وانحل نظام ملكه، وملكوا نيسابور، وقتلوا خلقًا كثيرًا، وأخذوا السلطان، وضربوا رقاب عدة من أمرائه، ثم قبلوا الأرض، وقالوا: أنت سلطاننا، وبقي معهم مثل جندي يركب اكديشًا، ويجوع وقتًا، وأتوا به، فدخلوا معه مرو، فطلبها منه أميرهم بختيار إقطاعًا، فقال: كيف يصير هذا?! هذه دار الملك. فصفى له، وضحكوا، فنزل عن الملك، ودخل إلى خانقاه مرو، وعملت الغز ما لا تعمله الكفار من العظائم، وانضمت العساكر، فملكوا مملوك سنجر أيبه، وجرت مصائب على خراسان، فبقي في أسرهم ثلاث سنين وأربعة أشهر، ثم أفلت منهم، وعاد إلى خراسان، وزال بموته ملك بني سلجوق عن خراسان، واستولى على أكثر مملكته خوارزم شاه أتسز بن محمد بن نوشتكين، ومات أتسز قبل سنجر. قال السمعاني: مات في الرابع والعشرين من ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين وخمس مائة، ودفن في قبة بناها، وسماها دار الآخرة. قال ابن الجوزي: لما جاء خبر موته إلى بغداد، قطعت خطبته، ولم يعقد له عزاء. قال السمعاني: تسلطن بعده ابن أخته الخاقان محمود بن محمد بن بغراجان. قلت: وقد عمل في أثناء دولته مصافًا ما سمع بمثله أبدًا مع كافر ترك، انكسر سنجر فيها، وقتل من جنده سبعون ألفًا.

стр. 8767

٥٠٥٤ - أبق (١): الملك المظفر، مجير الدين، أبو سعيد، أبق، صاحب دمشق وابن صاحبها جمال الدين محمد بن تاج الملوك بوري بن طغتكين البعلبكي المولد. تملك بعد أبيه وهو حدث، ودبر الدولة أنر الطغتكيني والوزير ابن الصوفي، فلما مات أنر استقل بالملك مجير الدين، ثم نفى الوزير إلى صرخد، واستوزر أخاه حيدرة مدةً، ثم قتله، وقدم على الجيش عطاء البعلبكي، ثم قتله، فقصد نور الدين دمشق، وعامله أهلها، فأخذها بالأمان، وعوض مجير الدين بحمص، فأقام بها، ثم أمره نور الدين بالتحول إلى بالس، فسار إليها، ثم تركها، وقدم على الخليفة، فأعطاه خبز سبعين فارسًا إلى أن مات ببغداد سنة أربع وستين وخمس مائة كهلًا. ٥٠٥٥ - عبد المؤمن بن علي (٢): ابن علوي، سلطان المغرب الذي يلقب بأمير المؤمنين، الكومي القيسي، المغربي. مولده بأعمال تلمسان. وكان أبوه يصنع الفخار. قيل: إنه قال -أعني عبد المؤمن: إنما نحن من قيس غيلان بن مضر بن نزار، ولكومية علينا حق الولادة، والمنشأ فيهم، وهم أخوالي. وكان الخطباء إذا دعوا له بعد ابن تومرت، قالوا: قسميه في النسب الكريم. مولده سنة سبع وثمانين وأربع مائة. وكان أبيض جميلًا، ذا جسم عمم، تعلوه حمرة، أسود الشعر، معتدل القامة، جهوري الصوت، فصيحًا جزل المنطق، لا يراه أحد إلَّا أحبه بديهةً، وكان في كبره شيخًا وقورًا، أبيض الشعر، كث اللحية، واضح بياض الأسنان، وكان عظيم الهامة، طويل القعدة، شثن الكف، أشهل العين، على خده الأيمن خال، يقال: كان في صباه نائمًا، فسمع أبوه دويًا، فإذا سحابة سمراء من النحل قد أهوت مطبقةً على بيته، فنزلت كلها على الصبي، فما استيقظ، فصاحت أمه، فسكنها أبوه، وقال: لا بأس، لكني متعجب مما تدل عليه، ثم طارت

стр. 8768

عنه، وقعد الصبي سالمًا، فذهب أبوه إلى زاجر، فذكر له ما جرى، فقال: يوشك أن يكون لابنك شأن، يجتمع عليه طاعة أهل المغرب. وكان محمد بن تومرت قد سافر في حدود الخمس مائة إلى المشرق، وجالس العلماء، وتزهد، وأقبل على الإنكار على الدولة بالإسكندرية وغيرها، فكان ينفى ويؤذى، ففي رجعته إلى إفريقية هو ورفيقه الشيخ عمر الهنتاتي صادف عبد المؤمن، فحدثه ووانسه، وقال: إلى أين تسافر? قال: أطلب العلم. قال: قد وجدت طلبتك. ففقهه، وصحبه، وأحبه، وأقضى إليه بأسراره لما رأى فيه من سمات النبل، فوجد همته كما في النفس، فقال ابن تومرت يومًا لخواصه: هذا غلاب الدول. ومضوا إلى جبل تينمل بأقصى المغرب، فأقبل عليهم البربر، وكثروا، وعسكروا، وشقوا العصا على ابن تاشفين، وحاربوه مرات، وعظم أمرهم، وكثرت جموعهم، واستفحل أمرهم، وخافتهم الملوك، وآل بهم الحال إلى الإستيلاء على الممالك، ولكن مات ابن تومرت قبل تمكنهم في سنة أربع وعشرين وخمس مائة. وكانت وقعة البحيرة بظاهر مراكش بين ابن تاشفين صاحب المغرب وبين أصحاب ابن تومرت في سنة إحدى وعشرين، فانهزم فيها الموحدون، واستحر بهم القتل، ولم ينج منهم إلَّا نحو من أربع مائة مقاتل، ولما توفي ابن تومرت كتموا موته، وجعلوا يخرون من البيت، ويقولون: قال المهدي كذا، وأمر بكذا، وبقي عبد المؤمن يغير في عسكره على القرى، ويعيشون من النهب، وضعف أمرهم، وكذلك اختلف جيش ابن تاشفين الذين يقال لهم: المرابطون، ويقال لهم: الملثمون، فخامر منهم الفلاكي من كبارهم، وسار إلى عبد المؤمن، فتلقاه بالاحترام، واعتضد به، فلما كان بعد خمسة أعوام أفصحوا بموت ابن تومرت، ولقبوا عبد المؤمن أمير المؤمنين، وصارت حصون الفلاكي للموحدين، وأغاروا على نواحي أغمات والسوس الأقصى، واستفحل بهم البلاء. وقال صاحب "المعجب" عبد الواحد المراكشي: استدعى ابن تومرت قبل موته الرجال المسمين بالجماعة وأهل الخمسين والثلاثة عمر أرتاج، وعمر إينتي، وعبد الله بن سليمان، فحمد الله، ثم قال: إن الله -سبحانه، وله الحمد- من عليكم أيتها الطائفة بتأييده، وخصكم بحقيقة توحيده، وقيض لكم من ألفاكم ضلالًا لا تهتدون، وعميًا لا تبصرون، قد فشت فيكم البدع، واستهوتكم الأباطيل، فهداكم الله به، ونصركم، وجمعكم بعد الفرقة، ورفع عنكم سلطان هؤلاء المارقين، وسيورثكم أرضهم وديارهم، ذلك بما كسبت أيديهم، فجددوا لله خالص نياتكم، وأروه من الشكر قولًا وفعلًا مما يزكي به سعيكم، واحذروا الفرقة، وكونوا يدًا واحدةً على عدوكم، فإنكم إن فعلتم ذلك هابكم الناس، وأسرعوا إلى

стр. 8769

طاعتكم، وإن لا تفعلوا شملكم الذل، واحتقرتكم العامة، وعليكم بمزج الرأفة بالغلظة، واللين بالعنف، وقد اخرنا لكم رجلًا منكم، وجعلناه أميرًا بعد أن بلوناه، فرأيناه ثبتًا في دينه، متبصرًا في أمره، وهو هذا -وأشار إلى عبد المؤمن- فاسمعوا له وأطيعوا ما أطاع ربه، فإن بدل ففي الموحدين بركة وخير، والأمر أمر الله يقلده من يشاء. فبايع القوم عبد المؤمن، ودعا لهم ابن تومرت. وقال ابن خلكان: ما استخلفه بل أشار به. قال: فأول ما أخذ من البلاد وهران، ثم تلمسان، ثم فاس، ثم سلا، ثم سبتة، ثم حاصر مراكش أحد عشر شهرًا، فأخذها في سنة اثنتين وأربعين وخمس مائة، وامتد ملكه، وافتتح كثيرًا من الأندلس، وقصدته الشعراء، ولما قال فيه التيفاشي قصيدته: ما هزّ عطفيه بين البيض والأسل … مثل الخليفة عبد المؤمن بن علي أشار إليه أن يقتصر على هذا المطلع، وأمر له بألف دينار، وانقطعت الدعوة العباسية بموت أمير المسلمين علي بن تاشفين وولده تاشفين، وكانت دولة تاشفين ثلاث سنين. قال ابن الجوزي في "المرآة": استولى عبد المؤمن على مراكش، فقتل المقاتلة، وكف عن الرعية، وأحضر اليهود والنصارى، وقال: إن المهدي أمرني أن لا أقر الناس إلَّا على ملة الإسلام، وأنا مخيركم بين ثلاث، إما أن تسلموا، وإما أن تلحقوا بدار الحرب، وإما القتل. فأسلم طائفة ولحقت أخرى بدار الحرب، وخرب كنائسهم، وعملها مساجد، وألغى الجزية، فعل ذلك في جميع مدائنه، وأنفق بيوت الأموال، وصلى فيها اقتداءً بعلي، وليري الناس أنه لا يكنز المال، وأقام كثيرًا من معالم الإسلام مع سياسة كاملة، ونادى: من ترك الصلاة ثلاثًا فاقتلوه، وأزال المنكر، وكان يؤم بالناس، ويتلو في اليوم سبعًا، ويلبس الصوف الفاخر، ويصوم الاثنين والخميس، ويقسم الفيء بالشرع، فأحبوه. قال عزيز في كتاب "الجمع": كان عبد المؤمن يأخذ الحق إذا وجب على ولده، ولم يدع مشركًا في بلاده لا يهوديًا ولا نصرانيًا، فجميع رعيته مسلمون. وقال عبد الواحد بن علي: وزر له أولًا عمر أرتاج، ثم رفعه عن الوزارة، واستوزر أبا جعفر أحمد بن عطية الكاتب، فلما أخذ بجاية استكتب من أهلها أبا القاسم القالمي، ثم في سنة "٥٣" قتل ابن عطية، وأخذ أمواله، واستوزر عبد السلام الكومي، ثم قتله سنة سبع، واستوزر ابنه عمر، وولى قضاءه ابن جبل الوهراني، ثم عبد الله بن عبد الرحمن المالقي، وأسر يحيى الصنهاجي صاحب بجاية، وكان هو وآباؤه من بقايا نواب بني عبيد الرافضة، ثم

стр. 8770

أحس إلى يحيى، وصيره من قواده، وكان عبد المؤمن مؤثرًا لأهل العلم، محبًا لهم، ويجزل صلاتهم، وسميت المصامدة بالموحدين لأجل خوض المهدي بهم في علم الاعتقاد والكلام. وكان عبد المؤمن رزينًا وقورًا، كامل السؤدد، سريًا، عالي الهمة، خليقًا للإمارة، واختلت أحوال الأندلس، وتخاذل المرابطون، وآثروا الراحة، واجترأ عليهم الفرنج، وانفرد كل قائد بمدينة، وهاجت عليهم الفرنج، وطمعوا، فجهز عبد المؤمن عمر إينتي، فدخل إلى الأندلس، فأخذ الجزيرة الخضراء، ثم رندة، ثم إشبيلية وقرطبة وغرناطة، ثم سار عبد المؤمن بجيوشه، وعدى البحر من زقاق سبتة، فنزل جبل طارق، وسماه جبل الفتح، فأقام أشهرًا، وبنى هناك قصورًا ومدينة، ووفد إليه كبراء الأندلس، وقام بعض الشعراء منشدًا: ما للعدى جنّةٌ أوقى من الهرب … أين المفرّ وخيل اللّه في الطّلب وأين يذهب من في رأس شاهقةٍ … وقد رمته سهام اللّه بالشّهب حدّث عن الرّوم في أقطار أندلسٍ … والبحر قد ملأ البرّين بالعرب فأعجب بها عبد المؤمن، وقال: بمثل هذا يمدح الخلفاء. ثم أمر على إشبيلية ولده يوسف، وعلى قرطبة أبا حفص عمر إينتي، وعلى غرناطة عثمان ولده، وقرر بالأندلس جيشًا كثيفًا من المصامدة والعرب وقبائل بني هلال، وكان قد حاربهم مدةً، وظفر بهم، وأذلهم، ثم كاتبهم ولاطفهم، فخدموا معه، وخلع عليهم، وكان دخوله إلى الأندلس في سنة ثمان وأربعين، ومما لاطف به العرب واستمالهم قصيدة له وهي: أقيموا إلى العلياء هوج الرّواحل … وقودوا إلى الهيجاء جرد الصّواهل وقوموا لنصر الدّين قومة ثائرٍ … وشدّوا على الأعداء شدّة صائل فما العزّ إلَّا ظهر أجرد سابحٍ … وأبيض مأثورٌ وليس بسائل بني العمّ من عليا هلال بن عامرٍ … وما جمعت من باسلٍ وابن باسل تعالوا فقد شدّت إلى الغزو نيّةٌ … عواقبها منصورةٌ بالأوائل هي الغزوة الغرّاء والموعد الذي … تنجّز من بعد المدى المتطاول بها نفتح الدّنيا بها نبلغ المنى … بها ننصف التّحقيق من كلّ باطل فلا تتوانوا فالبدار غنيمةٌ … وللمدلج السّاري صفاء المناهل قال عبد الواحد المراكشي: حدثني غير واحد أن عبد المؤمن لما نزل سلا -وهي على

стр. 8771

البحر المحيط ينصب إليها نهر عظيم، ويمر في البحر عبر النهر، وضربت له خيمة، وجعلت جيوشه تعبر قبيلةً قبيلةً، فخر ساجدًا، ثم رفع وقد بل الدمع لحيته، فقال: أعرف ثلاثةً وردوا هذه المدينة، لا شيء لهم إلَّا رغيف واحد، فراموا عبور هذا النهر، فبذلوا الرغيف لصاحب القارب على أن يعدي بهم، فقال: لا آخذه إلَّا عن اثنين، فقال أحدهم وكان شابًا: تأخذ ثيابي وأنا أسبح، ففعل، فكان الشاب كلما أعيا، دنا من القارب، ووضع يده عليه يستريح، فيضربه بالمجذاف، فما عدى إلَّا بعد جهد. فما شك السماعون أنه هو السابح، والآخران ابن تومرت، وعبد الواحد الشرقي. قال: ثم نزل عبد المؤمن مراكش، وأقبل على البناء والغراس وترتيب ملكه، وبسط العدل، وبقي ابنه عبد الله ببجاية يشن الغارات على نواحي إفريقية، وضايق تونس، ثم حاصرها مدةً، وأفسد مياهها، وقطع أشجارها، وبها ابن خراسان نائب صاحب صقلية لوجار بن الدوقة الرومي، فطال على ابن خراسان الحصار، فبرز، والتقى الموحدين، فهزمهم، وقتل خلقًا منهم، فبعث عبد الله يستمد أباه، فتهيأ في سنة ٥٥٣ لتونس، وأقبل في جيوشه حتى نازلها، فأخذها عنوةً، وانتقل إلى المهدية وهي للنصارى لكن رعيتها مسلمون، فطال الحصار لحصانتها، يقال: عرض سورها ممر ستة أفراس، وأكثرها في البحر، فكانت النجدات تأتيها من صقلية. قال ابن الأثير: نازل عبد المؤمن المهدية، فبرز شجعان الفرنج، فنالوا من عسكره، فأمر ببناء سور عليهم، وصابرها، وأخذ سفاقس وطرابلس وقابس، وجرت أمور وحروب يطول شرحها، وجهز من افتتح توزر وبلاد الجريد، وطرد عنها الفرنج، وطهر إفريقية من الكفر، وتكمل له ملك المغرب من طرابلس إلى السوس الأقصى وأكثر مملكة الأندلس، ولو قصد مصر لأخذها، ولما صعبت عليه. وقيل: إنه مر بقريته ليصل بها ذوي رحمه، ويزور قبر أمه، فلما أطل عليها وجيوشه قد ملأت الفضاء، والرايات والبنود على رأسه، وضرب نحو من مائةي طبل، وطبولهم كبار جدًا تزعج الأرض، فقالت عجوز منهم: هكذا يعود الغريب إلى بلده?! وصاحت بذلك. ولما دخلت سنة ثمان وخمسين أمر الجيش بالجهاز لجهاد الروم، واستنفر الناس عامًا، ثم سار حتى نزل بسلا، فمرض، وجاءه الأجل بها في السابع والعشرين من جمادى الآخرة، وارتجت المغرب لموته، وكان قد جعل ولي عهده ابنه محمدًا، وكان لا يصلح لطيشه وجذام به ولشربه الخمر، فتملك أيامًا، وخلعوه، واتفقوا على تولية أخيه يوسف بن عبد المؤمن، فبقي في الملك اثنتين وعشرين سنة. وخلف عبد المؤمن ستة عشر ولدًا ذكرًا. قال صاحب كتاب "الجمع": وقفت على كتاب كتبه عن عبد المؤمن بعض كتابه: من الخليفة المعصوم الرضي الزكي، الذي بشر به النبي العربي، القامع لكل مجسم غوي، الناصر لدين الله العلي، أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي.

стр. 8772

٥٠٥٦ - شهردار (١): ابن شيرويه بن شهردار بن شيرويه بن فناخسره، الإمام العالم المحدث المفيد، أبو منصور بن الحافظ المؤرخ أبي شجاع الديلمي الهمذاني، من ذرية الضحاك بن فيروز الديلمي ﵁. أجاز له عام مولده باعتناء والده أبو بكر بن خلف الشيرازي، وأبو منصور المقومي سنة (٤٨٣). وسمع: أباه، وأبا الفتح عبدوس بن عبد الله، ومكي بن علان السلار، وحمد بن نصر الأعمش، وأبا محمد الدوني، وفيد بن عبد الرحمن، وأبا بكر أحمد بن محمد بن زنجويه فقيه زنجان ذكر أنه سمع منه مسند الإمام أحمد في سنة خمس مائة، أخبرنا الحسين الفلاكي، أخبرنا القطيعي. وسمع ببغداد. حدث عنه: ابنه أبو مسلم أحمد، وأبو سهل عبد السلام بن فتحة السرفولي الذي روى عنه الألقاب للشيرازي، وأبو سعد السمعاني وقال: كان حافظًا عارفًا بالحديث، فهمًا، عارفًا بالأدب، ظريفًا خفيفًا، لازمًا مسجده، متبعًا أثر والده في الحديث والسماع والطلب، رحل مع أبيه سنة خمس وخمس مائة إلى أصبهان، كتبت عنه، وكان يجمع أسانيد كتاب الفردوس لوالده، ورتب ذلك ترتيبًا حسنًا عجيبًا، ثم رأيت الكتاب بمرو سنة ست وخمسين في ثلاث مجلدات ضخمة وقد فرغ منه، وهذبه، ونقحه. وقال عبد الرحيم الحاجي: توفي شهردار في رجب سنة ثمان وخمسين وخمس مائة. أخبرنا أحمد بن المؤيد الزاهد، أخبرنا عبد السلام بن فتحة سنة ثمان عشرة وست مائة حضورًا، أخبرنا أبو منصور شهردار بن شيرويه الديلمي سنة (٥٥٤)، أخبرنا أبو بكر أحمد بن عمر البيع، أخبرنا حميد بن مأمون، أخبرنا أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي الحافظ، أخبرنا أبو سعيد هو عبد الله ابن محمد بن محبور التميمي، حدثنا أبو بكر هو محمد بن أحمد بن عبد الله ابن مهدي، حدثنا عبد العزيز بن يحيى، حدثنا مالك، عن أبي الزناد، عن

стр. 8773

الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لما قضى الله الخلق، كتب كتابًا، فهو عنده على عرشه: إن رحمتي غلبت غضبي" (١). أخرجه النسائي عن شعيب بن شعيب بن إسحاق، عن زيد بن يحيى، عن مالك. وفيها مات أحمد بن محمد بن قدامة الزاهد والد الشيخ موفق الدين، وسلامة بن أحمد بن الصدر، وعبد الرحمن بن أبي الحسن الداراني بدمشق، وأبو محمد عبد الرحمن بن زيد بن الفضل الوراق، وعبد المؤمن صاحب المغرب، وكمال بنت المحدث عبد الله بن أحمد بن السمرقندي، وصاحب الإنشاء سديد الدولة محمد بن عبد الكريم ابن الأنباري عن نيف وثمانين سنة وهبة الله بن الفضل بن القطان المتوثي، أحد الشعراء، وله ثمانون سنة، وشيخ الشافعية باليمن أبو الخير يحيى ابن سالم العمراني صاحب كتاب "البيان في المذهب".

стр. 8774

٥٠٥٧ - الباغبان (١): الشيخ المعمر الثقة الكبير، أبو الخير، محمد بن أحمد بن محمد بن عمر بن القاسم بن عبد الله بن علي بن إسحاق بن سندار، الأصبهاني المقدر المهندس المؤذن الصوفي، شهر بالباغبان. ولد سنة بضع وستين وأربع مائة. وسمع أبا عمرو عبد الوهاب بن مندة، وأبا عيسى بن زياد، وأبا بكر بن ماجه، والمطهر البزاني، وأبا الطيب محمد بن أحمد بن سلى صاحب أبي علي بن البغدادي، والعلامة أبا نصر بن الصباغ في الرسلية، وأبا منصور بن شكرويه، ومحمد بن أحمد السمسار، وإبراهيم بن محمد القفال، وحكيم ابن محمد الإسفراييني سمع منه مسند الشافعي، أخبرنا جدي لأمي علي ابن محمد السقاء. وحدث بحضرة الحافظ أبي العلاء العطار بهمذان وبأصبهان. حدث عنه: السمعاني، وجامع بن خمارتاش، ومحمد بن أحمد بن أبي الفتح النجار، ومحمد بن مكي الحنبلي، وداود بن معمر، وعبد البر بن أبي العلاء، وأبو الوفاء محمود بن مندة، ومحمد بن أحمد المعلم، وآخرون. وآخر من روى عنه بالإجازة كريمة القرشية، وعجيبة الباقدارية. قال ابن نقطة: هو ثقة صحيح السماع. وقال عبد الرحيم الحاجي: مات في ثاني عشر شوال سنة تسع وخمسين وخمس مائة. وفيها مات المسند أبو سعد عبد الوهاب بن الحسن الكرماني، وعلي بن حمزة بن إسماعيل الموسوي الهروي، وأبو المعالي عمر بن علي الصيرفي الخفاف، والحافظ محمد بن الحسين الزاغولي بمرو.

стр. 8775

٥٠٥٨ - الشيخ رسلان (١): هو الشيخ الزاهد العابد، بقية المشايخ، رسلان بن يعقوب بن عبد الرحمن الجعبري، ثم الدمشقي، النشار، من أولاد الأجناد الذين بقلعة جعبر. صحب الشيخ أبا عامر المؤدب الذي هو مدفون مع الشيخ رسلان في قبته بظاهر باب توما ودفن عندهما ثالث وهو أبو المجد خادم رسلان وكان أبو عامر قد صحب الشيخ ياسين تلميذ الشيخ مسلمة. وقيل: إن مسلمة الزاهد صحب الشيخ عقيلًا، وهو صحب الشيخ علي بن عليم صاحب أبي سعيد الخراز. كان نشارًا في الخشب، فقيل: بقي سنين يأخذ أجرته، ويدفعها لشيخه أبي عامر، وشيخه يطعمه. وقيل: بل كان يقسم أجرته، فثلث يتصدق به، وثلث لقوته، وثلث لباقي مصالحه. وكان يتعبد بمسجد داخل باب توما جوار بيته، ثم انتقل إلى مسجد درب الحجر، فأقام بجهته الشرقية، وكان الشيخ أبو البيان في جانبه الغربي، فتعبدا مدةً، وصحب كلا منهما جماعة، ثم خرج الشيخ بأصحابه، فأقام بمسجد خالد بن الوليد الذي تجاه قبته، وعبد الله إلى أن مات في حدود سنة خمسين وخمس مائة أو بعد ذلك. وقد سقت من أخباره في "تاريخنا الكبير". وكان ورعًا قانتًا، صاحب أحوال ومقامات، ولم تبلغني أخباره كما ينبغي، وما عملته كان له اشتغال في العلم.

стр. 8776

٥٠٥٩ - أبو الحسين الزاهد (١): هو الزاهد القدوة الولي، أبو الحسين بن أبي عبد الله بن حمزة المقدسي. ألف الحافظ الضياء سيرته في جزء، أنبأني به الشيخ أبو عبد الله بن الكمال وغيره بسماعهم منه، فقال: حدثني الإمام عبد الله بن أبي الحسن الجبائي قال: مضيت إلى زيارة أبي الحسين الزاهد بحلب، ولم تكن نيتي صادقةً، فقال: إذا جئت إلى المشايخ، فلتكن نيتك صادقةً في الزيارة. سألت خالي أبا عمر: هل رأيت أبا الحسين يأكل شيئًا? فقال: رأيته يأكل خروبًا يمصه ويرمي به، ورأيته يأكل بقلًا مصلوقًا. قال أبو سعد السمعاني: سمعت سنان بن مشيع الرقي يقول: رأيت أبا الحسين المقدسي برأس عين في موضع عريانًا قد اتزر بقميصه ومعه حمار، والناس قد تكابوا عليه، فقال: تعال: فتقدمت، فأخذ بيدي، وقال: نتواخى? قلت: ما لي طاقة. قال: أيش لك في هذا؟ وآخاني. وقال لواحد من الجماعة: حماري يحتاج إلى رسن. فقالوا: ثمنه أربعة فلوس. فأشار إلى موضع في الحائط، فإني جزت ها هنا، وخبأت ثم أربع فلوس، اشتروا لي بها حبلًا. ثم قال: أريد أن تشتري لي بدينار سمكًا. قلت: كرامة، ومن أين لك ذهب? قال: بلى معي ذهب كثير. قلت: الذهب يكون أحمر. قال: أبصر تحت الحشيش. فأخذت الحشيش، فخرج دينار، فاشتريت له به سمكًا، فنظفه، وشواه، ثم قلاه، ثم أخرج منه الجلد والعظام، وجعله أقراصًا، وجففه، وتركه في جرابه، ومضى وله سنون ما أكل الخبز. وكان يسكن جبال الشام، ويأكل البلوط والخرنوب. قال الضياء: قرأت بخط يوسف بن محمد بن مقلد الدمشقي أنه سمع من الشيخ أبي الحسين أبياتًا، ثم قال: وكان عظيم الشأن، يقعد خمسة عشر يومًا لا يأكل سوى أكلة، ويتقوت من الخروب البري، ويجفف السمك، وحدثني يوسف بن الشيخ أبي الحسين أن الشيخ استف من صرة، فرآه رجل، فأراد أن يستف منه، فإذا هو مر، فلما جاء الشيخ، قال: يا سيدي، ما في الصرة? فناوله منها كفًا، فإذا هو سكر وقلب لوز.

стр. 8777

وأخبرنا أبو المظفر السمعاني عن أبيه: سمعت عبد الواحد بن عبد الملك الزاهد بالكرج، سمعت أبا الحسين المقدسي وكان صاحب آيات وكرامات عجيبة، وكان طاف الدنيا يقول: رأيت أعجميًا بخراسان يعظ، اسمه يوسف بن أيوب. قال: وحدثني أبو تمام حمد بن تركي بن ماضي قال: حدثني جدي قال: كان بعسقلان في يوم عيد، فجاء أبو الحسين الزاهد إلى امرأة معها خبز سخن، فقال: تشتهي لزوجك من هذا الخبز وكان في الحج فناولته رغيفين، فلفهما في مئزر، ومضى إلى مكة، فقال: خذ هذا من عند أهلك. وأخرجه سخنًا، ورجع، فرأوه يومئذ بمكة وبعسقلان، وجاء الرجل، وقال: أما أعطيتني الرغيفين? فقال: لا تفعل، قد اشتبه عليك. فحدثني جدي ماضي قال: كان أبو الحسين بعسقلان، فوصوا عليه البوابين لا تخلوه يخرج خوفًا من الفرنج، فجاء وعدا وقميصه في فمه، فإذا هو في جبل لبنان، فقال لنفسه: ويلك وأنت ممن بلغ هذه الرتبة?! وعن مسعود اليمني: قالت الفرنج: لو أن فيكم آخر مثل أبي الحسين لاتبعناكم على دينكم، مروا يومًا، فرأوه راكبًا على سبع وفي يده حية، فلما رآهم، نزل ومضى. السمعاني: سمعت عبد الواحد بالكرج يقول: سمعت الكفار يقولون: الأسود والنمور كأنها نعم أبي الحسين. قال الضياء: سمعنا له غير ذلك من مشي الأسد معه، وقيل: عمل حلاوةً من قشور البطيخ، فغرف حلاوةً من أحسن الحلاوة. وحدثني عنه المحسن بن محمد بن الشيخ، حدثنا أبي قال: كان والدي يعمل لنا الحلاوة من قشور البطيخ، ويسوطها بيده، فعملنا بعده، فلم تنعمل، فقالت أمي: بقيت تعوز المغرفة. حدثني خالي أبو عمر قال: كان أبو الحسين يجيء إلينا، وكان يقطع البطيخ ويطبخه، واستعار مني سكينًا، فجرحته، فقال: ما سكينك إلَّا حمقى. وعن امرأة: أن أبا الحسين دخل تنورًا، وخرج منه. حدثنا محمد بن إسماعيل الإمام بمردا، حدثنا أبو يوسف حسن قال: كنت مع أبي الحسين الزاهد، فقال لناس: أعطوني من ناركم، فملؤوا له قطعة جرة، فقال: صبوها في ملحفتي. فصبوها في ملحفته، فأخذها ومضى. وقيل: إنه رش ماءً على زمنة، فمشت. سمعت خالي موفق الدين يقول: حكي أن أبا الحسين أراد لص أن يأخذ حماره، قال: فيبست يده، فلما أبعد عنه، عادت. قال الضياء: وبلغني عنه أنه كان يلبس سراويله حماره، ويقول: نواري عورته. فيضحك الناس. وقيل: كان إذا عرف بمكان سافر، وقبره يزار بظاهر حلب. مات -ظنًا: سنة ثمان وأربعين وخمس مائة. وقيل: أعطت زوجة سلطان حلب لزوجة أبي الحسين شقة حرير، فعملها سراويل لحماره. ورأى حمالًا قد رمى قفص فخار، فتطحن، فجمعه له، وجاء معه إلى الفاخورة، فحطه، فوجده صحاحًا.

стр. 8778

٥٠٦٠ - مسعود (١): السلطان الكبير، غياث الدين، أبو الفتح، مسعود بن السلطان محمد ابن السلطان ملكشاه السلجوقي. نشأ بالموصل مع أتابك مودود، ورباه، ثم مع آقسنقر البرسقي، ثم مع خوش بك صاحب الموصل، فلما مات والده، حسن له خوشبك الخروج على أخيه محمود، فالتقيا، فانكسر مسعود، ثم تنقلت به الأحوال، واستقل بالسلطنة في سنة (٥٢٨)، وقدم بغداد. قال ابن خلكان: كان عادلًا لينًا، كبير النفس، فرق مملكته على أصحابه، وما ناوأه أحد إلَّا وظفر به، وقتل خلقًا من كبار الأمراء والخليفتين الراشد والمسترشد، لأنه وقع بينه وبين المسترشد لاستطالة نواب مسعود على العراق، وعارضوا الخليفة في أملاكه، فبرز لحربه، فجيش مسعود بهمذان، فالتقيا، فانكسر جيش المسترشد، وأسر في عدة من أمرائه، وطاف بهم مسعود بأذربيجان، وقتل الخليفة بمراغة، وأقبل مسعود على اللذات والبطالة، وحدث له علة الغثيان مدة، وجرت بينه وبني عمه سنجر منازعة، ثم تصالحا. قال ابن الأثير: كان كثير المزاح، حسن الخلق، كريمًا، عفيفًا عن أموال الرعية، من أحسن السلاطين سيرةً، وألينهم عريكةً. قلت: أبطل مكوسًا ومظالم كثيرةً، وعدل، واتسع ملكه، وكان يميل إلى العلماء والصالحين، ويتواضع لهم.

стр. 8779

قال ابن الدبيثي: أنبأنا علي بن محمد النيسابوري، أخبرنا السلطان مسعود، أخبرنا أبو بكر قاضي المرستان، أخبرنا البرمكي بحديث من "جزء الأنصاري". قال أبو سعد السمعاني: كان بطلًا شجاعًا، ذا رأي وشهامة، تليق به السلطنة، سمع منه جماعة، مات في جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين وخمس مائة. قلت: نقل إلى أصبهان، فدفن بها، وعاش خمسًا وأربعين سنةً، وكان قد أحب خاص بك التركماني، فرقاه، وقدمه على جميع قواده، وكثرت أمواله، فلما مات السلطان، قال خاص بك لولده ملكشاه: سأقبض عليك صورةً، وأطلب أخاك محمدًا لأملكه، فإذا جاء أمسكناه، وتستقل أنت. قال: فافعل. فما نفق خبثه على محمد، وجاء إلى همذان، فبادر العسكر إليه، فقال: كلامكم مع خاص بك فهو الوالد، فوصل هذا القول إلى خاص بك، فاطمأن، وتلقاه، وقدم له تحفًا، ثم قتل خاص بك، وخلف أموالًا جزيلةً من بعضها سبعون ألف ثوب أطلس. قال المؤيد: بدره السلطان محمد ثاني يوم من قدومه، وقتله، وقتل معه آخر.

стр. 8780

٥٠٦١ - الخجندي (١): العلامة الأكمل، صدر الدين، أبو بكر محمد بن عبد اللطيف بن محمد بن ثابت الخجندي، ثم الأصبهاني الشافعي. سمع أبا علي الحداد وغيره. قال السمعاني: كان صدر العراق على الإطلاق، إمامًا فحلًا، مناظرًا، مليح الوعظ، جوادًا مهيبًا، كان السلطان محمود يصدر عن رأيه، وكان بالوزراء أشبه منه بالعلماء، وكان يروي الحديث على المنبر من حفظه. وقال ابن الجوزي: قدم وولي التدريس النظامية، حضرت مناظرته. وهو يتكلم بكلمات معدودة كأنها الدر، ووعظ بجامع القصر، وما كان يندار في الوعظ، وكان مهيبًا، وحوله السيوف. قال السمعاني: ذهب إلى أصبهان، فنزل قريةً بقرب همذان، فنام في عافية، وأصبح ميتًا في شوال سنة اثنتين وخمسين وخمس مائة. قال ابن الأثير: جرت لموته فتنة قتل فيها خلق أصبهان.

стр. 8781

٥٠٦٢ - ابن المتوكل (١): الشيخ أبو علي الحسن بن جعفر بن عبد الصمد ابن المتوكل على الله، الهاشمي العباسي. سمع أبا غالب الباقلاني، وعلي بن محمد العلاف، وجماعة. روى عنه: السمعاني، وعبد المغيث بن زهير، وأبو المنجا ابن اللتي. وكان يلقب بهاء الشرف. قال السمعاني: له معرفة بالأدب والشعر، وكان صالحًا. وقال ابن النجار: له كتاب سرعة الجواب أتى فيه بكل مليح. وقيل: جمع "سيرةً" للمقتفي. توفي سنة ثلاث وخمسين وخمس مائة. ٥٠٦٣ - ابن القلانسي (٢): الصاحب العميد، أبو يعلى، حمزة بن أسد بن علي، التميمي الدمشقي ابن القلانسي الكاتب، صاحب "التاريخ". روى عن: سهل بن بشر الإسفراييني، وحامد بن يوسف. قال ابن عساكر: كان كاتبًا أديبًا، تولى رئاسة دمشق مرتين، وكان يكتب له في سماعه أبو العلاء المسلم، فذكر هو أنه هو، وأنه كان كذلك يسمى، صنف "تاريخًا" للحوادث، توفي في ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمس مائة. قلت: نيف على الثمانين، وحدث عنه أبو القاسم بن صصرى، ومكرم بن أبي الصقر، وجماعة. وكان متميزًا في الكتابتين الإنشاء والديوان، وحمدت ولايته، وفي عقبه رؤساء وعلماء.

стр. 8782

٥٠٦٤ - صاحب غزنة (١): السلطان خسروشاه بن السلطان بهرام شاه بن السلطان مسعود بن إبراهيم بن مسعود بن فاتح الهند السلطان محمود بن سبكتكين. تملك بعد أبيه تسعة أعوام. قال ابن الأثير: كان عادلًا، حسن السيرة، محبًا للخير، مقربًا للعلماء، راجعًا إلى قولهم، توفي في رجب سنة خمس وخمسين وخمس مائة، وقام بعده ابنه السلطان ملكشاه، فقصده ملك الغور علاء الدين، وحاصر غزنة، فنزل عليهم ثلج كثير، فترحلوا. قال المؤيد: صاهر الأمير محمد بن الحسين الغوري للسلطان بهرام شاه بن مسعود، فاستوحش السلطان من محمد، فأمسكه، ثم ذبحه، فحشد أخوه سوري وأقبل، فالتقوا، فأسره بهرام شاه، فقتله أيضًا، فأقبل أخوهما الملك علاء الدين حسين بن حسين، وهزم بهرام شاه، واستولى على غزنة، واستناب عليها أخاه سيف الدين سام بن الحسين، ثم التقى بهرام شاه هو وسام، فقتل سام، وتمكن بهرام شاه إلى أن مات، وتملك خسرو، فقصده ملك الغور علاء الدين الملك المعظم، فهرب خسرو إلى نهاور، وتملك علاء الدين حسين غزنة، ونهبها، ودانت له الأمم، واستعمل ولدي أخيه غياث الدين وشهاب الدين ابني سام اللذين تمكنا وتملكا، فحاربا عمهما، فهزماه، وقهراه، وأسراه، لكن أكرماه، وأعاداه إلى مملكته، ووقفا في خدمته، فزوجهما بابنتيه، وجعلهما وليي عهده، ودام ذلك إلى أن مات هو سنة ست وخمسين وخمس مائة. ٥٠٦٥ - الكرخي (٢): القاضي العلامة، أبو طاهر، محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر بن الكرخي. حدث عن: النعالي، والحسين بن البسري. وعنه: عبد العزيز بن الأخضر، وغيره. وولي القضاء بباب الأزج وبواسط. تفقه بإلكيا الهراسي، والشاشي، وشهد على أبي الحسن بن الدامغاني. وله فضائل. مات في ربيع الأول سنة ست وخمسين وخمس مائة بعد علة طويلة وله ثمانون سنة.

стр. 8783

٥٠٦٦ - ابن المادح (١): الشيخ المعمر الصدوق، أبو محمد، محمد بن أحمد بن عبد الكريم ابن محمد بن المادح التميمي البغدادي. شيخ معمر، عنده نحو من ستة أجزاء عالية. سمع: أبا نصر الزينبي، وأبا الحسن علي بن محمد الأنباري، وأبا الغنائم بن أبي عثمان. حدث عنه: إبراهيم بن محمد الشعار، وأحمد بن طارق، وعمر بن محمد الدينوري، وأحمد بن يحيى بن هبة الله، وعبد الحق بن المقرون، وعبد الرحمن بن الغزال، وأبو الفتوح نصر بن الحصري، وثابت بن مشرف، وعلي بن برورنداز، وعبد اللطيف بن عبد الوهاب الطبري، ومحمد ابن محمد بن أبي حرب النرسي. وكان أبوه نواحًا، مداحًا للصحابة بالقصائد في المواسم بصوت مطرب. مات أبو محمد في ذي القعدة سنة ست وخمسين وخمس مائة في عشر التسعين. وفيها مات أبو حكيم إبراهيم بن دينار النهرواني الفقيه الزاهد، وأمير مصر الصالح طلائع بن رزيك، وأبو الفتح عبد الوهاب بن محمد بن الصابوني، ومقبل بن أحمد بن الصدر الحنبلي، وصاحب ما وراء النهر محمود خاقان بن محمد. ٥٠٦٧ - ابن كروس (٢): الشيخ المحدث المسند، أبو يعلى، حمزة بن أحمد بن فارس بن المنجا بن كروس السلمي الدمشقي. مولده يوم الأضحى سنة ثلاث وسبعين وأربع مائة. وسمع "موطأ" يحيى بن بكير عن مالك من الفقيه نصر بن إبراهيم المقدسي، وسمع من مكي بن عبد السلام الرميلي، وسهل بن بشر الإسفراييني. وطلب في وقت بنفسه، ونسخ بخطه. حدث عنه: ابن عساكر، وابنه القاسم، وعمر بن علي القرشي، وأخوه عبد الوهاب، والقاضي عبد الرحمن بن سلطان، وأبو القاسم بن صصرى، ومكرم بن أبي الصقر، وإسحاق بن طرخان الشاغوري، وآخرون. قال الحافظ ابن عساكر: كتبت عنه بعد ما تاب، وكان شيخًا حسن السمت، توفي في صفر سنة سبع وخمسين وخمس مائة. وفيها مات أبو العباس أحمد بن ناقة الكوفي المحدث، وزمرذ خاتون أم شمس الملوك صاحبة الخاتونية التي على الشرف، وصدقة بن وزير الواسطي الواعظ، والواعظ عبد الرحمن المعري بدمشق، والشيخ عدي بن مسافر الزاهد، وإلكيا الصباحي الباطني صاحب ألموت، وهبة الله الشلبي القصار صاحب أبي نصر الزينبي.

стр. 8784

٥٠٦٨ - الشبلي (١): الشيخ المسند، بقية المشايخ، خاتم من سمع من أبي نصر محمد ابن محمد الزينبي، أبو المظفر هبة الله بن أحمد بن محمد بن الشبلي البغدادي القصار الدقاق المؤذن. ولد سنة سبعين وأربع مائة. وسمع أيضًا من: أبي الغنائم بن أبي عثمان، وطراد بن محمد الزينبي، وأبي نصر بن المجلي. حدث عنه: أحمد بن صالح الجيلي، وأبو بكر الباقدرائي، وأبو العلاء العطار، وعبد المغيث بن زهير، وأحمد بن طارق، وأبو طالب بن عبد السميع، وعلي بن أبي سعد بن تميرة، وأبو الفتوح بن الحصري، وزيد ابن يحيى البيع، وظفر بن سالم البيطار، وأخته ياسمين، والشيخ شهاب الدين عمر السهروردي، والنفيس بن كرم، وهبة الله بن عمر بن كمال القطان، وعدة. وآخر من روى عنه بالإجازة عجيبة الباقدارية. توفي في سلخ ذي الحجة سنة سبع وخمسين وخمس مائة. ومن غريب الاتفاق أن فيها مات سميه أبو بكر هبة الله بن أحمد بن محمد الحفار ببغداد، سمع من رزق الله التميمي، وأجاز لكريمة.

стр. 8785

٥٠٦٩ - الموسوي (١): السيد العالم الزاهد الصالح، شيخ هراة، أبو الحسن، علي بن حمزة ابن إسماعيل بن حمزة، الهاشمي العلوي الموسوي الهروي. ولد سنة ثمان وستين وأربع مائة. وسمع من: محمد بن علي العميري، ونجيب بن مروان، وأبي عامر الأزدي، وصاعد بن سيار، والحافظ عبد الله بن يوسف الجرجاني، وجماعة. وخرج الحافظ أبو النضر عبد الرحمن الفامي له "جزءًا" عن مشايخه. ومن مروياته كتاب العوالي لابن عدي. وسمع "جامع" أبي عيسى من الأزدي. حدث عنه: السمعاني وولده، وعبد الله بن عيسى بن أبي حبيب، وحفيده محمد بن إسماعيل بن علي، وحفيده الآخر علي بن محمد بن علي، ويحيى بن محمد المروزي، وأبو روح عبد المعز بن محمد البزاز، وآخرون. وعاش نيفًا وتسعين سنة. قال السمعاني: علوي حسن السيرة، مرضي، جميل الظاهر والباطن، كثير العبادة والخير، يتفقد الفقراء، ويراعيهم، محترم عند أهل بلده، مات سنة تسع وخمسين وخمس مائة. ٥٠٧٠ - الزيادي: الشيخ أبو عبد الله، محمد بن يوسف البغوي المقرئ الصوفي، بقية الكبار. سمع جامع أبي عيسى من محمد بن أبي صالح الدباس في سنة ثمان وثمانين وأربع مائة. ذكره ابن نقطة وأنه توفي بهراة سنة ستين وخمس مائة، فلو أنه كان ببغداد لبقي أصحابه إلى بعد الأربعين وست مائة. عاش أكثر من تسعين سنة.

стр. 8786

٥٠٧١ - أبو حكيم (١): العلامة القدوة، أبو حكيم، إبراهيم بن دينار النهرواني الحنبلي، أحد أئمة بغداد. إمام زاهد ورع خير حليم، إليه المنتهى في علم الفرائض. أنشأ بباب الأزج مدرسةً، وانقطع بها يتعبد. وكان يؤثر الخمول والقنوع، ويقتات من الخياطة، فيأخذ على القميص حبتين فقط، ولد جهد جماعة في إغضابه، فعجزوا، وكان يخدم الزمنى والعجائز بوجه طلق، وسماعه صحيح. سمع أبا الحسن بن العلاف، وأبا القاسم بن بيان. وعنه: ابن الجوزي، وابن الأخضر، وأبو نصر عمر بن محمد. عاش خمسًا وسبعين سنة، وتوفي في جمادى الآخرة سنة ست وخمسين وخمس مائة. ٥٠٧٢ - الزيات (٢): الشيخ الصالح، أبو الندى، حسان بن تميم بن نصر، الدمشقي الزيات. سمع من الفقيه نصر بن إبراهيم المقدسي من مجالسه. وعاش بضعًا وثمانين سنة. روى عنه: ابن عساكر وابنه، وعبد الخالق بن أسد، وأبو المواهب التغلبي، ومكرم القرشي، وكريمة بنت الحبقبق، وآخرون. توفي في تاسع عشر رجب سنة ستين وخمس مائة، ودفن بمقبرة باب الفراديس. وفيها مات أبو الفضل عبد الواحد بن إبراهيم بن القزة الدمشقي راوي "الصحيح" عن الفقيه نصر، عن ابن السمسار.

стр. 8787

٥٠٧٣ - الصالح (١): وزير مصر، الملك الصالح، أبو الغارات، طلائع بن رُزِّيك الأرمني المصري الرافضي، واقف جامع الصالح الذي بالشارع. ولي نواحي الصعيد، فلما قتل الظافر، نفذ آل الظافر وحرمه إلى ابن رزيك كتبًا مسخمة في طيها شعور أهله مقصوصةً، يستنفرونه ليأخذ بالثأر، فحشد وجمع، وأقبل، واستولى على مصر. وكان أديبًا عالمًا شاعرًا سمحًا جوادًا ممدحًا شجاعًا سائسًا. ولد "ديوان" صغير. ولما مات الفائز، أقام العاضد، فتزوج العاضد ببنته، وكان الحل والعقد إلى الصالح، وكان العاضد محتجبًا عن الأمور لصباه، واغتر الصالح بطول السلامة، ونقص أرزاق الأمراء، فتعاقدوا على قتله، ووافقهم العاضد، وقرر قتله مع أولاد الداعي، وأكمنهم في القصر، فشدوا عليه، وجرحوه عدة جراحات، فبادر مماليكه، فقتلوا أولئك، وحمل، فمات ليومه في تاسع عشر رمضان سنة ست وخمسين وخمس مائة، وخلع على ابنه العادل رزيك، وولي الوزارة. قال الشريف الجواني: كان في نصر المذهب كالسكة المحماة لا يفري فريه، ولا يباري عبقريه، وكان يجمع العلماء، ويناظرهم على الإمامة. قلت: صنف في الرفض والقدر. ولعمارة اليمني فيه مدائح ومراثي. ولقد قال لعلي بن الزبد لما ضجت الغوغاء يوم خلافة العاضد وهو حدث: يا علي، ترى هؤلاء القوادين دعاة الإسماعيلية يقولون: ما يموت الإمام حتى ينصها في آخر، وما علموا أني من ساعة كنت أستعرض لهم خليفةً كما أستعرض الغنم.

стр. 8788

٥٠٧٤ - المقتفي لأمر الله (١): أمير المؤمنين، أبو عبد الله، محمد بن المستظهر بالله أحمد بن المقتدي بالله عبد الله بن الذخيرة محمد بن القائم بأمر الله عبد الله بن القادر بالله أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر، الهاشمي العباسي البغدادي الحبشي الأم. مولده في ربيع الأول سنة تسع وثمانين وأربع مائة. وسمع من أبي الحسن بن العلاف، ومن مؤدبه أبي البركات السيبي. وبويع بالإمامة في سادس عشر ذي القعدة سنة ثلاثين وخمس مائة. قال السمعاني: وأظنه سمع "جزء ابن عرفة" من ابن بيان، كتبت إليه قصة أسأله الإنعام بالإذن في السماع منه، فأنعم، وفتش على الجزء، ونفذه إلي على يد إمامه ابن الجواليقي، فسمعته من ابن الجواليقي عنه، حدثنا أبو منصور بن الجواليقي، أخبرنا المقتفي لأمر الله … فذكر حديثًا. قرأته على الأبرقوهي، أخبرنا أبو علي بن الجواليقي، أخبرنا الوزير عون الدين، أخبرنا المقتفي، أخبرنا أحمد بن عبد الوهاب، أخبرنا أبو محمد الصريفيني، أخبرنا أبو طاهر المخلص، أخبرنا إسماعيل الوراق، حدثنا حفص الربالي، حدثنا أبو سحيم، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزداد الأمر إلَّا شدةً، ولا الناس إلَّا شحًا، ولا تقوم الساعة إلَّا على شرار الناس" (٢). وأنبأناه جماعة سمعوه من أبي اليمن الكندي، أخبرنا أبو الفتح البيضاوي، أخبرنا الصريفيني. كان المقتفي عاقلًا لبيبًا، عاملًا مهيبًا، صارمًا، جوادًا، محبًا للحديث والعلم، مكرمًا لأهله، وكان حميد السيرة، يرجع إلى تدين وحسن سياسة، جدد معالم الخلافة، وباشر المهمات بنفسه، وغزا في جيوشه. قال أبو طالب بن عبد السميع: كانت أيامه نضرةً بالعدل زهرة بالخير، وكان على قدم من العبادة قبل الخلافة ومعها، ولم ير مع لينه بعد المعتصم في شهامته مع الزهد والورع، ولم تزل جيوشه منصورة.

стр. 8789

قلت: وكان من حسناته وزيره عون الدين بن هبيرة، وقيل: كان لا يجري في دولته شيء إلَّا بتوقيعه، وكتب في خلافته ثلاث ربعات، ووزر له علي بن طراد، ثم أبو نصر بن جهير، ثم علي بن صدقة، ثم ابن هبيرة، وحجبه أبو المعالي بن الصاحب، ثم كامل بن مسافر، ثم ابن المعوج، ثم أبو الفتح بن الصيقل، ثم أبو القاسم بن الصاحب. وكان أسمر آدم، مجدور الوجه، مليح الشيبة، أقام حشمة الخلافة، وقطع عنها أطماع السلاطين السلجوقية وغيرهم، وكان من سلاطين خلافته صاحب خراسان سنجر بن ملكشاه، والملك نور الدين صاحب الشام، وأبوه قسيم الدولة. أنبؤونا عن ابن الجوزي قال: قرأت بخط أبي الفرج الحداد قال: حدثني من أثق به أن المقتفي رأى في منامه قبل أن يستخلف بستة أيام رسول الله ﷺ يقول له: سيصل هذا الأمر إليك، فاقتف بي. فلذا لقب المقتفي لأمر الله. وكان قد قدم بغداد السلطان مسعود السلجوقي، وذهب الراشد من بغداد، فاجتمع القضاة والكبراء، وخلعوا الراشد -كما ذكرنا- لعدم أهليته، وحكم بخلعه ابن الكرخي القاضي، وبايعوا عمه. قال السديد بن الأنباري: نفذ السلطان إلى عمه سنجر: من نستخلف? فكتب إليه: لا تول إلَّا من يضمنه الوزير، وصاحب المخزن، وابن الأنباري. قال: فاجتمع بنا مسعود، فقال الوزير: نولي الدين الزاهد محمد بن المستظهر. قال: تضمنه? قال: نعم. وكان صهرًا للوزير على بنته تزوج بها في دولة أبيه. وأخذ مسعود كل حواصل دار الخلافة بحيث لم يدع في إصطبل الخلافة سوى أربعة أفراس وثمانية بغال. فقيل: بايعوا محمدًا على أن لا يكون عنده خيل ولا عدة سفر، وفي الثانية من سنيه صادر مسعود أهل بغداد، فخرج إليه ابن الكواز الزاهد، ووعظه، فترك، ولم يدع للخليفة سوى العقار، ثم تزوج الخليفة بأخت مسعود. وفيها اقتتل مسعود وعساكر أذربيجان والراشد المخلوع، وتمت وقعة مهولة، وكتب الخليفة لزنكي بعشرة بلاد، وأن لا يعين الراشد، فخطب بالموصل للمقتفي، فنفذ الراشد يقول لزنكي: غدرت. قال: ما لنا طاقة بمسعود، وفارق الراشد وزيره ابن صدقة، وقل جمعه، وتحيز إلى مراغة، وبكى عند قبر أبيه، وحثا على رأسه التراب، فثار معه أهل مراغة، وبذلوا له الأموال، وقوي بالملك داود، وعمل مصافًا مع مسعود، فاستظهر داود. وفيها هرب وزير مصر تاج الدولة بهرام الأنصاري الأرمني، وكان قد تمكن، واستعمل

стр. 8790

الأرمن، فظلم الرعية، فجمع رضوان الولخشي جيشًا، وقصد القاهرة، فسار بهرام في جيشه إلى الصعيد وأكثرهم أرمن نصارى، فمنعه أمير أسوان من دخولها، فاقتتلوا، وقتل عدة من الأرمن والسودان، ثم بعث يطلب أمانًا من الحافظ العبيدي، فآمنه، فعاد وحبس بالقاهرة، ثم ترهب، ثم أطلق، ووزر للحافظ رضوان، ولقب بالملك الأفضل، ثم وقع بينه وبين الحافظ بعد سنتين، فهرب إلى الشام، فنزل على أمير الدولة كمشتكين صاحب صرخد، فأكرمه، وعظمه. وأعيدت إلى المقتفي ضياعه ومعاملاته، وتمكن، ونصر عسكر دمشق وعليهم بزواش على فرنج طرابلس، والتقى زنكي والفرنج أيضًا فهزمهم، واستولى على قلعة لهم، ثم سار وأخذ بعلبك، وأخذت الروم بزاعة بالأمان، وتنصر قاضيها وجماعة، فلله الأمر. وتزوج السلطان مسعود ببنت دبيس الأسدي لملاحتها، وأغلقت بغداد للعرس أسبوعًا في سنة "٥٣٢". وفيها استفحل أمر الراشد، والتف عليه عساكر، فقتلته الباطنية، ونازلت عساكر الروم حلب، وحمي الحرب، وقتل خلق من النصارى، وقتل بطريقهم، ثم نازلوا شيزر مدةً، وعاثوا في الشام، وما قحم عليهم زنكي، بل ضايقهم، وطلب النجدة من السلطان مسعود، ثم قلعهم الله. وفي سنة ٥٣٣ زلزلت جنزة. قال ابن الجوزي: فأهلكت مائتي ألف وثلاثين ألفًا، فسمعت شيخنا ابن ناصر يقول: جاء الخبر أنه خسفت جنزة، وصار مكان البلد ماء أسود. وكذا عدهم ابن الأثير في كامله لكن أرخها في سنة أربع. وفيها حاصر زنكي دمشق غير مرة، وعزل ابن طراد من الوزارة، ووليها أستاذ الدار أبو نصر بن جهير، وعظم الخطب بالعيارين، وأخذوا الدور بالشموع والثياب من الحمامات، وأعانهم وزير السلطان، فتحزب الناس لهم، وأذن في ذلك السلطان، وتتبعوهم. وفيها كانت وقعة عظمى بين سنجر السلطان وبين كافر ترك بما وراء النهر، فانكسر المسلمون، ونجا سنجر في طائفة، فتوصل إلى بلخ في ستة نفر، وقتل خلق كثير من الجيش حتى قيل: قتل مائة ألف، وسار اللعين في ثلاث مائة ألف فارس، وأحاطوا بسنجر في سنة ست وثلاثين. وفي سنة تسع وثلاثين حاصر زنكي الفرنج بالرها، وافتتحها، ثم بعد سنوات أخذتها الفرنج.
следующие страницы →