← Тараджим

Тараджим · id 22669

سير أعلام النبلاء - ط الحديث

شمس الدين الذهبي

Полный текст (9 721 стр.). Показаны 8716–8755 · переход к 8721.

стр. 8716

٤٩٩٣ - السبخي (١): فالشيخ الإمام الفقيه الزاهد المسند، أبو طاهر، محمد بن أبي بكر ابن عثمان بن محمد السبخي البزدوي البخاري الصابوني الحنفي. سمع في صباه من المعمر عبد الواحد بن عبد الرحمن الزبيري الوركي وجماعة، وصحب الزاهد يوسف بن أيوب. حدث عنه السمعاني وابنه أبو المظفر. مات ببخارى، في جمادى الأولى، سنة خمس وخمسين وخمس مائة. كتبته للتمييز، فكل من السنجي والسبخي من مشايخ أبي المظفر السمعاني ووالده. ٤٩٩٤ - الشهرستاني (٢): الأفضل محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني، أبو الفتح، شيخ أهل الكلام والحكمة، وصاحب التصانيف. برع في الفقه على الإمام أحمد الخوافي الشافعي، وقرأ الأصول على أبي نصر بن القشيري، وعلى أبي القاسم الأنصاري. وصنف كتاب "نهاية الإقدام"، وكتاب "الملل والنحل". وكان كثير المحفوظ، قوي الفهم، مليح الوعظ. سمع بنيسابور من أبي الحسن بن الأخرم. قال السمعاني: كتبت عنه بمرو، وحدثني أنه ولد سنة سبع وستين وأربع مائة. ومات في شعبان سنة ثمان وأربعين وخمس مائة. ثم قال: غير أنه كان متهمًا بالميل إلى أهل القلاع والدعوة إليهم، والنصرة لطاماتهم. وقال في "التحبير": هو من أهل شهرستانه، كان إمامًا أصوليًا، عارفًا بالأدب وبالعلوم المهجورة. قال: وهو متهم بالإلحاد، غال في التشيع. وقال ابن أرسلان في "تاريخ خوارزم": عالم كيس متفنن، ولولا ميله إلى أهل الإلحاد وتخبطه في الاعتقاد، لكان هو الإمام، وكثيرًا ما كنا نتعجب من وفور فضله كيف مال إلى شيء لا أصل له?! نعوذ بالله من الخذلان، وليس ذلك إلَّا لإعراضه عن علم الشرع، واشتغاله بظلمات الفلسفة، وقد كانت بيننا محاورات، فكيف يبالغ في نصرة مذاهب الفلاسفة والذب عنهم، حضرت وعظه مرات، فلم يكن في ذلك قال الله ولا قال رسوله، سأله يومًا سائل، فقال: سائر العلماء يذكرون في مجالسهم المسائل الشرعية، ويجيبون عنها بقول أبي حنيفة والشافعي، وأنت لا تفعل ذلك?! فقال: مثلي ومثلكم كمثل بني إسرائيل يأتيهم المن والسلوى، فسألوا الثوم والبصل … إلى أن قال ابن أرسلان: مات بشهرستانة سنة تسع وأربعين وخمس مائة. قال: وقد حج سنة عشر وخمس مائة، ووعظ ببغداد.

стр. 8717

٤٩٩٥ - عباسة: الواعظ العالم، أبو محمد، العباس بن محمد بن أبي منصور الطابراني الطوسي العصاري، راوي الكشف والبيان في التفسير للثعلبي عن محمد بن سعيد الفرخرادي، عن مؤلفه. وسمع: أبا الحسن بن الأخرم. وعنه: المؤيد الطوسي، وعبد الرحيم السمعاني، وأبو سعد الصفار. هلك في دخول الغز نيسابور سنة تسع وأربعين وخمس مائة. ٤٩٩٦ - الشهرزوري (١): الإمام المقرئ المجود الأوحد، شيخ القراء، أبو الكرم، المبارك بن الحسن بن أحمد بن علي بن فتحان الشهرزوري البغدادي، مصنف كتاب "المصباح الزاهر في العشرة البواهر". ولد في ربيع الآخر سنة اثنتين وستين وأربع مائة. وسمع من إسماعيل بن مسعدة الإسماعيلي، ورزق الله التميمي، وأبي الفضل بن خيرون، وطراد الزينبي، وأجاز له أبو الحسين بن المهتدي بالله، وعبد الصمد بن المأمون، وأبو محمد بن هزارمرد، وأبو الحسين بن النقور، قاله السمعاني. وقال: شيخ صالح دين خير، قيم بكتاب الله، عارف باختلاف الروايات والقراءات، حسن السيرة، جيد الأخذ على الطلاب، عالي الروايات. قلت: تلا على رزق الله، وعبد السيد بن عتاب، ويحيى بن أحمد السيبي، والشريف عبد القاهر المكي، ومحمد بن أبي بكر القيرواني، وأبي البركات الوكيل، وأحمد بن مبارك الأكفاني، وأبي علي الحسن بن محمد الكرماني الزاهد صاحب الحسين بن علي بن عبيد الله الرهاوي، والحسن الشهرزوري والده.

стр. 8718

قرأ عليه خلق، منهم: عمر بن بكرون النهرواني، ومحمد بن محمد بن الكال الحلي، وصالح بن علي الصرصري، وأبو يعلى حمزة بن القبيطي، وعبد الواحد بن سلطان، ويحيى بن الحسين الأواني، وأحمد بن الحسن العاقولي، وزاهر بن رستم إمام المقام، وعبد العزيز بن أحمد بن الناقد، ومشرف بن علي الخالصي الضرير، وعلي بن أحمد الواسطي الدباس، وأبو العباس محمد بن عبد الله الراشيدي الضرير، وعدة. وحدث عنه كثير من هؤلاء، ومحمد بن أبي المعالي بن البناء، وأسعد بن علي بن علي بن صعلوك، والفتح بن عبد السلام، وآخرون، وأجاز لأبي الحسن ابن المقير. انتهى إليه علو الإسناد في القراءات، فإنه قرأ ختمةً لقالون على رزق الله، عن قراءته على الحمامي، وتلا لورش على أحمد بن مبارك قال: قرأت بها إلى "سبأ" على الحمامي، وتلا للدوري على يحيى السيبي، ورزق الله، وأبي نصر أحمد بن علي الهاشمي، عن تلاوتهم على الحمامي. مات في الثاني والعشرين من ذي الحجة سنة خمسين وخمس مائة، ودفن إلى جانب الحافظ أبي بكر الخطيب. وفيها مات ابن ناصر، وإسماعيل بن عبد الرحمن العصائدي، وسعيد بن البناء، وسعيد بن الحسين الجوهري، وعبيد الله بن حمزة العلوي الهروي، والخطيب علي بن محمد بن أحمد المشكاني، وأبو الفتح محمد بن علي بن عبد السلام الكاتب، والقاضي مجلي بن جميع المخزومي المصري مصنف كتاب الذخائر، ويحيى بن إبراهيم السلماسي الواعظ.

стр. 8719

٤٩٩٧ - ابن خميس (١): الفقيه الإمام، أبو عبد الله، الحسين بن نصر بن محمد بن حسين بن محمد بن خميس الجهني الكعبي الموصلي الشافعي. ولد سنة ست وستين وأربع مائة، ضبطه عنه السمعاني. قدم بغداد وهو حدث، فتفقه على الغزالي، وسمع من طراد الزينبي، وابن طلحة النعالي، والقاضي محمد بن المظفر الشامي، وأبي عبد الله الحميدي، وعدة. وسمع بالموصل من أبي نصر بن ودعان. وولي قضاء الرحبة مدة، ثم رجع إلى بلده. وقد قدم بغداد بعد الأربعين وخمس مائة، فحدث بها، فروى عنه: سليمان وعلي ابنا محمد الموصلي، وجماعة، وما وقع لنا حديثه بالعلو. قال أبو سعد السمعاني: قرأت عليه أحاديث، وهو إمام فاضل، بهي المنظر، حسن الأخلاق، مليح الشيبة، كثير المحفوظ. وقال ابن النجار: أنبأني الحسن بن علي بن عمار الواعظ قال: توفي ابن خميس في تاسع ربيع الآخر سنة اثنتين وخمسين وخمس مائة. قال: وله مصنفات: "منهج التوحيد"، "تحريم الغيبة"، "أخبار المنامات"، "لؤلؤة المناسك"، "مناقب الأبرار"، "فرح الموضح على مذهب زيد بن ثابت"، "منهج المريد". وفيها توفي أبو علي أحمد بن أحمد بن علي بن الخراز الحريمي، وقاضي واسط أبو العباس أحمد بن بختيار بن علي المندائي، وصاحب نصيبين شمس الملوك إبراهيم بن الملك رضوان بن السلطان تتش السلجوقي، وشيخ ما وراء النهر أبو علي الحسن بن الحسين الأندقي الزاهد، والسلطان الكبير سنجر بن ملكشاه بمرو، وأبو منصور عبد الباقي ابن محمد التميمي بدمشق، وعبد الصبور بن عبد السلام الهروي، وأبو مروان عبد الملك بن مسرة اليحصبي القرطبي، وأبو عمرو عثمان بن علي البيكندي ببخارى، وأبو حفص عمر بن عبد الله الحربي المقرئ، والإمام صدر الدين محمد بن عبد اللطيف بن محمد بن ثابت الخجندي، والمسند أبو بكر محمد بن عبيد الله بن الزاغوني، والفقيه أبو الحسن محمد بن المبارك بن محمد بن الخل الشافعي، ومحمد بن مسعود بن الشدنك أبو الغنائم -يروي عن عاصم بن الحسن- وقاضي نيسابور برهان الدين منصور بن محمد بن أحمد الصاعدي، وأبو القاسم نصر بن نصر العكبري الواعظ.

стр. 8720

٤٩٩٨ - القيسي (١): الشيخ أبو العشائر محمد بن الخليل بن فارس القيسي الدمشقي، المعروف بالكردي. سمع من الفقيه نصر وصحبه، ومن أبي القاسم بن أبي العلاء، والحسن بن أبي الحديد. وسكن بعلبك، وخدم متوليها، ثم قدم. روى عنه: ابن عساكر وابنه القاسم، وابن أخيه زين الأمناء، وآخرون. مات ببعلبك في ذي الحجة سنة تسع وأربعين وخمس مائة.

стр. 8721

٤٩٩٩ - حامد بن أبي الفتح (١): الحافظ الزاهد الورع الإمام أبو عبد الله المديني. سمع أبا علي الحداد، ويحيى بن مندة، وارتحل، فسمع بشيراز من عبد الرحيم بن محمد، وببغداد من هبة الله بن الحصين، وأبي العز بن كادش. روى عنه: أبو سعد السمعاني وابنه عبد الرحيم بن السمعاني، وعبد الخالق بن أسد في "معجمه". وكان من علماء الحديث. مولده في سنة اثنتين وتسعين وأربع مائة. قال أبو موسى المديني: توفي الشيخ الزاهد الحافظ حامد المديني بيزدشير كرمان في شعبان سنة تسع وأربعين وخمس مائة. ٥٠٠٠ - الخطير: الكاتب الصدر المنشئ الباهر، خطير الدولة أبو عبد الله، صاحب الخبر بديوان الزمام، وله باع مديد في النثر والنظم. وصنف خمسين مقامة. وروى عن أحمد بن عبد القادر اليوسفي. وأخذ عن: أبي زكريا التبريزي. سمع منه ابن الخشاب، وأحمد بن طارق. وكان غاليًا في الرفض، متهمًا في الرواية. مات سنة اثنتين وخمسين وخمس مائة، ذكره ابن النجار وغيره. واسمه الحسين بن إبراهيم بن خطاب.

стр. 8722

٥٠٠١ - العكبري (١): الشيخ الإمام الواعظ، أبو القاسم، نصر بن نصر بن علي بن يونس، العكبري الشافعي. ولد سنة ست وستين وأربع مائة. وسمع أبا القاسم بن البسري، وعاصم بن الحسن، وأبا الغنائم بن أبي عثمان، ونظام الملك، وأبا الليث التنكتي. حدث عنه: السمعاني، وابن سكينة، وابن الأخضر، وحفيده محمد بن علي بن نصر، وعبد السلام الداهري، وعمر بن كرم، وداود بن ملاعب، وأبو علي بن الجواليقي، وأبو الحسن بن القطيعي، وسعيد بن محمد الرزاز، آخرون، وأجاز لأبي الحسن ابن المقير. قال السمعاني: شيخ واعظ متودد متواضع. وقال ابن النجار: كان يتكلم في الأعزية. وقال ابن الجوزي: كان ظاهر الكياسة، يعظ وعظ المشايخ، ويتخيره الناس لعمل الأعزية، ونشا ولده أبو محمد على طريقته. مات أبو القاسم في ذي الحجة سنة اثنتين وخمسين وخمس مائة. ٥٠٠٢ - الشلبي (٢): العلامة ذو الفنون، أبو محمد، عبد الله بن عيسى بن عبد الله بن أحمد بن سعيد الأندلسي، من بيت علم ووزارة وقضاء. حج وجاور، ثم قدم بغداد وخراسان. قال السمعاني: اجتمعت به بهراة، فوجدته بحرًا لا ينزف من الحديث والفقه والنحو وغير ذلك. سمع أبا بحر بن العاص، والحسن بن عمر الهوزني، وأبا غالب بن البناء، وزاهرًا الشحامي، وكان ذا زهد، وتعبد وجلالة، توفي بهراة سنة ثمان وأربعين وخمس مائة وله أربع وستون سنة. قلت: روى عنه أبو المظفر بن السمعاني.

стр. 8723

٥٠٠٣ - الفامي (١): الشيخ الإمام المحدث الحافظ، أبو النضر، عبد الرحمن بن عبد الجبار بن عثمان بن منصور الهروي الفامي الشروطي العدل. مولده في سنة اثنتين وسبعين وأربع مائة. سمع أبا إسماعيل الأنصاري، ومحمد بن علي العميري، ونجيب بن ميمون الواسطي، والقاضي أبا عامر الأزدي وطبقتهم، وارتحل في كهولته للحج فيما أرى، فسمع من هبة الله بن علي البخاري، وأبي القاسم بن الحصين. حدث عنه: ابن عساكر، والسمعاني، وأبو روح عبد المعز البزاز، وجماعة. قال السمعاني: كان حسن السيرة، جميل الطريقة، دمث الأخلاق، كثير الصدقة والصيام، دائم الذكر، متوددًا متواضعًا، له معرفة بالحديث والأدب، يكرم الغرباء، ويفيدهم عن الشيوخ، وكان ثقةً مأمونًا، كتبت عنه بهراة ونواحيها، مات في الخامس والعشرين من ذي الحجة سنة ست وأربعين وخمس مائة. قلت: ولقبه ثقة الدين، وله "تاريخ" صغير. أخبرنا أحمد بن هبة الله، أنبأنا أبو روح، أخبرنا أبو النضر الحافظ، أخبرنا زيد بن الفضل، أخبرنا علي بن أبي طالب، أخبرنا أبو علي الرفاء، حدثنا معاذ بن المثنى، حدثنا مسدد، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن أنس أن النبي ﷺ نهى عن الدباء والمزفت أن ينتبذ فيه (٢). ٥٠٠٤ - المبارك بن كامل (٣): ابن أبي غالب الخفاف، الشيخ العالم المحدث، مفيد العراق، أبو بكر البغدادي الظفري.

стр. 8724

مولده في سنة تسعين وأربع مائة. سمع أبا القاسم بن بيان، وأبا علي بن نبهان، وابن فتحان الشهرزوري، وأبا طالب بن يوسف، وابن الحصين، وأممًا لا يحصون. أفنى عمره في الطلب، وكتب عمن دب ودرج، وسمع العالي والنازل، لا يسمع بمن يقدم إلَّا ويبادر إلى السماع منه. قال ابن الجوزي: أبو بكر المفيد يعرف أبوه بالخفاف، سمع خلقًا كثيرًا، وما زال يسمع ويتبع الأشياخ في الزوايا، وينقل السماعات، فلو قيل: إنه سمع من ثلاثة آلاف شيخ، لما رد قول القائل، وانتهت إليه معرفة المشايخ ومقدار ما سمعوا، وعلم الإجازات لكثرة دربته، صحب هزارسب بن عوض، ومحمودًا الأصبهاني، إلَّا أنه كان قليل التحقيق فيما ينقل لكونه كان يأخذ عن ذلك ثمنًا، كان فقيرًا، كثير الأولاد والتزوج. قال السمعاني: سريع القراءة والخط، يشبه بعضه بعضًا في الرداءة، سمع مني، وسمعت منه، توفي في جمادى الأولى سنة ثلاث وأربعين وخمس مائة. قال ابن النجار: جمع كتاب "سلوة الأحزان" نحو ثلاث مائة جزء أو أكثر، روى لنا عنه ولداه يوسف ولامعة، وأبو محمد الغراد، وكان صدوقًا مع قلة فهمه ومعرفته.

стр. 8725

٥٠٠٥ - ابن الخل (١): الشيخ الإمام المفتي، شيخ الشافعية، أبو الحسن، محمد بن أبي البقاء المبارك بن محمد بن عبد الله بن محمد بن الخل البغدادي. تفقه على أبي بكر الشاشي المستظهري، ودرس وأفتى، وصنف وأفاد وتفرد ببغداد بالفتوى في مسألة الدور لابن سريج. وهو أول من علق على كتاب التنبيه شرحًا، وله كتاب في أصول الفقه. وقد سمع من ابن طلحة النعالي، ونصر بن البطر، وثابت بن بندار، والحسين بن علي بن البسري، وجعفر السراج، وأبي بكر الطريثيثي، ومحمد بن عبد السلام الأنصاري، وعدة. حدث عنه: السمعاني، وعبد الخالق بن أسد، وأحمد بن طارق الكركي، والفتح بن عبد السلام، وأبو الحسن القطيعي، وآخرون. وكان مقدمًا في كتاب المنسوب، فقيل: كانوا يأخذون خطه في الفتاوى لمجرد خطه البديع في بعض الوقت. قال السمعاني: هو أحد الأئمة الشافعية ببغداد، مصيب في فتاويه، وله السيرة الحسنة، والطريقة الحميدة، خشن العيش، تارك للتكلف، على طريقة السلف، حلس مسجده الذي بالرحبة. ولد سنة خمس وسبعين وأربع مائة، ومات في المحرم سنة اثنتين وخمسين وخمس مائة، وقع لي الجزء الأول من "مشيخته". ومات معه في العام أخوه أبو الحسين أحمد الشاعر المشهور عن سبعين سنة، وقيل: اسم أبي الحسين: الحسن، كذا سماه ابن النجار. أخبرنا علي بن أحمد الهاشمي، أخبرنا محمد بن أحمد المؤرخ، أخبرنا محمد بن المبارك الفقيه سنة إحدى وخمسين وخمس مائة، أخبرنا الحسين بن علي، أخبرنا عبد الله بن يحيى السكري، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا عباس بن عبد الله الترقفي، حدثنا محمد بن يوسف، عن سفيان، عن سهيل بن أبي صالح، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الإيمان بضع وستون، أو بضع وسبعون بابًا، أفضلها شهادة أن لا إله إلَّا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" (٢). هذا حديث صحيح عال.

стр. 8726

٥٠٠٦ - بكبرة (١): الشيخ الفاضل العابد الخير، أبو الفتح، عبد السلام بن أحمد بن إسماعيل الهروي الإسكاف المقرئ. سمع أبا عاصم الفضيل بن يحيى، ومحمد بن عبد العزيز الفارسي، وشيخ الإسلام، وروى جامع أبي عيسى عن أبي الظفر عبد الله بن عطاء. وعنه: السمعاني وابنه عبد الرحيم، وأبو الضوء الشهاب الشذباني، وعبد المعز الصوفي، وحماد الحراني، ونصر بن عبد الجامع الفامي. وطال عمره، وتفرد، وبقي إلى قريب سنة خمسين وخمس مائة. وكان مولده في سنة إحدى وستين وأربع مائة.

стр. 8727

٥٠٠٧ - أبو الوقت (١): الشيخ الإمام الزاهد الخير الصوفي، شيخ الإسلام، مسند الآفاق، أبو الوقت، عبد الأول بن الشيخ المحدث المعمر أبي عبد الله عيسى بن شعيب بن إبراهيم بن إسحاق، السجزي، ثم الهروي الماليني. مولده في سنة ثمان وخمسين وأربع مائة. وسمع في سنة خمس وستين وأربع مائة من جمال الإسلام أبي الحسن عبد الرحمن بن محمد الداوودي "الصحيح" وكتاب الدارمي، ومنتخب مسند عبد بن حميد ببوشنج، وسمع من أبي عاصم الفضيل بن يحيى، ومحمد بن أبي مسعود الفارسي، وأبي يعلى صاعد بن هبة الله، وبيبى بنت عبد الصمد، وعبد الرحمن بن محمد بن عفيف حدثوه عن عبد الرحمن بن أبي شريح، وسمع من أحمد بن أبي نصر كاكو، وعبد الوهاب بن أحمد الثقفي، وأحمد بن محمد العاصمي، ومحمد بن الحسين الفضلويي، وعبد الرحمن بن أبي عاصم الجوهري، وشيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري -وكان من مريديه- وأبي عامر محمود بن القاسم الأزدي، وعبد الله ابن عطاء البغاورداني، وحكيم بن أحمد الإسفراييني، وأبي عدنان القاسم ابن علي القرشي، وأبي القاسم عبد الله بن عمر الكلوذاني، ونصر بن أحمد الحنفي، وطائفة. وحدث بخراسان وأصبهان وكرمان وهمذان وبغداد، وتكاثر عليه الطلبة، واشتهر حديثه، وبعد صيته، وانتهى إليه علو الإسناد. حدث عنه: ابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي، ويوسف بن أحمد الشيرازي، وارتحل إليه إلى كرمان، وسفيان بن إبراهيم بن مندة، وأبو ذر سهيل بن محمد البوشنجي،

стр. 8728

وأبو الضوء شهاب الشذباني، وعبد المعز بن محمد الهروي، والقاضي عبد الجبار بن بندار الهمذاني، وعبد الجليل بن مندويه، وأحمد بن عبد الله السلمي العطار، وعثمان بن علي الوركاني، وعثمان بن محمود الأصبهاني، ومحمد بن عبد الله الفتاح البوشنجي، ومحمد بن عطية الله الهمذاني، ومحمد بن محمد بن سرايا الموصلي، ومحمود بن واثق البيهقي، ومقرب بن علي الهمذاني، والفقيه يحيى بن سعد الرازي، ويوسف بن عمر بن محمد بن عبيد الله بن نظام الملك، وحماد بن هبة الله الحراني، وعمر بن طبرزد، وسعيد بن محمد الرزاز، وعمر بن محمد الدينوري الصوفي، ويحيى بن عبد الله بن السهروردي، ومحمد بن أحمد بن هبة الله الروذراوري، وأحمد بن ظفر بن هبيرة، ومحمد بن هبة الله بن مكرم، ومظفر بن حركها، وعلي بن يوسف بن صبوخا، وأحمد بن يوسف بن صرما، ومحمد بن أبي القاسم الميندي، وزيد بن يحيى البيع، وعبد اللطيف بن عسكر، وعمر بن محمد بن أبي الريان، وأسعد بن صعلوك، والنفيس بن كرم، وأبو جعفر عبد الله بن شريف الرحبة، ومحمد بن عمر بن خليفة الروباني بموحدة، ومحمد بن هبة الله البيع، وعبد الله بن إبراهيم الهمذاني الخطيب، وأبو الحسن علي بن بورنداز، وعمر بن أعز السهروردي، وأبو هريرة محمد بن ليث الوسطاني، وصاعد بن علي الواعظ، ومحمد بن المبارك المستعمل، وأبو علي بن الجواليقي، ومحمد بن النفيس بن عطاء، والمهذب بن قنيدة، وعبد السلام بن سكينة، وعبد الرحمن بن عتيق بن صيلا، وأبو الرضى محمد بن عصية، وعبد السلام الداهري، وأبو نصر أحمد بن الحسين النرسي، وعمر بن كرم، والحسين بن الزبيدي، وأخوه الحسن، وظفر بن سالم البيطار، وعبد البر بن أبي العلاء العطار، وإبراهيم بن عبد الرحمن القطيعي، وعبد الرحمن مولى ابن باقا، وزكريا العلبي، وعلي بن روزبه، ومحمد بن عبد الواحد المديني، وأبو الحسن محمد بن أحمد القطيعي، وأبو المنجى عبد الله بن اللتي، وأبو بكر محمد بن مسعود بن بهروز، وأبو سعد ثابت بن أحمد الخجندي نزيل شيراز وهو آخر من سمع منه موتًا بقي إلى سنة ٦٣٧، وسماعه في الخامسة، وروى عنه بالإجازة أبو الكرم محمد بن عبد الواحد المتوكلي، وكريمة بنت عبد الوهاب القرشية. قال السمعاني: شيخ صالح، حسن السمت والأخلاق، متودد متواضع، سليم الجانب، استسعد بصحبة الإمام عبد الله الأنصاري، وخدمه مدة، وسافر إلى العراق وخوزستان والبصرة، نزل بغداد برباط البسطامي فيما حكاه لي، وسمعت منه بهراة ومالين، وكان صبورًا على القراءة، محبًا للرواية، حدث بـ"الصحيح"، و"مسند عبد"، و"الدارمي" عدة نوب، وسمعت أن أباه سماه محمدًا، فسماه عبد الله الأنصاري عبد الأول، وكناه بأبي الوقت، ثم قال: الصوفي ابن وقته.

стр. 8729

وقال السمعاني في "التحبير": إن والد أبي الوقت أجاز له، وإن مولده بسجستان سنة عشر وأربع مائة، وإنه سمع من علي بن بشرى الليثي مناقب الشافعي للآبري بفوت، ثم سكن هراة، وإنه شيخ صالح معمر، حرص على سماع الحديث، وحمل ولده أبا الوقت على عاتقه إلى بوشنج، وكان عبد الله الأنصاري يكرمه ويراعيه، مات بمالين في شوال سنة اثنتي عشرة وخمس مائة، عاش مائة وثلاث سنين. وقال زكي الدين البرزالي: طاف أبو الوقت العراق وخوزستان، وحدث بهراة ومالين وبوشنج وكرمان ويزد وأصبهان والكرج وفارس وهمذان، وقعد بين يديه الحفاظ والوزراء، وكان عنده كتب وأجزاء، سمع عليه من لا يحصى ولا يحصر. وقال ابن الجوزي: كان صبورًا على القراءة، وكان صالحًا، كثير الذكر والتهجد والبكاء، على سمت السلف، وعزم عام موته على الحج، وهيأ ما يحتاج إليه، فمات. وقال يوسف بن أحمد الشيرازي في "أربعين البلدان" له: لما رحلت إلى شيخنا رحلة الدنيا ومسند العصر أبي الوقت، قدر الله لي الوصولي إليه في آخر بلاد كرمان، فسلمت عليه، وقبلته، وجلست بين يديه، فقال لي: ما أقدمك هذه البلاد? قلت: كان قصدي إليك، ومعولي بعد الله عليك، وقد كتبت ما وقع إلي من حديثك بقلمي، وسعيت إليك بقدمي، لأدرك بركة أنفاسك، وأحظى بعلو إسنادك. فقال: وفقك الله وإيانا لمرضاته، وجعل سعينا له، وقصدنا إليه، لو كنت عرفتني حق معرفتي، لما سلمت علي، ولا جلست بين يدي، ثم بكى بكاءً طويلًا، وأبكى من حضره، ثم قال: اللهم استرنا بسترك الجميل، واجعل تحت الستر ما ترضى به عنا، يا ولدي، تعلم أني رحلت أيضًا لسماع الصحيح ماشيًا مع والدي من هراة إلى الداوودي ببوشنج ولي دون عشر سنين، فكان والدي يضع على يدي حجرين، ويقول: احملهما. فكنت من خوفه أحفظهما بيدي، وأمشي وهو يتأملني، فإذا رآني قد عييت أمرني أن ألقي حجرًا واحدًا، فألقي، ويخف عني، فأمشي إلى أن يتبين له تعبي، فيقول لي: هل عييت? فأخافه، وأقول: لا. فيقول: لم تقصر في المشي? فأسرع بين يديه ساعةً، ثم أعجز، فيأخذ الآخر، فيلقيه، فأمشي حتى أعطب، فحينئذ كان يأخذني ويحملني، وكنا نلتقي جماعة الفلاحين وغيرهم، فيقولون: يا شيخ عيسى، ادفع إلينا هذا الطفل نركبه وإياك إلى بوشنج، فيقول: معاذ الله أن نركب في طلب أحاديث رسول الله ﷺ ، بل نمشي، وإذا عجز أركبته على رأسي إجلالًا لحديث رسول الله ورجاء ثوابه. فكان ثمرة ذلك من حسن نيته أني انتفعت بسماع هذا الكتاب وغيره، ولم يبق من أقراني أحد سواي، حتى

стр. 8730

صارت الوفود ترحل إلي من الأمصار. ثم أشار إلى صاحبنا عبد الباقي بن عبد الجبار الهروي أن يقدم لي حلواء، فقلت: يا سيدي، قراءتي لـ"جزء أبي الجهم" أحب إلي من أكل الحلواء. فتبسم، وقال: إذا دخل الطعام خرج الكلام. وقدم لنا صحنًا فيه حلواء الفانيذ، فأكلنا، وأخرجت الجزء، وسألته إحضار الأصل، فأحضره، وقال: لا تخف ولا تحرص، فإني قد قبرت ممن سمع علي خلقًا كثيرًا، فسل الله السلامة. فقرأت الجزء، وسررت به، ويسر الله سماع "الصحيح" وغيره مرارًا، ولم أزل في صحبته وخدمته إلى أن توفي ببغداد في ليلة الثلاثاء من ذي الحجة -قلت: وبيض لليوم وهو سادس الشهر- قال: ودفناه بالشونيزية. قال لي: تدفنني تحت أقدام مشايخنا بالشونيزية. ولما احتضر سندته إلى صدري، وكان مستهترًا بالذكر، فدخل عليه محمد بن القاسم الصوفي، وأكب عليه، وقال: يا سيدي، قال النبي ﷺ : "من كان آخر كلامه لا إله إلَّا الله دخل الجنة" (١)، فرفع طرفه إليه، وتلا: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ، بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس: (٢٦) و ٢٧]، فدهش إليه هو ومن حضر من الأصحاب، ولم يزل يقرأ حتى ختم السورة، وقال: الله الله الله، وتوفي وهو جالس على السجادة. وقال أبو الفرج بن الجوزي: حدثني محمد بن الحسين التكريتي الصوفي قال: أسندته إلي، وكان آخر كلمة قالها: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ، بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس: (٢٦) و ٢٧]، ومات. قلت: قدم بغداد في شوال، فأقام بها سنةً وشهرًا، وكان معه أصوله، فحدث منها. قال ابن النجار: كان الوزير أبو المظفر بن هبيرة قد استدعاه، ونفذ إليه نفقةً، ثم أنزله عنده، وأكرمه، وأحضره في مجلسه، وسمع عليه "الصحيح" في مجلس عام أذن فيه للناس، فكان الجمع يفوت الإحصاء، ثم قرأه عليه أبو محمد بن الخشاب بالنظامية، وحضر خلق كثير دون هؤلاء، وقرئ عليه بجامع المنصور، وسمعه جمع جم، وآخر من قرآه عليه

стр. 8731

شيخنا ابن الأخضر، وكان شيخًا صدوقًا أمينًا، من مشايخ الصوفية ومحاسنهم، ذا ورع وعبادة مع علو سنه، وله أصول حسنة، وسماعات صحيحة. ثم قال: قرأت في كتاب أحمد بن صالح الجيلي: توفي شيخنا أبو الوقت ليلة الأحد سادس ذي القعدة سنة ثلاث وخمسين وخمس مائة نصف الليل، وصلي عليه ضاحي نهار اليوم برباط فيروز الذي كان نازلًا فيه، ثم صلي عليه بالجامع، وأمنا الشيخ عبد القادر الجيلي، وكان الجمع متوفرًا، وكنت يوم خامس الشهر عنده، وقرأت عليه الحديث إلى وقت الظهر، وكان مستقيم الرأي، حاضر الذهن، ولم نر في سنه مثل سنده، وكان شيخًا صالحًا سنيًا، قارئًا للقرآن، قد صحب الأشياخ، وعاش حتى ألحق الصغار بالكبار، ورأى من رئاسة التحديث ما لم يره أحد من أبناء جنسه، وسمع منه من لم يرغب في الرواية قبله، وكان آخر من روى في الدنيا عن الداوودي وبقية أشياخه، وقرئت الكتب التي معه كلها عليه والأجزاء مرات في عدة مواضع، وسمعها منه ألوف من الناس، وصل بغداد في حادي عشر شوال سنة اثنتين وخمسين، صحب شيخ الإسلام نيفًا وعشرين سنة. أنبأنا طائفة عن ابن النجار، قال: أنشدنا داود بن معمر بأصبهان، أنشدنا محمد بن الفضل العقيلي لنفسه في سنة إحدى وخمسين: أتاكم الشيخ أبو الوقت … بأحسن الأحبار عن ثبت طوى إليكم ناشرًا علمه … مراحل الأبرق والخبت ألحق بالأشياخ أطفالكم … وقد رمى الحاسد بالكبت فمنّة الشّيخ بما قد روى … كمنّة الغيث على النّبت بارك فيه اللّه من حاملٍ … خلاصة الفقه إلى المفتي انتهزوا الفرصة يا سادتي … وحصّلوا الإسناد في الوقت فإنّ من فوّت ما عنده … يصير ذا الحسرة والمقت وفيها مات: الحافظ عبد الجليل بن محمد كوتاه الأصبهاني، وعلي ابن عساكر بن سرور الخشاب بدمشق، والإمام أبو حفص عمر بن أحمد بن الصفار النيسابوري، وأبو الفتح المبارك بن أحمد بن رزيق الواسطي الحداد المقرئ، وأبو المحاسن مسعود بن محمد الغانمي الهروي.

стр. 8732

٥٠٠٨ - المشكاني (١): الشيخ الإمام الخطيب، أبو الحسن، علي بن محمد بن أحمد الروذراوري المشكاني الشافعي، خطيب مشكان، وهي قرية من عمر روذراور، على ست فراسخ من همذان. ولد سنة ست وستين وأربع مائة بمشكان. فقدم عليهم الشيخ المعمر أبو منصور محمد بن الحسن بن محمد بن يونس النهاوندي سنة نيف وسبعين، فسمع هذا منه "التاريخ الصغير" للبخاري بسماعه من القاضي أبي العباس بن زنبيل النهاوندي، عن القاضي عبد الله بن محمد بن الأشقر، عن البخاري، فتفرد الخطيب بعلو هذا الكتاب مدةً، ولكن قل من سمعه منه لبعد الديار. قال أبو سعد السمعاني: قدم هذا بغداد سنة اثنتين وثلاثين، فقصدته وهو مريض، فأخرج إليه التاريخ وقد سمعه بقراءة الحافظ حمزة الروذراوري، وقد قرأه عليه أبو العلاء العطار المقرئ، ففرحت به لعلو السند وعزة الكتاب، فأعلمت جماعةً، وقرأته عليه، ورد إلى بلده، ورحل الحافظ أبو القاسم بن عساكر إلى مشكان، فسمعه منه، وكان شيخًا بهيًا، حسن المنظر، مطبوعًا، متوددًا، صدوقًا. قلت: وروى عنه هذا الكتاب بالإجازة قاضي دمشق أبو القاسم بن الحرستاني، وطال عمر أبي الحسن هذا إلى أن أدركه الحافظ يوسف بن أحمد الشيرازي، فارتحل إلى مشكان، وسمع منه في سنة خمسين وخمس مائة، قال: وفي هذه السنة توفي، وتاريخ سماعه للتاريخ كان في سنة ست وسبعين وأربع مائة. قلت: آخر من روى عنه بالسماع عبد البر بن أبي العلاء، وعاش أربعًا وثمانين سنةً. ٥٠٠٩ - محمد بن يحيى (٢): ابن منصور، الإمام العلامة، شيخ الشافعية، أبو سعد النيسابوري، صاحب الغزالي وأبي المظفر أحمد بن محمد الخوافي، تفقه بهما، وبرع في المذهب، وصنف التصانيف في الفقه والخلاف، وتخرج به الأصحاب، وانتهت إليه رئاسة المذهب بنيسابور، وقصده الفقهاء من النواحي، وبعد صيته.

стр. 8733

ألف كتاب "المحيط في شرح الوسيط"، وله كتاب "الانتصاف في مسائل الخلاف". ودرس بنظامية بلده، وهو أستاذ الفقهاء المتأخرين مع الزهد والديانة وسعة العلم. مولده بطريثيث من خراسان في سنة ست وسبعين وأربع مائة. وسمع من نصر الله بن أحمد الخشنامي، وعبد الغفار بن محمد الشيروي، وأبي حامد أحمد بن علي بن عبدوس الحذاء، والحافظ أبي الفتيان عمر بن أبي الحسن الرواسي، وإسماعيل بن أبي عبد الرحمن البحيري، وجماعة. حدث عنه: السمعاني وولده، ومنصور بن أبي الحسن الطبري، والفقيه يحيى بن الربيع بن سليمان الواسطي، وغيرهم. أخبرنا يوسف بن عبد الرحمن الحافظ، أخبرنا عبد العزيز بن الصيقل، أخبرنا يحيى بن الربيع سنة ست مائة ببغداد، أخبرنا أبو سعد محمد ابن يحيى الشافعي، أخبرنا أبو سعيد بن أبي عبد الرحمن الملقاباذي إملاءً، حدثنا أبو حسان محمد بن أحمد بن جعفر، أخبرنا أبو عمرو بن مطر، أخبرنا حامد بن شعيب، حدثنا سريج، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى، أن رجلين اختصما في بعير ليس لواحد منهما بينة، فجعله رسول الله ﷺ بينهما نصفين (١). قتلته الغز -لا بورك فيهم- حين فتكوا بنيسابور في شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وخمس مائة، فرثاه علي بن أبي القاسم البيهقي، فقال: يا سافكًا دم عالمٍ متبحّرٍ … قد طار في أقصى الممالك صيته باللّه قل لي يا ظلوم ولا تخف … من كان محيي الدّين كيف تميته وقال آخر في محيي الدين ابن يحيى ﵀: رفات الدّين والإسلام تحيى … بمحيي الدين مولانا ابن يحيى كأنّ اللّه ربّ العرش يلقي … عليه حين يلقي الدّرس وحيا ومما قيل إنه لابن يحيى: وقالوا يصير الشّعر في الماء حيّةً … إذا الشّمس لاقته فما خلته حقّا فلمّا التوى صدغاه في ماء وجهه … وقد لسعا قلبي تيقّنته صدقا

стр. 8734

٥٠١٠ - ابن ناجية (١): العلامة أبو القاسم، أحمد بن أبي المعالي عبد الله بن بركة، الحربي الفقيه الواعظ، عرف بابن ناجية، وهي أمه. سمع أبا عبد الله بن البسري، وأبا الحسين بن الطيوري. روى عنه: ابن سكينة، وابن الأخضر، وأحمد بن يحيى بن هبة الله. قال السمعاني: فقيه دين، حلو الوعظ، تفقه على أبي الخطاب، ثم تحول حنفيًا، ثم شافعيًا، وقال لي: أنا اليوم متبع للدليل، ما أقلد أحدًا، كتبت عنه، مات في جمادى الأولى سنة أربع وخمسين وخمس مائة وله تسع وسبعون سنة. ٥٠١١ - أحمد بن وقشي: مؤلف كتاب خلع النعلين فيه مصائب وبدع. وكان أولًا يدعي الولاية، وكان ذا مكر وفصاحة وبلاغة وحيل وشعبذة، فالتف عليه خلق، ثم خرج بحصن مارتلة، ودعا إلى نفسه، وبايعوه، ثم اختلف عليه أصحابه، ودس عليه الدولة من أخرجه من الحصن بحيلة، فقبض عليه أعوان عبد المؤمن، وأتوه به، فقال له: بلغني أنه دعوت إلى الهداية?! فكان من جوابه أن قال: أليس الفجر فجرين كاذب وصادق? قال: بلى. قال: فأنا كنت الفجر الكاذب. فضحك، وعفا عنه، وبقي في حضرة السلطان عبد المؤمن، ثم لم ينشب أن قتله صاحب له على شيء رآه منه. ٥٠١٢ - الزبيدي (٢): الإمام القدوة العابد الواعظ، أبو عبد الله، محمد بن يحيى بن علي ابن مسلم بن موسى بن عمران القرشي اليمني الزبيدي، نزيل بغداد، وجد المشايخ الرواة. مولده سنة ستين وأربع مائة.

стр. 8735

وقدم دمشق بعد الخمس مائة، فوعظ بها، وأخذ يأمر بالمعروف، فلم يحتمل له الملك طغتكين، وكان نحويًا فقيرًا قانعًا متألهًا، ثم قدم دمشق رسولًا من المسترشد في شأن الباطنية، وكان حنفيًا سلفيًا. قال ابن هبيرة: جلست معه من بكرة إلى قريب الظهر وهو يلوك شيئًا، فسألته، فقال: نواة أتعلل بها لم أجد شيئًا. قال ابن الجوزي: كان يقول الحق وإن كان مرًا، لا تأخذه في الله لومة لائم، قيل: دخل على الوزير الزينبي وعليه خلعة الوزارة، وهم يهنئونه، فقال: هو ذا يوم عزاء، لا يوم هناء، فقيل: ولم? قال: أهنئ على لبس الحرير?! قال ابن الجوزي: حدثني الفقيه عبد الرحمن بن عيسى، سمعت الزبيدي قال: خرجت إلى المدينة على الوحدة، فآواني الليل إلى جبل، فصعدت، وناديت: اللهم إني الليلة ضيفك. ثم نوديت: مرحبًا بضيف الله، إنك مع طلع الشمس تمر بقوم على بئر يأكلون خبزًا وتمرًا، فإذا دعوك فأجب، فسرت من الغد، فلاحت لي أهداف بئر، فجئتها، فوجدت عندها قومًا يأكلون خبزًا وتمرًا، فدعوني، فأجبت. قال السمعاني: كان يعرف النحو، ويعظ، ويسمع معنا من غير قصد من القاضي أبي بكر وغيره، وكان فنًا عجيبًا، وكان في أيام المسترشد يخضب بالحناء، ويركب حمارًا مخضوبًا بالحناء، وكان يجلس ويجتمع عنده العوام، ثم فتر سوقه، ثم إن الوزير ابن هبيرة رغب فيه، ونفق عليه، وسمعت جماعةً يحكون عنه أشياء السكوت عنها أولى، وقيل: كان يذهب إلى مذهب السالمية، ويقول: إن الأموات يأكلون ويشربون وينكحون في قبورهم، وإن الشارب والزاني لا يلام، لأنه يفعل بقضاء الله وقدره. قلت: يحتج بقصة آدم وموسى ﵉، وبقول آدم: وأنه حج موسى (١)، ولو

стр. 8736

سلمنا أن الزاني لا يلام، فعلينا أن نحده ونغربه، ونذم فعله، ونرد شهادته، ونكرهه، فإن تاب واتقى أحببناه واحترمناه، فالنزاع لفظي. قال: وسمعت علي بن عبد الملك يقول: زاد الزبيدي في أسماء الله أسامي: الزارع، والمتمم، والمبهم، والمظهر. قال ابن عساكر: قال ولده إسماعيل: كان أبي في كل يوم وليلة من أيام مرضه يقول: الله الله، نحوًا من خمسة عشر ألف مرة، فما زال يقولها حتى طفئ. وقال ابن شافع، كان له في علم العربية والأصول حظ وافر، وصنف في فنون العلم نحوًا من مائة مصنف، ولم يضيع شيئًا من عمره، وكان يخضب بالحناء، ويعتم ملتحيًا دائمًا، حكيت لي عنه من جهات صحيحة غير كرامة، منها رؤيته للخضر. توفي في ربيع الآخر سنة خمس وخمسين وخمس مائة ﵀.

стр. 8737

٥٠١٣ - البروجردي: الحافظ المفيد، أبو الفضل، محمد بن هبة الله بن العلاء البروجردي، تلميذ ابن طاهر. سمع أبا محمد الدوني، ومكي بن بنجير، ويحيى بن مندة. قال السمعاني: كنت أنسخ بجامع بروجرد، فقال شيخ رث الهيئة: ما تكتب? فكرهت جوابه، وقلت: الحديث. فقال: كأنك طالب? قلت: نعم. قال: من أين أنت? قلت: من مرو. قال: عمن روى البخاري من أهل مرو? قلت: عن عبد الله بن عثمان وصدقة بن الفضل. قال: لم لقب عبد الله بعبدان? فتوقفت، فتبسم، فنظرت إليه بعين أخرى، وقلت: يفيد الشيخ. قال: كنيته أبو عبد الرحمن، واسمه عبد الله، فاجتمع فيه العبدان، فقيل: عبدان. فقلت: عمن هذا? قال: سمعته من محمد بن طاهر. ٥٠١٤ - الحصكفي (١): الإمام العلامة الخطيب، ذو الفنون، معين الدين، أبو الفضل، يحيى بن سلامة بن حسين بن أبي محمد عبد الله الدياربكري الطنزي الحصكفي، نزيل ميافارقين. تأدب ببغداد على الخطيب أبي زكريا التبريزي، وبرع في مذهب الشافعي، وفي الفضائل. مولده في سنة ستين وأربع مائة تقريبًا. وولي خطابة ميافارقين، وتصدر للفتوى، وصنف التصانيف، وله "ديوان" خطب، و"ديوان" نظم وترسل. ذكره العماد في الخريدة، فقال: كان علامة الزمان في علمه، ومعري العصر في نثره ونظمه، له الترصيع البديع، والتجنيس النفيس، والتطبيق والتحقيق، واللفظ الجزل الرقيق، والمعنى السهل العميق، والتقسيم المستقيم. قلت: مولده بطنزة: بليدة من ديار بكر بقرب من جزيرة ابن عمر -وكان مفتي تلك البلاد في عصره. توفي سنة إحدى وخمسين وخمس مائة، وقيل: في سنة ثلاث. وهو القائل: وخليعٍ بتّ أعذله … ويرى عذلي من العبث وذكر الأبيات السائرة.

стр. 8738

٥٠١٥ - علي بن مهدي: كان أبوه من قرية بزبيد من الصلحاء، فنشأ علي في تزهد، وحج، ولقي العلماء، وحصل، ثم وعظ، وذم الجند. وكان فصيحًا صبيحًا طويلًا، أخضر اللون، طيب الصوت، غزير المحفوظ، متصوفًا، خبيث السريرة، داهيةً، يتكلم على الخواطر، فربط الخلق، وكان يعظ وينتحب. قال عمارة اليمني: لازمته سنةً، وتركت التفقه، ونسكت، فأعادني أبي إلى المدرسة، فكنت أزوره في الشهر، فلما استفحل أمره تركته، ولم يزل من سنة ٥٣٠ يعظ ويخوف في القرى، ويحج على نجيب، وأطلقت له السيدة أم فاتك ولأقاربه خراج أملاكهم، فتمولوا إلى أن صار جمعه نحو أربعين ألف مقاتل، وحارب، وكان يقول: دنا الوقت، أزف الأمر، كأنكم بما أقول لكم عيانًا، ثم ثار ببلاد خولان، وعاث وسبى، وأهلك الناس، ثم لقيته عند الداعي بجبلة سنة تسع وأربعين يستنجد به، فأبى، ثم دبر على قتل وزير آل فاتك، ثم زحف إلى زبيد، فقاتله أهلها نيفًا وسبعين زحفًا، وقتل خلائق من الفريقين، ثم قتل فاتك متولي زبيد، وأخذها ابن مهدي في رجب سنة أربع وخمسين وخمس مائة، فما متع، وهلك بعد ثلاثة أشهر، وقام بعده ابنه عبد النبي، وعظم، حتى استولى على سائر اليمن، وجمع أموالًا لا تحصى، وكان حنفي المذهب -أعني الأب- يرى التكفير بالمعاصي، ويستحل وطء سبايا من خالفه، ويعتقد فيه قومه فوق اعتقاد الخلق في نبيهم. قال: وحكي لي عنه أنه لم يثق بيمين من يصحبه حتى يذبح ولده أو أخاه، وكان يقتل بالتعذيب في الشمس، ولا يشفع أحد عنده، وليس لأحد من عسكره فرس يملكه ولا سلاح، بل الكل عنده إلى وقت الحرب، والمنهزم منهم يقتل جزمًا، والسكران يقتل، ومن زنى أو سمع غناءً يقتل، ومن تأخر عن صلاة الجماعة قتل.

стр. 8739

٥٠١٦ - خوارزمشاه: صاحب خوارزم، الملك أتسز بن محمد بن نوشتكين. مولده في سنة تسعين وأربع مائة. وتملك مدةً طويلة، وكان مطيعًا للسلطان سنجر، تعلل مدةً بالفالج، فأعطي حرارات بلا أمر الطب، فاشتد الألم، وضعفت القوة، وتوفي في جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسين وخمس مائة، فكان يتأسف، ويقول: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: (٢٨)، ٢٩]، فتملك بعده ابنه خوارزمشاه أرسلان، فقتل جماعةً من أعمامه. وكان أتسز عادلًا، محببًا إلى رعيته. ومات ابنه في سنة ثمان وستين وخمس مائة، وكان بطلًا شجاعًا، حارب الخطا، وهو والدتكش. ٥٠١٧ - الشحام (١) م: الشيخ الصالح، أبو محمد، سلمان بن مسعود بن حسن البغدادي الشحام، ممن سمع الكثير. وكان من أهل السنة والصدق، خرج له اليونارتي الحافظ خمسة أجزاء من سماعه على ثابت بن بندار، وجعفر السراج، وأبي الحسين بن الطيوري، وجماعة. روى عنه: السمعاني، وعبد الخالق بن أسد، وابن الجوزي، وأبو الحسن القطيعي، وطائفة. وبالإجازة: أبو الحسن بن المقير. قال السمعاني: شيخ صالح، مشتغل بكسبه، ولد سنة سبع وسبعين، ومات في المحرم سنة إحدى وخمسين وخمس مائة. كذا ورخه السمعاني. وقال القطيعي: هذا سهو لأنه أجاز في ذي القعدة من سنة إحدى، وقرأ عليه أبو محمد بن الخشاب جزءًا في ربيع الأول من السنة. قلت: الظاهر موته في المحرم سنة اثنتين وخمسين.

стр. 8740

٥٠١٨ - الغزنوي (١): الواعظ المحسن الشهير، أبو الحسن، علي بن الحسين الغزنوي. سمع بغزنة "الصحيح" من حمزة القايني بسماعه من سعيد العيار، وسمع ببغداد من أبي سعد بن الطيوري وغيره. وسمع ولده المعمر أحمد "جامع أبي عيسى" من الكروخي. قال ابن الجوزي: كان مليح الإيراد، لطيف الحركات، بنت له زوجه الخليفة رباطًا، وصار له جاه عظيم لميل العجم، كان السلطان يزوره والأمراء، وكثرت عنده المحتشمون، واستعبد طوائف بنواله وعطائه. وكان محفوظه قليلًا، فحدثني جماعة من القراء أنه كان يعين لهم ما يقرؤونه، سمعته يقول: حزمة حزن خير من أعدال أعمال. وقال السمعاني: سمعته يقول: رب طالب غير واجد، وواجد غير طالب. وقال ابن الجوزي: كان يميل إلى التشيع، ولما مات السلطان أهين، وكانت بيده قرية، فأخذت، وطولب بغلها، وحبس، ثم أخرج ومنع من الوعظ لأنه كان لا يعظم الخلافة كما ينبغي، ثم ذاق ذلًا. مات في المحرم سنة إحدى وخمسين وخمس مائة.

стр. 8741

٥٠١٩ - مجلي (١): شيخ الشافعية بمصر، أبو المعالي، مجلي بن جميع بن نجا القرشي المخزومي الأرسوفي الشامي، ثم المصري، مصنف كتاب "الذخائر" وهو من كتب المذهب المعتبرة. ولي قضاء مصر بتفويض من العادل بن السلار سنة سبع وأربعين، ثم عزل بعد سنتين. مات في ذي القعدة سنة خمسين وخمس مائة. وفي كتابه مخبآت لا توجد في غيره. ٥٠٢٠ - أبو البيان (٢): الشيخ القدوة الكبير، أبو البيان، نبأ بن محمد بن محفوظ القرشي الحوراني، ثم الدمشقي الشافعي اللغوي الأثري الزاهد، شيخ البيانية، وصاحب الأذكار المسجوعة. سمع من أبي الحسن بن الموازيني، وأبي الحسن بن قبيس المالكي. روى عنه: يوسف بن وفاء السلمي: والفقيه أحمد العراقي، وعبد الرحمن بن الحسين بن عبدان، والقاضي أسعد بن المنجا. وكان حسن الطريقة، صينًا دينًا تقيًا، محبًا للسنة والعلم والأدب، له أتباع ومحبون، أنشأ الملك نور الدين له بعد موته رباطًا كبيرًا عند درب الحجر. وكان صديقًا للشيخ رسلان الزاهد. توفي في ربيع الأول سنة إحدى وخمسين وخمس مائة، ﵀. ٥٠٢١ - الخراز (٣): الشيخ الصالح، أبو علي، أحمد بن أحمد بن علي الحريمي البغدادي ابن الخراز. ولد سنة (٤٧٥). سمع أبا الغنائم محمد بن أبي عثمان، ومحمد بن الجبان، ومالكًا البانياسي، وطرادًا الزينبي. وعنه: عبد الخالق بن أسد، ومحمد بن المبارك بن المستعمل، وأبو علي الحسن ابن الزبيدي، وابن طبرزد، وآخرون. وبالإجازة: ابن المقير. قال السمعاني: شيخ صالح متدين، لازم لمسجده، مات في ذي الحجة سنة اثنتين وخمسين وخمس مائة ﵀.

стр. 8742

٥٠٢٢ - صاحب نصيبين: شمس الملوك، أبو نصر، إبراهيم بن صاحب حلب رضوان بن السلطان تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان السلجوقي. ولد سنة ثلاث وخمس مائة، ومات أبوه وهو صبي. ثم أقبل معه صاحب الحلة دبيس وبغدوين الفرنجي محاصرين لحلب في سنة ثمان عشرة وخمس مائة، وجرت أمور، ثم إنه تملك في سنة إحدى وعشرين حلب، وفرحوا به، فأقبل صاحب أنطاكية، فنازل حلب، فترددت الرسل في صلح وهدنة، فعقدت هدنة فيها وهن على أهل حلب وحمل ذهب في العام، ثم بعد مدة أخذ الأتابك زنكي من شمس الملوك حلب، وأعطاه نصيبين، فما زال بها إلى أن مات في شعبان سنة اثنتين وخمسين وخمس مائة. ٥٠٢٣ - عبد الصبور (١): بن عبد السلام، الشيخ الصادق الجليل، أبو صابر، الهروي الفامي التاجر السفار، صالح خير مسمت أمين. ولد سنة سبعين وأربع مائة. وسمع "الجامع" من أبي عامر الأزدي، وسمع من شيخ الإسلام، ونجيب الواسطي، وإلياس بن مضر. حدث بهمذان وببغداد في سنة تسع وثلاثين ولما حج بالجامع. روى عنه: السمعاني وابنه عبد الرحيم، وأبو الحسن بن نجا الواعظ، وأحمد بن الحسن العاقولي. توفي بهراة في شعبان سنة اثنتين وخمسين وخمس مائة.

стр. 8743

٥٠٢٤ - كوتاه (١): لشيخ الإمام الحافظ المتقن، محدث أصبهان، أبو مسعود، عبد الجليل بن محمد بن عبد الواحد بن محمد الأصبهاني كوتاه. ولد سنة ست وسبعين وأربع مائة. وسمع رزق الله التميمي، وأبا بكر بن ماجه الأبهري، والقاسم بن الفضل الثقفي، وأحمد بن عبد الرحمن الذكواني، وابن أشتة، وعددًا كثيرًا من أصحاب أبي سعيد النقاش وأبي نعيم، ثم أصحاب أبي طاهر بن عبد الرحيم. قال الحافظ أبو موسى: هو أوحد وقته في علمه مع حسن طريقته وتواضعه، حدثنا لفظًا وحفظًا على منبر وعظه في سنة تسع عشرة وخمس مائة ........... ، فذكر حديثًا. وقال السمعاني: من أولاد المحدثين، حسن السيرة، مكرم للغرباء، فقير قنوع، صحب أبي مدة مقامه بأصبهان، وسمع بقراءته الكثير، وله معرفة تامة بالحديث، هو من مقدمي أصحاب شيخنا إسماعيل ابن محمد الحافظ، حضرت مجلس إملائه، وكتبت عنه، سمعت أبا القاسم الحافظ بدمشق يثني عليه ثناءً حسنًا، ويفخم أمره، ويصفه بالحفظ والإتقان. قال السمعاني: لما وردت أصبهان كان ما يخرج من داره إلَّا لحاجة مهمة، كان شيخه إسماعيل الحافظ هجره، ومنعه من حضور مجلسه لمسألة جرت في النزول، وكان كوتاه يقول: النزول بالذات، فأنكر إسماعيل هذا، وأمره بالرجوع عنه، فما فعل. قلت: وقد ارتحل إلى نيسابور، وسمع من عبد الغفار الشيروي. حدث عنه: أبو القاسم بن عساكر، ويوسف بن أحمد الشيرازي، وطائفة، وروت عنه كريمة الدمشقية بالإجازة. قال السمعاني أبو سعد: حدثنا عبد الخالق الشحامي، حدثنا صاعد ابن سيار الحافظ إملاءً، حدثنا عبد الجليل بن محمد بن عبد الواحد بالمدينة، أخبرنا روح بن محمد، أخبرنا أبو الحسن الخرجاني، أخبرنا ابن خرزاذ، حدثنا علي بن روحان، حدثنا أحمد بن سنان، سمعت شيبان ابن يحيى يقول: ما أعلم طريقًا إلى الجنة أقصد ممن يسلك طريق الحديث. مات كوتاه في شعبان سنة ثلاث وخمسين وخمس مائة. وهو من رواة نسخة لوين عن ابن ماجه الأبهري. ومسألة النزول فالإيمان به واجب، وترك الخوض في لوازمه أولى، وهو سبيل السلف، فما قال هذا: نزوله بذاته، إلَّا إرغامًا لمن تأوله، وقال: نزوله إلى السماء بالعلم فقط. نعوذ بالله من المراء في الدين. وكذا قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢]، ونحوه، فنقول: جاء، وينزل، وننهى عن القول: ينزل بذاته، كما لا نقول: ينزل بعلمه، بل نسكت ولا نتفاصح على الرسول ﷺ بعبارات مبتدعة، والله أعلم.

стр. 8744

٥٠٢٥ - العباسي (١): لشيخ الإمام الصالح العابد المسند، أبو جعفر، أحمد بن محمد بن عبد العزيز بن علي بن إسماعيل بن علي بن سليمان بن يعقوب بن إبراهيم بن محمد بن الأمير إسماعيل بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب العباسي المكي، نقيب الهاشميين بمكة. ولد سنة ثمان وستين وأربع مائة. وسمع جماعة أجزاء من أبي علي الحسن بن عبد الرحمن الشافعي، تفرد بعلوها. قال السمعاني: شيخ ثقة صالح متواضع، ما رأيت في الأشراف مثله، قدم علينا أصبهان لدين ركبه ومعه خمسة أجزاء، فسمعت منه، وقد سمع في الكهولة، ونسخ الكثير، ثم قدم أصبهان راجعًا من كرمان في سنة (٥٤٧). وقال ابن النجار: كان صدوقًا زاهدًا عابدًا، قرأت بخطه قال: سمعت الحديث من أبي علي الشافعي وعمري سبع سنين. قلت: حدث عنه: ابن عساكر، والسمعاني، والقاضي أسعد بن منجا، وثابت بن مشرف، وعبد السلام الداهري، وأبو الحسن محمد بن أحمد القطيعي، وأبو محمد بن علوان الحلبي وآخرون، وتفرد عنه بالإجازة أبو الحسن بن المقير. توفي في شعبان سنة أربع وخمسين وخمس مائة. وهو جد المحدث الحافظ جعفر بن محمد العباسي. قال ابن النجار: سمع أبا علي الشافعي، وعبد القاهر العباسي المقرئ، وعيسى بن أبي ذر، وعبد الساتر بن عبد الله الزيادي، وببغداد من ابن الحصين، وأبي غالب بن البناء، وكتب بخطه كثيرًا، كتب عنه ابن ناصر، حدثنا عنه ابن سكينة، وابن الأخضر، وعبد الرزاق، والحسن بن محمد بن حمدون، وترك بن محمد الكاتب، سمعت عامة شيوخنا يثنون عليه، ويصفونه بالزهد والعبادة والورع والنزاهة.

стр. 8745

٥٠٢٦ - ابن غبرة لشيخ الجليل المسند، أبو الحسن، محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن علوي بن محمد بن زيد بن غبرة، الهاشمي الحارثي الكوفي المعدل، ويعرف قديمًا بابن المعلم، وهو من ذرية ابن عم رسول الله ﷺ ربيعة بن الحارث. ولد سنة ثمان وستين وأربع مائة. وسمع سنة خمس وسبعين من أبي الفرج محمد بن أحمد بن علان المعدل، وأبي غالب بن المنثور الجهني، وأبي علي محمد بن محمد بن محمد بن حمدان، والحسين بن محمد الدهقان، وجماعة، وتفرد بأجزاء عالية، ورحل إليه. قال ابن النجار: روى لنا عنه جماعة سمعوا منه بالكوفة، وقد سمع منه أبو الفضل أحمد بن صالح الجيلي، وأبو الفرج بن النقور، حدث ببغداد قديمًا. قلت: آخر من روى عنه بالإجازة كريمة القرشية. قال مسعود بن النادر: مات ابن غبرة في سلخ ذي القعدة سنة خمس وخمسين وخمس مائة. وقال أحمد بن صالح: كان ثقةً في روايته، سمعت عليه بقراءتي الأجزاء التي ظهرت له، ومات في المحرم سنة ست وخمسين وخمس مائة. قلت: ما وقع لنا حديثه إلَّا وفي الطريق إجازة.

стр. 8746

٥٠٢٧ - ابن محمويه (١): لإمام العلامة الفقيه المقرئ، أبو الحسن، علي بن أحمد بن الحسين بن أحمد بن الحسين بن محمويه، اليزدي الشافعي، نزيل بغداد. مولده بيزد في سنة ثلاث وسبعين وأربع مائة -أو أربع. وسمع من الحسين بن الحسن بن جوانشير، وأبي المكارم محمد بن علي بن الحسن الفسوي المقرئ، ومحمد بن الحسين بن بلوك الصوفي، وغياث بن أبي مضر الأصبهاني، ومحمد بن محمود الثقفي. وتلا بالروايات في أصبهان على أبي الفتح الحداد. وسمع ببغداد من ابن الطيوري، وابن خشيش، وأبي الحسن بن العلاف، وأبي القاسم الربعي، وعدة. وسمع بالدون "سنن النسائي" من عبد الرحمن بن حمد، وبهمذان من ناصر بن مهدي، وبأصبهان أيضًا من أحمد بن محمد بن مردويه. وتفقه بواسط على أبي علي الفارقي، وببغداد على أبي بكر الشاشي. وسمع بالبصرة والكوفة ومكة. وكان يسكن بقراح ظفر، وصنف كتبًا نافعة في الفقه والحديث والزهد، وحدث بها وبـ"سنن النسائي". قال ابن النجار: كان من أعيان الفقهاء، ومشهوري الزهاد والعباد وأهل الورع والاجتهاد، روى لنا عنه أبو أحمد بن سكينة، وابن الأخضر. وقال السمعاني: نزل بغداد، فقيه فاضل زاهد، حسن السيرة، جميل الطريقة، عزيز النفس، سخي الطبع بما يملكه، قانع بما هو فيه، كثير الصوم والعبادة، صنف تصانيف في الفقه، وأورد فيها أحاديث مسندةً عن شيوخه، سمعت منه، وسمع مني، وكان دائم البشر، متواضعًا، كثير المحفوظ، وكان له عمامة وقميص بينه وبين أخيه، إذا خرج ذاك قعد هذا في البيت، ودخلت عليه مع الواعظ الغزنوي، فوجدناه عريانًا متزرًا، فاعتذر، وقال: نحن كما قال أبو الطيب الطبري: قومٌ إذا غسلوا ثياب جمالهم … لبسوا البيوت إلى فراغ الغاسل قال ابن النجار: سمعت حمزة بن علي الحراني يقول: كان شيخنا علي اليزدي يقول لنا: إذا مت فلا تدفنوني إلَّا بعد ثلاث، فإني أخاف أن يكون بي سكتة. قال: وكان جثيثًا صاحب بلغم، وكان يصوم شهر رجب، فقبل أيام منه قال لنا: قد رجعت عن قولي، فإذا مت فادفنوني في الحال، فإني رأيت النبي ﷺ في النوم يقول: يا علي، صم رجبًا عندنا. قال: فمات ليلة رجب. قال ابن شافع: مات في تاسع وعشرين، سنة إحدى وخمسين وخمس مائة. قلت: روى عنه "السنن" الخطيب الدولعي، وتلا عليه حمزة بن القبيطي، وعبد العزيز بن الناقد، وعلي بن الدباس.

стр. 8747

٥٠٢٨ - الأغرجي: الإمام ذو الفنون، شيخ العلماء بخوارزم، أبو الفرج، محمد بن أحمد بن أبي سعيد. روى عن أبي علي إسماعيل بن البيهقي، والزمخشري. وكان ثقةً عادلًا، واعظًا مناظرًا مفتيًا، محبًا للحديث، جاوز ثمانين سنة. مات في ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وخمس مائة، وازدحموا على نعشه، ﵀. ذكره ابن رسلان في "تاريخه". ٥٠٢٩ - البيكندي (١): لشيخ الفاضل العابد المسند، أبو عمرو، عثمان بن علي بن محمد ابن علي البخاري البيكندي. مولده في شوال سنة خمس وستين وأربع مائة. سمع عبد الواحد بن عبد الرحمن الوركي المعمر، وأبا بكر محمد ابن خواهرزاده، والقاضي أبا الخطاب الطبري، ومحمد بن أحمد بن أبي سهل الفقيه، وعدة. وتفرد بالرواية عن الإمام أبي المظفر عبد الكريم، الأندقي. روى عنه: أبو سعد السمعاني وابنه أبو المظفر عبد الرحيم، وغيرهما. ولما حان وقت رواية الرواة عنه، أخذت التتار البلاد بالسيف، وانسد باب الرواية بخراسان أقاصيها وأدانيها. قال أبو سعد: هو إمام فاضل ورع عفيف نزه عابد، قانع باليسير، ثقة صالح، توفي في تاسع شهر شوال سنة اثنتين وخمسين وخمس مائة، وشيعه أمم.

стр. 8748

٥٠٣٠ - ابن الصفار (١): لإمام العلامة القدوة، أبو حفص، عمر بن أحمد بن منصور بن الشيخ أبي بكر محمد بن القاسم بن حبيب، النيسابوري الشافعي، زوج بنت الإمام أبي نصر ابن القشيري. ولد سنة سبع وسبعين وأربع مائة. وسمع بقراءة إسماعيل بن عبد الغافر الفارسي من أبي بكر بن خلف الأديب، وأبي المظفر موسى بن عمران، وأبي تراب عبد الباقي المراغي، وأبي القاسم عبد الرحمن بن أحمد الواحدي، وأبي الحسن بن الأخرم، وطائفة. حدث عنه: ولده أبو سعد عبد الله بن الصفار، وحفيده القاسم بن أبي سعد، والمؤيد الطوسي، ومنصور بن عبد المنعم، ويحيى بن الربيع الواسطي الفقيه، وسليمان بن محمد الموصلي، وأخوه علي، وزينب الشعرية، وأبو الفضل محمد بن عبد الكريم الرافعي والد صاحب الشرح. وكان يلقب بعصام الدين. قال حفيده القاسم: كان جدي نظيرًا لمحمد بن يحيى الفقيه، وكان يزيد عليه بمعرفة الأصلين. وقال أبو سعد السمعاني: هو إمام بارع مبرز، جامع لأنواع الفضل من العلوم، وكان سديد السيرة، مكثرًا من الحديث. وقال عبد الغافر في "تاريخه": شاب فاضل دين ورع، أحد وجوه الفقهاء. قال السمعاني: توفي يوم النحر سنة ثلاث وخمسين وخمس مائة.

стр. 8749

٥٠٣١ - الكرماني (١): لشيخ الصالح المعمر، أبو سعد، عبد الوهاب بن الحسن بن عبد الله الكرماني، ثم النيسابوري. ولد في ربيع الأول سنة ثمانين وأربع مائة. وسمع من أبي بكر بن خلف، وموسى بن عمران الأنصاري، وأبي سهل عبد الملك بن عبد الله الدشتي، وتفرد في وقته. حدث عنه: السمعاني وولده عبد الرحيم، ومحمد بن ناصر بن سلمان، وجماعة. توفي سنة تسع وخمسين وخمس مائة. ٥٠٣٢ - ابن القطان (٢): لشيخ الأديب البارع، شاعر بغداد، أبو القاسم، هبة الله بن الفضل ابن عبد العزيز بن محمد، البغدادي المتوثي ابن القطان. سمع أباه، وأبا الفضل بن خيرون، وأبا طاهر أحمد بن الحسن الباقلاني، وابن طلحة النعالي. وله هجاء مقذع، ومديح فائق. روى عنه السمعاني، وقال: سألته عن مولده، فقال: سنة ثمان وسبعين، وتوفي يوم الفطر سنة ثمان وخمسين وخمس مائة، وديوانه مشهور، وقد هجا الحيص بيص. وجده هو شيخ الخطيب المحدث محمد بن الحسين بن الفضل القطان، وكان فيه دعابة وانطباع، وممن يتقى لسانه.

стр. 8750

٥٠٣٣ - جعفر بن زيد (١): بن جامع بن حسين، الإمام الفاضل، أبو الفضل الطائي الشامي الحموي، ويلقب بأبي زيد. سكن بغداد بقطفتا. قال ابن النجار: سمع الكثير من أبي الحسين المبارك، وأبي سعد أحمد ابني عبد الجبار الصيرفي، وأبي بكر محمد بن أحمد بن الحسين، وأبي طالب اليوسفي، وأبي القاسم بن الحصين، وأبي العز بن كادش، وكتب بخطه كثيرًا، وخطه مضبوط، وخرج تخاريج، وسمع منه القدماء، وكان مشهورًا بالدين والصلاح وحسن الطريقة، روى عنه أبو الفرج بن الجوزي، وأبو عبد الله بن الزبيدي. وقال السمعاني: أبو زيد الحموي شيخ صالح خير، كثير العبادة، دائم التلاوة، مشتغل بنفسه، لا يخرج إلَّا من جمعة إلى جمعة، كتبت عنه. قلت: ما أراه أدرك أبا الحسين بن الطيوري، بلى سمع من أخيه. قال: ولدت سنة ثلاث -أو خمس- وثمانين وأربع مائة. ومات في ذي الحجة سنة أربع وخمسين وخمس مائة. قلت: له كتاب "البرهان" في السنة، سمعناه، وعليه فيه مآخذ ﵀. أخبرنا ابن مؤمن، أخبرنا الحسين بن أبي بكر، أخبرنا جعفر بن زيد، أخبرنا أحمد بن عبيد الله العكبري، أخبرنا أبو طالب الحربي، أخبرنا ابن مردك، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، حدثنا يونس، سمعت الشافعي يقول: نثبت هذه الصفات التي جاء بها القرآن ووردت بها السنة، وننفي التشبيه عنه كما نفى عن نفسه، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وفيها مات أبو سعد منجح بن مفلح الدومي، وعبد الوهاب بن إسماعيل النيسابوري سبط القشيري، وأبو علي الحسن بن جعفر بن المتوكل، وأبو القاسم أحمد بن قفرجل، وأبو جعفر أحمد بن محمد ابن عبد العزيز العباسي.

стр. 8751

٥٠٣٤ - عدي (١): لشيخ الإمام الصالح القدوة، زاهد وقته، أبو محمد، عدي بن صخر الشامي، وقيل: عدي بن مسافر وهذا أشهر ابن إسماعيل بن موسى الشامي، ثم الهكاري مسكنًا. قال الحافظ عبد القادر: ساح سنين كثيرةً، وصحب المشايخ، وجاهد أنواعًا من المجاهدات، ثم إنه سكن بعض جبال الموصل في موضع ليس به أنيس، ثم آنس الله تلك المواضع به، وعمرها ببركاته، حتى صار لا يخاف أحد بها بعد قطع السبل، وارتد جماعة من مفسدي الأكراد ببركاته، وعمر حتى انتفع به خلق، وانتشر ذكره، وكان معلمًا للخير، ناصحًا متشرعًا، شديدًا في الله، لا تأخذه في الله لومة لائم، عاش قريبًا من ثمانين سنة، ما بلغنا أنه باع شيئًا ولا اشترى، ولا تلبس بشيء من أمر الدنيا، كانت له غليلة يزرعها بالقدوم في الجبل، ويحصدها، ويتقوت، وكان يزرع القطن، ويكتسي منه، ولا يأكل من مال أحد شيئًا، وكانت له أوقات لا يرى فيها محافظةً على أوراده، وقد طفت معه أيامًا في سواد الموصل، فكان يصلي معنا العشاء، ثم لا نراه إلى الصبح، ورأيته إذا أقبل إلى قرية يتلقاه أهلها من قبل أن يسمعوا كلامه تائبين رجالهم ونساؤهم إلَّا من شاء الله منهم، ولقد أتينا معه على دير رهبان، فتلقانا منهم راهبان، فكشفا رأسيهما، وقبلا رجليه، وقال: أدع لنا فما نحن إلَّا في بركاتك، وأخرجا طبقًا فيه خبز وعسل، فأكل الجماعة. وخرجت إلى زيارة الشيخ أول مرة، فأخذ يحادثنا، ويسأل الجماعة، ويوانسهم، وقال: رأيت البارحة في النوم كأننا في الجنة ونحن ينزل علينا شيء كالبرد. ثم قال: الرحمة، فنظرت إلى فوق رأسي، فرأيت ناسًا، فقلت: من هؤلاء? فقيل: أهل السنة والصيت للحنابلة، وسمعت شخصًا يقول له: يا شيخ! لا بأس بمداراة الفاسق؟ فقال: لا يا أخي! دين مكتوم دين ميشوم. وكان لا يواصل الأيام الكثيرة على ما اشتهر عنه، حتى إن بعض الناس كان يعتقد أنه لا يأكل شيئًا قط، فلما بلغه ذلك أخذ شيئًا، وأكله بحضرة الناس، واشتهر عنه من الرياضات والسير والكرامات والانتفاع به ما لو كان في الزمان القديم لكان أحدوثةً، ورأيته قد جاء إلى الموصل في السنة التي مات فيها، فنزل في مشهد خارج الموصل، فخرج إليه السلطان وأصحاب الولايات والمشايخ والعوام حتى آذوه مما يقبلون يده، فأجلس في موضع بينه وبين الناس شباك بحيث لا يصل إليه أحد إلَّا رؤيةً، فكانوا يسلمون عليه، وينصرفون، ثم رجع إلى زاويته. وقال ابن خلكان: أصله من بيت فار من بلاد بعلبك، وتوجه إلى جبل الهكارية، وانقطع، وبنى له زاويةً، ومال إليه أهل البلاد ميلًا لم يسمع بمثله، وسار ذكره في الآفاق، وتبعه خلق جاوز اعتقادهم فيه الحد، حتى جعلوه قبلتهم التي يصلون إليها، وذخيرتهم في الآخرة، صحب الشيخ عقيلًا المنبجي، والشيخ حمادًا الدباس وغيرهما، وعاش تسعين سنة، وتوفي سنة سبع وخمسين وخمس مائة. قال مظفر الدين صاحب إربل: رأيت الشيخ عدي بن مسافر وأنا صغير بالموصل، وهو شيخ ربعة، أسمر اللون، ﵀. قلت: نقل الحافظ الضياء عن شيخ له أن وفاته كانت في يوم عاشوراء من السنة.

стр. 8752

٥٠٣٥ - ابن الحطيئة (١): لشيخ الإمام العلامة القدوة، شيخ الإسلام، أبو العباس أحمد بن عبد الله بن أحمد بن هشام اللخمي المغربي الفاسي المقرئ الناسخ ابن الحطيئة. مولده بفاس سنة ثمان وسبعين وأربع مائة. وحج، ولقي الكبار، وتلا بالسبع على أبي القاسم بن الفحام الصقلي، وغيره. وسمع من أبي الحسن بن مشرف، وأبي عبد الله الحضرمي، وأبي بكر الطرطوشي. حدث عنه: أبو طاهر السلفي وهو أكبر منه، وصنيعة الملك ابن حيدرة، وشجاع بن محمد المدلجي، والأثير محمد بن محمد بن بنان -وقرأ عليه- وإسماعيل بن محمد اللمطي، والنفيس أسعد بن قادوس خاتمة أصحابه. وقد دخل الشام، وزار، وسكن مصر، وتزوج، وكان يعيش من الوراقة، وعلم زوجته وبنته الكتابة، فكتبتا مثله، فكان يأخذ الكتاب ويقسمه بينه وبينهما، فينسخ كل منهما طائفةً من الكتاب، فلا يفرق بين الخطوط إلَّا في شيء نادر، وكان مقيمًا بجامع راشدة خارج الفسطاط، ولأهل مصر حتى أمرائها العبيدية فيه اعتقاد كبير، كان لا يقبل من أحد شيئًا، مع العلم والعمل والخوف والإخلاص. وتلا أيضًا بالسبع على أبي علي بن بليمة، وعلى محمد بن إبراهيم الحضرمي. وأحكم العربية والفقه، وخطه مرغوب فيه لإتقانه وبركته.

стр. 8753

وقد كان حصل قحط بمصر، فبذل له غير واحد عطاءً، فأبى وقنع، فخطب الفضل بن يحيى الطويل إليه بنته، فزوجه، ثم طلب منه أمها لتؤنسها، ففعل، فما أجمل تلطف هذا المرء في بر أبي العباس؟ قال السلفي: كان ابن الحطيئة رأسًا في القراءات، وقرأت بخط أبي الطاهر بن الأنماطي قال: سمعت شيخنا شجاعًا المدلجي وكان من خيار عباد الله يقول: كان شيخنا ابن الحطيئة شديدًا في دين الله، فظًا غليظًا على أعداء الله، لقد كان يحضر مجلسه داعي الدعاة مع عظم سلطانه ونفوذ أمره، فما يحتشمه، ولا يكرمه، ويقول: أحمق الناس في مسألة كذا وكذا الروافض، خالفوا الكتاب والسنة، وكفروا بالله، وكنت عنده يومًا في مسجده بشرف مصر وقد حضره بعض وزراء المصريين أظنه ابن عباس، فاستسقى في مجلسه، فأتاه بعض غلمانه بإناء فضة، فلما رآه ابن الحطيئة وضع يده على فؤاده، وصرخ صرخةً ملأت المسجد، وقال: واحرها على كبدي! أتشرب في مجلس يقرأ فيه حديث رسول الله ﷺ في آنية الفضة?! لا والله لا تفعل، وطرد الغلام، فخرج، وطلب الشيخ كوزًا، فجيء بكوز قد تثلم، فشرب، واستحيى من الشيخ، فرأيته والله كما قال الله: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِغُهُ﴾ [إبراهيم: ١٧]. قال: وأتى رجل إلى شيخنا ابن الحطيئة بمئزر، وحلف بالطلاق ثلاثًا لا بد أن يقبله، فوبخه على ذلك، وقال: علقه على ذاك الوتد. فلم يزل على الوتد حتى أكله العث، وتساقط، وكان ينسخ بالأجرة، وكان له على الجزية في السنة ثلاثة دنانير، ولقد عرض عليه غير واحد من الأمراء أن يزيد جامكيته، فما قبل، وكان له من الموقع في قلوبهم مع كثرة ما يهينهم ما لم يكن لأحد سواه، وعرضوا عليه القضاء بمصر، فقال: والله لا أقضي لهم .. إلى أن قال شجاع: وكتب صحيح مسلم كله بقلم واحد، وسمعته وقيل له: فلان رزق نعمةً ومعدةً، فقال: حسدوه على التردد إلى الخلاء، وسمعته كثيرًا إذا ذكر عمر بن الخطاب ﵁ يقول: طويت سعادة المسلمين في أكفان عمر. وذكرنا في "طبقات القراء" أن الناس بقوا بمصر ثلاثة أشهر بلا قاض في سنة ثلاث وثلاثين، فوقع اختيار الدولة على الشيخ أبي العباس، فاشترط عليهم شروطًا صعبةً، منها أنه لا يقضي بمذهبهم يعني الرفض، فلم يجيبوا إلَّا أن يقضي على مذهب الإمامية. تلوت بالسبع من طريقه على أبي عبد الله محمد بن منصور النحوي، عن الكمال العباسي، عن شجاع المدلجي، عنه.

стр. 8754

وقرأت بخط ابن الأنماطي، قال لي شيخنا شجاع: كان الشيخ أبو العباس قد أخذ نفسه بتقليل الأكل، بحيث بلغ في ذلك إلى الغاية، وكان يتعجب ممن يأكل ثلاثين لقمةً، ويقول: لو أكل الناس من الضار ما آكل أنا من النافع ما اعتلوا. قال: وحكى لنا شجاع أن أبا العباس ولدت له بنت، فلما كبرت أقرأها بالسبع، وقرأت عليه "الصحيحين" وغير ذلك، وكتبت الكثير، وتعلمت عليه كثيرًا من العلم، ولم ينظر إليها قط، فسألت شجاعًا: أكان ذلك عن قصد? فقال: كان في أول العمر اتفاقًا، لأنه كان يشتغل بالإقراء إلى المغرب، ثم يدخل بيته وهي في مهدها، وتمادى الحال إلى أن كبرت، فصارت عادةً، وزوجها، ودخلت بيتها والأمر على ذلك، ولم ينظر إليها قط. قلت: لا مدح في مثل هذا، بل السنة بخلافه، فقد كان سيد البشر ﷺ يحمل أمامة بنت ابنته وهو في الصلاة (١). توفي ابن الحطيئة ﵀ في المحرم سنة ستين وخمس مائة، وقبره بالقرافة ظاهر يزار.

стр. 8755

٥٠٣٦ - الداراني: أبو محمد، عبد الرحمن بن أبي الحسن بن إبراهيم بن عبد الله الكناني الداراني الدمشقي. سمعه خاله محمد بن إبراهيم النسائي من سهل بن بشر الإسفراييني، وعبد الله بن عبد الرزاق، وأبي الفضل بن الفرات. وعنه: ابن عساكر وابنه، والمسلم المازني، ومكرم، وكريمة، وآخرون. قال ابن عساكر: لم يكن الحديث من صنعته، توفي في جمادى الأولى سنة ثمان وخمسين وخمس مائة. روى كثيرًا من سنن النسائي الكبير عن الإسفراييني.
следующие страницы →