٥٣١٠ - ابن كليب (١):
الشيخ الجليل الأمين، مسند العصر، أبو الفرج، عبد المنعم بن عبد الوهاب بن سعد بن صدقة بن خضر بن كليب، الحراني، ثم البغدادي، الحنبلي، التاجر، الآجري؛ لسكناه في درب الآجر.
ولد في صفر سنة خمس مائة.
وسمع: أبا القاسم بن بيان، وأبا علي بن نبهان، وأبا بكر بن بدران، وأبا عثمان بن ملة، وأبا منصور محمد بن أحمد بن طاهر الخازن، وأبا الخطاب الفقيه، وصاعد بن سيار، ونور الهدى أبا طالب الزينبي.
ولقي بالإجازة: أبا علي بن المهدي، وأبا العز محمد بن المختار، ومحمد بن عبد الباقي الدوري، وأبا طاهر بن يوسف، والمبارك بن الحسين الغسال، وابن بيان، وابن نبهان أيضًا.
وله "مشيخة" مروية.
حدث عنه: ابن الدبيثي، وابن خليل، وابن النجار، وعمر بن بدر، وأبو موسى بن الحافظ، واليلداني، وأحمد بن سلامة الحراني، ومحيي الدين بن الجوزي، وشيخ الشيوخ عبد العزيز بن محمد الأنصاري، وشمس الدين أبو المظفر سبط بن الجوزي، وابن عبد الدائم، والنجيب عبد اللطيف، وخلق كثير.
وبالإجازة: ابن أبي اليسر، والقطب ابن عصرون، والخضر بن حمويه، وأحمد بن أبي الخير، والعز عبد العزيز بن الصيقل، ومحمد بن أبي الدينة.
وانتهى إليه علو الإسناد، ومتع بحواسه وذهنه، وكان صبورًا محبًا للرواية.
دخل مصر مع أبيه، وسكن دمياط مدةً، وحج سبع مرات، وفاتته عرفة في الثامنة، تعوق بالبحر.
قال المنذري في "الوفيات": سمعت قاضي القضاة أبا محمد الكناني، سمعت ابن كليب يقول: تسريت بمائة وثمان وأربعين جاريةً، قال: وكان يخاصم أولاده في ذلك السن، فيقول: اشتروا لي جاريةً.
قال ابن النجار: ألحق الصغار بالكبار، ومتع بصحته، وذهنه، وحسن صورته، وحمرة وجهه، وكان لا يمل من السماع، كتب "جزء ابن عرفة" بخطه، وله بضع وتسعون سنةً بخط مليح، وحدث به من لفظه، وكان من أعيان التجار، ذا ثروة واسعة، ثم تضعضع، واحتاج إلى الأخذ، وبقي لا يحدث "بجزء ابن عرفة" إلَّا بدينار، وكان صدوقًا قرأت عليه كثيرًا.
توفي ليلة السابع والعشرين من ربيع الأول سنة ست وتسعين وخمس مائة.
стр. 9067
٥٣١١ - جاكير:
الزاهد، من كبار مشايخ العراق، صاحب أحوال وتأله وتعبد. صحب الشيخ عليًا الهيتي وغيره.
وجاكير لقب، واسمه محمد بن دشم الكردي الحنبلي، لم يتزوج، وتذكر عنه كرامات، وله زاوية كبيرة بقرية راذان، على بريد من سامراء. وجلس في المشيخة بعده أخوه أحمد، وبعد أحمد ولده الغرس، وبعد الغرس ابنه محمد.
٥٣١٢ - الشاطبي (١):
الشيخ الإمام، العالم العامل، القدوة، سيد القراء، أبو محمد، وأبو القاسم القاسم بن فيره بن خلف بن أحمد الرعيني، الأندلسي، الشاطبي، الضرير، ناظم "الشاطبية" و"الرائية".
стр. 9068
من كناه أبا القاسم كالسخاوي وغيره، لم يجعل له اسمًا سواها. والأكثرون على أنه أبو محمد القاسم.
وذكره أبو عمرو بن الصلاح في "طبقات الشافعية".
ولد سنة ثمان وثلاثين وخمس مائة.
وتلا ببلده بالسبع على أبي عبد الله بن أبي العاص النفري، ورحل إلى بلنسية، فقرأ القراءات على أبي الحسن بن هذيل، وعرض عليه "التيسير"، وسمع منه الكتب، ومن أبي الحسن ابن النعمة، وأبي عبد الله ابن سعادة، وأبي محمد بن عاشر، وأبي عبد الله بن عبد الرحيم، وعليم بن عبد العزيز. وارتحل للحج، فسمع من أبي طاهر السلفي، وغيره.
وكان يتوقد ذكاءً. له الباع الأطول في فن القراءات والرسم والنحو والفقه والحديث، وله النظم الرائق، مع الورع والتقوى والتأله والوقار.
استوطن مصر، وتصدر، وشاع ذكره.
حدث عنه: أبو الحسن بن خيرة، ومحمد بن يحيى الجنجالي، وأبو بكر بن وضاح، وأبو الحسن علي بن الجميزي، وأبو محمد بن عبد الوارث قارئ مصحف الذهب.
وقرأ عليه بالسبع: أبو موسى عيسى بن يوسف المقدسي، وعبد الرحمن بن سعيد الشافعي، وأبو عبد الله محمد بن عمر القرطبي، وأبو الحسن السخاوي، والزين أبو عبد الله الكردي، والسديد عيسى بن مكي، والكمال علي بن شجاع، وآخرون.
قال أبو شامة: أخبرنا السخاوي: أن سبب انتقال الشاطبي من بلده أنه أريد على الخطابة، فاحتج بالحج، وترك بلده، ولم يعد إليه تورعًا مما كانوا يلزمون الخطباء من ذكرهم الأمراء بأوصاف لم يرها سائغةً، وصبر على فقر شديد، وسمع من السلفي، فطلبه القاضي الفاضل للإقراء بمدرسته، فأجاب على شروط، وزار بيت المقدس سنة سبع وثمانين وخمس مائة.
قال السخاوي: أقطع بأنه كان مكاشفًا، وأنه سأل الله كف حاله.
قال الأبار: تصدر بمصر، فعظم شأنه، وبعد صيته، انتهت إليه رياسة الإقراء، وتوفي بمصر في الثامن والعشرين من جمادى الآخرة سنة تسعين وخمس مائة.
قلت: وله أولاد رووا عنه منهم أبو عبد الله محمد.
стр. 9069
أخبرنا أبو الحسين الحافظ ببعلبك، أخبرنا علي بن هبة الله، أخبرنا الشاطبي، أخبرنا ابن هذيل بحديث ذكرته في "التاريخ الكبير".
وجاء عنه قال: لا يقرأ أحد قصيدتي هذه إلَّا وينفعه الله، لأنني نظمتها لله.
وله قصيدة دالية نحو خمس مائة بيت، من قرأها، أحاط علمًا بـ"التمهيد" لابن عبد البر.
وكان إذا قرئ عليه "الموطأ"، و"الصحيحان"، يصحح النسخ من حفظه، حتى كان يقال: إنه يحفظ وقر بعير من العلوم.
قال ابن خلكان: قيل: اسمه وكنيته واحد، ولكن وجدت إجازات أشياخه له: أبو محمد القاسم. وكان نزيل القاضي الفاضل فرتبه بمدرسته لإقراء القرآن، ولإقراء النحو واللغة، وكان يتجنب فضول الكلام، ولا ينطق إلَّا لضرورة، ولا يجلس للإقراء إلَّا على طهارة.
стр. 9070
٥٣١٣ - ابن صصرى (١):
الإمام العالم، الحافظ، المجود، البارع، الرئيس النبيل، أبو المواهب، الحسن بن العدل أبي البركات هبة الله بن محفوظ بن الحسن بن محمد بن الحسن بن أحمد بن الحسين بن صصرى، التغلبي، البلدي الأصل، الدمشقي، الشافعي.
ولد سنة سبع وثلاثين وخمس مائة.
وكان اسمه نصر الله، فغيره.
سمع من: جده، والفقيه نصر الله بن محمد المصيصي -فهو أكبر شيخ له- ومن: عبدان بن زرين، وعلي بن حيدرة، ونصر بن مقاتل، والحسين بن البن، وأبي يعلى بن الحبوبي، وحمزة بن كروس، وحمزة بن أسد القلانسي، وعدة.
ولازم الحافظ ابن عساكر، وأكثر عنه، وتخرج به، وعني بهذا الشأن جدًا.
وارتحل، وسمع بحماة محمد بن ظفر الحجة، وبحلب من أبي طالب بن العجمي، وبالموصل الحسن بن علي الكعبي، ويحيى بن سعدون، وسليمان بن خميس، وببغداد هبة
стр. 9071
الله الدقاق، وابن البطي، وعدةً، وبهمذان أبا العلاء العطار وغيره، وبأصبهان محمد بن أحمد بن ماشاذه، وأبا رشيد عبد الله بن عمر، وعدةً، وبتبريز حفدة العطاري.
وجمع "المعجم"، وصنف التصانيف، وصنف في "فضائل الصحابة" و"عوالي ابن عيينة" و"فضائل القدس" و"رباعيات التابعين"، وقد احترقت كتبه بالكلاسة، ثم إنه وقف خزانةً أخرى.
وثقه أبو عبد الله الدبيثي، وقال: كتب إلينا بالإجازة.
مات سنة ست وثمانين وخمس مائة وله تسع وأربعون سنةً.
أخبرنا القاسم بن محمد الحافظ، أخبرنا إسماعيل بن إسحاق، أخبرنا جدي الحسين بن هبة الله بن محفوظ، أخبرنا أخي أبو المواهب، أخبرنا أبو الفتح المصيصي، أخبرنا محمد بن أحمد، أخبرنا محمد بن إبراهيم اليزدي، حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا إبراهيم بن الحارث، حدثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق، عن عمرو بن الحارث ختن رسول الله ﷺ أخي جويرية، قال:
"والله ما ترك رسول الله ﷺ عند موته دينارًا ولا درهمًا ولا عبدًا ولا أمةً ولا شيئًا إلَّا بغلته البيضاء، وسلاحه، وأرضًا جعلها صدقةً (١).
رواه البخاري عن إبراهيم.
стр. 9072
٥٣١٤ - أبوه الرئيس أبو البركات:
تفقه، وقرأ القرآن، وله صدقة وبر. كان يختم في رمضان ثلاثين ختمةً.
روى عن: جمال الإسلام، ويحيى بن بطريق.
روى عنه: ابناه، وشهد على القضاء.
مات سنة ثلاث وسبعين وخمس مائة، وله اثنتان وستون سنةً.
٥٣١٥ - جده محفوظ:
قيل: يكنى أبا البركات، من رؤساء البلد وعدولهم.
سمع جزءًا في سنة ست وثمانين وأربع مائة من نصر بن أحمد الهمذاني.
سمع منه: الحافظ ابن عساكر، وابنه البهاء، وولده أبو المواهب.
توفي في ذي الحجة سنة خمس وأربعين وخمس مائة، وله ثمانون سنةً، ودفن بباب توما.
стр. 9073
٥٣١٦ - طغرل (١):
الملك طغرل شاه بن أرسلان بن طغرل بن محمد بن ملكشاه التركي، آخر ملوك السلجوقية الملكشاهية.
خرج على الخليفة الناصر، فالتقاه الجيش، عليهم ابن يونس الوزير، فانهزموا، وأسر الوزير، ثم ندب الناصر خوارزمشاه لحربه، فالتقاه على الري، فقتل طغرل في المصاف، وكان من ملاح زمانه وشجعانهم.
قتل سنة تسعين، ودخلوا إلى بغداد برأسه وسناجقه المنكسة. وكان حاكمًا على أذربيجان وهمذان وعدة مدائن، ملكوه وهو صبي.
٥٣١٧ - الجمال (٢):
الشيخ المعمر، مسند أصبهان، أبو الحسن، مسعود بن أبي منصور بن محمد بن حسن، الأصبهاني، الجمال، الخياط.
ولد سنة ست وخمس مائة.
سمع: أبا علي الحداد، ومحمود بن إسماعيل، وأبا نهشل عبد الصمد، وحمزة بن العباس العلوي.
وسمع حضورًا من غانم البرجي، وأجاز له من نيسابور عبد الغفار الشيرويي صاحب أبي بكر الحيري. وعمر دهرًا، وتفرد، ورحل.
حدث عنه: محمد بن عمر العثماني، وأبو موسى بن عبد الغني، وأبو الحجاج بن خليل، وآخرون. وأجاز لأحمد بن سلامة.
مات في الخامس والعشرين من شوال سنة خمس وتسعين وخمس مائة.
стр. 9074
٥٣١٨ - الراراني (١):
الشيخ الجليل المسند، شيخ الشيوخ، أبو سعيد، خليل بن أبي الرجاء بدر بن أبي الفتح ثابت بن روح بن محمد بن عبد الواحد، الأصبهاني، الراراني، الصوفي.
ولد سنة خمس مائة.
سمع: أبا علي الحداد، ومحمود بن إسماعيل الأشقر، وجعفر بن عبد الواحد، ومحمد بن عبد الواحد الدقاق.
حدث عنه: أبو موسى بن عبد الغني، ويوسف بن خليل، وعبد العزيز بن علي الواعظ، وولده محمد بن خليل وحفيدته ليلة البدر بنت محمد، وجماعة.
وأجاز لأحمد بن أبي الخير، وكان من مريدي حمزة بن العباس العلوي.
مات في الخامس والعشرين من ربيع الآخر سنة ست وتسعين وخمس مائة.
٥٣١٩ - ابن ياسين (٢):
الشيخ المسند الصالح العابد، أبو الطاهر، إسماعيل بن أبي التقى صالح بن ياسين بن عمران، المصري، الشارعي الشفيقي، نسبةً إلى خدمة شفيق الملك، الجبلي، نسبةً إلى سكنى جبل مصر، البناء.
ولد سنة أربع عشرة وخمس مائة.
وسمع من: أبي عبد الله الرازي "مشيخته" بإفادة الرديني الزاهد.
وهو آخر من حدث بمصر عن الرازي.
حدث عنه: الحافظ عبد الغني، والحافظ الضياء، وابن خليل، وأخوه يونس، وأبو الحسن السخاوي، وأبو عمرو بن الحاجب، والشهاب القوصي، والرضي عبد الرحمن بن محمد، وخطيب مردا، والزين أحمد بن عبد الملك، وإسماعيل بن ظفر، والمعين أحمد بن علي بن يوسف، وعبد الله بن علاق، والرشيد يحيى العطار، وإسماعيل بن عزون، وخلق سواهم.
توفي في ثاني عشر ذي الحجة سنة ست وتسعين وخمس مائة.
لم يجز لابن أبي الخير.
стр. 9075
٥٣٢٠ - أحمد بن طارق (١):
ابن سنان، المحدث العالم، أبو الرضا، الكركي، ثم البغدادي، التاجر، الشيعي.
ولد سنة سبع وعشرين وخمس مائة.
وسمع من: أبي الفضل الأرموي، وموهوب بن الجواليقي، وهبة الله بن أبي شريك، ومحمد بن طراد، وابن ناصر، وسعد الخير، وعدة.
وسمع بدمشق من ناصر بن عبد الرحمن النجار، وأبي القاسم بن البن، وطائفة، وبالثغر من السلفي، وبمصر من ابن رفاعة، وعدة.
وحدث في هذه البلاد، وكتب الكثير.
قال ابن الدبيثي: كان حريصًا على السماع، وعلى تحصيل الأجزاء، مع قلة معرفته، وكان ثقةً.
قلت: أبوه من كرك نوح، قيده بالسكون ابن نقطة، والمنذري. وأما كرك الشوبك، فبالتحريك.
روى عنه: الدبيثي، وابن خليل، وقبلهما الحافظ ابن المفضل.
وأجاز لأحمد بن أبي الخير.
قال الشيخ الضياء: كان شيعيًا غاليًا.
وقال ابن النجار: لم يزل يطلب، وكان يوادني، وكان صديقًا طيب المعاشرة، إلَّا أنه غال في التشيع، شحيح مقتر، يشتري من لقم المكديين، ويتبع المحدثين ليأكل معهم، ولا يوقد ضوءًا، خلف تجارةً بثلاثة آلاف دينار، ومات وحده، ولم يعلم به.
وقال عبد الرزاق الجيلي: كان ثقةً ثبتًا، مع فساد دينه.
وقال ابن نقطة: خبيث الاعتقاد، رافضي.
стр. 9076
وقيل: أكلت الفأر أنفه وأذنيه.
مات في ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة.
وكان جده قاضي كرك نوح.
وفيها مات قاضي قرطبة أبو جعفر أحمد بن عبد الرحمن بن حريث اللخمي عن نحو الثمانين، وأبو طاهر إبراهيم بن محمد بن أحمد بن حمدية العكبري أخو عبد الله من أصحاب بن الحصين، وبلقيس بنت سليمان بن النظام، وعبد الخالق بن عبد الوهاب الصابوني الخفاف، ومحمد بن أحمد بن محمد الأصبهاني المهاد، ومحمد بن أبي بكر بن محمد الجلالي البغدادي عن مائة عام، وشاعر وقته أبو الغنائم محمد بن علي بن فارس بن المعلم الواسطي في عشر المائة، ووزير العراق مؤيد الدين أبو الفضل محمد بن علي بن القصاب، وأبو محمد محمد بن معالي بن شدقيني، والإمام فخر الدين محمد بن أبي علي النوقاني صاحب الغزالي، والإمام مجير الدين محمود بن المبارك بن علي البغدادي صاحب أبي منصور الرزاز، ويوسف بن معالي الكتاني المقرئ.
стр. 9077
٥٣٢١ - ابن حمدية:
الشيخ المسند، أبو منصور، عبد الله بن محمد بن أحمد بن حمدية، العكبري، ثم البغدادي.
سمع أبا العز بن كادش، وأبا عبد الله البارع، وزاهر بن طاهر، وأبا علي بن السبط، وأبا بكر المزرفي، وعدةً.
وعنه: ابن الدبيثي، وابن خليل، وطائفة.
مات في صفر سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة عن أربع وثمانين سنة.
ومات معه في صفر بعد أيام أخوه:
٥٣٢٢ - أبو طاهر إبراهيم بن محمد:
وكان قد كتب بخطه، وروى الكثير عن ابن الحصين، وزاهر، وهبة الله الشروطي، وأبي غالب الماوردي.
روى عنه أيضًا: ابن الدبيثي وابن خليل.
ونيف هذا على الثمانين. ولم أرهما أجازا لأحمد بن سلامة.
стр. 9078
٥٣٢٣ - الصابوني (١):
الإمام المقرئ، المسند، أبو محمد عبد الخالق بن الشيخ أبي الفتح عبد الوهاب بن محمد بن الحسين بن الصابوني، البغدادي، الخفاف.
ولد في جمادى الآخرة سنة سبع وخمس مائة.
وسمعه أبوه من علي بن عبد الواحد الدينوري، وأحمد بن محمد بن البخاري، وهبة الله بن الحصين، وقراتكين بن أسعد، وأبي العز بن كادش، وأحمد بن أحمد المتوكلي، وزاهر بن طاهر، وإسماعيل بن أبي صالح المؤذن، وهبة الله بن الطبر، وعدة.
وعنه: ابن الأخضر، وولده علي، وابن خليل، وجماعة.
قال ابن النجار: كان شيخًا صدوقًا لا بأس به، عسرًا في الرواية.
مات في ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة.
٥٣٢٤ - ابن بونه:
الشيخ الفاضل، المحدث، المعمر، أبو محمد، عبد الحق بن عبد الملك بن بونه بن سعيد، العبدري، المالقي، المعروف بابن البيطار، نزيل مدينة المنكب من مدائن الأندلس.
حدث عن: أبيه، وأبي محمد بن عتاب، وأبي بحر بن العاص، وغالب بن عطية، وابن مغيث، وأبي الحسن بن الباذش.
وأجاز له أبو علي الصدفي.
روى عنه: هانئ بن هانئ، وابنا حوط الله، وأبو الربيع بن سالم، وابن دحية، وآخرون.
قال الأبار: سمعه أبوه صغيرًا، ورحل به، فأورثه ذلك نباهةً.
وقال ابن سالم: هو الشيخ الراوية العدل الثقة أبو محمد الغرناطي، أخذت عنه.
توفي بالمنكب سنة سبع وثمانين وخمس مائة. عاش ثلاثًا وثمانين سنةً.
стр. 9079
٥٣٢٥ - ابن مأمون:
الإمام، المقرئ المجود، النحوي، المحدث، قاضي بلنسية، أبو عبد الله محمد بن جعفر بن أحمد بن حميد بن مأمون، الأموي، مولاهم، البلنسي، ثم الغرناطي.
أخذ القراءات عن ابن هذيل، وأبي الحسن بن ثابت، وأبي الحسن شريح بن محمد، وأبي عبد الله بن أبي سمرة.
وأخذ بجيان علوم اللسان عن أبي بكر بن مسعود الخشني، وسمع بالمرية من القاضي أبي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية المحاربي، وطائفة.
حمل عنه أبو الربيع بن سالم، وقال: أتقن "كتاب سيبويه" تفقهًا وتفهمًا على ابن أبي ركب الخشني، ثم تصدر بمرسية للإقراء والعربية، وكان في النحو إمامًا مقدمًا، سمعت منه في سنة إحدى وثمانين "صحيح البخاري" وغيره عن شريح بفوت، و"التيسير"، و"الكافي"، و"التلخيص" لأبي معشر سمعه من ابن ثعبان، بسماعه من أبي معشر.
قلت: وأجاز له أبو الحسن بن مغيث.
قال ابن سالم: توفي بمرسية صادرًا عن حضرة الملك، في سابع عشر جمادى الأولى، سنة ست وثمانين وخمس مائة، ودفن إلى جنب أبي القاسم بن حبيش. وكان مولده سنة ثلاث عشرة وخمس مائة.
٥٣٢٦ - بكتمر (١):
صاحب خلاط، الملك سيف الدين، مملوك الملك ظهير الدين شاه أرمن.
استولى على أرمينية، وكان محاربًا للسلطان صلاح الدين، فلما بلغه موته، أمر بضرب البشائر، وعمل تختًا، فجلس عليه، وسمى نفسه عبد العزيز، وتلقب بالسلطان المعظم صلاح الدين، فما أمهله الله، وقتل غيلةً بعد شهر في أول جمادى الأولى سنة تسع وثمانين وخمس مائة، خرج عليه خشداشه، وزوج بنته الأمير هزار ديناري، ثم تملك بعده، ولقبه بدر الدين، فبقي خمس سنين، ومات، فملكوا محمد بن بكتمر، ثم قبض على نائبه شجاع الدين، ثم ثار أمراء، وخنقوا محمدًا، وتملك بلبان سنةً، ثم تسلمها الأوحد بن الملك العادل.
стр. 9080
٥٣٢٧ - صلاح الدين وبنوه (١):
السلطان الكبير، الملك الناصر، صلاح الدين، أبو المظفر، يوسف بن الأمير نجم الدين أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب، الدويني، ثم التكريتي المولد.
ولد في سنة اثنتين وثلاثين وخمس مائة إذ أبوه نجم الدين متولي تكريت نيابةً.
ودوين: بليدة بطرف أذربيجان من جهة أران والكرج، أهلها أكراد هذبانية.
سمع من أبي طاهر السلفي، والفقيه علي ابن بنت أبي سعد، وأبي الطاهر بن عوف، والقطب النيسابوري. وحدث.
وكان نور الدين قد أمره، وبعثه في عسكره مع عمه أسد الدين شيركوه، فحكم شيركوه على مصر، فما لبث أن توفي، فقام بعده صلاح الدين، ودانت له العساكر، وقهر بني عبيد، ومحا دولتهم، واستولى على قصر القاهرة بما حوى من الأمتعة والنفائس، منها الجبل الياقوت الذي وزنه سبعة عشر درهمًا؛ قال مؤلف الكامل ابن الأثير: أنا رأيته ووزنته.
وخلا القصر من أهله وذخائره. وأقام الدعوة العباسية.
وكان خليقًا للإمارة، مهيبًا، شجاعًا حازمًا، مجاهدًا كثير الغزو، عالي الهمة، كانت دولته نيفًا وعشرين سنةً.
وتملك بعد نور الدين، واتسعت بلاده.
ومنذ تسلطن، طلق الخمر واللذات، وأنشأ سورًا على القاهرة ومصر، وبعث أخاه شمس الدين في سنة ثمان وستين، فافتتح برقة، ثم افتتح اليمن، وسار صلاح الدين، فأخذ دمشق من ابن نور الدين.
وفي سنة إحدى وسبعين حاصر عزاز، ووثبت عليه الباطنية، فجرحوه.
وفي سنة ثلاث كسرته الفرنج على الرملة، وفر في جماعة، ونجا.
وفي سنة خمس التقاهم وكسرهم.
وفي سنة ست أمر ببناء قلعة الجبل.
وفي سنة ثمان عدى الفرات، وأخذ حران، وسروج، والرقة، والرها، وسنجار،
стр. 9081
والبيرة، وآمد، ونصيبين، وحاصر الموصل، ثم تملك حلب، وعوض عنها صاحبها زنكي بسنجار، ثم إنه حاصر الموصل ثانيًا وثالثًا، ثم صالحه صاحبها عز الدين مسعود، ثم أخذ شهرزور والبوازيج.
وفي سنة ثلاث وثمانين فتح طبرية، ونازل عسقلان، ثم كانت وقعة حطين بينه وبين الفرنج، وكانوا أربعين ألفًا، فحال بينهم وبين الماء على تل، وسلموا نفوسهم، وأسرت ملوكهم، وبادر، فأخذ عكا وبيروت وكوكب، وسار فحاصر القدس، وجد في ذلك فأخذها بالأمان.
وسار عسكر لابن أخيه تقي الدين عمر فأخذوا أوائل المغرب، وخطبوا بها لبني العباس.
ثم إن الفرنج قامت قيامتهم على بيت المقدس، وأقبلوا كقطع الليل المظلم برًا وبحرًا وأحاطوا بعكا ليستردوها وطال حصارهم لها، وبنوا على نفوسهم خندقًا، فأحاط بهم السلطان، ودام الحصار لهم وعليهم نيفًا وعشرين شهرًا، وجرى في غضون ذلك ملاحم وحروب تشيب النواصي، وما فكوا حتى أخذوها، وجرت لهم وللسلطان حروب وسير. وعندما ضرس الفريقان، وكل الحزبان، تهادن الملتان.
وكانت له همة في إقامة الجهاد، وإبادة الأضداد ما سمع بمثلها لأحد في دهر.
قال ابن واصل في حصار عزاز: كانت لجاولي خيمة كان السلطان يحضر فيها، ويحض الرجال، فحضر باطنية في زي الأجناد، فقفز عليه واحد ضربه بسكين لولا المغفر الزرد الذي تحت القلنسوة، لقتله فأمسك السلطان يد الباطني بيديه، فبقي يضرب في عنق السلطان ضربًا ضعيفًا، والزرد تمنع، وبادر الأمير بازكوج، فأمسك السكين، فجرحته، وما سيبها الباطني حتى بضعوه، ووثب آخر، فوثب عليه ابن منكلان، فجرحه الباطني في جنبه، فمات، وقتل الباطني، وقفز ثالث، فأمسكه الأمير علي بن أبي الفوارس، فضمه تحت إبطه، فطعنه صاحب حمص، فقتله، وركب السلطان إلى مخيمه، ودمه يسيل على خده، واحتجب في بيت خشب، وعرض جنده، فمن أنكره، أبعده.
قال الموفق عبد اللطيف: أتيت، وصلاح الدين بالقدس، فرأيت ملكًا يملأ العيون روعةً، والقلوب محبةً، قريبًا بعيدًا، سهلًا، محببًا، وأصحابه يتشبهون به، يتسابقون إلى المعروف كما قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾ [الحجر: ٤٧]، وأول ليلة حضرته وجدت مجلسه حفلًا بأهل العلم يتذاكرون، وهو يحسن الاستماع والمشاركة، ويأخذ في كيفية بناء الأسوار، وحفر الخنادق، ويأتي بكل معنىً بديع، وكان مهتمًا في بناء
стр. 9082
سور بيت المقدس وحفر خندقه، ويتولى ذلك بنفسه، وينقل الحجارة على عاتقه، ويتأسى به الخلق حتى القاضي الفاضل، والعماد إلى وقت الظهر، فيمد السماط، ويستريح، ويركب العصر، ثم يرجع في ضوء المشاعل، قال له صانع: هذه الحجارة التي تقطع من أسفل الخندق رخوة، قال: كذا تكون الحجارة التي تلي القرار والنداوة، فإذا ضربتها الشمس، صلبت. وكان يحفظ "الحماسة"، ويظن أن كل فقيه يحفظها، فإذا أنشد، وتوقف، استطعم فلا يطعم، وجرى له ذلك مع القاضي الفاضل، ولم يكن يحفظها، وخرج، فما زال حتى حفظها، وكتب لي صلاح الدين بثلاثين دينارًا في الشهر، وأطلق أولاده لي رواتب، فأشغلت بجامع دمشق.
وكان أبوه ذا صلاح، ولم يكن صلاح الدين بأكبر أولاده.
وكان صلاح الدين شحنة دمشق، فكان يشرب الخمر، ثم تاب، وكان محببًا إلى نور الدين يلاعبه بالكرة.
وكانت وقعته بمصر مع السودان، وكانوا نحو مائتي ألف، فنصر عليهم، وقتل أكثرهم. وفي هذه الأيام استولى ملك الخزر على دوين، وقتل من المسلمين ثلاثين ألفًا.
حم صلاح الدين، ففصده من لا خبرة له، فخارت القوة، ومات، فوجد الناس عليه شبيهًا بما يجدونه على الأنبياء، وما رأيت ملكًا حزن الناس لموته سواه، لأنه كان محببًا، يحبه البر والفاجر، والمسلم والكافر، ثم تفرق أولاده وأصحابه أيادي سبأ، وتمزقوا. ولقد صدق العماد في مدحه حيث يقول:
وللنّاس بالملك النّاصر الصّلا … ح صلاحٌ ونصرٌ كبير
هو الشّمس أفلاكه في البلا … د ومطلعه سرجه والسّرير
إذا ما سطا أو حبا واحتبى … فما اللّيث من حاتمٍ ما ثبير
قال ابن خلكان: بلغني أن صلاح الدين قدم به أبوه وهو رضيع، فناب أبوه ببعلبك إلى آخذها أتابك زنكي، وقيل: إنهم خرجوا من تكريت في ليلة مولد صلاح الدين، فتطيروا به، فقال شيركوه أو غيره: لعل فيه الخير وأنتم لا تعلمون. إلى أن قال: وكان شيركوه أرفع منزلةً عند نور الدين، فإنه كان مقدم جيوشه.
وولي صلاح الدين وزارة العاضد، وكانت كالسلطنة، فولي بعد عمه سنة ٥٦٤، ثم مات العاضد سنة ٦٧، فاستقل بالأمر مع مداراة نور الدين ومراوغته، فإن نور الدين عزم على
стр. 9083
قصد مصر؛ ليقيم غير صلاح الدين، ثم فتر، ولما مات نور الدين، أقبل صلاح الدين ليقيم نفسه أتابكًا لولد نور الدين، فدخل البلد بلا كلفة، واستولى على الأمور في ربيع الأول سنة سبعين، ونزل بدار العقيقي، ثم تسلم القلعة، وشال الصبي من الوسط ثم سار، فأخذ حمص، ثم نازل حلب، وهي الوقعة الأولى، فجهز السلطان غازي من الموصل أخاه عز الدين مسعودًا في جيش، فرحله، وقدم حمص، فأقبل مسعود ومعه الحلبيون، فالتقوا على قرون حماة، فانهزم مسعود، وأسر أمراؤه، وساق صلاح الدين، فنازل حلب ثانيًا، فصالحوه ببذل المعرة وكفرطاب، وبلغ غازي كسرة أهله وأخيه، فعبر الفرات، وقدم حلب، فتلقاه ابن عمه الملك الصالح، ثم التقوا هم وصلاح الدين، فكانت وقعة تل السلطان، ونصر صلاح الدين أيضًا، ورجع صاحب الموصل. ثم أخذ صلاح الدين منبج وعزاز، ونازل حلب ثالثًا، فأخرجوا إليه بنت نور الدين، فوهبها عزاز. ورد إلى مصر، واستناب على دمشق أخاه صاحب اليمن تورانشاه، ثم خرج من مصر سنة ثلاث وسبعين، فالتقى الفرنج، فانكسر.
ثم في سنة تسع وسبعين نازل حلب، وأخذها، وعوض عنها عماد الدين زنكي بسنجار وسروج، ورتب بحلب ولده الملك الظاهر. ثم حاصر الكرك، وجاءت إمدادات الفرنج.
وفي شعبان سنة إحدى وثمانين نازل صلاح الدين الموصل، وترددت الرسل بينه وبين صاحبها عز الدين، وتمرض، وتأخر إلى حران، واشتد مرضه، وحلفوا لأولاده بأمره، وأوصى عليهم أخاه العادل، ثم مر بحمص، وقد مات صاحبها ناصر الدين محمد، ابن عمه، فأعطاها لولده المجاهد شيركوه وله ثنتا عشرة سنةً.
وفي سنة ثلاث وثمانين افتتح صلاح الدين بلاد الفرنج، وقهرهم، وأباد خضراءهم، وأسر ملوكهم على حطين. وكان قد نذر أن يقتل أرناط صاحب الكرك، فأسره يومئذ، كان قد مر به قوم من مصر في حال الهدنة، فغدر بهم، فناشدوه الصلح، فقال ما فيه استخفاف بالنبي ﷺ ، وقتلهم، فاستحضر صلاح الدين الملوك، ثم ناول الملك جفري شربة جلاب ثلج، فشرب، فناول أرناط، فشرب، فقال السلطان للترجمان: قل لجفري: أنت الذي سقيته، وإلا أنا فما سقيته، ثم استحضر البرنس أرناط في مجلس آخر، وقال: أنا أنتصر لمحمد ﷺ منك، ثم عرض عليه الإسلام، فأبى، فحل كتفه بالنيمجاه (١). وافتتح عامه ما لم يفتحه ملك، وطار صيته في الدنيا، وهابته الملوك.
стр. 9084
ثم وقع النوح والمأتم في جزائر البحر وإلى رومية، ونودي بالنفير إلى نصرة الصليب، فأتى السلطان من عساكر الفرنج ما لا قبل له به، وأحاطوا بعكا.
وقال آخر: أول فتوحاته الإسكندرية في سنة اثنتين وستين، وقاتل معه أهلها لما حاصرتهم الفرنج أربعة أشهر، ثم كشفهم عنه عمه أسد الدين، فتركها، وقدما الشام. ثم تملك وزارة العاضد، واستتب له الأمر، وأباد آل عبيد وعبيدهم، وتملك دمشق ثم حمص، وحماة، وحلب، وآمد، وميافارقين، وعدة بلاد بالجزيرة. وديار بكر. وبعث أخاه، فافتتح له اليمن، وسار بعض عسكره. فافتتح له بعض المغرب، ولم يزل سلطانه في ارتقاء إلى أن كسر الفرنج نوبة حطين. ثم افتتح عكا، وبيروت، وصيدا، ونابلس، وقيسارية، وصفورية، والشقيف، والطور، وحيفا، وطبرية، وتبنين، وجبيل، وعسقلان، وغزة، والقدس، وحاصر صور مدةً، وافتتح أنطرطوس، وهونين، وكوكب، وجبلة، واللاذقية، وصهيون، وبلاطنس والشغر، وبكاس، وسرمانية، وبرزية، ودربسان، وبغراس، ثم هادن برنس أنطاكية، ثم افتتح الكرك بالأمان، والشوبك وصفد وشقيف أرنون، محضر عدة وقعات.
وخلف من الأولاد: صاحب مصر الملك العزيز عثمان، وصاحب حلب الظاهر غازيًا، وصاحب دمشق الأفضل عليًا، والملك المعز فتح الدين إسحاق، والملك المؤيد مسعودًا، والملك الأعز يعقوب، والملك المظفر خضرًا، والملك الزاهر مجير الدين داود، والملك المفضل قطب الدين موسى، والملك الأشرف عزيز الدين محمدًا، والملك المحسن جمال المحدثين ظهير الدين أحمد، والمعظم فخر الدين تورانشاه، والملك الجواد ركن الدين أيوب، والملك الغالب نصير الدين ملكشاه، وعماد الدين شاذي، ونصرة الدين مروان، والملك المظفر أبا بكر، والسيدة مؤنسة زوجة الملك الكامل.
وحدث عنه: يونس الفارقي، والقاضي العماد الكاتب.
مرض بحمى صفراوية، واحتد المرض، وحدث به في التاسع رعشة وغيبة، ثم حقن مرتين، فاستراح، وسرب، ثم عرق حتى نفذ من الفراش، وقضى في الثاني عشر.
توفي بقلعة دمشق بعد الصبح من يوم الأربعاء السابع والعشرين من صفر سنة تسع وثمانين وخمس مائة.
محاسن صلاح الدين جمة، لا سيما الجهاد، فله فيه اليد البيضاء ببذل الأموال والخيل المثمنة لجنده. وله عقل جيد، وفهم، وحزم، وعزم.
стр. 9085
قال العماد: أطلق في مدة حصار عكا اثني عشر ألف فرس. قال: وما حضر اللقاء إلَّا استعار فرسًا، ولا يلبس إلَّا ما يحل لبسه كالكتان والقطن، نزه المجالس من الهزل، ومحافله آهلة بالفضلاء، ويؤثر سماع الحديث بالأسانيد، حليمًا، مقيلًا للعثرة، تقيًا نقيًا، وفيًا صفيًا، يغضي ولا يغضب، ما رد سائلًا، ولا خجل قائلًا، كثير البر والصدقات، أنكر علي تحلية دواتي بفضة، فقلت: في جوازه وجه ذكره أبو محمد الجويني. وما رأيته صلى إلَّا في جماعة.
قلت: وحضر وفاته القاضي الفاضل.
وذكر أبو جعفر القرطبي إمام الكلاسة: إنني انتهيت في القراءة إلى قوله -تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الحشر: ٢٢]، فسمعت صلاح الدين، وهو يقول: صحيح. وكان ذهنه قبل ذلك غائبًا، ثم مات، وغسله الخطيب الدولعي، وأخرج في تابوت، فصلى عليه القاضي محيي الدين بن الزكي، وأعيد إلى الدار التي في البستان التي كان متمرضًا فيهًا، ودفن في الصفة، وارتفعت الأصوات بالبكاء، وعظم الضجيج، حتى إن العاقل ليخيل له أن الدنيا كلها تصيح صوتًا واحدًا، وغشي الناس ما شغلهم عن الصلاة عليه، وتأسف الناس عليه حتى الفرنج لما كان من صدق وفائه. ثم بنى ولده الأفضل قبةً شمالي الجامع، ونقله إليها بعد ثلاث سنين، فجلس هناك للعزاء ثلاثًا.
وكان شديد القوى، عاقلًا، وقورًا، مهيبًا، كريمًا، شجاعًا.
وفي "الروضتين" لأبي شامة: أن السلطان لم يخلف في خزانته من الذهب والفضة إلَّا سبعةً وأربعين درهمًا، ودينارًا صوريًا، ولم يخلف ملكًا ولا عقارًا ﵀، ولم يختلف عليه في أيامه أحد من أصحابه، وكان الناس يأمنون ظلمه، ويرجون رفده، وأكثر ما كان يصل عطاؤه إلى الشجعان، وإلى العلماء، وأرباب البيوتات، ولم يكن لمبطل ولا لمزاح عنده نصيب.
قال الموفق: وجد في خزانته بعد موته دينار وثلاثون درهمًا، وكان إذا نازل بلدًا، وأشرف على أخذه، ثم طلبوا منه الأمان، آمنهم، فيتألم لذلك جيشه، لفوات حظهم.
قال القاضي بهاء الدين ابن شداد: قال لي السلطان في بعض محاوراته في عقد الصلح: أخاف أن أصالح، وما أدري أيش يكون مني، فيقوى هذا العدو، وقد بقيت لهم بلاد، فيخرجون لاستعادة ما في أيدي المسلمين، وترى كل واحد من هؤلاء يعني أخاه وأولادهم قد قعد في رأس تله يعني قلعته ويقول: لا أنزل، ويهلك المسلمون.
стр. 9086
قال ابن شداد: فكان -والله- كما قال، اختلفوا، واشتغل كل واحد بناحيته، وبعد، فكان الصلح مصلحةً.
قلت: من لطف الله لما تنازع بنو أيوب، واختلفوا يسر الله بنقص همة الأعداء، وزالت تلك الشهامة منهم.
وكتب القاضي الفاضل تعزيةً إلى صاحب حلب: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١]، كتبت إلى مولانا الملك الظاهر أحسن الله عزاءه، وجبر مصابه، وجعل فيه الخلف من السلف في الساعة المذكورة، وقد زلزل المسلمون زلزالًا شديدًا، وقد حضرت الدموع المحاجر، وبلغت القلوب الحناجر، وقد ودعت أباك ومخدومي وداعًا لا تلاقي بعده، وقبلت وجهه عني وعنك، وأسلمته إلى الله وحده مغلوب الحيلة، ضعيف القوة، راضيًا عن الله، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله. وبالباب من الجنود المجندة، والأسلحة المعمدة ما لم يدفع البلاء، ولا ما يرد القضاء، تدمع العين، ويخشع القلب، ولا نقول إلَّا ما يرضي الرب، وإنا بك يا يوسف لمحزونون. وأما الوصايا، فما تحتاج إليها، والآراء، فقد شغلني المصاب عنها، وأما لائح الأمر، فإنه إن وقع اتفاق، فما عدمتم إلَّا شخصه الكريم، وإن كان غير ذلك، فالمصائب المستقبلة أهونها موته.
وللعلم الشاتاني فيه قصيدة مطلعها:
أرى النّصر مقرونًا برايتك الصّفرا … فسر وأملك الدّنيا فأنت بها أحرى
وبعث إليه ابن التعاويذي بقصيدته الطنانة التي أولها:
إن كان دينك في الصّبابة ديني … فقف المطيّ برملتي يبرين
والثم ثرىً لو شارفت بي هضبه … أيدي المطيّ لثمته بجفوني
وانشد فؤادي في الظّباء معرّضًا … فبغير غزلان الصّريم جنوني
ونشيدتي بين الخيام وإنّما … غالطت عنها بالظّباء ألعين
للّه ما اشتملت عليه فتاتهم … يوم النّوى من لؤلؤٍ مكنون
من كلّ تائهةٍ على أترابها … في الحسن غانيةٍ عن التّحسين
خودٍ يرى قمر السماء إذا رنت … ما بين سالفةٍ لها وجبين
стр. 9087
يا سلم إن ضاعت عهودي عندكم … فأنا الذي استودعت غير أمين
هيهات ما للبيض في ودّ امرئٍ … أربٌ وقد أربى على الخمسين
ليت البخيل على المحبّ بوصله … لقن السّماحة من صلاح الدّين
стр. 9088
٥٣٢٨ - العزيز (١):
السلطان، الملك العزيز، أبو الفتح، عماد الدين، عثمان ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، صاحب مصر.
ولد في سنة سبع وستين وخمس مائة في جمادى الأولى.
وحدث عن: أبي طاهر السلفي، وابن عوف.
وتملك بعد أبيه، وكان لا بأس بسيرته. قدم دمشق، وحاصر أخاه الأفضل.
نقلت من خط الضياء الحافظ، قال: خرج إلى الصيد، فجاءته كتب من دمشق في أذية أصحابنا الحنابلة، يعني في فتنة الحافظ عبد الغني، فقال: إذا رجعنا من هذه السفرة، كل من كان يقول بمقالتهم أخرجناه من بلدنا، قال: فرماه فرس، ووقع عليه، فخسف صدره، كذا حدثني يوسف ابن الطفيل، وهو الذي غسله.
وقال المنذري: عاش ثمانيًا وعشرين سنةً. مات في العشرين من المحرم سنة خمس وتسعين وخمس مائة.
قلت: دفن بقبة الشافعي رحمه الله تعالى.
وأقيم بعده ولد له صبي فلم يتم ذلك.
وقال الموفق عبد اللطيف: كان العزيز شابًا، حسن الصورة، ظريف الشمائل، قويًا، ذا بطش، وأيد، وخفة حركة، حييًا، كريمًا، عفيفًا عن الأموال والفروج، بلغ من كرمه أنه لم تبق له خزانة، ولا خاص، ولا برك، ولا فرس. وبيوت أمرائه تفيض بالخيرات، وكان شجاعًا مقدامًا، بلغ من عفته أنه كان له غلام تركي بألف دينار يقال له أبو شامة، فوقف، فراعه حسنه، فأمره أن ينزع ثيابه، وجلس منه مجلس الخنا، فأدركه توفيق، فأسرع إلى سرية له، فقضى وطره. إلى أن قال: وأما عفته عن المال، فلا أقدر أن أصف حكاياته في ذلك.
стр. 9089
وقال ابن واصل: كانت الرعية يحبونه محبةً عظيمةً شديدةً، وكانت الآمال متعلقةً بأنه يسد مسد أبيه. ولما سار أخوه الأفضل مع العادل، ونازلا بلبيس، وتزلزل، بذلت له الرعية أموالها، فامتنع.
قال ابن واصل: وحكي عنه أن عبد الكريم بن البيساني أخا القاضي الفاضل كان يتولى البحيرة مدةً، وحصل، ووقع بينه وبين أخيه، فعزل، وكان مزوجًا ببنت ابن ميسر، فأساء عشرتها لسوء خلقه، فتوجه أبوها، وأثبت عند قاضي الإسكندرية ضررها، وأنه قد حصرها في بيت، فمضى القاضي بنفسه، ورام أن يفتح عنها، فلم يقدر، فأحضر نقابًا، فنقب البيت، وأخرجها، ثم سد النقب، فهاج عبد الكريم، وقصد الأمير جهاركس بمصر، وقال: هذه خمسة آلاف دينار لك، وأربعون ألف دينار للسلطان، وأولى قضاء الإسكندرية. فأتى العزيز ليلًا، وأحضر الذهب، فسكت، ثم قال: رد عليه ماله، وقل له: إياك والعود إلى مثلها، فما كل ملك يكون عادلًا، أنا ما أبيع أهل الإسكندرية بهذا المال. قال جهاركس: فوجمت، وظهر علي، فقال: أراك أخذت شيئًا، قلت: نعم خمسة آلاف دينار، قال: أعطاك مالًا ينفع مرةً، وأنا أعطيك ما تنتفع به مرات، ثم وقع لي بإطلاق طنبذة، كنت أستغلها سبعة آلاف دينار.
قلت: تملك دمشق، وأنشأ بها العزيزية إلى جانب تربة أبيه.
وخلف ولده الناصر محمدًا، فحلفوا له، فامتنع عماه المؤيد والمعز إلَّا أن يكون لهما الأتابكية، ثم حلفا، واختلفت الآراء، ثم كاتبوا الملك الأفضل من مصر، فخرج من صرخد إليهم في عشرين راكبًا. ثم جرت أمور، وأقبل العادل، وتمكن، وأجلس ابنه الكامل، وضعف حال الأفضل، وعزل الناصر، وانضم إلى عمه بحلب.
стр. 9090
٥٣٢٩ - الأفضل (١):
أبو الحسن علي بن يوسف.
تملك دمشق، ثم حاربه العزيز أخوه، وقهره، ثم لما مات العزيز، أسرع الأفضل إلى مصر، وناب في الملك، وسار بالعسكر المصري، فقصد دمشق، وبها عمه العادل، قد بادر إليها من ماردين قبل مجيء الأفضل بيومين، فحصره الأفضل، وأحرق الحواضر والبساتين، وعمل كل قبيح، ودخل البلد، وضجت الرعية بشعاره، وكان محبوبًا، فكاد العادل أن
стр. 9091
يستسلم، فتماسك، وشد أصحابه على أصحاب الأفضل، فأخرجوهم، ثم قدم الظاهر ومعه صاحب حمص، وهموا بالزحف، فلم يتهيأ أمر، ثم سفل أمر الأفضل، وعاد إلى صرخد، ثم تحول إلى سميساط، وقنع بها، وفيه تشيع بلا رفض.
وله نظم وفضيلة، وإليه عهد أبوه بالسلطنة لما احتضر، وكان أسن إخوته، وهو القائل في عمه العادل:
ذي سنّةٍ بين الأنام قديمةٍ … أبدًا أبو بكرٍ يجور على عليّ
وقد كتب من نظمه إلى الخليفة الناصر، وفي الناصر تشيع:
مولاي إنّ أبا بكرٍ وصاحبه … عثمان قد غصبا بالسيف حقّ علي
وهو الذي كان قد ولاّه والده … عليهما واستقام الأمر حين ولي
فخالفاه وحلاّ عقد بيعته … والأمر بينهما والنّصّ فيه جلي
فانظر إلى حظّ هذا الاسم كيف لقي … من الأواخر ما لاقى من الأُول
فأجابوه من الديوان:
وافى كتابك يا ابن يوسف معلنا … بالودّ يخبر أنّ أصلك طاهر
غصبوا عليًّا حقّه إذ لم يكن … بعد الرسول له بطيبة ناصر
فابشر فإنّ غدًا عليه حسابهم … واصبر، فناصرك الإمام النّاصر
مات الأفضل فجاءةً بسميساط في صفر سنة اثنتين وعشرين وست مائة، فتملك بعده أخوه موسى، ولقب بلقبه، وعاش إلى سنة نيف وثلاثين وست مائة، وهي قلعة على الفرات قريبة من الكختا، وقد دثرت الآن.
عاش ستًا وخمسين سنةً، وله ترسل وفضيلة وخط منسوب.
قال عز الدين بن الأثير: وكان من محاسن الدنيا، لم يكن له في الملوك مثل. كان خيرًا، عادلًا، فاضلًا، حليمًا، كريمًا، رحمه الله تعالى.
ومن شعره:
يا من يسوّد شيبه بخضابه … لعساه في أهل الشّبيبة يحصل
ها فأختضب بسواد حظّي مرّةً … ولك الأمان بأنّه لا ينصل
стр. 9092
٥٣٣٠ - الظاهر (١):
سلطان حلب، الملك الظاهر، غياث الدين، أبو منصور، غازي ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب.
مولده بمصر في سنة ثمان وستين وخمس مائة.
وسمع من: أبي الطاهر بن عوف، وعبد الله بن بري النحوي، والفضل ابن البانياسي. وحدث.
تملك حلب ثلاثين سنةً.
وكان بديع الحسن في صباه، مليح الشكل في رجوليته، له عقل وغور ودهاء وفكر صائب.
كان يصادق ملوك الأطراف ويباطنهم، ويوهمهم أنه لولاه، لقصدهم عمه العادل، ويوهم عمه أنه لولاه، لتعامل عليه الملوك، ولشقوا العصا.
وكان كريمًا معطاءً، يتحف الملوك بالهدايا السنية، ويكرم الرسل والشعراء والقصاد.
وكان عمه يرعى له لمكان بنته، فماتت، فزوجه بأختها والدة ابنه الملك العزيز، فلما ولدت، زينت حلب مدة شهرين، وأنفق على ولادته كرائم الأموال، وكان قد انضم إليه إخوته وأولادهم، فزوج ذكرانهم بإناثهم، بحيث أنه عقد بينهم في يوم نيفًا وعشرين عقدًا.
وعمر أسوار حلب أكمل عمارة.
ويقال: إنه عبث بالشاعر الحلي، وألح عليه، فقال الحي: أنظم? يعرض بالهجاء. فقال الظاهر: أنثر? وقبض على السيف.
قال سبط الجوزي: كان مهيبًا سائسًا، فطنًا، دولته معمورة بالعلماء، مزينة بالملوك والأمراء، وكان محسنًا إلى الرعية، وشهد معظم غزوات والده، وكان يزور الصالحين، ويتفقدهم، وله ذكاء مفرط، مات بعلة الذرب.
قال أبو شامة: أوصى في موته بالملك لولده من بنت العادل، وأراد أن يراعيها إخوتها، ثم من بعده لأحمد، ثم للمنصور محمد ابن أخيه الملك العزيز، وفوض القلعة إلى طغريل الخادم الرومي. توفي سنة ثلاث عشرة وست مائة عن خمس وأربعين سنةً.
стр. 9093
قلت: كان يفيق، ويتشهد، ويقول: اللهم بك أستجير.
ورثاه شاعره راجح الحلي، فقال:
سل الخطب إن أصغى إلى من يخاطبه … بمن علقت أنيابه ومخالبه
نشدتك عاتبه على نائباته … وإن كان لا يلوي على من يعاتبه
إلى الله أرمي بطرفي ضلالةً … إلى أُفق مجدٍ قد تهاوت كواكبه
فمالي أرى الشّهباء قد حال صبحها … عليّ دجىً لا تستنير غياهبه
أحقًّا حمى الغازي الغياث بن يوسفٍ … أُبيح وعادت خائباتٍ مواكبه
وهل مخبري عن ذلك الطّود هل وهت … قواعده أم لان للخطب جانبه
стр. 9094
٥٣٣١ - ابن يونس:
الوزير الكبير، جلال الدين، أبو المظفر، عبيد الله بن يونس بن أحمد البغدادي الأزجي الفقيه.
تفقه على أبي حكيم النهرواني، وقرأ الأصول والكلام على صدقة بن الحسين، وتلا بالروايات بهمذان على أبي العلاء العطار.
وسمع من نصر بن نصر العكبري، وجماعة.
ثم داخل الكبراء إلى أن توكل لأم الناصر، ثم ترقى أمره إلى أن وزر في سنة ثلاث وثمانين. ثم سار بالجيوش لحرب طغريل آخر السلجوقية، فعمل معه مصافًا، فانكسر الوزير، وتفلل جمعه، وأسر هو وأخذ إلى توريز، ثم هرب إلى الموصل، وجاء بغداد متسترًا، ولزم بيته مدةً، ثم ظهر، فولي نظر الخزانة، ثم الأستاذ دارية في سنة سبع وثمانين، فلما وزر المؤيد بن القصاب عام تسعين، قبض على ابن يونس، وسجنه، فلما مات ابن القصاب عام اثنتين، رمي ابن يونس في مطمورة، فكان آخر العهد به.
قال ابن النجار: كان يدري الكلام، صنف كتابًا في الأصول، فسمعه منه الفضلاء.
وروى عنه: أبو الحسن القطيعي، وابن دلف، ولم يكن في ولايته محمودًا.
قيل: مات في السرداب في صفر سنة ثلاث وتسعين وخمس مائة.
стр. 9095
٥٣٣٢ - الفراتي:
شيخ الشافعية، أبو القاسم، يعيش بن صدقة، الفراتي الضرير، صاحب ابن الخل.
تلا بالروايات على الشريف أبي البركات عمر بن إبراهيم.
وسمع من إسماعيل بن السمرقندي، وجماعة.
روى عنه: التقي بن باسويه، وابن الدبيثي، وابن خليل، واليلداني، وبالإجازة أحمد بن أبي الخير.
وهو منسوب إلى نهر الفرات.
وكان إمامًا صالحًا، رأسًا في المذهب والخلاف، تخرج به الفقهاء، ودرس بالثقتية، وبالكمالية، وكان سديد الفتاوى، قوي المناظرة، كبير القدر.
مات في ذي القعدة سنة ثلاث وتسعين وخمس مائة وقد شاخ وأسن.
٥٣٣٣ - الفارسي (١):
الزاهد العابد، شيخ العراق، أبو علي، الحسن بن مسلم بن أبي الجود، الفارسي، العراقي، من أهل قرية الفارسية.
قرأ القرآن، وتفقه على أبي البدر الكرخي.
حدث عنه: ابن باسويه، وابن الدبيثي، وابن خليل، واليلداني، وآخرون.
وكان منقطع القرين، صوامًا، قوامًا، متبتلًا، خاشعًا، صحب الشيخ عبد القادر، وكان يقصد بالزيارة، زاره الخليفة الناصر بقريته، بالغ في تعظيمه وتوقيره ابن الجوزي.
مات في المحرم سنة أربع وتسعين وخمس مائة، وكان من أبناء التسعين، وكان يدري الفقه والفرائض، وتذكر عنه كرامات وتأله ﵀.
٥٣٣٤ - طاهر بن مكارم:
ابن أحمد بن سعد، الشيخ المعمر، أبو منصور الموصلي القلانسي، البقال، المؤدب.
سمع "مسند" المعافى بن عمران من أبي القاسم نصر بن أحمد بن صفوان سنة اثنتي عشرة وخمس مائة.
روى عنه: عز الدين علي بن الأثير، وشمس الدين بن خليل، وغيرهما.
توفي بالموصل في رمضان سنة ثمان وثمانين وخمس مائة.
стр. 9096
٥٣٣٥ - مسلم بن علي:
ابن محمد، الشيخ أبو منصور، ابن السيحي، الموصلي.
آخر من حدث عن أبي البركات محمد بن محمد بن خميس.
روى عنه: ابن خليل، والتقي اليلداني، وجماعة لقيهم الدمياطي.
توفي في منتصف المحرم سنة خمس وتسعين وخمس مائة.
٥٣٣٦ - أبو جعفر القرطبي (١):
الإمام، المقرئ، المحدث، أحمد بن علي بن أبي بكر عتيق بن إسماعيل، الأندلسي، الفنكي، الشافعي، نزيل دمشق، وإمام الكلاسة، وأبو إمامها.
مولده سنة ثمان وعشرين وخمس مائة.
سمع بقرطبة من الحافظ أبي الوليد بن الدباغ كتاب الموطأ بقراءة والده بعد الأربعين وخمس مائة بسماعه من الخولاني بسماعه من القبحطالي.
وتلا بالسبع على ابن صاف، وبمكة على رجل من تلامذة أبي العز القلانسي، وبالموصل على ابن سعدون.
وسمع الكثير من ابن عساكر، وأبي نصر اليوسفي، ويحيى الثقفي، وخلق. ونسخ شيئًا كثيرًا.
وكان دينًا صالحًا، قانتًا لله، بصيرًا بالقراءات.
روى عنه: ابناه: تاج الدين محمد، وإسماعيل، وابن خليل، والشهاب القوصي، وعدة.
وأجاز لأحمد بن أبي الخير.
وفنك من أعمال قرطبة.
مات في رمضان سنة ست وتسعين وخمس مائة ﵀.
стр. 9097
٥٣٣٧ - العراقي (١):
العلامة، أبو إسحاق، إبراهيم بن منصور بن المسلم، المصري الشافعي، الخطيب المشهور بالعراقي.
ولد بمصر سنة عشر وخمس مائة.
وارتحل، فتفقه، وبرع في المذهب على أبي بكر محمد بن الحسين الأرموي تلميذ الشيخ أبي إسحاق، ثم تفقه على أبي الحسن بن الخل، وتفقه بمصر على القاضي مجلي بن جميع، وتصدر، وتخرج به الأصحاب، وولي خطابة جامع مصر.
وصنف شرحًا "للمهذب" مفيدًا.
وهو جد العلامة العلم العراقي لأمه.
وكان على سداد وأمر جميل.
توفي سنة ست وتسعين وخمس مائة في جمادى الأولى. وله نظم وفضائل.
٥٣٣٨ - الساوي:
الإمام، أبو محمد عبيد الله بن محمد بن عبد الجليل ابن الشيخ أبي الفتح، الساوي، ثم البغدادي، الحنفي، نائب الحكم ببغداد. وكان حميد السيرة.
حدث عن: ابن الحصين، وهبة الله بن الطبر، وجماعة.
وعنه: ابن الدبيثي، وابن خليل، والبغداديون.
مات في المحرم سنة ست وتسعين وخمس مائة وله ثلاث وثمانون سنةً.
٥٣٣٩ - الويرج (٢):
الشيخ المسند، أبو الفتح ناصر بن محمد بن أبي الفتح الأصبهاني المقرئ القطان، المعروف بالويرج.
صدوق ومكثر.
سمع من ابن الإخشيذ، وجعفر بن عبد الواحد الثقفي، وابن أبي ذر، وفاطمة الجوزدانية، وسعيد بن أبي الرجاء.
وعنه: أبو الجناب الخيوقي، وأبو رشيد الغزال، وابن خليل، وآخرون.
أنبأني أبو العلاء الفرضي أن ناصرًا سمع "مسند أبي حنيفة" لابن المقرئ، وكتاب معاني الآثار للطحاوي من إسماعيل بن الإخشيذ بسماعه للأول من ابن عبد الرحيم، وللكتاب الثاني من منصور بن الحسين، عن ابن المقرئ عنه، وسمع "المعجم الكبير" من فاطمة الجوزدانية.
قلت: توفي في ثامن ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين وخمس مائة.
стр. 9098
٥٣٤٠ - ابن رشد الحفيد (١):
العلامة. فيلسوف الوقت، أبو الوليد، محمد بن أبي القاسم أحمد ابن شيخ المالكية أبي الوليد محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد القرطبي.
مولده قبل موت جده بشهر سنة عشرين وخمس مائة.
عرض "الموطأ" على أبيه.
وأخذ عن أبي مروان بن مسرة وجماعة، وبرع في الفقه، وأخذ الطب عن أبي مروان بن حزبول، ثم أقبل على علوم الأوائل وبلاياهم، حتى صار يضرب به المثل في ذلك.
قال الأبار: لم ينشأ بالأندلس مثله كمالًا وعلمًا وفضلًا، وكان متواضعًا، منخفض الجناح، يقال عنه: إنه ما ترك الاشتغال مذ عقل سوى ليلتين: ليلة موت أبيه، وليلة عرسه، وإنه سود في ما ألف وقيد نحوًا من عشرة آلاف ورقة، ومال إلى علوم الحكماء، فكانت له فيها الإمامة. وكان يفزع إلى فتياه في الطب، كما يفزع إلى فتياه في الفقه، مع وفور العربية، وقيل: كان يحفظ "ديوان أبي تمام"، و"المتنبي".
وله من التصانيف: "بداية المجتهد" في الفقه، و"الكليات" في الطب، و"مختصر المستصفى" في الأصول، ومؤلف في العربية.
وولي قضاء قرطبة، فحمدت سيرته.
стр. 9099
قال ابن أبي أصيبعة في "تاريخ الحكماء": كان أوحد في الفقه والخلاف، وبرع في الطب، وكان بينه وبين أبي مروان بن زهر مودة، وقيل: كان رث البزة، قوي النفس، لازم في الطب أبا جعفر بن هارون مدةً، ولما كان المنصور صاحب المغرب بقرطبة، استدعى ابن رشد، واحترمه كثيرًا، ثم نقم عليه بعد -يعني لأجل الفلسفة- وله "شرح أرجوزة ابن سينا" في الطب، و"المقدمات" في الفقه، كتاب "الحيوان"، كتاب "جوامع كتب أرسطوطاليس"، "شرح كتاب النفس"، كتاب "في المنطق"، كتاب "تلخيص الإلاهيات" لنيقولاوس، كتاب "تلخيص ما بعد الطبيعة" لأرسطو، كتاب "تلخيص الاستقصات" لجالينوس، ولخص له كتاب "المزاج"، وكتاب "القوى"، وكتاب "العلل"، وكتاب "التعريف"، وكتاب "الحميات"، وكتاب "حيلة البرء" ولخص كتاب "السماع الطبيعي"، وله كتاب "تهافت التهافت"، وكتاب "منهاج الأدلة" أصول، وكتاب "فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال"، كتاب "شرح القياس" لأرسطو، "مقالة في العقل"، "مقالة في القياس"، كتاب "الفحص في أمر العقل"، "الفحص عن مسائل في الشفاء"، "مسألة في الزمان"، "مقالة فيما يعتقده المشاؤون وما يعتقده المتكلمون في كيفية وجود العالم"، "مقالة في نظر الفارابي في المنطق ونظر أرسطو"، "مقالة في اتصال العقل المفارق للإنسان"، "مقالة في وجود المادة الأولى"، "مقالة في الرد على ابن سينا"، "مقالة في المزاج"، "مسائل حكمية"، "مقالة في حركة الفلك"، كتاب "ما خالف فيه الفارابي أرسطو".
قال شيخ الشيوخ ابن حمويه: لما دخلت البلاد، سألت عن ابن رشد، فقيل: إنه مهجور في بيته من جهة الخليفة يعقوب، لا يدخل إليه أحد؛ لأنه رفعت عنه أقوال ردية، ونسبت إليه العلوم المهجورة، ومات محبوسًا بداره بمراكش في أواخر سنة أربع.
وقال غيره: مات في صفر، وقيل: ربيع الأول سنة خمس.
ومات السلطان بعده بشهر.
وقد روى عنه: أبو محمد بن حوط الله، وسهل بن مالك، ولا ينبغي أن يروى عنه.
стр. 9100
٥٣٤١ - ابن ملاح الشط (١):
الشيخ الصالح المسند، أبو الفرج عبد الرحمن بن محمد بن هبة الله بن محمد بن عيسى، القصري، البواب، ويعرف بابن ملاح الشط.
كان يسكن بقصر علي بن عيسى الهاشمي.
سمع الكثير من: أبي القاسم بن الحصين، وأبي غالب بن البناء، وأبي البركات يحيى بن حبيش الفارقي، وأبي الحسن علي بن الزاغوني، وعدة.
قال ابن النجار: كتبت عنه كثيرًا، وكان شيخًا صالحًا، حسن الأخلاق، محبًا للرواية، لا يسأم، ولا يضجر، وكان بوابًا بمدرسة أم الخليفة. سالت عن مولده، فقال: أذكر خلافة المستظهر. مات شيخنا في صفر سنة سبع وتسعين وخمس مائة.
قلت: لعله جاوز التسعين.
وروى عنه: ابن خليل، والضياء، وابن عبد الدائم، والنجيب الحراني، وآخرون. وبالإجازة ابن أبي الخير، والقطب ابن أبي عصرون، والفخر ابن البخاري.
وفيها مات ابن الجوزي، وأبو المكارم اللبان، والمحدث تميم ابن البندنيجي، وعبد الله بن المبارك بن الطويلة، وأبو محمد عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم بن الفرس الأنصاري الغرناطي، شيخ المالكية، والواعظ عمر بن علي الحربي، ومحمد بن أبي زيد الكراني، والعماد الكاتب، وشيخ المالكية أبو المنصور ظافر بن الحسين الأزدي بمصر، والأمير بهاء الدين قراقوش الخادم الأبيض مولى شيركوه الذي بنى سور مصر وقلعة الجبل، وأبو عبد الله محمد بن أحمد الفارفاني أخو عفيفة، والمقرئ محمد بن محمد بن الكال الحلي، وأبو شجاع محمد بن أبي محمد المقرون اللوزي المقرئ.
стр. 9101
٥٣٤٢ - صاحب المغرب (١):
السلطان الكبير، الملقب بأمير المؤمنين المنصور، أبو يوسف، يعقوب ابن السلطان يوسف ابن السلطان عبد المؤمن بن علي، القيسي، الكومي، المغربي، المراكشي، الظاهري، وأمه أمة رومية اسمها سحر. عقدوا له بالأمر سنة ثمانين وخمس مائة عند مهلك أبيه، فكان سنه يومئذ ثنتين وثلاثين سنةً.
وكان تام القامة، أسمر، صافيًا، جميل الصورة، أعين، أفوه، أقنى، أكحل، سمينًا، مستدير اللحية، جهوري الصوت، جزل العبارة، صادق اللهجة، فارسًا، شجاعًا، قوي الفراسة، خبيرًا بالأمور، خليقًا للإمارة، ينطوي على دين وخير وتأله ورزانة.
عمل الوزارة لأبيه، وخبر الخير والشر، وكشف أحوال الدواوين.
وزر له عمر بن أبي زيد، ثم أبو بكر بن عبد الله بن الشيخ عمر إينتي، ثم ابن عم هذا محمد الذي تزهد، وأختفى، ثم أبو زيد الهنتاني، وزير ولده من بعده. وكتب له السر ابن محشوة، ثم ابن عياش الأديب. وقضى له ابن مضاء، ثم الوهراني، ثم أبو القاسم بن بقي.
ولما تملك، كان حوله منافسون له من عمومته وإخوته، ثم تحول إلى سلا، وبها تمت بيعته، وأرضى آله بالعطاء، وبنى مدينةً تلي مراكش على البحر، فما عتم أن خرج عليه علي ابن غانية الملثم، فأخذ بجاية، وخطب للناصر العباسي، فكان الخطيب بذلك عبد الحق مصنف "الأحكام"، ولولا حضور أجله، لأهلكه المنصور.
ثم تملك ابن غانية قلعة حماد، فسار المنصور، واسترد بجاية، وجهز جيشه، فالتقاهم ابن غانية فمزقهم، فسار المنصور بنفسه، فكسر ابن غانية، وذهب مثخنًا بالجراح، فمات في خيمة أعرابية، وقدم جيشه عليهم أخاه يحيى، فانحاز بهم إلى الصحراء مع العرب، وجرت له حروب طويلة، واسترد المنصور قفصة، وقتل في أهلها، فأسرف، ثم قتل عميه سليمان وعمر صبرًا، ثم ندم، وتزهد، وتقشف، وجالس الصلحاء والمحدثين، ومال إلى الظاهر، وأعرض عن المالكية، وأحرق ما لا يحصى من كتب الفروع.
قال عبد الواحد بن علي: كنت بفاس، فشهدت الأحمال يؤتى بها، فتحرق، وتهدد على الاشتغال بالفروع، وأمر الحفاظ بجمع كتاب في الصلاة من "الكتب الخمسة"، و"الموطأ"، و"مسند ابن أبي شيبة"، و"مسند البزار"، و"سنن الدارقطني"، و"سنن البيهقي"، كما جمع ابن تومرت في الطهارة. ثم كان يملي ذلك بنفسه على كبار دولته، وحفظ ذلك خلق، فكان لمن يحفظه عطاء وخلعة. إلى أن قال: وكان قصده محو مذهب مالك من البلاد، وحمل الناس على الظاهر، وهذا المقصد بعينه كان مقصد أبيه وجده، فلم يظهراه، فأخبرني غير واحد أن ابن الجد أخبرهم قال: دخلت على أمير المؤمنين يوسف، فوجدت بين يديه كتاب ابن يونس، فقال: أنا أنظر في هذه الآراء التي أحدثت في الدين، أرأيت المسألة فيها أقوال، ففي أيها الحق? وأيها يجب أن يأخذ به المقلد? فافتتحت أبين له، فقطع كلامي، وقال: ليس إلَّا هذا، وأشار إلى المصحف، أو هذا، وأشار إلى سنن أبي داود، أو هذا، وأشار إلى السيف.
قال يعقوب: يا معشر الموحدين، أنتم قبائل، فمن نابه أمر، فزع إلى قبيلته، وهؤلاء -يعني طلبة العلم- لا قبيل لهم إلَّا أنا، قال: فعظموا عند الموحدين.
стр. 9102
وفي سنة خمس وثمانين: غزا الفرنج، ثم رجع، فمرض، وتكلم أخوه أبو يحيى في الملك، فلما عوفي، قتله، وتهدد القرابة.
وفي سنة تسعين انتقضت الهدنة، فتجهز، وعرض جيوشه بإشبيلية، وأنفق الأموال، فقصده ألفنش فالتقوا، وكان نصرًا عزيزًا، ما نجا ألفنش إلَّا في شريذمة، واستشهد من الكبار جماعة، واستولى يعقوب على قلاع، ونازل طليطلة، ثم رجع، ثم غزا، ووغل، بحيث انتهى إلى أرض ما وصلت إليها الملوك، فطلب ألفنش المهادنة، فعقدت عشرًا، ثم رد السلطان إلى مراكش بعد سنتين، وصرح بقصد مصر.
وكان يتولى الصلاة بنفسه أشهرًا، فتعوق يومًا، ثم خرج، وهم ينتظرونه، فلامهم، وقال: قد قدم الصحابة عبد الرحمن بن عوف للعذر، ثم قرر إمامًا عنه. وكان يجلس للحكم، حتى اختصم إليه اثنان في نصف، فقضى، ثم أدبهما، وقال: أما كان في البلد حكام?
وكان يسمع حكم ابن بقي من وراء الستر، ويدخل إليه أمناء الأسواق، فيسألهم عن الأمور.
وتصدق في الغزوة الماضية بأربعين ألف دينار.
وكان يجمع الأيتام في العام، فيأمر للصبي بدينار وثوب ورغيف ورمانة.
وبنى مارستان ما أظن مثله، غرس فيه من جميع الأشجار، وزخرفه وأجرى فيه المياه، ورتب له كل يوم ثلاثين دينارًا للأدوية، وكان يعود المرضى في الجمعة.
وورد عليه أمراء من مصر، فأقطع واحدًا تسعة آلاف دينار.
وكان لا يقول بالعصمة في ابن تومرت.
وسأل فقيهًا: ما قرأت? قال: تواليف الإمام، قال: فزورني، وقال: ما كذا يقول الطالب! حكمك أن تقول: قرأت كتاب الله، وقرأت من السنة، ثم بعد ذا قل ما شئت.
قال تاج الدين ابن حمويه: دخلت مراكش في أيام يعقوب، فلقد كانت الدنيا بسيادته مجملةً، يقصد لفضله ولعدله ولبذله وحسن معتقده، فأعذب موردي، وأنجح مقصدي، وكانت مجالسه مزينةً بحضور العلماء والفضلاء، تفتتح بالتلاوة ثم بالحديث، ثم يدعو هو، وكان يجيد حفظ القرآن، ويحفظ الحديث، ويتكلم في الفقه، ويناظر، وينسبونه إلى مذهب الظاهر. وكان فصيحًا، مهيبًا، حسن الصورة، تام الخلقه، لا يرى منه اكفهرار، ولا عن
стр. 9103
مجالسه إعراض، بزي الزهاد والعلماء، وعليه جلالة الملوك، صنف في العبادات، وله "فتاو"، وبلغني أن السودان قدموا له فيلًا فوصلهم، ورده، وقال: لا نريد أن نكون أصحاب الفيل، ثم طول التاج في عدله وكرمه، وكان يجمع الزكاة، ويفرقها بنفسه، وعمل مكتبًا للأيتام، فيه نحو ألف صبي، وعشرة معلمون. حكى لي بعض عماله: أنه فرق في عيد نيفًا وسبعين ألف شاة.
وقال عبد الواحد: كان مهتمًا بالبناء، كل وقت يجدد قصرًا أو مدينةً، وأن الذين أسلموا كرهًا أمرهم بلبس كحلي وأكمام مفرطة الطول، وكلوتات ضخمة بشعة، ثم ألبسهم ابنه العمائم الصفر، حمل يعقوب على ذلك شكه في إسلامهم، ولم تنعقد عندنا ذمة ليهودي ولا نصراني منذ قام أمر المصامدة، ولا في جميع المغرب كنيسة، وإنما اليهود عندنا يظهرون الإسلام، ويصلون، ويقرئون أولادهم القرآن جارين على ملتنا.
قلت: هؤلاء مسلمون، والسلام.
وكان ابن رشد الحفيد قد هذب له كتاب "الحيوان" وقال: الزرافة رأيتها عند ملك البربر، كذا قال غير مهتبل، فأحنقهم هذا، ثم سعى فيه من يناوئه عند يعقوب، فأروه بخطه حاكيًا عن الفلاسفة أن الزهرة أحد الآلهة، فطلبه، فقال: أهذا خطك? فأنكر، فقال: لعن الله من كتبه، وأمر الحاضرين بلعنه، ثم أقامه مهانًا، وأحرق كتب الفلسفة سوى الطب والهندسة. وقيل: لما رجع إلى مراكش، أحب النظر في الفلسفة، وطلب ابن رشد ليحسن إليه، فحضر، ومات، ثم بعد يسير مات يعقوب.
وقد كتب صلاح الدين إلى يعقوب يستنجد به في حصار عكا، ونفذ إليه تقدمةً، وخضع له، فما رضي لكونه ما لقبه بأمير المؤمنين، ولقد سمح بها، فامتنع منها كاتبه القاضي الفاضل.
وقيل: إن يعقوب أبطل الخمر في ممالكه، وتوعد عليها فعدمت، ثم قال لأبي جعفر الطبيب: ركب لنا ترياقًا، فأعوزه خمر، فأخبره بذلك، فقال: تلطف في تحصيله سرًا، فحرص، فعجز، فقال الملك: ما كان لي بالترياق حاجة، لكن أردت اختبار بلادي.
قيل: إن الأدفنش كتب إليه يهدده، ويعنفه، ويطلب منه بعض البلاد، ويقول: وأنت تماطل نفسك، وتقدم رجلًا، وتؤخر أخرى، فما أدري الجبن بطأ بك، أو التكذيب بما وعدك نبيك? فلما قرأ الكتاب، تنمر، وغضب، ومزقه، وكتب على رقعة منه: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا … ﴾ الآية [النمل: ٣٧]، الجواب ما ترى لا ما تسمع.
стр. 9104
ولا كتب إلَّا المشرفيّة عندنا … ولا رسل إلَّا للخميس العرمرم
ثم استنفر سائر الناس، وحشد، وجمع، حتى احتوى ديوان جيشه على مائة ألف، ومن المطوعة مثلهم، وعدى إلى الأندلس، فتمت الملحمة الكبرى، ونزل النصر والظفر، فقيل: غنموا ستين ألف زردية.
قال ابن الأثير: قتل من العدو مائة ألف وستة وأربعون ألفًا، ومن المسلمين عشرون ألفًا.
وذكره أبو شامة، وأثنى عليه، ثم قال: وبعد هذا فاختلفت الأقوال في أمره، فقيل: إنه ترك ما كان فيه، وتجرد، وساح، حتى قدم المشرق متخفيًا، ومات خاملًا، حتى قيل: إنه مات ببعلبك. ومنهم من يقول: رجع إلى مراكش، فمات بها، وقيل: مات بسلا، وعاش بضعًا وأربعين سنةً.
قلت: إليه تنسب الدنانير اليعقوبية.
قال ابن خلكان: حكى لي جمع كبير بدمشق أن بالبقاع بالقرب من المجدل قريةً يقال لها: حمارة، بها مشهد يعرف بقبر الأمير يعقوب ملك المغرب، وكل أهل تلك الناحية متفقون على ذلك.
قيل: الأظهر موته بالمغرب، فقيل: مات في أول جمادى الأولى، وقيل: في ربيع الآخر، وقيل: مات في صفر سنة خمس وتسعين.
وقد يقال: لو مات مثل هذا السلطان في مقر عزه، لم يختلف هكذا في وفاته -فالله أعلم- لكن بويع في هذا الحين ولده محمد بن يعقوب المؤمني.
стр. 9105
٥٣٤٣ - صاحب غزنة (١):
السلطان الكبير، غياث الدين، أبو الفتح محمد بن سام بن حسين الغوري، أخو السلطان شهاب الدين الغوري.
قال عز الدين ابن البزوري: كان ملكًا عادلًا، وللمال باذلًا، فكان محسنًا إلى الرعية، رؤوفًا بهم، كانت به ثغور الأيام باسمةً، وكلها بوجوده مواسم. قرب العلماء، وأحب الفضلاء، وبنى المساجد والربط والمدارس، وأدر الصدقات، وبنى الخانات.
قلت: كان ابتداء دولتهم محاربتهم لسلطانهم بهرام شاه بن مسعود السبكتكيني، وكان رأس أهل الغور علاء الدين الحسين بن الحسن، فهزمه بهرام شاه غير مرة، وقتل إخوته، ثم تمكن علاء الدين، وتسلطن، وأمر ابني أخيه غياث الدين وشهاب الدين ابني سام، ثم قاتلاه، وأسراه، ثم تأدبا معه، ورداه إلى ملكه، فخضع، وصاهرهما على بنيه، وجعلهما وليي عهده، فلما مات في سنة ست وخمسين، تسلطن غياث الدين المذكور، واستولى على غزنة، ثم قهره الغز، واستولوا على غزنة خمس عشرة سنةً. ثم نهض شهاب الدين، وهزم الغز، وقتل منهم خلائق، وافتتح البلاد الشاسعة، وقصد لها، ورد بها خسرو شاه بن بهرام شاه آخر ملوك الهند السبكتكينية، فأخذها سنة تسع وسبعين، وأمن خسرو شاه، ثم بعثه مع ولده، وأسلمهما إلى أخيه، فسجنهما، وكان آخر العهد بهما، وكان دولتهم أزيد من مائتي عام.
ويقال: بل مات خسرو كما قدمنا في حدود سنة خمسين، وتسلطن بعده ابنه ملكشاه، فيحرر هذا.
وحكم الغوري على الهند والأقاليم، وتلقب بقسيم أمير المؤمنين، ثم سار الأخوان، وافتتحا هراة وبوشنج وغير ذلك، ثم حشدت ملوك الهند، وعملوا المصاف، وانكسر المسلمون، وجرح شهاب الدين، وسقط، ثم جمع، والتقى الهند، فاستأصلهم، وطوى الممالك.
نعم، وكان غياث الدين واسع البلاد مظفرًا في حروبه، وفيه دهاء، ومكر، وشجاعة، وإقدام.
وتمرض بالنقرس.
وقيل: إنه أسقط مكوس بلاده. وكان يرجع إلى فضيلة وأدب.
وكان يقول: التعصب في المذاهب قبيح.
وقد امتدت أيامه، وتملك بعد عمه، وله غزوات وفتوحات.
مات في جمادى الأولى سنة تسع وتسعين وخمس مائة، فتملك بعده أخوه السلطان شهاب الدين مدةً، ثم قتل غيلةً، وتسلطن بعده ابن أخيه السلطان غياث الدين محمود بن محمد، ثم تملك غلامهم السلطان تاج الدين إلدز، واستولى على مدائن، وعظم أمره، ثم قتل في مصاف.
ولهذه المملكة جيوش عظيمة جدًا.