← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 22676

المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز

أبو شامة المقدسي

Полный текст (288 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز]ـ المؤلف: أبو القاسم شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي المعروف بأبي شامة (المتوفى: ٦٦٥هـ) المحقق: طيار آلتي قولاج الناشر: دار صادر - بيروت سنة النشر: ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ م عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي]

стр. 2

مقدمة التحقيق إن الوقوف على معنى قول رسول الله ﷺ "أنزل القرآن على سبعة أحرف " قد شغل علماء المسلمين كثيرا ونتجت عنه آراء مختلفة، ولا سيما في القرنين الثالث والرابع الهجري. ذكر ابن حبان (- ٣٥٤ / ٩٦٥) فيما نقله عنه القرطبي (-٦٧١/١٢٧٣) في تفسيره (١) خمسة وثلاثين رأيا مختلفا، ومع أن هذه الآراء يتميز أكثرها عن غيره بفروق ضئيلة فإنها مهمة من جهة أنها تظهر درجة اهتمام العلماء بالحديث المذكور وأهمية موضوعه حتى أواسط العصر الرابع الهجري. وقد انكب شراح غريب الحديث والمفسرون وكثير من العلماء وخاصة المشتغلون بعلم القراآت على هذا الحديث، وسبب عنايتهم بدراسة هذا الموضوع أن له علاقة كبيرة بمسائل تتصل بصحة نقل متن القرآن الكريم عن الرسول ﷺ إلى الأصحاب، ثم عنهم إلى من بعدهم من الأجيال. ومن المؤلفين الذين عنوا بهذا الحديث مثلا: أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي (-٤٢٢ / ٨٣٩) (٢) وأبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (-٢٧٦/ ٨٨٩) (٣) وأبو جعفر محمد بن جرير الطبري (- ٣١٠ / ٩٢٢) (٤) ومكي بن

стр. 3

أبي طالب "٤٣٧/ ١٠٤٥" (١) . والظاهر أن لطعن أعداء الإسلام في القرآن وبالأخص فيما يتعلق بالحديث المذكور أثرًا كبيرًا في اهتمام علماء المسلمين به. ولم تقف العناية بإظهار الرأي وإيضاح المعنى الذي يشير إليه الحديث عند العصور الأولى للإسلام، بل تجاوزها إلى ما بعدها، وفتح الطريق لتأليف كتب ورسائل خاصة في هذا الموضوع. و"كتاب المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز" الذي أقدم الآن نصه، وهو من تصنيف شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي المعروف بأبي شامة "٥٩٩-٦٦٥هـ/ ١٢٠٣-١٢٦٧م" من أجمع الكتب المؤلفة في هذا الصدد. وإن المؤلف مهما ذكر في كتابه من أبواب ومباحث تتصل بالموضوع فإن شرح الحديث المذكور وإثبات علاقته بالقراءات المشهورة هو الغاية الأولى من تأليفه لهذا الكتاب كما بينه المؤلف نفسه (٢) . وتوثيقي لـ"كتاب المرشد الوجيز ... " الذي يأتي الحديث عنه وعن محتوياته (٣) أستند فيه إلى ثلاث نسخ مخطوطة: الأولى منها محفوظة في مكتبة لا له لي "إستانبول" تحت رقم ٣٦٢٥. والثانية توجد في مكتبة شهيد علي باشا "إستانبول" تحت رقم ٢٧٥١. والثالثة تحتفظ بها مكتبة آياصوفيا "إستانبول" تحت رقم ٥٩. وبلغني أن لهذا الكتاب نسختين أخريين، ذكر إحداهما خير الدين

стр. 4

الزركلي وقال إنها في المكتبة البديرية بالقدس (١) . والثانية محفوظة في مكتبة إسكوريال "Escurial" بإسبانيا تحت رقم ١٤٣١ على ما أشار إليه بروكلمان (٢) . ولم أتمكن من رؤية هاتين النسختين حتى الآن على الرغم من محاولاتي الحصول عليهما. والطريق الذي اتبعته لتوثيق هذا المتن هو طريق التلفيق. فبدل أن أتخذ إحدى النسخ الثلاث المذكورة أساسا. اخترت أن أثبت في المتن الأصح منها أين ما كان. واختلافات النسخ التي لا تأثير لها في تغيير المعنى، اعتمدت فيها غالبا على نسخة لا له لي ولم أشر إليها وفي قسم "الفروق بين النسخ ... " وأرقام الأوراق التي في صلب المتن هي أرقام هذه النسخة، وبهذا المعنى يمكن أن يقال عن نسخة لا له لي: إنها نسخة أصلية. وحينما ينقل المؤلف عن مصدر، ويكون في النص خطأ يمكن اعتباره من عمل الناسخين، رجعت النص كما ورد في مصدره الأصلي أحيانا. وقد اتفق في مواضع معدودة أنني صححت المتن حسب السباق والسياق من غير أن أعول على رواية النسخ، وبالطبع أشرت في قسم "الفروق بين النسخ ... " إلى كل تصرف أجريته في المتن. ولكثرة تصحيفات ناسخ نسخة آيا صوفيا، فإنه إذا اتفقت نسختا لا له لي وشهيد علي باشا "ل ش" وخالفتهما نخسة آيا صوفيا "ف"، فإذا رجحت ل ش، فإني حينذاك لا أشير إلى مخالفة "ف" في "الفروق بين النسخ ... ". وبالنسبة لآيات القرآن فإني أثبتها حسب ورودها في المصحف ولم ألتفت إلى ما قد يخالفه في روايات النسخ، إلا إذا كانت روايات النسخ كلها أو إحداها تشير إلى قراءة خاصة، فإني أثبت الآية على مذهب القارئ.

стр. 5

وأشرت مع ذلك إلى رقم الآيات في سورها وضبط الآيات بالحركات. ووقفت بصورة خاصة في تعليقاتي على القراءات المتعلقة بهذه الآيات التي ذكرها المؤلف أمثلة لإيضاح مسألة في القراءة، فعنيت باختلافاتها ونسبتها إلى أصحابها وأشرت إلى المصادر اللازمة لذلك. وما نقله المؤلف من حديث أو رأي أو روايات مقتبسا لها من مصادر أخرى -إذا استثنينا ما لم نقف عليه، مثل "فضائل القرآن" لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي "٢٢٤/ ٨٣٩" الذي لا توجد نسخة منه في مكاتب تركيا (١) ، ومثل "كتاب المدخل" للبيهقي "٤٥٨/ ١٠٦٦" الذي لا نعرف هل هو موجود أو فقد- رجعت إليها في مواضعها الأصلية وأشرت إلى مواضع النص في مجلداتها وصحائفها، وخاصة عند تخريج الأحاديث فقد حاولت أن أشير إلى مصادر أخرى لها، علاوة على ما أشار إليه المؤلف من المصادر. وكتبت تراجم لأسماء الأشخاص المذكورين في المتن "مثل صحابي، ومفسر ومحدث ومقرئ ... " قصيرة عند أول موضع ذكروا فيه، وحاولت أن أذكر عن كل شخص منهم ما يلزم ذكره، إلا أن هناك أشخاصا لم أتأكد من تعيين شخصيتهم. وهذه لائحة بالرموز المستعملة في حواشي الكتاب وفي قسم "الفروق ... " منه: ل: نسخة لا له لي. ش: نسخة شهيد علي باشا. ف: نسخة آيا صوفيا.

стр. 6

ص: صحيفة. و: وجه "الوجه الأول للورقة". ظ: ظهر "الوجه الثاني للورقة". ج: مجلد، جزء. أما المقدمة (١) التي كتبتها لهذا الكتاب فهي عبارة عن قسمين: الأول في حياة المؤلف وشخصيته ومؤلفاته. والثاني في وصف وتحليل "كتاب المرشد الوجيز...." "وهو هذا". وقد استفدت في أثناء البحث عن حياة المؤلف إلى جانب مصادر أخرى التي تعرضت لحياته من كتابه "الذيل على الروضتين"، وقد أشرت إلى ذلك في موضعه (٢) . والإشارات المتفرقة التي تتصل بحياة المؤلف في كتاب "الذيل على الروضتين" كانت مصدري الوحيد لإيضاح أمور كثيرة، وخاصة في معرفة بعض مؤلفاته. وفي الختام أريد أن أشير هنا إلى أنني مدين بالشكر لأستاذي المحترم محمد بن تاويت الطنجي الذي أدين له بأشياء كثيرة جدًّا. فقد كان مرجعي في حل مشكلات اعترضتني عامة وفي توثيق المتن خاصة، ومدين بالشكر أيضا لأستاذي المحترم الدكتور محمد نهاد جتين الذي راجعته كثيرًا واستفدت من تجاربه ومنهجه في البحث. وقد اجتهدت بقدر الاستطاعة في أن أكون قد وفقت، فإن أخطأت فإن لي أجر الاجتهاد، والتوفيق من الله وحده ... طيار آلتي قولاج

стр. 7

مقدمة المؤلف: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين الحمد لله الواحد الوتر الرحيم البر، عالم الغيب والشهادة والسر والجهر، مصعد الكلم الطيب ومنزل القطر الذي يسر القرآن للذكر وأنزله في ليلة القدر. أحمده وهو أهل الحمد والشكر على ما يساء وسر، وبيده النفع والضر، ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (١) ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المؤمل لحط الوزر ورفع الإصر وإسبال الستر وإلهام الصبر، شهادة مرغمة لأهل الشرك والكفر، سارة لأهل التقوى المأمورين بالصلاة والصيام والحج والنحر. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله القائل: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" (٢) المبعوث من خير العرب، وهم قريش أولاد لؤي بن غالب بن فهر، المرسل لإظهار الإيمان بمعجزة القرآن ممن وفق لقبولها ومن المعاندين بالقسر والقهر. صلى الله عليه وعلى جميع النبيين والملائكة المقربين الأكرمين كما شرفهم بالعصمة والطهر، وفضلهم على ساكني البر والبحر، وعلى آله وصحبه الأبرار أولي الحجا والحجر، والبشارة والبشر، والحل والعقد

стр. 8

والطي والنشر، من أهل الهجرة والإنفاق والإيواء والنصر، المجاهدين بالأنفس والأموال الموفين بالنذر، وعلى تابعيهم بإحسان، وعلى جميع أهل الولاية والطاعة والبر، وعفا عن أهل التقصير الذين هم [٢ و] لأولئك اللباب كالقشر، وسلم عليهم أجمعين أبد الدهر، ما طلع الفجر، وأشرقت الشمس ونور البدر. أما بعد: فهذا تصنيف جليل يحتاج إليه أهل القرآن، خصوصا من يعتني بعلم القراءات السبع ولا يعرف معنى هذه التسمية ولا ماذا نحاه الرسول ﷺ بقوله: "أنزل القرآن على سبعة أحرف" (١) ولا يدري ما كان الأمر عليه في قراءة القرآن وكتابته في حياة النبي ﷺ إلى أن جمع بعده في خلافة أبي بكر (٢) ، ثم جمع في خلافة عثمان (٣) ﵄، ولا يهتدي إلى ما فعله كل واحد منهما، وما الفرق بين جمعيهما، وما الضابط الفارق بين القراءات الشواذ وغيرها. وأرجو أن يكون هذا التصنيف مشتملا على ذلك كله، قيما ببيانه مع فوائد أخر تتصل به، وبالله التوفيق. وقد حصل مقصود هذا الكتاب في ستة أبواب:

стр. 9

الباب الأول في البيان عن كيفية نزول القرآن وتلاوته وذكر حفاظه في ذلك الأوان. الباب الثاني في جميع الصحابة ﵃ القرآن وإيضاح ما فعله أبو بكر وعمر (١) وعثمان ﵃. الباب الثالث في معنى قول النبي ﷺ : "أنزل القرآن على سبعة أحرف"، وشرح ذلك من كلام كل مصنف منصف. الباب الرابع في معنى [٢ ظ] القراءات السبع المشهورة الآن وتعريف الأمر في ذلك كيف كان. الباب الخامس في الفصل بين القراءة الصحيحة القوية والشاذة الضعيفة المروية. الباب السادس في الإقبال على ما ينفع من علوم القرآن والعمل بها، وترك التعمق في تلاوة ألفاظه والغلو بسببها. وسميته: "المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز". وهي معرفة كيفية نزول القرآن وجمعه وتلاوته، ومعنى الأحرف السبعة التي نزل عليها، والمراد بالقراءات السبع وضابط ما قوي منها، وبيان ما انضم إليها، والتعريف بحق تلاوته وحسن معاملته، والله الموفق.

стр. 10

الباب الأول: في البيان عن كيفية نزول القرآن وتلاوته وذكر حفاظه في ذلك الأوان قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (٢) ، وقال جلت قدرته: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٣) ، فليلة القدر هي الليلة المباركة وهي في شهر رمضان جمعا بين هؤلاء الآيات؛ إذ لا منافاة بينها، فقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن ليلة القدر في شهر رمضان، وأمر النبي ﷺ بالتماسها في العشر الأخير منه (٤) ، ولا ليلة أبرك من ليلة، هي خير من ألف شهر. فتعين حمل قوله سبحانه: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ على ليلة القدر. كيف، وقد أرشد إلى ذلك قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (٥) ، فهو موافق لمعنى تسميتها بليلة القدر؛ لأن معناه التقدير، فإذا ثبت هذا، علمت أنه قد أبعد من قال: الليلة المباركة هي ليلة النصف من شعبان، وأن قوله تعالى: ﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن﴾ (٦) معناه:

стр. 11

أنزل في شأنه وفضل صيامه وبيان أحكامه، وأن ليلة القدر توجد في جميع السنة لا تختص بشهر رمضان، بل هي منتقلة في الشهور على مر السنين، واتفق أن وافقت زمن أنزال القرآن ليلة النصف من شعبان: وإبطال هذا القول متحقق بالأحاديث الصحيحة الواردة في بيان ليلة القدر وصفاتها وأحكامها على ما سنقرره إن شاء الله تعالى في المسائل الفقهية بين كتابي الصيام والاعتكاف. وبما اخترناه من القول في الجمع بين الآيات الثلاث، ورد الخبر عن ابن عباس (١) ﵄، وهو ابن عم رسول الله ﷺ المشهود له بأنه حبر الأمة وترجمان القرآن. أخرج الحافظ أبو بكر البيهقي (٢) في "كتاب الأسماء والصفات"، من حديث السري (٣) عن محمد بن أبي المجالد (٤) عن مقسم (٥) عن ابن عباس

стр. 12

رضي الله عنهما قال: سأله عطية بن الأسود (١) فقال: إنه قد وقع في قلبي الشك في قول الله : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٢) ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٣) ، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (٤) ، [٣ ظ] وقد أنزل في شوال وذي القعدة وذي الحجة ... يعني وغير ذلك من الأشهر. فقال ابن عباس ﵄: إنه أنزل في رمضان وفي ليلة القدر وفي ليلة مباركة جملة واحدة، ثم أنزل بعد ذلك على مواقع النجوم رسلا في الشهور والأيام (٥) . قلت: رسلا أي رفقا، وقوله على مواقع النجوم، أي على مثل مواقع النجوم، ومواقعها مساقطها، يريد أنزل مفرقا يتلو بعضه بعضا على تؤدة ورفق، فقوله على مواقع النجوم في موضع نصب على الحال، ورسلا أي ذا رسل يريد مفرقا رافقا. ودل أيضا على أن إنزال القرآن كان في شهر رمضان، رواية قتادة (٦) عن

стр. 13

أبي المليح (١) عن واثلة بن الأسقع (٢) أن النبي ﷺ قال: "أنزلت صحف إبراهيم ﵇ أول ليلة من شهر رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من شهر رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة خلت من شهر رمضان، وأنزل الزبور لثماني عشرة خلت من شهر رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من شهر رمضان" (٣) . هكذا أخرجه البيهقي في "كتاب الأسماء والصفات" (٤) و"شعب الإيمان" (٥) له، وذكره أيضا الثعلبي (٦) في تفسيره (٧) وغيره. ووقع في "تفسير الماوردي" وغيره: "وأنزل الزبور لثنتي عشرة (٨) والإنجيل لثماني عشرة" (٩) . وكذلك هو في كتاب أبي عبيد (١٠) .

стр. 14

وفي بعض التفاسير عكس هذا: الإنجيل لثنتي عشرة والزبور لثماني عشرة، واتفقوا على أن صحف إبراهيم ﵇ لأول ليلة [٤ و] والتوراة لست مضين والقرآن لأربع وعشرين خلت. قال أبو عبد الله الحليمي: يريد ليلة خمس وعشرين (١) . وذكر أبو بكر ابن أبي شيبة (٢) -وهو أحد شيوخ مسلم- (٣) في "كتاب ثواب القرآن" (٤) عن أبي قلابة (٥) قال: أنزلت الكتب كاملة ليلة أربع وعشرين من رمضان. وعنه: أنزلت التوراة والزبور لثنتي عشرة، وفي رواية أخرى: الزبور في ست، يعني في رمضان (٦) .

стр. 15

قال البيهقي في معنى قوله: "أُنزل القرآن لأربع وعشرين": إنما أراد -والله أعلم- نزول الملك بالقرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا (١) . وقال في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٢) : يريد -والله أعلم: إنا أسمعناه الملك وأفهمناه إياه وأنزلناه بما سمع، فيكون الملك منتقلا به من علو إلى سفل (٣) . قلت: هذا المعنى مطرد في جميع ألفاظ الإنزال المضافة إلى القرآن أو إلى شيء منه: يحتاج إلى نحو هذا التأويل أهل السنة المعتقدون قدم القرآن، وأنه صفة قائمة بذات الله تعالى. وفي المقصود بالإنزال الخاص المضاف إلى ليلة القدر أقوال: أحدها: أنه ابتدئ إنزاله فيها. والثاني: أنه أنزل في عشرين ليلة من عشرين سنة. فنذكر ما حضرنا من الآثار في ذلك ومن أقوال المفسرين. قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام [٤ ظ] في "كتاب فضائل القرآن": حدثنا يزيد (٤) -يعني ابن هارون- عن داود بن أبي

стр. 16

هند (١) عن عكرمة (٢) عن ابن عباس ﵄ قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة، وقرأ: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ (٣) . أخرجه الحاكم أبو عبد الله (٤) في "كتاب المستدرك على الصحيحين" وقال في آخره: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (٥) . ورواه عبد الأعلى (٦) عن داود وقال: فكان الله إذا أراد أن يوحي منه شيئا أوحاه، أو يحدث في الأرض منه شيئا أحدثه (٧) .

стр. 17

قال أبو عبيد: لا أدري كيف قرأه يزيد في حديثه، إلا أنه لا ينبغي أن يكون على هذا التفسير إلا "فرقناه" بالتشديد. قال أبو نصر ابن القشيري (١) في تفسيره: فرقناه أي فصلناه (٢) . قال ابن جبير (٣) : نزل القرآن كله من السماء العليا إلى السماء السفلى ثم فصل في السماء السفلى في السنين التي نزل فيها. قال قتادة: كان بين أوله وآخره عشرون سنة، ولهذا قال: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ (٤) . وقيل: فرقناه أي جعلناه آية آية وسورة سورة، وقيل: فصلناه أحكاما، كقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيم﴾ (٥) ، أي يفصل، وقيل: "فرقناه" بالتشديد أي أنزلناه مفرقا، على مكث على تؤدة وترسل ونزلناه تنزيلا: أي نجما بعد نجم، وقيلك جعلناه منازل ومراتب ينزل شيئا بعد [٥ و] شيء ولو أخذوا بجميع الفرائض في وقت واحد لنفروا. وأسند الحاكم أبو عبد الله في كتابه "المستدرك" من حديث ابن أبي

стр. 18

شيبة، حدثنا جرير (١) عن منصور (٢) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٣) ، قال: أنزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر إلى سماء الدنيا وكان بمواقع النجوم، وكان الله ينزل على رسوله ﷺ بعضه في إثر بعض، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ (٤) ، صحيح على شرطهما (٥) . وأسنده البيهقي في دلائله (٦) والواحدي (٧) في تفسيره (٨) . وأسند البيهقي في "كتاب الشعب" عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء

стр. 19

الدنيا جملة واحدة، ثم فرق في السنين، قال: وتلا الآية ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ (١) ، قال: نزل متفرقا (٢) . قلت: هو من قولهم: نجم عليه الدية أي قطعها، ومنه نجوم الكتابة، فلما قطع الله سبحانه القرآن وأنزله مفرقا قيل لتفاريقه نجوم، ومواقعها: مساقطها، وهي أوقات نزولها، وقد قيل: إن المراد ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ مغارب نجوم السماء، والله أعلم. وقوله في الرواية الأولى: وكان بموقع النجوم: أي بمنزلة ذلك في تفرقه وعدم تتابعه على وجه الاتصال، وإنما هو على حسب الوقائع والنوازل، وكذا مواقع النجوم بحساب [٥ ظ] أزمنة معلومة تمضي. وقرئ ﴿بِمَوَاقِعِ﴾ بالجمع و"بموقع" بالإفراد (٣) . وقال أبو الحسن الواحدي المفسر: وقال مقاتل (٤) : أنزله الله من اللوح المحفوظ إلى السفرة، وهم الكتبة من الملائكة في السماء الدنيا، فكان ينزل ليلة القدر من الوحي على قدر ما ينزل به جبريل على النبي ﷺ في السنة كلها إلى مثلها من العام القابل، حتى نزل القرآن كله في ليلة القدر، ونزل به جبريل على محمد عليهما الصلاة والسلام في عشرين سنة (٥) .

стр. 20

وفي "كتاب المنهاج" لأبي عبد الله الحليمي: كان ينزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في كل ليلة، قدر ما ينزل على النبي ﷺ إلى الليلة التي تليها (١) ، فينزل جبريل ﵇ ذلك نجوما بأمر الله تعالى فيما بين الليلتين من السنة إلى أن ينزل القرآن كله من اللوح المحفوظ في عشرين ليلة من عشرين سنة (٢) . قلت: فهذان قولان في كيفية إنزاله في ليلة القدر: أحدهما أنه نزل جملة واحدة، والثاني أنه نزل في عشرين ليلة من عشرين سنة. وذكر أبو الحسن الماوردي (٣) في تفسيره قال: نزل القرآن في رمضان وفي ليلة القدر وفي ليلة مباركة جملة واحدة من عند الله تعالى من اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا، فنجمته السفرة على جبريل ﵇ عشرين عليه، ونجمه جبريل على النبي ﷺ عشرين [٦ و] سنة، فكان ينزل على مواقع النجوم إرسالا في الشهور والأيام (٤) . ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٥) قال: فيه قولان: أحدهما ما روي عن ابن عباس ﵄ (٦) ، فذكر ذلك، وكأنه قول ثالث غير القولين المقدمين، أو أراد الجمع بينهما،

стр. 21

فإن قوله: نزل جملة واحدة، هو القول الأول، وقوله: فنجمته السفرة على جبريل عشرين ليلة، هو القول الثاني، كأنه فسر قول من قال: نزل في عشرين ليلة بأن المراد بهذا الإنزال تنجيم السفرة ذلك على جبريل، قال: والقول الثاني أن الله ابتدأ بإنزاله في ليلة القدر، قال: وهذا قول الشعبي (١) . قلت: هو إشارة إلى ابتداء إنزال القرآن على النبي ﷺ ، فإن ذلك كان وهو متحنث بحراء في شهر رمضان، وقد بينت ذلك في "شرح حديث المبعث" (٢) ، وغيره، وهذا وإن كان الأمر فيه كذلك إلا أن تفسير الآية به بعيد مع ما قد صح من الآثار عن ابن عباس: أنه نزل جملة إلى سماء الدنيا، على ما تقدم. وفي الكتاب "المستدرك" أيضا عن الأعمش (٣) عن حسان بن حريث (٤) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة في السماء الدنيا فجعل جبريل ﵇ ينزله على النبي ﷺ ويرتله ترتيلا. قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (٥) .

стр. 22

وخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "كتاب ثواب القرآن" عن ابن عباس [٦ ظ] ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (١) قال: رفع إلى جبريل في ليلة القدر جملة فرفع في بيت العزة ثم جعل ينزل تنزيلا (٢) . وفي "تفسير الثعلبي" عن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل به جبريل على محمد ﷺ نجوما عشرين سنة، فذلك قوله : ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ (٣) . وقال أبو عبيد: حدثنا ابن أبي عدي (٤) عن داود بن أبي هند قال: قلت للشعبي: قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٥) ، أما نزل عليه القرآن في سائر السنة إلا في شهر رمضان؟ قال: بلى، ولكن جبريل كان يعارض محمدًا ﵉ بما ينزل عليه في سائر السنة في شهر رمضان. زاد الثعلبي في تفسيره: فيحكم الله ما يشاء ويثبت ما يشاء ويمحو ما يشاء وينسيه ما يشاء (٦) . زاد غير الثعلبي: فلما كان في العام الذي قبض فيه عرضه عرضتين،

стр. 23

فاستقر ما نسخ منه وبدل (١) . وقال أبو القاسم البغوي (٢) : حدثنا الحسن بن سفيان (٣) ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا ابن أبي عدي عن داود بن أبي هند عن الشعبي: أن جبريل ﵇ كان يعارض النبي ﷺ بما أنزل عليه في سائر السنة في شهر رمضان. وعن أبي عبيد، عن إسماعيل بن إبراهيم (٤) ، عن أيوب السختياني (٥) ، عن محمد بن سيرين (٦) [٧ و] نبئت أن القرآن كان يعارض على النبي ﷺ كل عام مرة في شهر رمضان، فلما كان العام الذي توفي فيه عرض عليه مرتين، قال ابن سيرين: فيرون أو يرجون أن تكون قراءتنا هذه أحدث القراءات عهدًا بالعرضة الأخيرة.

стр. 24

قال ابن أبي شيبة: حدثنا الحسين بن علي (١) ، عن أبيه، عن ابن جدعان (٢) ، عن ابن سيرين، عن عبيدة السلماني (٣) قال: القراءة التي عرضت على رسول الله ﷺ في العام الذي قبض فيه هي القراءة التي يقرأها الناس اليوم (٤) . ورأيت في بعض التفاسير، قال: وقال جماعة من العلماء: نزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى بيت، يقال له بيت العزة، فحفظه جبريل ﵇، وغشي على أهل السماوات من هيبة كلام الله، فمر بهم جبريل وقد أفاقوا فقالوا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾ (٥) ، يعني القرآن، وهو معنى قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ (٦) ، فأتى به جبريل إلى بيت العزة، فأملاه جبريل على السفرة الكتبة، يعني الملائكة، وهو قوله تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ (٧) . نقتله من "كتاب شفاء القلوب"، وهو تفسير علي بن سهل النيسابوري (٨) .

стр. 25

وما رواه داود عن الشعبي، يعد قولا رابعا في معنى قوله تعالى: ﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن﴾ (١) ، وكأنه نزل عرضه وإحكامه في رمضان من كل سنة منزلة إنزاله فيه، مع أنه قد لا ينفك من إحداث إنزال ما لم ينزل أو تغيير بعض ما نزل بنسخ أو إباحة [٧ ظ] تغيير بعض ألفاظه على ما سيأتي، وإن ضم إلى ذلك كونه ابتدأ نزوله في شهر رمضان ظهرت قوته. وقد أوضحنا في "كتاب شرح حديث المبعث" (٢) : أن أول ما نزل على النبي ﷺ : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (٣) ، وذلك بحراء عند ابتداء نبوته، ويجوز أن يكون قوله: ﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن﴾ إشارة إلى كل ذلك، وهو كونه أنزل جملة إلى السماء الدنيا وأول نزوله إلى الأرض وعرضه وإحكامه في شهر رمضان، فقويت ملابسة شهر رمضان للقرآن، إنزالا جملة وتفصيلا وعرضا وإحكاما، فلم يكن شيء من الأزمان تحقق له من الظرفية للقرآن ما تحقق لشهر رمضان، فلمجموع هذه المعاني قيل: ﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن﴾ . فإن قلت: ما السر في إنزاله جملة إلى السماء الدنيا؟ قلت: فيه تفخيم لأمره وأمر من أنزل عليه، وذلك بإعلام سكان السماوات السبع أن هذا آخر الكتب، المنزل على خاتم الرسل لأشرف الأمم، قد قربناه إليهم لننزله عليهم، ولولا أن الحكمة الإلهية اقتضت وصوله إليهم منجما بحسب الوقائع لم نهبط به إلى الأرض جملة كسائر الكتب المنزلة قبله، ولكن الله تعالى باين بينه فجمع له الأمرين إنزاله جملة ثم إنزاله مفرقا.

стр. 26

وهذا من جملة ما شرف به نبينا ﷺ ، كما شرف بحيازة درجتي الغني الشاكر والفقير الصابر، فأوتي مفاتيح خزائن الأرض، فردها واختار [٨ و] الفقر والإيثار بما فتح الله عليه من البلاد، فكان غنيا شاكرًا وفقيرًا صابرًا ﷺ . فإن قلت: في أي زمان نزل جملة إلى السماء الدنيا، أبعد ظهور نبوة محمد ﷺ أم قبلها؟ قلت: الظاهر أنه قبلها، وكلاهما محتمل، فإن كان بعدها، فالأمر على ما ذكرناه من التفخيم له ولمن أنزل عليه، وإن كان قبلها، ففائدته أظهر وأكثر؛ لأن فيه إعلام الملائكة بقرب ظهور أمة أحمد المرحومة الموصوفة في الكتب السالفة، وإرسال نبيهم خاتم الأنبياء كما أعلم الله الملائكة قبل خلق آدم بأنه جاعل في الأرض خليفة (١) ، وكما أعلمهم أيضا قبل إكمال خلق آدم ﵇ بأنه يخرج من ذريته محمد وهو سيد ولده، وعلى ذلك حملنا قوله ﷺ : "كنت نبيا وآدم بين الماء والطين" (٢) ، على ما أوضحناه في "كتاب شرح المدائح النبوية" (٣) ، وكان العلم بذلك حاصلا عند الملائكة، ألا ترى أن في حديث الإسرى (٤) ، لما كان جبريل يستفتح له السماوات سماء سماء؟ كان يقال له: من هذا؟ فيقول: جبريل، يقال: من معك؟ فيقول: محمد، فيقال: وقد بعث إليه؟ فيقول: نعم. فهذا كلام من كان عنده علم بذلك قبل ذلك

стр. 27

وقد تكلم على فائدة إنزال القرآن جملة، شيخنا أبو الحسن (١) ﵀ ببعض ما ذكرناه (٢) . ووقفت على كلام حسن للحكيم الترمذي [٨ ظ] أبي عبد الله محمد بن علي (٣) في تفسيره فقال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا تسليما منه للأمة ما كان أبرز لهم من الحظ بمبعث محمد ﷺ ، وذلك أن بعثة محمد ﷺ كانت رحمة، فلما خرجت الرحمة بفتح الباب جاءت بمحمد ﷺ وبالقرآن، فوضع القرآن ببيت العزة في السماء الدنيا ليدخل في حد الدنيا، ووضعت النبوة في قلب محمد ﷺ ، وجاء جبريل ﵇ بالرسالة ثم الوحي، كأنه أراد ﵎ أن يسلم هذه الرحمة التي كانت حظ هذه الأمة من الله تعالى إلى الأمة، ثم أجرى من السماء الدنيا الآية بعد الآية عند نزول النوائب، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِين﴾ (٤) ، وقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥) .

стр. 28

وقال الشيخ أبو الحسن في كتابه "جمال القراء ... ": في ذلك تكريم بني آدم، وتعظيم شأنهم عند الملائكة، وتعريفهم عناية الله بهم ورحمته لهم، ولهذا المعنى أمر سبعين ألفا من الملائكة لما أنزل سورة الأنعام أن تزفها، وزاد سبحانه في هذا المعنى بأن أمر جبريل ﵇ بإملائه على السفرة الكرام البررة ﵈ وإنساخهم إياه وتلاوتهم له ... ثم ساق الكلام إلى آخره (١) . فإن قلت: فقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٢) من جملة القرآن الذي نزل جملة، أم لا؟ فإن لم يكن منه فما نزل جملة، وإن كان منه فما وجه صحة هذه العبارة؟ قلت: له وجهان: [٩ و] أحدهما أن يكون معنى الكلام: إنا حكمنا بإنزاله في ليلة القدر، وقضينا به، وقدرناه في الأزل، وأردناه، وشئناه، وما أشبه ذلك. والثاني أن لفظه لفظ الماضي، ومعناه الاستقبال، وله نظائر في القرآن وغيره، أي ننزله جملة في ليلة مباركة، هي ليلة القدر، واختير لفظ الماضي لأمرين: أحدهما تحققه وكونه أمرًا لا بد منه، والثاني أنه حال اتصاله بالمنزل عليه، يكون الماضي في معناه محققا؛ لأن نزوله منجما كان بعد نزوله جملة واحدة، وكل ذلك حسن واضح، والله أعلم. فإن قلت: ما السر في نزوله إلى الأرض منجما، وهلا أنزل جملة كسائر الكتب؟

стр. 29

قلت: هذا سؤال قد تولى الله سبحانه الجواب عنه فقال في كتابه العزيز: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ (١) ، يعنون كما أنزل على من كان قبله من الرسل، فأجابهم الله تعالى بقوله ﴿كَذَلِك﴾ أي أنزلناه كذلك مفرقا ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَك﴾ أي لنقوي به قلبك، فإن الوحي إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى للقلب وأشد عناية بالمرسل إليه، ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك عليه وتجديد العهد به وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة، ولهذا كان أجود ما يكون في رمضان لكثرة نزول [٩ ظ] جبريل ﵇ عليه فيه على ما سنذكره. وقيل: معنى ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَك﴾ (٢) ، أي لتحفظه فيكون فؤادك ثابتا به غير مضطرب، وكان النبي ﷺ أميًّا لا يكتب ولا يقرأ، ففرق عليه القرآن ليتيسر عليه حفظه، ولو نزل جملة لتعذر عليه حفظه في وقت واحد على ما أجرى الله تعالى به عوائد خلقه، والتوراة نزلت على موسى ﵇ مكتوبة وكان كاتبا قارئا، وكذا كان غيره، والله أعلم. فإن قلت: كان في القدرة إذا أنزله جملة أن يسهل عليه حفظه دفعة واحدة. قلت: ما كل ممكن في القدرة بلازم وقوعه، فقد كان في قدرته تعالى أن يعلمه الكتابة والقراءة في لحظة واحدة، وأن يلهمهم الإيمان به، ولكنه لم يفعل، ولا معترض عليه في حكم. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ

стр. 30

عَلَى الْهُدَى﴾ (١) ، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ (٢) . وأيضا في القرآن ما هو جواب عن أمور سألوه عنها، فهو سبب من أسباب تفريق النزول، ولأن بعضه منسوخ وبعضه ناسخ ولا يتأتى ذلك إلا فيما أنزل مفرقا. فهذه جوه ومعان حسنة في حكمة نزوله منجما، وكان بين نزول أول القرآن وآخره عشرون أو ثلاث وعشرون أو خمس وعشرون سنة، وهو مبني على الخلاف في مدة إقامة النبي ﷺ بمكة بعد النبوة، فقيل: عشر، وقيل: ثلاث عشرة، [١٠ و] وقيل: خمس عشرة، ولم يختلف في مدة إقامته بالمدينة أنها عشر، والله أعلم. وكان الله تعالى قد وعد نبيه ﷺ حفظ القرآن وبيانه، وضمن له عدم نسيانه بقوله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (٣) ، أي علينا أن نجمعه في صدرك فتقرؤه فلا ينفلت عنك منه شيء، وقال تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ (٤) ، أي غير ناسٍ له. وفي الصحيحين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵃ قال: كان النبي ﷺ إذا نزل عليه جبريل بالوحي كان مما يحرك به لسانه وشفتيه، فيشتد عليه، فكان ذلك يعرف منه، فأنزل الله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِه﴾ أخذه ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ

стр. 31

وَقُرْآنَهُ﴾ ، إن علينا أن نجمعه في صدرك وقرآنه فتقرؤه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ (١) ، قال: أنزلناه فاستمع له ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (٢) أن نبينه بلسانك، فكان إذا أتاه جبريل ﵇ أطرق، فإذا ذهب قرأه كما وعده الله تعالى (٣) . وفي رواية: كان النبي ﷺ يعالج من التنزيل شدة، كان يحرك شفتيه، فأنزل الله : ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ ، قال: جمعه في صدرك ثم تقرؤه ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ ، قال: فاستمع وأنصت، ثم إن علينا أن تقرأه، قال: فكان رسول الله صلى الله [١٠ ظ] عليه وسلم إذا أتاه جبريل ﵇ استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي ﷺ كما أقرأه (٤) . وعن ابن شهاب (٥) قال: أخبرني أنس بن مالك (٦) أن الله تعالى تابع الوحي على رسوله قبل وفاته حتى توفاه أكثر ما كان الوحي، ثم توفي رسول

стр. 32

الله ﷺ بعد (١) . هذا لفظ البخاري، ولمسلم: إن الله تابع الوحي على رسول الله ﷺ قبل وفاته حتى توفي، وأكثر ما كان الوحي يوم توفي رسول الله ﷺ (٢) . قلت: يعني عام وفاته أو حين وفاته، يريد أيام مرضه كلها، كما يقال: يوم الجمل ويوم صفين، وكانت أياما، والله أعلم.

стр. 33

فصل: أول ما نزل على النبي ﷺ من القرآن أول سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (١) ، نزل ذلك عليه بحراء عند ابتداء نبوته، على ما شرحناه في "كتاب المبعث" (٢) ، ثم نزل ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر﴾ (٣) ثم صار ينزل منه شيء فشيء بحسب الوقائع والنوازل مكيا، ومدنيا حضرا وسفرا، وآخر ما نزل من الآيات ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (٤) الآية، وقيل: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ (٥) إلى آخرها، وقيل: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ﴾ إلى آخر الآيتين (٦) ، وقيل آيات الربا، وهو الموافق للقول الأول؛ لأن ﴿وَاتَّقُوا

стр. 34

يَوْمًا﴾ هي آخرهن، ونزل يوم عرفة في حجة الوداع: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُم﴾ (١) الآية. قال أبو عبيد: حدثنا حجاج (٢) عن ابن جريج (٣) [١١ و] قال: قال ابن عباس: آخر آية أنزلت من القرآن: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ ، قال: زعموا أن رسول الله ﷺ مكث بعدها تسع ليال، وبدئ به يوم السبت ومات يوم الاثنين. قلت: يعني العاشر من يوم مرضه. وقال: حدثنا عبد الله بن صالح (٤) وابن بكير (٥) عن الليث (٦) عن عقيل (٧)

стр. 35

عن ابن شهاب قال: آخر القرآن عهدًا بالعرش آية الربا وآية الدين. قلت: يعني من آيات الأحكام، والله أعلم. وكان النبي ﷺ كلما نزل من القرآن شيء أمر بكتابته ويقول في مفرقات الآيات: "ضعوا هذه في سورة كذا" (١) ، وكان يعرضه على جبريل في شهر رمضان في كل عام، وعرضه عليه عام وفاته مرتين، وكذلك كان يعرض جبريل على رسول الله ﷺ كل عام مرة، وعرض عليه عام وفاته مرتين. وحفظه في حياته جماعة من أصحابه، وكل قطعة منه كان يحفظها جماعة كثيرة، أقلهم بالغون حد التواتر، ورخص لهم قراءته على سبعة أحرف توسعة عليهم. ومنه ما نسخ لحكمة اقتضت نسخه، وكل ذلك فيه أخبار ثابتة: ففي جامع الترمذي وغيره عن ابن عباس عن عثمان ﵃ قال: كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان وهو تنزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه [١١ ظ] الشيء منه دعا بعض من كان يكتب فيقول: "ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا"، وإذا نزلت عليه الآية يقول: "ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا" ... هذا حديث حسن (٢) ، وقال الحاكم:

стр. 36

هذا صحيح على شرط الشيخين (١) ولم يخرجاه (٢) . وفي سنن أبي داود عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه "بسم الله الرحمن الرحيم" (٣) . وفي الرواية: كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتى تنزل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، فإذا نزلت علموا أن السورة قد انقضت (٤) . وفي البخاري عن البراء بن عازب (٥) قال: لما نزلت ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٦) ، قال النبي ﷺ : "ادع لي زيدًا (٧) ، وليجئ باللوح والدواة والكتف" -أو الكتف والدواة- ثم قال: "اكتب: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ ".

стр. 37

وخلف ظهر النبي ﷺ عمرو بن أم مكتوم الأعمى (١) فقال: يا رسول الله فما تأمرني، فإني رجل ضرير البصر؟ فنزلت مكانها ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَر﴾ (٢) . وفيه عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في شهر رمضان؛ لأن جبريل ﵇ كان يلقاه كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه رسول الله ﷺ القرآن، فإذا لقيه جبريل ﵇ كان أجود الخير من الريح المرسلة (٣) [١٢ و] . وفيه عن عائشة (٤) ﵂ عن فاطمة (٥) ﵂: أسر إلى النبي ﷺ : أن جبريل كان يعارضني بالقرآن في كل سنة، وأنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي (٦) . وفيه عن أبي هريرة (٧) ﵁ قال: كان يعرض على النبي صلى

стр. 38

الله عليه وسلم القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان يعتكف كل عام عشرًا، فاعتكف عشرين في العام الذي قبض (١) . وفيه عن مسروق (٢) قال: ذكر عبد الله بن عمرو (٣) عبد الله بن مسعود (٤) فقال: لا أزال أحبه، سمعت النبي ﷺ يقول: "خذوا القرآن من أربعة؛ من عبد الله بن مسعود، وسالم (٥) ، ومعاذ بن جبل (٦) ، وأبي (٧) بن كعب" (٨) .

стр. 39

وفيه عن قتادة قال: سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد النبي ﷺ ؟ قال: أربعة، كلهم من الأنصار: أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد (١) . وفي رواية: مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء (٢) ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد، قال: ونحن ورثناه (٣) ، وفي رواية: أحد عمومتي. قال الحافظ البيهقي في "كتاب المدخل": الرواية الأولى أصح، ثم أسند عن ابن سيرين قال: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة، لا يختلف فيهم: معاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد وأبو زيد، واختلفوا في رجلين من [١٢ ظ] ثلاثة، قالوا: عثمان وأبو الدرداء، وقالوا: عثمان وتميم الداري (٤) ، ﵃.

стр. 40

وعن الشعبي قال: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ سنة نفر من الأنصار: أبي بن كعب وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وأبو الدرداء وسعد بن عبيد (١) وأبو زيد. ومجمع بن جارية (٢) قد أخذه إلا سورتين أو ثلاثا، قال: ولم يجمعه أحد من الخلفاء من أصحاب محمد ﷺ غير عثمان ﵃. قلت: وقد أشبع القاضي أبو بكر محمد بن الطيب (٣) ﵀ في "كتاب الانتصار" (٤) الكلام في حملة القرآن في حياة رسول الله ﷺ ، وأقام أدلة كثيرة على أنهم كانوا أضعاف هذه العدة المذكورة، وأن العادة تحيل خلاف ذلك، ويشهد لصحة ذلك كثرة القراء المقتولين يوم مسيلمة باليمامة على ما سيأتي ذكره، وذلك في أول خلافة أبي بكر ﵁، وما في الصحيح من قتل سبعين من الأنصار يوم بئر معونة (٥) كانوا يسمون القراء (٦) . وقد قال عبد الله بن عمرو بن العاص: جمعت
следующие страницы →