← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 22676

المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز

أبو شامة المقدسي

Полный текст (288 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

هذا صحيح على شرط الشيخين (١) ولم يخرجاه (٢) . وفي سنن أبي داود عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه "بسم الله الرحمن الرحيم" (٣) . وفي الرواية: كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتى تنزل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، فإذا نزلت علموا أن السورة قد انقضت (٤) . وفي البخاري عن البراء بن عازب (٥) قال: لما نزلت ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٦) ، قال النبي ﷺ : "ادع لي زيدًا (٧) ، وليجئ باللوح والدواة والكتف" -أو الكتف والدواة- ثم قال: "اكتب: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ ".

стр. 37

وخلف ظهر النبي ﷺ عمرو بن أم مكتوم الأعمى (١) فقال: يا رسول الله فما تأمرني، فإني رجل ضرير البصر؟ فنزلت مكانها ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَر﴾ (٢) . وفيه عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في شهر رمضان؛ لأن جبريل ﵇ كان يلقاه كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه رسول الله ﷺ القرآن، فإذا لقيه جبريل ﵇ كان أجود الخير من الريح المرسلة (٣) [١٢ و] . وفيه عن عائشة (٤) ﵂ عن فاطمة (٥) ﵂: أسر إلى النبي ﷺ : أن جبريل كان يعارضني بالقرآن في كل سنة، وأنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي (٦) . وفيه عن أبي هريرة (٧) ﵁ قال: كان يعرض على النبي صلى

стр. 38

الله عليه وسلم القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان يعتكف كل عام عشرًا، فاعتكف عشرين في العام الذي قبض (١) . وفيه عن مسروق (٢) قال: ذكر عبد الله بن عمرو (٣) عبد الله بن مسعود (٤) فقال: لا أزال أحبه، سمعت النبي ﷺ يقول: "خذوا القرآن من أربعة؛ من عبد الله بن مسعود، وسالم (٥) ، ومعاذ بن جبل (٦) ، وأبي (٧) بن كعب" (٨) .

стр. 39

وفيه عن قتادة قال: سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد النبي ﷺ ؟ قال: أربعة، كلهم من الأنصار: أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد (١) . وفي رواية: مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء (٢) ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد، قال: ونحن ورثناه (٣) ، وفي رواية: أحد عمومتي. قال الحافظ البيهقي في "كتاب المدخل": الرواية الأولى أصح، ثم أسند عن ابن سيرين قال: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة، لا يختلف فيهم: معاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد وأبو زيد، واختلفوا في رجلين من [١٢ ظ] ثلاثة، قالوا: عثمان وأبو الدرداء، وقالوا: عثمان وتميم الداري (٤) ، ﵃.

стр. 40

وعن الشعبي قال: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ سنة نفر من الأنصار: أبي بن كعب وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وأبو الدرداء وسعد بن عبيد (١) وأبو زيد. ومجمع بن جارية (٢) قد أخذه إلا سورتين أو ثلاثا، قال: ولم يجمعه أحد من الخلفاء من أصحاب محمد ﷺ غير عثمان ﵃. قلت: وقد أشبع القاضي أبو بكر محمد بن الطيب (٣) ﵀ في "كتاب الانتصار" (٤) الكلام في حملة القرآن في حياة رسول الله ﷺ ، وأقام أدلة كثيرة على أنهم كانوا أضعاف هذه العدة المذكورة، وأن العادة تحيل خلاف ذلك، ويشهد لصحة ذلك كثرة القراء المقتولين يوم مسيلمة باليمامة على ما سيأتي ذكره، وذلك في أول خلافة أبي بكر ﵁، وما في الصحيح من قتل سبعين من الأنصار يوم بئر معونة (٥) كانوا يسمون القراء (٦) . وقد قال عبد الله بن عمرو بن العاص: جمعت

стр. 41

القرآن فقرأته كله في ليلة، فقال لي رسول الله ﷺ : "اقرأه في شهر"، الحديث (١) . وعبد الله بن عمرو غير مذكور في هذه الآثار المتقدمة فيمن جمع القرآن، فدل على أنها ليست للحصر، وما كان من ألفاظها للحصر فله تأويل، وليس محمولا [١٣ و] على ظاهره. وقد ذكر القاضي وغيره له تأويلات سائغة: منها أنه لم يجمعه على جميع الوجوه والأحرف والقراءات التي نزل بها، وأخبر رسول الله ﷺ أنها كلها شافٍ كافٍ، إلا أولئك النفر فقط. ومنها أنه لم يجمع ما نسخ منه وأزيل رسمه بعد تلاوته مع ما ثبت رسمه وبقي فرض حفظه وتلاوته، إلا تلك الجماعة. ومنها أنه لم يجمع جميع القرآن عن رسول الله ﷺ ويأخذه من فيه تلقيا، غير تلك الجماعة، فإن أكثرهم أخذوا بعضه عنه، وبعضه عن غيره. ومنها أنه لم يجمعه على عهد رسول الله ﷺ ممن ظهر به وأبدى ذلك من أمره وانتصب لتلقينه، غير تلك الجماعة مع جواز أن يكون فيهم حفاظ لا يعرفهم الراوي إذا لم يظهر ذلك منهم (٢) . ومنها أنه لم يجمعه عنده شيئا بعد شيء كلما نزل حتى تكامل نزوله، إلا هؤلاء، أي أنهم كتبوه وغيرهم حفظه وما كتبه، أو كتب بعضا.

стр. 42

ومنها أنه لم يذكر أحد عن نفسه أنه أكمله في حياة النبي ﷺ ، سوى هؤلاء الأربعة؛ لأن من أكمله سواهم كان يتوقع نزول القرآن ما دام النبي ﷺ حيًّا، فقد لا يستجيز النطق بأنه أكمله، واستجازه هؤلاء، ومرادهم أنهم أكملوا الحاصل منه. ويحتمل أيضا أن يكون من سواهم لم ينطق بإكماله خوفا من المراءة به، واحتياطا [١٣ ظ] على النيات كما يفعل الصالحون في كثير من العبادة، وأظهر هؤلاء الأربعة ذلك؛ لأنهم أمنوا على أنفسهم، أو لرأي اقتضى ذلك عندهم. قال المازري (١) : وكيف يعرف النقلة أنه لم يكمله سوى أربعة، وكيف تتصور الإحاطة بهذا، وأصحاب رسول الله ﷺ متفرقون في البلاد؟ وهذا لا يتصور، حتى يلقى الناقل كل رجل منهم فيخبره عن نفسه أنه لم يكمل القرآن. وهذا بعيد تصوره في العادة (٢) . وإن لم يكمل القرآن سوى أربعة، فقد حفظ جميع أجزائه مئون لا يحصون، وما من شرط كونه متواترًا أن يحفظ الكل الكل، بل الشيء الكثير إذا روى كل جزء منه خلق كثير علم ضرورة وحصل متواترًا (٣) . قلت: وقد سمى الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام أهل القرآن من الصحابة في أول "كتاب القراءات" له، فذكر من المهاجرين أبا بكر وعمر وعثمان

стр. 43

وعليًّا (١) وطلحة (٢) وسعدًا (٣) وابن مسعود وسالما مولى أبي حذيفة (٤) وحذيفة بن اليمان (٥) وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر (٦) وعبد الله بن عمرو وعمرو بن العاص (٧) وأبا هريرة ومعاوية بن أبي سفيان (٨) وعبد الله بن الزبير (٩) وعبد الله

стр. 44

ابن السائب (١) ، قارئ مكة. ومن الأنصار أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وأبا الدرداء وزيد بن ثابت ومجمع بن جارية وأنس بن مالك. ومن أزواج النبي ﷺ عائشة وحفصة (٢) [١٤ و] وأم سلمة (٣) . قال: وبعض ما ذكرنا أكثر في القراءة وأعلى من بعض، وإنما خصصنا بالتسمية كل ما وصف بالقراءة، وحكي عنه منها شيء. قلت: وأما ما نسخ من القرآن فعلى ثلاثة أضرب: منه ما نسخت تلاوته وبقي حكمه، ومنه ما نسخت تلاوته وحكمه، وزانك كآيتي الرجم (٤) والرضاع. ففي الصحيح عن عمر ﵁ قال: إن الله بعث محمدًا

стр. 45

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم فقرأتها وعقلتها ووعيتها (١) . وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂: كان مما أنزل من القرآن: "عشر رضعات معلومات يحرمن". ثم نسخن بـ"خمس معلومات يحرمن"، فتوفي النبي ﷺ وهن مما يقرأ من القرآن (٢) . قال الحافظ البيهقي: فالعشر مما نسخ رسمه وحكمه، والخمس مما نسخ رسمه بدليل أن الصحابة حين جمعوا القرآن لم يثبتوها رسما، وحكمها باقٍ عندنا. قال: وقولها " ... وهن مما يقرأ من القرآن"، يعني عند من لم يبلغه نسخ تلاوته قرآنا. قلت: هذا تأويل حسن، ومثله ما في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله (٣) قال: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، حتى نهى عنها عمر في شأن عمرو بن حريث (٤) . فمعناه، فعلها بعد النبي ﷺ من لم يبلغه نهي النبي صلى الله

стр. 46

عليه وسلم عنها. فلما اتصل ذلك بعمر ﵁ نهى عنها لنهي [١٤ ظ] النبي ﷺ عنها. فاشتهر ذلك وثبت، والله أعلم. الضرب الثالث: ما نسخ حكمه وبقيت تلاوته كآية عدة الوفاة حولا نسخت بالآية التي قبلها التي ذكر فيها ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (١) . وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن الزبير قال: قلت لعثمان بن عفان ﵁ الآية التي في البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ (٢) ، لِمَ تكتبها وقد نسختها الآية الأخرى؟ قال: يابن أخي، لا أغير شيئا عن مكانه (٣) . وأسند البيهقي في "كتاب المدخل" و"الدلائل" عن زيد بن ثابت ﵁ قال: كنا حول رسول الله ﷺ نؤلف (٤) القرآن، إذ قال: "طوبى للشام"، فقيل له: ولِمَ؟ قال: "إن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليهم" (٥) . زاد في "الدلائل": نؤلف القرآن من الرقاع، ثم قال: وهذا يشبه أن يكون أراد به تأليف ما نزل من الآيات المتفرقة في سورها، وجمعها فيها بإشارة النبي ﷺ ، ثم كانت مثبتة في الصدور مكتوبة في الرقاع واللخاف والعسب، فجمعها منها في صحف بإشارة أبي بكر

стр. 47

وعمر، ثم نسخ ما جمعه في الصحف في مصاحف بإشارة عثمان بن عفان على ما رسم المصطفى ﷺ (١) . وأخرج هذا الحديث الحاكم أبو عبد الله في "كتاب المستدرك"، وقال: [١٥ و] هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. قال: وفيه البيان الواضح أن جمع القرآن لم يكن مرة واحدة، فقد جمع بعضه بحضرة رسول الله ﷺ ، ثم جمع بعضه بحضرة أبي بكر الصديق، والجمع الثالث -وهو ترتيب السور- كان في خلافة أمير المؤمنين عثمان، ﵃ أجمعين (٢) . قال القاضي أبو بكر بن الطيب: "الذي نذهب إليه أن جميع القرآن الذي أنزله الله تعالى وأمر بإثبات رسمه ولم ينسخه ويرفع تلاوته بعد نزوله هو هذا الذي بين الدفتين، الذي حواه مصحف عثمان أمير المؤمنين ﵁، وأنه لم ينقص منه شيء ولا زيد فيه، وأن بيان الرسول ﷺ كان بجميعه بيانا شائعا ذائعا وواقعا على طريقة واحدة، ووجه تقوم به الحجة وينقطع العذر، وأن الخلف نقله عن السلف على هذه السبيل، وأنه قد نسخ منه بعض ما كانت تلاوته ثابتة مفروضة، وأن ترتيبه ونظمه ثابت على ما نظمه الله سبحانه ورتبه عليه رسوله من آي السور، لم يقدم من ذلك مؤخر، ولا آخر منه مقدم، وأن الأمة ضبطت عن النبي ﷺ ترتيب آي كل سورة ومواضعها وعرفت مواقعها، كما ضبطت عنه نفس القرآن وذات التلاوة، وأنه قد يمكن أن يكون الرسول ﷺ قد رتب سوره على ما انطوى عليه مصحف عثمان، كما رتب آيات

стр. 48

سوره، ويمكن أن يكون قد وكل ذلك إلى الأمة بعده، ولم يتول ذلك بنفسه [١٥ ظ] ﷺ ، وإن هذا القول الثاني أقرب وأشبه بأن يكون حقا على ما سنبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى، وإن القرآن لم يثبت آيه على تاريخ نزوله، بل قدم ما تأخر إنزاله، وأخر بعض ما تقدم نزوله على ما قد وقف عليه الرسول ﷺ من ذلك" (١) ... وساق الكلام إلى آخره في "كتاب الانتصار" للقرآن، على كثرة فوائده، ﵀. قلت: وقد ذكرنا أسماء كتاب النبي ﷺ الذين كانوا يكتبون له الوحي وغيره في ترجمته ﷺ في "تاريخ دمشق" (٢) نحو خمسة وعشرين اسما. والله أعلم. وقد أخبرنا شيخنا أبو الحسن في "كتاب الوسيلة" عن شيخه الشاطبي (٣) بإسناده إلى ابن وهب (٤) قال: سمعت مالكا (٥) يقول: إنما ألف القرآن

стр. 49

على ما كانوا يسمعون من قراءة رسول الله ﷺ (١) ... وذكره أبو عمرو الداني (٢) في "كتاب المقنع" (٣) .

стр. 50

الباب الثاني: في جمع الصحابة ﵃ القرآن وإيضاح ما فعله أبو بكر وعمر وعثمان قال البخاري (١) : حدثنا موسى بن إسماعيل (٢) ، حدثنا إبراهيم بن سعد (٣) ، حدثنا ابن شهاب عن عبيد بن السياق (٤) ، أن زيد بن ثابت قال: أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة (٥) ، فإذا عمر الخطاب عنده، قال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر (٦) يوم اليمامة بقراءة [١٦ و] القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن،

стр. 51

وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. فقلت لعمر: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رآه عمر. قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل، لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن فاجمعه. فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمراني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال: هو والله خير. فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر فتتبعت القرآن أجمعه من العسب (١) واللخاف (٢) وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري (٣) ، لم أجدها مع أحد غيره: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ ، حتى خاتمة "براءة" (٤) ، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر (٥) . حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم، حدثنا ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه: أن حذيفة بن اليمان قد على عثمان بن عفان ﵁،

стр. 52

وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية (١) وأذربيجان (٢) مع أهل العراق. فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال [١٦ ظ] حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى ... فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك. فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص (٣) وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام (٤) ، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن (٥) فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم. ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما

стр. 53

سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. قال ابن شهاب: فأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت (١) قال: سمعت زيد بن ثابت قال: فقدت آية من الأحزاب حين نسخت الصحف، قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري (٢) : ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (٣) ، فألحقتها في سورتها في المصحف (٤) . قلت: وخزيمة هذا غير أبي خزيمة الذي وجد معه الآيتين آخر "سورة براءة"، ذاك أبو خزيمة بن أوس بن زيد من بني النجار، شهد بدرًا وما بعدها، [١٧ و] وتوفي في خلافة عثمان، وهذا خزيمة بن ثابت بن الفاكه من الأوس، شهد أحدًا وما بعدها، وقتل يوم صفين، وقيل غير ذلك. ومعنى قوله: "فقدت آية كذا فوجدتها مع فلان ... " أنه كان يتطلب نسخ القرآن من غير ما كتب بأمر النبي ﷺ ، فلم يجد كتابة تلك الآية مع ذلك الشخص، وإلا فالآية كانت محفوظة عنده وعند غيره، وهذ المعنى أولى مما ذكره مكي (٥) وغيره: أنهم كانوا يحفظون

стр. 54

الآية، لكنهم أنسوها فوجدوها في حفظ ذلك الرجل فتذاكروها وأثبتوها لسماعهم إياها من النبي ﷺ (١) . وفي كتاب أبي عبيد: أنه وجد خاتمه "براءة" مع خزيمة بن ثابت وآية "الأحزاب" مع خزيمة أو أبي خزيمة، وزاد: فلما كان مروان (٢) أمير المدينة أرسل إلى حفصة أم المؤمنين يسألها الصحف ليمزقها وخشي أن يخالف الكتاب بعضه بعضا فمنعته إياها. قال ابن شهاب: فحدثني سالم بن عبد الله (٣) أنه لما توفيت حفصة، رحمة الله عليها، أرسل مروان إلى عبد الله بن عمر ساعة رجعوا من جنازة حفصة بعزيمة ليرسلن بها، فأرسل بها ابن عمر إلى مروان فمزقها مخافة أن يكون في شيء من ذلك خلاف ما نسخ عثمان رحمة الله عليه (٤) ، قال أبو عبيد: لم نسمع في شيء من الحديث أن مروان مزق الصحف، إلا في [١٧ ظ] هذا الحديث (٥) .

стр. 55

حدثنا عبد الرحمن بن مهدي (١) عن شعبة (٢) عن أبي إسحاق (٣) . عن مصعب بن سعد (٤) قال: أدركت الناس حين شقق (٥) عثمان المصاحف فأعجبهم ذلك -أو قال: لم يعب ذلك أحد. وحدثنا عبد الرحمن عن شعبة عن علقمة بن مرثد (٦) عن رجل عن سويد بن غفلة (٧) قال: قال علي رضوان الله عليه: لو وليت لفعلت في المصاحف الذي فعل عثمان. وفي رواية أخرى لو وليت من أمر المصاحف ما ولي عثمان لفعلت ما فعل عثمان. قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا وكيع (٨) عن سفيان (٩) عن السدي عن

стр. 56

عبد خير (١) قال: قال علي: يرحم الله أبا بكر، هو أول من جمع ما بين اللوحين (٢) . وفي رواية عنه: أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر (٣) . وفي "السنن الكبير" (٤) عن علقمة بن مرثد عن العيزار بن جرول (٥) عن سويد بن غفلة عن علي ﵁ قال: اختلف الناس في القرآن على عهد عثمان فجعل الرجل يقول للرجل: قراءتي خير من قراءتك، فبلغ ذلك عثمان فجمعنا أصحاب رسول الله ﷺ فقال: إن الناس قد اختلفوا اليوم في القراءة وأنتم بين ظهرانيهم، فقد رأيت أن أجمع على قراءة واحدة، قال: فأجمع رأينا مع رأيه على ذلك، قال: وقال علي: لو وليت مثل الذي ولي، لصنعت مثل الذي صنع (٦) . وفي رواية: يرحم الله عثمان، لو كنت أنا لصنعت في المصاحف ما صنع عثمان. أخرجه البيهقي في "المدخل".

стр. 57

وفي كتاب أبي بكر عبد الله بن أبي داود (١) عن هشام بن عروة (٢) [١٨ و] عن أبيه (٣) قال: لما استحر القتل بالقراء يومئذ فرق (٤) أبو بكر على القرآن أن يضيع، فقال لعمر بن الخطاب ولزيد بن ثابت: اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله تعالى فاكتباه (٥) . قال الشيخ أبو الحسن في كتابه "جمال القراء": ومعنى هذ الحديث -والله أعلم- من جاءكم بشاهدين على شيء من كتاب الله الذي كتب بين يدي رسول الله ﷺ ، وإلا فقد كان زيد جامعا للقرآن. قال: ويجوز أن يكون معناه: من جاءكم بشاهدين على شيء من كتاب الله تعالى، أي من الوجوه السبعة التي نزل بها القرآن، ولم يزد على شيء مما لم يقرأ أصلا، ولم يعلم بوجه آخر (٦) . وفي كتاب ابن أبي داود أيضا عن أبي العالية (٧) : أنهم جمعوا القرآن

стр. 58

في مصحف في خلافة أبي بكر، فكان رجال يكتبون، ويملي عليهم أبي بن كعب، فلما انتهوا إلى هذه الآية من "سورة براءة": ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ (١) ، فظنوا أنها آخر ما نزل من القرآن. فقال أبي: إن رسول الله ﷺ أقرأني بعدهن آيتين: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ﴾ إلى ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (٢) . فهذا آخر ما نزل من القرآن، فختم الأمر بما فتح به (٣) ، يعني بكلمة التوحيد. قال الشيخ أبو الحسن: "كان أبي يتتبع ما كتب بين يدي رسول الله ﷺ في اللخاف (٤) والأكتاف (٥) والعسب (٦) ونحو ذلك، [١٨ ظ] لا لأن القرآن العزيز كان معدوما. وأما قوله وصدور الرجال -يعني في الحديث السابق- فإنه كتب الوجوه السبعة التي نزل بها القرآن، فكان يتتبعها من صدور الرجال ليحيط بها علما، ودليل ذلك أنه كان عالما بالآيتين اللتين من صدور الرجال ليحيط بها علما، ودليل ذلك أنه كان عالما بالآيتين في آخر "براءة" ثم لم يقنع بذلك حتى طلبها وسأل عنها غيره فوجدها عند خزيمة، وإنما طلبها من غيره مع علمه بها، ليقف على

стр. 59

وجوه القراءات. والله أعلم" (١) . قلت: إنما كان قصدهم أن ينقلوا من عين المكتوب بين يدي النبي ﷺ ، ولم يكتبوا من حفظهم لأن قراءتهم كانت مختلفة لما أبيح لهم من قراءة القرآن على سبعة أحرف على ما سيأتي تفسيرها. والله أعلم. قال عبد الله (٢) : "حدثنا أبو الطاهر (٣) ، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك عن ابن شهاب عن سالم وخارجة: أن أبا بكر الصديق كان قد جمع القرآن في قراطيس، وكان قد سأل زيد بن ثابت النظر في ذلك فأبى، حتى استعان عليه بعمر، ففعل، فكانت تلك الكتب عند أبي بكر حتى توفي، ثم عند عمر حتى توفي، ثم عند حفصة زوج النبي ﷺ ، فأرسل إليها عثمان فأبت أن تدفعها إليه، حتى عاهدها ليردنها إليها، فبعثت بها إليه، فنسخ منها عثمان هذه المصاحف، ثم ردها إليها، فلم تزل عندها حتى أرسل مروان فأخذها فحرقها" (٤) . وفي تفسير الطبري: "عن عمارة بن غزية (٥) عن [١٩ و] ابن شهاب عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه قال: فأمرني أبو بكر فكتبته في قطع الأدم

стр. 60

وكسر الأكتاف (١) والعسب، فلما هلك أبو بكر وكان عمر كتب ذلك في صحيفة واحدة فكانت عنده. فلما هلك كانت الصحيفة عند حفصة ... ثم أرسل عثمان إلى حفصة يسألها أن تعطيه الصحيفة فأعطته إياها، فعرض المصحف عليها، فلم يختلفا في شيء، فردها إليها وطابت نفسه (٢) ... ". وعن أبي إسحاق عن مصعب بن سعد قال: سمع عثمان قراءة أبي وعبد الله ومعاذ فخطب الناس ثم قال: إنما قبض نبيكم منذ خمس عشرة سنة وقد اختلفتم في القرآن. عزمت على من عنده شيء من القرآن سمعه من رسول الله ﷺ لما أتاني به. فجعل الرجل يأتيه باللوح والكتف والعسيب فيه الكتاب، فمن أتاه بشيء قال: أنت سمعته من رسول الله ﷺ ؟ ثم قال: أي الناس أفصح؟ قالوا: سعيد بن العاص، قال: أي الناس أكتب؟ قالوا: زيد بن ثابت، قال: فليكتب زيد، وليمل سعيد. قال: فكتب مصاحف، فقسمها في الأمصار، فما رأيت أحدًا عاب ذلك عليه (٣) . قلت: كذا في كتاب ابن أبي داود (٤) . وفي تسمية معاذ هنا نظر، فإن معاذًا توفي قبل ذلك في طاعون عمواس (٥) في خلافة عمر، ولعل قراءته

стр. 61

بقيت بعده عند أصحابه، فسمعها عثمان منهم. وأخرج هذا الحديث الحافظ البيهقي في كتاب "المدخل" بمخالفة لهذا في بعض الألفاظ وبزيادة ونقصان فقال: [١٩ ظ] جلس عثمان على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنما عهدكم بنبيكم ﷺ منذ ثلاث عشرة سنة، وأنتم مختلفون في القراءة يقول الرجل لصاحبه: والله ما تقيم قراءتك. قال: فعزم على كل من كان عنده شيء من القرآن إلا جاء به، فجاء الناس بما عندهم فجعل يسألهم عليه البينة أنهم سمعوه من رسول الله ﷺ ، ثم قال: من أعرب الناس؟ قالوا: سعيد بن العاص، قال: فمن أكتب الناس؟ قالوا: زيد بن ثابت كاتب رسول الله ﷺ ، قال: فليمل سعيد وليكتب زيد. قال: فكتب مصاحف ففرقها في الأجناد، فلقد سمعت رجالا من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: لقد أحسن. قال البيهقي: فيه انقطاع بين مصعب وعثمان، وقد روينا عن زيد بن ثابت أن التأليف كان في زمن النبي ﷺ ، وروينا عنه أن الجمع في الصحف كان في زمن أبي بكر، والنسخ في المصاحف كان في زمن عثمان، وكان ما يجمعون وينسخون معلوما لهم، فلم يكن به حاجة إلى مسألة البينة. قلت: لم تكن البينة على أصل القرآن، فقد كان معلوما لهم ذكر، وإنما كانت على ما أحضروه من الرقاع (١) المكتوبة فطلب البينة عليها أنها

стр. 62

كانت كتبت بين يدي رسول الله ﷺ وبإذنه على ما سمع من لفظه على ما سبق بيانه، ولهذا قال: فليمل سعيد، يعني [٢٠ و] من الرقاع التي أحضرت، ولو كانوا كتبوا من حفظهم لم يحتج زيد فيما كتبه إلى من يمليه عليه. فإن قلت: كان قد جمع من الرقاع في أيام أبي بكر، فأي حاجة إلى استحضارها في أيام عثمان؟ قلت: يأتي جواب هذا في آخر الباب. وذكر أبو عمرو الداني في كتاب "المقنع" أن عثمان قال: يا أصحاب محمد، اجتمعوا فاكتبوا للناس إماما يجمعهم، قال: وكانوا في المسجد فكثروا، فكانوا إذا تماروا في الآية يقولون: إنه أقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية فلان بن فلان، وهو على رأس أميال من المدينة، فيبعث إليه فيجيء، فيقولون: كيف أقرأك رسول الله ﷺ آية كذا وكذا؟ فيقول: كذا، فيكتبون كما قال (١) . والله أعلم. وفي كتاب ابن أبي داود أيضا عن هشام (٢) عن محمد -هو ابن سيرين- قال: كان الرجل يقرأ، حتى يقول الرجل لصاحبه: كفرت بما تقول. فرفع ذلك إلى عثمان بن عفان، فتعاظم ذلك في نفسه، فجمع اثني عشر رجلا من قريش والأنصار، فيهم أبي بن كعب وزيد بن ثابت، فأرسل إلى الربعة التي كانت في بيت عمر، فيها القرآن (٣) .

стр. 63

قال البيهقي في كتاب "المدخل": واعلم أن القرآن كان مجموعا كله في صدور الرجال أيام حياة رسول الله ﷺ ، ومؤلفا هذا التأليف الذي نشاهده ونقرؤه إلا "سورة براءة"، فإنها كانت من آخر ما نزل من [٢٠ ظ] القرآن، ولم يبين رسول الله ﷺ لأصحابه موضعها من التأليف حتى خرج من الدنيا، فقرنها الصحابة ﵃ بـ"الأنفال". وبيان ذلك في حديث ابن عباس قال: قلت لعثمان ﵁: ما حملكم على أن عمدتم إلا "براءة" وهي من المئين، وإلى "الأنفال" وهي من المثاني، فقرنتم بينهما، ولم تجعلوا بينهما سطرًا فيه ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، ووضعتموها في السبع الطوال؟ فقال: كانت "الأنفال" من أول ما نزل عليه بالمدينة، وكانت "براءة" من آخر القرآن نزولا، وكانت قصتها تشبه قصتها، فقبض رسول الله ﷺ ولم يبين أمرها، فظننت أنها منها (١) . قال البيهقي: وفيما رويناه من الأحاديث المشهورة في ذكر من جمع القرآن من الصحابة على عهد رسول الله ﷺ ، ثم ما روينا عن زيد بن ثابت: كنا حول رسول الله ﷺ نؤلف القرآن، ثم ما رويناه في كتاب السنن (٢) أن رسول الله ﷺ قرأ في صدور الرجال، مكتوبا في الرقاع واللخاف والعسب، وأمر أبو بكر الصديق حين استحر (٣) القتل بقراء القرآن يوم اليمامة بجمعه من مواضعه في

стр. 64

صحف، ثم أمر عثمان حين خاف الاختلاف في القراءة بتحويله منها إلى مصاحف مع بذل المجهود في معارضة ما كان في الصحف [٢١ و] بما كان مثبتا في صدور الرجال، وذلك كله بمشورة من حضره من علماء الصحابة ﵃، وارتضاه علي بن أبي طالب ﵁ وحمد أثره فيه. والله يغفر لنا ولكم. قال: ويشبه أن يكون رسول الله ﷺ ، إنما لم يجمعه في مصحف واحد، لما كان يعلم من جواز ورود النسخ على أحكامه، ورسومه، فلما ختم الله دينه بوفاة نبيه ﷺ ، وانقطع الوحي، قيض لخلفائه الراشدين عند الحاجة إليه جمعه بين الدفتين. قال: وقد أشار الشيخ أبو سليمان الخطابي (١) رحمه الله تعالى إلى جملة ما ذكرناه، وذكره أيضا غيره من أئمتنا، والأخبار الثابتة المشهورة ناطقة بجميع ذلك. قلت: وفي كتاب "الانتصار" أخبار في جمع القرآن، فيها زيادات على ما تقدم، فنذكر منها ما يشتمل على فوائد تعرفنا الأمر كيف وقع، وتشرح لنا بعض ما تقدم. فمنها: قال زيد: فقلت يا خليفة رسول الله ﷺ ، لو اجتمعت أنا وعمر جميعا، فقال أبو بكر لعمر، فقال عمر: نعم، فانطلق بنا فخرجنا، حتى جلسنا على باب المسجد الذي يلي موضع الجنائز

стр. 65

فجلسنا، وجعل الناس يأتون بالقرآن، منهم من يأتي به في الصحيفة، ومنهم من يأتي به في العسب حتى عرفنا من ذلك. وفي رواية: فقال أبو بكر لزيد: ثم فاقعد على باب المسجد، فكل من جاءك بشيء من كتاب الله تنكره فاطلب منه شاهدين، ثم قال: يا عمر، قم [٢١ ظ] فكن مع زيد، قال عمر: فقمنا حتى جلسنا على باب المسجد فأرسلت إلى أبي بن كعب فجاء، فوجدنا مع أبي كتبا مثل ما وجدنا عند جميع الناس. ومنها: أن عمر بن الخطاب جعل يذكر قتلى اليمامة وما أصيب من المسلمين وأن القتل يومئذ استحر بأهل القرآن، ثم يقول: جعل مناد ينادي: يا أهل القرآن، فيجيبون المنادي فرادى ومثنى، فاستحر بهم القتل، فرحم الله تلك الوجوه، لولا ما استدرك خليفة رسول الله ﷺ من جمع القرآن لخفت أن لا يلتقي المسلمون وعدوهم في موضع، إلا استحر القتل بأهل القرآن. وفي رواية: لما قتل أصحاب اليمامة دخل عمر بن الخطاب علي أبي بكر ﵄ فقال: إن أصحاب رسول الله ﷺ تهافتوا في القتل يوم اليمامة كما يتهافت الفراش في النار، وإني أخاف أن لا يشهدوا مشهدًا، إلا فعلوا ذلك، وهم حملة القرآن، فيضيع القرآن ويذهب. قال القاضي أبو بكر: ومن تأمل مجيء هذه الأخبار وألفاظها علم وتيقن أن أمر القرآن كان بينهم ظاهرًا منتشرًا، وأن حفاظه إذ ذاك كانوا في الأمة عددًا عظيما وخلقا كثيرا. قال: وروى موسى بن عقبة (١) عن

стр. 66

ابن شهاب أنه قال: إن المسلمين لما أصيبوا باليمامة فزع أبو بكر ﵁ إلى القرآن، وخاف أن تهلك منه طائفة، وإنما كان في العسب والرقاع، فأقبل الناس بما كان معهم وعندهم، حتى جمع على عهد أبي بكر ﵁، فكتبوه في الورق [٢٢ و] وجمعوه فيه، وقال أبو بكر: التمسوا له اسمًا، فقال بعضهم: السفر، وقال بعضهم: كان الحبشة يدعونه المصحف. قال: فكان أبو بكر أول من جمع القرآن في المصحف. وعن أسلم مولى عمر (١) قال: اختلف الناس في القرآن فجعل الرجل يلقى الرجل في مغزاته فيقول: معي من القرآن ما ليس معك، أقرأني أبي بن كعب كذا وكذا، ويقول هذا: أقرأني عبد الله بن مسعود كذا وكذا، فلما رأى ذلك عثمان شاور فيه أهل القرآن من أصحاب رسول الله ﷺ ، فرأوا أن يجمعوه في مصحف واحد، ثم يفرق في البلاد مصحفا مصحفا، ثم تحرق سائر الصحف، فدعا عثمان ﵁ أربعة نفر، ثلاثة من قريش ورجلا من الأنصار: عبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وسعيد بن العاص وزيد بن ثابت فقال: انسخوه. فنسخوه على هذا التأليف، وقال: ما اختلفتم فيه أنتم وزيد بن ثابت فاكتبوه على ما تقولون أنتم، فإن القرآن أنزل على لسان قريش، فنسخوا القرآن في مصحف واحد حتى فرغوا منه، ثم نسخ من ذلك المصحف مصاحف، فبعث إلى كل بلد مصحفا، وأمرهم بالاجتماع على هذا المصحف. وروى يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة عن موسى بن جبير (٢) أن عثمان

стр. 67

بن عفان دعا أبي بن كعب بن ثابت وسعيد بن العاص فقال لأبي: إنك كنت أعلم الناس بما أنزل على [٢٢ ظ] النبي ﷺ ، كنت تقرئ في زمانه، وكان عمر بن الخطاب يأمر الناس بك، فأمل على هؤلاء القرآن في المصاحف، فإني أرى الناس قد اختلفوا، قال: فكان أبي يملي عليهم القرآن، وزيد بن ثابت وسعيد بن العاص ينسخان. قال القاضي: وقد وردت الرواية أن عثمان لما أراد أن يجمع المصحف خطب فقال: أعزم على كل رجل منكم كان معه من كتاب الله ، شيء لما جاء به، قال: فكان الرجل يجيء بالورقة والأديم فيه القرآن، حتى جمع من ذلك شيئا كثيرا، ثم دخل فدعاهم رجلا رجلا يناشده: أسمعته من رسول الله ﷺ ، وهو أمله عليك؟ فيقول: نعم، فلما فرغ من ذلك قال: من أكتب الناس؟ قالوا: كاتب رسول الله ﷺ زيد بن ثابت، قال: فأي الناس أعرب؟ قالوا: سعيد بن العاص، قال عثمان: فليمل سعيد وليكتب زيد، فكتب مصاحف فرقها في الناس. قال القاضي: فهذا الخبر يقضي بأن سعيدًا قد كان ممن يملي المصحف، ولا يمتنع أن يمله سعيد ويمله أيضا أبي، فيحتاج إلى أبي لحفظه وإحاطته علما بوجوه القراءات المنزلة التي يجب إثبات جميعها، وأن لا يطرح شيء منها، ويجب نصب سعيد بن العاص لموضع فصاحته وعلمه بوجوه الإعراب وكونه أعربهم لسانا، قال: وقد قيل: إن سعيدًا كان أفصح الناس وأشبههم لهجة برسول الله ﷺ ، وليس يجب أن [٢٣ و] تتعارض هذه الأخبار؛ لأنه قد ذكر في كل واحد منها ممل غير الذي ذكر في غيره؛ لأنه لا يمتنع أن ينصب لإملائه قوم فصحاء، حفاظ يتظاهرون على ذلك، ويذكر بعضهم بعضا، ويستدرك بعضهم ما لعله يسهو عنه غيره. وهذا من أحوط الأمور وأحزمها في هذا الباب.

стр. 68

قال: وقد ذكر في بعض الروايات أن الذي نصبه عثمان لإملاء المصحف أبان بن سعيد بن العاص (١) . والسيرة تشهد بأن ذلك غلط؛ لأن أهلها قد رووا أن أبان بن سعيد متقدم الموت، وأنه قد هلك قبل جمع عثمان المصحف بزمان طويل، وأنه قتل بالشام في وقعة أجنادين (٢) في سنة ثلاث عشرة، وإنما المنصوب لإملاء المصحف الذي أقامه عثمان لذلك سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص، وهو ابن أخي أبان بن سعيد بن العاص (٣) . ونقلت من كتاب "شرح السنة" الذي سمعناه على القاضي أبي المجد محمد بن الحسين القزويني (٤) بسماعه من الإمام أبي منصور محمد بن أسعد بن محمد حفدة الطوسي (٥) بسماعه من لفظ المصنف الفقيه الإمام محيي السنة أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي (٦) ﵀ قال: الصحابة رضي الله

стр. 69

عنهم جمعوا بين الدفتين القرآن الذي أنزله الله على رسوله ﷺ من غير أن زادوا فيه أو نقصوا منه شيئا، والذي حملهم على جمعه ما جاء بيانه في الحديث وهو أنه كان مفرقا في العسب واللخاف وصدور [٢٣ ظ] الرجال فخافوا ذهاب بعضه بذهاب حفظته، ففزعوا فيه إلى خليفة رسول الله ﷺ ، ودعوه إلى جمعه، فرأى في ذلك رأيهم وأمر بجمعه في موضع واحد باتفاق من جميعهم، فكتبوه كما سمعوا من رسول الله ﷺ ، من غير أن قدموا شيئا، أو أخروا، أو وضعوا له ترتيبا لم يأخذوه من رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ يلقن أصحابه ويعلمهم ما ينزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الآن في مصاحفنا بتوقيف جبريل ﵇ إياه على ذلك، وإعلامه عند نزول كل آية أن هذه الآية تكتب عقيب آية كذ في السورة التي يذكر فيها كذا، وروي معنى هذا عن عثمان ﵁. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: لم يكن النبي ﷺ يعلم ختم السورة حتى ينزل "بسم الله الرحمن الرحيم"، فإذا أنزل "بسم الله الرحمن الرحيم" علم أن السورة قد ختمت (١) ، فثبت أن سعي الصحابة كان في جمعه في موضع واحد، لا في ترتيبه، فإن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ على الترتيب الذي هو في مصاحفنا، أنزله الله تعالى جملة واحدة في شهر رمضان ليلة القدر إلى السماء الدنيا، ثم كان ينزله مفرقا على رسول الله ﷺ مدة حياته عند الحاجة وحدوث ما يحدث على ما يشاء الله

стр. 70

عز وجل: وترتيب [٢٤ و] النزول غير ترتيب التلاوة، وكان هذا الاتفاق من الصحابة سببا لبقاء القرآن في الأمة رحمة من الله لعباده، وتحقيقا لوعده في حفظه على ما قال جل ذكره: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) . ثم إن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقرءون بالقراءة التي أقرأهم رسول الله ﷺ ، ولقنهم بإذن الله ، إلى أن وقع الاختلاف بين القراء في زمن عثمان وعظم الأمر فيه، وكتب الناس بذلك من الأمصار إلى عثمان، وناشدوه الله تعالى في جمع الكلمة وتدارك الناس قبل تفاقم الأمر، وقدم حذيفة بن اليمان من غزوة إرمينية (٢) ، فشافهه بذلك، فجمع عثمان عند ذلك المهاجرين والأنصار، وشاورهم في جمع القرآن على حرف واحد ليزول بذلك الخلاف وتتفق الكلمة، فاستصوبوا رأيه، وحضوه عليه، ورأوا أنه من أحوط الأمور للقرآن، فاستحضر الصحف من عند حفصة، ونسخها في المصاحف، وبعث بها إلى الأمصار. وروي عن أبي عبد الرحمن السلمي (٣) قال: كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة، كانوا يقرءون قراءة العامة، وهي القراءة التي قرأها رسول الله ﷺ على جبريل مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان علي ﵁ طول أيامه يقرأ

стр. 71

مصحف عثمان، ويتخذه إماما [٢٤ ظ] ويقال: إن زيد بن ثابت شهد العرضة الأخيرة التي عرضها رسول الله ﷺ على جبريل وهي التي بين فيها ما نسخ وما بقي. قال أبو عبد الرحمن السلمي: قرأ زيد بن ثابت على رسول الله ﷺ في العام الذي توفاه الله فيه مرتين، وإنما سميت هذه القراءة قراءة زيد بن ثابت؛ لأنه كتبها لرسول الله ﷺ ، وقرأها عليه، وشهد العرضة الأخيرة، وكان يقرئ الناس بها حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه، وولاه عثمان كتب المصاحف، ﵃ أجمعين (١) . قلت: ومعنى قول عثمان ﵁، "إن القرآن أنزل بلسان قريش" أي معظمه بلسانهم، فإذا وقع الاختلاف في كلمة فوضعها على موافقة لسان قريش أولى من لسان غيرهم. أو المراد: نزل في الابتداء بلسانهم، ثم أبيح بعد ذلك أن يقرأ بسبعة أحرف، وقول ابن عباس ﵄: "لم يكن النبي ﷺ يعلم ختم السورة حتى تنزل البسملة" (٢) ، يعني به -والله أعلم- وقت عرض النبي ﷺ القرآن على على جبريل ﵇، فكان لا يزال يقرأ في السورة إلى أن يأمره جبريل بالتسمية، فيعلم أن السورة قد انقضت، وعبر النبي ﷺ بلفظ النزول، إشعارا بأنها قرآن، في جميع أوائل السور [٢٥ و] فيه، ويجوز أن يكون المراد بذلك أن جميع آيات كل سورة كان ينزل قبل نزول البسملة، فإذا كملت آياتها نزّل جبريل البسملة، واستعرض السورة،

стр. 72

فيعلم النبي ﷺ أن السورة قد ختمت، لم يبق يلحق بها شيء. واعلم أن حاصل ما شهدت به الأخبار المتقدمة وما صرحت به أقوال الأئمة أن تأليف القرآن على ما هو عليه الآن كان في زمن النبي ﷺ بإذنه وأمره، وأن جمعه في الصحف خشية دثوره بقتل قرائه كان في زمن أبي بكر ﵁، وأن نسخه في مصاحف حملا للناس على اللفظ المكتوب حين نزوله بإملاء المنزل إليه ﷺ ومنعا من قراءة كل لفظ يخالفه كان في زمن عثمان ﵁، وكأن أبا بكر كان غرضه أن يجمع القرآن مكتوبا مجتمعا غير مفرق على اللفظ الذي أملاه رسول الله ﷺ على كتبة الوحي ليعلم ذلك، ولم يكل ذلك إلى حفظ من حفظه خشية فنائهم بالقتل، ولاختلاف لغاتهم في حفظهم على ما كان أبيح لم من قراءته على سبعة أحرف على ما ستأتي معانيها في الباب الثالث، فلما ولي عثمان وكثر المسلمون وانتشروا في البلاد وخيف عليهم الفساد من اختلافهم في قراءاتهم لاختلاف لغاتهم حملهم عثمان على ذلك اللفظ الذي جمعه زيد في زمن أبي بكر، وبقي ما عداه ليجمع الناس [٢٥ ظ] على قراءة القرآن على وفق ما نزل على محمد ﷺ ، ولا يكثر فيه التصرف، فيتفاحش تغيره، وتنمحق ألفاظه المنزلة. ولهذا قال أبو مجلز لاحق بن حميد (١) ﵀ -وهو من جلة تابعي البصرة-: يرحم الله عثمان، لو لم يجمع الناس على قراءة واحدة لقرأ الناس القرآن بالشعر.

стр. 73

وقال حماد بن سلمة (١) : كان عثمان في المصحف كأبي بكر في الردة. وقال عبد الرحمن بن مهدي: كان لعثمان شيئان ليس لأبي بكر ولا عمر مثلهما: صبره نفسه حتى قتل مظلوما، وجمعه الناس على المصحف. فقد اتضح بما ذكرناه معنى ما فعله كل واحد من الإمامين أبي بكر وعثمان ﵄، وتبين أن قصد كل واحد منهما غير قصد الآخر، فأبو بكر قصد جمعه في مكان واحد، ذخرًا للإسلام يرجع إليه إن اصطلم، والعياذ بالله، قراؤه، وعثمان قصد أن يقتصر الناس على تلاوته على اللفظ الذي كتب بأمر النبي ﷺ ، ولا يتعدوه إلى غيره من القراءات التي كانت مباحة لهم، المنافية لخط المصحف من الزيادة والنقصان وإبدال الألفاظ على ما سيأتي شرحه. وذكر أبو عمرو الداني في كتابه "المقنع" عن هشام بن عروة عن أبيه أن أبا بكر أول من جمع القرآن في المصاحف، وعثمان الذي جمع المصاحف على مصحف واحد (٢) . وقد عبر الشيخ أبو القاسم [٢٦ و] الشاطبي ﵀ عما فعله الإمامان بأبيات من جملة قصيدته المسماة بـ"العقلية" في بيان رسم المصحف، أخبرنا بها عنه شيخنا أبو الحسن وغيره فقال ﵀: واعلم بأن كتاب الله خص بما ... تاه البرية عن إتيانه ظهرا أي متظاهرين، ثم قال بعد أبيات:

стр. 74

ولم يزل حفظه بين الصحابة في ... علا حياة رسول الله مبتدرا أشار إلى كثرة حفاظه في حياة النبي ﷺ ، ثم قال: وكل عام على جبريل يعرضه ... وقيل آخر عام عرضتين قرا لو قال: "لكن آخر عام" كان أولى؛ لأن الجمع في خبر واحد صحيح. وقوله: "وقيل" يوهم غير ذلك، فإن كان قال: و"قبل" بالموحدة فهو أجود، والله أعلم. ثم قال ﵀: إن اليمامة أهواها مسيلمة (١) الـ ... ـكذاب في زمن الصديق إذ خسرا وبعد باس شديد حان مصرعه ... وكان باسا على القراء مستعرا نادى أبا بكر الفاروق: خفت على الـ ... ـقراء فادرك القرآن مستطرا فأجمعوا جمعه في الصحف واعتمدوا ... زبد بن ثابت العدل الرضا نظرا فقام فيه بعون الله يجمعه ... بالنصح والجد والحزم الذي بهرا من كل أوجهه حتى استتم له ... بالأحرف السبعة العليا كما اشتهرا فأمسك الصحف الصديق ثم إلى الـ ... ـفاروق أسلمها لما قضى العمرا وعند حفصة كانت بعد فاختلف الـ ... ـقراء فاعتزلوا في أحرف زمرا وكان في بعض مغزاهم مشاهدهم ... حذيفة فرأى من خلفهم عبرا فجاء عثمان مذعورا فقال له: ... أخاف أن يخلطوا فأدرك البشرا فاستحضر الصحف الأولى التي جمعت ... وخص [٢٦ ظ] زيدًا ومن قريشه نفرا

стр. 75

على لسان قريش فاكتبوه كما ... على الرسول به إنزاله انتشرا فجردوه كما يهوى كتابته ... ما فيه شكل ولا نقط فيحتجرا وسار في نسخ منها مع المدني ... كوف وشام وبصر تملأ البصرا وقيل: مكة والبحرين مع يمن ... ضاعت بها نسخ في نشرها قطرا (١) القطر: العود، أي فاحت رائحة طيب هذه النسخ بهذه الأقاليم، فهو كقوله في قصيدته الكبرى (٢) : "فقد ضاعت شذا وقرنفلا ... ...................... والهاء في "قريشه" لعثمان، وفي "به" تعود على لسان قريش، وقوله: "فجردوه" أي كتبوه على لسان قريش مجردًا من باقي لغات العرب. وهذه مسألة فيها نظر واختلاف، وسيأتي تحقيقها في الباب الثالث الذي هو عمدة هذا الكتاب، والمقصود بهذا التصنيف وما قبله وما بعده من الأبواب مقدم بين يديه، وتبع له لشدة تعلق الجميع به. قال أبو حاتم السجستاني (٣) : لما كتب عثمان ﵁ المصاحف حين جمع القرآن كتب سبعة مصاحف، فبعث واحدا إلى مكة، وآخر إلى الشام، وآخر إلى اليمن، وآخر إلى البحرين، وآخر إلى البصرة، وآخر إلى الكوفة، وحبس بالمدينة واحدًا.
следующие страницы →