← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 22676

المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز

أبو شامة المقدسي

Полный текст (288 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

مصحف عثمان، ويتخذه إماما [٢٤ ظ] ويقال: إن زيد بن ثابت شهد العرضة الأخيرة التي عرضها رسول الله ﷺ على جبريل وهي التي بين فيها ما نسخ وما بقي. قال أبو عبد الرحمن السلمي: قرأ زيد بن ثابت على رسول الله ﷺ في العام الذي توفاه الله فيه مرتين، وإنما سميت هذه القراءة قراءة زيد بن ثابت؛ لأنه كتبها لرسول الله ﷺ ، وقرأها عليه، وشهد العرضة الأخيرة، وكان يقرئ الناس بها حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه، وولاه عثمان كتب المصاحف، ﵃ أجمعين (١) . قلت: ومعنى قول عثمان ﵁، "إن القرآن أنزل بلسان قريش" أي معظمه بلسانهم، فإذا وقع الاختلاف في كلمة فوضعها على موافقة لسان قريش أولى من لسان غيرهم. أو المراد: نزل في الابتداء بلسانهم، ثم أبيح بعد ذلك أن يقرأ بسبعة أحرف، وقول ابن عباس ﵄: "لم يكن النبي ﷺ يعلم ختم السورة حتى تنزل البسملة" (٢) ، يعني به -والله أعلم- وقت عرض النبي ﷺ القرآن على على جبريل ﵇، فكان لا يزال يقرأ في السورة إلى أن يأمره جبريل بالتسمية، فيعلم أن السورة قد انقضت، وعبر النبي ﷺ بلفظ النزول، إشعارا بأنها قرآن، في جميع أوائل السور [٢٥ و] فيه، ويجوز أن يكون المراد بذلك أن جميع آيات كل سورة كان ينزل قبل نزول البسملة، فإذا كملت آياتها نزّل جبريل البسملة، واستعرض السورة،

стр. 72

فيعلم النبي ﷺ أن السورة قد ختمت، لم يبق يلحق بها شيء. واعلم أن حاصل ما شهدت به الأخبار المتقدمة وما صرحت به أقوال الأئمة أن تأليف القرآن على ما هو عليه الآن كان في زمن النبي ﷺ بإذنه وأمره، وأن جمعه في الصحف خشية دثوره بقتل قرائه كان في زمن أبي بكر ﵁، وأن نسخه في مصاحف حملا للناس على اللفظ المكتوب حين نزوله بإملاء المنزل إليه ﷺ ومنعا من قراءة كل لفظ يخالفه كان في زمن عثمان ﵁، وكأن أبا بكر كان غرضه أن يجمع القرآن مكتوبا مجتمعا غير مفرق على اللفظ الذي أملاه رسول الله ﷺ على كتبة الوحي ليعلم ذلك، ولم يكل ذلك إلى حفظ من حفظه خشية فنائهم بالقتل، ولاختلاف لغاتهم في حفظهم على ما كان أبيح لم من قراءته على سبعة أحرف على ما ستأتي معانيها في الباب الثالث، فلما ولي عثمان وكثر المسلمون وانتشروا في البلاد وخيف عليهم الفساد من اختلافهم في قراءاتهم لاختلاف لغاتهم حملهم عثمان على ذلك اللفظ الذي جمعه زيد في زمن أبي بكر، وبقي ما عداه ليجمع الناس [٢٥ ظ] على قراءة القرآن على وفق ما نزل على محمد ﷺ ، ولا يكثر فيه التصرف، فيتفاحش تغيره، وتنمحق ألفاظه المنزلة. ولهذا قال أبو مجلز لاحق بن حميد (١) ﵀ -وهو من جلة تابعي البصرة-: يرحم الله عثمان، لو لم يجمع الناس على قراءة واحدة لقرأ الناس القرآن بالشعر.

стр. 73

وقال حماد بن سلمة (١) : كان عثمان في المصحف كأبي بكر في الردة. وقال عبد الرحمن بن مهدي: كان لعثمان شيئان ليس لأبي بكر ولا عمر مثلهما: صبره نفسه حتى قتل مظلوما، وجمعه الناس على المصحف. فقد اتضح بما ذكرناه معنى ما فعله كل واحد من الإمامين أبي بكر وعثمان ﵄، وتبين أن قصد كل واحد منهما غير قصد الآخر، فأبو بكر قصد جمعه في مكان واحد، ذخرًا للإسلام يرجع إليه إن اصطلم، والعياذ بالله، قراؤه، وعثمان قصد أن يقتصر الناس على تلاوته على اللفظ الذي كتب بأمر النبي ﷺ ، ولا يتعدوه إلى غيره من القراءات التي كانت مباحة لهم، المنافية لخط المصحف من الزيادة والنقصان وإبدال الألفاظ على ما سيأتي شرحه. وذكر أبو عمرو الداني في كتابه "المقنع" عن هشام بن عروة عن أبيه أن أبا بكر أول من جمع القرآن في المصاحف، وعثمان الذي جمع المصاحف على مصحف واحد (٢) . وقد عبر الشيخ أبو القاسم [٢٦ و] الشاطبي ﵀ عما فعله الإمامان بأبيات من جملة قصيدته المسماة بـ"العقلية" في بيان رسم المصحف، أخبرنا بها عنه شيخنا أبو الحسن وغيره فقال ﵀: واعلم بأن كتاب الله خص بما ... تاه البرية عن إتيانه ظهرا أي متظاهرين، ثم قال بعد أبيات:

стр. 74

ولم يزل حفظه بين الصحابة في ... علا حياة رسول الله مبتدرا أشار إلى كثرة حفاظه في حياة النبي ﷺ ، ثم قال: وكل عام على جبريل يعرضه ... وقيل آخر عام عرضتين قرا لو قال: "لكن آخر عام" كان أولى؛ لأن الجمع في خبر واحد صحيح. وقوله: "وقيل" يوهم غير ذلك، فإن كان قال: و"قبل" بالموحدة فهو أجود، والله أعلم. ثم قال ﵀: إن اليمامة أهواها مسيلمة (١) الـ ... ـكذاب في زمن الصديق إذ خسرا وبعد باس شديد حان مصرعه ... وكان باسا على القراء مستعرا نادى أبا بكر الفاروق: خفت على الـ ... ـقراء فادرك القرآن مستطرا فأجمعوا جمعه في الصحف واعتمدوا ... زبد بن ثابت العدل الرضا نظرا فقام فيه بعون الله يجمعه ... بالنصح والجد والحزم الذي بهرا من كل أوجهه حتى استتم له ... بالأحرف السبعة العليا كما اشتهرا فأمسك الصحف الصديق ثم إلى الـ ... ـفاروق أسلمها لما قضى العمرا وعند حفصة كانت بعد فاختلف الـ ... ـقراء فاعتزلوا في أحرف زمرا وكان في بعض مغزاهم مشاهدهم ... حذيفة فرأى من خلفهم عبرا فجاء عثمان مذعورا فقال له: ... أخاف أن يخلطوا فأدرك البشرا فاستحضر الصحف الأولى التي جمعت ... وخص [٢٦ ظ] زيدًا ومن قريشه نفرا

стр. 75

على لسان قريش فاكتبوه كما ... على الرسول به إنزاله انتشرا فجردوه كما يهوى كتابته ... ما فيه شكل ولا نقط فيحتجرا وسار في نسخ منها مع المدني ... كوف وشام وبصر تملأ البصرا وقيل: مكة والبحرين مع يمن ... ضاعت بها نسخ في نشرها قطرا (١) القطر: العود، أي فاحت رائحة طيب هذه النسخ بهذه الأقاليم، فهو كقوله في قصيدته الكبرى (٢) : "فقد ضاعت شذا وقرنفلا ... ...................... والهاء في "قريشه" لعثمان، وفي "به" تعود على لسان قريش، وقوله: "فجردوه" أي كتبوه على لسان قريش مجردًا من باقي لغات العرب. وهذه مسألة فيها نظر واختلاف، وسيأتي تحقيقها في الباب الثالث الذي هو عمدة هذا الكتاب، والمقصود بهذا التصنيف وما قبله وما بعده من الأبواب مقدم بين يديه، وتبع له لشدة تعلق الجميع به. قال أبو حاتم السجستاني (٣) : لما كتب عثمان ﵁ المصاحف حين جمع القرآن كتب سبعة مصاحف، فبعث واحدا إلى مكة، وآخر إلى الشام، وآخر إلى اليمن، وآخر إلى البحرين، وآخر إلى البصرة، وآخر إلى الكوفة، وحبس بالمدينة واحدًا.

стр. 76

قال أبو عمرو الداني في كتاب "المقنع": أكثر العلماء على أن عثمان ﵀ لما كتب المصحف جعله على أربع نسخ: فوجه إلى [٢٧ و] الكوفة إحداهن، وإلى البصرة أخرى، وإلى الشام الثالثة، واحتبس عند نفسه واحدة (١) . وقال أبو محمد مكي ﵀ في آخر كتاب "الكشف": "ذكر إسماعيل القاضي (٢) من روايته أن زيد بن ثابت قال: كتبته على عهد أبي بكر في قطع الأدم وكسر الأكتاف، وفي كذا وكذا، قال: فلما هلك أبو برك وكان عمر كتبته في صحيفة واحدة، وكانت عنده، فلما هلك كانت الصحيفة عند حفصة زوج النبي ﷺ "، قال: "وروي أن حفصة لما ماتت قبض الصحيفة عبد الله بن عمر، فعزم عليه مروان فأخذها.." (٣) . قلت: وقد سبق ذلك، فيكون على هذا قد كتبه زيد ثلاث مرات في أيام الأئمة الثلاثة ﵃، وهذه رواية غريبة، إلا أن ظاهر القصة يدل على صحتها؛ لأن اختصاص آل عمر بالصحيفة بعد عمر دل على أنه كان كتبها لنفسه، ولو كانت هي التي كتبت في زمن أبي بكر لما اختص بها آل عمر، والله أعلم. وقد حكى القاضي أبو بكر في "كتاب الانتصار" خلافا في أن أبا بكر جمع القرآن بين لوحين أو في صحف وأوراق متفرقة، وبكل معنى من

стр. 77

ذلك قد وردت الآثار. وقيل: كتبه أولا في صحف ومدارج نسخت ونقلت إلى مصاحف جعلت بين لوحين، وقيل: معنى قول علي: "أبو بكر أول من جمع القرآن [٢٧ ظ] بين اللوحين" (١) : أي جمع القرآن الذي هو الآن بين اللوحين، وكان هذا أقرب إلى الصواب جمعا بين الروايات. وكأن أبا بكر ﵁ كان جمع كل سورة أو سورتين أو أكثر من ذلك في صحيفة على قدر طول السورة وقصرها. فمن ثم قيل: إنه جمع القرآن في مصحف، ونحو ذلك من العبارات المشعرة بالتعدد، ثم إن عثمان ﵁ نسخ من تلك الصحف مصحفا جامعا لها، مرتبة سورة سورة على هذا الترتيب، ويدل على ذلك ظاهر حديث يزيد الفارسي (٢) عن ابن عباس قال: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى "براءة" و"الأنفال" فقرنتم بينهما؟ الحديث (٣) ، فإنه يدل على أن لعثمان في جمعه القرآن بعد أبي بكر تصرفا ما، وهو هذا، فأبو بكر جمع آيات كل سورة كتابة لها من الأوراق المكتوبة بين النبي ﷺ ، وعثمان جمع السور على هذا التريب في مصحف واحدًا ناسخا لها من صحف أبي بكر. وأما ما روي أن عثمان جمع القرآن أيضا من الرقاع (٤) كما فعل أبو بكر فرواية لم تثبت، ولم يكن له إلى ذلك حاجة، وقد كفيه بغيره، فالاعتماد على ما قدمناه أول الباب من حديث صحيح البخاري (٥) ، وإنما ذكرنا ما بعده

стр. 78

زيادة كالشرح له، وجمعا لما روي في ذلك، ويمكن أن يقال: إن عثمان طلب [٢٨ و] إحضار الرقاع ممن هي عنده، وجمع منها، وعارض بما جمعه أبو بكر، وعارض بتلك الرقاع، أو جمع بين النظر في الجميع حالة النسخ، ففعل كل ذلك أو بعضه، استظهارا ودفعا لوهم من يتوهم خلاف الصواب، وسدًّا لباب القالة: إن الصحف غيرت أو زيد فيها ونقص، وما فعله مروان من طلبه الصحف من ابن عمر وتمزيقها -إن صح ذلك- فلم يكن لمخالفة بين الجمعين، إلا فيما يتعلق بترتيب السور، فخشي أن يتعلق متعلق بأنه في جمع الصديق غير مرتب السور، فسد الباب جملة. هذا إن قلنا إن عين ما جمعه عثمان هو عين ما جمعه أبو بكر، ولم يكن لعثمان فيه إلا حمل الناس عليه مع ترتيب السور، وأما ما قلنا بقول من زعم أن عثمان اقتصر مما جمعه أبو بكر على حرف واحد من بين تلك القراءات المختلفة فأمر ما فعله مروان ظاهر، وسيأتي الكلام على كل واحد من القولين وإيضاح الحق في ذلك، إن شاء الله تعالى.

стр. 79

الباب الثالث: في معنى قول النبي ﷺ : "أنزل القرآن على سبعة أحرف " وفيه فصول: الفصل الأول: في سرد الأحاديث في ذلك ففي الصحيحين عن ابن شهاب قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله (١) أن عبد الله بن عباس حدثه أن رسول الله ﷺ قال: "أقرأني جبريل ﵇ على حرف واحد فراجعته [٢٨ ظ] فلم أزل استزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف" (٢) . وفيهما عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير (٣) أن المسور بن مخرمة (٤) وعبد الرحمن بن عبد القاري (٥) حدثاه أنهما سمعا عمر بن الخطاب

стр. 80

يقول: سمعت هشام بن حكيم (١) يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ ، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ ، فكدت أساوره في الصلاة، فتصبرت حتى سلم، فلببته (٢) بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ . فقلت: كذبت، فإن رسول الله ﷺ قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ فقلت: إني سمعت هذا يقرأ "سورة الفرقان" على حروف لم تقرئنيها، فقال رسول الله ﷺ لعمر: "أرسله"، فأرسله عمر فقال لهشام: "اقرأ يا هشام"، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله ﷺ : "كذلك أنزلت"، ثم قال: "اقرأ يا عمر"، فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله ﷺ : "كذلك أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه" (٣) . واللفظ للبخاري. زاد مسلم: قال ابن شهاب: بلغني أن تلك السبعة الأحرف إنما هي في الأمر الذي يكون واحدًا، لا يختلف في حلال [٢٩ و] ولا حرام (٤) . وأخرجه النسائي (٥) في سننه الكبرى وقال: فقرأ فيها حروفا لم يكن نبي

стр. 81

الله أقرأنيها (١) . وفي صحيح مسلم عن أبي بن كعب قال: كنت في المسجد، فدخل رجل فصلى فقرأ قراءة أنكرتها، ثم دخل آخر، فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعا على رسول الله ﷺ ، فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر فقرأ -وفي رواية: ثم قرأ هذا- سوى قراءة صاحبه، فأقرأهما رسول الله ﷺ فقرأ، فحسن النبي ﷺ شأنهما، فسقط في نفسي من التكذيب، ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى النبي ﷺ ما قد غشيني ضرب في صدري، ففضت عرقا، وكأنما أنظر إلى الله فرقا (٢) فقال: "يا أُبي إن ربي أرسل إلي أن أقرأ القرآن على حرف فرددت إليه أن هون على أمتي، فرد إلي الثانية: اقرأه على حرفين، فرددت إليه يهون على أمتي فرد إلي في الثالثة: اقرأه على سبعة أحرف ولكل بكل ردة رددتكها مسألة تسألينها، فقلت: اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلي الخلق كلهم حتى إبراهيم ﷺ " (٣) . وأخرجه أبو جعفر الطبري (٤) في أول تفسيره بسنده عن أبي قال: دخلت

стр. 82

المسجد فصليت فقرأت النحل، ثم جاء رجل آخر فقرأها على غير قراءتي، ثم دخل رجل آخر فقرأ بخلاف قراءتنا، فدخل في [٢٩ ظ] نفسي من الشك والتكذيب أشد مما كان في الجاهلية، فأخذت بأيديهما فأتيت بهما النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله استقرئ هذين، فقرأ أحدهما فقال: "أصبت"، ثم استقرأ الآخر فقال: "أحسنت"، فدخل قلبي أشد مما كان في الجاهلية من الشك والتكذيب، فضرب رسول الله ﷺ صدري وقال: "أعاذك الله من الشك وخسأ عنك الشيطان" ففضت عرقا فقال: "أتاني جبريل فقال: اقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: إن أمتي لا تستطيع ذلك، حتى قال سبع مرات فقال لي: اقرأ على سبعة أحرف" (١) . وفي رواية: فوجدت في نفسي وسوسة الشيطان، حتى احمر وجهي، فعرف ذلك رسول الله ﷺ في وجهي فضرب بيده في صدري ثم قال: "اللهم اخسأ الشيطان عنه، يا أبي، أتاني آتٍ من ربي فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: رب خفف عن أمتي، ثم أتاني الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: رب خفف عن أمتي، ثم أتاني الثالثة فقال مثل ذلك، فقلت مثله، ثم أتاني الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف " (٢) . وفي رواية: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (٣) أن رجلين اختصما في آية

стр. 83

من القرآن، وكل يزعم أن النبي ﷺ أقرأه، فتقارءا إلى أبي [٣٠ و] فخالفهما أبي، فتقارؤوا إلى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله، اختلفنا في آية من القرآن وكلنا يزعم أنك أقرأته، فقال لأحدهما: "اقرأ"، فقرأ فقال: "أصبت"، وقال الآخر: "اقرأ"، فقرأ خلاف ما قرأ صاحبه فقال: "أصبت"، وقال لأبي: "اقرأ"، فقرأ فخالفهما فقال: "أصبت"، وذكر الحديث (١) . وفي رواية: "اقرأه على سبعة أحرف من سبعة أبواب من الجنة" (٢) . وفي أخرى: "من قرأ منها حرفا فهو كما قرأ" (٣) . وفي صحيح مسلم أيضا عن ابن أبي ليلى عن أبي بن كعب أن النبي ﷺ كان عند أضاة بني غفار (٤) ، فأتاه جبريل ﵇ فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف فقال: "أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك"، ثم أتاه الثانية فقال: إن الله تعالى يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين فقال: "أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك"، ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف فقال: "أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك"، ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك

стр. 84

أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا (١) . وفي سنن أبي داود عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أبي، إني أقرئت القرآن، فقال لي: على حرف؟ فقال الملك الذي معي: [٣٠ ظ] قل على حرفين، قلت: على حرفين، فقيل لي: على حرفين؟ فقال الملك الذي معي: قل على ثلاث، فقلت: على ثلاث، حتى بلغت سبعة أحرف"، ثم قال: "ليس منها إلا شافٍ كافٍ، إن قلت سميعا عليما، عزيزا حكيما، ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب" (٢) . وفي سنن النسائي فقال: "إن جبريل وميكائيل أتياني فقعد جبريل عن يميني وميكائيل عن يساري فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل: استزده، حتى بلغ سبعة أحرف، فكل حرف شافٍ كافٍ" (٣) . وفي جامع الترمذي عن أبي بن كعب قال: لقي رسول الله ﷺ جبريل فقال: "يا جبريل إني بعثت إلى أمة أميين منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية، والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط قال: يا محمد، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف". قال: هذا حديث حسن صحيح. وروي من غير وجه عن أبي بن كعب. وفي هذا الباب عن ابن عمر

стр. 85

وحذيفة وأبي هريرة وابن عباس وأبي جهيم بن الحارث بن الصمة (١) وسمرة (٢) وأم أيوب (٣) امرأة أبي أيوب الأنصاري (٤) . قلت: ورواه أبو جعفر الطبري في تفسيره: "منهم الغلام والخادم والشيخ العاسي (٥) والعجوز فقال جبريل: فليقرءوا القرآن على سبعة أحرف" (٦) . وفي كتاب أبي عبيد عن حذيفة بن اليمان عن النبي ﷺ قال: "لقيت جبريل ﵇ عند أحجار المراء (٧) فقلت: يا جبريل إني أرسلت إلي أمة أمية الرجل والمرأة والغلام والجارية والشيخ الفاني الذي لم يقرأ كتابا قط، فقال: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف". وعن أبي جهيم الأنصاري أن رجلين [٣١ و] اختلفا في آية من القرآن، كلاهما يزعم أنه تلقاها من رسول الله ﷺ ، فمشيا جميعا حتى أتيا رسول الله ﷺ ، فذكر أن رسول الله ﷺ

стр. 86

قال: "إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف فلا تماروا (١) فيه فإن مراء فيه كفر" (٢) . وعن أبي قيس (٣) مولى عمرو بن العاص أن رجلا قرأ آية من القرآن فقال له عمرو بن العاص: إنما هي كذا وكذا، بغير ما قرأ الر جل، فقال الرجل: هكذا أقرأنيها رسول الله ﷺ ، فخرجا إلى رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له، فقال رسول الله ﷺ : "إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف فأي ذلك قرأتم أصبتم فلا تماروا في القرآن فإن مراء فيه كفر". وفي كتاب ابن أبي شيبة عن أم أيوب قالت: قال النبي ﷺ : "نزل القرآن على سبعة أحرف أيها قرأت أصبت" (٤) . وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة (٥) عن أبيه أن جبريل قال لرسول الله ﷺ : اقرأ القرآن على حرف، فقال له ميكائيل: استزده، فقال على حرفين، ثم قال: استزده، حتى بلغ سبعة أحرف كلها كافٍ شافٍ كقولك: هلم وتعال، ما لم تختم آية رحمة بآية عذاب أو آية عذاب بآية رحمة (٦) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي صلى الله [٣١ ظ] عليه

стр. 87

وسلم: "نزل القرآن على سبعة أحرف عليما حكيما غفورا رحيما" (١) . وفي رواية: "عليم حكيم غفور رحيم". وفي أول تفسير الطبري عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "أنزل القرآن على سبعة أحرف فالمراء في القرآن كفر -ثلاث مر ات- فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم فردوه إلى عالمه" (٢) . وفي رواية: "فاقرءوا ولا حرج ولكن لا تختموا ذكر رحمة بعذاب ولا ذكر عذاب برحمة" (٣) . وعن زيد بن أرقم (٤) قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أقرأني عبد الله بن مسعود سورة أقرأنيها زيد وأقرأنيها أبي بن كعب فاختلفت قراءتهم، قراءة أيهم آخذ؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ ، قال: وعلي إلى جنبه، فقال علي: ليقرأ كل إنسان كما علم، كل حسن جميل (٥) .

стр. 88

وعن علقمة (١) عن عبد الله قال: لقد رأيتنا نتنازع فيه عند رسول الله ﷺ فيأمرنا فنقرأ عليه، فيخبرنا أن كلنا محسن، ولقد كنت أعلم أنه يعرض عليه القرآن في كل رمضان، حتى كان عام قبض فعرض عليه مرتين، فكان إذا فرغ أقرأ عليه، فيخبرني أني محسن، فمن قرأ على قراءتي فلا يدعنها رغبة عنها، ومن قرأ على شيء من هذه الحروف فلا يدعنه رغبة عنه، فإنه من جحد بآية -وفي رواية: بحرف- منه جحد به كله (٢) . وفي [٣٢و] كتاب "المستدرك" عن عبد الله قال: أقرأني رسول الله ﷺ "سورة حم" (٣) ورحت إلى المسجد عشية، فجلس إلي رهط، فقلت لرجل من الرهط: اقرأ علي، فإذا هو يقرأ حروفا لا أقرؤها، فقلت له: من أقرأكها؟ قال: أقرأني رسول الله ﷺ ، فانطلقنا إلى رسول الله ﷺ ، وإذا عنده رجل فقلت: اختلفنا

стр. 89

في قراءتنا وإن وجه رسول الله ﷺ قد تغير، ووجد في نفسه حين ذكرت له الاختلاف فقال: "إنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف" ثم أسر إلى علي، فقال علي: إن رسول الله ﷺ يأمركم أن يقرأ كل رجل منكم كما علم، قال: فانطلقنا وكل رجل منا يقرأ حروفا، لا يقرؤها صاحبه (١) . قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة. وفي السنن الكبير عن سليمان بن صرد (٢) عن أبي بن كعب قال: قرأت آية وقرأ ابن مسعود خلافها، فأتينا النبي ﷺ فقلت: ألم تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: "بلى"، قال ابن مسعود: ألم تقرئنيها كذا وكذا؟ قال: "بلى"، قال: "كلاكما محسن"، قلت: ما كلانا أحسن ولا أجمل، قال: فضرب صدري وقال: "يا أبي إني أقرئت القرآن، فقيل لي: أعلى حرف أم على حرفين؟ فقال الملك الذي معي: على حرفين، فقلت: على حرفين، فقيل لي: أعلى حرفين أم ثلاثة؟ فقال الملك الذي معي: على ثلاثة، [٣٢ظ] فقلت: ثلاثة، حتى بلغ سبعة أحرف"، قال: "ليس فيها إلا شافٍ كافٍ، قلت: غفور رحيم، عليم حكيم، سميع عليم، عزيز حكيم، نحو هذا ما لم تختم آية عذاب برحمة أو رحمة بعذاب" (٣) . قال أبو عبيد: قد تواترت هذه الأحاديث كلها على الأحرف السبعة،

стр. 90

إلا حديثا واحدا يروى عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ أنه قال: "أنزل القرآن على ثلاثة أحرف". قال أبو عبيد: ولا نرى المحفوظ إلا السبعة؛ لأنها المشهورة. قلت: أخرج حديث الثلاثة الحاكم في مستدركه (١) ، فيجوز أن يكون معناه: أن بعضه أنزل على ثلاثة أحرف كـ ﴿جَذْوَةٍ﴾ (٢) و ﴿الرَّهْبِ﴾ (٣) و ﴿الصَّدَفَيْنِ﴾ (٤) ، يقرأ كل واحد على ثلاثة أوجه في هذه القراءات المشهورة، أو أراد: أنزل ابتداء على ثلاثة، ثم زيد إلى سبعة، والله أعلم. ومعنى جميع ذلك أنه نزل منه ما يقرأ على حرفين وعلى ثلاثة وعلى أكثر من ذلك إلى سبعة أحرف توسعة على العباد باعتبار اختلاف اللغات والألفاظ المترادفة وما يقارب معانيها، وقد جاء عن ابن مسعود: ليس الخطأ أن يدخل بعض السورة في الأخرى ولا أن تختم الآية بحكيم عليم، أو عليم حكيم، ولكن الخطأ أن تجعل فيه ما ليس فيه، وإن تختم آية رحمة بآية عذاب أو آية عذاب بآية رحمة (٥) .

стр. 91

وقال الأعمش: سمعت أبا وائل (١) يحدث عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت القرأة فوجدتهم متقاربين، اقرءوا كما علمتم [٣٣و] وإياكم والتنطع والاختلاف، فإنما هو كقول أحدهم: هلم وتعال وأقبل (٢) . قال البيهقي: أما الأخبار التي وردت في إجازة قراءة "غفور رحيم" بدل "عليم حكيم"، فلأن جميع ذلك مما نزل به الوحي، فإذا قرأ ذلك في غير موضعه فكأنه قرأ آية من سورة، وآية من سورة أخرى، فلا يأثم بقراءتها كذلك ما لم يختم آية عذاب بآية رحمة، ولا آية رحمة بآية عذاب (٣) . قلت: وكان هذا سائغا قبل جمع الصحابة المصحف تسهيلا على الأمة حفظه؛ لأنه نزل على قوم لم يعتادوا الدرس والتكرار وحفظ الشيء بلفظه، بل هم قوم عرب فصحاء يعبرون عما يسمعون باللفظ الفصيح. ثم إن الصحابة ﵃ خافوا من كثرة الاختلاف، وألهموا، وفهموا أن تلك الرخصة قد استغني عنها بكثرة الحفظة للقرآن، ومن نشأ على حفظه صغيرا فحسموا مادة ذلك بنسخ القرآن على اللفظ المنزل غير اللفظ المرادف له، وصار الأصل ما استقرت عليه القراءة في السنة التي توفي فيها رسول الله ﷺ بعد ما عارضه به جبريل ﵇ في تلك السنة مرتين، ثم اجتمعت الصحابة على إثباته بين الدفتين، وبقي من الأحرف السبعة التي كان أبيح قراءة القرآن عليها ما لا يخالف المرسوم، وهو ما يتعلق بتلك الألفاظ من الحركات والسكنات والتشديد والتخفيف

стр. 92

وإبدال حرف بحرف يوافقه في الرسم، ونحو ذلك؛ وما لا يحتمله [٣٣ظ] المرسوم الواحد فرق في المصاحب فكتب بعضها على رسم قراءة، وبعضها على رسم قراءة أخرى، وأمثلة ذلك كله معروفة عند العلماء بالقراءات، وصح عن زيد بن ثابت ﵁ وعن غيره أنه قال: إن القراءة سنة (١) . قال البيهقي: أراد أن اتباع من قبلنا في الحروف سنة متبعة، لا يجوز مخالفة المصحف الذي هو إمام، ولا مخالفة القراءات التي هي مشهورة، وإن كان غير ذلك سائغا في اللغة، أو أظهر منها. قال أبو بكر بن العربي (٢) : سقط جميع اللغات والقراءات إلا ما ثبت في المصحف بإجماع من الصحابة وما أذن فيه قبل ذلك ارتفع وذهب والله أعلم (٣) .

стр. 93

الفصل الثاني: في المراد بالأحرف السبعة التي نزل القرآن عليها وفي ذلك اختلاف كثير، وكلام للمصنفين طويل، فنذكر ما أمكن من ذلك مع بيان ما نختاره في تفسير ذلك بعون الله تعالى. قال أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى في كتاب "غريب الحديث": قوله سبعة أحرف يعني سبع لغات من لغات العرب، وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه، هذا لم نسمع به قط، ولكن نقول: هذه اللغات السبع متفرقة في القرآن، فبعضه نزل بلغة قريش، وبعضه نزل بلغة هوازن، وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة أهل اليمن، وكذلك سائر اللغات، ومعانيها في هذا كله واحدة، قال: ومما يبين ذلك قول [٣٤و] ابن مسعود ﵁: "إني سمعت القرأة فوجدتهم متقاربين، فاقرءوا كما علمتم، إنما هو كقول أحدكم هلم وتعالى" (١) ، وكذلك قال ابن سيرين: "إنما هو كقولك هلم وتعالى وأقبل"، ثم فسره ابن سيرين فقال: في قراءة ابن مسعود "إن كانت إلا زقية واحدة"، وفي قراءتنا: ﴿صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ (٢) ، فالمعنى فيهما واحد، وعلى هذا سائر اللغات (٣) . وقال في كتاب "فضائل القرآن": وليس معنى تلك السبعة أن يكون الحرف الواحد يقرأ على سبعة أوجه، هذا شيء غير موجود، ولكنه عندنا أنه نزل على سبع لغات متفرقة في جميع القرآن من لغات العرب، فيكون الحرف منها بلغة قبيلة، والثاني بلغة أخرى سوى الأولى، والثالث بلغة

стр. 94

أخرى سواهما، كذلك إلى سبعة، وبعض الأحياء أسعد بها، وأكثر حظا فيها من بعض، وذلك بين في أحاديث تترى: حدثني عبد الرحمن بن مهدي عن إبراهيم بن سعد عن الزهري عن أنس بن مالك أن عثمان رحمة الله عليه قال للرهط القرشيين الثلاثة حين أمرهم أن يكتبوا المصاحف: ما اختلفتهم فيه أنتم وزيد بن ثابت فاكتبوه بلسان قريش، فإنه نزل بلسانهم (١) . قلت: يعني أول نزوله قبل الرخصة في قراءته على سبعة أحرف. قال أبو عبيد: وكذلك يحدثون عن سعيد بن أبي عروبة (٢) عن قتادة عمن سمع ابن عباس يقول: نزل القرآن بلغة الكعبين، كعب بن قريش وكعب بن خزاعة [٣٤ ظ] قيل: وكيف ذاك؟ قال: لأن الدار واحدة (٣) . قال أبو عبيد: يعني أن خزاعة جيران قريش فأخذوا بلغتهم (٤) . وأما الكلبي (٥) فإنه يروي عنه عن أبي صالح (٦) عن ابن عباس قال: نزل

стр. 95

القرآن على سبع لغات، منها خمس بلغة العجز من هوازن (١) . قال أبو عبيد: والعجز هم سعد بن بكر، وجشم بن بكر، ونصر بن معاوية، وثقيف، وهذه القبائل هي التي يقال لها: عليا هوازن، وهم الذين قال فيهم أبو عمرو بن العلاء (٢) : أفصح العرب عليا هوازن وسفلى تميم. فهذه عليا هوازن، وأما سفلى تميم فبنو دارم، فهذه سبع قبائل. قلت: والكعبان كعب بن لؤي من قريش، وكعب بن عمرو من خزاعة. وقال أبو جعفر محمد بن سعدان النحوي (٣) : معنى قوله ﷺ : "أنزل القرآن على سبعة أحرف" مشكل لا يدرى معناه؛ لأن العرب تسمي الكلمة المنظومة حرفا، وتسمي القصيدة بأسرها كلمة، والحرف يقع على الحرف المقطوع من الحروف المعجمة، والحرف أيضا المعنى والجهة كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْف﴾ (٤) أي على جهة من الجهات ومعنى من المعاني. قال أبو علي الأهوازي (٥) : سمعت أبا عبد الله محمد بن المعلى

стр. 96

الأزدي (١) بالبصرة يقول: سمعت أبا بكر محمد بن دريد الأزدي (٢) يقول: سمعت أبا حاتم سهل بن محمد السجستاني يقول: معنى سبعة أحرف سبع لغات [٣٥ و] من لغات العرب، وذلك أن القرآن نزل بلغة قريش وهذيل وتميم وأزد وربيعة وهوازن وسعد بن بكر، قال: وسمعت أبا الحسن علي بن إسماعيل بن الحسن القطان (٣) يقول: سمعت أبا جعفر أحمد بن عبد الله بن مسلم (٤) يقول: سمعت أبي يقول: وهذا القول عظيم من قائله؛ لأنه غير جائز أن يكون في القرآن لغة تخالف لغة قريش لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ (٥) ، إلا أن يكون القائل لهذا أراد ما وافق من هذه اللغات لغة قريش. وعن أيوب السختياني أنه قال: معنى قوله تعالى: ﴿إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ أراد العرب كلهم.

стр. 97

قلت: فعلى هذا القول لا يستقيم اعتراض ابن قتيبة (١) على ذلك التأويل. وقد قال بعض الشيوخ: الواضح من ذلك أن يكون الله تعالى أنزل القرآن بلغة قريش ومن جاورهم من فصحاء العرب، ثم أباح للعرب المخاطبين به المنزل عليهم أن يقرءوه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها على اختلافهم في الألفاظ والإعراب، ولم يكلف بعضهم الانتقال من لغة إلى غيرها لمشقة ذلك عليهم، ولأن العربي إذا فارق لغته التي طبع عليها يدخل عليه الحمية من ذلك، فتأخذه العزة، فجعلهم يقرءونه على عاداتهم وطباعهم ولغاتهم منا منه لئلا يكلفهم ما يشق عليهم، فيتباعدوا عن الإذعان، وكان الأصل على ما عهد رسول الله [٣٥ ظ] ﷺ من الألفاظ والإعراب جميعا مع اتفاق المعنى، فمن أجل ذلك جاء في القرآن ألفاظ مخالفة ألفاظ المصحف المجمع عليه، كالصوف وهو "العهن" (٢) ، وزقية وهي "صيحة" (٣) ، وحططنا وهي "وضعنا" (٤) ، وحطب جعنم وهي "حصب" (٥) ونحو ذلك، فقبض رسول الله ﷺ وكل رجل منهم متمسك بما أجازه له ﷺ وإن كان مخالفا لقراءة

стр. 98

صاحبه في اللفظ، وعول المهاجرون والأنصار ومن تبعهم على العرضة الأخيرة التي عرضها رسول الله ﷺ على جبريل ﵇ في العام الذي قبض فيه، وذلك أن النبي ﷺ كان يعرض عليه في كل سنة مرة جميع ما أنزل عليه فيها إلا في السنة التي قبض فيها، فإنه عرض عليه مرتين. قلت: وهذا كلام مستقيم حسن، وتتمته أن يقال: أباح الله تعالى أن يقرأ على سبعة أحرف ما يحتمل ذلك من ألفاظ القرآن وعلى دونها ما يحتمل ذلك من جهة اختلاف اللغات وترادف الألفاظ توسيعا على العباد، ولهذا كان النبي ﷺ يقول لما أوحي إليه أن يقرأه على حرفين وثلاثة: "هون على أمتي ... " (١) على ما سبق ذكره في أول الباب، فلما انتهى إلى سبعة وقف، وكأنه ﷺ علم أنه لا يحتاج من ألفاظه لفظة إلى أكثر من ذلك غالبا، والله أعلم. وإنما غرضنا الآن تحقيق معنى [٣٦ و] هذا العدد الذي هو سبعة أحرف. قال الأهوازي: وقالت طائفة: سبع لغات من قريش حسب. وقال بعضهم: خمس منها بلغة هوازن، وحرفان لسائر لغات العرب، وقد كان رسول الله ﷺ ربي في هوازن ونشأ في هذيل. وجاء عن علي بن أبي طالب وابن عباس ﵄ أنهما قالا: نزل القرآن بلغة كل حي من أحياء العرب. وفي رواية عن ابن عباس: أن النبي ﷺ كان يقرئ الناس بلغة واحدة، فاشتد ذلك عليهم، فنزل

стр. 99

جبريل فقال: يا محمد، أقرئ كل قوم بلغتهم. قلت: هذا هو الحق؛ لأنه إنما أبيح أن يقرأ بغير لسان قريش توسعة على العرب، فلا ينبغي أن يوسع على قوم دون قوم، فلا يكلف أحد إلا قدر استطاعته، فمن كانت لغته الإمالة، أو تخفيف الهمز، أو الإدغام، أو ضم ميم الجمع، أو صلة هاء الكناية، أو نحو ذلك فكيف يكلف غيره؟ وكذا كل من كان من لغته أن ينطق بالشين التي كالجيم، والجيم التي كالكاف، ونحو ذلك، فهم في ذلك بمنزلة الألثغ (١) والأرت (٢) ، لا يكلف ما ليس في وسعه، وعليه أن يتعلم ويجتهد، والله أعلم. وقد قال أبو بكر بن العربي شيخ السهيلي (٣) في كتاب شرح الموطأ. "لم تتعين هذه السبعة بنص من النبي ﷺ ، ولا بإجماع من الصحابة، وقد اختلفت فيها الأقوال، فقال ابن عباس: اللغات [٣٦ ظ] سبع والسماوات سبع والأرضون سبع، وعدد السبعات، وكأن معناه أنه نزل بلغة العرب كلها، وقيل: هذه الأحرف في لغة واحدة، وقيل: هي تبديل الكلمات إذا استوى المعنى (٤) . وقال أبو سليمان الخطابي:

стр. 100

"اختلف الناس في تفسير قوله "سبعة أحرف" فقال بعضهم: معنى الحروف اللغات، يريد أنه نزل على سبع لغات من لغات العرب، هي أفصح اللغات، وأعلاها في كلامهم، قالوا: وهذه اللغات متفرقة في القرآن، غير مجتمعة في الكلمة الواحدة، وإلى نحو من هذا أشار أبو عبيد. وقال القتبي: لا نعرف في القرآن حرفا يقرأ على سبعة أحرف (١) . وقال ابن الأنباري (٢) هذا غلط، فقد وجد في القرآن حروف تقرأ على سبعة أحرف، منها قوله تعالى: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوت﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ (٤) ، وذكر وجوها، كأنه يذهب في تأويل الحديث إلى أن بعض القرآن أنزل على سبعة أحرف، لا كله".

стр. 101

"وذكر بعضهم وجها آخر، وهو أن القرآن أنزل مرخصا للقارئ، وموسعا عليه أن يقرأه على سبعة أحرف، أي يقرأ بأي حرف شاء منها على البدل من صاحبه، ولو أراد أن يقرأ على معنى ما قاله ابن الأنباري لقيل: أنزل القرآن سبعة أحرف، وإنما قيل: "على سبعة أحرف" ليعلم أنه أريد به هذا المعنى، أي كأنه أنزل على هذا من الشرط، أو على هذا من الرخصة والتوسعة، وذلك لتسهل قراءته على الناس، ولو أخذوا [٣٧ و] بأن يقرءوه على حرف واحد لشق عليهم، ولكان ذلك داعية إلى الزهاد فيه وسببا للنفور عنه". قال: "وقيل: فيه وجه آخر، وهو أن المراد به التوسعة، ليس حصرًا للعدد" (١) . قلت: هذا موافق لما سبق تقريره على ما روي عن علي وابن عباس ﵃، وهو كما قيل في معنى قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (٢) إنه جرى كالمثل في التعبير عن التكثير، لا حصرا في هذا العدد، والله أعلم. وقال أبو القاسم الهذلي (٣) في كتابه "الكامل": قال أبو عبيد: المقصود

стр. 102

سبع لغات، لغة قريش وهذيل وثقيف وهوازن وكنانة وتميم واليمن، وقيل: خمس لغات في أكناف هوازن: لسعيد وثقيف وكنانة وهذيل وقريش ولغتان على جميع ألسنة العرب. قال: وليس الشرط أن تأتي سبع لغات في كل حرف، بل يجوز أن يأتي في حرف وجهان أو ثلاثة أو أكثر، ولم تأت سبعة أحرف إلا في كلمات يسيرة، مثل: "أف" بالضم والفتح والكسر (١) مع التنوين وبغير تنوين مع الحركات الثلاث وبالسكون. فصل: قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر (٢) في "كتاب التمهيد": "وهذا مجتمع عليه أن القرآن لا يجوز في حروفه وكلماته وآياته كلها أن تقرأ على سبعة أحرف، ولا شيء منها، ولا يمكن ذلك فيها، بل لا يوجد في القرآن كلمة تحتمل أن تقرأ على سبعة أوجه إلا قليل، مثل: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوت﴾ (٣) [٣٧ ظ] و ﴿تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ (٤) ، وساق الكلام إلى أن قال: "وقال قوم: هي سبع لغات في القرآن متفرقات على لغات العرب كلها يمنها

стр. 103

ونزارها؛ لأن رسول الله ﷺ لم يجهل شيئا منها، وكان قد أوتي جوامع الكلم". "وقال آخرون: هذه اللغات كلها السبع، إنما تكون في مضر، واحتجوا بقول عثمان ﵁: نزل القرآن بلسان مضر، وقالوا: جائز أن يكون منها لقريش، ومنها لكنانة، ومنها لأسد، ومنها لهذيل، ومنها لتميم، ومنها لضبة، ومنها لقيس، فهذه قبائل مضر تستوعب سبع لغات على هذا المراتب". "وأنكر آخرون أن تكون كلها في مضر وقالوا: في مضر شواذ، لا يجوز أن يقرأ القرآن عليها، مثل كشكسة قيس وعنعنة تميم (١) . وفي سنن أبي داود أن عمر كتب إلى ابن مسعود: أما بعد، فإن الله تعالى أنزل القرآن بلغة قريش، فإذا أتاك كتابي هذا فاقرئ الناس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل" (٢) . "قال أبو عمر: ويحتمل أن يكون هذا من عمر على سبيل الاختيار؛ لأن ما قرأ به ابن مسعود لا يجوز"، قال: "وإذا أبيح لنا قراءته على كل ما أنزل فجائز الاختيار فيما أنزل عندي، والله أعلم". قال: "وقد روي عن عثمان مثل قول عمر هذا: "إن القرآن نزل بلغة قريش، بخلاف الرواية الأولى، وهذا أثبت عنه ومعناه عندي في الأغلب؛ لأن غير لغة قريش موجود في صحيح القراءات من تحقيق الهمزات ونحوها [٣٨ و] وقريش لا تهمز" (٣) .

стр. 104

قلت: أشار عثمان ﵁ إلى أول نزوله، ثم إن الله تعالى سهله على الناس، فجوز لهم أن يقرءوه على لغاتهم على ما سبق تقريره؛ لأن الكل لغات العرب، فلم يخرج عن كونه بلسان عربي مبين. وأما من أراد من غير العرب حفظه فالمختار له أن يقرأه على لسان قريش، وهذا إن شاء الله تعالى هو الذي كتب فيه عمر إلى ابن مسعود ﵄: "أقرئ الناس بلغة قريش"؛ لأن جميع لغات العرب بالنسبة إلى غير العربي مستوية في التعسر عليه، فإذًا لا بد من واحدة منها، فلغة النبي ﷺ أولى له، وإن أقرى بغيرها من لغات العرب، فجائز فيما لم يخالف خط المصحف، وأما العربي المجبول على لغة فلا يكلف لغة قريش لتعسرها عليه، وقد أباح الله تعالى القراءة على لغته، والله أعلم. ثم قال ابن عبد البر: "وقد روى الأعمش عن أبي صالح عن ابن عباس قال: أنزل القرآن على سبعة أحرف، صار في عجز هوازن منها خمسة" (١) . "قال أبو حاتم: عجز هوازن ثقيف وبنو سعد بن بكر وبنو جشم وبنو نصر بن معاوية: قال أبو حاتم: خص هؤلاء دون ربيعة وسائر العرب، [٣٨ ظ] لقرب جوارهم من مولد النبي ﷺ ، ومنزل الوحي، وإنما مضر وربيعة أخوان، قال: وأحب الألفاظ واللغات إلينا أن نقرأ بها لغات قريش، ثم أدناهم من بطون مضر". "قال أبو عمر: وأنكر أكثر أهل العلم أن يكون معنى حديث النبي ﷺ "أنزل القرآن على سبعة أحرف" سبع لغات، وقالوا:

стр. 105

هذا لا معنى له؛ لأنه لو كان كذلك لم ينكر القوم بعضهم على بعض في أول الأمر؛ لأنه من كانت لغته شيئا قد جبل وطبع عليه وفطر به لم ينكر عليه، وأيضا فإن عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم كلاهما قرشي مكي، وقد اختلفت قراءتهما، ومحال أن ينكر عليه عمر لغته، كما محال أن يقرئ رسول الله ﷺ واحدًا منهما بغير ما يعرفه من لغته، والأحاديث الصحاح المرفوعة كلها تدل على نحو ما يدل عليه حديث عمر هذا. وقالوا: إنما معنى السبعة الأحرف سبعة أوجه من المعاني المتفقة المتقاربة بألفاظ مختلفة، نحو: أقبل وتعالى وهلم، وعلى هذا أكثر أهل العلم (١) . ثم ذكر الأحاديث في ذلك، منها: حديث أبي أن النبي ﷺ قال: "أقرئت القرآن فقلت: على حرف أو حرفين، فقال لي الملك [٣٩ و] الذي عندي: على حرفين، فقلت: على حرفين أو ثلاثة، فقال الملك: على ثلاثة، فقلت: على ثلاثة، هكذا حتى بلغ سبعة أحرف وليس منها إلا شافٍ كافٍِ، غفورا رحيما، عليما حكيما، عزيزًا حكيما، أي ذلك قلت فإنه كذلك -زاد بعضهم- ما لم تختم عذابا برحمة أو رحمة بعذاب" (٢) . ومنها: حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا، ولا حرج، ولكن لا تختموا ذكر رحمة بعذاب ولا ذكر برحمة" (٣) .

стр. 106

ومنها حديث أبي جهيم الأنصاري: "أن رجلين اختلفا في آية من القرآن، فسئل رسول الله ﷺ فقال: "إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فلا تماروا في القرآن، فإن المراء كفر" (١) . قال: "وهذه الآثار كلها تدل على أنه لم يعن به سبع لغات، والله أعلم" (٢) . "وقد جاء عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا﴾ (٣) ، مهلونا، أخرونا، أرجئونا (٤) ، وكان يقرأ: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ (٥) ، مروا فيه، سعوا فيه (٦) ، كل هذه الحروف كان يقرأ بها أبي بن كعب، إلا أن مصحف عثمان الذي بأيدي الناس اليوم هو منها حرف واحد". وقال: "وعلى هذا أهل العلم، فاعلم". "وذكر ابن وهب في كتاب الترغيب من جامعه قال: قيل لمالك: أترى أن يقرأ بمثل [٣٩ ظ] ما قرأ به عمر بن الخطاب: "فامضوا إلى ذكر الله" (٧) ؟ قال: ذلك جائز، قال رسول الله ﷺ : "أنزل

стр. 107

القرآن على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه" (١) ، مثل تعملون ويعملون، وقال مالك: لا أرى باختلافهم في مثل هذا بأسا" (٢) . "قال أبو عمر: معناه عندي أن يقرأ به في غير الصلاة على وجه التعليم والوقوف على ما روي في ذلك من علم الخاصة، وإنما ذكرنا ذلك عن مالك تفسيرا لمعنى الحديث، وإنما لم تجز القراءة به في الصلاة؛ لأن ما عدا مصحف عثمان لا يقطع عليه، وإنما يجري مجرى السنن التي نقلها الآحاد، لكنه لا يقدم أحد على القطع في رده، وقد قال مالك: إن من قرأ في صلاته بقراءة ابن مسعود، أو غيره من الصحابة مما يخالف المصحف لم يصل وراءه". "وعلماء المسلمين مجمعون على ذلك، إلا قوما شذوا، لا يعرج عليهم، منهم الأعمش". قال: "وهذا كله يدلك على أن السبعة الأحرف التي أشير إليها في الحديث ليس بأيدي الناس منها، إلا حرف زيد بن ثابت الذي جمع عليه عثمان ﵁ المصاحف". "قال أبو بكر محمد بن عبد الله الأصبهاني (٣) المقرئ: أخبرنا أبو علي الحسن بن صافي الصفار أن عبد الله بن سليمان حدثهم قال: حدثنا أبو [٤٠ و] الطاهر قال: سألت سفيان بن عيينة (٤) عن اختلاف قراءة المدنيين والعراقيين،

стр. 108

هل تدخل في السبعة الأحرف؟ فقال: لا، وإنما السبعة الأحرف كقولهم هلم، أقبل، تعال، أي ذلك قلت أجزاك. قال أبو الطاهر: وقاله ابن وهب. قال أبو بكر الأصبهاني: ومعنى قول سفيان هذا أن اختلاف العراقيين والمدنيين راجع إلى حرف واحد من الأحرف السبعة، وبه قال محمد بن جرير الطبري" (١) . "وقال أبو جعفر الطحاوي (٢) : كانت هذه السبعة للناس في الحروف لعجزهم عن أخذ القرآن على غيرها؛ لأنهم كانوا أميين، لا يكتبون إلا القليل منهم، فكان يشق على كل ذي لغة منهم أن يتحول إلى غيرها من اللغات، ولو رام ذلك لم يتهيأ له إلا بمشقة عظيمة، فوسع لهم في اختلاف الألفاظ إذا كان المعنى متفقا، فكانوا كذلك، حتى كثر من يكتب منهم، وحتى عادت لغاتهم إلى لسان رسول الله ﷺ فقرءوا بذلك على تحفظ ألفاظه، ولم يسعهم حينئذ أن يقرءوا بخلافها، وبان بما ذكرنا أن تلك السبعة الأحرف إنما كانت في وقت خاص، لضرورة دعت إلى ذلك، ثم ارتفعت تلك الضرورة فارتفع حكم [٤٠ ظ] هذه السبعة الأحرف، وعاد ما يقرأ به القرآن إلى حرف واحد" (٣) . "قال أبو عمر: وهو الذي عليه الناس في مصاحفهم وقراءاتهم من بين سائر الحروف؛ لأن عثمان ﵁ جمع المصاحف عليه". قال: "وهذا الذي عليه جماعة الفقهاء فيما يقطع عليه، وتجوز الصلاة به، وبالله

стр. 109

العصمة والهدى" (١) . قلت: وسنعود إلى الكلام في هذا في الفصل الثالث إن شاء الله تعالى. فصل: ذهب قوم في قول النبي ﷺ : "أنزل القرآن على سبعة أحرف" إلى أنها سبعة أنحاء وأصناف، فمنها زاجر، ومنها آمر، ومنها حلال، ومنها حرام، ومنها محكم، ومنها متشابه، واحتجوا بحديث يرويه سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن (٢) عن أبيه (٣) عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: "كان الكتاب الأول نزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، فأحلوا حلاله وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه واعتبروا بأمثاله واعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه وقولوا: آمنا به كل من عند [٤١ و] ربنا" (٤) . قال عمر بن عبد البر: "هذا حديث عند أهل العلم لم يثبت، وأبو سلمة (٥) لم يلق ابن مسعود،

стр. 110

وابنه سلمة ليس ممن يحتج به، وهذا الحديث مجتمع على ضعفه من جهة إسناده، وقد رده قوم من أهل النظر، منهم أحمد بن أبي عمران (١) فيما سمعه الطحاوي منه قال: من قال في تأويل السبعة الأحرف هذا القول فتأويله فاسد؛ لأنه محال أن يكون الحرف منها حراما لا ما سواه، أو يكون حلالا لا ما سواه؛ لأنه لا يجوز أن يكون القرآن يقرأ على أنه حلال كله، أو حرام كله، أو أمثال كله. قال أبو عمر: ويرويه الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن سلمة بن أبي سلمة عن أبيه عن النبي ﷺ مرسلا" (٢) . قلت: "وهكذا رواه البيهقي في "كتاب المدخل" وقال: هذا مرسل جيد، أبو سلمة لم يدرك ابن مسعود. ثم رواه موصولا وقال: فإن صح فمعنى قوله: "سبعة أحرف": أي سبعة أوجه، وليس المراد به ما ورد في الحديث الآخر من نزول القرآن على سبعة أحرف، ذاك المراد به اللغات التي أبيحت القراءة عليها، وهذا المراد به الأنواع التي نزل القرآن عليها، والله [٤١ ظ] أعلم. قلت: وعندي لهذا الأثر أيضا تأويلان آخران، أحدهما: ذكره أبو علي الأهوازي في "كتاب الإيضاح"، والحافظ أبو العلاء (٣) في "كتاب المقاطع"، أن قوله "زاجر وآمر" إلى آخره استئناف كلام آخر، أي هو كذلك، ولم يرد به تفسير الأحرف السبعة، وإنما توهم ذلك من توهمه،
следующие страницы →