← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 22707

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى - ط دار القلم

ابن القيم

Полный текст (376 стр.). Показаны 351–376 · переход к 356.

стр. 351

الَّذِي قَطَعَ جَمِيعَ الْبَتَارِكَةِ، فَأَفْسَدَ الْجَمِيعُ مَقَالَتَهُمَا وَلَعَنُوهُمَا، وَأَثْبَتُوا أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ إِلَهٌ وَإِنْسَانٌ، وَفِي الْمَكَانِ مَعَ اللَّهِ بِاللَّاهُوتِ، وَفِي الْمَكَانِ مَعَنَا بِالنَّاسُوتِ، يُعْرَفُ بِطَبِيعَتَيْنِ، تَامٌّ بِاللَّاهُوتِ وَتَامٌّ بِالنَّاسُوتِ، مَسِيحٌ وَاحِدٌ، وَثَبَّتُوا قَوْلَ الثَّلَاثِمِائَةِ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا، وَقَبِلُوا قَوْلَهُمْ: بِأَنَّ الِابْنَ مَعَ اللَّهِ فِي الْمَكَانِ نُورٌ مِنْ نُورٍ، إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، مَعْرُوفٌ بِالطَّبِيعَتَيْنِ، تَامٌّ بِاللَّاهُوتِ وَتَامُّ بِالنَّاسُوتِ، وَلَعَنُوا آرِيُوسَ، وَقَالُوا: إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ إِلَهٌ، وَإِنَّ الْأَبَ وَالِابْنَ وَرُوحَ الْقُدُسِ وَاحِدٌ بِطَبِيعَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَقَانِيمَ ثَلَاثَةٍ، وَثَبَّتُوا قَوْلَ الْمَجْمَعِ الثَّالِثِ فِي مَدِينَةِ أَفْسِسَ أَعْنِي الْمِائَتَيْ أُسْقُفٍّ عَلَى نَسْطُورِسَ وَقَالُوا: إِنَّ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءَ وَلَدَتْ إِلَهًا، رَبُّنَا يَسُوعُ الْمَسِيحُ الَّذِي هُوَ مَعَ اللَّهِ بِالطَّبِيعَةِ وَمَعَ النَّاسُوتِ بِالطَّبِيعَةِ. وَشَهِدُوا أَنَّ لِلْمَسِيحِ طَبِيعَتَيْنِ وَأُقْنُومًا وَاحِدًا، وَلَعَنُوا نَسْطُورِسَ وَبَتْرَكَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَلَعَنُوا الْمَجْمَعَ الثَّانِي الَّذِي كَانَ أَفْسِسَ، ثُمَّ ثَبَّتُوا الْمَجْمَعَ الثَّالِثَ الْمِائَتَيْ أُسْقُفٍّ بِمَدِينَةِ أَفْسِسَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَلَعَنُوا نَسْطُورِسَ، وَبَيْنَ

стр. 352

نَسْطُورِسَ إِلَى مَجْمَعِ خَلْقَدُونَ إِحْدَى وَعِشْرُونَ سَنَةً فَانْفَضَّ هَذَا الْمَجْمَعُ، وَقَدْ لَعَنُوا مِنْ مُقَدِّمَتِهِمْ وَأَسَاقِفَتِهِمْ مَنْ ذَكَرْنَا وَكَفَّرُوهُمْ وَتَبَرَّءُوا مِنْهُمْ وَمِنْ مَقَالَاتِهِمْ. [المجمع السابع في أيام إنسطاس الملك ظهور مقالة الملكية وترك مقالة اليعاقبة:] فَصْلٌ: ثُمَّ كَانَ لَهُمْ بَعْدَ هَذَا الْمَجْمَعِ مَجْمَعٌ سَابِعٌ فِي أَيَّامِ انِسْطَاسَ الْمَلِكِ، وَذَلِكَ أَنْ سُورُسَ الْقُسْطَنْطِينِيَّ كَانَ عَلَى رَأْيِ أُوطِيسُوسَ فَجَاءَ إِلَى الْمَلِكِ فَقَالَ: إِنَّ الْمَجْمَعَ الْخَلْقَدُونِيَّ السِّتَّمِائَةَ وَالثَّلَاثِينَ قَدْ أَخْطَئُوا فِي لَعْنِ أُوطِيسُوسَ وَبَتْرَكِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَالدِّينُ الصَّحِيحُ مَا قَالَاهُ، فَلَا يُقْبَلُ دِينُ مَنْ سِوَاهُمَا، وَلَكِنِ اكْتُبْ إِلَى جَمِيعِ عُمَّالِكَ أَنْ يَلْعَنُوا السِّتَّمِائَةِ وَالثَّلَاثِينَ وَيَأْخُذُوا النَّاسَ بِطَبِيعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَمَشِيئَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأُقْنُومٍ وَاحِدٍ، فَأَجَابَهُ الْمَلِكُ إِلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ إِيلِيَا بَتْرَكَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ جَمَعَ الرُّهْبَانَ وَلَعَنُوا انِسْطَاسَ الْمَلِكَ، وَسُورُسَ وَمَنْ يَقُولُ بِقَوْلِهِمَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ انِسْطَاسَ فَنَفَاهُ إِلَى أَيْلَةَ، وَبَعَثَ يُوحَنَّا بَتْرَكًا عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِأَنَّ يُوحَنَّا كَانَ قَدْ ضَمِنَ لَهُ أَنْ يَلْعَنَ الْمَجْمَعَ الْخَلْقَدُونِيَّ فِي السِّتِّمِائَةِ وَثَلَاثِينَ، فَلَمَّا قَدِمَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ اجْتَمَعَ الرُّهْبَانُ وَقَالُوا: إِيَّاكَ أَنْ تَقْبَلَ مِنْ سُورُسَ، وَلَكِنْ قَاتِلْ عَنِ الْمَجْمَعِ الْخَلْقَدُونِيِّ وَنَحْنُ مَعَكَ، فَضَمِنَ لَهُمْ ذَلِكَ وَخَالَفَ أَمْرَ الْمَلِكِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمَلِكَ، فَأَرْسَلَ قَائِدًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ يُوحَنَّا بِطَرْحٍ لِلْجَمْعِ الْخَلْقَدُونِيِّ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ بِنَفْيِهِ عَنِ الْكُرْسِيِّ، فَقِدَمَ الْقَائِدُ وَطَرَحَ يُوحَنَّا بِالْحَبْسِ فَصَارَ إِلَيْهِ الرُّهْبَانُ فِي الْحَبْسِ، وَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِأَنْ يَضْمَنَ لِلْقَائِدِ أَنْ يَفْعَلَ

стр. 353

ذَلِكَ، فَإِذَا حَضَرَ فَلْيُقِرَّ بِلَعْنَةِ مَنْ لَعَنَهُ الرُّهْبَانُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَاجْتَمَعَ الرُّهْبَانُ وَكَانُوا عَشَرَةَ آلَافِ رَاهِبٍ وَمِنْهُمْ يَدْرُسُ، وَسَابَا وَرُؤَسَاءُ الدِّيَارَاتِ فَلَعَنُوا أُوطِيسُوسَ، وَسُورُسَ وَنَسْطُورِسَ وَمَنْ لَا يَقْبَلُ الْمَجْمَعَ الْخَلْقَدُونِيَّ. وَفَزِعَ رَسُولُ الْمَلِكِ مِنَ الرُّهْبَانِ، وَبَلَغَ ذَلِكَ الْمَلِكَ، فَهَمَّ بِنَفْيِ يُوحَنَّا، فَاجْتَمَعَ الرُّهْبَانُ وَالْأَسَاقِفَةُ فَكَتَبُوا إِلَى انِسْطَاسَ الْمَلِكِ أَنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ مَقَالَةَ سُورُسَ، وَلَا أَحَدًا مِنَ الْمُخَالِفِينَ وَلَوْ أُهْرِيقَتْ دِمَاؤُهُمْ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَكُفَّ أَذَاهُ عَنْهُمْ. وَكَتَبَ بَتَرْكُ رُومِيَّةَ إِلَى الْمَلِكِ بِقُبْحِ فِعْلِهِ وَبِلَعْنِهِ، فَانْفَضَّ هَذَا الْمَجْمَعُ أَيْضًا، وَقَدْ تَلَاعَنَ فِيهِ هَذِهِ الْجُمُوعُ عَلَى مَا وَصَفْنَاهُ. وَكَانَ لِسُورُسَ تِلْمِيذٌ يُقَالُ لَهُ يَعْقُوبُ، وَيَقُولُ مَقَالَةَ سُورُسَ وَكَانَ يُسَمَّى: يَعْقُوبُ الْبَرَادِعيُّ، وَإِلَيْهِ تُنْسَبُ الْيَعَاقِبَةُ، فَأَفْسَدَ أَمَانَةَ النَّصَارَى. ثُمَّ مَاتَ انِسْطَاسَ وَوَلِيَ قُسْطَنْطِينُ، فَرَدَّ كُلَّ مَنْ نَفَاهُ انِسْطَاسُ الْمَلِكُ إِلَى مَوْضِعِهِ وَاجْتَمَعَ الرُّهْبَانُ، وَأَظْهَرُوا كِتَابَ الْمَلِكِ وَعَيَّدُوا عِيدًا حَسَنًا بِزَعْمِهِمْ وَأَثْبَتُوا الْمَجْمَعَ الْخَلْقَدُونِيَّ بِالسِّتِّمِائَةِ وَالثَّلَاثِينَ أُسْقُفًّا. ثُمَّ وَلِيَ آخَرُ، وَكَانَتِ الْيَعْقُوبِيَّةُ قَدْ غَلَبُوا عَلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَقَتَلُوا بَتْرَكًا لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: بُولُسُ كَانَ مَلِكِيًّا، فَأَرْسَلَ قَائِدًا وَمَعَهُ عَسْكَرٌ عَظِيمٌ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَدَخَلَ الْكَنِيسَةَ فِي ثِيَابٍ الْبَتْرَكَةِ، وَتَقَدَّمَ وَقَدَّسَ فَرَمَوْهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى كَادُوا يَقْتُلُونَهُ، فَانْصَرَفَ، ثُمَّ أَظْهَرَ لَهُمْ مِنْ بَعْدُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَنَّهُ قَدْ أَتَاهُ كِتَابُ الْمَلِكِ، وَضَرَبَ الْحَرَسَ لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ يَوْمَ الْأَحَدِ فِي الْكَنِيسَةِ، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ فِي الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ إِلَّا حَضَرَ لِاسْتِمَاعِ كِتَابِ الْمَلِكِ، وَقَدْ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جُنْدِهِ عَلَامَةً إِذَا هُوَ فَعَلَهَا أَوْضَعُوا

стр. 354

السُّيُوفَ فِي النَّاسِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ أَهْلِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ! إِنْ رَجَعْتُمْ إِلَى الْحَقِّ وَتَرَكْتُمْ مَقَالَةَ الْيَعَاقِبَةِ، وَإِلَّا لَنْ تَأْمَنُوا أَنْ يُرْسِلَ الْمَلِكُ إِلَيْكُمْ مَنْ يَسْفِكُ دِمَاءَكُمْ، فَرَمَوْهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يُقْتَلَ، فَأَظْهَرَ الْعَلَامَةَ فَوَضَعُوا السَّيْفَ عَلَى كُلِّ مَنْ فِي الْكَنِيسَةِ، فَقَتَلُوا دَاخِلَهَا وَخَارِجَهَا أُمَمًا لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً حَتَّى خَاضَ الْجُنْدُ فِي الدِّمَاءِ، وَهَرَبَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَظَهَرَتْ مَقَالَةُ الْمَلِكِيَّةِ. [المجمع الثامن مجمع القسطنطينية تثبيت المجامع الأربعة التي حصلت بعد المجمع الخلقدوني:] فَصَلَ: ثُمَّ كَانَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَجْمَعٌ ثَامِنٌ بَعْدِ الْمَجْمَعِ الْخَلْقَدُونِيِّ الَّذِي لُعِنَ فِيهِ الْيَعْقُوبِيَّةُ بِمِائَةِ سَنَةٍ وَثَلَاثِ سِنِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ أُسْقُفَّ مَنْبِجَ - وَهِيَ بَلْدَةٌ شَرْقِيُّ حَلَبَ بِالْقُرْبِ مِنْهَا، وَهِيَ مَخْسُوفَةٌ الْآنَ - كَانَ يَقُولُ بِالتَّنَاسُخِ، وَأَنْ لَيْسَ قِيَامَةٌ، وَكَانَ أُسْقُفُّ الرُّهَا، وَأَسْقُفُّ الْمِصِّيصَةِ، وَأُسْقُفٌّ آخَرُ، يَقُولُونَ: إِنَّ جَسَدَ الْمَسِيحِ خَيَالٌ غَيْرَ حَقِيقَةٍ، فَحَشَرَهُمُ الْمَلِكُ إِلَى قُسْطَنْطِينِيَّةَ فَقَالَ لَهُمْ بَتْرَكُهَا: إِنْ كَانَ جَسَدُهُ خَيَالًا فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ خَيَالًا وَقَوْلُهُ خَيَالًا، وَكُلُّ جَسَدٍ نُعَايِنُهُ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ أَوْ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ فَهُوَ كَذَلِكَ. وَقَالَ لِأُسْقُفِّ مَنْبِجَ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ قَامَ مِنَ الْمَوْتِ، وَأَعْلَمَنَا أَنَّهُ كَذَلِكَ تُقُومُ النَّاسُ مِنَ الْمَوْتِ يَوْمَ الدَّيْنُونَةِ، وَقَالَ فِي إِنْجِيلِهِ: لَنْ تَأْتِيَ السَّاعَةُ حَتَّى أَنَّ كُلَّ مَنْ فِي الْقُبُورِ إِذَا سَمِعُوا قَوْلَ ابْنِ اللَّهِ يُجِيبُوا.

стр. 355

فَكَيْفَ تَقُولُونَ لَيْسَ قِيَامَةٌ؟ فَأَوْجَبَ عَلَيْهِمِ الْخِزْيَ وَاللَّعْنَ، وَأَمَرَ الْمَلِكُ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مَجْمَعٌ يُلْعَنُونَ فِيهِ، وَاسْتَحْضَرَ بَتَارِكَةَ الْبِلَادِ، فَاجْتَمَعَ فِي هَذَا الْعَامِ مِائَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ أُسْقُفًّا، فَلَعَنُوا أُسْقُفَّ مَنْبِجَ، وَأُسْقُفَّ الْمِصِّيصَةِ، وَثَبَّتُوا عَلَى أُسْقُفِّ الرُّهَا أَنَّ جَسَدَ الْمَسِيحِ حَقِيقَةٌ لَا خَيَالًا، وَأَنَّهُ إِلَهٌ تَامٌّ، وَإِنْسَانٌ تَامٌّ، مَعْرُوفٌ بِطَبِيعَتَيْنِ وَمَشِيئَتَيْنِ وَفِعْلَيْنِ، أُقْنُومٌ وَاحِدٌ، وَثَبَّتُوا الْمَجَامِعَ الْأَرْبَعَةَ الَّتِي قَبْلَهُمْ وَبَعْدَ الْمَجْمَعِ الْخَلْقَدُونِيِّ، وَأَنَّ الدُّنْيَا زَائِلَةٌ، وَأَنَّ الْقِيَامَةَ كَائِنَةٌ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ يَأْتِي بِمَجْدٍ عَظِيمٍ، فَيَدِينُ الْأَحْيَاءَ وَالْأَمْوَاتِ كَمَا كَانَ الثَّلَاثُمِائَةِ وَثَمَانِيَةُ عَشَرَ. [المجمع التاسع في أيام معاوية بن أبي سفيان] ثُمَّ كَانَ لَهُمْ مَجْمَعٌ تَاسِعٌ فِي أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ تَلَاعَنُوا فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بِرُومِيَّةَ رَاهِبٌ قِدِّيسٌ يُقَالُ لَهُ مَقْلِمُسُ وَلَهُ تِلْمِيذَانِ، فَجَاءَ إِلَى قِسْطَا الْوَالِي فَوَبَّخَهُ عَلَى قُبْحِ مَذْهَبِهِ وَشَنَاعَةِ كُفْرِهِ، فَأَمَرَ بِهِ قِسْطَا فَقُطِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَنُزِعَ لِسَانُهُ، وَفُعِلَ بِأَحَدِ التِّلْمِيذَيْنِ مِثْلَهُ، وَضَرَبَ الْآخَرَ بِالسِّيَاطِ وَنَفَاهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مَلِكَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنْ يُوَجِّهَ إِلَيْهِ مِنْ أَفَاضِلِ الْأَسَاقِفَةِ، لِيَعْلَمَ وَجْهَ هَذِهِ الْحُجَّةِ، وَمِنَ الَّذِي كَانَ فِي ابْتِدَائِهَا لِكَيْ مَا يَطْرَحَ جَمِيعُ الْآبَاءِ الْقِدِّيسِينَ كُلَّ مَنِ اسْتَحَقَّ اللَّعْنَةَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مِائَةً وَأَرْبَعِينَ أُسْقُفًّا وَثَلَاثَ شَمَامِسَةٍ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى قُسْطَنْطِينِيَّةَ جَمَعَ الْمَلِكُ مِائَةً وَثَمَانِيَةً وَسِتِّينَ أُسْقُفًّا فَصَارُوا ثَلَاثَمِائَةً وَثَمَانِيَةً، وَأَسْقَطُوا الشَّمَامِسَةَ فِي الْبَرْطَحَةِ. وَكَانَ رَئِيسُ هَذَا الْمَجْمَعِ بَتْرَكَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ وَبَتْرَكَ أَنْطَاكِيَةَ، وَلَمْ يَكُنْ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ

стр. 356

وَإِسْكَنْدَرِيَّةَ بَتْرَكٌ فَلَعَنُوا مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْقِدِّيسِينَ الَّذِي خَالَفُوهُمْ وَسَمَّوْهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا، وَهُمْ جَمَاعَةٌ، وَلَعَنُوا أَصْحَابَ الْمَشِيئَةِ الْوَاحِدَةِ. وَلَمَّا لَعَنُوا هَؤُلَاءِ جَلَسُوا فَلَخَّصُوا الْأَمَانَةَ بِزَعْمِهِمْ، فَقَالُوا: نُؤْمِنُ بِالثَّالُوثِ الِابْنِ الْوَحِيدِ الَّذِي هُوَ الْكَلِمَةُ الْأَزَلِيَّةُ الدَّائِمُ الْمُسْتَوِي مَعَ الْأَبِ الْإِلَهِ فِي الْجَوْهَرِ الَّذِي هُوَ رَبُّنَا يَسُوعُ الْمَسِيحُ بِطَبِيعَتَيْنِ تَامَّتَيْنِ، وَفِعْلَيْنِ وَمَشِيئَتَيْنِ فِي أُقْنُومٍ وَاحِدٍ، وَوَجْهٍ وَاحِدٍ، يُعْرَفُ تَامًّا بِلَاهُوتِهِ، تَامًّا بِنَاسُوتِهِ، وَشَهِدَ كَمَا شَهِدَ مَجْمَعُ الْخَلْقَدُونِيَّةِ عَلَى مَا سَبَقَ أَنَّ الْإِلَهَ الِابْنَ فِي آخِرِ الْأَيَّامِ اتَّخَذَ مِنَ الْعَذْرَاءِ السَّيِّدَةِ مَرْيَمَ الْقِدِّيسَةِ جَسَدًا إِنْسَانًا بِنَفْسَيْنِ، وَذَلِكَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى مُحِبِّ الْبَشَرِ، وَلَمْ يَلْحَقْهُ اخْتِلَاطٌ وَلَا فَسَادٌ وَلَا فُرْقَةٌ وَلَا فَصْلٌ، وَلَكِنْ هُوَ وَاحِدٌ يَعْمَلُ بِمَا يُشْبِهُ الْإِنْسَانَ أَنْ يَعْمَلَهُ فِي طَبِيعَتِهِ، وَمَا يُشْبِهُ الْإِلَهَ أَنْ يَعْمَلَ فِي طَبِيعَتِهِ، الَّذِي هُوَ الِابْنُ الْوَحِيدُ، وَالْكَلِمَةُ الْأَزَلِيَّةُ الْمُتَجَسِّدَةُ، إِلَى أَنْ صَارَتْ فِي الْحَقِيقَةِ لَحْمًا، كَمَا يَقُولُ الْإِنْجِيلُ الْمُقَدَّسُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَنْتَقِلَ عَنْ مَحَلِّهَا الْأَزَلِيِّ، وَلَيْسَتْ بِمُتَغَيِّرَةٍ، لَكِنَّهَا بِفِعْلَيْنِ وَمَشِيئَتَيْنِ وَطَبِيعَتَيْنِ: إِلَهِيٍّ، وَإِنْسِيٍّ، الَّذِي بِهِمَا يَكُونُ الْقَوْلُ الْحَقُّ، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الطَّبِيعَتَيْنِ تَعْمَلُ مَعَ شَرِكَةِ صَاحِبَتِهَا مَشِيئَتَيْنِ غَيْرِ مُتَضَادَّتَيْنِ وَلَا مُتَضَارِعَتَيْنِ، وَلَكِنْ مَعَ الْمَشِيئَةِ الْإِنْسِيَّةِ الْإِلَهِيَّةِ الْقَادِرَةِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. هَذِهِ شَهَادَتُهُمْ وَأَمَانَةُ الْمَجْمَعِ السَّادِسِ مِنَ الْمَجْمَعِ الْخَلْقَدُونِيِّ، وَثَبَّتُوا مَا ثَبَّتَهُ

стр. 357

الْخَمْسُ مَجَامِعَ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهُمْ، وَلَعَنُوا مَنْ لَعَنُوهُ، وَبَيْنَ الْمَجْمَعِ الْخَامِسِ إِلَى هَذَا الْمَجْمَعِ مِائَةُ سَنَةٍ. [المجمع العاشر لما مات الملك وولي بعده ابنه واجتمع فريق المجمع السادس] ثُمَّ كَانَ لَهُمْ مَجْمَعٌ عَاشِرٌ لَمَّا مَاتَ الْمَلِكُ وَوَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ وَاجْتَمَعَ فَرِيقُ الْمَجْمَعِ السَّادِسِ، وَزَعَمُوا أَنَّ اجْتِمَاعَهُمْ كَانَ عَلَى الْبَاطِلِ، فَجَمَعَ الْمَلِكُ مِائَةً وَثَلَاثِينَ أُسْقُفًّا فَثَبَّتُوا قَوْلَ الْمَجْمَعِ السَّادِسِ، وَلَعَنُوا مَنْ لَعَنَهُمْ وَخَالَفَهُمْ، وَثَبَّتُوا قَوْلَ الْمَجَامِعِ الْخَمْسَةِ، وَلَعَنُوا مَنْ لَعَنَهُمْ وَانْصَرَفُوا، فَانْقَرَضَتْ هَذِهِ الْمَجَامِعُ وَالْحُشُودُ وَهُمْ عُلَمَاءُ النَّصَارَى وَقُدَمَاؤُهُمْ، وَنَاقِلُوا الدِّينَ إِلَى الْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِلَيْهِمْ يَسْتَنِدُ مَنْ بَعْدِهِمْ. وَقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْمَجَامِعُ الْعَشَرَةُ الْمَشْهُورَةُ عَلَى زُهَاءِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفًا مِنَ الْأَسَاقِفَةِ وَالْبَتَارِكَةِ وَالرُّهْبَانِ، كُلُّهُمْ يُكَفِّرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَلْعَنُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. فَدِينُهُمْ إِنَّمَا قَامَ عَلَى اللَّعْنَةِ بِشَهَادَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ لَاعِنٌ مَلْعُونٌ، فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ حَالَةُ الْمُتَقَدِّمِينَ مَعَ قُرْبِ زَمَنِهِمْ مِنْ أَيَّامِ الْمَسِيحِ وَبَقَاءِ أَحْبَارِهِمْ فِيهِمْ، وَالدَّوْلَةُ دَوْلَتُهُمْ، وَالْكَلِمَةُ كَلِمَتُهُمْ، وَعُلَمَاؤُهُمْ إِذْ ذَاكَ أَوْفَرُ مَا كَانُوا، وَاحْتِفَالُهُمْ بِأَمْرِ دِينِهِمْ وَاهْتِمَامُهُمْ بِهِ كَمَا نَرَى، ثُمَّ هُمْ مَعَ ذَلِكَ تَائِهُونَ حَائِرُونَ بَيْنَ لَاعِنٍ وَمَلْعُونٍ، لَا يَثْبُتُ لَهُمْ قَدَمٌ، وَلَا يَتَحَصَّلُ لَهُمْ قَوْلٌ فِي مَعْرِفَةِ مَعْبُودِهِمْ، بَلْ كُلٌّ مِنْهُمْ قَدِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ، وَبَاحَ بِاللَّعْنِ وَالْبَرَاءَةِ مِمَّنِ اتَّبَعَ سِوَاهُ، فَمَا الظَّنُّ بِحَالَةِ الْمَاضِينَ، وَنُفَايَةِ الْغَابِرِينَ وَزُبَالَةِ

стр. 358

الْحَائِرِينَ وَذُرِّيَّةِ الضَّالِّينَ، وَقَدْ طَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ، وَبَعُدَ الْعَهْدُ، وَصَارَ دِينُهُمْ مَا يُبَلِّغُونَهُ عَنِ الرُّهْبَانِ، قَوْمٌ إِذَا كَشَفْتَ عَنْهُمْ وَجَدْتَهُمْ أَشْبَهَ شَيْءٍ بِالْأَنْعَامِ، وَإِنْ كَانُوا فِي صُوَرِ الْأَنَامِ، بَلْ هُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى - وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا - إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا. وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ عَنَاهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ. وَمِنْ أُمَّةِ الضَّلَالِ بِشَهَادَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَيْهِمْ؟ وَأُمَّةِ اللَّعْنِ بِشَهَادَتِهِمْ عَلَى نُفُوسِهِمْ يَلْعَنُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَقَدْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ فِي قَوْلِهِ ﷺ : لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوهُ هَذَا وَالْكِتَابُ وَاحِدٌ، وَالرَّبُّ وَاحِدٌ، وَالنَّبِيُّ وَاحِدٌ، وَالدَّعْوَةُ وَاحِدَةٌ، كُلُّهُمْ يَتَمَسَّكُ بِالْمَسِيحِ وَإِنْجِيلِهِ وَتَلَامِيذِهِ، ثُمَّ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ هَذَا الِاخْتِلَافَ الْمُتَبَايِنَ: فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ اللَّهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: ابْنُ اللَّهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ عَبْدٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ أُقْنُومٌ وَطَبِيعَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: أُقْنُومَانِ وَطَبِيعَتَانِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَالَاتِ الَّتِي حَكَوْهَا عَنْ أَسْلَافِهِمْ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يُكَفِّرُ صَاحِبُهُ.

стр. 359

فَلَوْ أَنَّ قَوْمًا لَمْ يَعْرِفُوا لَهُمْ إِلَهًا، ثُمَّ عُرِضَ عَلَيْهِمْ دِينُ النَّصْرَانِيَّةِ هَكَذَا، لَتَوَقَّفُوا عَنْهُ وَامْتَنَعُوا مِنْ قَبُولِهِ. فَوَازِنْ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا جَاءَ بِهِ خَاتَمُ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ تَعْلَمْ عِلْمًا يُضَارِعُ الْمَحْسُوسَاتِ أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهَا: أَنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ.

стр. 360

فَصْلٌ: فِي أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْإِيمَانُ بِنَبِيٍّ أَصْلًا مَعَ جُحُودِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَّ مَنْ جَحَدَ نُبُوَّتَهُ فَهُوَ لِنُبُوَّةِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَشَدُّ جَحْدًا، وَهَذَا يَتَبَيَّنُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ الْمُتَقَدِّمِينَ بَشَّرُوا بِنُبُوَّتِهِ، وَأَمَرُوا أُمَمَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَنْ جَحَدَ نُبُوَّتَهُ فَقَدْ كَذَّبَ الْأَنْبِيَاءَ قَبْلَهُ فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ، وَخَالَفَهُمْ فِيمَا أَوْصَوْا بِهِ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ، فَالتَّصْدِيقُ بِهِ لَازِمٌ مِنْ لَوَازِمِ التَّصْدِيقِ بِهِمْ، وَإِذَا انْتَفَى اللَّازِمُ انْتَفَى مَلْزُومُهُ قَطْعًا، وَبَيَانُ الْمُلَازَمَةِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْوُجُوهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي تُفِيدُ بِمَجْمُوعِهَا الْقَطْعَ عَلَى أَنَّهُ ﷺ قَدْ ذُكِرَ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ عَلَى أَلْسُنِ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِذَا ثَبَتَتِ الْمُلَازَمَةُ فَانْتِفَاءِ اللَّازِمُ مُوجِبٌ لِانْتِفَاءِ مَلْزُومِهِ. (الْوَجْهُ الثَّانِي) : أَنَّ دَعْوَةَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ هِيَ دَعْوَةُ جَمِيعِ الْمُرْسَلِينَ قَبْلَهُ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ. فَالْمُكَذِّبُ بِدَعْوَتِهِ مُكَذِّبٌ بِدَعْوَةِ إِخْوَانِهِ كُلِّهِمْ، فَإِنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ جَاءُوا بِمَا جَاءَ بِهِ، فَإِذَا كَذَّبَهُ الْمُكَذِّبُ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ بَاطِلًا، وَفِي ذَلِكَ تَكْذِيبُ كُلِّ رَسُولٍ أَرْسَلَهُ اللَّهُ، وَكُلُّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ صِدْقٌ، وَأَنَّهُ كَاذِبٌ مُفْتَرٍ عَلَى اللَّهِ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْوُضُوحِ، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ شُهُودٍ شَهِدُوا بِالْحَقِّ فَصَدَّقَهُمُ

стр. 361

الْخَصْمُ، وَقَالَ: هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ شُهُودٌ عُدُولٌ صَادِقُونَ، ثُمَّ شَهِدَ آخَرُ عَلَى شَهَادَتِهِمْ سَوَاءٌ، فَقَالَ الْخَصْمُ: هَذِهِ الشَّهَادَةُ بَاطِلَةٌ وَكَذِبٌ لَا أَصْلَ لَهَا، فَذَلِكَ تَكْذِيبٌ بِشَهَادَةِ جَمِيعِ الشُّهُودِ قَطْعًا، وَلَا يُنْجِيهِ مِنْ تَكْذِيبِهِمِ اعْتِرَافُهُ بِصِحَّةِ شَهَادَتِهِمْ، وَأَنَّهَا شَهَادَةُ حَقٍّ، وَأَنَّ الشَّاهِدَ بِهَا كَاذِبٌ فِيمَا شَهِدَ بِهِ. وَكَمَا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَظْهَرْ مُحَمَّدٌ ﷺ لَبَطَلَتْ نُبُوَّاتُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ، فَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ يُصَدَّقْ لَمْ يَكُنْ تَصْدِيقُ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ. (الْوَجْهُ الثَّالِثُ) : أَنَّ الْآيَاتِ وَالْبَرَاهِينَ الَّتِي دَلَّتْ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ وَصِدْقِهِ أَضْعَافُ أَضْعَافِ آيَاتِ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، فَلَيْسَ لِنَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ آيَةٌ تُوجِبُ الْإِيمَانَ بِهِ إِلَّا وَلِمُحَمَّدٍ ﷺ مِثْلُهَا، أَوْ مَا هُوَ فِي الدَّلَالَةِ مِثْلُهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِهَا. فَآيَاتُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَعْظَمُ وَأَكْبَرُ، وَأَبْهَرُ وَأَدَلُّ، وَالْعِلْمُ بِنَقْلِهَا قَطْعِيٌّ لِقُرْبِ الْعَهْدِ وَكَثْرَةِ النَّقَلَةِ، وَاخْتِلَافِ أَمْصَارِهِمْ وَأَعْصَارِهِمْ، وَاسْتِحَالَةِ تَوَاطُئِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ، فَالْعِلْمُ بِآيَاتِ نُبُوَّتِهِ كَالْعِلْمِ بِنَفْسِ وُجُودِهِ، وَظُهُورِهِ وَبَلَدِهِ، بِحَيْثُ لَا تُمْكِنُ الْمُكَابَرَةُ فِي ذَلِكَ، وَالْمُكَابِرُ فِيهِ فِي غَايَةِ الْوَقَاحَةِ وَالْبَهْتِ، كَالْمُكَابَرَةِ فِي وُجُودِ مَا شَاهَدَ النَّاسُ، وَلَمْ يُشَاهِدْهُ هُوَ مِنَ الْبِلَادِ وَالْأَقَالِيمِ وَالْجِبَالِ وَالْأَنْهَارِ. فَإِنْ جَازَ الْقَدْحُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، فَفِي وُجُودِ مُوسَى وَعِيسَى وَآيَاتِ نُبُوَّتِهِمَا أَجْوَزُ وَأَجْوَزُ، وَإِنِ امْتَنَعَ الْقَدْحُ فِيهِمَا وَفِي آيَاتِ نُبُوَّتِهِمَا، فَامْتِنَاعُهُ فِي مُحَمَّدٍ ﷺ وَآيَاتِ نُبُوَّتِهِ أَشَدُّ. وَلِذَلِكَ لَمَّا عَلِمَ بَعْضُ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّ الْإِيمَانَ بِمُوسَى لَا يَتِمُّ مَعَ التَّكْذِيبِ بِمُحَمَّدٍ أَبَدًا، كَفَرَ بِالْجَمِيعِ وَقَالَ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ كَمَا قَالَ

стр. 362

تَعَالَى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَيُقَالُ لَهُ: مَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ يُخَاصِمُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : أَنْشُدُكَ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَمَا تَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْحَبْرَ السَّمِينَ؟ وَكَانَ حَبْرًا سَمِينًا فَغَضِبَ عَدُوُّ اللَّهِ وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بِشْرٍ مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ الَّذِينَ مَعَهُ: وَيْحَكَ وَلَا مُوسَى؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بِشْرٍ مِنْ شَيْءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الْآيَاتِ، وَهَذَا قَوْلُ عِكْرِمَةَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: جَاءَ نَاسٌ مِنْ يَهُودَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مُحْتَبٍ فَقَالُوا:

стр. 363

يَا أَبَا الْقَاسِمِ، أَلَا تَأْتِيَنَا بِكِتَابٍ مِنَ السَّمَاءِ، كَمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى أَلْوَاحًا يَحْمِلُهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً الْآيَةَ. فَجَثَى رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ وَفِي لَفْظٍ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَلَا عَلَى مُوسَى وَلَا عَلَى عِيسَى وَلَا عَلَى أَحَدٍ شَيْئًا، مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ، فَحَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَبْوَتَهُ وَجَعَلَ يَقُولُ: وَلَا عَلَى أَحَدٍ؟. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، فَهُمُ الَّذِينَ جَحَدُوا أَصْلَ الرِّسَالَةِ وَكَذَّبُوا بِالرُّسُلِ وَأَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَمْ يَجْحَدُوا نُبُوَّةَ مُوسَى وَعِيسَى، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، قَالَ: وَهُوَ أَوْلَى الْأَقَاوِيلِ بِالصَّوَابِ، لِأَنَّ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ عَنْهُمْ، فَهُوَ أَشْبَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ الْيَهُودِ، وَلَمْ يَجْرِ لَهُمْ ذِكْرٌ يَكُونُ هَذَا بِهِ مُتَّصِلًا مَعَ مَا فِي الْخَبَرِ عَمَّنْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ إِنْكَارِهِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَنْزَلَ عَلَى بَشَرٍ شَيْئًا مِنَ الْكُتُبِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَا يَدِينُ بِهِ الْيَهُودُ، بَلِ الْمَعْرُوفُ مِنْ دِينِ الْيَهُودِ الْإِقْرَارُ بِصُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَزَبُورِ دَاوُدَ، وَالْخَبَرُ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ خَبَرٌ عَنِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ عَبْدَةِ الْأَوْثَانِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ مَوْصُولٌ بِهِ غَيْرُ مَفْصُولٍ عَنْهُ. قُلْتُ: وَيُقَوِّي قَوْلَهُ إِنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، فَهِيَ خَبَرٌ عَنْ زَنَادِقَةِ الْعَرَبِ الْمُنْكِرِينَ لِأَصْلِ النُّبُوَّةِ، وَلَكِنْ بَقِيَ أَنْ يُقَالَ: فَكَيْفَ يَحْسُنُ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِمَا لَا يُقِرُّونَ بِهِ مِنْ إِنْزَالِ الْكِتَابِ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى؟ وَكَيْفَ يُقَالُ لَهُمْ (يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا) وَلَا سِيَّمَا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ بِتَاءِ الْخِطَابَ؟

стр. 364

وَهَلْ ذَلِكَ صَالِحٌ لِغَيْرِ الْيَهُودِ؟ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ مَا لَا يُوَافِقُ أَهْوَاءَهُمْ وَأَغْرَاضَهُمْ، وَيُبْدُونَ مِنْهُ مَا سِوَاهُ، كَمَا فَعَلَ ابْنُ صُورِيَا عِنْدَ إِحْضَارِ التَّوْرَاةِ فِي مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلِاسْتِشْهَادِ بِنَصِّ التَّوْرَاةِ فِي حُكْمِ الرَّجْمِ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، وَإِظْهَارِ ابْنِ سَلَامٍ زَيْفَهُ. وَلَمَّا كَانُوا كَذَلِكَ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِمَا يُقِرُّونَ بِهِ مِنْ كِتَابِ مُوسَى، ثُمَّ وَبَّخَهُمْ بِأَنَّهُمْ خَانُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَأَخْفَوْا بَعْضَهُ وَأَظْهَرُوا بَعْضَهُ. وَهَذَا اسْتِطْرَادٌ مِنْ ذِكْرِ جَحْدِهِمُ النُّبُوَّةَ بِالْكُلِّيَّةِ وَذَلِكَ إِخْفَاءٌ لَهَا وَكِتْمَانٌ إِلَى جَحْدِ مَا أَقَرُّوا بِهِ كِتَابَهُمْ بِإِخْفَائِهِ وَكِتْمَانِهِ، فَتِلْكَ سَجِيَّةٌ لَهُمْ مَعْرُوفَةٌ لَا تُنْكَرُ، إِذْ مَنْ أَخْفَى بَعْضَ كِتَابِهِ الَّذِي يُقِرُّ بِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، كَيْفَ لَا يَجْحَدُ أَصْلَ النُّبُوَّةِ؟ ثُمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا بِالْوَحْيِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَهُ هُمْ وَلَا آبَاؤُهُمْ، وَلَوْلَا الْوَحْيُ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ لَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولَهُ ﷺ أَنْ يُجِيبَ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى فَقَالَ: قُلِ اللَّهُ أَيِ اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَهُ، أَيْ إِنْ كَفَرُوا بِهِ وَجَحَدُوهُ فَصَدِّقْ بِهِ أَنْتَ وَأَقِرَّ بِهِ وَذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ. وَجَوَابُ هَذَا السُّؤَالِ أَنْ يُقَالَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -: إِنَّ اللَّهَ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِمَا يُقِرُّ بِهِ الْكِتَابِيُّونَ وَهُمْ أُولُو الْعِلْمِ دُونَ الْأُمَمِ الَّتِي لَا كِتَابَ لَهَا، أَيْ إِنْ جَحَدْتُمْ أَصْلَ النُّبُوَّةِ، وَأَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَنْزَلَ عَلَى بَشَرٍ شَيْئًا، فَهَذَا كِتَابُ مُوسَى يُقِرُّ بِهِ أَهْلُ الْكِتَابِ، وَهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ فَاسْأَلُوهُمْ عَنْهُ.

стр. 365

وَنَظَائِرُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ، لِيَسْتَشْهِدَ سُبْحَانَهُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى مُنْكِرِي النُّبُوَّاتِ وَالتَّوْحِيدِ، وَالْمَعْنَى أَنَّكُمْ إِنْ أَنْكَرْتُمْ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَنْزَلَ عَلَى بَشَرٍ شَيْئًا فَمَنْ أَنْزَلَ كِتَابَ مُوسَى؟ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا ذَلِكَ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا) فَمَنْ قَرَأَهَا بِالْيَاءِ فَهُوَ إِخْبَارٌ عَنِ الْيَهُودِ بِلَفْظِ الْغَيْبَةِ، وَمَنْ قَرَأَهَا بِالتَّاءِ لِلْخِطَابِ فَهُوَ خِطَابٌ لِهَذَا الْجِنْسِ الَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ، أَنْ تَجْعَلُونَهُ يَا مَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ، وَهَذَا مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ ﷺ أَنْ يُخْبِرَ أَهْلَ الْكِتَابِ بِمَا اعْتَمَدُوهُ فِي كِتَابِهِمْ، وَأَنَّهُمْ جَعَلُوهُ قَرَاطِيسَ، وَأَبْدَوْا بَعْضَهُ وَأَخْفَوْا كَثِيرًا مِنْهُ، وَهَذَا لَا يُعْلَمُ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِمْ إِلَّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ) خِطَابًا لِمَنْ حَكَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ بَلْ هَذَا اسْتِطْرَادٌ مِنَ الشَّيْءِ إِلَى نَظِيرِهِ وَشِبْهِهِ وَلَازِمِهِ. وَلَهُ نَظَائِرُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. فَاسْتَطْرَدَ مِنَ الشَّخْصِ الْمَخْلُوقِ مِنَ الطِّينِ وَهُوَ آدَمُ ﵇ إِلَى النَّوْعِ الْمَخْلُوقِ مِنَ النُّطْفَةِ وَهُمْ أَوْلَادُهُ، وَأَوْقَعَ الضَّمِيرَ عَلَى الْجَمِيعِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ إِلَى آخِرِ

стр. 366

الْآيَاتِ، وَيُشْبِهُ هَذَا قَوْلُهُ: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ. وَعَلَى التَّقْدِيرِ، فَهَؤُلَاءِ لَمْ يَتِمَّ لَهُمْ إِنْكَارُ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وَمُكَابَرَتُهُمْ إِلَّا بِهَذَا الْجَحْدِ وَالتَّكْذِيبِ الْعَامِّ، وَرَأَوْا أَنَّهُمْ إِنْ أَقَرُّوا بِبَعْضِ النُّبُوَّاتِ وَجَحَدُوا نُبُوَّتَهُ ظَهَرَ تَنَاقُضُهُمْ وَتَفْرِيقُهُمْ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ، وَأَنَّهُمْ لَا يُمْكِنُهُمُ الْإِيمَانُ بِنَبِيٍّ وَجَحْدِ نُبُوَّةِ مَنْ نُبُوَّتُهُ أَظْهَرُ وَآيَاتُهَا أَكْبَرُ، وَأَعْظَمُ مِمَّنْ أَقَرُّوا بِهِ. وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ مَنْ جَحَدَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَرْسَلَ رُسُلَهُ، وَأَنْزَلَ كُتُبَهُ لَمْ يُقَدِّرْهُ حَقَّ قَدْرِهِ، وَأَنَّهُ نَسَبَهُ إِلَى مَا لَا يَلِيقُ بِهِ، بَلْ يَتَعَالَى وَيَتَنَزَّهُ عَنْهُ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْكَارًا لِرُبُوبِيَّتِهِ وَإِلَهِيَّتِهِ وَمُلْكِهِ وَحُكْمِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَالظَّنِّ السَّيِّءِ بِهِ أَنَّهُ خَلَقَ خَلْقَهُ عَبَثًا بَاطِلًا، وَأَنَّهُ خَلَّاهُمْ سُدًى مُهْمَلًا، وَهَذَا يُنَافِي كَمَالَهُ الْمُقَدَّسَ، وَهُوَ مُتَعَالٍ عَنْ كُلِّ مَا يُنَافِي كَمَالَهُ، فَمَنْ أَنْكَرَ كَلَامَهُ وَتَكْلِيمَهُ وَإِرْسَالَهُ الرُّسُلَ إِلَى خَلْقِهِ فَمَا قَدَرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ، وَلَا عَرَفَهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، وَلَا عَظَّمَهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ، كَمَا أَنَّ مَنْ عَبَدَ مَعَهُ إِلَهًا غَيْرَهُ لَمْ يُقَدِّرْهُ حَقَّ قَدْرِهِ، مُعَطِّلٌ جَاحِدٌ لِصِفَاتِ كَمَالِهِ، وَنُعُوتِ جَلَالِهِ، وَإِرْسَالِ رُسُلِهِ، وَإِنْزَالِهِ كُتُبِهِ، وَلَا عَظَّمَهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ. وَلِذَلِكَ كَانَ جَحْدُ نُبُوَّةِ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، وَتَكْذِيبُهُ إِنْكَارًا لِلرَّبِّ تَعَالَى فِي

стр. 367

الْحَقِيقَةِ وَجُحُودًا لَهُ، فَلَا يُمْكِنُ الْإِقْرَارُ بِرُبُوبِيَّتِهِ وَإِلَهِيَّتِهِ وَمُلْكِهِ، بَلْ وَلَا بِوُجُودِهِ، مَعَ تَكْذِيبِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى ذَلِكَ فِي الْمُنَاظَرَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، فَلَا يُجَامِعُ الْكُفْرُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْإِقْرَارَ بِالرَّبِّ تَعَالَى، وَصِفَاتِهِ أَصْلًا، كَمَا لَا يُجَامِعُ الْكُفْرَ بِالْمَعَادِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، الْإِقْرَارَ بِوُجُودِ الصَّانِعِ أَصْلًا، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعَيْنِ فِي كِتَابِهِ فِي سُورَةِ الرَّعْدِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ. وَالثَّانِي فِي سُورَةِ الْكَهْفِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ. فَالرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ إِنَّمَا جَاءَ بِتَعْرِيفِ الرَّبِّ تَعَالَى بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَالتَّعْرِيفِ بِحُقُوقِهِ عَلَى عِبَادِهِ، فَمَنْ أَنْكَرَ رِسَالَتَهُ فَقَدْ أَنْكَرَ الرَّبَّ الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ وَحُقُوقَهُ الَّتِي أَمَرَ بِهَا، بَلْ نَقُولُ: لَا يُمْكِنُ الِاعْتِرَافُ بِالْحَقَائِقِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مَعَ تَكْذِيبِ رَسُولِهِ ﷺ . وَهَذَا ظَاهِرٌ جِدًّا لِمَنْ تَأَمَّلَ مَقَالَاتِ أَهْلِ الْأَرْضِ وَأَدْيَانِهِمْ، فَإِنَّ الْفَلَاسِفَةَ لَمْ يُمْكِنْهُمُ

стр. 368

الِاعْتِرَافُ بِالْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَالْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ وَتَفَاصِيلِهِمَا، وَتَفَاصِيلِ صِفَاتِ الرَّبِّ تَعَالَى وَأَفْعَالِهِ مَعَ إِنْكَارِ النُّبُوَّاتِ، بَلْ وَالْحَقَائِقُ الْمُشَاهَدَةُ الَّتِي لَا يُمْكِنُ إِنْكَارُهَا، لَمْ يُثْبِتُوهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَلَا أَثْبَتُوا حَقِيقَةً وَاحِدَةً عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ أَلْبَتَّةَ وَهَذَا ثَمَرَةُ إِنْكَارِهِمُ النُّبُوَّاتِ. فَسَلَبَهُمُ اللَّهُ إِدْرَاكَ الْحَقَائِقِ الَّتِي زَعَمُوا أَنَّ عُقُولَهُمْ كَافِيَةٌ فِي إِدْرَاكِهَا، فَلَمْ يُدْرِكُوا مِنْهَا شَيْئًا عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، حَتَّى وَلَا الْمَاءَ وَلَا الْهَوَاءَ وَلَا الشَّمْسَ وَلَا غَيْرَهَا، فَمَنْ تَأَمَّلَ مَذَاهِبَهُمْ فِيهَا عَلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يُدْرِكُوهَا، وَإِنْ عَرَفُوا مِنْ ذَلِكَ بَعْضَ مَا خَفِيَ عَلَى غَيْرِهِمْ. وَأَمَّا الْمَجُوسُ فَأَضَلُّ وَأَضَلُّ، وَأَمَّا عُبَّادُ الْأَصْنَامِ فَلَا عَرَفُوا الْخَالِقَ، وَلَا عَرَفُوا حَقِيقَةَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَلَا مَيَّزُوا بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَالْمَلَائِكَةِ، وَبَيْنَ الْأَرْوَاحِ الطَّيِّبَةِ وَالْخَبِيثَةِ، وَبَيْنَ أَحْسَنِ الْحَسَنِ وَأَقْبَحِ الْقَبِيحِ، وَلَا عَرَفُوا كَمَالَ النَّفْسِ وَمَا تَسْعَدُ بِهِ، وَنَقْصَهَا وَمَا تَشْقَى بِهِ. وَأَمَّا النَّصَارَى فَقَدْ عَرَفْتَ مَا الَّذِي أَدْرَكُوهُ مِنْ مَعْبُودِهِمْ وَمَا وَصَفُوهُ بِهِ، وَمَا الَّذِي قَالُوهُ فِي نَبِيِّهِمْ، وَكَيْفَ لَمْ يُدْرِكُوا حَقِيقَتَهُ أَلْبَتَّةَ، وَوَصَفُوا اللَّهَ بِمَا هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْعُيُوبِ وَالنَّقَائِصِ، وَوَصَفُوا عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ بِمَا لَيْسَ لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَلَا عَرَفُوا اللَّهَ وَلَا رَسُولَهُ، وَالْمَعَادُ الَّذِي أَقَرُّوا بِهِ لَمْ يُدْرِكُوا حَقِيقَتَهُ، وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ حَقِيقَةٍ، إِذْ لَا أَكْلَ عِنْدِهِمْ فِي الْجَنَّةِ وَلَا شُرْبَ وَلَا زَوْجَةَ هُنَاكَ، وَلَا حُورَ عِينٍ يَلَذُّ بِهِنَّ الرِّجَالُ كَلَذَّاتِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَا عَرَفُوا حَقِيقَةَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا تَسْعَدُ بِهِ وَتَشْقَى، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا يَعْرِفَ حَقِيقَةَ شَيْءٍ كَمَا يَنْبَغِي أَلْبَتَّةَ. فَلَا لِأَنْفُسِهِمْ عَرَفُوا وَلَا لِفَاطِرِهَا وَبَارِيهَا، وَلَا لِمَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَبًا فِي فَلَاحِهَا وَسَعَادَتِهَا، وَلَا لِلْمَوْجُودَاتِ وَأَنَّهَا جَمِيعَهَا فَقِيرَةٌ مَرْبُوبَةٌ مَصْنُوعَةٌ نَاطِقُهَا آدَمِيُّهَا وَجِنُّهَا

стр. 369

وَمَلَكُهَا، وَكُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَبْدُهُ وَمِلْكُهُ، وَهُوَ مَخْلُوقٌ مَصْنُوعٌ مَرْبُوبٌ فَقِيرٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ هَذَا لَمْ يَعْرِفْ شَيْئًا. وَأَمَّا الْيَهُودُ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ - فَقَدْ حَكَى اللَّهُ لَكَ عَنْ جَهْلِ أَسْلَافِهِمْ وَعِبَادَتِهِمْ لِلْعِجْلِ وَضَلَالِهِمْ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا وَرَاءَهُ مِنْ ظُلُمَاتِ الْجَهْلِ الَّتِي بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ عِبَادَتُهُمُ الْعِجْلَ الَّذِي صَنَعَتْهُ أَيْدِيهِمْ مِنْ ذَهَبٍ، وَمِنْ غَبَاوَتِهِمْ وَبَلَادَتِهِمْ أَنْ جَعَلُوهُ عَلَى صُورَةِ أَبْلَهِ الْحَيَوَانِ، وَأَقَلِّهِ فَطَانَةً الَّذِي يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِهِ فِي قِلَّةِ الْفَهْمِ، فَانْظُرْ إِلَى هَذِهِ الْجَهَالَةِ وَالْغَبَاوَةِ الْمُجَاوِزَةِ لِلْحَدِّ، كَيْفَ عَبَدُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَقَدْ شَاهَدُوا مِنْ أَدِلَّةِ التَّوْحِيدِ وَعَظَمَةِ الرَّبِّ وَجَلَالِهِ مَا لَمْ يُشَاهِدْهُ سِوَاهُمْ؟! وَإِذْ قَدْ عَزَمُوا عَلَى اتِّخَاذِ إِلَهٍ دُونَ اللَّهِ فَاتَّخَذُوهُ وَنَبِيُّهُمْ حَيٌّ بَيْنَ أَظْهُرِهُمْ، لَمْ يَنْتَظِرُوا مَوْتَهُ! وَإِذْ قَدْ فَعَلُوا فَلَمْ يَتَّخِذُوهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَلَا مِنَ الْأَحْيَاءِ النَّاطِقِينَ، بَلِ اتَّخَذُوهُ مِنَ الْجَمَادَاتِ! وَإِذْ قَدْ فَعَلُوا، فَلَمْ يَجْعَلُوهُ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْعُلْوِيَّةِ كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ، بَلْ هُوَ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْأَرْضِيَّةِ! وَإِذْ قَدْ فَعَلُوا لَمْ يَتَّخِذُوهُ مِنَ الْجَوَاهِرِ الَّتِي خُلِقَتْ فَوْقَ الْأَرْضِ عَالِيَةً عَلَيْهَا كَالْجِبَالِ وَنَحْوِهَا، بَلْ مِنْ جَوَاهِرَ لَا تَكُونُ إِلَّا تَحْتَ الْأَرْضِ، وَالصُّخُورُ وَالْأَحْجَارُ عَالِيَةٌ عَلَيْهَا! وَإِذْ قَدْ فَعَلُوا فَلَمْ يَتَّخِذُوهُ مِنْ جَوْهَرٍ يَسْتَغْنِي عَنِ الصَّنْعَةِ، وَإِدْخَالِ النَّارِ وَتَقْلِيبِهِ وُجُوهًا مُخْتَلِفَةً، وَضَرْبِهِ بِالْحَدِيدِ وَسَبْكِهِ، بَلْ مِنْ جَوْهَرٍ يَحْتَاجُ إِلَى نَيْلِ الْأَيْدِي لَهُ بِضُرُوبٍ مُخْتَلِفَةٍ وَإِدْخَالِهِ النَّارَ

стр. 370

وَإِحْرَاقِهِ وَاسْتِخْرَاجِ خَبَثِهِ، وَإِذْ قَدْ فَعَلُوا، فَلَمْ يَصُوغُوهُ عَلَى تِمْثَالِ مَلَكٍ كَرِيمٍ، وَلَا نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، وَلَا عَلَى تِمْثَالِ جَوْهَرٍ عُلْوِيٍّ لَا تَنَالُهُ الْأَيْدِي، بَلْ عَلَى تِمْثَالِ حَيَوَانٍ أَرْضِيٍّ، وَإِذْ قَدْ فَعَلُوا لَمْ يَصُوغُوهُ عَلَى مِثَالِ أَشْرَفِ الْحَيَوَانَاتِ وَأَقْوَاهَا وَأَشَدِّهَا امْتِنَاعًا مِنَ الضَّيْمِ كَالْأَسَدِ وَالْفِيلِ وَنَحْوِهِمَا، بَلْ صَاغُوهُ عَلَى تِمْثَالِ أَبْلَدِ الْحَيَوَانَاتِ وَأَقْبَلِهِ لِلضَّيْمِ وَالذُّلِّ بِحَيْثُ تُحْرُثُ عَلَيْهِ الْأَرْضُ، وَيُسْقَى عَلَيْهِ بِالسَّوَاقِي وَالدَّوَالِيبِ، وَلَا لَهُ قُوَّةٌ يَمْتَنِعُ بِهَا مِنْ كَبِيرٍ وَلَا صَغِيرٍ، فَأَيُّ مَعْرِفَةٍ لِهَؤُلَاءِ بِمَعْبُودِهِمْ وَنَبِيِّهِمْ وَبِحَقَائِقِ الْمَوْجُودَاتِ؟ وَحَقِيقٌ بِمَنْ سَأَلَ نَبِيَّهُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ إِلَهًا فَيَعْبُدَ الْأَصْنَامَ إِلَهًا مَجْعُولًا بَعْدَ مَا شَاهَدَ تِلْكَ الْآيَاتِ الْبَاهِرَاتِ أَنْ لَا يَعْرِفَ حَقِيقَةَ الْإِلَهِ وَلَا أَسْمَاءَهُ وَصِفَاتِهِ وَنُعُوتَهُ وَدِينَهُ، وَلَا يَعْرِفَ حَقِيقَةَ الْمَخْلُوقِ وَحَاجَتَهُ وَفَقْرَهُ، وَلَوْ عَرَفَ هَؤُلَاءِ مَعْبُودَهُمْ وَرَسُولَهُ لَمَا قَالُوا لِنَبِيِّهِمْ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً، وَلَا قَالُوا لَهُ: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا. وَلَا قَتَلُوا نَفُسًا، وَطَرَحُوا الْمَقْتُولَ عَلَى أَبْوَابِ الْبَرَاءِ مِنْ قَتْلِهِ وَنَبِيُّهُمْ حَيٌّ بَيْنَ أَظْهُرِهُمْ، وَخَبَرُ السَّمَاءِ وَالْوَحْيُ يَأْتِيهِ صَبَاحًا وَمَسَاءً، فَكَأَنَّهُمْ جَوَّزُوا أَنْ يَخْفَى هَذَا عَلَى اللَّهِ كَمَا يَخْفَى عَلَى النَّاسِ؟!

стр. 371

وَلَوْ عَرَفُوا مَعْبُودَهُمْ لَمَا قَالُوا فِي بَعْضِ مُخَاطَبَاتِهِمْ لَهُ: يَا أَبَانَا انْتَبِهْ مِنْ رَقْدَتِكَ لَا تَنَمْ. وَلَوْ عَرَفُوهُ لَمَا سَارَعُوا إِلَى مُحَارَبَةِ أَنْبِيَائِهِ وَقَتْلِهِمْ وَحَبْسِهِمْ وَنَفْيِهِمْ، وَلَمَا تَحَايَلُوا عَلَى تَحْلِيلِ مَحَارِمِهِ وَإِسْقَاطِ فَرَائِضِهِ بِأَنْوَاعِ الْحِيَلِ. وَلَقَدْ شَهِدَتِ التَّوْرَاةُ بِعَدَمِ فَطَانَتِهِمْ وَأَنَّهُمْ مِنَ الْأَغْبِيَاءِ. وَلَوْ عَرَفُوهُ لَمَا حَجَرُوا عَلَيْهِ بِعُقُولِهِمُ الْفَاسِدَةِ أَنْ يَأْمُرَ بِالشَّيْءِ فِي وَقْتٍ لِمَصْلَحَةٍ ثُمَّ يُزِيلَ الْأَمْرَ بِهِ فِي وَقْتٍ آخَرَ لِحُصُولِ الْمَصْلَحَةِ، وَيُبَدِّلَ بِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَيَنْهَى عَنْهُ، ثُمَّ يُبِيحَهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ لِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَحْوَالِ فِي الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ، كَمَا هُوَ شَاهِدٌ فِي أَحْكَامِهِ الْقَدَرِيَّةِ الْكَوْنِيَّةِ الَّتِي لَا يَتِمُّ نِظَامُ الْعَالَمِ وَلَا مَصْلَحَتُهُ إِلَّا بِتَبَدُّلِهَا وَاخْتِلَافِهَا بِحَسْبِ الْأَحْوَالِ وَالْأَوْقَاتِ وَالْأَمَاكِنِ، فَلَوِ اعْتَمَدَ طَبِيبٌ أَنْ لَا يُغَيِّرَ الْأَدْوِيَةَ وَالْأَغْذِيَةَ بِحَسْبِ اخْتِلَافِ الْأَزْمَانِ وَالْأَمَاكِنِ وَالْأَحْوَالِ لَأَهْلَكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَعُدَّ مِنَ الْجُهَّالِ، فَكَيْفَ يُحْجَرُ عَلَى طَبِيبِ الْقُلُوبِ وَالْأَدْيَانِ أَنْ تَتَبَدَّلَ أَحْكَامُهُ بِحَسْبِ اخْتِلَافِ الْمَصَالِحِ؟ وَهَلْ ذَلِكَ إِلَّا قَدْحٌ فِي حِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمُلْكِهِ التَّامِّ وَتَدْبِيرِهِ بِخَلْقِهِ؟ وَمِنْ جَهْلِهِمْ بِمَعْبُودِهِمْ وَرَسُولِهِ وَأَمْرِهِ، أَنَّهُمْ أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا بَابَ الْمَدِينَةِ الَّتِي فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ سُجَّدًا، وَيَقُولُوا حِطَّةٌ، فَيَدْخُلُوا مُتَوَاضِعِينَ لِلَّهِ سَائِلِينَ مِنْهُ أَنْ يَحُطَّ عَنْهُمْ خَطَايَاهُمْ، فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَائِهِمْ بَدَلَ السُّجُودِ لِلَّهِ، وَيَقُولُونَ: حِنْطًا سُقْمًا، أَيْ حِنْطَةٌ سَمْرَاءُ، فَذَلِكَ سُجُودُهُمْ وَخُضُوعُهُمْ، وَهَذَا اسْتِغْفَارُهُمْ وَاسْتِقَالَتُهُمْ مِنْ

стр. 372

ذُنُوبِهِمْ، وَمِنْ جَهْلِهِمْ وَغَبَاوَتِهِمْ أَنَّ اللَّهَ أَرَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ آيَاتِ قُدْرَتِهِ وَعَظِيمَ سُلْطَانِهِ وَصِدْقِ رَسُولِهِ مَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ كِتَابَهُ وَعَهِدَ إِلَيْهِمْ فِيهِ عَهْدَهُ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوهُ بِقُوَّةٍ، فَيَعْبُدُونَهُ بِمَا فِيهِ، كَمَا خَلَّصَهُمْ مِنْ عُبُودِيَّةِ فِرْعَوْنَ وَالْقِبْطِ، فَأَبَوْا أَنْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ، وَامْتَنَعُوا مِنْهُ، فَنَتَقَ الْجَبَلَ الْعَظِيمَ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ عَلَى قَدْرِهِمْ، وَقِيلَ لَهُمْ: إِنْ لَمْ تَقْبَلُوا طَبَقْتُهُ عَلَيْكُمْ فَقَبِلُوهُ مِنْ تَحْتِ الْجَبَلِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: رَفَعَ اللَّهُ الْجَبَلَ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ وَبَعَثَ نَارًا مِنْ قِبَلِ وُجُوهِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْبَحْرُ مِنْ تَحْتِهِمْ، وَنُودُوا إِنْ لَمْ تَقْبَلُوا أَرْضَخْتُكُمْ بِهَذَا، وَأَحْرَقْتُكُمْ بِهَذَا، وَأَغْرَقْتُكُمْ بِهَذَا، فَقَبِلُوا وَقَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، وَلَوْلَا الْجَبَلُ مَا أَطَعْنَاكَ، وَلَمَّا آمَنُوا بَعْدَ ذَلِكَ قَالُوا: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا. وَمِنْ جَهْلِهِمْ أَنَّهُمْ شَاهَدُوا الْآيَاتِ، وَرَأَوُا الْعَجَائِبَ الَّتِي يُؤْمِنُ عَلَى بَعْضِهَا الْبَشَرُ، ثُمَّ قَالُوا بَعْدَ ذَلِكَ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً. وَكَانَ اللَّهُ قَدْ أَمَرَ كَلِيمَهُ مُوسَى ﵊ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ خِيَارِهِمْ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِهِ، فَاخْتَارَهُمْ مُوسَى وَذَهَبَ بِهِمْ إِلَى الْجَبَلِ، فَلَمَّا دَنَا مُوسَى مِنَ الْجَبَلِ وَقَعَ عَلَيْهِ عَمُودُ الْغَمَامِ حَتَّى تَغَشَّى الْجَبَلَ، وَقَالَ لِلْقَوْمِ: ادْنُوا، وَدَنَا الْقَوْمُ حَتَّى إِذَا دَخَلُوا فِي الْحِجَابِ، وَقَعُوا سُجَّدًا، فَسَمِعُوا الرَّبَّ وَهُوَ يُكَلِّمُ مُوسَى، وَيَأْمُرُهُ وَيَنْهَاهُ، وَيَعْهَدُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا انْكَشَفَ الْغَمَامُ، قَالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً. وَمِنْ جَهْلِهِمْ أَنَّ هَارُونَ ﵇ لَمَّا مَاتَ وَدَفَنَهُ مُوسَى قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: أَنْتَ قَتَلْتَهُ، حَسَدْتَهُ عَلَى خُلُقِهِ وَلِينِهِ مِنْ مَحَبَّةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَهُ، قَالَ: فَاخْتَارُوا

стр. 373

سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَوَقَفُوا عَلَى قَبْرِ هَارُونَ، فَقَالَ مُوسَى: يَا هَارُونُ، أَقُتِلْتَ أَمْ مُتَّ؟ فَقَالَ: بَلْ مُتُّ وَمَا قَتَلَنِي أَحَدٌ. فَحَسْبُكَ مِنْ جَهَالَةِ أُمَّةٍ وَجَفَائِهِمْ أَنَّهُمُ اتَّهَمُوا نَبِيَّهُمْ وَنَسَبُوهُ إِلَى قَتْلِ أَخِيهِ، فَقَالَ مُوسَى: مَا قَتَلْتُهُ فَلَمْ يُصَدِّقُوهُ حَتَّى أَسْمَعَهُمْ كَلَامَهُ وَبَرَّأَهُ أَخُوهُ مِمَّا رَمَوْهُ بِهِ. وَمِنْ جَهْلِهِمْ أَنَّ اللَّهَ شَبَّهُهُمْ فِي حَمْلِهِمُ التَّوْرَاةَ، وَعَدَمِ الْفِقْهِ فِيهَا، وَالْعَمَلِ بِهَا بِالْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا، وَفِي هَذَا التَّشْبِيهِ مِنَ النِّدَاءِ عَلَى جَهَالَتِهِمْ وُجُوهٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْهَا: أَنَّ الْحِمَارَ مِنْ أَبْلَدِ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي يُضْرَبُ بِهَا الْمَثَلُ فِي الْبَلَادَةِ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَوْ حَمَلَ غَيْرَ الْأَسْفَارِ مِنْ طَعَامٍ أَوْ عَلَقٍ أَوْ مَاءٍ لَكَانَ لَهُ بِهِ شُعُورٌ مَا. وَمِنْهَا: أَنَّهُمْ حِينَ حُمِّلُوهَا حَيْثُ حُمِّلُوهَا تَكْلِيفًا وَقَهْرًا لَا أَنَّهُمْ حَمَلُوهَا طَوْعًا وَاخْتِيَارًا، بَلْ كَانُوا كَالْمُكَلَّفِينَ لَمَّا حُمِّلُوا لَمْ يَرْفَعُوا بِهِ رَأْسًا. وَمِنْهَا: أَنَّهُمْ حَيْثُ حُمِّلُوهَا تَكْلِيفًا وَقَهْرًا لَمْ يَرْضَوْا بِهَا وَلَمْ يَحْمِلُوهَا رِضَاءً وَاخْتِيَارًا، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمْ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ حَمْلِهَا، وَأَنَّهُمْ إِنْ حَمَلُوهَا اخْتِيَارًا كَانَتْ لَهُمُ الْعَاقِبَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَمِنْهَا: أَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَصَالِحِ مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ وَسَعَادَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِعْرَاضُهُمْ عَنِ الْتِزَامِ مَا فِيهِ سَعَادَتُهُمْ وَفَلَاحُهُمْ إِلَى ضِدِّهِ مِنْ غَايَةِ الْجَهْلِ وَالْغَبَاوَةِ، وَعَدَمِ الْفَطَانَةِ، وَمِنْ جَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِمْ أَنَّهُمْ طَلَبُوا عِوَضَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى

стр. 374

اللَّذَيْنِ هُمَا مِنْ أَطْيَبِ الْأَطْعِمَةِ وَأَنْفَقِهَا وَأَوْفَقِهَا لِلْغِذَاءِ الصَّالِحِ: الْبَقْلَ وَالْقِثَّاءَ وَالْفُومَ وَالْعَدَسَ وَالْبَصَلَ، وَمَنْ رَضِيَ بِاسْتِبْدَالِ هَذِهِ الْأَغْذِيَةِ عِوَضًا عَنِ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى لَمْ يُسْتَكْثَرْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَبْدِلَ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ، وَالضَّلَالَةَ بِالْهُدَى، وَالْغَضَبَ بِالرِّضَى، وَالْعُقُوبَةَ بِالرَّحْمَةِ، وَهَذَا حَالُ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ وَلَا كِتَابَهُ، وَلَا رَسُولَهُ، وَلَا نَفْسَهُ. وَأَمَّا نَقْضُهُمْ مِيثَاقَهُمْ وَتَبْدِيلُهُمْ أَحْكَامَ التَّوْرَاةِ، وَتَحْرِيفُهُمُ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَأَكْلُهُمُ الرِّبَا، وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ، وَأَكْلُهُمُ الرِّشَا، وَاعْتِدَاؤُهُمْ فِي السَّبْتِ، حَتَّى مُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ، وَقَتْلُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَتَكْذِيبُهُمْ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ، وَرَمْيُهُمْ لَهُ وَلِأُمِّهِ بِالْعَظَائِمِ، وَحِرْصُهُمْ عَلَى قَتْلِهِ، وَتَفَرُّدُهُمْ دُونَ الْأُمَمِ بِالْخُبْثِ وَالْبَهْتِ، وَشِدَّةُ مُكَالَبَتِهِمْ عَلَى الدُّنْيَا وَحِرْصِهِمْ عَلَيْهَا، وَقَسْوَةُ قُلُوبِهِمْ وَحَسَدُهُمْ، وَكَثْرَةُ سِحْرِهِمْ فَإِلَيْهِ النِّهَايَةُ. وَهَذَا وَأَضْعَافُهُ مِنَ الْجَهْلِ وَفَسَادِ الْعَقْلِ قَلِيلٌ عَلَى مَنْ كَذَّبَ رُسُلَ اللَّهِ، وَبَاءَ بِمُعَادَاتِهِ وَمُعَادَاةِ مَلَائِكَتِهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَأَهْلِ وِلَايَتِهِ. فَأَيُّ شَيْءٍ عَرَفَ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ اللَّهَ وَرُسُلَهُ؟ وَأَيُّ حَقِيقَةٍ أَدْرَكَ مَنْ فَاتَتْهُ هَذِهِ الْحَقِيقَةُ؟ وَأَيُّ عِلْمٍ أَوْ عَمَلٍ حَصَلَ لِمَنْ فَاتَهُ الْعِلْمُ بِاللَّهِ وَالْعَمَلُ بِمَرْضَاتِهِ وَمَعْرِفَةُ الطَّرِيقِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَيْهِ وَمَا لَهُ بَعْدَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ. فَأَهْلُ الْأَرْضِ كُلُّهُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْجَهْلِ وَالْبَغْيِ إِلَّا مَنْ أَشْرَقَ عَلَيْهِ نُورُ النُّبُوَّةِ، كَمَا فِي الْمُسْنَدِ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ وَأَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ اهْتَدَى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ

стр. 375

ضَلَّ فَكَذَلِكَ أَقُولُ: جَفَّ الْعِلْمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ، وَلِذَلِكَ بَعَثَ اللَّهُ رُسُلَهُ لِيُخْرِجُوا النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، فَمَنْ أَجَابَهُمْ خَرَجَ إِلَى الْفَضَاءِ وَالنُّورِ، وَمَنْ لَمْ يُجِبْهُمْ بَقِيَ فِي الضِّيقِ وَالظُّلْمَةِ الَّتِي خُلِقَ فِيهَا، وَهِيَ ظُلْمَةُ الطَّبْعِ وَظُلْمَةُ الْجَهْلِ وَظُلْمَةُ الْهَوَى وَظُلْمَةُ الْغَفْلَةِ عَنْ نَفْسِهِ وَكَمَالِهَا وَمَا تَسْعَدُ بِهِ فِي مَعَاشِهَا وَمَعَادِهَا. فَهَذِهِ كُلُّهَا ظُلُمَاتٌ، خُلِقَ فِيهَا الْعَبْدُ فَبَعَثَ اللَّهُ رُسُلَهُ لِإِخْرَاجِهِ مِنْهَا إِلَى نُورِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْإِيمَانِ وَالْهُدَى الَّذِي لَا سَعَادَةَ لِلنَّفْسِ بِدُونِهِ أَلْبَتَّةَ، فَمَنْ أَخْطَأَهُ هَذَا النُّورُ أَخْطَأَهُ حَظُّهُ وَكَمَالُهُ وَسَعَادَتُهُ، وَصَارَ يَتَقَلَّبُ فِي ظُلُمَاتٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، فَمَدْخَلُهُ ظُلْمَةٌ، وَمَخْرَجُهُ ظُلْمَةٌ، وَقَوْلُهُ ظُلْمَةٌ، وَعَمَلُهُ ظُلْمَةٌ، وَقَصْدُهُ ظُلْمَةٌ، وَهُوَ مُتَخَبِّطٌ فِي ظُلُمَاتِ طَبْعِهِ وَهَوَاهُ وَجَهْلِهِ، وَوَجْهُهُ مُظْلِمٌ، وَقَلْبُهُ مُظْلِمٌ، لِأَنَّهُ مُبَقًّى عَلَى الظُّلْمَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَلَا يُنَاسِبُهُ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ وَالْإِرَادَاتِ وَالْعَقَائِدِ إِلَّا ظُلُمَاتُهَا، فَلَوْ أَشْرَقَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ نُورِ النُّبُوَّةِ لَكَانَ بِمَنْزِلَةِ إِشْرَاقِ الشَّمْسِ عَلَى بَصَائِرِ الْخَفَّاشِ. بَصَائِرُ غَشَّاهَا النَّهَارُ بِضَوْئِهِ ... وَلَاءَمَهَا قِطَعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمُ يَكَادُ نُورُ النُّبُوَّةِ يُلَمِّعُ تِلْكَ الْأَبْصَارَ، وَيَخْطَفُهَا لِشِدَّتِهِ وَضَعْفِهَا، فَتَهْرُبُ إِلَى الظُّلُمَاتِ لِمُوَافَقَتِهَا لَهَا وَمُلَاءَمَتِهَا إِيَّاهَا. وَالْمُؤْمِنُ عَمَلُهُ نُورٌ وَقَوْلُهُ نُورٌ، وَمَدْخَلُهُ نُورٌ وَمَخْرَجُهُ نُورٌ، وَقَصْدُهُ نُورٌ، فَهُوَ يَتَقَلَّبُ فِي النُّورِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

стр. 376

ثُمَّ ذَكَرَ حَالَ الْكُفَّارِ وَأَعْمَالَهُمْ وَتَقَلُّبَهُمْ فِي الظُّلُمَاتِ، فَقَالَ: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَبَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَيَّ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.