Полный текст (376 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
اسْمَهُ وَلَعَنَهُ فِي أَرْبَعِمِائَةِ قَرْنٍ، فَحِينَئِذٍ لَحِقَ بِبَعْضِ قُوَّادِ الرُّومِ وَأَدْخَلَهُ بِصِنَاعَةِ الطِّبِّ فَقَوِيَ لِذَلِكَ عَلَى الْيَهُودِ، وَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي ذِمَّةِ قَيْصَرَ بَتَارْيُوشَ، وَجَعْلَ يُخَالِفُ حُكْمَ التَّوْرَاةِ، وَيَسْتَدْرِكُ عَلَيْهَا، وَيُعْرِضُ عَنْ بَعْضِهَا إِلَى أَنْ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ.
وَطَوَائِفُ مِنَ الْيَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ يَقُولُونَ غَيْرَ هَذَا، وَيَقُولُونَ إِنَّهُ كَانَ يُلَاعِبُ الصِّبْيَانَ بِالْكُرَةِ فَوَقَفَتْ لَهُمُ الْكُرَةُ بَيْنَ جَمَاعَةٍ مِنْ مَشَايِخِ الْيَهُودِ، فَضَعُفَ الصِّبْيَانُ عَنِ اسْتِخْرَاجِهَا مِنْ بَيْنِهِمْ، حَيَاءً مِنْهُمْ أَيْ مِنْ مَشَايِخِهِمْ، فَقَوِيَ عِيسَى وَتَخَطَّى رِقَابَهُمْ وَأَخَذَهَا، فَقَالُوا لَهُ: مَا نَظُنُّكَ إِلَّا زَنِيمًا.
وَمِنَ اخْتِلَافِ الْيَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي أَمْرِهِ أَنَّهُمْ يُسَمُّونَ أَبَاهُ بِزَعْمِهِمُ الَّذِي هُوَ خَطِيبُ مَرْيَمَ يُوسُفُ بْنُ يَهُودَا النَّجَّارُ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّمَا هُوَ يُوسُفُ الْحَدَّادُ. وَالنَّصَارَى تَزْعُمُ أَنَّهَا ذَاتُ بَعْلٍ، وَأَنَّ زَوْجَهَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ يُوسُفُ بْنُ آلٍ.
وَهُمْ يَخْتَلِفُونَ أَيْضًا فِي آبَائِهِ وَعَدَدِهِمْ إِلَى إِبْرَاهِيمِ ﵊ فَمِنْ مُقِلٍّ وَمِنْ مُكْثِرٍ. فَهَذَا مَا عِنْدَ الْيَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، وَهُمْ شُيُوخُكُمْ فِي نَقْلِ الصَّلْبِ وَأَمْرِهِ، وَإِلَّا فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُ أَحَدٌ مِنَ النَّصَارَى. وَإِنَّمَا حَضَرَهُ الْيَهُودُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ،
стр. 317
وَقَالُوا: قَتَلْنَاهُ وَصَلَبْنَاهُ وَهُمُ الَّذِينَ قَالُوا فِيهِ مَا حَكَيْنَاهُ عَنْهُمْ، فَإِنْ صَدَّقْتُمُوهُمْ فِي الصَّلْبِ فَصَدِّقُوهُمْ فِي سَائِرٍ مَا ذَكَرُوهُ، وَإِنْ كَذَّبْتُمُوهُمْ فِيمَا نَقَلُوهُ عَنْهُ فَمَا الْمُوجِبُ لِتَصْدِيقِهِمْ فِي الصَّلْبِ وَتَكْذِيبِهِمْ، وَمَا صَلَبُوهُ بَلْ صَانَهُ اللَّهُ وَحَمَاهُ وَحَفِظَهُ، وَكَانَ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ وَأَوْجَهَ عِنْدِهِ مِنْ أَنْ يَبْتَلِيَهُ بِمَا تَقُولُونَ أَنْتُمْ، قَاتَلَكُمُ اللَّهُ، وَالْيَهُودُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ؟
وَأَمَّا خَبَرُ مَا عِنْدَكُمْ أَنْتُمْ، فَلَا نَعْلَمُ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ أَشَدَّ اخْتِلَافًا فِي مَعْبُودِهَا وَنَبِيِّهَا وَدِينِهَا مِنْكُمْ، فَلَوْ سَأَلْتَ الرَّجُلَ وَامْرَأَتَهُ وَابْنَتَهُ وَأَبَاهُ وَأُمَّهُ عَنْ دِينِهِمْ لَأَجَابَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِغَيْرِ جَوَابِ الْآخَرِ.
وَلَوِ اجْتَمَعَ عَشَرَةٌ مِنْهُمْ يَتَذَاكَرُونَ الدِّينَ لَتَفَرَّقُوا عَنْ أَحَدَ عَشَرَ مَذْهَبًا. مَعَ اتِّفَاقِ فِرَقِهِمُ الْمَشْهُورَةِ الْيَوْمَ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّثْلِيثِ وَعِبَادَةِ الصَّلِيبِ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ لَيْسَ بِعَبْدٍ صَالِحٍ، وَلَا نَبِيٍّ وَلَا رَسُولٍ، وَأَنَّهُ إِلَهٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَأَنَّهُ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ وَأَظْهَرَ عَلَى أَيْدِيهِمُ الْمُعْجِزَاتِ وَالْآيَاتِ، وَأَنَّ لِلْعَالَمِ إِلَهًا هُوَ أَبٌ وَالِدٌ لَمْ يَزَلْ، وَأَنَّ ابْنَهُ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَتَجَسَّمَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، وَمِنْ مَرْيَمَ، وَصَارَ هُوَ وَابْنُهَا النَّاسُوتِيُّ إِلَهًا وَاحِدًا وَمَسِيحًا وَاحِدًا وَخَالِقًا وَاحِدًا وَرَازِقًا، وَحَبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ وَوَلَدَتْهُ، وَأُخِذَ وَصُلِبَ وَأُلِمَ وَمَاتَ وَدُفِنَ، وَقَامَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَصَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ وَجَلَسَ عَلَى يَمِينِ أَبِيهِ.
وَقَالُوا: وَالَّذِي وَلَدْتُهُ مَرْيَمُ وَعَايَنَهُ النَّاسُ وَكَانَ بَيْنَهُمْ هُوَ اللَّهُ وَهُوَ ابْنُ اللَّهِ وَهُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ.
فَالْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، هُوَ الَّذِي حَبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ، وَأَقَامَ هُنَاكَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَهُوَ الَّذِي وُلِدَ وَرَضَعَ وَفُطِمَ وَأَكَلَ وَشَرِبَ وَتَغَوَّطَ وَأُخِذَ وَصُلِبَ وَشُدَّ بِالْحِبَالِ وَسُمِّرَتْ يَدَاهُ.
стр. 318
ثُمَّ اخْتَلَقُوا: فَقَالَتِ الْيَعْقُوبِيَّةُ - قَاتَلَهُمُ اللَّهُ - وَهُمْ أَتْبَاعُ يَعْقُوبَ الْبَرَادِعِيِّ وَلُقِّبَ بِذَلِكَ لِأَنَّ لِبَاسَهُ كَانَ مِنْ خُرُوقِ بِرَادِعِ الدَّوَابِّ يُرَقِّعُ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ وَيَلْبَسُهَا - إِنَّ الْمَسِيحَ طَبِيعَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ طَبِيعَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا طَبِيعَةُ النَّاسُوتِ، وَالْأُخْرَى طَبِيعَةُ اللَّاهُوتِ، وَأَنَّ هَاتَيْنِ الطَّبِيعَتَيْنِ تَرَكَّبَتَا فَصَارَتَا إِنْسَانًا وَاحِدًا وَجْوَهَرًا وَاحِدًا وَشَخْصًا وَاحِدًا، وَهَذِهِ الطَّبِيعَةُ الْوَاحِدَةُ وَالشَّخْصُ الْوَاحِدُ هُوَ الْمَسِيحُ، هُوَ إِلَهُ كُلُّهُ وَإِنْسَانٌ كُلُّهُ، وَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ، وَطَبِيعَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ طَبِيعَتَيْنِ.
وَقَالُوا: إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ اللَّهَ، وَإِنَّ اللَّهَ قُبِضَ عَلَيْهِ، وَصُلِبَ وَسُمِّرَ وَمَاتَ وَدُفِنَ ثُمَّ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ.
فَصْلٌ: وَقَالَتِ الْمَلِكِيَّةُ - وَهُمُ الرُّومُ نِسْبَةً إِلَى دِينِ الْمَلِكِ، لَا إِلَى رَجُلٍ يُدْعَى مَلِكَايَا، وَهُوَ صَاحِبُ مَقَالَتِهِمْ، كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِذَلِكَ - إِنَّ الِابْنَ الْأَزَلِيَّ
стр. 319
الَّذِي هُوَ الْكَلِمَةُ تَجَسَّدَتْ مِنْ مَرْيَمَ تَجَسُّدَا كَامِلًا كَسَائِرِ أَجْسَادِ النَّاسِ. وَرَكِبَتْ فِي ذَلِكَ الْجَسَدِ نَفْسًا كَامِلَةً بِالْعَقْلِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْعِلْمِ كَسَائِرِ أَنْفُسِ النَّاسِ، وَأَنَّهُ صَارَ إِنْسَانًا بِالْجَسَدِ وَالنَّفْسِ اللَّذَيْنِ هُمَا مِنْ جَوْهَرِ النَّاسِ، إِلَهًا بِجَوْهَرِ اللَّاهُوتِ كَمِثْلِ أَبِيهِ لَمْ يَزَلْ، وَهُوَ إِنْسَانٌ بِجَوْهَرِ النَّاسِ كَمِثْلِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَدَاوُدَ، وَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ لَمْ يَزِدْ عَدَدُهُ، وَثَبَتَ لَهُ جَوْهَرُ اللَّاهُوتِ كَمَا لَمْ يَزَلْ، وَصَحَّ لَهُ جَوْهَرُ النَّاسُوتُ الَّذِي لَبِسَهُ ابْنُ مَرْيَمَ، وَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ لَمْ يَزِدْ عَدَدُهُ، وَطَبِيعَتَانِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الطَّبِيعَتَيْنِ مَشِيئَةٌ كَامِلَةٌ، فَلَهُ بِاللَّاهُوتِيَّةِ مَشِيئَةٌ مِثْلُ الْأَبِّ، وَلَهُ بِنَاسُوتِيَّتِهِ مَشِيئَةٌ كَمَشِيئَةِ إِبْرَاهِيمَ وَدَاوُدَ. وَقَالُوا: إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ الْمَسِيحَ وَهُوَ اسْمٌ يَجْمَعُ اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ. وَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي مَاتَ هُوَ الَّذِي وَلَدَتْهُ مَرْيَمُ، وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الصَّلْبُ وَالتَّسْمِيرُ وَالصَّفْعُ وَالرَّبْطُ بِالْحِبَالِ، وَاللَّاهُوتُ لَمْ يَمُتْ وَلَمْ يَأْلَمْ وَلَمْ يُدْفَنْ.
قَالُوا: وَهُوَ إِلَهٌ قَامَ بِجَوْهَرِ لَاهُوتِهِ، وَإِنْسَانٌ قَائِمٌ بِجَوْهَرِ نَاسُوتِهِ، وَلَهُ الْمَشِيئَتَانِ: مَشِيئَةُ اللَّاهُوتِ، وَمَشِيئَةُ النَّاسُوتِ، فَأَتَوْا بِمِثْلِ مَا أَتَى بِهِ الْيَعْقُوبِيَّةُ مِنْ أَنَّ مَرْيَمَ بِزَعْمِهِمْ نَزَّهُوا الْإِلَهَ عَنِ الْمَوْتِ.
وَإِذَا تَدَبَّرَتْ قَوْلَهُمْ وَجَدْتَهُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ قَوْلُ الْيَعْقُوبِيَّةِ مَعَ تُنَاقِضُهُمْ، وَالْيَعْقُوبِيَّةُ أَطْرَدُ لِكُفْرِهِمْ لَفْظًا وَمَعْنًى.
стр. 320
وَأَمَّا النّسْطُورِيَّةُ فَقَدْ ذَهَبُوا إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَسِيحَ شَخْصَانِ وَطَبِيعَتَانِ لَهُمَا مَشِيئَةٌ وَاحِدَةٌ، وَأَنَّ طَبِيعَةَ اللَّاهُوتِ لَمَّا وُجِدَتْ بِالنَّاسُوتِ صَارَ لَهُمَا إِرَادَةٌ وَاحِدَةٌ، وَاللَّاهُوتُ لَا يَقْبَلُ زِيَادَةً وَلَا نُقْصَانًا وَلَا يَمْتَزِجُ بِشَيْءٍ، وَالنَّاسُوتُ يَقْبَلُ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَكَانَ الْمَسِيحُ بِذَلِكَ إِلَهًا وَإِنْسَانًا، فَهُوَ الْإِلَهُ بِجَوْهَرِ اللَّاهُوتِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ، وَهُوَ إِنْسَانٌ بِجَوْهَرِ النَّاسُوتِ الَّذِي يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ. وَقَالُوا: إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ الْمَسِيحَ بِنَاسُوتِهِ وَإِنَّ اللَّاهُوتَ لَمْ يُفَارِقْهُ قَطُّ.
وَكُلُّ هَذِهِ الْفِرَقِ اسْتَنْكَفَتْ أَنْ يَكُونَ الْمَسِيحُ عَبْدَ اللَّهِ وَهُوَ لَمْ يَسْتَنْكِفْ مِنْ ذَلِكَ، وَرَغِبَتْ بِهِ عَنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ، وَهُوَ لَمْ يَرْغَبْ عَنْهَا، بَلْ أَعْلَى مَنَازِلِهِ عُبُودِيَّةُ اللَّهِ، وَمُحَمَّدٌ وَإِبْرَاهِيمُ خَيْرٌ مِنْهُ، وَأَعْلَى مَنَازِلِهِمَا تَكْمِيلُ مَرَاتِبِ الْعُبُودِيَّةِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَيَا فَوْزَ مَنْ رَضِيَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَبْدًا، فَلَمْ تَرْضَ الْمُثَلِّثَةُ بِذَلِكَ.
وَقَالَتِ الْآرْيُوسِيَّةُ مِنْهُمْ، وَهُمْ أَتْبَاعُ آرِيُوسَ: إِنَّ الْمَسِيحَ عَبْدُ اللَّهِ كَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، وَهُوَ مَرْبُوبٌ مَخْلُوقٌ مَصْنُوعٌ.
وَكَانَ النَّجَاشِيُّ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ.
وَإِذَا ظَفَرَتِ الْمُثَلِّثَةُ بِوَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ قَتَلُوهُ شَرَّ قِتْلَةٍ، وَفَعَلُوا بِهِ مَا يُفْعَلُ بِمَنْ سَبَّ الْمَسِيحَ وَشَتَمَهُ أَعْظَمَ سَبٍّ.
стр. 321
وَكُلٌّ مِنْ تِلْكَ الْفِرَقِ الثَّلَاثِ عَوَامُّهُمْ لَا يَفْهَمُ مَقَالَةَ خَوَاصِّهِمْ عَلَى حَقِيقَتِهَا، بَلْ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ تَخَطَّى مَرْيَمَ كَمَا يَتَخَطَّى الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ، وَأَحْبَلَهَا فَوَلَدَتْ لَهُ ابْنًا، وَلَا يَعْرِفُونَ تِلْكَ الْهَذَيَانَاتِ الَّتِي وَضَعَهَا خَوَاصُّهُمْ، فَهُمْ يَقُولُونَ: الَّذِي تُدَنْدِنُونَ حَوْلَهُ نَحْنُ نَعْتَقِدُهُ بِغَيْرِ حَاجَةٍ مِنَّا إِلَى مَعْرِفَةِ الْأَقَالِيمِ الثَّلَاثِ وَالطَّبِيعَتَيْنِ وَالْمَشِيئَتَيْنِ، وَذَلِكَ التَّهْوِيلِ وَالتَّطْوِيلِ.
وَهُمْ يُصَرِّحُونَ بِأَنَّ مَرْيَمَ وَالِدَةُ الْإِلَهِ، وَاللَّهَ أَبُوهُ، وَهُوَ الِابْنُ فَهَذَا الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ، وَالْوَلَدُ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا.
فَهَذِهِ أَقْوَالُ أَعْدَاءِ الْمَسِيحِ مِنَ الْيَهُودِ وَالْمُغَالِينَ فِيهِ مِنَ النَّصَارَى وَالْمُثَلِّثَةِ عُبَّادِ الصَّلِيبِ قَاتَلَ اللَّهُ الْفِئَتَيْنِ أَنَّى يُؤْفَكُونَ.
بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِمَا أَزَالَ الشُّبْهَةَ فِي أَمْرِهِ، وَكَشَفَ الْغُمَّةَ، وَبَرَّأَ الْمَسِيحَ وَأَمَّهُ مِمَّا افْتَرَاهُ (مِنَ افْتِرَاءِ الْيَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَبَهْتِهِمْ وَكَذِبِهِمْ، وَتَنَزَّهَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَخَالِقُ الْمَسِيحِ وَأُمِّهِ مِمَّا افْتَرَاهُ) عَلَيْهِ الْمُثَلِّثَةُ عُبَّادُ الصَّلِيبِ الَّذِينَ سَبُّوهُ أَعْظَمَ السَّبِّ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ. وَأَنْزَلَ أَخَاهُ الْمَسِيحَ بِالْمَنْزِلَةِ الَّتِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ بِهَا، وَهِيَ أَشْرَفُ مَنَازِلِهِ،
стр. 322
فَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ، وَشَهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ الطَّاهِرَةِ الصِّدِّيقَةِ سَيِّدَةِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ فِي زَمَانِهَا، وَقَرَّرَ مُعْجِزَاتِ الْمَسِيحِ وَآيَاتِهِ، وَأَخْبَرَ عَنْ رَبِّهِ تَعَالَى بِتَخْلِيدِ مَنْ كَفَرَ بِالْمَسِيحِ فِي النَّارِ، وَأَنَّ رَبَّهُ تَعَالَى أَكْرَمَ عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ وَنَزَّهَهُ وَصَانَهُ أَنْ يَنَالَ إِخْوَانُ الْقِرَدَةِ أُمَّةُ الْغَضَبِ مِنْهُ مَا زَعَمَتْهُ النَّصَارَى أَنَّهُمْ نَالُوهُ مِنْهُ، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا لَمْ يَشُكْهُ أَعْدَاؤُهُ بِشَوْكَةٍ، وَلَا نَالَتْهُ أَيْدِيهِمْ بِأَذًى، فَرَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَأَسْكَنَهُ سَمَاءَهُ وَسَيُعِيدُهُ إِلَى الْأَرْضِ يَنْتَقِمُ بِهِ مِنْ مَسِيحِ الضَّلَالِ وَأَتْبَاعِهِ، ثُمَّ يَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ بِهِ الْخِنْزِيرَ، وَيُعْلِي بِهِ الْإِسْلَامَ، وَيَنْصُرُ بِهِ مِلَّةَ أَخِيهِ وَأَوْلَى النَّاسِ بِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
فَإِذَا وُضِعَ هَذَا الْقَوْلُ فِي الْمَسِيحِ فِي كِفَّةٍ، وَقَوْلُ عُبَّادِ الصَّلِيبِ الْمُثَلِّثَةِ فِي كِفَّةٍ، تَبَيَّنَ لِكُلِّ مَنْ لَهُ أَدْنَى مُسْكَةٍ مِنْ عَقْلٍ، مَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاوُتِ، وَأَنَّ تَفَاوُتَهُمَا كَتَفَاوُتِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ فِيهِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
فَلَوْلَا مُحَمَّدٌ ﷺ لَمَا عَرَفْنَا أَنَّ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ الَّذِي هُوَ رَسُولُ اللَّهِ وَعَبْدُهُ وَكَلِمَتُهُ وَرُوحُهُ مَوْجُودٌ أَصْلًا، فَإِنَّ هَذَا الْمَسِيحَ الَّذِي أَثْبَتَهُ الْيَهُودُ مِنْ شَرَارِ خَلْقِ اللَّهِ لَيْسَ بِمَسِيحِ الْهُدَى. وَالَّذِي أَثْبَتَهُ النَّصَارَى مِنْ أَبْطَلِ الْبَاطِلِ لَا يُمْكِنُ وُجُودُهُ فِي عَقْلٍ وَلَا فِطْرَةٍ. وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْوُجُودِ أَعْظَمَ اسْتِحَالَةٍ، وَلَوْ أَمْكَنَ وَجُودَهُ لَبَطَلَتْ أَدِلَّةُ الْعُقُولِ، وَلَمْ يَبْقَ لِأَحَدٍ ثِقَةٌ بِمَعْقُولٍ أَصْلًا، فَإِنَّ اسْتِحَالَةَ وَجُودِهِ فَوْقَ اسْتِحَالَةِ جَمِيعِ الْمُحَالَاتِ، وَلَوْ صَحَّ مَا يَقُولُونَ لَبَطَلَ الْعَالَمُ وَاضْمَحَلَّتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَعَدِمَتِ الْمَلَائِكَةُ وَالْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ، وَلَمْ يَكُنْ بَعْثٌ وَلَا نُشُورٌ وَلَا جَنَّةٌ وَلَا نَارٌ.
وَلَا يُسْتَعْجَبُ مِنْ إِطْبَاقِ أُمَّةِ الضَّلَالِ، الَّذِينَ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُمْ أَضَلُّ مِنَ الْأَنْعَامِ عَلَى ذَلِكَ، فَكُلُّ بَاطِلٍ فِي الْوُجُودِ يُنْسَبُ إِلَى أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ فَإِنَّهَا مُطْبِقَةٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ
стр. 323
إِطْبَاقِ الْأُمَمِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي لَا يُحْصِيهَا إِلَّا اللَّهُ عَلَى الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ بَعْدَ مُعَايَنَةِ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، فَلِعِبَادِ الصَّلِيبِ أُسْوَةٌ بِإِخْوَانِهِمْ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالضَّلَالِ.
فَصْلٌ: فِي ذِكْرِ اسْتِنَادِهِمْ فِي دِينِهِمْ إِلَى أَصْحَابِ الْمَجَامِعِ الَّذِي كَفَّرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَلَعَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَتَلَقِّيهِمْ أُصُولَ دِينِهِمْ عَنْهُمْ.
وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْأَمْرَ كَيْفَ ابْتَدَأَ، وَتَوَسَّطَ، وَانْتَهَى، حَتَّى كَأَنَّكَ تَرَاهُ عِيَانًا. كَانَ اللَّهُ قَدْ بَشَّرَ بِالْمَسِيحِ عَلَى لِسَانِ أَنْبِيَائِهِ، مِنْ لَدُنْ مُوسَى إِلَى زَمَنِ دَاوُدَ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبْشِيرًا بِهِ دَاوُدُ، وَكَانَتِ الْيَهُودُ تَنْتَظِرُهُ وَتُصَدِّقُ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، فَلَمَّا بُعِثَ كَفَرُوا بِهِ بَغْيًا وَحَسَدًا وَشَرَّدُوهُ فِي الْبِلَادِ وَطَرَدُوهُ وَحَبَسُوهُ، وَهَمُّوا بِقَتْلِهِ مِرَارًا إِلَى أَنْ أَجْمَعُوا عَلَى الْقَبْضِ عَلَيْهِ، وَعَلَى قَتْلِهِ فَصَانَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَنْقَذَهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَلَمْ يُهِنْهُ بِأَيْدِيهِمْ، وَشُبِّهَ لَهُمْ أَنَّهُمْ صَلَبُوهُ، وَلَمْ يَصْلُبُوهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا.
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ، فَقِيلَ الْمَعْنَى: وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ لِلَّذِينِ صَلَبُوهُ، بِأَنْ أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلَى غَيْرِهِ فَصَلَبُوا الشَّبَهَ.
وَقِيلَ الْمَعْنَى: وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ لِلنَّصَارَى، أَيْ حَصَلَتْ لَهُمُ الشُّبْهَةُ فِي أَمْرِهِ
стр. 324
وَلَيْسَ لَهُمْ عِلْمٌ بِأَنَّهُ مَا قُتِلَ وَلَا صُلِبَ، وَلَكِنْ لَمَّا قَالَ أَعْدَاؤُهُ: إِنَّهُمْ قَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ وَاتَّفَقَ رَفْعُهُ مِنَ الْأَرْضِ وَقَعَتِ الشُّبْهَةُ فِي أَمْرِهِمْ وَصَدَّقَهُمُ النَّصَارَى فِي صَلْبِهِ لِتَتِمَّ الشَّنَاعَةُ عَلَيْهِمْ.
وَكَيْفَ كَانَ، فَالْمَسِيحُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ، لَمْ يُقْتَلْ وَلَمْ يُصْلَبْ يَقِينًا لَا شَكَّ فِيهِ، ثُمَّ تَفَرَّقَ الْحَوَارِيُّونَ فِي الْبِلَادِ بَعْدَ رَفْعِهِ عَلَى دِينِهِ وَمِنْهَاجِهِ يَدْعُونَ الْأُمَمَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَدِينِهِ وَالْإِيمَانِ بِعَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَمَسِيحِهِ، فَدَخَلَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي دِينِهِ مَا بَيْنَ ظَاهِرٍ وَمَسْتُورٍ: ظَاهِرٌ مَشْهُورٌ وَمُخْتَفٍ مَسْتُورٌ.
وَأَعْدَاءُ اللَّهِ الْيَهُودُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي غَايَةِ الشِّدَّةِ وَالْأَذَى لِأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ.
وَلَقِيَ تَلَامِيذُ الْمَسِيحِ وَأَتْبَاعُهُ مِنَ الْيَهُودِ وَمِنَ الرُّومِ شِدَّةً شَدِيدَةً مِنْ قَتْلٍ وَعَذَابٍ وَتَشْرِيدٍ وَحَبْسٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَكَانَ الْيَهُودُ فِي زَمَنِ الْمَسِيحِ فِي ذِمَّةِ الرُّومِ، الَّذِينَ كَانُوا مُلُوكًا عَلَيْهِمْ، وَكَتَبَ نَائِبُ
стр. 325
الْمَلِكِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى الْمَلِكِ يُعْلِمُهُ بِأَمْرِ الْمَسِيحِ وَتَلَامِيذِهِ، وَمَا يَفْعَلُ مِنَ الْعَجَائِبِ الْكَثِيرَةِ مِنْ إِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى، فَهَمَّ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ وَيَتَّبِعَ دِينَهُ، فَلَمْ يُتَابِعْهُ أَصْحَابُهُ.
ثُمَّ هَلَكَ وَوَلِيَ بَعْدَهُ مَلِكٌ آخَرُ، وَكَانَ شَدِيدًا عَلَى تَلَامِذَةِ الْمَسِيحِ. ثُمَّ مَاتَ وَوَلِيَ بَعْدَهُ آخَرُ.
وَفِي زَمَنِهِ كَتَبَ مَتَّى إِنْجِيلَهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَفِي زَمَانِهِ صَارَ مُرْقُسُ وَالِي الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَدَعَا إِلَى الْإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ، وَهُوَ أَوَّلُ شَخْصٍ جُعِلَ بَتْرَكًا بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَصَيَّرَ مَعَهُ اثْنَيْ عَشَرَ قِسِّيسًا عَلَى عِدَةِ نُقَبَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي زَمَنِ مُوسَى، وَأَمَرَهُمْ إِذَا مَاتَ الْبَتْرَكُ أَنْ يَخْتَارُوا مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ وَاحِدًا يَجْعَلُونَهُ مَكَانَهُ، وَيَضَعُ الْاثْنَيْ عَشَرَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى رَأْسِهِ وَيُبَارِكُونَهُ، ثُمَّ يَخْتَارُونَ رَجُلًا فَاضِلًا قِسِّيسًا يُصَيِّرُونَهُ تَمَامَ الْعِدَّةِ. وَلَمْ يَزَلْ أَمْرُ الْقَوْمِ كَذَلِكَ إِلَى زَمَانِ قُسْطَنْطِينَ: ثُمَّ انْقَطَعَ هَذَا الرَّسْمُ فَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يُنَصِّبُوا الْبَتْرَكَ مِنْ أَيْ بَلَدٍ كَانَ مِنْ أُولَئِكَ الْقِسِّيسِينَ ثُمَّ يُسَمُّوهُ " بَابَا " وَمَعْنَاهُ أَبُو
стр. 326
الْآبَاءِ، وَخَرَجَ مُرْقُسُ إِلَى (بَرْقَةَ) يَدْعُو النَّاسَ إِلَى دِينِ الْمَسِيحِ، ثُمَّ جَاءَ مَلِكٌ آخَرُ فَأَهَاجَ عَلَى أَتْبَاعِ الْمَسِيحِ الشَّرَّ وَالْبَلَاءَ، وَأَخَذَهُمْ بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ، وَفِي عَصْرِهِ كَتَبَ بُطْرُسُ رَئِيسُ الْحَوَارِيِّينَ إِنْجِيلَ مُرْقُسَ عَنْهُ بِالرُّومِيَّةِ، وَنَسَبَهُ إِلَى مُرْقُسَ. وَفِي عَصْرِهِ كَتَبَ لُوقَا إِنْجِيلَهُ بِالرُّومِيَّةِ لِرَجُلٍ شَرِيفٍ مِنْ عُظَمَاءِ الرُّومِ، وَكَتَبَ لَهُ الْإِفْرَكْسِيسَ الَّذِي فِيهِ أَخْبَارُ التَّلَامِيذِ، وَفِي زَمَنِهِ صُلِبَ بُطْرُسُ.
وَزَعَمُوا أَنْ بُطْرُسَ قَالَ لَهُ: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَصْلُبَنِي فَاصْلُبْنِي مُنَكَّسًا، لِئَلَّا أَكُونَ مِثْلَ سَيِّدِي الْمَسِيحِ فَإِنَّهُ صُلِبَ قَائِمًا.
وَضُرِبَ عُنُقُ بُولُسَ بِالسَّيْفِ، وَأَقَامَ بُطْرُسُ بَعْدَ صُعُودِ الْمَسِيحِ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَأَقَامَ مُرْقُسُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَبَرْقَةَ سَبْعَ سِنِينَ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ، ثُمَّ قُتِلَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَأُحْرِقَ جَسَدُهُ بِالنَّارِ.
ثُمَّ اسْتَمَرَّتِ الْقَيَاصِرَةُ مُلُوكُ الرُّومِ عَلَى هَذِهِ السِّيرَةِ إِلَى أَنْ مَلَكَ قَيْصَرُ يُسَمَّى طِيطَسَ فَخَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ بَعْدَ الْمَسِيحِ بِسَبْعِينَ سَنَةً بَعْدَ أَنْ حَاصَرَهَا، وَأَصَابَ أَهْلَهَا جُوعٌ عَظِيمٌ، وَقَتَلَ مَنْ كَانَ بِهَا مَنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى حَتَّى كَانُوا يَشُقُّونَ بُطُونَ الْحَبَالَى
стр. 327
وَيَضْرِبُونَ بِأَطْفَالِهِنَّ الصُّخُورَ، وَضَرَبَ الْمَدِينَةَ وَأَضْرَمَ فِيهَا نَارًا، وَأُحْصِي الْقَتْلَى فَبَلَغُوا ثَلَاثَةَ آلَافِ أَلْفٍ.
ثُمَّ مَلَكَ مُلُوكٌ آخَرُونَ فَكَانَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ شَدِيدًا عَلَى الْيَهُودِ جِدًّا، فَبَلَغَهُ أَنَّ النَّصَارَى يَقُولُونَ إِنَّ الْمَسِيحَ مَلِكُهُمْ وَأَنَّ مُلْكَهُ يَدُومُ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، فَاشْتَدَّ غَضَبُهُ وَأَمَرَ بِقَتْلِ النَّصَارَى، وَأَنْ لَا يَبْقَى فِي مَمْلَكَتِهِ نَصْرَانِيٌّ.
وَكَانَ يُوحَنَّا صَاحِبُ الْإِنْجِيلِ هُنَاكَ فَهَرَبَ، ثُمَّ أَمَرَ الْمَلِكُ بِإِكْرَامِهِمْ وَتَرْكِ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ آخَرُ فَأَثَارَ عَلَى النَّصَارَى بَلَاءً عَظِيمًا، وَقَتَلَ بَتْرَكَ أَنْطَاكِيَةَ وَرُومِيَّةَ، وَقَتَلَ أُسْقُفَّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَصَلَبَهُ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَأَمَرَ بِاسْتِعْبَادِ النَّصَارَى، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ إِلَى أَنْ رَحِمَتْهُمُ الرُّومُ، وَقَالَ لَهُ وُزَرَاؤُهُ: إِنَّ لَهُمْ دِينًا وَشَرِيعَةً، وَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ اسْتِعْبَادُهُمْ فَكَفَّ عَنْهُمْ.
وَفِي عَصْرِهِ كَتَبَ يُوحَنَّا إِنْجِيلَهُ بِالرُّومِيَّةِ، وَفِي ذَلِكَ الْعَصْرِ رَجَعَ الْيَهُودُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَلَمَّا كَثُرُوا وَامْتَلَأَتْ بِهِمُ الْمَدِينَةُ، عَزَمُوا عَلَى أَنْ يُمَلِّكُوا مِنْهُمْ مَلِكًا، فَبَلَغَ الْخَبَرُ قَيْصَرَ، فَوَجَّهَ جَيْشًا إِلَيْهِمْ فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَا لَا يُحْصَى، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ آخَرَ فَأَخَذَ
стр. 328
النَّاسَ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَقَتَلَ مِنَ النَّصَارَى خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ، وَفِي زَمَانِهِ قَتَلَ الْيَهُودَ قَتْلًا ذَرِيعًا، وَخَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَهَرَبَ الْيَهُودُ إِلَى مِصْرَ وَإِلَى الشَّامِ وَالْجِبَالِ وَالْأَغْوَارِ، وَتَقَطَّعُوا فِي الْأَرْضِ، وَأَمَرَ الْمَلِكُ أَنْ لَا يَسْكُنَ الْمَدِينَةَ يَهُودِيٌّ، وَأَنْ يُقْتَلَ الْيَهُودُ وَيُسْتَأْصَلُوا، وَأَنْ يَسْكُنَ الْمَدِينَةَ الْيُونَانِيُّونَ. وَامْتَلَأَتْ بَيْتُ الْمَقْدِسِ مِنَ الْيُونَانِيِّينَ، وَالنَّصَارَى ذِمَّةُ الرُّومِ تَحْتَ أَيْدِيهِمْ، فَرَأَوْهُمْ يَأْتُونَ إِلَى مَزْبَلَةٍ هُنَاكَ فَيُصَلُّونَ فِيهَا، فَمَنَعُوهُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَبَنَوْا عَلَى الْمَزْبَلَةِ هَيْكَلًا بَاسِمِ الزَّهْرَةِ، فَلَمْ يُمْكِنِ النَّصَارَى بَعْدَ ذَلِكَ قُرْبَانُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.
ثُمَّ هَلَكَ هَذَا الْمَلِكُ، وَقَامَ بَعْدَهُ آخَرُ، فَنَصَّبَ يَهُودَا أُسْقُفًّا عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. قَالَ ابْنُ الْبِطْرِيقِ: فَمِنْ يَعْقُوبَ أُسْقُفِّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ الْأَوَّلِ إِلَى يَهُودَا أُسْقُفِّهِ هَذَا كَانَتِ الْأَسَاقِفَةُ الَّذِينَ عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ كُلُّهُمْ مَجْبُوبِينَ.
[وَعَادَ الْبَلَاءُ]
ثُمَّ وَلِيَ بَعْدَهُ آخَرُ فَأَثَارَ عَلَى النَّصَارَى بَلَاءً شَدِيدًا وَحُزْنًا طَوِيلًا، وَوَقَعَ فِي أَيَّامِهِ
стр. 329
قَحْطٌ شَدِيدٌ كَادَ النَّاسُ أَنْ يَهْلِكُوا، فَسَأَلُوا النَّصَارَى أَنْ يَبْتَهِلُوا إِلَى إِلَهِهِمْ، فَدَعَوْا وَابْتَهَلُوا إِلَى اللَّهِ فَأُمْطِرُوا وَارْتَفَعَ الْقَحْطُ وَالْوَبَاءُ.
قَالَ ابْنُ الْبِطْرِيقِ: وَفِي زَمَانِهِ كَتَبَ بَتْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ إِلَى أُسْقُفِّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَبَتْرَكِ أَنْطَاكِيَةَ وَبَتْرَكِ رُومِيَّةَ فِي (كِتَابٍ) فِصْحَ النَّصَارَى وَصَوْمَهُمْ، وَكَيْفَ يُسْتَخْرَجُ مِنْ فِصْحِ الْيَهُودِ، فَوَضَعُوا فِيهَا كُتُبًا عَلَى مَا هِيَ الْيَوْمَ.
قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ النَّصَارَى كَانُوا بَعْدَ صُعُودِ الْمَسِيحِ إِذَا عَيَّدُوا عِيدَ الْغِطَاسِ مِنَ الْغَدِ يَصُومُونَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَيُفْطِرُونَ كَمَا فَعَلَ الْمَسِيحُ، لِأَنَّهُ لَمَّا اعْتَمَدَ بِالْأُرْدُنِّ خَرَجَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ فَأَقَامَ بِهَا صَائِمًا أَرْبَعِينَ يَوْمًا.
وَكَانَ النَّصَارَى إِذَا أَفْصَحَ الْيَهُودُ عَيَّدُوا هُمُ الْفِصْحَ، فَوَضَعَ هَؤُلَاءِ الْبَتَارِكَةُ حِسَابًا لِلْفِصْحِ لِيَكُونَ فِطْرُهُمْ (يَوْمَ الْفِصْحِ) ، وَكَانَ الْمَسِيحُ يُعَيِّدُ مَعَ الْيَهُودِ فِي عِيدِهِمْ، فَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ أَصْحَابُهُ إِلَى أَنِ ابْتَدَعُوا تَغْيِيرَ الصَّوْمِ، فَلَمْ يَصُومُوا عَقِيبَ الْغِطِاسِ، بَلْ نَقَلُوا الصَّوْمَ إِلَى وَقْتٍ لَا يَكُونُ عِيدُهُمْ مَعَ (عِيدِ) الْيَهُودِ.
ثُمَّ مَاتَ ذَلِكَ الْمَلِكُ، وَقَامَ بَعْدَهُ آخَرُ، وَفِي زَمَنِهِ كَانَ جَالِينُوسُ، وَفِي زَمَنِهِ ظَهَرَتِ الْفُرْسُ، وَغَلَبَتْ عَلَى بَابِلَ وَآمِدَ وَفَارِسَ، وَتَمَلَّكَ أَزْدَشِيرُ بْنُ بَابَكَ فِي
стр. 330
(إِصْطَخْرَ) وَهُوَ أَوَّلُ مَلِكٍ عَلَى فَارِسَ فِي الْمُدَّةِ الثَّانِيَةِ.
ثُمَّ مَاتَ قَيْصَرُ وَقَامَ بَعْدَهُ آخَرُ، ثُمَّ آخَرُ، وَكَانَ شَدِيدًا عَلَى النَّصَارَى عَذَّبَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا، وَقَتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا مِنْهُمْ، وَقَتَلَ كُلَّ عَالِمٍ فِيهِمْ، ثُمَّ قَتَلَ مَنْ كَانَ بِمِصْرَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ مِنَ النَّصَارَى، وَهَدَمَ الْكَنَائِسَ، وَبَنَى بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ هَيْكَلًا وَسَمَّاهُ هَيْكَلَ الْآلِهَةِ.
ثُمَّ قَامَ بَعْدَهُ قَيْصَرُ آخَرُ، ثُمَّ آخَرُ وَكَانَتِ النَّصَارَى فِي زَمَنِهِ فِي هُدُوءٍ وَسَلَامَةٍ، وَكَانَتْ تَحْتَ ذِمَّةٍ - أَيْ تَحْتَ ذِمَّةِ الرُّومِ.
ثُمَّ قَامَ بَعْدَهُ آخَرُ فَأَثَارَ عَلَى النَّصَارَى بَلَاءً عَظِيمًا وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا، وَأَخَذَ النَّاسَ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَقَتَلَ مِنَ الْأَسَاقِفَةِ خَلْقًا كَثِيرًا مِنْهُمْ وَقَتَلَ كُلَّ عَالِمٍ فِيهِمْ، وَقَتَلَ بَتْرَكَ أَنْطَاكِيَةَ، فَلَمَّا سَمِعَ بَتْرَكُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِقَتْلِهِ هَرَبَ وَتَرَكَ الْكُرْسِيَّ.
ثُمَّ هَلَكَ وَقَامَ بَعْدَهُ آخَرُ، وَفِي أَيَّامِ هَذَا ظَهَرَ مَانِي الْكَذَّابُ، وَزَعَمَ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَكَانَ كَثِيرَ الْحِيَلِ وَالْمَخَارِيقِ، فَأَخَذَهُ بِهْرَامُ مَلِكُ الْفُرْسِ فَشَقَّهُ نِصْفَيْنِ، وَأَخَذَ مِنْ أَتْبَاعِهِ مِائَتَيْ رَجُلٍ فَغَرَسَ رُءُوسَهُمْ فِي الطِّينِ مُنَكَّسِينَ حَتَّى مَاتُوا.
стр. 331
ثُمَّ قَامَ مِنْ بَعْدِهِ فِيلِيبْسُ فَآمَنَ بِالْمَسِيحِ فَوَثَبَ عَلَيْهِ بَعْضُ قُوَّادِهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ قَامَ بَعْدَهُ ذَانْقِيُوسُ، وَيُسَمَّى دِقْيَانُوسُ فَلَقِيَ النَّصَارَى مِنْهُ بَلَاءً عَظِيمًا، وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَا لَا يُحْصَى، وَقَتَلَ بَتْرَكَ رُومِيَّةَ، وَبَنَى بِكَنِيسَتِهَا هَيْكَلًا عَظِيمًا وَجَعَلَ فِيهِ الْأَصْنَامَ، وَأَمَرَ أَنْ يَسْجُدَ لَهَا وَيُذْبَحَ لَهَا، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ يُقْتَلُ، فَقَتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ النَّصَارَى، وَصُلِبُوا عَلَى الْهَيْكَلِ، وَاتَّخَذَ مِنْ أَوْلَادِ عُظَمَاءِ الْمَدِينَةِ سَبْعَةَ غِلْمَانٍ، فَجَعَلَهُمْ خَاصَّتَهُ فَقَدَّمَهُمْ عَلَى جَمِيعِ مَنْ عِنْدَهُ، وَكَانُوا لَا يَسْجُدُونَ لِلْأَصْنَامِ، فَأُعْلِمَ الْمَلِكُ بِخَبَرِهِمْ، فَحَبَسَهُمْ ثُمَّ أَطْلَقَهُمْ، وَخَرَجَ إِلَى مَخْرِجٍ لَهُ، فَأَخَذَ الْفِتْيَةُ كُلَّ مَالِهِمْ فَتَصَدَّقُوا بِهِ، ثُمَّ خَرَجُوا إِلَى جَبَلٍ عَظِيمٍ فِيهِ كَهْفٌ كَبِيرٌ، فَاخْتَفَوْا فِيهِ، وَصَبَّ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النُّعَاسَ فَنَامُوا كَالْأَمْوَاتِ، وَأَمَرَ الْمَلِكُ أَنْ يُبْنَى عَلَيْهِمْ بَابُ الْكَهْفِ كَيْ يَمُوتُوا، فَأَخَذَ قَائِدٌ مِنْ قُوَّادِهِ صَفِيحَةً مِنْ نُحَاسٍ، فِيهَا أَسْمَاؤُهُمْ وَقِصَّتُهُمْ مَعَ دِقْيَانُوسَ، وَصَيَّرُهَا فِي صُنْدُوقٍ مِنْ نُحَاسٍ، وَدَفَنَهُ دَاخِلَ الْكَهْفِ وَسَدَّهُ، ثُمَّ مَاتَ الْمَلِكُ، ثُمَّ قَامَ بَعْدَهُ قَيْصَرُ آخَرُ، وَفِي زَمَنِهِ جَعَلَ فِي أَنْطَاكِيَةَ بَتْرَكًا
стр. 332
يُسَمَّى بُولُسَ الشِّمْشَاطِيَّ وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ ابْتَدَعَ فِي شَأْنِ الْمَسِيحِ اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ وَكَانَتِ النَّصَارَى قَبْلَهُ كَلِمَتُهُمْ وَاحِدَةٌ أَنَّهُ عَبْدٌ رَسُولٌ مَخْلُوقٌ وَمَرْبُوبٌ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ اثْنَانِ مِنْهُمْ، فَقَالَ: بُولُسُ هَذَا - وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَفْسَدَ النَّصَارَى وَأَفْسَدَ دِينَهُمْ - إِنَّ سَيِّدَنَا عِيسَى خُلِقَ مِنَ اللَّاهُوتِ إِنْسَانًا كَوَاحِدٍ مِنَّا فِي جَوْهَرِهِ، أَنَّ ابْتِدَاءَ الِابْنِ مِنْ مَرْيَمَ، وَأَنَّهُ اصْطُفِيَ لِيَكُونَ مُخَلِّصًا لِلْجَوْهَرِ الْإِنْسِيِّ، وَصَحِبَتْهُ النِّعْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ فَحَلَّتْ فِيهِ بِالْمَحَبَّةِ وَالْمَشِيئَةِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ ابْنَ اللَّهِ، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ وَأُقْنُومٌ وَاحِدٌ.
[مجمعات النصارى العشرة]
[المجمع الأول: مجمع إنطاكية ٣٢٤ م]
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ بِطْرِيقٍ: وَبَعْدَ مَوْتِهِ اجْتَمَعَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا فِي مَدِينَةِ أَنْطَاكِيَةَ، وَنَظَرُوا فِي مَقَالَةِ بُولُسَ، وَأَوْجَبُوا عَلَيْهِ اللَّعْنَ فَلَعَنُوهُ وَلَعَنُوا مَنْ يَقُولُ قَوْلَهُ وَانْصَرَفُوا.
ثُمَّ قَامَ قَيْصَرُ آخَرُ فَكَانَتِ النَّصَارَى فِي زَمَنِهِ يُصَلُّونَ فِي الْمَطَامِيرِ وَالْبُيُوتِ فَزَعًا مِنَ الرُّومِ، وَلَمْ يَكُنْ بَتْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ يَظْهَرُ، خَوْفًا أَنْ يُقْتَلَ، فَقَامَ (بَارُونُ) بَتْرَكًا، فَلَمْ يَزَلْ يُدَارِي الرُّومَ حَتَّى بَنَى بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ كَنِيسَةً.
ثُمَّ قَامَ قَيَاصِرَةٌ أُخَرُ، مِنْهُمُ اثْنَانِ تَمَلَّكَا عَلَى الرُّومِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً، فَأَثَارَا عَلَى النَّصَارَى بَلَاءً عَظِيمًا، وَعَذَابًا أَلِيمًا، وَشِدَّةً تَجِلُّ عَنِ الْوَصْفِ فِي الْقَتْلِ وَالْعَذَابِ وَاسْتِبَاحَةِ الْحَرِيمِ وَالْأَمْوَالِ، وَقَتَلَا أُلُوفًا مُؤَلَّفَةً مِنَ النَّصَارَى، وَعَذَّبُوا مَارِجِرْجِسَ أَشَدَّ
стр. 333
الْعَذَابِ ثُمَّ قَتَلُوهُ، وَفِي زَمَانِهِمَا ضُرِبَتْ عُنُقُ بُطْرُسَ بَتْرَكِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَكَانَ لَهُ تِلْمِيذَانِ.
وَكَانَ فِي زَمَنِهِ آرِيُوسُ، يَقُولُ: إِنَّ الْأَبَّ وَحْدَهُ اللَّهُ الْفَرْدُ الصَّمَدُ، وَالِابْنُ مَخْلُوقٌ مَصْنُوعٌ، وَقَدْ كَانَ الْأَبُّ إِذَا لَمْ يَكُنِ الِابْنُ.
وَقَالَ بُطْرُسُ لِتِلْمِيذَيْهِ: إِنَّ الْمَسِيحَ لَعَنَ آرِيُوسَ فَاحْذَرَا أَنْ تَقْبَلَا قَوْلَهُ، فَإِنِّي رَأَيْتُ الْمَسِيحَ فِي النَّوْمِ مَشْقُوقَ الثَّوْبِ، فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي! مَنْ شَقَّ ثَوْبَكَ؟ فَقَالَ لِي: آرِيُوسُ فَاحْذَرُوا أَنْ تَقْبَلُوهُ أَوْ يَدْخُلَ مَعَكُمُ الْكَنِيسَةَ.
وَبَعْدَ قَتْلِ بُطْرُسَ بِخَمْسِ سِنِينَ صُيِّرَ أَحَدُ تِلْمِيذَيْهِ بَتْرَكًا عَلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَأَقَامَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَمَاتَ، وَلَمَّا جَرَى عَلَى آرِيُوسَ مَا جَرَى، أَظْهَرَ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ مَقَالَتِهِ، فَقَبِلَهُ هَذَا الْبَتْرَكُ وَأَدْخَلَهُ الْكَنِيسَةَ وَجَعَلَهُ قِسِّيسًا.
ثُمَّ قَامَ قَيْصَرُ آخَرُ فَجَعَلَ يَتَطَلَّبُ النَّصَارَى وَيَقْتُلُهُمْ حَتَّى صَبَّ اللَّهُ عَلَيْهِ الْهَلَاكَ فَهَلَكَ بِشَرِّ هَلَكَةٍ.
ثُمَّ قَامَ بَعْدَهُ قَيْصَرَانِ:
(أَحَدُهُمَا) مَلَكَ الشَّامَ وَأَرْضَ الرُّومِ وَبَعْضَ الشَّرْقِ.
(وَالْآخَرُ) رُومِيَّةَ وَمَا جَاوَرَهَا، وَكَانَا كَالسِّبَاعِ الضَّارِيَةِ عَلَى النَّصَارَى، فَعَلَا بِهِمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَالْجَلَاءِ مَا لَمْ يَفْعَلْهُ بِهِمْ مَلِكٌ قَبْلَهُمَا.
стр. 334
وَمَلَكَ مَعَهُمَا قُسْطَنْطِينُ أَبُو قُسْطَنْطِينَ، وَكَانَ دَيِّنًا مُبْغِضًا لِلْأَصْنَامِ مُحِبًّا لِلنَّصَارَى، فَخَرَجَ إِلَى نَاحِيَةِ الْجَزِيرَةِ وَالرُّهَا، فَنَزَلَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الرُّهَا، فَرَأَى هُنَاكَ امْرَأَةً جَمِيلَةً يُقَالُ لَهَا: هِيلَانَةُ، وَكَانَتْ قَدْ تَنَصَّرَتْ عَلَى يَدِ أُسْقُفِّ الرُّهَا، وَتَعَلَّمَتْ قِرَاءَةَ الْكُتُبِ فَخَطَبَهَا قُسْطَنْطِينُ مِنْ أَبِيهَا فَزَوَّجَهَا مِنْهُ فَحَبِلَتْ مِنْهُ، وَوَلَدَتْ قُسْطَنْطِينَ فَتَرَبَّى بِالرُّهَا، وَتَعَلَّمَ حِكْمَةَ الْيُونَانِ، وَكَانَ جَمِيلَ الْوَجْهِ قَلِيلَ الشَّرِّ مُحِبًّا لِلْحِكْمَةِ.
وَكَانَ عَلَانِيُوسُ مِلْكُ الرُّومِ حِينَئِذٍ رَجُلًا فَاجِرًا شَدِيدَ الْبَأْسِ، مُبْغِضًا لِلنَّصَارَى جِدًّا، كَثِيرَ الْقَتْلِ مِنْهُمْ، مُحِبًّا لِلنِّسَاءِ، لَمْ يَتْرُكْ لِلنَّصَارَى بِنْتًا جَمِيلَةً إِلَّا أَفْسَدَهَا وَكَذَلِكَ أَصْحَابُهُ، وَكَانَ النَّصَارَى فِي جَهْدٍ شَدِيدٍ مَعَهُمْ، فَبَلَغَهُ خَبَرُ قُسْطَنْطِينَ وَأَنَّهُ غُلَامٌ هَادِئٌ قَلِيلُ الشَّرِّ كَثِيرُ الْخَيْرِ كَثِيرُ الْعِلْمِ، وَأَخْبَرَهُ الْمُنَجِّمُونَ وَالْكَهَنَةُ أَنَّهُ سَيَمْلِكُ مُلْكًا عَظِيمًا، فَهَمَّ بِقَتْلِهِ فَهَرَبَ قُسْطَنْطِينُ مِنَ الرُّهَا، وَوَصَلَ إِلَى أَبِيهِ فَسَلَّمَ إِلَيْهِ الْمُلْكَ، ثُمَّ مَاتَ أَبُوهُ، وَصَبَّ اللَّهُ عَلَى عَلَانِيُوسَ أَنْوَاعًا مِنَ الْبَلَاءِ، حَتَّى تَعَجَّبَ النَّاسُ مِمَّا نَالَهُ، وَرَحِمَهُ أَعْدَاؤُهُ مِمَّا حَلَّ بِهِ، فَرَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ، وَقَالَ: لَعَلَّ هَذَا بِسَبَبِ ظُلْمِ النَّصَارَى، فَكَتَبَ إِلَى جَمِيعِ عُمَّالِهِ أَنْ يُطْلِقُوا النَّصَارَى مِنَ الْحُبُوسِ، وَأَنْ يُكْرِمُوهُمْ وَيَسْأَلُوهُمْ أَنْ يَدْعُوا لَهُ فِي صَلَاتِهِمْ، فَوَهَبَ اللَّهُ لَهُ الْعَافِيَةَ، وَرَجَعَ إِلَى أَفْضَلِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الصِّحَّةِ وَالْقُوَّةِ، فَلَمَّا صَحَّ وَقَوِيَ رَجَعَ إِلَى شَرِّ مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَقْتُلُوا النَّصَارَى، وَأَنْ لَا يَدَعُوا فِي مَمْلَكَتِهِمْ نَصْرَانِيًّا، وَلَا يَسْكُنُوا لَهُ مَدِينَةً وَلَا قَرْيَةً، فَكَانَ الْقَتْلَى يُحْمَلُونَ عَلَى الْعَجَلِ وَيُرْمَى بِهِمْ فِي الْبَحْرِ وَالصَّحَارَى.
стр. 335
وَأَمَّا قَيْصَرُ الْآخَرُ الَّذِي كَانَ مَعَهُ، فَكَانَ شَدِيدًا عَلَى النَّصَارَى، وَاسْتَعْبَدَ مَنْ كَانَ بِرُومِيَّةَ مِنَ النَّصَارَى، وَنَهَبَ أَمْوَالَهُمْ، وَقَتَلَ رِجَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَصِبْيَانَهُمْ، فَلَمَّا سَمِعَ أَهْلُ رُومِيَّةَ بِقُسْطَنْطِينَ أَنَّهُ مُبْغِضٌ لِلشَّرِّ مُحِبٌّ لِلْخَيْرِ، وَأَنَّ أَهْلَ مَمْلَكَتِهِ مَعَهُ فِي هُدُوءٍ وَسَلَامَةٍ، كَتَبَ رُؤَسَاؤُهُمْ إِلَيْهِ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يُخَلِّصَهُمْ مِنْ عُبُودِيَّةِ مِلِكِهِمْ، فَلَمَّا قَرَأَ كُتُبَهُمُ اغْتَمَّ غَمًّا شَدِيدًا وَبَقِيَ مُتَحَيِّرًا لَا يَدْرِي كَيْفَ يَصْنَعُ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْبِطْرِيقِ: فَظَهَرَ لَهُ بِنِصْفِ النَّهَارِ فِي السَّمَاءِ صَلِيبٌ مِنْ كَوْكَبٍ مَكْتُوبًا حَوْلَهُ: بِهَذَا تَغْلِبُ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَآمَنَ حِينَئِذٍ بِالنَّصْرَانِيَّةِ، فَتَجَهَّزَ لِمُحَارَبَةِ قَيْصَرَ الْمَذْكُورِ، وَصَنَعَ صَلِيبًا كَبِيرًا مِنْ ذَهَبٍ وَصَيَّرَهُ عَلَى رَأْسِ الْبَنْدِ، وَخَرَجَ بِأَصْحَابِهِ فَأُعْطِي النَّصْرَ عَلَى قَيْصَرَ، فَقَتَلَ مِنْ أَصْحَابِهِ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَهَرَبَ الْمَلِكُ وَمَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَخَرَجَ أَهْلُ رُومِيَّةَ إِلَى قُسْطَنْطِينَ بِالْإِكْلِيلِ الذَّهَبِ، وَبِكُلِّ أَنْوَاعِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ، فَتَلَقَّوْهُ وَفَرِحُوا بِهِ فَرَحًا عَظِيمًا، فَلَمَّا دَخَلَ الْمَدِينَةَ أَكْرَمَ النَّصَارَى، وَرَدَّهُمْ إِلَى بِلَادِهِمْ بَعْدَ النَّفْيِ وَالتَّشْرِيدِ، وَأَقَامَ أَهْلُ رُومِيَّةَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ يَعْبُدُونَ لِلْمَلَكِ وَالصَّلِيبِ، فَلَمَّا سَمِعَ عَلَانِيُوسُ جَمَعَ جُمُوعَهُ وَتَجَهَّزَ لِقِتَالِ قُسْطَنْطِينَ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْعَيْنُ فِي الْعَيْنِ انْهَزَمُوا، وَأَخَذَتْهُمُ السُّيُوفُ، وَأَفْلَتَ عَلَانِيُوسُ فَلَمْ يَزَلْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَى قَرْيَةٍ حَتَّى وَصَلَ إِلَى بَلَدِهِ، فَجَمْعَ السَّحَرَةَ وَالْكَهَنَةَ وَالْعَرَّافِينَ الَّذِينَ كَانَ يُحِبُّهُمْ وَيَقْبَلُ مِنْهُمْ، فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ لِئَلَّا يَقَعُوا فِي يَدِ قُسْطَنْطِينَ.
стр. 336
وَتَنَصَّرَ قُسْطَنْطِينُ، وَأَمَرَ بِبِنَاءِ الْكَنَائِسِ، فِي كُلِّ بَلَدٍ وَأَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ الْخَرَاجُ فِيمَا يُعْمَلُ بِهِ أَبْنِيَةُ الْكَنَائِسِ، وَقَامَ بِدِينِ النَّصْرَانِيَّةِ حَتَّى ضَرَبَ بِجِرَانِهِ فِي زَمَانِهِ، فَلَمَّا تَمَّ لَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ مُلْكِهِ، مَاجَ النَّصَارَى فِي أَمْرِ الْمَسِيحِ وَاضْطَرَبُوا، فَأَمَرَ بِالْمَجْمَعِ فِي مَدِينَةِ (نِيقِيَّةَ) وَهِيَ الَّتِي رُتِّبَتْ فِيهَا الْأَمَانَةُ بَعْدَ هَذَا الْمَجْمَعِ - كَمَا سَيَأْتِي - فَأَرَادَ آرِيُوسُ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُمْ فَمَنَعَهُ بَتْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَقَالَ إِنَّ بُطْرُسَ قَالَ لَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ آرِيُوسَ، فَلَا تَقْبَلُوهُ وَلَا تُدْخِلُوهُ الْكَنِيسَةَ.
وَكَانَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَأَسْيُوطَ مِنْ عَمَلِ مِصْرَ أُسْقُفٌّ يَقُولُ بِقَوْلِ آرِيُوسَ فَلَعَنَهُ أَيْضًا، وَكَانَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ هَيْكَلٌ عَظِيمٌ عَلَى اسْمِ زُحَلَ، وَكَانَ فِيهِ صَنَمٌ مِنْ نُحَاسٍ يُسَمَّى (مِيكَائِيلَ) ، وَكَانَ أَهْلُ مِصْرَ وَأَهْلُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِي اثْنَيْ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ هَتُورَ، وَهُوَ تِشْرِينُ الثَّانِي، يُعَيِّدُونَ لِذَلِكَ الصَّنَمِ عِيدًا عَظِيمًا، وَيَذْبَحُونَ لَهُ الذَّبَائِحَ، فَلَمَّا ظَهَرَتِ النَّصْرَانِيَّةُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ أَرَادَ بَتَرَكُهَا أَنْ يَكْسِرَ الصَّنَمَ وَيُبْطِلَ الذَّبَائِحَ لَهُ، فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ أَهْلُهَا، فَاحْتَالَ عَلَيْهِمْ بِحِيلَةٍ، وَقَالَ: لَوْ جَعَلْتُمْ هَذَا الْعِيدَ لِمِيكَائِيلَ مَلَكِ اللَّهِ لَكَانَ أَوْلَى، فَإِنَّ هَذَا الصَّنَمَ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ، فَأَجَابُوهُ فَكَسَرَ الصَّنَمَ وَجَعَلَ مِنْهُ صَلِيبًا، وَسَمَّى الْهَيْكَلَ كَنِيسَةَ مِيكَائِيلَ.
стр. 337
فَلَمَّا مَنَعَ بَتْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ آرِيُوسَ مِنْ دُخُولِ الْكَنِيسَةِ وَلَعَنَهُ، خَرَجَ آرِيُوسَ مُسْتَعْدِيًا عَلَيْهِ وَمَعَهُ أُسْقُفَّانِ، فَاسْتَغَاثُوا إِلَى قُسْطَنْطِينَ، وَقَالَ آرِيُوسُ: إِنَّهُ تَعَدَّى عَلَيَّ وَأَخْرَجَنِي مِنَ الْكَنِيسَةِ ظُلْمًا، وَسَأَلَ الْمَلِكَ أَنْ يُشْخِصَ بَتْرَكَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ لِيُنَاظِرَهُ قُدَّامَ الْمَلِكِ، فَوَجَّهَ قُسْطَنْطِينُ بِرَسُولٍ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَأَشْخَصَ الْبَتْرَكَ وَجَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آرِيُوسَ يُنَاظِرُهُ، فَقَالَ قُسْطَنْطِينُ لِآرِيُوسَ: اشْرَحْ مَقَالَتَكَ.
قَالَ آرِيُوسُ: أَقُولُ: إِنَّ الْأَبَّ كَانَ إِذَا لَمْ يَكُنِ الِابْنُ، ثُمَّ إِنَّهُ أَحْدَثَ الِابْنَ، وَكَانَ كَلِمَةً لَهُ إِلَّا أَنَّهُ مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ، ثُمَّ فَوَّضَ الْأَمْرَ إِلَى ذَلِكَ الِابْنِ الْمُسَمَّى كَلِمَةً، فَكَانَ هُوَ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، كَمَا قَالَ فِي إِنْجِيلِهِ إِذْ يَقُولُ: وَهَبْ لِي سُلْطَانًا عَلَى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَكَانَ هُوَ الْخَالِقُ لَهُمَا بِمَا أُعْطِيَ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّ الْكَلِمَةَ تَجَسَّدَتْ مِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ، وَمِنْ رُوحِ الْقُدُسِ فُطِرَ ذَلِكَ مَسِيحًا وَاحِدًا، فَالْمَسِيحُ الْآنَ مَعْنَيَانِ كَلِمَةٌ وَجَسَدٌ إِلَّا أَنَّهُمَا جَمِيعًا مَخْلُوقَانِ.
فَأَجَابَهُ عِنْدَ ذَلِكَ بَتْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَقَالَ: تُخْبِرُنَا أَيُّمَا أَوْجَبُ عَلَيْنَا عِنْدَكَ: عِبَادَةُ مَنْ خَلَقَنَا أَوْ عِبَادَةُ مَنْ لَمْ يَخْلُقْنَا؟
قَالَ آرِيُوسُ: بَلْ عِبَادَةُ مَنْ خَلَقَنَا.
قَالَ لَهُ الْبَتْرَكُ: فَإِنْ كَانَ خَالِقُنَا الِابْنَ - كَمَا وَصَفْتَ - وَكَانَ الِابْنُ مَخْلُوقًا، فَعِبَادَةُ الِابْنِ الْمَخْلُوقِ أَوْجَبُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَبِ الَّذِي لَيْسَ بِخَالِقٍ، بَلْ تَصِيرُ عِبَادَةُ الْآبِ الَّذِي خَلَقَ
стр. 338
الِابْنَ كُفْرًا، وَعِبَادَةُ الِابْنِ الْمَخْلُوقِ إِيمَانًا، وَذَلِكَ مِنْ أَقْبَحِ الْأَقَاوِيلِ، فَاسْتَحْسَنَ الْمَلِكُ وَكُلُّ مَنْ حَضَرَ مَقَالَةَ الْبَتْرَكِ، وَشَنَّعَ عِنْدَهُمْ مَقَالَةَ آرِيُوسَ، وَدَارَتْ بَيْنَهُمَا أَيْضًا مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ، فَأَمَرَ قُسْطَنْطِينُ الْبَتْرَكَ أَنْ يُكَفِّرَ آرِيُوسَ وَكُلَّ مَنْ قَالَ بِمَقَالَتِهِ، فَقَالَ لَهُ: بَلْ يُوَجِّهُ الْمَلِكُ بِشَخْصِ الْبَتَارِكِ وَالْأَسَاقِفَةِ حَتَّى يَكُونَ لَنَا مَجْمَعٌ وَنَضَعُ فِيهِ قَضِيَّةً، وَيُكَفَّرَ آرِيُوسُ، وَنَشْرَحَ الدِّينَ، وَنُوَضِّحَهُ لِلنَّاسِ،
[المجمع الثاني
مجمع نيقية ٣٢٥ م
وضع قانون الإيمان (بالأمانة) :]
فَبَعَثَ قُسْطَنْطِينُ الْمَلِكُ إِلَى جَمِيعِ الْبُلْدَانِ فَجَمَعَ الْبَتَارِكَةُ وَالْأَسَاقِفَةِ، فَاجْتَمَعَ فِي مَدِينَةِ نِيقِيَّةَ بَعْدَ سَنَةٍ وَشَهْرَيْنِ أَلْفَانِ وَثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ أُسْقُفًّا، فَكَانُوا مُخْتَلِفِي الْأَرَاءِ، مُخْتَلِفِي الْأَدْيَانِ.
فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْمَسِيحُ وَمَرْيَمُ إِلَهَانِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهُمُ الْمَرْيَمَانِيَّةُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْمَسِيحُ مِنَ الْأَبِ بِمَنْزِلَةِ شُعْلَةِ نَارٍ، تَعَلَّقَتْ مِنْ شُعْلَةِ نَارٍ، فَلَمْ تُنْقُصْ مِنَ الْأُولَى لِإِيقَادِ الثَّانِيَةِ مِنْهَا.
وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَقُولُ: لَمْ تَحْبَلْ مَرْيَمُ تِسْعَةَ شُهُورٍ، وَإِنَّمَا مَرَّ نُورٌ فِي بَطْنِ مَرْيَمَ كَمَا يَمُرُّ الْمَاءُ فِي الْمِيزَابِ، لِأَنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ دَخَلَتْ مِنْ أُذُنِهَا وَخَرَجَتْ مِنْ حَيْثُ يَخْرُجُ الْوَلَدُ مِنْ سَاعَتِهَا، وَهَذِهِ مَقَالَةُ أَلْبَانَ وَأَشْيَاعِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَسِيحَ إِنْسَانٌ خُلِقَ مِنَ اللَّاهُوتِ كَوَاحِدٍ مِنَّا فِي جَوْهَرِهِ، وَإِنِ ابْتَدَأَ الِابْنُ مِنْ مَرْيَمَ، وَأَنَّهُ اصْطُفِيَ لِيَكُونَ مُخَلِّصًا لِلْجَوْهَرِ الْإِنْسِيِّ صَحِبَتْهُ النِّعْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ، فَحَلَّتْ مِنْهُ بِالْمَحَبَّةِ وَالْمَشِيئَةِ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ ابْنُ اللَّهِ.
стр. 339
وَيَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ وَأُقْنُومٌ وَاحِدٌ، وَيُسَمُّونَهُ بِثَلَاثَةِ أَسْمَاءٍ، وَلَا يُؤْمِنُونَ بِالْكَلِمَةِ وَلَا بِرُوحِ الْقُدُسِ، وَهَذِهِ مَقَالَةُ بُولُسَ وَأَشْيَاعِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَقُولُ: ثَلَاثَةُ آلِهَةٍ لَمْ يَزَلْ صَالِحٌ وَطَالِحٌ وَعَدْلٌ بَيْنَهُمَا، وَهَذِهِ مَقَالَةُ مَرْقِيُونَ وَأَشْيَاعِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: رَبُّنَا هُوَ الْمَسِيحُ، وَهِيَ مَقَالَةُ الثَّلَاثِمِائَةِ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا.
قَالَ ابْنُ الْبِطْرِيقِ: فَلَمَّا سَمِعَ قُسْطَنْطِينُ الْمَلِكُ مَقَالَاتِهِمْ عَجِبَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَخْلَى لَهُمْ دَارًا، وَتَقَدَّمَ لَهُمْ بِالْإِكْرَامِ وَالضِّيَافَةِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَنَاظَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ لِيُنْظَرَ مَنْ مَعَهُ الْحَقُّ فَيَتْبَعَهُ، فَاتَّفَقَ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةُ عَشَرَ أُسْقُفًّا عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ وَرَأْيٍ وَاحِدٍ.
وَنَاظَرُوا بَقِيَّةَ الْأَسَاقِفَةِ الْمُخْتَلِفِينَ، فَفَلَحُوا عَلَيْهِمْ فِي الْمُنَاظَرَةِ.
وَكَانَ بَاقِي الْأَسَاقِفَةِ مُخْتَلِفِي الْأَرَاءِ وَالْأَدْيَانِ، فَصَنَعَ الْمَلِكُ لِلثَّلَاثِمِائَةِ وَالثَّمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا مَجْلِسًا عَظِيمًا، وَجَلَسَ فِي وَسَطِهِ، وَأَخَذَ خَاتَمَهُ وَسَيْفَهُ، وَقَضِيبَهُ فَدَفَعَ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ لَهُمْ: قَدْ سَلَّطْتُكُمُ الْيَوْمَ عَلَى الْمَمْلَكَةِ، فَاصْنَعُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَمَا يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَصْنَعُوا، مِمَّا فِيهِ قِوَامُ الدِّينِ وَصَلَاحُ الْأُمَّةِ، فَبَارَكُوا عَلَى الْمَلِكِ وَقَلَّدُوهُ سَيْفَهُ، وَقَالُوا لَهُ: أَظْهِرْ دِينَ النَّصْرَانِيَّةِ وَذَبَّ عَنْهُ، وَوَضَعُوا لَهُ أَرْبَعِينَ كِتَابًا فِيهَا السُّنَنُ وَالشَّرَائِعُ، وَفِيهَا مَا يَصْلُحُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ الْأَسَاقِفَةُ وَمَا يَصْلُحُ لِلْمَلِكِ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا.
стр. 340
وَكَانَ رَئِيسُ الْقَوْمِ وَالْجَمْعِ الْمُقَدَّمِ فِيهِ بَتْرَكَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَبَتْرَكَ أَنْطَاكِيَةَ وَأُسْقُفَّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
وَوَجَّهَ بَتَرْكُ رُومِيَّةَ مِنْ عِنْدِهِ رَجُلَيْنِ فَاتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى لَعْنِ آرِيُوسَ وَأَصْحَابِهِ، وَلَعَنُوهُ وَكُلَّ مَنْ قَالَ بِمَقَالَتِهِ، وَوَضَعُوا الْأَمَانَةَ، وَقَالُوا: إِنَّ الِابْنَ مَوْلُودٌ مِنَ الْأَبِ قَبْلَ كَوْنِ الْخَلَائِقِ، وَإِنَّ الِابْنَ مِنْ طَبِيعَةِ الْأَبِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَكُونَ فِصْحُ النَّصَارَى يَوْمَ الْأَحَدِ، لِيَكُونَ بَعْدَ فِصْحِ الْيَهُودِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ فِصْحُ الْيَهُودِ مَعَ فَصْحِهِمْ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَمَنَعُوا أَنْ يَكُونَ لِلْأُسْقُفِّ زَوْجَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَسَاقِفَةَ مُنْذُ وَقْتِ الْحَوَارِيِّينَ إِلَى مَجْمَعِ الثَّلَاثِمِائَةِ وَالثَّمَانِيَةَ عَشَرَ كَانَ لَهُمْ نِسَاءٌ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا صَيَّرُوا وَاحِدًا أُسْقُفًّا وَكَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ ثَبَتَتْ مَعَهُ وَلَمْ تَتَنَحَّ عَنْهُ مَا خَلَا الْبَتَارِكَةَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ نِسَاءٌ، وَلَا كَانُوا يُصَيِّرُونَ أَحَدًا لَهُ زَوْجَةٌ بَتْرَكًا.
قَالَ: وَانْصَرَفُوا مُكَرَّمِينَ مَحْظُوظِينَ، وَذَلِكَ فِي سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ مُلْكِ قُسْطَنْطِينَ الْمَلِكِ، وَأَمَرَ بِثَلَاثِ سُنَنٍ: (أَحَدُهَا) : كَسْرُ الْأَصْنَامِ وَقَتْلُ مَنْ يَعْبُدُهَا.
(وَالثَّانِيَةُ) : أَمَرَ أَنْ لَا يُثْبَتَ فِي الدِّيوَانِ إِلَّا أَوْلَادُ النَّصَارَى، وَيَكُونُوا هُمُ الْأُمَرَاءُ وَالْقُوَّادُ.
стр. 341
(وَالثَّالِثُ) : أَنْ يُقِيمَ النَّاسُ جُمُعَةَ الْفِصْحِ فَالْجُمُعَةُ الَّتِي بَعْدَهَا لَا يَعْمَلُونَ فِيهَا عَمَلًا وَلَا يَكُونُ فِيهَا حَرْبٌ.
وَتَقَدَّمَ قُسْطَنْطِينُ إِلَى أُسْقُفِّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَنْ يَطْلُبَ مَوْضِعَ الْمَقْبَرَةِ وَالصَّلِيبِ وَيَبْنِيَ الْكَنَائِسَ، وَيَبْدَأَ بِبِنَاءِ بَيْتِ الْقُبَابَةِ.
فَقَالَتْ هِيلَانَةُ أُمُّهُ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَسِيرَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَطْلُبَ الْمَوَاضِعَ الْمُقَدَّسَةَ وَأَبْنِيَهَا، فَدَفَعَ إِلَيْهَا الْمَلِكُ أَمْوَالًا جَزِيلَةً، وَسَارَتْ مَعَ أُسْقُفِّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَبَنَتْ كَنِيسَةَ الْقِيَامَةِ فِي مَوْضِعِ الصَّلِيبِ وَكَنِيسَةَ قُسْطَنْطِينَ.
ثُمَّ اجْتَمَعُوا بَعْدَ هَذَا مَجْمَعًا عَظِيمًا بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَانَ مَعَهُمْ رَجُلٌ دَسَّهُ بَتْرَكُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَجَمَاعَةٌ مَعَهُ، لِيَسْأَلُوا بَتْرَكَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ لَمَّا رَجَعَ إِلَى الْمَلِكِ أَظْهَرَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِآرِيُوسَ، وَكَانَ يَرَى رَأْيَهُ وَيَقُولُ بِمَقَالَتِهِ، فَقَامَ الرَّجُلُ وَقَالَ: إِنَّ آرِيُوسَ لَمْ يَقُلْ إِنَّ الْمَسِيحَ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ وَلَكِنْ بِهِ خُلِقَتِ الْأَشْيَاءُ، لِأَنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ الَّتِي بِهَا خُلِقَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَإِنَّمَا خَلَقَ اللَّهُ الْأَشْيَاءَ بِكَلِمَتِهِ، وَلَمْ يَخْلُقِ الْأَشْيَاءَ
стр. 342
كَلِمَتُهُ، كَمَا قَالَ الْمَسِيحُ فِي الْإِنْجِيلِ، كُلٌّ بِيَدِهِ كَانَ، كُلُّ مَنْ دُونَهُ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، وَقَالَ: بِهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ نُورُ الْبَشَرِ، وَقَالَ: الْعَالَمُ بِهِ يَكُونُ، فَأَخْبَرَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ بِهِ تَكَوَّنَتْ.
قَالَ ابْنُ الْبِطْرِيقِ: فَهَذِهِ كَانَتْ مَقَالَةُ آرِيُوسَ وَلَكِنَّ الثَّلَاثِمِائَةِ وَالثَّمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا، تَعَدُّوا عَلَيْهِ وَحَرَّمُوهُ ظٌلْمًا وَعُدْوَانًا.
فَرَدَّ عَلَيْهِ بَتْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَقَالَ: أَمَّا آرِيُوسُ فَلَمْ يَكْذِبْ عَلَيْهِ الثَّلَاثُمِائَةِ وَالثَّمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا وَلَا ظَلَمُوهُ لِأَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ: الِابْنُ خَالِقُ الْأَشْيَاءِ دُونَ الْأَبِ، وَإِذَا كَانَتِ الْأَشْيَاءُ إِنَّمَا خُلِقَتْ بِالِابْنِ دُونَ أَنْ يَكُونُ الْأَبُ لَهَا خَالِقًا، فَقَدْ أَعْطَى أَنَّهُ مَا خَلَقَ مِنْهَا شَيْئًا، وَفِي ذَلِكَ تَكْذِيبُ قَوْلِهِ: الْأَبُ يَخْلُقُ، وَأَنَا أَخْلُقُ.
وَقَالَ: إِنِّي أَنَا إِنْ لَمْ أَعْمَلْ عَمَلَ أَبِي فَلَا تُصَدِّقُونِي.
وَقَالَ: كَمَا أَنَّ الْأَبَ يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ وَيُمِيتُهُ، كَذَلِكَ الِابْنُ يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ
стр. 343
وَيُمِيتُهُ. قَالُوا: فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُحْيِي وَيَخْلُقُ، وَفِي هَذَا تَكْذِيبٌ لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِخَالِقٍ، وَإِنَّمَا خُلِقَتِ الْأَشْيَاءُ بِهِ دُونَ أَنْ يَكُونَ خَالِقًا.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّ الْأَشْيَاءَ كُوِّنَتْ بِهِ، فَإِنَّهُ لَمَّا كُنَّا لَا نَشُكُّ أَنَّ الْمَسِيحَ حَيٌّ فَعَّالٌ، وَكَانَ قَدْ دَلَّ بِقَوْلِهِ: إِنِّي أَفْعَلُ الْخَلْقَ وَالْحَيَاةَ، كَانَ قَوْلُكَ: بِهِ تَكَوَّنَتِ الْأَشْيَاءُ، إِنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ فِي الْمَعْنَى إِلَى أَنَّهُ كَوَّنَهَا وَكَانَتْ بِهِ مُكَوَّنَةً، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فَتَنَاقَضَ الْقَوْلَانِ.
قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِ آرِيُوسَ: إِنَّ الْأَبَ يُرِيدُ الشَّيْءَ فَيُكَوِّنُهُ الِابْنُ، وَالْإِرَادَةُ لِلْأَبِ وَالتَّكْوِينُ لِلِابْنِ. فَإِنَّ ذَلِكَ يَفْسُدُ أَيْضًا إِذَا كَانَ الِابْنُ عِنْدَهُ مَخْلُوقًا، فَقَدْ صَارَ حَظُّ الْمَخْلُوقِ فِي الْخَلْقِ أَوْفَى مِنْ حَظِّ الْخَالِقِ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا أَرَادَ وَفَعَلَ. وَذَلِكَ أَرَادَ وَلَمْ يَفْعَلْ، فَهَذَا أَوْفَرُ حَظًّا فِي فِعْلِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا بُدَّ لِهَذَا أَنْ يَكُونَ فِي فِعْلِهِ لِمَا يُرِيدُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ كُلِّ فَاعِلٍ مِنَ الْخَلْقِ لِمَا يُرِيدُ الْخَالِقُ مِنْهُ، وَيَكُونُ حُكْمُهُ كَحُكْمِهِ فِي الْجَبْرِ وَالِاخْتِيَارِ، وَإِنْ كَانَ مَجْبُورًا فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الْفِعْلِ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَارًا فَجَائِزٌ أَنْ يُطَاعَ وَجَائِزٌ أَنْ يُعْصَى، وَجَائِزٌ أَنْ يُثَابَ وَجَائِزٌ أَنْ يُعَاقَبَ، وَهَذَا أَشْنَعُ فِي الْقَوْلِ.
وَرَدَّ عَلَيْهِ أَيْضًا وَقَالَ: إِنْ كَانَ الْخَالِقُ إِنَّمَا خَلَقَ خَلْقَهُ بِمَخْلُوقٍ، فَالْمَخْلُوقُ غَيْرُ الْخَالِقِ بِلَا شَكٍّ، فَقَدْ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْخَالِقَ يَفْعَلُ بِغَيْرِهِ، وَالْفَاعِلُ بِغَيْرِهِ مُحْتَاجٌ إِلَى مُتَمِّمٍ لِيَفْعَلَ بِهِ، إِذْ كَانَ لَا يَتِمُّ لَهُ الْفِعْلُ إِلَّا بِهِ، وَالْمُحْتَاجُ إِلَى غَيْرِهِ مَنْقُوصٌ، وَالْخَالِقُ مُتَعَالٍ عَنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ.
стр. 344
قَالَ: فَلَمَّا دَحَضَ بَتْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ حُجَجَ أُولَئِكَ الْمُخَالِفِينَ، وَظَهَرَ لِمَنْ حَضَرَ بُطْلَانُ قَوْلِهِمْ، وَتَحَيَّرُوا وَخَجِلُوا، فَوَثَبُوا عَلَى بَتْرَكِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَضَرَبُوهُ حَتَّى كَادَ يَمُوتُ، فَخَلَّصَهُ مِنْ أَيْدِيهِمُ ابْنُ أُخْتِ قُسْطَنْطِينَ، وَهَرَبَ بَتْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَصَارَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ أَحَدٍ مِنَ الْأَسَاقِفَةِ، ثُمَّ أَصْلَحَ دُهْنَ الْمِيرُونِ، وَقَدَّسَ الْكَنَائِسَ وَمَسَحَهَا بِدُهْنِ الْمِيرُونِ، وَسَارَ إِلَى الْمَلِكِ وَأَعْلَمَهُ بِالْخَبَرِ فَصَرَفَهُ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْبِطْرِيقِ: وَأَمَرَ الْمَلِكُ بِأَنْ لَا يَسْكُنَ يَهُودِيٌّ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَلَا يَجُوزَ بِهَا، وَمَنْ لَمْ يَتَنَصَّرْ قُتِلَ، فَظَهَرَ دِينُ النَّصْرَانِيَّةِ وَتَنَصَّرَ مِنَ الْيَهُودِ خَلْقٌ كَثِيرٌ. فَقِيلَ لِلْمَلِكِ: إِنَّ الْيَهُودَ يَتَنَصَّرُونَ مِنْ خَوْفِ الْقَتْلِ وَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ، فَقَالَ: كَيْفَ لَنَا أَنْ نَعْلَمَ ذَلِكَ مِنْهُمْ؟ فَقَالَ بُولُسُ الْبَتْرَكُ: إِنَّ الْخِنْزِيرَ فِي التَّوْرَاةِ حَرَامٌ وَالْيَهُودُ لَا يَأْكُلُونَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ، فَأْمُرْ أَنْ تُذْبَحَ الْخَنَازِيرُ وَتُطْبَخَ لُحُومُهَا، وَيُطَعَمَ مِنْهَا الْيَهُودُ، فَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ عُلِمَ أَنَّهُ مُقِيمٌ عَلَى دِينِ الْيَهُودِيَّةِ.
فَقَالَ الْمَلِكُ: إِذَا كَانَ الْخِنْزِيرُ حَرَامًا، فِي التَّوْرَاةِ فَكَيْفَ يَحِلُّ لَنَا أَنْ نَأْكُلَهُ وَنُطْعِمَهُ النَّاسَ؟ فَقَالَ لَهُ بُولُسُ: فَإِنَّ سَيِّدَنَا الْمَسِيحِ قَدْ أَبْطَلَ كُلَّ مَا فِي التَّوْرَاةِ، وَجَاءَ بِنَامُوسٍ وَبِتَوْرَاةٍ جَدِيدَةٍ وَهُوَ الْإِنْجِيلُ.
وَفِي إِنْجِيلِهِ: إِنَّ كُلَّ مَا يَدْخُلُ الْبَطْنَ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَا نَجِسٍ، وَإِنَّمَا يُنَجِّسُ الْإِنْسَانَ مَا يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ.
وَقَالَ بُولُسُ: إِنَّ بُطْرُسَ رَئِيسَ الْحَوَارِيِّينَ بَيْنَا هُوَ يُصَلِّي فِي سِتِّ سَاعَاتٍ مِنَ النَّهَارِ، وَقَعَ عَلَيْهِ سُبَاتٌ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ قَدْ تَفَتَّحَتْ، وَإِذَا بِإِزَارٍ قَدْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ حَتَّى بَلَغَ
стр. 345
الْأَرْضَ، وَفِيهِ: كُلُّ ذِي أَرْبَعِ قَوَائِمَ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَسَمِعَ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ يَقُولُ لَهُ: يَا بُطْرُسُ، قُمْ فَاذْبَحْ وَكُلْ، فَقَالَ بُطْرُسُ: يَا رَبِّ، مَا أَكَلْتُ شَيْئًا نَجِسًا قَطُّ وَلَا وَسِخًا قَطُّ، فَجَاءَ صَوْتٌ ثَانٍ: كُلُّ مَا طَهَّرَهُ اللَّهُ فَلَيْسَ بِنَجِسٍ، وَفِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: مَا طَهَّرَهُ اللَّهُ فَلَا تُنَجِّسْهُ أَنْتَ، ثُمَّ جَاءَ الصَّوْتُ بِهَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
ثُمَّ إِنَّ الْإِزَارَ ارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ فَتَعَجَّبَ بُطْرُسُ وَتَحَيَّرَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ. فَأَمَرَ الْمَلِكُ أَنْ تُذْبَحَ الْخَنَازِيرُ، وَتُطْبَخَ لُحُومُهَا، وَتُقَطَّعَ صِغَارًا، وَتَصِيرَ عَلَى أَبْوَابِ الْكَنَائِسِ فِي كُلِّ مَمْلَكَتِهِ يَوْمَ الْأَحَدِ الْفِصْحِ، وَكُلُّ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْكَنِيسَةِ يُلْقَمُ لُقْمَةً مِنْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ، فَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ يُقْتَلْ، فَقُتِلَ لِأَجْلِ ذَلِكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ.
الْمَجْمَعُ الْآرِيُوسِيُّ:
ثُمَّ هَلَكَ قُسْطَنْطِينُ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ أَكْبَرُ أَوْلَادِهِ وَاسْمُهُ قُسْطَنْطِينُ، وَفِي أَيَّامِهِ اجْتَمَعَ أَصْحَابُ آرِيُوسَ وَمَنْ قَالَ بِمَقَالَتِهِ إِلَيْهِ فَحَسَّنُوا لَهُ دِينَهُمْ وَمَقَالَتَهُمْ، وَقَالُوا: إِنَّ الثَّلَاثَمِائَةَ وَالثَّمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا الَّذِينَ اجْتَمَعُوا بِنِيقِيَّةَ قَدْ أَخْطَئُوا وَحَادُوا عَنِ الْحَقِّ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ الِابْنَ مُتَّفِقٌ مَعَ الْأَبِ فِي الْجَوْهَرِ، فَأْمُرْ أَنْ لَا يُقَالَ هَذَا فَإِنَّهُ خَطَأٌ، فَعَزَمَ الْمَلِكُ عَلَى فِعْلِهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أُسْقُفُّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، أَنْ لَا تَقْبَلَ قَوْلَ أَصْحَابِ آرِيُوسَ فَإِنَّهُمْ حَائِدُونَ عَنِ الْحَقِّ وَكُفَّارٌ، وَقَدْ لَعَنَهُمُ الثَّلَاثُمِائَةِ وَالثَّمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا، وَلَعَنُوا كُلَّ مَنْ يَقُولُ بِقَوْلِهِمْ فَقَبِلَ قَوْلَهُ.
стр. 346
قَالَ ابْنُ بِطْرِيقٍ: وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ غَلَبَتْ مَقَالَةُ آرِيُوسَ عَلَى قُسْطَنْطِينِيَّةَ وَأَنْطَاكِيَةَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ.
وَفِي ثَانِي سَنَةٍ مِنْ مُلْكِ قُسْطَنْطِينَ هَذَا صَارَ عَلَى أَنْطَاكِيَةَ بَتْرَكٌ آرِيُوسِيُّ ثُمَّ بَعْدَهُ آخَرُ مِثْلَهُ.
قَالَ: وَأَمَّا أَهْلُ مِصْرَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَكَانَ أَكْثَرُهُمْ آرِيُوسِيِّينَ وَمَنَائِيِّيِنَ فَغَلَبُوا عَلَى كَنَائِسِ مِصْرَ فَأَخَذُوهَا، وَوَثَبُوا عَلَى بَتْرَكِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَهَرَبَ مِنْهُمْ وَاسْتَخْفَى. ثُمَّ ذَكَرَ جَمَاعَةً مِنَ الْبَتَارِكَةِ وَالْأَسَاقِفَةِ مِنْ طَوَائِفِ النَّصَارَى، وَمَا جَرَى عَلَيْهِمْ مَعَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَمَا تَعَصَّبَتْ بِهِ كُلُّ طَائِفَةٍ لَبَتْرَكِهَا حَتَّى قَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَاخْتَلَفَتِ النَّصَارَى أَشَدَّ الِاخْتِلَافِ، وَكَثُرَتْ مَقَالَاتُهُمْ وَاجْتَمَعُوا عِدَّةَ مَجَامِعَ، كُلُّ مَجْمَعٍ يَلْعَنُ فِيهِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَنَحْنُ نَذْكُرُ بَعْضَ مَجَامِعِهِمْ بَعْدَ هَذَيْنِ الْمَجْمَعَيْنِ.
[المجمع الثالث
مجمع القسطنطينية ٣٨١ م
الزيادة على قانون الأمانة]
وَكَانَ لَهُمْ مَجْمَعٌ ثَالِثٌ بَعْدَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً مِنَ الْمَجْمَعِ الْأَوَّلِ بِنِيقِيَّةِ، فَاجْتَمَعَ الْوُزَرَاءُ وَالْقُوَّادُ إِلَى الْمَلِكِ، وَقَالُوا: إِنَّ مَقَالَةَ النَّاسِ قَدْ فَسَدَتْ، وَغَلَبَتْ عَلَيْهِمْ مَقَالَةُ آرِيُوسَ وَمَقْدُونْيُوسَ، فَاكْتُبْ إِلَى جَمِيعِ الْأَسَاقِفَةِ وَالْبَتَارِكَةِ أَنْ يَجْتَمِعُوا وَيُوَضِّحُوا دِينَ
стр. 347
النَّصْرَانِيَّةِ. فَكَتَبَ الْمَلِكُ إِلَى سَائِرِ الْبِلَادِ، فَاجْتَمَعَ فِي قُسْطَنْطِينِيَّةَ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ أُسْقُفًّا، فَنَظَرُوا وَبَحَثُوا فِي مَقَالَةِ أَرِيُوسَ فَوَجَدُوهَا: أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ مَخْلُوقٌ، وَمَصْنُوعٌ وَلَيْسَ بِإِلَهٍ، فَقَالَ بَتْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ: لَيْسَ رُوحُ الْقُدُسِ عِنْدَنَا غَيْرَ رُوحِ اللَّهِ، وَلَيْسَ رُوحُ اللَّهِ غَيْرَ حَيَاتِهِ، وَإِذَا قُلْنَا: رُوحُ اللَّهِ مَخْلُوقٌ فَقَدْ قُلْنَا إِنَّ حَيَاتَهُ مَخْلُوقَةٌ، وَإِذَا قُلْنَا: حَيَاتُهُ مَخْلُوقَةٌ، فَقَدْ جَعَلْنَاهُ غَيْرَ حَيٍّ، وَذَلِكَ كُفْرٌ بِهِ.
فَلَعَنُوا جَمِيعُهُمْ مِنْ يَقُولُ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ، وَلَعَنُوا جَمَاعَةً مِنْ أَسَاقِفَتِهِمْ وَبَتَارَكَتِهِمْ كَانُوا يَقُولُونَ بِمَقَالَاتٍ أُخَرَ لَمْ يَرْتَضُوهَا، وَبَيَّنُوا أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ خَالِقٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ طَبِيعَةِ الْأَبِ وَالِابْنِ، جَوْهَرٌ وَاحِدٌ وَطَبِيعَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَزَادُوا فِي الْأَمَانَةِ الَّتِي وَضَعَتْهَا الثَّلَاثُمِائَةِ وَالثَّمَانِيَةَ عَشَرَ: وَنُؤْمِنُ بِرُوحِ الْقُدُسِ الرَّبِّ الْمُحْيِي الَّذِي مِنَ الْأَبِ مُنْبَثِقٌ. الَّذِي مَعَ الْأَبِ وَالِابْنِ وَهُوَ مَسْجُودٌ لَهُ وَمُمَجَّدٌ.
وَكَانَ فِي تِلْكَ الْأَمَانَةِ: وَبِرُوحِ الْقُدُسِ فَقَطْ.
وَبَيَّنُوا أَنَّ الْأَبَ وَالِابْنَ وَرُوحَ الْقُدُسِ ثَلَاثَةُ أَقَانِيمَ وَثَلَاثَةُ وُجُوهٍ وَثَلَاثُ خَوَاصٍّ، وَأَنَّهَا وَاحِدَةٌ فِي تَثْلِيثٍ فِي وَحْدَةٍ، وَبَيَّنُوا: أَنَّ جَسَدَ الْمَسِيحِ بِنَفْسٍ نَاطِقَةٍ عَقْلِيَّةٍ.
فَانْفَضَّ هَذَا الْجَمْعُ وَقَدْ لَعَنُوا فِيهِ كَثِيرًا مِنْ أَسَاقِفِهِمْ وَأَشْيَاعِهِمْ.
[المجمع الرابع]
ثُمَّ بَعْدَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ سَنَةً مِنْ هَذَا الْمَجْمَعِ كَانَ لَهُمْ مَجْمَعٌ رَابِعٌ عَلَى
стр. 348
نَسْطُورِسَ، وَكَانَ رَأْيُهُ: أَنَّ مَرْيَمَ لَيْسَتْ بِوَالِدَةِ الْإِلَهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ اثْنَانِ أَحَدُهُمَا الْإِلَهُ الَّذِي هُوَ مَوْجُودٌ مِنَ الْأَبِ، وَالْآخَرُ إِنْسَانٌ وَهُوَ الْمَوْجُودُ مِنْ مَرْيَمَ.
وَأَنَّ هَذَا الْإِنْسَانَ الَّذِي يَقُولُ إِنَّهُ الْمَسِيحُ، مُتَوَحِّدٌ مَعَ ابْنِ الْإِلَهِ، وَيُقَالُ لَهُ إِلَهٌ، وَابْنُ الْإِلَهِ لَيْسَ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَلَكِنْ مَوْهِبَةٌ، وَاتِّفَاقُ الِاسْمَيْنِ عَلَى طَرِيقِ الْكَرَامَةِ. فَبَلَغَ ذَلِكَ بَتَارِكَةَ سَائِرِ الْبِلَادِ فَجَرَتْ بَيْنَهُمْ مُرَاسَلَاتٌ وَاتَّفَقُوا عَلَى تَخْطِيئِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَأَجْمَعُوا عَلَى لَعْنِهِ فَلَعَنُوهُ وَنَفَوْهُ، وَبَيَّنُوا: أَنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتْ إِلَهًا، وَأَنَّ الْمَسِيحَ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، وَهُوَ إِنْسَانٌ وَلَهُ طَبِيعَتَانِ، فَلَمَّا لَعَنُوا نَسْطُورِسَ غَضِبَ لَهُ بَتْرَكُ أَنْطَاكِيَا فَجَمَعَ الْأَسَاقِفَةَ الَّذِينَ قَدِمُوا مَعَهُ وَنَاظَرَهُمْ وَقَطَّعْهُمْ، فَتَقَاتَلُوا وَتَلَاعَنُوا وَجَرَى بَيْنَهُمْ شَرٌّ، وَتَفَاقَمَ أَمْرُهُمْ، فَلَمْ يَزَلِ الْمَلِكُ حَتَّى أَصْلَحَ بَيْنَهُمْ، فَكَتَبَ أُولَئِكَ صَحِيفَةً: إِنَّ مَرْيَمَ الْقِدِّيسَةَ وَلَدَتْ إِلَهًا، وَهُوَ رَبُّنَا يَسُوعُ الْمَسِيحُ الَّذِي هُوَ مَعَ اللَّهِ فِي الطَّبِيعَةِ وَمَعَ النَّاسِ فِي النَّاسُوتِ. وَأَقَرُّوا بِطَبِيعَتَيْنِ، وَبِوَجْهٍ وَاحِدٍ، وَأُقْنُومٍ وَاحِدٍ، وَأَنْفَذُوا لَعْنَ نَسْطُورِسَ.
стр. 349
فَلَمَّا لُعِنَ وَنُفِيَ سَارَ إِلَى مِصْرَ، وَأَقَامَ فِي أَخَمِيمَ سَبْعَ سِنِينَ، وَمَاتَ وَدُفِنَ بِهَا، وَمَاتَتْ مَقَالَتُهُ إِلَى أَنْ أَحْيَاهَا ابْنُ جَرْمَا مُطْرَانُ نَصِيبِينَ، وَبَثَّهَا فِي بِلَادِ الْمَشْرِقِ، فَأَكْثَرُ نَصَارَى الْمَشْرِقِ وَالْعِرَاقِ نَسْطُورِيَّةٌ.
وَانْفَضَّ ذَلِكَ الْمَجْمَعُ الرَّابِعُ أَيْضًا، وَقَدْ أَطْبَقُوا عَلَى لَعْنِ نَسْطُورِسَ وَأَشْيَاعِهِ وَمَنْ قَالَ بِمَقَالَتِهِ.
[المجمع الخامس
مجمع أفسيس الثاني ٤٤٩ م
ظهور مقالة اليعقوبية:]
ثُمَّ كَانَ لَهُمْ بَعْدَ هَذَا مَجْمَعٌ خَامِسٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ طَبِيبٌ رَاهِبٌ يُقَالُ لَهُ: أُوطِيسُوسُ يَقُولُ: إِنَّ جَسَدَ الْمَسِيحِ لَيْسَ هُوَ مِنْ أَجْسَادِنَا بِالطَّبِيعَةِ، فَإِنَّ الْمَسِيحَ قَبْلَ التَّجَسُّدِ مِنْ طَبِيعَتَيْنِ، وَبَعْدَ التَّجَسُّدِ طَبِيعَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ وَهِيَ مَقَالَةُ الْيَعْقُوبِيَّةِ، فَرَحَلَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْأَسَاقِفَةِ، فَنَاظَرَهُ وَقَطَعَهُ وَدَحَضَ حُجَّتَهُ.
ثُمَّ صَارَ إِلَى قُسْطَنْطِينِيَّةَ فَأَخْبَرَ بَتَرْكَهَا بِالْمُنَاظَرَةِ وَبِانْقِطَاعِهِ، فَأَرْسَلَ بَتَرَكُ قُسْطَنْطِينِيَّةَ إِلَيْهِ فَاسْتَحْضَرَهُ، وَجَمَعَ جَمْعًا عَظِيمًا وَنَاظَرَهُ، فَقَالَ أُوطِيسُوسُ: إِنْ قُلْنَا إِنَّ لِلْمَسِيحِ طَبِيعَتَيْنِ فَقَدْ قُلْنَا بِقَوْلِ نَسْطُورِسَ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: إِنَّ الْمَسِيحَ طَبِيعَةٌ وَاحِدَةُ وَأُقْنُومٌ وَاحِدٌ، لِأَنَّهُ
стр. 350
مِنْ طَبِيعَتَيْنِ كَانَتَا قَبْلَ التَّجَسُّدِ زَالَتْ عَنْهُ وَصَارَ مِنْ طَبِيعَةٍ وَاحِدَةٍ وَأُقْنُومٍ وَاحِدٍ. فَقَالَ لَهُ بَتْرَكُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ: إِنْ كَانَ الْمَسِيحُ طَبِيعَةً وَاحِدَةً، فَالطَّبِيعَةُ الْوَاحِدَةُ هِيَ الطَّبِيعَةُ الْقَدِيمَةُ، وَهِيَ الطَّبِيعَةُ الْمُحْدَثَةُ، وَإِنْ كَانَ الْقَدِيمُ هُوَ الْمُحْدَثَ فَالَّذِي لَمْ يَزَلْ هُوَ الَّذِي لَمْ يَكُنْ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْقَدِيمُ هُوَ الْمُحْدَثَ لَكَانَ الْقَائِمُ هُوَ الْقَاعِدَ، وَالْحَارُّ هُوَ الْبَارِدَ، فَأَبَى أَنْ يَرْجِعَ عَنْ مَقَالَتِهِ فَلَعَنُوهُ، فَاسْتَعْدَى إِلَى الْمَلِكِ، وَزَعَمَ أَنَّهُمْ ظَلَمُوهُ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى جَمِيعٍ الْبَتَارِكَةِ لِلْمُنَاظَرَةِ، فَاسْتَحْضَرَ الْمَلِكُ الْبَتَارِكَةَ وَالْأَسَاقِفَةَ مِنْ سَائِرِ الْبِلَادِ إِلَى مَدِينَةِ أَفْسِسَ، فَثَبَّتَ بَتْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ مَقَالَةَ أُوطِيسُوسَ، وَقَطَعَ بَتَارِكَةَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَأَنْطَاكِيَةَ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَسَائِرِ الْبَتَارِكَةِ وَالْأَسَاقِفَةِ، وَكَتَبَ إِلَى بَتْرَكِ رُومِيَّةَ وَإِلَى جَمَاعَةِ الْكَهَنَةِ، فَحَرَّمَهُمْ وَمَنَعَهُمْ مِنَ الْقُرْبَانِ، إِنْ لَمْ يَقْبَلُوا مَقَالَةَ أُوطِيسُوسَ، وَفَسَدَتِ الْأَمَانَةُ وَصَارَتِ الْمَقَالَةُ مَقَالَةَ أُوطِيسُوسَ وَخَاصَّةً بِمِصْرَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْيَعْقُوبِيَّةُ.
فَافْتَرَقَ هَذَا الْمَجْمَعُ الْخَاصُّ، وَكُلُّ فَرِيقٍ يَلْعَنُ الْآخَرَ وَيُحَرِّمُهُ وَيَتَبَرَّأُ مِنْ مَقَالَتِهِ.
[المجمع السادس
مجمع خلقدون ٤٥١ م]
فَصَلَ: ثُمَّ كَانَ لَهُمْ بَعْدَ هَذَا مَجْمَعٌ سَادِسٌ فِي مَدِينَةِ خَلْقَدُونَ، فَإِنَّهُ لَمَّا مَاتَ الْمَلِكُ وَلِيَ بَعْدُهُ مَرْقِيُونُ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ الْأَسَاقِفَةُ مِنْ سَائِرِ الْبِلَادِ، فَأَعْلَمُوهُ مَا كَانَ مِنْ ظُلْمِ ذَلِكَ الْمَجْمَعِ وَقِلَّةِ الْإِنْصَافِ، وَأَنَّ مَقَالَةَ أُوطِيسُوسَ قَدْ غَلَبَتْ عَلَى النَّاسِ، وَأَفْسَدَتْ دِينَ النَّصْرَانِيَّةِ، فَأَمَرَ الْمَلِكُ بِاسْتِحْضَارٍ سَائِرِ الْبَتَارِكَةِ وَالْمَطَارِنَةِ وَالْأَسَاقِفَةِ إِلَى مَدِينَةٍ خَلْقَدُونَ، اجْتَمَعَ فِيهَا سِتُّمِائَةٍ وَثَلَاثُونَ أُسْقُفًّا، فَنَظَرُوا فِي مَقَالَةِ أُوطِيسُوسَ وَبَتْرَكِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ
стр. 351
الَّذِي قَطَعَ جَمِيعَ الْبَتَارِكَةِ، فَأَفْسَدَ الْجَمِيعُ مَقَالَتَهُمَا وَلَعَنُوهُمَا، وَأَثْبَتُوا أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ إِلَهٌ وَإِنْسَانٌ، وَفِي الْمَكَانِ مَعَ اللَّهِ بِاللَّاهُوتِ، وَفِي الْمَكَانِ مَعَنَا بِالنَّاسُوتِ، يُعْرَفُ بِطَبِيعَتَيْنِ، تَامٌّ بِاللَّاهُوتِ وَتَامٌّ بِالنَّاسُوتِ، مَسِيحٌ وَاحِدٌ، وَثَبَّتُوا قَوْلَ الثَّلَاثِمِائَةِ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا، وَقَبِلُوا قَوْلَهُمْ: بِأَنَّ الِابْنَ مَعَ اللَّهِ فِي الْمَكَانِ نُورٌ مِنْ نُورٍ، إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، مَعْرُوفٌ بِالطَّبِيعَتَيْنِ، تَامٌّ بِاللَّاهُوتِ وَتَامُّ بِالنَّاسُوتِ، وَلَعَنُوا آرِيُوسَ، وَقَالُوا: إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ إِلَهٌ، وَإِنَّ الْأَبَ وَالِابْنَ وَرُوحَ الْقُدُسِ وَاحِدٌ بِطَبِيعَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَقَانِيمَ ثَلَاثَةٍ، وَثَبَّتُوا قَوْلَ الْمَجْمَعِ الثَّالِثِ فِي مَدِينَةِ أَفْسِسَ أَعْنِي الْمِائَتَيْ أُسْقُفٍّ عَلَى نَسْطُورِسَ وَقَالُوا: إِنَّ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءَ وَلَدَتْ إِلَهًا، رَبُّنَا يَسُوعُ الْمَسِيحُ الَّذِي هُوَ مَعَ اللَّهِ بِالطَّبِيعَةِ وَمَعَ النَّاسُوتِ بِالطَّبِيعَةِ.
وَشَهِدُوا أَنَّ لِلْمَسِيحِ طَبِيعَتَيْنِ وَأُقْنُومًا وَاحِدًا، وَلَعَنُوا نَسْطُورِسَ وَبَتْرَكَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَلَعَنُوا الْمَجْمَعَ الثَّانِي الَّذِي كَانَ أَفْسِسَ، ثُمَّ ثَبَّتُوا الْمَجْمَعَ الثَّالِثَ الْمِائَتَيْ أُسْقُفٍّ بِمَدِينَةِ أَفْسِسَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَلَعَنُوا نَسْطُورِسَ، وَبَيْنَ
стр. 352
نَسْطُورِسَ إِلَى مَجْمَعِ خَلْقَدُونَ إِحْدَى وَعِشْرُونَ سَنَةً فَانْفَضَّ هَذَا الْمَجْمَعُ، وَقَدْ لَعَنُوا مِنْ مُقَدِّمَتِهِمْ وَأَسَاقِفَتِهِمْ مَنْ ذَكَرْنَا وَكَفَّرُوهُمْ وَتَبَرَّءُوا مِنْهُمْ وَمِنْ مَقَالَاتِهِمْ.
[المجمع السابع
في أيام إنسطاس الملك
ظهور مقالة الملكية وترك مقالة اليعاقبة:]
فَصْلٌ: ثُمَّ كَانَ لَهُمْ بَعْدَ هَذَا الْمَجْمَعِ مَجْمَعٌ سَابِعٌ فِي أَيَّامِ انِسْطَاسَ الْمَلِكِ، وَذَلِكَ أَنْ سُورُسَ الْقُسْطَنْطِينِيَّ كَانَ عَلَى رَأْيِ أُوطِيسُوسَ فَجَاءَ إِلَى الْمَلِكِ فَقَالَ: إِنَّ الْمَجْمَعَ الْخَلْقَدُونِيَّ السِّتَّمِائَةَ وَالثَّلَاثِينَ قَدْ أَخْطَئُوا فِي لَعْنِ أُوطِيسُوسَ وَبَتْرَكِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَالدِّينُ الصَّحِيحُ مَا قَالَاهُ، فَلَا يُقْبَلُ دِينُ مَنْ سِوَاهُمَا، وَلَكِنِ اكْتُبْ إِلَى جَمِيعِ عُمَّالِكَ أَنْ يَلْعَنُوا السِّتَّمِائَةِ وَالثَّلَاثِينَ وَيَأْخُذُوا النَّاسَ بِطَبِيعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَمَشِيئَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأُقْنُومٍ وَاحِدٍ، فَأَجَابَهُ الْمَلِكُ إِلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ إِيلِيَا بَتْرَكَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ جَمَعَ الرُّهْبَانَ وَلَعَنُوا انِسْطَاسَ الْمَلِكَ، وَسُورُسَ وَمَنْ يَقُولُ بِقَوْلِهِمَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ انِسْطَاسَ فَنَفَاهُ إِلَى أَيْلَةَ، وَبَعَثَ يُوحَنَّا بَتْرَكًا عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِأَنَّ يُوحَنَّا كَانَ قَدْ ضَمِنَ لَهُ أَنْ يَلْعَنَ الْمَجْمَعَ الْخَلْقَدُونِيَّ فِي السِّتِّمِائَةِ وَثَلَاثِينَ، فَلَمَّا قَدِمَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ اجْتَمَعَ الرُّهْبَانُ وَقَالُوا: إِيَّاكَ أَنْ تَقْبَلَ مِنْ سُورُسَ، وَلَكِنْ قَاتِلْ عَنِ الْمَجْمَعِ الْخَلْقَدُونِيِّ وَنَحْنُ مَعَكَ، فَضَمِنَ لَهُمْ ذَلِكَ وَخَالَفَ أَمْرَ الْمَلِكِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمَلِكَ، فَأَرْسَلَ قَائِدًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ يُوحَنَّا بِطَرْحٍ لِلْجَمْعِ الْخَلْقَدُونِيِّ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ بِنَفْيِهِ عَنِ الْكُرْسِيِّ، فَقِدَمَ الْقَائِدُ وَطَرَحَ يُوحَنَّا بِالْحَبْسِ فَصَارَ إِلَيْهِ الرُّهْبَانُ فِي الْحَبْسِ، وَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِأَنْ يَضْمَنَ لِلْقَائِدِ أَنْ يَفْعَلَ
стр. 353
ذَلِكَ، فَإِذَا حَضَرَ فَلْيُقِرَّ بِلَعْنَةِ مَنْ لَعَنَهُ الرُّهْبَانُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَاجْتَمَعَ الرُّهْبَانُ وَكَانُوا عَشَرَةَ آلَافِ رَاهِبٍ وَمِنْهُمْ يَدْرُسُ، وَسَابَا وَرُؤَسَاءُ الدِّيَارَاتِ فَلَعَنُوا أُوطِيسُوسَ، وَسُورُسَ وَنَسْطُورِسَ وَمَنْ لَا يَقْبَلُ الْمَجْمَعَ الْخَلْقَدُونِيَّ.
وَفَزِعَ رَسُولُ الْمَلِكِ مِنَ الرُّهْبَانِ، وَبَلَغَ ذَلِكَ الْمَلِكَ، فَهَمَّ بِنَفْيِ يُوحَنَّا، فَاجْتَمَعَ الرُّهْبَانُ وَالْأَسَاقِفَةُ فَكَتَبُوا إِلَى انِسْطَاسَ الْمَلِكِ أَنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ مَقَالَةَ سُورُسَ، وَلَا أَحَدًا مِنَ الْمُخَالِفِينَ وَلَوْ أُهْرِيقَتْ دِمَاؤُهُمْ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَكُفَّ أَذَاهُ عَنْهُمْ.
وَكَتَبَ بَتَرْكُ رُومِيَّةَ إِلَى الْمَلِكِ بِقُبْحِ فِعْلِهِ وَبِلَعْنِهِ، فَانْفَضَّ هَذَا الْمَجْمَعُ أَيْضًا، وَقَدْ تَلَاعَنَ فِيهِ هَذِهِ الْجُمُوعُ عَلَى مَا وَصَفْنَاهُ.
وَكَانَ لِسُورُسَ تِلْمِيذٌ يُقَالُ لَهُ يَعْقُوبُ، وَيَقُولُ مَقَالَةَ سُورُسَ وَكَانَ يُسَمَّى: يَعْقُوبُ الْبَرَادِعيُّ، وَإِلَيْهِ تُنْسَبُ الْيَعَاقِبَةُ، فَأَفْسَدَ أَمَانَةَ النَّصَارَى.
ثُمَّ مَاتَ انِسْطَاسَ وَوَلِيَ قُسْطَنْطِينُ، فَرَدَّ كُلَّ مَنْ نَفَاهُ انِسْطَاسُ الْمَلِكُ إِلَى مَوْضِعِهِ وَاجْتَمَعَ الرُّهْبَانُ، وَأَظْهَرُوا كِتَابَ الْمَلِكِ وَعَيَّدُوا عِيدًا حَسَنًا بِزَعْمِهِمْ وَأَثْبَتُوا الْمَجْمَعَ الْخَلْقَدُونِيَّ بِالسِّتِّمِائَةِ وَالثَّلَاثِينَ أُسْقُفًّا.
ثُمَّ وَلِيَ آخَرُ، وَكَانَتِ الْيَعْقُوبِيَّةُ قَدْ غَلَبُوا عَلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَقَتَلُوا بَتْرَكًا لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: بُولُسُ كَانَ مَلِكِيًّا، فَأَرْسَلَ قَائِدًا وَمَعَهُ عَسْكَرٌ عَظِيمٌ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَدَخَلَ الْكَنِيسَةَ فِي ثِيَابٍ الْبَتْرَكَةِ، وَتَقَدَّمَ وَقَدَّسَ فَرَمَوْهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى كَادُوا يَقْتُلُونَهُ، فَانْصَرَفَ، ثُمَّ أَظْهَرَ لَهُمْ مِنْ بَعْدُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَنَّهُ قَدْ أَتَاهُ كِتَابُ الْمَلِكِ، وَضَرَبَ الْحَرَسَ لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ يَوْمَ الْأَحَدِ فِي الْكَنِيسَةِ، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ فِي الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ إِلَّا حَضَرَ لِاسْتِمَاعِ كِتَابِ الْمَلِكِ، وَقَدْ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جُنْدِهِ عَلَامَةً إِذَا هُوَ فَعَلَهَا أَوْضَعُوا
стр. 354
السُّيُوفَ فِي النَّاسِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ أَهْلِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ! إِنْ رَجَعْتُمْ إِلَى الْحَقِّ وَتَرَكْتُمْ مَقَالَةَ الْيَعَاقِبَةِ، وَإِلَّا لَنْ تَأْمَنُوا أَنْ يُرْسِلَ الْمَلِكُ إِلَيْكُمْ مَنْ يَسْفِكُ دِمَاءَكُمْ، فَرَمَوْهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يُقْتَلَ، فَأَظْهَرَ الْعَلَامَةَ فَوَضَعُوا السَّيْفَ عَلَى كُلِّ مَنْ فِي الْكَنِيسَةِ، فَقَتَلُوا دَاخِلَهَا وَخَارِجَهَا أُمَمًا لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً حَتَّى خَاضَ الْجُنْدُ فِي الدِّمَاءِ، وَهَرَبَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَظَهَرَتْ مَقَالَةُ الْمَلِكِيَّةِ.
[المجمع الثامن
مجمع القسطنطينية
تثبيت المجامع الأربعة التي حصلت بعد المجمع الخلقدوني:]
فَصَلَ: ثُمَّ كَانَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَجْمَعٌ ثَامِنٌ بَعْدِ الْمَجْمَعِ الْخَلْقَدُونِيِّ الَّذِي لُعِنَ فِيهِ الْيَعْقُوبِيَّةُ بِمِائَةِ سَنَةٍ وَثَلَاثِ سِنِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ أُسْقُفَّ مَنْبِجَ - وَهِيَ بَلْدَةٌ شَرْقِيُّ حَلَبَ بِالْقُرْبِ مِنْهَا، وَهِيَ مَخْسُوفَةٌ الْآنَ - كَانَ يَقُولُ بِالتَّنَاسُخِ، وَأَنْ لَيْسَ قِيَامَةٌ، وَكَانَ أُسْقُفُّ الرُّهَا، وَأَسْقُفُّ الْمِصِّيصَةِ، وَأُسْقُفٌّ آخَرُ، يَقُولُونَ: إِنَّ جَسَدَ الْمَسِيحِ خَيَالٌ غَيْرَ حَقِيقَةٍ، فَحَشَرَهُمُ الْمَلِكُ إِلَى قُسْطَنْطِينِيَّةَ فَقَالَ لَهُمْ بَتْرَكُهَا: إِنْ كَانَ جَسَدُهُ خَيَالًا فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ خَيَالًا وَقَوْلُهُ خَيَالًا، وَكُلُّ جَسَدٍ نُعَايِنُهُ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ أَوْ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ فَهُوَ كَذَلِكَ.
وَقَالَ لِأُسْقُفِّ مَنْبِجَ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ قَامَ مِنَ الْمَوْتِ، وَأَعْلَمَنَا أَنَّهُ كَذَلِكَ تُقُومُ النَّاسُ مِنَ الْمَوْتِ يَوْمَ الدَّيْنُونَةِ، وَقَالَ فِي إِنْجِيلِهِ: لَنْ تَأْتِيَ السَّاعَةُ حَتَّى أَنَّ كُلَّ مَنْ فِي الْقُبُورِ إِذَا سَمِعُوا قَوْلَ ابْنِ اللَّهِ يُجِيبُوا.
стр. 355
فَكَيْفَ تَقُولُونَ لَيْسَ قِيَامَةٌ؟ فَأَوْجَبَ عَلَيْهِمِ الْخِزْيَ وَاللَّعْنَ، وَأَمَرَ الْمَلِكُ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مَجْمَعٌ يُلْعَنُونَ فِيهِ، وَاسْتَحْضَرَ بَتَارِكَةَ الْبِلَادِ، فَاجْتَمَعَ فِي هَذَا الْعَامِ مِائَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ أُسْقُفًّا، فَلَعَنُوا أُسْقُفَّ مَنْبِجَ، وَأُسْقُفَّ الْمِصِّيصَةِ، وَثَبَّتُوا عَلَى أُسْقُفِّ الرُّهَا أَنَّ جَسَدَ الْمَسِيحِ حَقِيقَةٌ لَا خَيَالًا، وَأَنَّهُ إِلَهٌ تَامٌّ، وَإِنْسَانٌ تَامٌّ، مَعْرُوفٌ بِطَبِيعَتَيْنِ وَمَشِيئَتَيْنِ وَفِعْلَيْنِ، أُقْنُومٌ وَاحِدٌ، وَثَبَّتُوا الْمَجَامِعَ الْأَرْبَعَةَ الَّتِي قَبْلَهُمْ وَبَعْدَ الْمَجْمَعِ الْخَلْقَدُونِيِّ، وَأَنَّ الدُّنْيَا زَائِلَةٌ، وَأَنَّ الْقِيَامَةَ كَائِنَةٌ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ يَأْتِي بِمَجْدٍ عَظِيمٍ، فَيَدِينُ الْأَحْيَاءَ وَالْأَمْوَاتِ كَمَا كَانَ الثَّلَاثُمِائَةِ وَثَمَانِيَةُ عَشَرَ.
[المجمع التاسع في أيام معاوية بن أبي سفيان]
ثُمَّ كَانَ لَهُمْ مَجْمَعٌ تَاسِعٌ فِي أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ تَلَاعَنُوا فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بِرُومِيَّةَ رَاهِبٌ قِدِّيسٌ يُقَالُ لَهُ مَقْلِمُسُ وَلَهُ تِلْمِيذَانِ، فَجَاءَ إِلَى قِسْطَا الْوَالِي فَوَبَّخَهُ عَلَى قُبْحِ مَذْهَبِهِ وَشَنَاعَةِ كُفْرِهِ، فَأَمَرَ بِهِ قِسْطَا فَقُطِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَنُزِعَ لِسَانُهُ، وَفُعِلَ بِأَحَدِ التِّلْمِيذَيْنِ مِثْلَهُ، وَضَرَبَ الْآخَرَ بِالسِّيَاطِ وَنَفَاهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مَلِكَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنْ يُوَجِّهَ إِلَيْهِ مِنْ أَفَاضِلِ الْأَسَاقِفَةِ، لِيَعْلَمَ وَجْهَ هَذِهِ الْحُجَّةِ، وَمِنَ الَّذِي كَانَ فِي ابْتِدَائِهَا لِكَيْ مَا يَطْرَحَ جَمِيعُ الْآبَاءِ الْقِدِّيسِينَ كُلَّ مَنِ اسْتَحَقَّ اللَّعْنَةَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مِائَةً وَأَرْبَعِينَ أُسْقُفًّا وَثَلَاثَ شَمَامِسَةٍ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى قُسْطَنْطِينِيَّةَ جَمَعَ الْمَلِكُ مِائَةً وَثَمَانِيَةً وَسِتِّينَ أُسْقُفًّا فَصَارُوا ثَلَاثَمِائَةً وَثَمَانِيَةً، وَأَسْقَطُوا الشَّمَامِسَةَ فِي الْبَرْطَحَةِ.
وَكَانَ رَئِيسُ هَذَا الْمَجْمَعِ بَتْرَكَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ وَبَتْرَكَ أَنْطَاكِيَةَ، وَلَمْ يَكُنْ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ
следующие страницы →