Полный текст (376 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (وَبِهِ نَسْتَعِينُ)
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَضِيَ لَنَا الْإِسْلَامَ دِينًا، وَنَصَبَ لَنَا الدَّلَالَةَ عَلَى صِحَّتِهِ بُرْهَانًا مُبِينًا، وَأَوْضَحَ السَّبِيلَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ وَاعْتِقَادِهِ حَقًّا يَقِينًا، وَوَعَدَ مَنْ قَامَ بِأَحْكَامِهِ وَحَفِظَ حُدُودَهُ أَجْرًا جَسِيمًا، وَذَخِرَ لِمَنْ وَافَاهُ بِهِ ثَوَابًا جَزِيلًا وَفَوْزًا عَظِيمًا، وَفَرَضَ عَلَيْنَا الِانْقِيَادَ لَهُ وَلِأَحْكَامِهِ، وَالتَّمَسُّكَ بِدَعَائِمِهِ وَأَرْكَانِهِ، وَالِاعْتِصَامَ بِعُرَاهُ وَأَسْبَابِهِ، فَهُوَ دِينُهُ الَّذِي ارْتَضَاهُ لِنَفْسِهِ وَلِأَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ وَمَلَائِكَةِ قُدْسِهِ، فِيهِ (اهْتَدَى) الْمُهْتَدُونَ، وَإِلَيْهِ دَعَا الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ، فَلَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ دِينًا سِوَاهُ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ.
شَهِدَ بِأَنَّهُ دِينُهُ قَبْلَ شَهَادَةِ الْأَنَامِ، وَأَشَادَ بِهِ وَرَفَعَ ذِكْرَهُ، وَسَمَّى بِهِ أَهْلَهُ وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الْأَرْحَامُ، فَقَالَ تَعَالَى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ
стр. 2
وَجَعَلَ أَهْلَهُ هُمُ الشُّهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ، لِمَا فَضَّلَهُمْ بِهِ مِنَ الْإِصَابَةِ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَالْهُدَى وَالنِّيَّةِ وَالِاعْتِقَادِ، إِذْ كَانُوا أَحَقَّ بِذَلِكَ وَأَهْلَهُ فِي سَابِقِ التَّقْدِيرِ، فَقَالَ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ.
وَحَكَمَ سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ أَحْسَنُ الْأَدْيَانِ، وَلَا أَحْسَنَ مِنْ حُكْمِهِ وَلَا أَصْدَقَ مِنْهُ قِيلًا فَقَالَ: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا.
وَكَيْفَ لَا يُمَيِّزُ مَنْ لَهُ أَدْنَى عَقْلٍ يَرْجِعُ إِلَيْهِ بَيْنَ دِينٍ قَامَ أَسَاسُهُ وَارْتَفَعَ بِنَاؤُهُ عَلَى عِبَادَةِ الرَّحْمَنِ، وَالْعَمَلِ بِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ مَعَ الْإِخْلَاصِ فِي السِّرِّ وَالْإِعْلَانِ، وَمُعَامَلَةِ خَلْقِهِ بِمَا أَمَرَ بِهِ مِنَ الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، مَعَ إِيثَارِ طَاعَتِهِ عَلَى طَاعَةِ الشَّيْطَانِ، وَبَيْنَ دِينٍ أُسِّسَ بُنْيَانُهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِصَاحِبِهِ فِي النَّارِ، أُسِّسَ عَلَى عِبَادَةِ النِّيرَانِ، وَعَقْدِ الشَّرِكَةِ بَيْنَ الرَّحْمَنِ وَالشَّيْطَانِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوْثَانِ، أَوْ دِينٍ أُسِّسَ بُنْيَانُهُ عَلَى عِبَادَةِ الصُّلْبَانِ وَالصُّوَرِ الْمَدْهُونَةِ فِي السُّقُوفِ وَالْحِيطَانِ، وَأَنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ عَنْ كُرْسِيِّ عَظَمَتِهِ فَالْتَحَمَ بِبَطْنِ أُنْثَى، وَأَقَامَ هُنَاكَ مُدَّةً مِنَ الزَّمَانِ، بَيْنَ دَمِ الطَّمْثِ فِي ظُلُمَاتِ
стр. 3
الْأَحْشَاءِ تَحْتَ مُلْتَقَى الْأَعْكَانِ، ثُمَّ خَرَجَ صَبِيًّا رَضِيعًا شَبَّ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَيَبْكِي وَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَبُولُ وَيَنَامُ وَيَتَقَلَّبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، ثُمَّ أُودِعَ فِي الْمَكْتَبِ بَيْنَ صِبْيَانِ الْيَهُودِ يَتَعَلَّمُ مَا يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ، هَذَا وَقَدْ قُطِعَتْ مِنْهُ الْقُلْفَةُ حِينَ الْخِتَانِ.
ثُمَّ جَعَلَ الْيَهُودُ يَطْرُدُونَهُ وَيُشَرِّدُونَهُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، ثُمَّ قَبَضُوا عَلَيْهِ وَأَحَلُّوهُ أَصْنَافَ الذُّلِّ وَالْهَوَانِ، فَعَقَدُوا عَلَى رَأْسِهِ مِنَ الشَّوْكِ تَاجًا مِنْ أَقْبَحِ التِّيجَانِ، وَأَرْكَبُوهُ قَصَبَةً لَيْسَ لَهَا لِجَامٌ وَلَا عِنَانٌ، ثُمَّ سَاقُوهُ إِلَى خَشَبَةِ الصَّلْبِ مَصْفُوعًا مَبْصُوقًا عَلَى وَجْهِهِ، وَهُمْ خَلْفَهُ وَأَمَامَهُ وَعَنْ شَمَائِلِهِ وَعَنِ الْأَيْمَانِ. ثُمَّ أَرْكَبُوهُ ذَلِكَ الْمَرْكَبَ الَّذِي تَقْشَعِرُّ مِنْهُ الْقُلُوبُ مَعَ الْأَبْدَانِ، ثُمَّ شُدَّتْ بِالْحِبَالِ يَدَاهُ وَالرِّجْلَانِ، ثُمَّ خَالَطَهَا تِلْكَ الْمَسَامِيرُ الَّتِي تَكْسِرُ الْعِظَامَ وَتُمَزِّقُ اللُّحْمَانَ، وَهُوَ يَسْتَغِيثُ: يَا قَوْمِ ارْحَمُونِي! فَلَا يَرْحَمُهُ مِنْهُمْ إِنْسَانٌ.
هَذَا وَهُوَ مُدَبِّرُ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ الَّذِي يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ.
стр. 4
ثُمَّ مَاتَ وَدُفِنَ فِي التُّرَابِ تَحْتَ صُمِّ الْجَنَادِلِ وَالصَّوَّانِ، ثُمَّ قَامَ مِنَ الْقَبْرِ وَصَعِدَ إِلَى عَرْشِهِ وَمُلْكِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مَا كَانَ.
فَمَا ظَنُّكَ بِفُرُوعٍ هَذَا أَصْلُهَا الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ الْبُنْيَانُ، أَوْ دِينٍ أُسِّسَ بُنْيَانُهُ عَلَى عِبَادَةِ الْإِلَهِ الْمَنْحُوتِ بِالْأَيْدِي بَعْدَ نَحْتِ الْأَفْكَارِ مِنْ سَائِرِ الْأَجْنَاسِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَنْوَاعِ وَالْأَصْنَافِ وَالْأَلْوَانِ، وَالْخُضُوعِ لَهُ وَالتَّذَلُّلِ وَالْخُرُورِ سُجُودًا عَلَى الْأَذْقَانِ، لَا يُؤْمِنُ مَنْ يَدِينُ بِهِ بِاللَّهِ وَلَا مَلَائِكَتِهِ وَلَا كُتُبِهِ وَلَا رُسُلِهِ وَلَا لِقَائِهِ يَوْمَ يَجْزِي الْمُسِيءَ بِإِسَاءَتِهِ وَالْمُحْسِنَ بِالْإِحْسَانِ. أَوْ دِينِ الْأُمَّةِ الْغَضَبِيَّةِ الَّذِينَ انْسَلَخُوا مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ كَانْسِلَاخِ الْحَيَّةِ مِنْ قِشْرِهَا، وَبَاءُوا بِالْغَضَبِ وَالْخِزْيِ وَالْهَوَانِ، وَفَارَقُوا أَحْكَامَ التَّوْرَاةِ وَنَبَذُوهَا وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَاشْتَرَوْا بِهَا الْقَلِيلَ مِنَ الْإِيمَانِ، فَتَرَحَّلَ عَنْهُمُ التَّوْفِيقُ وَقَارَنَهُمُ الْخِذْلَانُ، وَاسْتَبْدَلُوا بِوِلَايَةِ اللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَأَوْلِيَائِهِ وِلَايَةَ الشَّيْطَانِ، أَوْ دِينٍ أُسِّسَ بُنْيَانُهُ عَلَى أَنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ وُجُودٌ مُطْلَقٌ فِي الْأَذْهَانِ، لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْأَعْيَانِ، لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي الْعَالَمِ وَلَا خَارِجٍ عَنْهُ، وَلَا مُتَّصِلٍ بِهِ وَلَا مُنْفَصِلٍ عَنْهُ، وَلَا مُحَايِثٍ وَلَا مُبَايِنٍ لَهُ، لَا يَسْمَعُ، وَلَا يَرَى، وَلَا يَعْلَمُ شَيْئًا مِنَ الْمَوْجُودَاتِ، وَلَا يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، لَا حَيَاةَ لَهُ وَلَا قُدْرَةَ، وَلَا إِرَادَةَ
стр. 5
وَلَا اخْتِيَارَ، وَلَمْ يَخْلُقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، بَلْ لَمْ تَزَلِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ مَعَهُ، وُجُودُهَا مُقَارِنٌ لِوُجُودِهِ، لَمْ يُحْدِثْهَا بَعْدَ عَدَمِهَا وَلَا لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى إِفْنَائِهَا بَعْدَ وُجُودِهَا، مَا أَنْزَلَ عَلَى بَشَرٍ كِتَابًا، وَلَا أَرْسَلَ إِلَى النَّاسِ رَسُولًا، فَلَا شَرْعَ يُتَّبَعُ، وَلَا رَسُولَ يُطَاعُ، وَلَا دَارَ بَعْدَ هَذِهِ الدَّارِ، وَلَا مَبْدَأَ لِلْعَالَمِ وَلَا مَعَادَ، وَلَا بَعْثَ وَلَا نُشُورَ، وَلَا جَنَّةَ وَلَا نَارَ، إِنْ هِيَ إِلَّا تِسْعَةُ أَفْلَاكٍ وَعَشَرَةُ عُقُولٍ، وَأَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ، وَأَفْلَاكٌ تَدُورُ، وَنُجُومٌ تَسِيرُ، وَأَرْحَامٌ تَدْفَعُ، وَأَرْضٌ تَبْلَعُ وَمَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا ضِدَّ لَهُ وَلَا نِدَّ لَهُ، وَلَا صَاحِبَةَ لَهُ وَلَا وَلَدَ لَهُ، وَلَا كُفُؤَ لَهُ، تَعَالَى عَنْ إِفْكِ الْمُبْطِلِينَ، وَخَرَصِ الْكَاذِبِينَ، وَتَقَدَّسَ عَنْ شِرْكِ الْمُشْرِكِينَ، وَأَبَاطِيلِ الْمُلْحِدِينَ، كَذَبَ الْعَادِلُونَ بِهِ سِوَاهُ، وَضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا. وَخَسِرُوا خُسْرَانًا مُبِينًا مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ.
стр. 6
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ وَخِيرَتُهُ مِنْ بَرِيَّتِهِ، وَأَمِينُهُ عَلَى وَحْيِهِ، وَسَفِيرُهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِبَادِهِ: ابْتَعَثَهُ بِخَيْرِ مِلَّةٍ وَأَحْسَنِ شِرْعَةٍ، وَأَظْهَرِ دَلَالَةٍ، وَأَوْضَحِ حُجَّةٍ، وَأَبْيَنِ بُرْهَانٍ إِلَى جَمِيعِ الْعَالَمِينَ، إِنْسِهِمْ وَجِنِّهِمْ، عَرَبِهِمْ وَعَجَمِهِمْ، حَاضِرِهِمْ وَبَادِيهِمْ، الَّذِي بَشَّرَتْ بِهِ الْكُتُبُ السَّالِفَةُ، وَأَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ الْمَاضِيَةُ، وَجَرَى ذِكْرُهُ فِي الْأَعْصَارِ فِي الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ وَالْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، ضُرِبَتْ لِنُبُوَّتِهِ الْبَشَائِرُ مِنْ عَهْدِ آدَمَ أَبِي الْبَشَرِ، إِلَى عَهْدِ الْمَسِيحِ ابْنِ الْبَشَرِ، كُلَّمَا قَامَ رَسُولٌ أُخِذَ عَلَيْهِ الْمِيثَاقُ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَالْبِشَارَةِ بِنُبُوَّتِهِ حَتَّى انْتَهَتِ النُّبُوَّةُ إِلَى كَلِيمِ الرَّحْمَنِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، فَأَذَّنَ بِنُبُوَّتِهِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُعْلِنًا بِالْأَذَانِ " جَاءَ اللَّهُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ، وَأَشْرَقَ مِنْ سَاعِيرَ، وَاسْتَعْلَنَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ ".
إِلَى أَنْ ظَهَرَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ الَّتِي أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، فَأَذَّنَ بِنُبُوَّتِهِ أَذَانًا لَمْ يُؤَذِّنْهُ أَحَدٌ مِثْلُهُ قَبْلَهُ، فَقَامَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مَقَامَ الصَّادِقِ النَّاصِحِ وَكَانُوا لَا يُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ، فَقَالَ: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ تَاللَّهِ لَقَدْ أَذَّنَ الْمَسِيحُ أَذَانًا أَسْمَعَ الْبَادِيَ وَالْحَاضِرَ، فَأَجَابَهُ الْمُؤْمِنُ الْمُصَدِّقُ، وَقَامَتْ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى الْجَاحِدِ الْكَافِرِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، عَمَّا يَقُولُ فِيهِ الْمُبْطِلُونَ، وَيَصِفُهُ الْكَاذِبُونَ، وَيَنْسِبُهُ إِلَيْهِ الْمُفْتَرُونَ وَالْجَاحِدُونَ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
стр. 7
وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا نِدَّ لَهُ وَلَا كُفُؤَ لَهُ، وَلَا صَاحِبَةَ لَهُ وَلَا وَلَدَ لَهُ، وَلَا وَالِدَ لَهُ بَلْ هُوَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ثُمَّ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالشَّهَادَةِ لِأَخِيهِ وَأَوْلَى النَّاسِ بِهِ بِأَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّهُ أَرَكُونُ الْعَالَمِ، وَأَنَّهُ رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لَا يَتَكَلَّمُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، إِنَّمَا يَقُولُ مَا يُقَالُ لَهُ، وَأَنَّهُ يُخْبِرُ النَّاسَ بِكُلِّ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ، وَيَسُوسُهُمْ بِالْحَقِّ، وَيُخْبِرُهُمْ بِالْغُيُوبِ وَيُحْيِيهِمْ بِالتَّأْوِيلِ، وَيُوَبِّخُ الْعَالَمَ عَلَى الْخَطِيئَةِ، وَيُخَلِّصُهُمْ مِنْ يَدِ الشَّيْطَانِ، وَتَسْتَمِرُّ شَرِيعَتُهُ وَسُلْطَانُهُ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، وَصَرَّحَ فِي آذَانِهِ بِاسْمِهِ وَنَعْتِهِ، وَصِفَتِهِ وَسِيرَتِهِ، حَتَّى كَأَنَّهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ عِيَانًا، ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ خَلْفَ إِمَامِ الْمُرْسَلِينَ، وَسَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ أَجْمَعِينَ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ بِاتِّبَاعِ مَنِ السَّعَادَةُ فِي اتِّبَاعِهِ، وَالْفَلَاحُ فِي الدُّخُولِ فِي جُمْلَةِ أَشْيَاعِهِ، فَأَذَّنَ وَأَقَامَ وَتَوَلَّى وَقَالَ: لَسْتُ أَدَعُكُمْ كَالْأَيْتَامِ، وَسَأَعُودُ وَأُصَلِّي وَرَاءَ هَذَا الْإِمَامِ، هَذَا عَهْدِي إِلَيْكُمْ إِنْ حَفِظْتُمُوهُ دَامَ لَكُمُ الْمَلِكُ إِلَى آخَرِ الْأَيَّامِ. فَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ نَاصِحٍ بَشَّرَ بِرِسَالَةِ أَخِيهِ عَلَيْهِمَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، وَصَدَّقَهُ أَخُوهُ وَنَزَّهَهُ عَمَّا قَالَ فِيهِ وَفِي أُمِّهِ أَعْدَاؤُهُ الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْإِفْكِ وَالْبَاطِلِ وَزُورِ الْكَلَامِ، كَمَا نَزَّهَ رَبَّهُ وَخَالِقَهُ وَمُرْسِلَهُ عَمَّا قَالَ فِيهِ الْمُثَلِّثَةُ عُبَّادُ الصَّلِيبِ، وَنَسَبُوهُ إِلَيْهِ مِنَ النَّقْصِ وَالْعَيْبِ وَالذَّمِّ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ اللَّهَ ، جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ وَتَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى جَدُّهُ وَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ، جَعَلَ الْإِسْلَامَ عِصْمَةً لِمَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ، وَجُنَّةً لِمَنِ اسْتَمْسَكَ بِهِ، وَعَضَّ بِالنَّوَاجِذِ عَلَيْهِ، فَهُوَ حَرَمُهُ الَّذِي مَنْ دَخَلَهُ كَانَ مِنَ الْآمِنِينَ، وَحِصْنُهُ الَّذِي مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ كَانَ مِنَ الْفَائِزِينَ،
стр. 8
وَمَنِ انْقَطَعَ دُونَهُ كَانَ مِنَ الْهَالِكِينَ. وَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْ أَحَدٍ دِينًا سِوَاهُ، وَلَوْ بَذَلَ فِي الْمَسِيرِ إِلَيْهِ جَهْدَهُ وَاسْتَفْرَغَ قُوَاهُ، وَأَظْهَرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ حَتَّى طَبَقَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَسَارَ مَسِيرَ الشَّمْسِ فِي الْأَقْطَارِ. وَبَلَغَ إِلَى حَيْثُ انْتَهَى اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَعَلَتِ الدَّعْوَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ وَارْتَفَعَتْ غَايَةَ الِارْتِفَاعِ وَالِاعْتِلَاءِ. بِحَيْثُ صَارَ أَصْلُهَا ثَابِتًا وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ فَتَضَاءَلَتْ لَهَا جَمِيعُ الْأَدْيَانِ، وَخَرَّتْ تَحْتَهَا الْأُمَمُ مُنْقَادَةً بِالْخُضُوعِ وَالذُّلِّ وَالْإِذْعَانِ، وَنَادَى الْمُنَادِي بِشِعَارِهَا فِي جَوِّ السَّمَاءِ بَيْنَ الْخَافِقَيْنِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَارِخًا بِالشَّهَادَتَيْنِ، حَتَّى بَطَلَتْ دَعْوَى الشَّيَاطِينِ، وَتَلَاشَتْ عِبَادَةُ الْأَوْثَانِ، وَاضْمَحَلَّتْ عِبَادَةُ النِّيرَانِ، وَذَلَّتِ الْمُثَلِّثَةُ عُبَّادُ الصُّلْبَانِ، وَتَقَطَّعَتِ الْأُمَّةُ الْغَضَبِيَّةُ فِي الْأَرْضِ كَتَقَطُّعِ السَّرَابِ فِي الْقِيعَانِ، وَصَارَتْ كَلِمَةُ الْإِسْلَامِ هِيَ الْعُلْيَا، وَصَارَ لَهَا فِي قُلُوبِ الْخَلَائِقِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، وَقَامَتْ بَرَاهِينُهُ وَحُجَجُهُ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى، وَبَلَغَتْ مَنْزِلَتُهُ فِي الْعُلُوِّ وَالرَّفْعَةِ الْغَايَةَ الْقُصْوَى، وَأَقَامَ لَهُ وَلَيُّهُ وَمُصْطَفَاهُ أَعْوَانًا وَأَنْصَارًا نَشَرُوا أَلْوِيَتَهُ وَأَعْلَامَهُ، وَحَفِظُوا مِنَ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ حُدُودَهُ وَأَحْكَامَهُ، وَبَلَّغُوا إِلَى نُظَرَائِهِمْ كَمَا بَلَّغَ إِلَيْهِمْ مَنْ قَبْلَهُمْ حَلَالَهُ وَحَرَامَهُ، فَعَظَّمُوا شَعَائِرَهُ، وَعَلَّمُوا شَرَائِعَهُ، وَجَاهَدُوا أَعْدَاءَهُ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، حَتَّى اسْتَغْلَظَ وَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ وَيَغِيظُ بِهِمُ الْكُفَّارَ، وَعَلَا بُنْيَانُهُ الْمُؤَسَّسُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ، إِذْ كَانَ بِنَاءُ غَيْرِهِ مُؤَسَّسًا عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ. فَتَبَارَكَ الَّذِي رَفَعَ مَنْزِلَتَهُ، وَأَعْلَى كَلِمَتَهُ، وَفَخَّمَ شَأْنَهُ، وَأَشَادَ بُنْيَانَهُ، وَأَذَلَّ مُخَالِفِيهِ وَمُعَانَدِيهِ، وَكَبَتَ مَنْ يُبْغِضُهُ وَيُعَادِيهِ، وَوَسَمَهُمْ بِأَنَّهُمْ شَرُّ الدَّوَابِّ، وَأَعَدَّ لَهُمْ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْهِ أَلِيمَ الْعَذَابِ وَالْعِقَابِ، وَحَكَمَ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا مِنَ الْأَنْعَامِ، إِذِ اسْتَبْدَلُوا الشِّرْكَ بِالتَّوْحِيدِ، وَالضَّلَالَ بِالْهُدَى، وَالْكُفْرَ بِالْإِسْلَامِ، وَحَكَمَ سُبْحَانَهُ لِعُلَمَاءِ الْكُفْرِ وَعِبَادِهِ حُكْمًا يَشْهَدُ ذَوُو الْعُقُولِ بِصِحَّتِهِ وَيَرَوْنَهُ شَيْئًا حَسَنًا، فَقَالَ تَعَالَى:
стр. 9
قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا.
(فَصْلٌ) : فَأَيْنَ يَذْهَبُ مَنْ تَوَلَّى عَنْ تَوْحِيدِ رَبِّهِ وَطَاعَتِهِ ، وَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسًا بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَكَذَّبَ رَسُولَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ مُتَابَعَتِهِ، وَحَادَ عَنْ شَرِيعَتِهِ، وَرَغِبَ عَنْ مِلَّتِهِ، وَاتَّبَعَ غَيْرَ سُنَّتِهِ، وَلَمْ يَتَمَسَّكْ بِعَهْدِهِ، وَمَكَّنَ الْجَهْلَ مِنْ نَفْسِهِ، وَالْهَوَى وَالْعِنَادَ مِنْ قَلْبِهِ، وَالْجُحُودَ وَالْكُفْرَ مِنْ صَدْرِهِ، وَالْعِصْيَانَ وَالْمُخَالَفَةَ مِنْ جَوَارِحِهِ، فَقَدْ قَابَلَ خَبَرَ اللَّهِ بِالتَّكْذِيبِ، وَأَمْرَهُ بِالْعِصْيَانِ، وَنَهْيَهُ بِالِارْتِكَابِ، يُغْضِبُ الرَّبَّ وَهُوَ رَاضٍ، وَيَرْضَى وَهُوَ غَضْبَانُ، يُحِبُّ مَا يُبْغِضُ، وَيُبْغِضُ مَا يُحِبُّ، وَيُوَالِي مَنْ يُعَادِيهِ، وَيُعَادِي مَنْ يُوَالِيهِ، يَدْعُو إِلَى خِلَافِ مَا يَرْضَى، وَيَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى، فَقَدِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ فَأَصَمَّهُ وَأَبْكَمَهُ وَأَعْمَاهُ، فَهُوَ مَيِّتُ الدَّارَيْنِ، فَاقِدُ السَّعَادَتَيْنِ، قَدْ رَضِيَ بِخِزْيِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ، وَبَاعَ التِّجَارَةَ الرَّابِحَةَ بِالصَّفْقَةِ الْخَاسِرَةِ، فَقَلْبُهُ عَنْ رَبِّهِ مَصْدُودٌ، وَسَبِيلُ الْوُصُولِ إِلَى جَنَّتِهِ وَرِضَاهُ وَقُرْبِهِ عَنْهُ مَسْدُودٌ، فَهُوَ وَلِيُّ الشَّيْطَانِ وَعَدُوُّ الرَّحْمَنِ، وَحَلِيفُ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ، قَدْ رَضِيَ الْمُسْلِمُونَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا، وَرَضِيَ الْمَخْذُولُ بِالصَّلِيبِ وَالْوَثَنِ إِلَهًا، وَبِالتَّثْلِيثِ وَالْكُفْرِ دِينًا، وَبِسَبِيلِ الضَّلَالِ وَالْغَضَبِ سَبِيلًا، أَعْصَى النَّاسِ لِلْخَالِقِ الَّذِي لَا سَعَادَةَ لَهُ إِلَّا فِي طَاعَتِهِ، وَأَطْوَعُهُمْ لِلْمَخْلُوقِ الَّذِي ذَهَابُ دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ فِي طَاعَتِهِ، فَإِذَا سُئِلَ فِي قَبْرِهِ مَنْ رَبُّكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ قَالَ: آهْ آهْ لَا أَدْرِي، فَيُقَالُ لَهُ: لَا دَرَيْتَ، وَلَا تَلَيْتَ، وَعَلَى ذَلِكَ حَيِيتَ، وَعَلَيْهِ مِتَّ، وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُضْرَمُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ نَارًا، وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ كَالزَّجِّ فِي الرُّمْحِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، فَإِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ وَقَامَ
стр. 10
النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَنَادَى الْمُنَادِي وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ثُمَّ رُفِعَ لِكُلِّ عَابِدٍ مَعْبُودُهُ الَّذِي كَانَ يَعْبُدُهُ وَيَهْوَاهُ، وَقَالَ الرَّبُّ تَعَالَى وَقَدْ أَنْصَتَ لَهُ الْخَلَائِقُ: أَلَيْسَ عَدْلًا مِنِّي أَنْ أُوَلِّيَ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ مَا كَانَ فِي الدُّنْيَا يَتَوَلَّاهُ؟ فَهُنَاكَ يَعْلَمُ الْمُشْرِكُ حَقِيقَةَ مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَبُيِّنَ لَهُ سُوءُ مُنْقَلَبِهِ وَمَا صَارَ إِلَيْهِ، وَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ، وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
стр. 11
(فَصْلٌ) : وَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ كَانَ أَهْلُ الْأَرْضِ صِنْفَيْنِ: أَهْلَ الْكِتَابِ، وَزَنَادِقَةً لَا كِتَابَ لَهُمْ، وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَفْضَلَ الصِّنْفَيْنِ، وَهُمْ نَوْعَانِ: مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ، وَضَالُّونَ.
(الْيَهُودُ) : فَالْأُمَّةُ الْغَضَبِيَّةُ هُمْ الْيَهُودُ: أَهْلُ الْكَذِبِ وَالْبَهْتِ وَالْغَدْرِ وَالْمَكْرِ وَالْحِيَلِ، قَتَلَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَأَكَلَةُ السُّحْتِ وَالرِّبَا وَالرِّشَا، أَخْبَثُ الْأُمَمِ طَوِيَّةً، وَأَرْدَاهُمْ سَجِيَّةً، وَأَبْعَدُهُمْ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَأَقْرَبُهُمْ مِنَ النِّقْمَةِ، عَادَتُهُمُ الْبَغْضَاءُ، وَدِيَنُهُمُ الْعَدَاوَةُ وَالشَّحْنَاءُ، بَيْتُ السِّحْرِ وَالْكَذِبِ وَالْحِيَلِ، لَا يَرَوْنَ لِمَنْ خَالَفَهُمْ فِي كُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ وَلَوْ نَبِيًّا حُرْمَةً، وَلَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً، وَلَا لِمَنْ وَافَقَهُمْ عِنْدَهُمْ حَقٌّ وَلَا شَفَقَةٌ، وَلَا لِمَنْ شَارَكَهُمْ عِنْدَهُمْ عَدْلٌ وَلَا نَصَفَةٌ، وَلَا لِمَنْ خَالَطَهُمْ طُمَأْنِينَةٌ وَلَا أَمْنَةٌ، وَلَا لِمَنِ اسْتَعْمَلَهُمْ عِنْدَهُ نَصِيحَةٌ، بَلْ أَخْبَثُهُمْ أَعْقَلُهُمْ وَأَصْدَقُهُمْ أَغَشُّهُمْ، وَسَلِيمُ النَّاحِيَةِ وَحَاشَا أَنْ يُوجَدَ فِيهِمْ وَبَيْنَهُمْ - لَيْسَ بِيَهُودِيٍّ عَلَى الْحَقِيقَةِ، أَضْيَقُ الْخَلْقِ صُدُورًا، وَأَظْلَمُهُمْ بُيُوتًا، وَأَنْتَنُهُمْ أَفْنِيَةً، وَأَوْحَشُهُمْ سِحْنَةً، تَحِيَّتُهُمْ لَعْنَةٌ، وَلِقَاؤُهُمْ طِيَرَةٌ، شِعَارُهُمُ الْغَضَبُ، وَدِثَارُهُمُ الْمَقْتُ.
стр. 12
(النَّصَارَى) : وَالنَّوْعُ الثَّانِي: الْمُثَلِّثَةُ أُمَّةُ الضَّلَالِ أَوْ عُبَّادُ الصَّلِيبِ، الَّذِينَ سَبُّوا اللَّهَ الْخَالِقَ مَسَبَّةً مَا سَبَّهُ إِيَّاهَا أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ، وَلَمْ يُقِرُّوا بِأَنَّهُ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الْفَرْدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ وَلَمْ يَجْعَلُوهُ أَكْبَرَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، بَلْ قَالُوا مَا: تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا، فَقُلْ مَا شِئْتَ فِي طَائِفَةٍ أَصْلُ عَقِيدَتِهَا أَنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَأَنَّ مَرْيَمَ صَاحِبَتُهُ وَأَنَّ الْمَسِيحَ ابْنُهُ، وَأَنَّهُ نَزَلَ عَنْ كُرْسِيِّ عَظَمَتِهِ، وَالْتَحَمَ بِبَطْنِ الصَّاحِبَةِ، وَجَرَى لَهُ مَا جَرَى إِلَى أَنْ قُتِلَ وَمَاتَ وَدُفِنَ. وَدِينُهَا عِبَادَةُ الصُّلْبَانِ، وَدُعَاءُ الصُّوَرِ الْمَنْقُوشَةِ بِالْأَحْمَرِ وَالْأَصْفَرِ فِي الْحِيطَانِ، يَقُولُونَ فِي دُعَائِهِمْ: (يَا وَالِدَةَ الْإِلَهِ ارْزُقِينَا، وَاغْفِرِي لَنَا وَارْحَمِينَا) .
فَدِينُهُمْ شُرْبُ الْخُمُورِ، وَأَكْلُ الْخِنْزِيرِ، وَتَرْكُ الْخِتَانِ، وَالتَّعَبُّدُ بِالنَّجَاسَاتِ، وَاسْتِبَاحَةُ كُلِّ خَبِيثٍ مِنَ الْفِيلِ إِلَى الْبَعُوضَةِ، وَرَفْضُ نُصُوصِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْعَمَلُ بِقَوْلِ جَاهِلٍ مِنْ رَهَابِنَتِهِمْ، وَاتِّبَاعُ أَمْرِهِ وَأَنَّ الْحَقَّ مَعَهُ وَالْحَلَالَ مَا أَحَلَّهُ، وَالْحَرَامَ مَا حَرَّمَهُ، وَالدِّينَ مَا شَرَعَهُ، وَهُوَ الَّذِي يَغْفِرُ لَهُمُ الذُّنُوبَ، وَيُنَجِّيهِمْ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ.
(الْوَثَنِيُّونَ وَالْمَلَاحِدَةُ) : فَهَذَا حَالُ مَنْ لَهُ كِتَابٌ، وَأَمَّا مَنْ لَا كِتَابَ لَهُ: فَهُوَ بَيْنَ عَابِدِ أَوْثَانٍ، وَعَابِدِ صَوَّانٍ، وَعَابِدِ شَيْطَانٍ، وَصَابِئٍ حَيْرَانَ، يَجْمَعُهُمُ الشِّرْكُ، وَتَكْذِيبُ الرُّسُلِ،
стр. 13
وَتَعْطِيلُ الشَّرَائِعِ، وَإِنْكَارُ الْمَعَادِ وَحَشْرِ الْأَجْسَادِ، لَا يَدِينُونَ لِلْخَالِقِ بِدِينٍ، وَلَا يَعْبُدُونَهُ مَعَ الْعَابِدِينَ، وَلَا يُوَحِّدُونَهُ مَعَ الْمُوَحِّدِينَ.
(الْمَجُوسُ) : وَأُمَّةُ الْمَجُوسِ مِنْهُمْ تَسْتَفْرِشُ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ، مَعَ الْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ، دِينُهُمُ الزَّمْزَمَةُ، وَطَعَامُهُمُ الْمَيْتَةُ، وَشَرَابُهُمُ الْخَمْرُ، وَمَعْبُودُهُمُ النَّارُ، وَوَلِيُّهُمُ الشَّيْطَانُ، فَهُمْ أَخْبَثُ بَنِي آدَمَ نِحْلَةً، وَأَرْذَلُهُمْ مَذْهَبًا، وَأَسْوَءُهُمُ اعْتِقَادًا.
(الصَّابِئَةُ وَالْفَلَاسِفَةُ) : وَأَمَّا زَنَادِقَةُ الصَّابِئَةِ وَمَلَاحِدَةُ الْفَلَاسِفَةِ، فَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا مَلَائِكَتِهِ وَلَا كُتُبِهِ وَلَا رُسُلِهِ وَلَا لِقَائِهِ، وَلَا يُؤْمِنُونَ بِمَبْدَأٍ وَلَا مَعَادٍ، وَلَيْسَ لِلْعَالَمِ عِنْدَهُمْ رَبٌّ فَعَّالٌ بِالِاخْتِيَارِ لِمَا يُرِيدُ، قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، عَالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، آمِرٌ نَاهٍ مُرْسِلُ الرُّسُلِ، وَمُنْزِلُ الْكُتُبِ، وَمُثِيبُ الْمُحْسِنِ، وَمُعَاقِبُ الْمُسِيءِ، وَلَيْسَ عِنْدَ نَظَائِرِهِمْ إِلَّا تِسْعَةُ أَفْلَاكٍ، وَعَشَرَةُ عُقُولٍ، وَأَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ، وَسِلْسِلَةٌ تَرَتَّبَتْ فِيهَا الْمَوْجُودَاتُ هِيَ بِسِلْسِلَةِ الْمَجَانِينِ أَشْبَهُ مِنْهَا بِمُجَوِّزَاتِ الْعُقُولِ.
(دِينُ الْحَنِيفِيَّةِ) : وَبِالْجُمْلَةِ فَدِينُ الْحَنِيفِيَّةِ الَّذِي لَا دِينَ لِلَّهِ غَيْرُهُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَدْيَانِ الْبَاطِلَةِ الَّتِي لَا دِينَ فِي الْأَرْضِ غَيْرُهَا - أَخْفَى مِنَ السُّهَا تَحْتَ السَّحَابِ، وَقَدْ نَظَرَ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَأَطْلَعَ اللَّهُ شَمْسَ الرِّسَالَةِ فِي حِنَادِسِ تِلْكَ الظُّلَمِ سِرَاجًا مُنِيرًا، وَأَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ نِعْمَةً لَا يَسْتَطِيعُونَ لَهَا شُكْرًا، وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا أَكْمَلَ الْإِشْرَاقِ،
стр. 14
وَفَاضَ ذَلِكَ حَتَّى عَمَّ النَّوَاحِيَ وَالْآفَاقَ، وَانْشَقَّ الْقَمَرُ أَتَمَّ الِانْشِقَاقِ، وَقَامَ دِينُ اللَّهِ الْحَنِيفُ عَلَى سَاقٍ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ الَّذِي أَنْقَذَنَا بِمُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ تِلْكَ الظُّلُمَاتِ، وَفَتَحَ لَنَا بِهِ بَابَ الْهُدَى فَلَا يُغْلَقُ إِلَى يَوْمِ الْمِيقَاتِ، وَأَرَانَا فِي نُورِهِ أَهْلَ الضَّلَالِ وَهُمْ فِي ضَلَالِهِمْ يَتَخَبَّطُونَ، وَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ، وَفِي جَهَالَتِهِمْ يَتَقَلَّبُونَ، وَفِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ، يُؤْمِنُونَ وَيَعْدِلُونَ وَلَكِنْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، وَيَعْمَلُونَ وَلَكِنْ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ وَيَسْجُدُونَ وَلَكِنْ لِلصَّلِيبِ، وَالْوَثَنِ وَالشَّمْسِ يَسْجُدُونَ، وَيَمْكُرُونَ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَغْنَانَا بِشَرِيعَتِهِ الَّتِي تَدْعُو إِلَى الْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَتَتَضَمَّنُ الْأَمْرَ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَالنَّهْيَ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، فَلَهُ الْمِنَّةُ وَالْفَضْلُ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْنَا وَآثَرَنَا بِهِ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ، وَإِلَيْهِ الرَّغْبَةُ أَنْ يُوَزِعَنَا شُكْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ، وَأَنْ يَفْتَحَ لَنَا أَبْوَابَ التَّوْبَةِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، فَأَحَبُّ الْوَسَائِلِ إِلَى الْمُحْسِنِ التَّوَسُّلُ إِلَيْهِ بِإِحْسَانِهِ، وَالِاعْتِرَافُ لَهُ بِأَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ مَحْضُ فَضْلِهِ وَامْتِنَانِهِ، فَلَهُ عَلَيْنَا النِّعْمَةُ السَّابِغَةُ، كَمَا لَهُ عَلَيْنَا الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ، نَبُوءُ لَهُ بِنِعَمِهِ عَلَيْنَا، وَنَبُوءُ بِذُنُوبِنَا وَخَطَايَانَا، وَجَهْلِنَا وَظُلْمِنَا، وَإِسْرَافِنَا فِي أَمْرِنَا، فَهَذِهِ بِضَاعَتُنَا الَّتِي لَدَيْنَا، لَمْ تَبْقَ لَنَا، وَنِعَمُهُ وَحُقُوقُهَا وَذُنُوبُنَا حَسَنَةٌ نَرْجُو بِهَا الْفَوْزَ بِالثَّوَابِ وَالتَّخَلُّصَ مِنْ أَلِيمِ الْعِقَابِ، بَلْ بَعْضُ ذَلِكَ يُنْفِذُ جَمِيعَ حَسَنَاتِنَا، وَيَسْتَوْعِبُ كُلَّ طَاعَتِنَا، هَذَا لَوْ خَلَصَتْ مِنَ
стр. 15
الشَّوَائِبِ، وَكَانَتْ خَالِصَةً لِوَجْهِهِ، وَاقِعَةً عَلَى وَفْقِ أَمْرِهِ، وَمَا هُوَ وَاللَّهِ إِلَّا التَّعَلُّقُ بِأَذْيَالِ عَفْوِهِ، وَحُسْنُ الظَّنِّ بِهِ، وَاللِّجَايَةُ إِلَيْهِ وَالِاسْتِعَانَةُ بِهِ مِنْهُ، وَالِاسْتِكَانَةُ وَالتَّذَلُّلُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمَدُّ يَدِ الْفَاقَةِ وَالْمَسْكَنَةِ إِلَيْهِ بِالسُّؤَالِ، وَالِافْتِقَارُ إِلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، فَمَنْ أَصَابَتْهُ نَفْحَةٌ مِنْ نَفَحَاتِ رَحْمَتِهِ، أَوْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ قَطْرَةٌ مِنْ قَطَرَاتِ رَأْفَتِهِ انْتَعَشَ بَيْنَ الْأَمْوَاتِ، وَأَنَاخَتْ بِفِنَائِهِ وُفُودُ الْخَيْرَاتِ، وَتَرَحَّلَتْ عَنْهُ جُيُوشُ الْهُمُومِ وَالْغُمُومِ وَالْحَسَرَاتِ.
شِعْرٌ:
وَإِذَا نَظَرْتَ إِلَيَّ نَظْرَةَ رَاحِمٍ ... فِي الدَّهْرِ يَوْمًا إِنَّنِي لَسَعِيدُ
стр. 16
(فَصْلٌ) وَمِنْ بَعْضِ حُقُوقِ اللَّهِ عَلَى عَبْدِهِ رَدُّ الطَّاعِنِينَ عَلَى كِتَابِهِ وَرَسُولِهِ وَدِينِهِ، وَمُجَاهَدَتُهُمْ بِالْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ، وَالسَّيْفِ وَالسِّنَانِ، وَالْقَلْبِ وَالْجَنَانِ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ حَبَّةُ خَرْدَلٍ مِنَ الْإِيمَانِ.
وَكَانَ انْتَهَى إِلَيْنَا مَسَائِلُ أَوْرَدَهَا بَعْضُ الْكُفَّارِ الْمُلْحِدِينَ عَلَى بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يُصَادِفْ عِنْدَهُ مَا يَشْفِيهِ، وَلَا وَقَعَ دَوَاؤُهُ عَلَى الدَّاءِ الَّذِي فِيهِ، وَظَنَّ الْمُسْلِمُ أَنَّهُ بِضَرْبِهِ يُدَاوِيهِ، فَسَطَا بِهِ ضَرْبًا وَقَالَ: هَذَا هُوَ الْجَوَابُ، فَقَالَ الْكَافِرُ: صَدَقَ أَصْحَابُنَا فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ إِنَّمَا قَامَ بِالسَّيْفِ لَا بِالْكِتَابِ. فَتَفَرَّقَا وَهَذَا ضَارِبٌ وَهَذَا مَضْرُوبٌ، وَضَاعَتِ الْحُجَّةُ بَيْنَ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ، فَشَمَّرَ الْمُجِيبُ عَنْ سَاعِدِ الْعَزْمِ، وَنَهَضَ عَلَى سَاقِ الْجَدِّ، وَقَامَ لِلَّهِ قِيَامَ مُسْتَعِينٍ بِهِ مُفَوِّضٍ إِلَيْهِ مُتَوَكِّلٍ فِي مُوَافَقَةِ مَرْضَاتِهِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَقُلْ مَقَالَةَ الْعَجَزَةِ الْجُهَّالِ: إِنَّ الْكُفَّارَ إِنَّمَا يُعَامَلُونَ بِالْجِلَادِ دُونَ الْجِدَالِ، وَهَذَا فِرَارٌ مِنَ الزَّحْفِ، وَإِخْلَادٌ إِلَى الْعَجْزِ وَالضَّعْفِ. فَمُجَادَلَةُ الْكُفَّارِ بَعْدَ دَعْوَتِهِمْ إِقَامَةٌ لِلْحُجَّةِ وَإِزَالَةٌ لِلْعُذْرِ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَالسَّيْفُ إِنَّمَا جَاءَ مُنْفِذًا لِلْحُجَّةِ مُقَوِّمًا لِلْمُعَانِدِ، وَحَدًّا لِلْجَاحِدِ.
стр. 17
قَالَ تَعَالَى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ.
فَدِينُ الْإِسْلَامِ قَامَ بِالْكِتَابِ الْهَادِي وَنَفَّذَهُ السَّيْفُ النَّاصِرُ.
شِعْرٌ:
فَمَا هُوَ إِلَّا الْوَحْيُ أَوْ حَدُّ مُرْهَفٍ ... يُقِيمُ ظباهُ أَخْدَعَيْ كُلِّ مَائِلِ
فَهَذَا شِفَاءُ الدَّاءِ مِنْ كُلِّ عَاقِلٍ ... وَهَذَا دَوَاءُ الدَّاءِ مِنْ كُلِّ جَاهِلِ
وَإِلَى اللَّهِ الرَّغْبَةُ فِي التَّوْفِيقِ، فَإِنَّهُ الْفَاتِحُ مِنَ الْخَيْرِ أَبْوَابَهُ، وَالْمُيَسِّرُ لَهُ أَسْبَابَهُ.
стр. 18
وَقَدْ وَضَعْتُ هَذَا الْكِتَابَ وَسَمَّيْتُهُ هِدَايَةَ الْحَيَارَى فِي أَجْوِبَةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
وَقَسَّمْتُهُ قِسْمَيْنِ:
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: فِي أَجْوِبَةِ الْمَسَائِلِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: فِي تَقْرِيرٍ، نُبُوَّةِ سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ ﷺ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الدَّلَائِلِ، فَجَاءَ بِحَمْدِ اللَّهِ وَمَنِّهِ وَتَوْفِيقِهِ كِتَابًا مُمْتِعًا مُعْجِبًا، لَا يَسْأَمُ قَارِيِهِ وَلَا يَمَلُّ النَّاظِرُ فِيهِ، فَهُوَ كِتَابٌ يَصْلُحُ لِلدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلِزِيَادَةِ الْإِيمَانِ، وَلَذَّةِ الْإِنْسَانِ. يُعْطِيكَ مَا شِئْتَ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ وَبَرَاهِينِ الرِّسَالَةِ، وَبِشَارَاتِ الْأَنْبِيَاءِ بِخَاتَمِهِمْ، وَاسْتِخْرَاجِ اسْمِهِ الصَّرِيحِ مِنْ كُتُبِهُمْ، وَذِكْرِ نَعْتِهِ وَصِفَتِهِ وَسِيرَتِهِ مِنْ كُتُبِهِمْ، وَالتَّمَيُّزِ بَيْنَ صَحِيحِ الْأَدْيَانِ وَفَاسِدِهَا، وَكَيْفِيَّةِ فَسَادِهَا بَعْدَ اسْتِقَامَتِهَا، وَجُمْلَةً مِنْ فَضَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ، وَمَا هُمْ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُمْ أَعْظَمُ النَّاسِ بَرَاءَةً مِنْ أَنْبِيَائِهِمْ، وَأَنَّ نُصُوصَ أَنْبِيَائِهِمْ تَشْهَدُ بِكُفْرِهِمْ وَضَلَالِهِمْ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ نُكَتٍ بَدِيعَةٍ، لَا تُوجَدُ فِي سِوَاهُ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانِ، فَهُوَ حَسْبُنَا وَنَعِمَ الْوَكِيلُ.
стр. 19
فَنَقُولُ أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى وَهِيَ: قَوْلُ السَّائِلِ: قَدِ اشْتُهِرَ عِنْدَكُمْ بِأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ مَا مَنَعَهُمْ مِنَ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا الرِّئَاسَةُ وَالْمَأْكَلَةُ لَا غَيْرَ ، فَكَلَامُ جَاهِلٍ بِمَا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَبِمَا عِنْدَ الْكُفَّارِ، أَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَلَمْ يَقُولُوا: إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ أَهْلَ الْكِتَابِ مِنَ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا الرِّئَاسَةُ وَالْمَأْكَلَةُ لَا غَيْرَ، وَإِنْ قَالَ هَذَا بَعْضُ عَوَامِّهِمْ فَلَا يَلْزَمُ جَمَاعَتَهُمْ، وَالْمُمْتَنِعُونَ مِنَ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ وَغَيْرِهِمْ جُزْءٌ يَسِيرٌ جِدًّا بِالْإِضَافَةِ إِلَى الدَّاخِلِينَ فِيهِ مِنْهُمْ، بَلْ أَكْثَرُ الْأُمَمِ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ طَوْعًا وَرَغْبَةً وَاخْتِيَارًا لَا كَرْهًا وَاضْطِرَارًا.
وَإِنَّ اللَّهَ بَعْثَ مُحَمَّدًا ﷺ رَسُولًا إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَهُمْ خَمْسَةُ أَصْنَافٍ قَدْ طَبَقُوا الْأَرْضَ: يَهُودُ، وَنَصَارَى، وَمَجُوسٌ، وَصَابِئُونَ، وَمُشْرِكُونَ.
وَهَذِهِ الْأَصْنَافُ هِيَ الَّتِي كَانَتْ قَدِ اسْتَوْلَتْ عَلَى الدُّنْيَا مِنْ مَشَارِقِهَا إِلَى مَغَارِبِهَا.
стр. 20
فَأَمَّا الْيَهُودُ فَأَكْثَرُ مَا كَانُوا بِالْيَمَنِ وَخَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ وَمَا حَوْلَهَا، وَكَانُوا بِأَطْرَافِ الشَّامِ مُسْتَذَلِّينَ مَعَ النَّصَارَى، وَكَانَ مِنْهُمْ بِأَرْضِ فَارِسَ مُسْتَذَلَّةٌ مَعَ الْمَجُوسِ، وَكَانَ مِنْهُمْ بِأَرْضِ الْمَغْرِبِ فِرْقَةٌ، وَأَعَزُّ مَا كَانُوا بِالْمَدِينَةِ وَخَيْبَرَ وَمَا حَوْلَهَا، وَكَانَ اللَّهُ قَدْ قَطَّعَهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا وَسَلَبَهُمُ الْمُلْكَ وَالْعِزَّ.
وَأَمَّا النَّصَارَى فَكَانُوا طَبَقَ الْأَرْضِ: فَكَانَتِ الشَّامُ كُلُّهَا نَصَارَى، وَأَرْضُ الْمَغْرِبِ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِمُ النَّصَارَى، وَكَذَلِكَ أَرْضُ مِصْرَ وَالْحَبَشَةِ وَالنُّوبَةِ وَالْجَزِيرَةِ وَالْمَوْصِلِ وَأَرْضُ نَجْرَانَ وَغَيْرُهَا مِنَ الْبِلَادِ.
وَأَمَّا الْمَجُوسُ فَهُمْ أَهْلُ مَمْلَكَةِ فَارِسَ وَمَا اتَّصَلَ بِهَا.
وَأَمَّا الصَّابِئَةُ فَأَهْلُ حَرَّانَ وَكَثِيرٌ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ.
стр. 21
وَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ فَجَزِيرَةُ الْعَرَبِ جَمِيعُهَا وَبِلَادُ الْهِنْدِ وَبِلَادُ التُّرْكِ وَمَا جَاوَرَهَا
وَأَدْيَانُ أَهْلِ الْأَرْضِ لَا تَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الْأَدْيَانِ الْخَمْسَةِ، وَدِينُ الْحُنَفَاءِ لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ الْبَتَّةَ. وَهَذِهِ الْأَدْيَانُ الْخَمْسَةُ كُلُّهَا لِلشَّيْطَانِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ وَغَيْرُهُ: الْأَدْيَانُ سِتَّةٌ: وَاحِدٌ لِلرَّحْمَنِ وَخَمْسَةٌ لِلشَّيْطَانِ
وَهَذِهِ الْأَدْيَانُ السِّتَّةُ مَذْكُورَةٌ فِي آيَةِ الْفَصْلِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ اسْتَجَابَ لَهُ وَلِخُلَفَائِهِ بَعْدَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْأَدْيَانِ طَوْعًا وَاخْتِيَارًا، وَلَمْ يُكْرِهْ أَحَدًا قَطُّ عَلَى الدِّينِ، وَإِنَّمَا كَانَ يُقَاتِلُ مَنْ يُحَارِبُهُ وَيُقَاتِلُهُ، وَأَمَّا مَنْ سَالَمَهُ وَهَادَنَهُ فَلَمْ يُقَاتِلْهُ وَلَمْ يُكْرِهْهُ عَلَى الدُّخُولِ فِي دِينِهِ امْتِثَالًا لِأَمْرِ رَبِّهِ حَيْثُ يَقُولُ: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
وَهَذَا نَفْيٌ فِي مَعْنَى النَّهْيِ، أَيْ لَا تُكْرِهُوا أَحَدًا عَلَى الدِّينِ، نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي رِجَالٍ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانَ لَهُمْ أَوْلَادٌ، قَدْ تَهَوَّدُوا وَتَنَصَّرُوا قَبْلَ الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَسْلَمَ الْآبَاءُ وَأَرَادُوا إِكْرَاهَ الْأَوْلَادِ عَلَى الدِّينِ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونُوا هُمُ الَّذِينَ يَخْتَارُونَ الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ.
وَالصَّحِيحُ: الْآيَةُ عَلَى عُمُومِهَا فِي حَقِّ كُلِّ كَافِرٍ، وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجَوِّزُ أَخْذَ الْجِزْيَةِ مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ، فَلَا يُكْرَهُونَ عَلَى الدُّخُولِ فِي الدِّينِ، بَلْ إِمَّا أَنْ يَدْخُلُوا فِي الدِّينِ، وَإِمَّا أَنْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ، كَمَا تَقُولُهُ أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَإِنِ اسْتَثْنَى هَؤُلَاءِ بَعْضَ عَبْدَةِ الْأَوْثَانِ.
стр. 22
وَمَنْ تَأَمَّلَ سِيرَةَ النَّبِيِّ ﷺ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يُكْرِهْ أَحَدًا عَلَى دِينِهِ قَطُّ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا قَاتَلَ مَنْ قَاتَلَهُ، وَأَمَّا مَنْ هَادَنَهُ فَلَمْ يُقَاتِلْهُ مَا دَامَ مُقِيمًا عَلَى هُدْنَتِهِ، لَمْ يَنْقُضْ عَهْدَهُ، بَلْ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَفِيَ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ مَا اسْتَقَامُوا لَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ.
فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَالَحَ الْيَهُودَ وَأَقَرَّهُمْ عَلَى دِينِهِمْ، فَلَمَّا حَارَبُوهُ وَنَقَضُوا عَهْدَهُ وَبَدَءُوهُ بِالْقِتَالِ قَاتَلَهُمْ، فَمَنَّ عَلَى بَعْضِهِمْ، وَأَجْلَى بَعْضَهُمْ، وَقَاتَلَ بَعْضَهُمْ. وَكَذَلِكَ لَمَّا هَادَنَ قُرَيْشًا عَشْرَ سِنِينَ لَمْ يَبْدَأْهُمْ بِقِتَالٍ حَتَّى بَدَءُوا هُمْ بِقِتَالِهِ وَنَقْضِ عَهْدِهِ، فَحِينَئِذٍ غَزَاهُمْ فِي دِيَارِهِمْ، وَكَانُوا هُمْ يَغْزُونَهُ قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا قَصَدُوهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَيَوْمَ بَدْرٍ أَيْضًا هُمْ جَاءُوا لِقِتَالِهِ وَلَوِ انْصَرَفُوا عَنْهُ لَمْ يُقَاتِلْهُمْ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُكْرِهْ أَحَدًا عَلَى الدُّخُولِ فِي دِينِهِ الْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا دَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِهِ اخْتِيَارًا وَطَوْعًا، فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْأَرْضِ دَخَلُوا فِي دَعْوَتِهِ لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى، وَأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا فَهَؤُلَاءِ أَهْلُ الْيَمَنِ كَانُوا عَلَى دِينِ الْيَهُودِيَّةِ وَأَكْثَرُهُمْ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِمُعَاذٍ لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، ثُمَّ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ رَغْبَةٍ وَلَا رَهْبَةٍ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودِ الْمَدِينَةِ، وَهُمْ جَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ غَيْرُ عَبْدِ اللَّهِ مَذْكُورُونَ فِي كُتُبِ السِّيَرِ وَالْمَغَازِي، لَمْ يُسْلِمُوا رَغْبَةً فِي الدُّنْيَا وَلَا رَهْبَةً مِنَ السَّيْفِ، بَلْ أَسْلَمُوا فِي حَالِ حَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ وَكَثْرَةِ أَعْدَائِهِمْ، وَمُحَارَبَةِ أَهْلِ الْأَرْضِ لَهُمْ
стр. 23
مِنْ غَيْرِ سَوْطٍ وَلَا نَوْطٍ، بَلْ تَحَمَّلُوا مُعَادَاةَ أَقْرِبَائِهِمْ وَحِرْمَانَهُمْ نَفْعَهُمْ بِالْمَالِ وَالْبَدَنِ مَعَ ضَعْفِ شَوْكَةِ الْمُسْلِمِينَ وَقِلَّةِ ذَاتِ أَيْدِيهِمْ. فَكَانَ أَحَدُهُمْ يُعَادِي أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ وَعَشِيرَتِهِ، وَيَخْرُجُ مِنَ الدُّنْيَا رَغْبَةً فِي الْإِسْلَامِ، لَا لِرِئَاسَةٍ وَلَا مَالٍ، بَلْ يَنْخَلِعُ مِنَ الرِّئَاسَةِ وَالْمَالِ، وَيَتَحَمَّلُ أَذَى الْكُفَّارِ مِنْ ضَرْبِهِمْ وَشَتْمِهِمْ وَصُنُوفِ أَذَاهُمْ وَلَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ.
فَإِنْ كَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ وَالْقِسِّيسِينَ وَمَنْ ذَكَرَهُ هَذَا السَّائِلُ قَدِ اخْتَارَ الْكُفْرَ، فَقَدْ أَسْلَمَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ فِرَقِ الْكُفَّارِ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْأَقَلُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ أَسْلَمَ، فَهَؤُلَاءِ نَصَارَى الشَّامِ كَانُوا مِلْءَ الشَّامِ، ثُمَّ صَارُوا مُسْلِمِينَ إِلَّا النَّادِرَ، فَصَارُوا فِي الْمُسْلِمِينَ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَبْيَضِ.
وَكَذَلِكَ الْمَجُوسُ كَانَتْ أُمَّةً لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى فَأَطْبَقُوا عَلَى الْإِسْلَامِ، لَمْ يَتَخَلَّفْ مِنْهُمْ إِلَّا النَّادِرُ، وَصَارَتْ بِلَادَ الْإِسْلَامِ، وَصَارَ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ تَحْتَ الْجِزْيَةِ وَالذِّلَّةِ، وَكَذَلِكَ الْيَهُودُ أَسْلَمَ أَكْثَرُهُمْ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ مُقَطَّعَةٌ فِي الْبِلَادِ.
فَقَوْلُ هَذَا الْجَاهِلِ: إِنَّ هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ كَذِبٌ ظَاهِرٌ وَبُهْتٌ مُبِينٌ، حَتَّى لَوْ كَانُوا كُلُّهُمْ قَدْ أَطْبَقُوا عَلَى اخْتِيَارِ الْكُفْرِ لَكَانُوا فِي ذَلِكَ أُسْوَةَ قَوْمِ نُوحٍ، وَقَدْ أَقَامَ فِيهِمْ نُوحٌ ﷺ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَيُرِيهِمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا يُقِيمُ حُجَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ أَطْبَقُوا عَلَى الْكُفْرِ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ.
стр. 24
وَهُمْ كَانُوا أَضْعَافَ أَضْعَافِ هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ الْكَافِرَتَيْنِ، أَهْلِ الْغَضَبِ وَأَهْلِ الضَّلَالِ، وَقَوْمُ عَادٍ أَطْبَقُوا عَلَى الْكُفْرِ، وَهُمْ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ عُقَلَاءُ حَتَّى اسْتُؤْصِلُوا بِالْعَذَابِ، وَقَوْمُ ثَمُودَ أَطْبَقُوا جَمِيعُهُمْ عَلَى الْكُفْرِ بَعْدَ رُؤْيَةِ الْآيَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي يُؤْمِنُ عَلَى مِثْلِهَا الْبَشَرُ، وَمَعَ هَذَا فَاخْتَارُوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى وَقَالَ تَعَالَى: وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ.
فَهَاتَانِ أُمَّتَانِ عَظِيمَتَانِ مِنْ أَكْبَرِ الْأُمَمِ قَدْ أَطْبَقَا عَلَى الْكُفْرِ مَعَ الْبَصِيرَةِ، فَأُمَّتَا الْغَضَبِ وَالضَّلَالِ إِذَا أَطْبَقَتَا عَلَى الْكُفْرِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِبِدْعٍ، وَهَؤُلَاءِ قَوْمُ فِرْعَوْنَ مَعَ كَثْرَتِهِمْ قَدْ أَطْبَقُوا عَلَى جَحْدِ نُبُوَّةِ مُوسَى ﵊ مَعَ تَظَاهُرِ الْآيَاتِ الْبَاهِرَةِ آيَةً بَعْدَ آيَةٍ، فَلَمْ يُؤْمِنْ مِنْهُمْ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ كَانَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ.
وَأَيْضًا، فَيُقَالُ لِلنَّصَارَى: هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ مَعَ كَثْرَتِهِمْ فِي زَمَنِ الْمَسِيحِ ﵊ حَتَّى كَانُوا قَدْ مَلَئُوا بِلَادَ الشَّامِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكَانُوا قَدْ أَطْبَقُوا عَلَى تَكْذِيبِ الْمَسِيحِ وَجَحْدِ نُبُوَّتِهِ، وَفِيهِمُ الْأَحْبَارُ وَالرُّهْبَانُ، وَالْعُبَّادُ وَالْعُلَمَاءُ، حَتَّى آمَنَ بِهِ
стр. 25
الْحَوَارِيُّونَ، فَإِذَا جَازَ عَلَى الْيَهُودِ - وَفِيهِمُ الْأَحْبَارُ وَالْعُبَّادُ وَالزُّهَّادُ وَغَيْرُهُمْ - الْإِطْبَاقُ عَلَى جَحْدِ نُبُوَّةِ الْمَسِيحِ، وَالْكُفْرِ بِهِ مَعَ ظُهُورِ آيَاتِ صِدْقِهِ كَالشَّمْسِ، جَازَ عَلَيْهِمْ إِنْكَارُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ جَوَازَ ذَلِكَ عَلَى أُمَّةِ الضَّلَالِ الَّذِينَ هُمْ أَضَلُّ مِنَ الْأَنْعَامِ، وَهُمُ النَّصَارَى أَوْلَى وَأَحْرَى.
فَهَذَا السُّؤَالُ الَّذِي أَوْرَدَهُ هَذَا السَّائِلُ وَارِدٌ بِعَيْنِهِ فِي حَقِّ كُلِّ نَبِيٍّ كَذَّبَتْهُ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ، فَإِنْ صَوَّبَ هَذَا السَّائِلُ رَأَى تِلْكَ الْأُمَمِ كُلِّهَا، فَقَدْ كَفَرَ بِجَمِيعِ الرُّسُلِ. وَإِنْ قَالَ: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ كَانُوا عَلَى الْحَقِّ، وَكَانَتْ تِلْكَ الْأُمَمُ مَعَ كَثْرَتِهَا وَوُفُورِ عُقُولِهَا عَلَى الْبَاطِلِ، فَلَأَنْ يَكُونَ الْمُكَذِّبُونَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، وَهُمُ الْأَقَلُّونَ الْأَرْذَلُونَ، مِنْ هَذِهِ الطَّوَائِفِ عَلَى الْبَاطِلِ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَأَيُّ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ اعْتَبَرْتَهَا، وَجَدْتَ الْمُصَدِّقِينَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ جُمْهُورَهَا، وَأَقَلُّهَا وَأَرْذَلُهَا هُمُ الْجَاحِدُونَ لِنُبُوَّتِهِ، فَرُقْعَةُ الْإِسْلَامِ اتَّسَعَتْ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا غَايَةَ الِاتِّسَاعِ بِدُخُولِ هَذِهِ الْأُمَمِ فِي دِينِهِ، وَتَصْدِيقِهِمْ بِرِسَالَتِهِ، وَبَقِيَ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ مِنْهُمْ فِي دِينِهِ، وَهُمْ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ أَقَلُّهَا.
وَأَيْنَ يَقَعُ النَّصَارَى الْمُكَذِّبُونَ بِرِسَالَتِهِ الْيَوْمَ مِنْ أُمَّةِ النَّصْرَانِيَّةِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُ؟! وَكَذَلِكَ الْيَهُودُ وَالْمَجُوسُ وَالصَّابِئُونَ لَا نِسْبَةً لِلْمُكَذِّبِينَ بِرِسَالَتِهِ بَعْدَ بَعْثِهِ إِلَى جُمْلَةِ تِلْكَ الْأُمَّةِ قَبْلَ بَعْثِهِ.
وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنِ الْأُمَمِ الَّتِي أَطْبَقَتْ عَلَى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ وَدَمَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى، فَقَالَ : ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ.
فَأَخْبَرَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْأُمَمِ أَنَّهُمْ تَطَابَقُوا عَلَى تَكْذِيبِ رُسُلِهِمْ وَأَنَّهُ عَمَّهُمْ بِالْإِهْلَاكِ، وَقَالَ تَعَالَى: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ.
стр. 26
وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُهْلِكْ هَذِهِ الْأُمَمَ الْكَثِيرَةَ إِلَّا بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى، فَاخْتَارُوا عَلَيْهِ الْكُفْرَ، وَلَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمُ الْهُدَى وَاخْتَارُوا خِلَافَهُ لَمْ يَهْلِكُوا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ، وَقَالَ تَعَالَى: فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ، أَيْ فَلَمْ يَكُنْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ. وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّهُ لَمْ يُصَدَّقْ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ وَلَمْ يَتَّبِعْهُ مِنَ الْأُمَمِ مَا صُدِّقَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ .
وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُ مِنَ الْأُمَمِ أَضْعَافُ هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ الْمُكَذِّبَتَيْنِ مِمَّا لَا يُحْصِيهِمْ إِلَّا اللَّهُ وَلَا يَسْتَرِيبُ مَنْ لَهُ مُسْكَةٌ مِنْ عَقَلٍ أَنَّ الضَّلَالَ وَالْجَهْلَ وَالْغَيَّ وَفَسَادَ الْعَقْلِ إِلَى مَنْ خَالَفَهُ وَجَحَدَ نُبُوَّتَهُ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى أَتْبَاعِهِ وَمَنْ أَقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ.
وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ: كَيْفَ جَازَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْأُمَمِ الَّذِينَ لَا يُحْصِيهِمْ إِلَّا اللَّهُ الَّذِينَ قَدْ بَلَغُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا عَلَى اخْتِلَافِ طَبَائِعِهِمْ وَأَغْرَاضِهِمْ وَتَبَايُنِ مَقَاصِدِهِمِ الْإِطْبَاقُ عَلَى اتِّبَاعِ مَنْ يَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى الْعَقْلِ، وَيُحِلُّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرُسُلُهُ وَيُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكَذَّابَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي دَعْوَى الرِّسَالَةِ هُوَ شَرُّ خَلْقِ اللَّهِ وَأَفْجَرُهُمْ وَأَظْلَمُهُمْ وَأَكْذَبُهُمْ. وَلَا يَشُكُّ مَنْ لَهُ أَدْنَى عَقْلٍ أَنَّ إِطْبَاقَ أَكْثَرِ الْأُمَمِ عَلَى
стр. 27
مُتَابَعَةِ هَذَا النَّبِيِّ ﷺ وَخُرُوجَهُمْ عَنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَمُعَادَاتِهِمْ آبَاءَهُمْ وَعَشَائِرَهُمْ فِي مُتَابَعَتِهِ، وَبَذْلِهِمْ نُفُوسَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ أَمْحَلِ الْمُحَالِ.
فَتَجْوِيزُ اخْتِيَارِ الْكُفْرِ بَعْدَ تَبَيُّنِ الْهُدَى عَلَى شِرْذِمَةٍ قَلِيلَةٍ حَقِيرَةٍ لَهَا أَغْرَاضٌ عَدِيدَةٌ مِنْ هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ أَوْلَى مِنْ تَجْوِيزِ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ طَبَقُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَهُمْ أَعْقَلُ الْأُمَمِ وَأَكْمَلُهَا فِي جَمِيعِ خِصَالِ الْفَضْلِ، وَأَيْنَ عُقُولُ عُبَّادِ الْعِجْلِ وَعُبَّادِ الصَّلِيبِ الَّذِي أَضْحَكُوا سَائِرَ الْعُقَلَاءِ عَلَى عُقُولِهِمْ، وَدَلُّوهِمْ عَلَى مَبْلَغِهَا بِمَا قَالُوهُ فِي مَعْبُودِهِمْ مِنْ عُقُولِ الْمُسْلِمِينَ؟
وَإِذَا جَازَ اتِّفَاقُ أُمَّةٍ - فِيهَا مَنْ قَدْ ذَكَرَهُ هَذَا السَّائِلُ - عَلَى أَنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ وَخَالِقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ، نَزَلَ عَنْ عَرْشِ عَظَمَتِهِ وَكُرْسِيِّ رِفْعَتِهِ، وَدَخَلَ فِي بَطْنِ امْرَأَةٍ فِي مَحَلِّ الْحَيْضِ وَالطَّمْثِ عِدَّةَ شُهُورٍ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ فَرْجِهَا طِفْلًا يَمُصُّ الثَّدْيَ، وَيَبْكِي وَيَكْبُرُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، وَيَبُولُ وَيَصِحُّ وَيَمْرَضُ، وَيَفْرَحُ وَيَحْزَنُ، وَيَلِدُ وَيَأْلَمُ، ثُمَّ دَبَّرَ حِيلَةً عَلَى عَدُوِّهِ إِبْلِيسَ بِأَنْ مَكَّنَ أَعْدَاءَهُ الْيَهُودَ مِنْ نَفْسِهِ، فَأَمْسَكُوهُ وَسَاقُوهُ إِلَى خَشَبَتَيْنِ يَصْلُبُونَهُ عَلَيْهِمَا، وَهُمْ يَجُرُّونَهُ إِلَى الصَّلِيبِ، وَالْأَوْبَاشُ وَالْأَرَاذِلُ قُدَّامَهُ وَخَلْفَهُ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَهُوَ يَسْتَغِيثُ وَيَبْكِي، فَقَرَّبُوهُ مِنَ الْخَشَبَتَيْنِ، ثُمَّ تَوَّجُوهُ بِتَاجٍ مِنَ الشَّوْكِ، وَصَفَعُوهُ صَفْعًا، ثُمَّ حَمَلُوهُ عَلَى الصَّلِيبِ، وَسَمَّرُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَجَعَلُوهُ بَيْنَ لِصَّيْنِ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَ هَذَا كُلَّهُ لِتَتِمَّ لَهُ الْحِيلَةُ عَلَى إِبْلِيسَ، لِيُخَلِّصَ آدَمَ وَسَائِرَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ سِجْنِهِ، فَفَدَاهُمْ بِنَفْسِهِ حَتَّى خَلَصُوا مِنْ سِجْنِ إِبْلِيسَ.
стр. 28
فَإِذَا جَازَ اتِّفَاقُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَفِيهِمُ الْأَحْبَارُ وَالرُّهْبَانُ وَالْقِسِّيسُونَ وَالزُّهَّادُ وَالْعُبَّادُ وَالْفُقَهَاءُ وَمَنْ ذَكَرْتُهُمْ، عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فِي مَعْبُودِهِمْ وَإِلَهِهِمْ حَتَّى قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِهِمْ عِنْدَهُمْ: الْيَدُ الَّتِي خَلَقَتْ آدَمَ هِيَ الَّتِي بَاشَرَتِ الْمَسَامِيرَ وَنَالَتِ الصَّلْبَ، فَكَيْفَ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الِاتِّفَاقُ عَلَى تَكْذِيبِ مَنْ جَاءَ بِتَكْفِيرِهِمْ وَتَضْلِيلِهِمْ، وَنَادَى سِرًّا وَجَهْرًا بِكَذِبِهِمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَشَتْمِهِمْ لَهُ أَقْبَحَ شَتْمٍ، وَكَذِبِهِمْ عَلَى الْمَسِيحِ، وَتَبْدِيلِهِمْ دِينَهُ، وَعَادَاهُمْ وَقَاتَلَهُمْ وَبَرَّأَهُمْ مِنَ الْمَسِيحِ، وَبَرَّأَهُ مِنْهُمْ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ وَقُودُ النَّارِ وَحَصَبُ جَهَنَّمَ؟ فَهَذَا أَحَدُ الْأَسْبَابِ الَّتِي اخْتَارُوا لِأَجْلِهَا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ.
فَقَوْلُكُمْ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُونَ إِنَّهُمْ لَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنَ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا الرِّئَاسَةُ وَالْمَأْكَلَةُ لَا غَيْرَ، كَذِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، بَلْ الرِّئَاسَةُ وَالْمَأْكَلَةُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ الْمَانِعَةِ لَهُمْ مِنَ الدُّخُولِ فِي الدِّينِ، وَقَدْ نَاظَرْنَا نَحْنُ وَغَيْرُنَا جَمَاعَةً مِنْهُمْ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لِبَعْضِهِمْ فَسَادُ مَا هُمْ عَلَيْهِ، قَالُوا: لَوْ دَخَلْنَا فِي الْإِسْلَامِ لَكُنَّا مِنْ أَقَلِّ الْمُسْلِمِينَ لَا يُؤْبَهُ لَنَا، وَنَحْنُ مُتَحَكِّمُونَ فِي أَهْلِ مِلَّتِنَا فِي أَمْوَالِهِمْ وَمَنَاصِبِهِمْ وَلَنَا بَيْنَهُمْ أَعْظَمُ الْجَاهِ!، وَهَلْ مَنَعَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ مِنَ اتِّبَاعِ مُوسَى إِلَّا ذَلِكَ؟!
وَالْأَسْبَابُ الْمَانِعَةُ مِنْ قَبُولِ الْحَقِّ كَثِيرَةٌ جِدًّا
فَمِنْهَا: الْجَهْلُ بِهِ، وَهَذَا السَّبَبُ هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَكْثَرِ النُّفُوسِ، فَإِنَّ مَنْ جَهِلَ شَيْئًا عَادَاهُ وَعَادَى أَهْلَهُ، فَإِنِ انْضَافَ إِلَى هَذَا السَّبَبِ بُغْضُ مَنْ أَمَرَهُ بِالْحَقِّ وَمُعَادَاتُهُ لَهُ وَحَسَدُهُ كَانَ الْمَانِعُ مِنَ الْقَبُولِ أَقْوَى، فَإِنِ انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ إِلْفُهُ وَعَادَتُهُ وَمُرَبَّاهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ آبَاؤُهُ وَمَنْ يُحِبُّهُ وَيُعَظِّمُهُ قَوِيَ الْمَانِعُ، فَإِنِ انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ تَوَهُّمُهُ أَنَّ الْحَقَّ الَّذِي دُعِيَ إِلَيْهِ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَاهِهِ وَعِزِّهِ وَشَهَوَاتِهِ وَأَغْرَاضِهِ قَوِيَ الْمَانِعُ مِنَ الْقَبُولِ جِدًّا.
стр. 29
فَإِنِ انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ خَوْفُهُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَعَشِيرَتِهِ وَقَوْمِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَجَاهِهِ كَمَا وَقَعَ لِهِرَقْلَ مَلِكِ النَّصَارَى بِالشَّامِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ازْدَادَ الْمَانِعُ مِنْ قَبُولِ الْحَقِّ قُوَّةً، فَإِنَّ هِرَقْلَ عَرَفَ الْحَقَّ وَهَمَّ بِالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ فَلَمْ يُطَاوِعْهُ قَوْمُهُ وَخَافَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ فَاخْتَارَ الْكُفْرَ عَلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى، كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُ قِصَّتِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَمِنْ أَعْظَمِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ: " الْحَسَدُ " فَإِنَّهُ دَاءٌ كَامِنٌ فِي النَّفْسِ، وَيَرَى الْحَاسِدُ الْمَحْسُودَ قَدْ فُضِّلَ عَلَيْهِ، وَأُوتِيَ مَا لَمْ يُؤْتَ نَظِيرُهُ، فَلَا يَدَعُهُ الْحَسَدُ أَنْ يَنْقَادَ لَهُ وَيَكُونَ مِنْ أَتْبَاعِهِ. وَهَلْ مَنَعَ إِبْلِيسَ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ إِلَّا الْحَسَدُ؟! فَإِنَّهُ لَمَّا رَآهُ قَدْ فُضِّلَ عَلَيْهِ وَرُفِعَ فَوْقَهُ، غُصَّ بِرِيقِهِ وَاخْتَارَ الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ بَعْدَ أَنْ كَانَ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ.
وَهَذَا الدَّاءُ هُوَ الَّذِي مَنَعَ الْيَهُودَ مِنَ الْإِيمَانِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَقَدْ عَلِمُوا عِلْمًا لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ جَاءَ بِالْبَيِّنَاتِ، وَالْهُدَى فَحَمَلَهُمُ الْحَسَدُ عَلَى أَنِ اخْتَارُوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ، وَأَطْبَقُوا عَلَيْهِ، وَهُمْ أُمَّةٌ فِيهِمُ الْأَحْبَارُ وَالْعُلَمَاءُ وَالزُّهَّادُ وَالْقُضَاةُ وَالْمُلُوكُ وَالْأُمَرَاءُ.
هَذَا وَقَدْ جَاءَ الْمَسِيحُ بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ وَلَمْ يَأْتِ بِشَرِيعَةٍ تُخَالِفُهَا وَلَمْ يُقَاتِلْهُمْ، وَإِنَّمَا أَتَى بِتَحْلِيلِ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ تَخْفِيفًا وَرَحْمَةً وَإِحْسَانًا، وَجَاءَ مُكَمِّلًا لِشَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ، وَمَعَ هَذَا فَاخْتَارُوا الْكُفْرَ كُلُّهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ، فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُهُمْ مَعَ نَبِيٍّ جَاءَ بِشَرِيعَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ نَاسِخَةٍ لِجَمِيعِ الشَّرَائِعِ، مُبَكِّتًا لَهُمْ بِقَبَائِحِهِمْ، وَمُنَادِيًا عَلَى فَضَائِحِهِمْ، وَمُخْرِجًا لَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ، وَقَدْ قَاتَلُوهُ وَحَارَبُوهُ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ يَنْصُرُ عَلَيْهِمْ، وَيَظْفَرُ بِهِمْ، وَيَعْلُو هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَهُمْ مَعَهُ دَائِمًا فِي سَفَالٍ، فَكَيْفَ لَا يَمْلِكُ الْحَسَدُ وَالْبَغْيُ قُلُوبَهُمْ؟ وَأَيْنَ يَقَعُ حَالُهُمْ مَعَهُ مِنْ حَالِهِمْ مَعَ الْمَسِيحِ، وَقَدْ أَطْبَقُوا عَلَى الْكُفْرِ بِهِ مِنْ
стр. 30
بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى؟ وَهَذَا السَّبَبُ وَحْدَهُ كَافٍ فِي رَدِّ الْحَقِّ، فَكَيْفَ إِذَا انْضَافَ إِلَيْهِ زَوَالُ الرِّئَاسَاتِ وَالْمَأْكَلِ كَمَا تَقَدَّمَ؟
وَقَدْ قَالَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ - وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ أَبِي جَهْلٍ - يَا خَالُ، هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَ مُحَمَّدًا قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ أُخْتِي! وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ مُحَمَّدٌ فِينَا صَادِقًا وَهُوَ شَابٌّ، يُدْعَى الْأَمِينَ، فَمَا جَرَّبْنَا عَلَيْهِ كَذِبًا قَطُّ، قَالَ: يَا خَالُ! فَمَا لَكُمْ لَا تَتْبَعُونَهُ؟! قَالَ: يَا ابْنَ أُخْتِي تَنَازَعْنَا نَحْنُ وَبَنُو هَاشِمٍ الشَّرَفَ، فَأَطْعَمُوا وَأَطْعَمْنَا، وَسَقَوْا وَسَقَيْنَا، وَأَجَارُوا وَأَجَرْنَا، حَتَّى إِذَا تَجَاثَيْنَا عَلَى الرُّكَبِ وَكُنَّا كَفَرَسَيْ رِهَانٍ، قَالُوا: مِنَّا نَبِيٌّ فَمَتَى نُدْرِكُ مِثْلَ هَذِهِ؟
وَقَالَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ يَوْمَ بَدْرٍ لِأَبِي جَهْلٍ: يَا أَبَا الْحَكَمِ! أَخْبِرْنِي عَنْ مُحَمَّدٍ أَصَادِقٌ هُوَ أَمْ كَاذِبٌ؟ فَإِنَّهُ لَيْسَ هَاهُنَا مِنْ قُرَيْشٍ أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُكَ يَسْمَعُ كَلَامَنَا؟ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَيْحَكَ! وَاللَّهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَصَادِقٌ، وَمَا كَذَبَ مُحَمَّدٌ قَطُّ، وَلَكِنْ إِذَا ذَهَبَتْ بَنُو قُصَيٍّ بِاللِّوَاءِ وَالْحِجَابَةِ وَالسِّقَايَةِ وَالنُّبُوَّةِ فَمَاذَا يَكُونُ لِسَائِرِ قُرَيْشٍ؟.
وَأَمَّا الْيَهُودُ فَقَدْ كَانَ عُلَمَاؤُهُمْ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا كَانَ إِسْلَامُ أَسَدٍ وَثَعْلَبَةَ ابْنَيْ سُعْيَةَ وَأَسَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، لَمْ يَكُونُوا مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ وَلَا النَّضِيرِ كَانُوا فَوْقَ ذَلِكَ،
стр. 31
فَقُلْتُ: لَا، قَالَ: فَإِنَّهُ قَدِمَ عَلَيْنَا رَجُلٌ مِنَ الشَّامِ مِنْ يَهُودَ، يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الْهَيْبَانِ فَأَقَامَ عِنْدَنَا، وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا رَجُلًا قَطُّ لَا يُصَلِّي الْخَمْسَ خَيْرًا مِنْهُ، فَقَدِمَ عَلَيْنَا قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِسَنَتَيْنِ، فَكُنَّا إِذَا قَحَطْنَا وَقَلَّ عَنَّا الْمَطَرُ نَقُولُ: يَا ابْنَ الْهَيْبَانِ، اخْرُجْ فَاسْتَقِ لَنَا، فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ حَتَّى تُقَدِّمُوا أَمَامَ مَخْرَجِكُمْ صَدَقَةً، فَنَقُولُ: كَمْ؟ فَيَقُولُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ مُدَّيْنِ مِنَ الشَّعِيرِ، فَنُخْرِجُهُ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى ظَاهِرِ حَرَّتِنَا وَنَحْنُ مَعَهُ نَسْتَقِي، فَوَاللَّهِ مَا يَقُومُ مِنْ مَجْلِسِهِ حَتَّى نُمْطَرَ وَنَمُرَّ بِالشِّعَابِ، قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً وَلَا مَرَّتَيْنِ وَلَا ثَلَاثَةً، فَحَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَاجْتَمَعْنَا إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ! أَتَرَوْنَ مَا أَخْرَجَنِي مِنْ أَرْضِ الْخَمْرِ وَالْخَمِيرِ إِلَى أَرْضِ الْبُؤْسِ وَالْجُوعِ؟ قَالُوا: أَنْتَ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنِّي إِنَّمَا خَرَجْتُ أَتَوَقَّعُ خُرُوجَ نَبِيٍّ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ، هَذِهِ الْبِلَادُ مُهَاجَرُهُ، فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تُسْبَقُنَّ إِلَيْهِ إِذَا خَرَجَ، يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ بِسَفْكِ الدِّمَاءِ وَسَبْيِ الذَّرَارِيِّ وَالنِّسَاءِ مِمَّنْ يُخَالِفُهُ، فَلَا يَمْنَعْكُمْ ذَلِكَ مِنْهُ، ثُمَّ مَاتَ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي فُتِحَتْ فِيهَا قُرَيْظَةُ، قَالَ أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ الْفِتْيَةُ وَكَانُوا شُبَّانًا أَحْدَاثًا: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، إِنَّهُ الَّذِي ذَكَرَ لَكُمُ ابْنُ الْهَيْبَانِ، فَقَالُوا: مَا هُوَ بِهِ، قَالُوا: بَلَى وَاللَّهِ إِنَّهُ لِصِفَتُهُ، ثُمَّ نَزَلُوا وَأَسْلَمُوا، وَخَلَّوْا أَمْوَالَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَتْ أَمْوَالُهُمْ فِي الْحِصْنِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ فَلَمَّا فُتِحَ رُدَّتْ عَلَيْهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ
стр. 32
مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، قَالَ: كَانَ بَيْنَ أَبْنَائِنَا يَهُودِيٌّ فَخَرَجَ عَلَى نَادِي قَوْمِهِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ ذَاتَ غَدَاةٍ فَذَكَرَ الْبَعْثَ وَالْقِيَامَةَ وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَالْحِسَابَ وَالْمِيزَانَ، فَقَالَ ذَلِكَ لِأَصْحَابِ وَثَنٍ لَا يَرَوْنَ أَنَّ بَعْثًا كَائِنًا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَذَلِكَ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالُوا: وَيْحَكَ يَا فُلَانُ! وَهَذَا كَائِنٌ، أَنَّ النَّاسَ يُبْعَثُونَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ إِلَى دَارِكُمْ فِيهَا جَنَّةٌ وَنَارٌ، وَيُجْزَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ؟! فَقَالَ: نَعَمْ، وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ، لَوَدِدْتُ أَنَّ حَظِّي مِنْ تِلْكَ النَّارِ أَنْ تُوقِدُوا أَعْظَمَ تَنُّورٍ فِي دَارِكُمْ تُحْمُونَهُ ثُمَّ تَقْذِفُونِي فِيهِ، وَتُطْبِقُونَهُ عَلَيَّ، وَإِنِّي أَنْجُو مِنَ النَّارِ غَدًا، فَقِيلَ: يَا فُلَانُ، مَا عَلَامَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَبِيٌّ يُبْعَثُ مِنْ نَاحِيَةِ هَذِهِ الْبِلَادِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ مَكَّةَ وَالْيَمَنِ، قَالُوا: فَمَتَى نَرَاهُ؟ فَرَمَى بِطَرْفِهِ فَرَآنِي، وَأَنَا مُضْطَجِعٌ بِفِنَاءِ بَابِ أَهْلِي، وَأَنَا أَحْدَثُ الْقَوْمِ، فَقَالَ: إِنْ يَسْتَنْفِذْ هَذَا الْغُلَامُ عُمُرَهُ يُدْرِكْهُ، فَمَا ذَهَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ وَأَنَّهُ لَحَيٌّ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَآمَنَّا بِهِ وَصَدَّقْنَاهُ وَكَفَرَ بِهِ بَغْيًا وَحَسَدًا، فَقُلْنَا: يَا فُلَانُ، أَلَسْتَ قُلْتَ مَا قُلْتَ، وَأَخْبَرْتَنَا بِهِ؟! قَالَ: لَيْسَ بِهِ....
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ، ... عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَشْيَاخٌ مِنَّا قَالُوا: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ أَعْلَمَ بِشَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَّا، كَانَ مَعَنَا يَهُودُ وَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ وَكُنَّا أَصْحَابَ وَثَنٍ، وَكُنَّا بَلَغَنَا مِنْهُمْ مَا يَكْرَهُونَ، قَالُوا إِنَّ نَبِيًّا مَبْعُوثًا الْآنَ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ نَتْبَعُهُ فَنَقْتُلُكُمْ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ اتَّبَعْنَاهُ وَكَفَرُوا بِهِ فَفِينَا وَفِيهِمْ أَنْزَلَ اللَّهُ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ.
وَذَكَرَ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، ... عَنْ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ، قَالَ كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ:
стр. 33
اللَّهُمَّ ابْعَثْ لَنَا هَذَا النَّبِيَّ يَحْكُمُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ النَّاسِ....
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ... عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَتْ يَهُودُ خَيْبَرَ تُقَاتِلُ غَطَفَانَ، فَلَمَّا الْتَقَوْا هُزِمَتْ يَهُودُ خَيْبَرَ، فَعَاذَتِ الْيَهُودُ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي وَعَدْتَنَا أَنْ تُخْرِجَهُ لَنَا فِي آخِرِ الزَّمَانِ إِلَّا نَصَرْتَنَا عَلَيْهِمْ، قَالَ: فَكَانُوا إِذَا الْتَقَوْا دَعَوْا بِهَذَا الدُّعَاءِ فَهَزَمُوا غَطَفَانَ، فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ كَفَرُوا بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا يَعْنِي بِكَ يَا مُحَمَّدُ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ. يَسْتَفْتِحُونَ: أَيْ يَسْتَنْصِرُونَ.
وَذَكَرَ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ أَنَّ بَنِي النَّضِيرِ لَمَّا أُجْلُوا مِنَ الْمَدِينَةِ أَقْبَلَ عَمْرُو بْنُ سُعْدَى فَأَطَافَ بِمَنَازِلِهِمْ فَرَأَى خَرَابَهَا، فَفَكَّرَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَوَجَدَهُمْ فِي الْكَنِيسَةِ، فَنَفَخَ فِي بُوقِهِمْ فَاجْتَمَعُوا، فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَاطَا: يَا أَبَا سَعِيدٍ، أَيْنَ كُنْتَ مُنْذُ الْيَوْمِ فَلَمْ نَرَكْ - وَكَانَ لَا يُفَارِقُ الْكَنِيسَةَ وَكَانَ يَتَأَلَّهُ فِي الْيَهُودِيَّةِ، قَالَ: رَأَيْتُ الْيَوْمَ عِبَرًا اعْتَبَرْنَا بِهَا، رَأَيْتُ إِخْوَانَنَا قَدْ جُلُوا بَعْدَ ذَلِكَ الْعِزِّ وَالْخُلْدِ وَالشَّرَفِ الْفَاضِلِ وَالْعَقْلِ الْبَارِعِ، قَدْ تَرَكُوا أَمْوَالَهُمْ وَمَلَكَهَا غَيْرُهُمْ، وَخَرَجُوا خُرُوجَ ذُلٍّ، فَلَا وَالتَّوْرَاةِ مَا سُلِّطَ هَذَا عَلَى قَوْمٍ
стр. 34
قَطُّ لِلَّهِ فِيهِمْ حَاجَةٌ، وَقَدْ أَوْقَعَ قَبْلَ ذَلِكَ بِابْنِ الْأَشْرَفِ فِي عِزَّةِ بُنْيَانِهِ فِي بَيْتِهِ آمِنًا، وَأَوْقَعَ بِابْنِ شَيْبَةَ سَيِّدِهِمْ، وَأَوْقَعَ بِبَنِي قَيْنُقَاعَ فَأَجْلَاهُمْ وَهُمْ حُبْرُ يَهُودَ وَكَانُوا أَهْلَ عُدَّةٍ وَسِلَاحٍ وَنَجْدَةٍ - فَحَصَرَهُمْ فَلَمْ يُخْرِجْ إِنْسَانٌ مِنْهُمْ رَأْسَهُ حَتَّى سَبَاهُمْ، فَكُلِّمَ فِيهِمْ فَتَرَكَهُمْ عَلَى أَنْ أَجْلَاهُمْ مِنْ يَثْرِبَ. يَا قَوْمِ، قَدْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُمْ فَأَطِيعُونِي وَتَعَالَوْا نَتَّبِعْ مُحَمَّدًا، فَوَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَقَدْ بَشَّرَنَا بِهِ وَبِأَمْرِهِ ابْنُ الْهَيْبَانِ أَبُو عُمَيْرٍ، وَابْنُ حَوَّاسٍ، وَهُمَا أَعْلَمُ يَهُودَ جَاءَا مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ يَتَوَكَّفَانِ قُدُومَهُ، وَأَمَرَانَا بِاتِّبَاعِهِ وَأَمَرَانَا أَنْ نُقْرِئَهُ مِنْهُمَا السَّلَامَ، ثُمَّ مَاتَا عَلَى دِينِهِمَا، وَدَفَنَّاهُمَا بِحَرَّتِنَا، فَأُسْكِتَ الْقَوْمُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ مِنْهُمْ مُتَكَلِّمٌ، فَأَعَادَ هَذَا الْكَلَامَ وَنَحْوَهُ، وَخَوَّفَهُمْ بِالْحَرْبِ وَالسِّبَاءِ وَالْجَلَاءِ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَاطَا: قَدْ – وَالتَّوْرَاةِ - قَرَأْتُ صِفَتَهُ فِي كِتَابِ التَّوْرَاةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى مُوسَى، لَيْسَ فِي الْمَثَانِي الَّتِي أَحْدَثْنَا، فَقَالَ لَهُ كَعْبُ بْنُ أُسَيْدٍ: مَا يَمْنَعُكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنِ اتِّبَاعِهِ؟ قَالَ: أَنْتَ، قَالَ: وَلِمَ؟ فَوَالتَّوْرَاةِ مَا حُلْتُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قَطُّ؟ قَالَ الزُّبَيْرُ: أَنْتَ صَاحِبُ عَهْدِنَا وَعَقْدِنَا، فَإِنِ اتَّبَعْتَهُ اتَّبَعْنَاهُ، وَإِنْ أَبَيْتَ أَبَيْنَاهُ، فَأَقْبَلَ عَمْرُو بْنُ سَعْدٍ عَلَيَّ فَذَكَرَ مَا تَقَاوَلَا بِهِ فِي ذَلِكَ إِلَى أَنْ قَالَ كَعْبٌ: مَا عِنْدِي فِي ذَلِكَ إِلَّا مَا قُلْتُ، مَا تَطِيبُ نَفْسِي أَنْ أَصِيرَ تَابِعًا.
وَهَذَا الْمَانِعُ هُوَ الَّذِي مَنَعَ فِرْعَوْنَ مِنِ اتِّبَاعِ مُوسَى ﵊، فَإِنَّهُ لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى عَزَمَ اتِّبَاعَ مُوسَى، فَقَالَ لَهُ وَزِيرُهُ هَامَانُ: بَيْنَا أَنْتَ إِلَهٌ تُعْبَدُ تُصْبِحُ تَعْبُدُ رَبًّا، تَعْبُدُ غَيْرَكَ، قَالَ: صَدَقْتَ.
стр. 35
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: حُدِّثْتُ ... عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَحَبَّ وَلَدِ أَبِي إِلَيْهِ وَإِلَى عَمِّي أَبِي يَاسِرٍ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ غَدَوْا عَلَيْهِ، ثُمَّ جَاءَا مِنَ الْعَشِيِّ، فَسَمِعْتُ عَمِّي يَقُولُ لِأَبِي: أَهُوَ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَتَعْرِفُهُ وَتُثْبِتُهُ؟، قَالَ نَعَمْ، قَالَ: فَمَا فِي نَفْسِكَ مِنْهُ، قَالَ: عَدَوَاتُهُ وَاللَّهِ مَا بَقِيتُ.... فَهَذِهِ الْأُمَّةُ الْغَضَبِيَّةُ مَعْرُوفَةٌ بِعَدَاوَةِ الْأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، وَأَسْلَافُهُمْ وَأَحْبَارُهُمْ قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ أَذَاهُمْ لِمُوسَى، وَنَهَانَا عَنِ التَّشَبُّهِ بِهِمْ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا.
وَأَمَّا خَلَفُهُمْ فَهُمْ قَتَلَةُ الْأَنْبِيَاءِ الْيَهُودُ: قَتَلُوا زَكَرِيَّا وَابْنَهُ يَحْيَى، وَخَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، حَتَّى قَتَلُوا فِي يَوْمٍ سَبْعِينَ نَبِيًّا، وَأَقَامُوا السُّوقَ فِي آخِرِ النَّهَارِ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَصْنَعُوا شَيْئًا. وَاجْتَمَعُوا عَلَى قَتْلِ الْمَسِيحِ وَصَلْبِهِ فَصَانَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَكْرَمَهُ أَنْ يُهِينَهُ عَلَى أَيْدِيهِمْ، وَأَلْقَى شَبَهَهُ عَلَى غَيْرِهِ فَقَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ. وَرَامُوا قَتْلَ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ مِرَارًا عَدِيدَةً، وَاللَّهُ يَعْصِمُهُ مِنْهُمْ.
وَمَنْ كَانَ هَذَا شَأْنَهُمْ لَا يَكْثُرُ عَلَيْهِمُ اخْتِيَارُ الْكُفْرِ عَلَى الْإِيمَانِ لِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي ذَكَرْنَا بَعْضَهَا، أَوْ سَبَبَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ. وَقَدْ ذَكَرْنَا اتِّفَاقَ أُمَّةِ الضَّلَالِ وَعُبَّادِ الصَّلِيبِ عَلَى مَسَبَّةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَقْبَحَ مَسَبَّةٍ، وَعَلَى مَا يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ، لَمْ يَكْثُرْ عَلَى تِلْكَ الْعُقُولِ السَّخِيفَةِ أَنْ تَسُبَّ بَشَرًا أَرْسَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَتَجْحَدَ نُبُوَّتَهُ، وَتُكَابِرَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ صَرِيحُ الْعَقْلِ مِنْ صِدْقِهِ وَصِحَّةِ رِسَالَتِهِ، فَلَوْ قَالُوا فِيهِ مَا قَالُوا لَمْ يَبْلُغْ بَعْضَ قَوْلِهِمْ فِي رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ الَّذِي صَارُوا فِيهِ ضِحْكَةً بَيْنَ جَمِيعِ بَنِي آدَمَ.
стр. 36
فَأُمَّةٌ أَطْبَقَتْ عَلَى أَنَّ الْإِلَهَ الْحَقَّ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ - صُلِبَ وَصُفِعَ وَسُمِّرَ وَوُضِعَ الشَّوْكُ عَلَى رَأْسِهِ، وَدُفِنَ فِي التُّرَابِ، ثُمَّ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَصَعِدَ وَجَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ يُدَبِّرُ أَمْرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، لَا يَكْثُرُ عَلَيْهَا أَنْ تُطْبِقَ عَلَى جَحْدِ نُبُوَّةِ مَنْ جَاءَ بِسَبِّهَا وَلَعْنِهَا وَمُحَارَبَتِهَا وَإِبْدَاءِ مَعَايِبِهَا وَالنِّدَاءِ عَلَى كُفْرِهَا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالشَّهَادَةِ عَلَى بَرَاءَةِ الْمَسِيحِ مِنْهَا، وَمُعَادَاتِهِ لَهَا، ثُمَّ قَاتَلَهَا وَأَذَلَّهَا وَأَخْرَجَهَا مِنْ دِيَارِهَا وَضَرَبَ عَلَيْهَا الْجِزْيَةَ، وَأَخْبَرَ أَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْجَحِيمِ خَالِدَةً مُخَلَّدَةً لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَهَا، وَأَنَّهَا شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، بَلْ هِيَ شَرُّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ.
وَكَيْفَ يُنْكَرُ عَلَى أُمَّةٍ أَطْبَقَتْ عَلَى صَلْبِ مَعْبُودِهَا وَإِلَهِهَا، ثُمَّ عَمَدَتْ إِلَى الصَّلِيبِ فَعَبَدَتْهُ وَعَظَّمَتْهُ، وَكَانَ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَحْرِقَ كُلَّ صَلِيبٍ تَقْدِرُ عَلَى إِحْرَاقِهِ، وَأَنْ تُهِينَهُ غَايَةَ الْإِهَانَةِ إِذْ صَلَبَتْ عَلَيْهِ إِلَهَهَا الَّذِي يَقُولُونَ تَارَةً: إِنَّهُ اللَّهُ، وَتَارَةً يَقُولُونَ إِنَّهُ ابْنُهُ، وَتَارَةً يَقُولُونَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ؟ فَجَحَدَتْ حَقَّ خَالِقِهَا وَكَفَرَتْ بِهِ أَعْظَمَ كُفْرٍ وَسَبَّتْهُ أَقْبَحَ مَسَبَّةٍ، أَنْ تَجْحَدَ حَقَّ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَتَكْفُرَ بِهِ.
وَكَيْفَ يَكْثُرُ عَلَى أُمَّةٍ قَالَتْ فِي رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ، إِنَّهُ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ لِيُكَلِّمَ الْخَلْقَ بِذَاتِهِ لِئَلَّا يَكُونَ لَهُمْ حُجَّةٌ عَلَيْهِ، فَأَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ حُجَّتَهُمْ بِتَكَلُّمِهِ لَهُمْ بِذَاتِهِ ; لِتَرْتَفِعَ الْمَعَاذِيرُ عَمَّنْ ضَيَّعَ عَهْدَهُ بَعْدَ مَا كَلَّمَهُ بِذَاتِهِ؟ فَهَبَطَ بِذَاتِهِ مِنَ السَّمَاءِ، وَالْتَحَمَ فِي بَطْنِ مَرْيَمَ، فَأَخَذَ مِنْهَا حِجَابًا، وَهُوَ مَخْلُوقٌ مِنْ طَرِيقِ الْجِسْمِ، وَخَالِقٌ مِنْ طَرِيقِ النَّفْسِ، وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ جِسْمَهُ وَخَلَقَ أُمَّهُ، وَأُمُّهُ كَانَتْ قَبْلَهُ بِالنَّاسُوتِ، وَهُوَ كَانَ مِنْ قَبْلِهَا بِاللَّاهُوتِ، وَهُوَ الْإِلَهُ التَّامُّ، وَالْإِنْسَانُ التَّامُّ، وَمِنْ تَمَامِ رَحْمَتِهِ ﵎ عَلَى عِبَادِهِ أَنَّهُ رَضِيَ بِإِرَاقَةِ دَمِهِ عَنْهُمْ عَلَى خَشَبَةِ الصَّلِيبِ، فَمَكَّنَ أَعْدَاءَهُ الْيَهُودَ مِنْ نَفْسِهِ ; لِيَتِمَّ سُخْطُهُ
стр. 37
عَلَيْهِمْ، فَأَخَذُوهُ وَصَلَبُوهُ وَصَفَعُوهُ وَبَصَقُوا فِي وَجْهِهِ، وَتَوَّجُوهُ بِتَاجٍ مِنَ الشَّوْكِ عَلَى رَأْسِهِ، وَغَارَ دَمُهُ فِي إِصْبَعِهِ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ مِنْهُ شَيْءٌ إِلَى الْأَرْضِ لَيَبِسَ كُلُّ مَا فِي وَجْهِهَا، فَثَبَتَ فِي مَوْضِعِ صَلْبِهِ النَّوَّارُ.
وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي الْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ أَنْ يَنْتَقِمَ اللَّهُ مِنْ عَبْدِهِ الْعَاصِي الَّذِي ظَلَمَهُ، وَاسْتَهَانَ بِقَدْرِهِ، لِاعْتِلَاءِ مَنْزِلَةِ الرَّبِّ، وَسُقُوطِ مَنْزِلَةِ الْعَبْدِ، أَرَادَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَنْتَصِفَ مِنَ الْإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ إِلَهٌ مِثْلُهُ، فَانْتَصَفَ مِنْ خَطِيئَةِ آدَمَ بِصَلْبِ عِيسَى الْمَسِيحِ، الَّذِي هُوَ إِلَهٌ مُسَاوٍ لَهُ فِي الْإِلَهِيَّةِ، فَصُلِبَ ابْنُ اللَّهِ الَّذِي هُوَ اللَّهُ فِي السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ. هَذِهِ أَلْفَاظُهُمْ فِي كُتُبِهِمْ.
فَأُمَّةٌ أَطْبَقَتْ عَلَى هَذَا فِي مَعْبُودِهَا، كَيْفَ يَكْثُرُ عَلَيْهَا أَنْ تَقُولَ فِي عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ أَنَّهُ سَاحِرٌ وَكَاذِبٌ وَمَلِكٌ مُسَلَّطٌ وَنَحْوُ هَذَا؟
وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ مُلُوكِ الْهِنْدِ: أَمَّا النَّصَارَى فَإِنْ كَانَ أَعْدَاؤُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ يُجَاهِدُونَهُمْ بِالشَّرْعِ فَأَنَا أَرَى جِهَادَهُمْ بِالْعَقْلِ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَرَى قِتَالَ أَحَدٍ، لَكِنِّي أَسْتَثْنِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ مِنْ جَمِيعِ الْعَالَمِ، لِأَنَّهُمْ قَصَدُوا مُضَادَّةَ الْعَقْلِ وَنَاصَبُوهُ الْعَدَاوَةَ وَشَذُّوا عَنْ جَمِيعِ مَصَالِحِ الْعَالَمِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ الْوَاضِحَةِ، وَاعْتَقَدُوا كُلَّ مُسْتَحِيلٍ مُمْكِنًا، وَبَنَوْا مِنْ ذَلِكَ شَرْعًا لَا يُؤَدِّي إِلَى صَلَاحِ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَالَمِ، وَلَكِنَّهُ يُصَيِّرُ الْعَاقِلَ إِذَا شَرَعَ بِهِ
стр. 38
أَخْرَقَ، وَالرَّشِيدَ سَفِيهًا، وَالْحَسَنَ قَبِيحًا، وَالْقَبِيحَ حَسَنًا، لِأَنَّ مَنْ كَانَ فِي أَصْلِ عَقِيدَتِهِ الَّتِي جَرَى نَشْؤُهُ عَلَيْهَا الْإِسَاءَةُ إِلَى الْخَلَّاقِ، وَالنَّيْلُ مِنْهُ، وَسَبُّهُ أَقْبَحَ مَسَبَّةٍ، وَوَصْفُهُ بِمَا يُغَيِّرُ صِفَاتِهِ الْحُسْنَى، وَأَخْلَقُ بِهِ أَنْ يَسْتَهِلَّ الْإِسَاءَةَ إِلَى مَخْلُوقٍ، وَأَنْ يَصِفَهُ بِمَا يُغَيِّرُ صِفَاتِهِ الْجَمِيلَةَ.
وَلَوْ لَمْ تَجِبْ مُجَاهَدَةُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ إِلَّا لِعُمُومِ أَضْرَارِهِمُ الَّتِي لَا تُحْصَى وُجُوهُهُ، كَمَا يَجِبُ قَتْلُ الْحَيَوَانِ الْمُؤْذِي بِطَبْعِهِ، لَكَانُوا أَهْلًا لِذَلِكَ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الَّذِي اخْتَارُوا هَذِهِ الْمَقَالَةَ فِي رَبِّ الْعَالَمِينَ، عَلَى تَعْظِيمِهِ وَتَنْزِيهِهِ وَإِجْلَالِهِ وَوَصْفِهِ بِمَا يَلِيقُ بِهِ، الَّذِينَ اخْتَارُوا الْكُفْرَ بِعَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَجَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، وَالَّذِينَ اخْتَارُوا عِبَادَةَ صُوَرٍ خَطُّوهَا بِأَيْدِيهِمْ فِي الْحِيطَانِ، مُزَوَّقَةٍ بِالْأَحْمَرِ وَالْأَصْفَرِ وَالْأَزْرَقِ، لَوْ دَنَتْ مِنْهَا الْكِلَابُ لَبَالَتْ عَلَيْهَا، فَأَعْطَوْهَا غَايَةَ الْخُضُوعِ وَالذُّلِّ وَالْخُشُوعِ وَالْبُكَاءِ، وَسَأَلُوهَا الْمَغْفِرَةَ وَالرَّحْمَةَ وَالرِّزْقَ وَالنَّصْرَ، هُمُ الَّذِينَ اخْتَارُوا التَّكْذِيبَ بِخَاتَمِ الرُّسُلِ عَلَى الْإِيمَانِ بِهِ وَتَصْدِيقِهِ وَاتِّبَاعِهِ، وَالَّذِينَ نَزَّهُوا مَطَارِنَتَهُمْ وَبَتَارِكَتَهُمْ عَنِ الصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ، وَنَحَوْهُمَا لِلْفَرْدِ الصَّمَدِ، هُمُ الَّذِينَ أَنْكَرُوا نُبُوَّةَ عَبْدِهِ وَخَاتَمِ رُسُلِهِ. وَالَّذِينَ اخْتَارُوا صَلَاةً يَقُومُ أَعْبَدُهُمْ وَأَزْهَدُهُمْ إِلَيْهَا، وَالْبَوْلُ عَلَى سَاقِهِ وَأَفْخَاذِهِ فَيَسْتَقْبِلُ الشَّرْقَ ثُمَّ يُصَلِّبُ عَلَى وَجْهِهِ، وَيَعْبُدُ الْإِلَهَ الْمَصْلُوبَ، وَيَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِقَوْلِهِ: يَا أَبَانَا أَنْتَ الَّذِي
стр. 39
فِي السَّمَاوَاتِ تَقَدَّسَ اسْمُكَ وَلْيَأْتِ مُلْكُكَ وَلْتَكُنْ إِرَادَتُكَ فِي السَّمَاءِ مِثْلَهَا فِي الْأَرْضِ أَعْطِنَا خُبْزَنَا الْمُلَائِمَ لَنَا.
ثُمَّ يُحَدِّثُ إِلَى مَنْ هُوَ إِلَى جَانِبِهِ، وَرُبَّمَا سَأَلَهُ عَنْ سِعْرِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، وَعَمَّا كَسَبَ فِي الْقِمَارِ، وَعَمَّا طَبَخَ فِي بَيْتِهِ، وَرُبَّمَا أَحْدَثَ وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ، وَلَوْ أَرَادَ لَبَالَ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ أَمْكَنَهُ، ثُمَّ يَدْعُو تِلْكَ الصُّورَةَ الَّتِي هِيَ صَنْعَةُ يَدِ الْإِنْسَانِ. فَالَّذِينَ اخْتَارُوا هَذِهِ الصَّلَاةَ عَلَى صَلَاةِ مَنْ إِذَا قَامَ إِلَى صَلَاتِهِ طَهَّرَ أَطْرَافَهُ وَثِيَابَهُ وَبَدَنَهُ مِنَ النَّجَاسَةِ، وَاسْتَقْبَلَ بَيْتَهُ الْحَرَامَ، وَكَبَّرَ اللَّهَ وَحَمِدَهُ وَسَبَّحَهُ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ نَاجَاهُ بِكَلَامِهِ الْمُتَضَمِّنِ لِأَفْضَلِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَتَحْمِيدِهِ وَتَمْجِيدِهِ وَتَوْحِيدِهِ، وَإِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ، وَسُؤَالِهِ أَجَلَّ مَسْئُولٍ، وَهُوَ الْهِدَايَةُ إِلَى طَرِيقِ رِضَاهُ، الَّتِي خَصَّ بِهَا مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ دُونَ طَرِيقِ الْأُمَّتَيْنِ: الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَهُمُ الْيَهُودُ، وَالضَّالِّينَ وَهُمُ النَّصَارَى، ثُمَّ أَعْطَى كُلَّ جَارِحَةٍ مِنَ الْجَوَارِحِ حَظَّهَا مِنَ الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ وَالْعُبُودِيَّةِ مَعَ غَايَةِ التَّحْمِيدِ وَالثَّنَاءِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا يَلْتَفِتُ عَنْ مَعْبُودِهِ بِوَجْهِهِ، وَلَا قَلْبِهِ، وَلَا يُكَلِّمُ أَحَدًا كَلِمَةً، بَلْ قَدْ فَرَّغَ قَلْبَهُ لِمَعْبُودِهِ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، لَا يُحْدِثُ فِي صَلَاتِهِ، وَلَا يَجْعَلُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ صُورَةً مَصْنُوعَةً يَدْعُوهَا وَيَتَضَرَّعُ إِلَيْهَا. فَالَّذِينَ اخْتَارُوا تِلْكَ الصُّورَةَ الَّتِي هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ اسْتِهْزَاءٌ بِالْمَعْبُودِ، لَا يَرْضَاهَا الْمَخْلُوقُ لِنَفْسِهِ، فَضْلًا أَنْ يَرْضَى بِهَا الْخَالِقُ عَلَى هَذِهِ الصَّلَاةِ، الَّتِي لَوْ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى مُسْكَةٍ مِنْ عَقْلٍ لَظَهَرَ لَهُ التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا. وَهُمُ الَّذِينَ اخْتَارُوا التَّكْذِيبَ بِخَاتَمِ الرُّسُلِ مُحَمَّدٍ رَسُولِهِ وَعَبْدِهِ عَلَى الْإِيمَانِ بِهِ وَتَصْدِيقِهِ وَاتِّبَاعِهِ.
وَالْعَاقِلُ إِذَا وَازَنَ بَيْنَ مَا اخْتَارُوا وَرَغِبُوا فِيهِ، وَبَيْنَ مَا رَغِبُوا عَنْهُ، تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْقَوْمَ
стр. 40
اخْتَارُوا الضَّلَالَةَ عَلَى الْهُدَى وَالْغَيَّ عَلَى الرَّشَادِ، وَالْقَبِيحَ عَلَى الْحَسَنِ، وَالْبَاطِلَ عَلَى الْحَقِّ، وَأَنَّهُمُ اخْتَارُوا مِنَ الْعَقَائِدِ أَبْطَلَهَا، وَمِنَ الْأَعْمَالِ أَقْبَحَهَا وَأَطْبَقَ عَلَى ذَلِكَ أَسَاقِفَتُهُمْ وَبَتَارِكَتُهُمْ وَرُهْبَانُهُمْ فَضْلًا عَنْ عَوَامِّهِمْ.
(فَصْلٌ) : وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِنَّ مَنْ ذَكَرْتُمْ مِنْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ وَذَكَرٍ وَأُنْثَى وَحُرٍّ وَعَبْدٍ وَرَاهِبٍ وَقِسِّيسٍ، كُلِّهِمْ تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ جُهَّالٌ بِمَنْزِلَةِ الدَّوَابِّ السَّائِمَةِ، مُعْرِضُونَ عَنْ طَلَبِ الْهُدَى فَضْلًا عَنْ تَبْيِينِهِ لَهُمْ، وَهُمْ مُقَلِّدُونَ لِرُؤَسَائِهِمْ وَكُبَرَائِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ - وَهُمْ أَقَلُّ الْقَلِيلِ وَهُمُ الَّذِينَ اخْتَارُوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ بَعْدَ تَبَيُّنِ الْهُدَى.
وَأَيُّ إِشْكَالٍ يَقَعُ لِلْعَقْلِ فِي ذَلِكَ؟ فَلَمْ يَزَلْ فِي النَّاسِ مَنْ يَخْتَارُهُ حَسَدًا مَعَ عِلْمِهِ بِبُطْلَانِهِ كِبْرًا، وَالْبَاطِلُ مِنْهُمْ يَخْتَارُهُ جَهْلًا وَتَقْلِيدًا لِمَنْ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُهُ حَسَدًا وَبَغْيًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُهُ طَمَعًا وَرَغْبَةً فِي مَأْكَلٍ أَوْ جَاهٍ وَرِئَاسَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُهُ مَحَبَّةً فِي صُورَةٍ وَعِشْقًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُهُ خَشْيَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُهُ عُلُوًّا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُهُ رَاحَةً وَدَعَةً، فَلَمْ تُحْصَرْ أَسْبَابُ اخْتِيَارِ الْكُفْرِ فِي حُبِّ الرِّئَاسَةِ وَالْمَأْكَلَةِ.
(فَصْلٌ وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ)
[المسألة الثانية]
وَهِيَ قَوْلُكُمْ: هَبْ أَنَّهُمُ اخْتَارُوا الْكُفْرَ لِذَلِكَ، فَهَلَّا اتَّبَعَ الْحَقَّ مَنْ لَا رِئَاسَةَ لَهُ وَلَا مَأَكَلَةَ، إِمَّا اخْتِيَارًا وَإِمَّا قَهْرًا ؟
فَجَوَابُهُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَكْثَرَ مَنْ ذَكَرْتُمْ قَدْ آمَنَ بِالرَّسُولِ وَصَدَّقَهُ اخْتِيَارًا
следующие страницы →