← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 22707

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى - ط دار القلم

ابن القيم

Полный текст (376 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فَأُمَّةٌ أَطْبَقَتْ عَلَى أَنَّ الْإِلَهَ الْحَقَّ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ - صُلِبَ وَصُفِعَ وَسُمِّرَ وَوُضِعَ الشَّوْكُ عَلَى رَأْسِهِ، وَدُفِنَ فِي التُّرَابِ، ثُمَّ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَصَعِدَ وَجَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ يُدَبِّرُ أَمْرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، لَا يَكْثُرُ عَلَيْهَا أَنْ تُطْبِقَ عَلَى جَحْدِ نُبُوَّةِ مَنْ جَاءَ بِسَبِّهَا وَلَعْنِهَا وَمُحَارَبَتِهَا وَإِبْدَاءِ مَعَايِبِهَا وَالنِّدَاءِ عَلَى كُفْرِهَا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالشَّهَادَةِ عَلَى بَرَاءَةِ الْمَسِيحِ مِنْهَا، وَمُعَادَاتِهِ لَهَا، ثُمَّ قَاتَلَهَا وَأَذَلَّهَا وَأَخْرَجَهَا مِنْ دِيَارِهَا وَضَرَبَ عَلَيْهَا الْجِزْيَةَ، وَأَخْبَرَ أَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْجَحِيمِ خَالِدَةً مُخَلَّدَةً لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَهَا، وَأَنَّهَا شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، بَلْ هِيَ شَرُّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ. وَكَيْفَ يُنْكَرُ عَلَى أُمَّةٍ أَطْبَقَتْ عَلَى صَلْبِ مَعْبُودِهَا وَإِلَهِهَا، ثُمَّ عَمَدَتْ إِلَى الصَّلِيبِ فَعَبَدَتْهُ وَعَظَّمَتْهُ، وَكَانَ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَحْرِقَ كُلَّ صَلِيبٍ تَقْدِرُ عَلَى إِحْرَاقِهِ، وَأَنْ تُهِينَهُ غَايَةَ الْإِهَانَةِ إِذْ صَلَبَتْ عَلَيْهِ إِلَهَهَا الَّذِي يَقُولُونَ تَارَةً: إِنَّهُ اللَّهُ، وَتَارَةً يَقُولُونَ إِنَّهُ ابْنُهُ، وَتَارَةً يَقُولُونَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ؟ فَجَحَدَتْ حَقَّ خَالِقِهَا وَكَفَرَتْ بِهِ أَعْظَمَ كُفْرٍ وَسَبَّتْهُ أَقْبَحَ مَسَبَّةٍ، أَنْ تَجْحَدَ حَقَّ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَتَكْفُرَ بِهِ. وَكَيْفَ يَكْثُرُ عَلَى أُمَّةٍ قَالَتْ فِي رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ، إِنَّهُ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ لِيُكَلِّمَ الْخَلْقَ بِذَاتِهِ لِئَلَّا يَكُونَ لَهُمْ حُجَّةٌ عَلَيْهِ، فَأَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ حُجَّتَهُمْ بِتَكَلُّمِهِ لَهُمْ بِذَاتِهِ ; لِتَرْتَفِعَ الْمَعَاذِيرُ عَمَّنْ ضَيَّعَ عَهْدَهُ بَعْدَ مَا كَلَّمَهُ بِذَاتِهِ؟ فَهَبَطَ بِذَاتِهِ مِنَ السَّمَاءِ، وَالْتَحَمَ فِي بَطْنِ مَرْيَمَ، فَأَخَذَ مِنْهَا حِجَابًا، وَهُوَ مَخْلُوقٌ مِنْ طَرِيقِ الْجِسْمِ، وَخَالِقٌ مِنْ طَرِيقِ النَّفْسِ، وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ جِسْمَهُ وَخَلَقَ أُمَّهُ، وَأُمُّهُ كَانَتْ قَبْلَهُ بِالنَّاسُوتِ، وَهُوَ كَانَ مِنْ قَبْلِهَا بِاللَّاهُوتِ، وَهُوَ الْإِلَهُ التَّامُّ، وَالْإِنْسَانُ التَّامُّ، وَمِنْ تَمَامِ رَحْمَتِهِ ﵎ عَلَى عِبَادِهِ أَنَّهُ رَضِيَ بِإِرَاقَةِ دَمِهِ عَنْهُمْ عَلَى خَشَبَةِ الصَّلِيبِ، فَمَكَّنَ أَعْدَاءَهُ الْيَهُودَ مِنْ نَفْسِهِ ; لِيَتِمَّ سُخْطُهُ

стр. 37

عَلَيْهِمْ، فَأَخَذُوهُ وَصَلَبُوهُ وَصَفَعُوهُ وَبَصَقُوا فِي وَجْهِهِ، وَتَوَّجُوهُ بِتَاجٍ مِنَ الشَّوْكِ عَلَى رَأْسِهِ، وَغَارَ دَمُهُ فِي إِصْبَعِهِ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ مِنْهُ شَيْءٌ إِلَى الْأَرْضِ لَيَبِسَ كُلُّ مَا فِي وَجْهِهَا، فَثَبَتَ فِي مَوْضِعِ صَلْبِهِ النَّوَّارُ. وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي الْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ أَنْ يَنْتَقِمَ اللَّهُ مِنْ عَبْدِهِ الْعَاصِي الَّذِي ظَلَمَهُ، وَاسْتَهَانَ بِقَدْرِهِ، لِاعْتِلَاءِ مَنْزِلَةِ الرَّبِّ، وَسُقُوطِ مَنْزِلَةِ الْعَبْدِ، أَرَادَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَنْتَصِفَ مِنَ الْإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ إِلَهٌ مِثْلُهُ، فَانْتَصَفَ مِنْ خَطِيئَةِ آدَمَ بِصَلْبِ عِيسَى الْمَسِيحِ، الَّذِي هُوَ إِلَهٌ مُسَاوٍ لَهُ فِي الْإِلَهِيَّةِ، فَصُلِبَ ابْنُ اللَّهِ الَّذِي هُوَ اللَّهُ فِي السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ. هَذِهِ أَلْفَاظُهُمْ فِي كُتُبِهِمْ. فَأُمَّةٌ أَطْبَقَتْ عَلَى هَذَا فِي مَعْبُودِهَا، كَيْفَ يَكْثُرُ عَلَيْهَا أَنْ تَقُولَ فِي عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ أَنَّهُ سَاحِرٌ وَكَاذِبٌ وَمَلِكٌ مُسَلَّطٌ وَنَحْوُ هَذَا؟ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ مُلُوكِ الْهِنْدِ: أَمَّا النَّصَارَى فَإِنْ كَانَ أَعْدَاؤُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ يُجَاهِدُونَهُمْ بِالشَّرْعِ فَأَنَا أَرَى جِهَادَهُمْ بِالْعَقْلِ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَرَى قِتَالَ أَحَدٍ، لَكِنِّي أَسْتَثْنِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ مِنْ جَمِيعِ الْعَالَمِ، لِأَنَّهُمْ قَصَدُوا مُضَادَّةَ الْعَقْلِ وَنَاصَبُوهُ الْعَدَاوَةَ وَشَذُّوا عَنْ جَمِيعِ مَصَالِحِ الْعَالَمِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ الْوَاضِحَةِ، وَاعْتَقَدُوا كُلَّ مُسْتَحِيلٍ مُمْكِنًا، وَبَنَوْا مِنْ ذَلِكَ شَرْعًا لَا يُؤَدِّي إِلَى صَلَاحِ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَالَمِ، وَلَكِنَّهُ يُصَيِّرُ الْعَاقِلَ إِذَا شَرَعَ بِهِ

стр. 38

أَخْرَقَ، وَالرَّشِيدَ سَفِيهًا، وَالْحَسَنَ قَبِيحًا، وَالْقَبِيحَ حَسَنًا، لِأَنَّ مَنْ كَانَ فِي أَصْلِ عَقِيدَتِهِ الَّتِي جَرَى نَشْؤُهُ عَلَيْهَا الْإِسَاءَةُ إِلَى الْخَلَّاقِ، وَالنَّيْلُ مِنْهُ، وَسَبُّهُ أَقْبَحَ مَسَبَّةٍ، وَوَصْفُهُ بِمَا يُغَيِّرُ صِفَاتِهِ الْحُسْنَى، وَأَخْلَقُ بِهِ أَنْ يَسْتَهِلَّ الْإِسَاءَةَ إِلَى مَخْلُوقٍ، وَأَنْ يَصِفَهُ بِمَا يُغَيِّرُ صِفَاتِهِ الْجَمِيلَةَ. وَلَوْ لَمْ تَجِبْ مُجَاهَدَةُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ إِلَّا لِعُمُومِ أَضْرَارِهِمُ الَّتِي لَا تُحْصَى وُجُوهُهُ، كَمَا يَجِبُ قَتْلُ الْحَيَوَانِ الْمُؤْذِي بِطَبْعِهِ، لَكَانُوا أَهْلًا لِذَلِكَ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الَّذِي اخْتَارُوا هَذِهِ الْمَقَالَةَ فِي رَبِّ الْعَالَمِينَ، عَلَى تَعْظِيمِهِ وَتَنْزِيهِهِ وَإِجْلَالِهِ وَوَصْفِهِ بِمَا يَلِيقُ بِهِ، الَّذِينَ اخْتَارُوا الْكُفْرَ بِعَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَجَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، وَالَّذِينَ اخْتَارُوا عِبَادَةَ صُوَرٍ خَطُّوهَا بِأَيْدِيهِمْ فِي الْحِيطَانِ، مُزَوَّقَةٍ بِالْأَحْمَرِ وَالْأَصْفَرِ وَالْأَزْرَقِ، لَوْ دَنَتْ مِنْهَا الْكِلَابُ لَبَالَتْ عَلَيْهَا، فَأَعْطَوْهَا غَايَةَ الْخُضُوعِ وَالذُّلِّ وَالْخُشُوعِ وَالْبُكَاءِ، وَسَأَلُوهَا الْمَغْفِرَةَ وَالرَّحْمَةَ وَالرِّزْقَ وَالنَّصْرَ، هُمُ الَّذِينَ اخْتَارُوا التَّكْذِيبَ بِخَاتَمِ الرُّسُلِ عَلَى الْإِيمَانِ بِهِ وَتَصْدِيقِهِ وَاتِّبَاعِهِ، وَالَّذِينَ نَزَّهُوا مَطَارِنَتَهُمْ وَبَتَارِكَتَهُمْ عَنِ الصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ، وَنَحَوْهُمَا لِلْفَرْدِ الصَّمَدِ، هُمُ الَّذِينَ أَنْكَرُوا نُبُوَّةَ عَبْدِهِ وَخَاتَمِ رُسُلِهِ. وَالَّذِينَ اخْتَارُوا صَلَاةً يَقُومُ أَعْبَدُهُمْ وَأَزْهَدُهُمْ إِلَيْهَا، وَالْبَوْلُ عَلَى سَاقِهِ وَأَفْخَاذِهِ فَيَسْتَقْبِلُ الشَّرْقَ ثُمَّ يُصَلِّبُ عَلَى وَجْهِهِ، وَيَعْبُدُ الْإِلَهَ الْمَصْلُوبَ، وَيَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِقَوْلِهِ: يَا أَبَانَا أَنْتَ الَّذِي

стр. 39

فِي السَّمَاوَاتِ تَقَدَّسَ اسْمُكَ وَلْيَأْتِ مُلْكُكَ وَلْتَكُنْ إِرَادَتُكَ فِي السَّمَاءِ مِثْلَهَا فِي الْأَرْضِ أَعْطِنَا خُبْزَنَا الْمُلَائِمَ لَنَا. ثُمَّ يُحَدِّثُ إِلَى مَنْ هُوَ إِلَى جَانِبِهِ، وَرُبَّمَا سَأَلَهُ عَنْ سِعْرِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، وَعَمَّا كَسَبَ فِي الْقِمَارِ، وَعَمَّا طَبَخَ فِي بَيْتِهِ، وَرُبَّمَا أَحْدَثَ وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ، وَلَوْ أَرَادَ لَبَالَ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ أَمْكَنَهُ، ثُمَّ يَدْعُو تِلْكَ الصُّورَةَ الَّتِي هِيَ صَنْعَةُ يَدِ الْإِنْسَانِ. فَالَّذِينَ اخْتَارُوا هَذِهِ الصَّلَاةَ عَلَى صَلَاةِ مَنْ إِذَا قَامَ إِلَى صَلَاتِهِ طَهَّرَ أَطْرَافَهُ وَثِيَابَهُ وَبَدَنَهُ مِنَ النَّجَاسَةِ، وَاسْتَقْبَلَ بَيْتَهُ الْحَرَامَ، وَكَبَّرَ اللَّهَ وَحَمِدَهُ وَسَبَّحَهُ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ نَاجَاهُ بِكَلَامِهِ الْمُتَضَمِّنِ لِأَفْضَلِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَتَحْمِيدِهِ وَتَمْجِيدِهِ وَتَوْحِيدِهِ، وَإِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ، وَسُؤَالِهِ أَجَلَّ مَسْئُولٍ، وَهُوَ الْهِدَايَةُ إِلَى طَرِيقِ رِضَاهُ، الَّتِي خَصَّ بِهَا مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ دُونَ طَرِيقِ الْأُمَّتَيْنِ: الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَهُمُ الْيَهُودُ، وَالضَّالِّينَ وَهُمُ النَّصَارَى، ثُمَّ أَعْطَى كُلَّ جَارِحَةٍ مِنَ الْجَوَارِحِ حَظَّهَا مِنَ الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ وَالْعُبُودِيَّةِ مَعَ غَايَةِ التَّحْمِيدِ وَالثَّنَاءِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا يَلْتَفِتُ عَنْ مَعْبُودِهِ بِوَجْهِهِ، وَلَا قَلْبِهِ، وَلَا يُكَلِّمُ أَحَدًا كَلِمَةً، بَلْ قَدْ فَرَّغَ قَلْبَهُ لِمَعْبُودِهِ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، لَا يُحْدِثُ فِي صَلَاتِهِ، وَلَا يَجْعَلُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ صُورَةً مَصْنُوعَةً يَدْعُوهَا وَيَتَضَرَّعُ إِلَيْهَا. فَالَّذِينَ اخْتَارُوا تِلْكَ الصُّورَةَ الَّتِي هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ اسْتِهْزَاءٌ بِالْمَعْبُودِ، لَا يَرْضَاهَا الْمَخْلُوقُ لِنَفْسِهِ، فَضْلًا أَنْ يَرْضَى بِهَا الْخَالِقُ عَلَى هَذِهِ الصَّلَاةِ، الَّتِي لَوْ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى مُسْكَةٍ مِنْ عَقْلٍ لَظَهَرَ لَهُ التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا. وَهُمُ الَّذِينَ اخْتَارُوا التَّكْذِيبَ بِخَاتَمِ الرُّسُلِ مُحَمَّدٍ رَسُولِهِ وَعَبْدِهِ عَلَى الْإِيمَانِ بِهِ وَتَصْدِيقِهِ وَاتِّبَاعِهِ. وَالْعَاقِلُ إِذَا وَازَنَ بَيْنَ مَا اخْتَارُوا وَرَغِبُوا فِيهِ، وَبَيْنَ مَا رَغِبُوا عَنْهُ، تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْقَوْمَ

стр. 40

اخْتَارُوا الضَّلَالَةَ عَلَى الْهُدَى وَالْغَيَّ عَلَى الرَّشَادِ، وَالْقَبِيحَ عَلَى الْحَسَنِ، وَالْبَاطِلَ عَلَى الْحَقِّ، وَأَنَّهُمُ اخْتَارُوا مِنَ الْعَقَائِدِ أَبْطَلَهَا، وَمِنَ الْأَعْمَالِ أَقْبَحَهَا وَأَطْبَقَ عَلَى ذَلِكَ أَسَاقِفَتُهُمْ وَبَتَارِكَتُهُمْ وَرُهْبَانُهُمْ فَضْلًا عَنْ عَوَامِّهِمْ. (فَصْلٌ) : وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِنَّ مَنْ ذَكَرْتُمْ مِنْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ وَذَكَرٍ وَأُنْثَى وَحُرٍّ وَعَبْدٍ وَرَاهِبٍ وَقِسِّيسٍ، كُلِّهِمْ تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ جُهَّالٌ بِمَنْزِلَةِ الدَّوَابِّ السَّائِمَةِ، مُعْرِضُونَ عَنْ طَلَبِ الْهُدَى فَضْلًا عَنْ تَبْيِينِهِ لَهُمْ، وَهُمْ مُقَلِّدُونَ لِرُؤَسَائِهِمْ وَكُبَرَائِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ - وَهُمْ أَقَلُّ الْقَلِيلِ وَهُمُ الَّذِينَ اخْتَارُوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ بَعْدَ تَبَيُّنِ الْهُدَى. وَأَيُّ إِشْكَالٍ يَقَعُ لِلْعَقْلِ فِي ذَلِكَ؟ فَلَمْ يَزَلْ فِي النَّاسِ مَنْ يَخْتَارُهُ حَسَدًا مَعَ عِلْمِهِ بِبُطْلَانِهِ كِبْرًا، وَالْبَاطِلُ مِنْهُمْ يَخْتَارُهُ جَهْلًا وَتَقْلِيدًا لِمَنْ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُهُ حَسَدًا وَبَغْيًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُهُ طَمَعًا وَرَغْبَةً فِي مَأْكَلٍ أَوْ جَاهٍ وَرِئَاسَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُهُ مَحَبَّةً فِي صُورَةٍ وَعِشْقًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُهُ خَشْيَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُهُ عُلُوًّا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُهُ رَاحَةً وَدَعَةً، فَلَمْ تُحْصَرْ أَسْبَابُ اخْتِيَارِ الْكُفْرِ فِي حُبِّ الرِّئَاسَةِ وَالْمَأْكَلَةِ. (فَصْلٌ وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) [المسألة الثانية] وَهِيَ قَوْلُكُمْ: هَبْ أَنَّهُمُ اخْتَارُوا الْكُفْرَ لِذَلِكَ، فَهَلَّا اتَّبَعَ الْحَقَّ مَنْ لَا رِئَاسَةَ لَهُ وَلَا مَأَكَلَةَ، إِمَّا اخْتِيَارًا وَإِمَّا قَهْرًا ؟ فَجَوَابُهُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَكْثَرَ مَنْ ذَكَرْتُمْ قَدْ آمَنَ بِالرَّسُولِ وَصَدَّقَهُ اخْتِيَارًا

стр. 41

لَا اضْطِرَارًا، وَأَكْثَرُهُمْ أُولُو الْعُقُولِ وَالْأَحْلَامِ وَالْعُلُومِ مِمَّنْ لَا يُحْصِيهِمْ إِلَّا اللَّهُ. فَرُقْعَةُ الْإِسْلَامِ إِنَّمَا انْتَشَرَتْ فِي الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ بِإِسْلَامِ أَكْثَرِ الطَّوَائِفِ، فَدَخَلُوا دِينَ اللَّهِ أَفْوَاجًا، حَتَّى صَارَ الْكُفْرُ مَعَهُمْ تَحْتَ الذِّلَّةِ وَالصَّغَارِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ وَالصَّابِئِينَ أَكْثَرُ مِنَ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا، وَأَنَّهُ إِنَّمَا بَقِيَ مِنْهُمْ أَقَلُّ الْقَلِيلِ، وَقَدْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ وَرُؤَسَائِهِمْ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَلْقٌ كَثِيرٌ. وَهَذَا مَلِكُ النَّصَارَى عَلَى إِقْلِيمِ الْحَبَشَةِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ آمَنَ بِهِ، وَدَخَلَ فِي دِينِهِ، وَآوَى أَصْحَابَهُ، وَمَنَعَهُمْ مِنْ أَعْدَائِهِمْ، وَقِصَّتُهُ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ، وَلَمَّا مَاتَ أَعْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ بِالسَّاعَةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا، وَبَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ شَهْرٍ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى وَصَلَّى عَلَيْهِ. فَرَوَى الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلْنَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ جَاوَرْنَا بِهَا خَيْرَ جَارٍ: النَّجَاشِيَّ، أَمِنَّا عَلَى دِينِنَا، وَعَبَدْنَا اللَّهَ لَا نُؤْذَى وَلَا نَسْمَعُ شَيْئًا نَكْرَهُهُ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا ائْتَمَرُوا عَلَى أَنْ يَبْعَثُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ هَدَايَا مِمَّا يُسْتَظْرَفُ، وَمِنْ مَتَاعِ مَكَّةَ، وَكَانَ مِنْ أَعْجَبِ مَا يَأْتِيهِ مِنْهَا الْأَدَمُ فَجَمَعُوا لَهُ أَدَمًا كَثِيرًا، وَلَمْ يَتْرُكُوا مِنْ بَطَارِقَتِهِ بِطْرِيقًا إِلَّا أَهْدَوْا

стр. 42

لَهُ، ثُمَّ بَعَثُوا بِذَلِكَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَأَمَرُوهُمَا أَمْرَهُمْ، وَقَالُوا لَهُمَا: ادْفَعَا إِلَى كُلِّ بِطْرِيقٍ هَدِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ تُكَلِّمُوا النَّجَاشِيَّ فِيهِمْ، ثُمَّ قَدِّمَا إِلَى النَّجَاشِيِّ هَدَايَاهُ، ثُمَّ سَلُوهُ أَنْ يُسَلِّمَهُمْ إِلَيْكُمْ قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ. قَالَتْ: فَخَرَجَا، فَقَدِمَا عَلَى النَّجَاشِيِّ، وَنَحْنُ عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ، وَعِنْدَ خَيْرِ جَارٍ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْ بَطَارِقَتِهِ بِطَرِيقٌ إِلَّا دَفَعَا إِلَيْهِ هَدِيَّتَهُ، قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَا النَّجَاشِيَّ، ثُمَّ قَالَا إِلَى كُلِّ بِطْرِيقٍ: إِنَّهُ قَدْ صَبَأَ إِلَى بَلَدِ الْمَلِكِ مِنَّا سُفَهَاءُ، فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ، وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكُمْ، وَجَاءُوا بَدِينٍ مُبْتَدَعٍ لَا نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتُمْ، وَقَدْ بَعَثَنَا إِلَيْكَ فِيهِمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِمْ لِتَرُدَّهُمْ إِلَيْهِمْ، فَإِذَا كَلَّمْنَا الْمَلِيكَ فِيهِمْ فَأَشِيرُوا عَلَيْهِ بِأَنْ يُسَلِّمَهُمْ إِلَيْنَا، وَلَا يُكَلِّمَهُمْ، فَإِنَّ قَوْمَهُمْ أَعْلَى بِهِمْ عَيْنًا، وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: نَعَمْ. ثُمَّ إِنَّهُمَا قَرَّبَا هَدَايَاهُمْ إِلَى النَّجَاشِيِّ فَقَبِلَهَا مِنْهُمَا، ثُمَّ كَلَّمَاهُ فَقَالُوا لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّهُ قَدْ صَبَأَ إِلَى بَلَدِكَ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكَ، وَجَاءُوا بَدِينٍ مُبْتَدَعٍ لَا نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ، وَقَدْ بَعَثَنَا إِلَيْكَ فِيهِمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَعْمَامِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ لِتَرُدَّهُمْ إِلَيْهِمْ، فَهُمْ أَعْلَى بِهِمْ عَيْنًا، وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ وَعَايَنُوهُمْ فِيهِ، قَالَتْ: وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِنْ أَنْ يَسْمَعَ النَّجَاشِيُّ كَلَامَهُمْ، فَقَالَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ: صَدَقُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ، قَوْمُهُمْ أَعْلَى بِهِمْ عَيْنًا وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا

стр. 43

عَلَيْهِمْ، فَأَسْلِمْهُمْ إِلَيْهِمَا لِيَرُدُّوهُمْ إِلَى بِلَادِهِمْ وَقَوْمِهِمْ، قَالَتْ: فَغَضِبَ النَّجَاشِيُّ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَا أُسَلِّمُهُمْ إِلَيْهِمَا، وَلَا أَكَادُ أَنْ أُسَلِّمَ أَقْوَامًا جَاوَرُونِي، وَنَزَلُوا بِلَادِي، وَاخْتَارُونِي عَلَى مَنْ سِوَايَ، حَتَّى أَدْعُوَهُمْ فَأَسْأَلَهُمْ مَا يَقُولُ هَذَانِ فِي أَمْرِهِمْ، فَإِنْ كَانَا كَمَا يَقُولَانِ أَسْلَمْتُهُمْ إِلَيْهِمَا وَرَدَدْتُهُمْ إِلَى قَوْمِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مَنَعْتُهُمْ مِنْهُمَا، وَأَحْسَنْتُ جِوَارَهُمْ مَا جَاوَرُونِي. قَالَتْ: ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَعَاهُمْ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولُهُ اجْتَمَعُوا، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَا تَقُولُونَ لِلرَّجُلِ إِذَا جِئْتُمُوهُ؟ قَالُوا: نَقُولُ، وَاللَّهِ، مَا عَلِمْنَا وَمَا أَمَرَنَا بِهِ نَبِيُّنَا ﷺ كَائِنًا فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَمَّا جَاءُوهُ - وَقَدْ دَعَا النَّجَاشِيُّ أَسَاقِفَتَهُ، فَنَشَرُوا مَصَاحِفَهُمْ حَوْلَهُ - سَأَلَهُمْ فَقَالَ: مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي فَارَقْتُمْ فِيهِ قَوْمَكُمْ وَلَمْ تَدْخُلُوا فِي دِينِي، وَلَا دِينِ أَحَدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَمِ؟ قَالَتْ: وَكَانَ الَّذِي كَلَّمَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ! كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا نَبِيًّا وَرَسُولًا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنَ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ، وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنِ الْفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ لَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا قَالَتْ: فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الْإِسْلَامِ، فَصَدَّقْنَاهُ، وَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ، فَعَبَدْنَا اللَّهَ وَحْدَهُ،

стр. 44

وَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا، وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا، فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا، فَعَذَّبُونَا وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا، لِيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ ، وَأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّ مِنَ الْخَبَائِثِ، فَلَمَّا قَهَرُونَا وَظَلَمُونَا وَشَقُّوا عَلَيْنَا، وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِينِنَا خَرَجْنَا إِلَى بَلَدِكَ، وَاخْتَرْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ، وَرَغِبْنَا فِي جِوَارِكَ، وَرَجَوْنَا أَنْ لَا نُظْلَمَ عِنْدَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ. قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: هَلْ مَعَكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: فَاقْرَأْ عَلَيَّ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ صَدْرًا مِنْ " كهيعص " قَالَتْ: فَبَكَى وَاللَّهِ النَّجَاشِيُّ حَتَّى أَخْضَلَ لِحْيَتَهُ، وَبَكَتْ أَسَاقِفَتُهُ حَتَّى أَخْضَلُوا مَصَاحِفَهُمْ حِينَ سَمِعُوا مَا تُلِيَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ النَّجَاشِيُّ: إِنَّ هَذَا وَالَّذِي جَاءَ بِهِ عِيسَى، لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ، انْطَلِقُوا! فَوَاللَّهِ لَا أُسَلِّمُهُمْ إِلَيْكُمْ أَبَدًا وَلَا أَكَادُ. قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ، قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: وَاللَّهِ لَآتِيَنَّهُ غَدًا فَأَعِيبُهُمْ عِنْدَهُ بِمَا أَسْتَأْصِلُ بِهِ خَضْرَاءَهُمْ، قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَكَانَ أَتْقَى الرَّجُلَيْنِ فِينَا: لَا تَفْعَلْ، فَإِنَّ لَهُمْ أَرْحَامًا، وَإِنْ كَانُوا قَدْ خَالَفُونَا، قَالَ: وَاللَّهِ لَأُخْبِرَنَّهُ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَبْدٌ، قَالَتْ: ثُمَّ غَدَا عَلَيْهِ مِنَ الْغَدِ، فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ قَوْلًا عَظِيمًا، فَأَرْسِلْ إِلَيْهِمْ فَاسْأَلْهُمْ عَمَّا

стр. 45

يَقُولُونَ فِيهِ، قَالَتْ: فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ لِيَسْأَلَهُمْ عَنْهُ، قَالَتْ: وَلَمْ يَنْزِلْ بِنَا مِثْلُهُ. فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى إِذَا سَأَلَكُمْ عَنْهُ، قَالُوا: نَقُولُ فِيهِ مَا قَالَ اللَّهُ ، وَمَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا كَائِنًا فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالَ لَهُمْ: مَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؟ فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: نَقُولُ فِيهِ الَّذِي جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا، هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ الَّتِي أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ، فَضَرَبَ النَّجَاشِيُّ يَدَهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَأَخَذَ عُودًا، ثُمَّ قَالَ: مَا عَدَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، مَا قُلْتَ هَذِهِ الْعُودَ، فَتَنَاخَرَتِ الْبَطَارِقَةُ حَوْلَهُ حِينَ قَالَ مَا قَالَ، فَقَالَ: وَإِنْ نَخَرْتُمْ، وَإِنْ نَخَرْتُمْ وَاللَّهِ، اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ سُيُومٌ بِأَرْضِي - وَالسُّيُومُ: الْآمِنُونَ - مَنْ سَيَمَكُمْ غَنِمَ وَمَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ، مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي دَيْرًا ذَهَبًا وَأَنِّي آذَيْتُ رَجُلًا مِنْكُمْ - وَالدَّيْرُ: بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ الْجَبَلُ. رُدُّوا عَلَيْهِمَا هَدَايَاهُمَا وَلَا حَاجَةَ لِي بِهِمَا، فَوَاللَّهِ مَا أَخَذَ اللَّهُ مِنِّي الرِّشْوَةَ حِينَ رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي، فَآخُذَ الرِّشْوَةَ فِيهِ، وَمَا أَطَاعَ النَّاسَ فِيَّ فَأُطِيعَهُمْ فِيهِ. قَالَتْ: فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ مَقْبُوحِينَ، مَرْدُودًا عَلَيْهِمَا مَا جَاءَا بِهِ، وَأَقَمْنَا عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ مَعَ خَيْرِ جَارٍ. قَالَتْ: فَخَرَجَ عَدُوٌّ لَهُ عَلَيْهِ وَحَارَبَهُ، قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْنَا حُزْنًا قَطُّ كَانَ أَشَدَّ مِنْ حُزْنٍ حَزِنَّاهُ عِنْدَ ذَلِكَ، تَخَوُّفًا أَنْ يَظْهَرَ عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَيَأْتِي رَجُلٌ لَا يَعْرِفُ مِنْ

стр. 46

حَقِّنَا مَا كَانَ النَّجَاشِيُّ يَعْرِفُ مِنْهُ. قَالَتْ: فَسَارَ النَّجَاشِيُّ وَبَيْنَهُمَا عَرْضُ النِّيلِ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ حَتَّى يَحْضُرَ وَقْعَةَ الْقَوْمِ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِالْخَبَرِ؟ قَالَتْ: فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا، وَكَانَ مِنْ أَحْدَثِ الْقَوْمِ سِنًّا، قَالَتْ فَنَفَخُوا لَهُ قِرْبَةً فَجَعَلَهَا فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ سَبَحَ عَلَيْهَا حَتَّى خَرَجَ إِلَى نَاحِيَةِ النِّيلِ الَّتِي بِهَا مُلْتَقَى الْقَوْمِ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى حَضَرَهُمْ، قَالَتْ: وَدَعَوْنَا اللَّهَ لِلنَّجَاشِيِّ بِالظُّهُورِ عَلَى عَدُوِّهِ، وَالتَّمْكِينِ لَهُ فِي بِلَادِهِ، فَاسْتَوْثَقَ لَهُ أَمْرُ الْحَبَشَةِ، فَكُنَّا عِنْدَهُ فِي خَيْرِ مَنْزِلٍ حَتَّى قَدِمْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . فَلَمَّا كَانَ شَهْرُ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى النَّجَاشِيِّ كِتَابًا يَدْعُوهُ فِيهِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، فَلَمَّا قُرِئَ عَلَيْهِ الْكِتَابُ أَسْلَمَ، وَقَالَ: لَوْ قَدَرْتُ لَأَتَيْتُهُ. وَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُزَوِّجَهُ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ فَفَعَلَ، وَأَصْدَقَ عَنْهُ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى التَّزْوِيجَ خَالِدُ بْنُ

стр. 47

سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ. وَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ مَنْ بَقِيَ عِنْدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَيَحْمِلَهُمْ، فَفَعَلَ. فَقَدِمُوا الْمَدِينَةَ فَوَجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرَ، فَشَخَصُوا إِلَيْهِ فَوَجَدُوهُ قَدْ فَتَحَ خَيْبَرَ، فَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُدْخِلُوهُمْ فِي سِهَامِهِمْ فَفَعَلُوا. فَهَذَا مَلِكُ النَّصْرَانِيَّةِ قَدْ صَدَّقَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ. وَكَمْ مِثْلُهُ مَنْ هُوَ دُونَهُ مِمَّنْ هَدَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ النَّصَارَى، فَدَخَلَ فِي الدِّينِ، وَهُمْ أَكْثَرُ بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَةٍ مِمَّنْ أَقَامَ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِمَكَّةَ عِشْرُونَ رَجُلًا أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ مِنَ النَّصَارَى، حِينَ بَلَغَهُمْ خَبَرُهُ مِنَ الْحَبَشَةِ، فَوَجَدُوهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَجَلَسُوا إِلَيْهِ وَكَلَّمُوهُ، وَقُبَالَتُهُ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِي أَنْدِيَتِهِمْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ. فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ مَسْأَلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمَّا أَرَادُوا دَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى اللَّهِ، وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَلَمَّا سَمِعُوهُ فَاضَتْ أَعْيُنُهُمْ مِنَ الدَّمْعِ، ثُمَّ اسْتَجَابُوا لَهُ وَآمَنُوا، وَصَدَّقُوهُ وَعَرَفُوا مِنْهُ مَا كَانَ يُوصَفُ لَهُمْ فِي كِتَابِهِمْ مِنْ أَمْرِهِ، فَلَمَّا قَامُوا عَنْهُ اعْتَرَضَهُمْ أَبُو جَهِلِ - لَعَنَهُ اللَّهُ - بْنُ هِشَامٍ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا لَهُمْ: خَيَّبَكُمُ اللَّهُ مِنْ رَكْبٍ بَعَثَكُمْ مَنْ وَرَائَكُمْ مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ تَرْتَادُونَ إِلَيْهِمْ لِتَأْتُوهُمْ بِخَبَرِ الرَّجُلِ، فَلَمْ تَطْمَئِنَّ مَجَالِسُكُمْ عِنْدَهُ حَتَّى فَارَقْتُمْ دِينَكُمْ وَصَدَّقْتُمُوهُ بِمَا قَالَ؟! مَا نَعْلَمُ رَكْبًا أَحْمَقَ مِنْكُمْ؟ أَوْ كَمَا قَالُوا. فَقَالُوا: سَلَامٌ

стр. 48

عَلَيْكُمْ، لَا نُجَادِلُكُمْ، لَنَا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ وَلَكُمْ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ، لَمْ نَأْلُ مِنْ أَنْفُسِنَا خَيْرًا. وَيُقَالُ: إِنَّ النَّفَرَ مِنَ النَّصَارَى مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ، وَيُقَالُ: فِيهِمْ نَزَلَتْ: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِلَى قَوْلِهِ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: مَا زِلْتُ أَسْمَعُ مِنْ عُلَمَائِنَا أَنَّهُنَّ نَزَلَتْ فِي النَّجَّاشِيِّ وَأَصْحَابِهِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَوَفدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفْدُ نَصَارَى نَجْرَانَ بِالْمَدِينَةِ، فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ نَجْرَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَخَلُوا عَلَيْهِ مَسْجِدَهُ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَحَانَتْ صَلَاتُهُمْ فَقَامُوا يُصَلُّونَ فِي مَسْجِدِهِ، فَأَرَادَ النَّاسُ مَنْعَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : دَعُوهُمْ، فَاسْتَقْبَلُوا الْمَشْرِقَ فَصَلَّوْا صَلَاتَهُمْ، وَكَانُوا سِتِّينَ رَاكِبًا، مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ، مِنْهُمْ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ إِلَيْهِمْ يَئُولُ أَمْرُهُمْ: الْعَاقِبُ أَمِيرُ الْقَوْمِ وَذُو رَأْيِهِمْ وَصَاحِبُ مَشُورَتِهِمْ، وَالَّذِي لَا يَصْدُرُونَ إِلَّا عَنْ رَأْيِهِ وَأَمْرِهِ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَسِيحِ، وَالسَّيِّدُ ثِمَالُهُمْ، وَصَاحِبُ رَحْلِهِمْ وَمجْمَعِهِمْ. وَأَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ، أُسْقُفُّهُمْ وَحَبْرُهُمْ وَإِمَامُهُمْ وَصَاحِبُ مِدْرَاسِهِمْ، وَكَانَ أَبُو حَارِثَةَ قَدْ شَرُفَ فِيهِمْ وَدَرَسَ كُتُبَهُمْ، وَكَانَتْ مُلُوكُ الرُّومِ مِنْ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ قَدْ شَرَّفُوهُ وَمَوَّلُوهُ وَأَخْدَمُوهُ وَبَنَوْا لَهُ

стр. 49

الْكَنَائِسَ وَبَسَطُوا عَلَيْهِ الْكَرَامَاتِ، لِمَا بَلَغَهُمْ عَنْهُ مِنْ عِلْمِهِ وَاجْتِهَادِهِ فِي دِينِهِمْ. فَلَمَّا وَجَّهُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ نَجْرَانَ، جَلَسَ أَبُو حَارِثَةَ عَلَى بَغْلَةٍ مُوَجِّهًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَإِلَى جَنْبِهِ أَخٌ يُقَالُ لَهُ: كُرْزُ بْنُ عَلْقَمَةَ يُسَايِرُهُ إِذْ عَثَرَتْ بَغْلَةُ أَبِي حَارِثَةَ فَقَالَ لَهُ كُرْزٌ: تَعِسَ الْأَبْعَدُ، يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ أَبُو حَارِثَةَ: بَلْ أَنْتَ تَعِسْتَ. فَقَالَ: وَلِمَ يَا أَخِي؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَلنَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُهُ، فَقَالَ لَهُ كُرْزٌ: فَمَا يَمْنَعُكَ مِنَ اتِّبَاعِهِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ هَذَا؟ فَقَالَ: مَا صَنَعَ بِنَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ، شَرَّفُونَا وَمَوَّلُونَا، وَأَكْرَمُونَا وَقَدْ أَبَوْا إِلَّا خِلَافَهُ، وَلَوْ فَعَلْتُ نَزَعُوا مِنَّا ذَلِكَ، فَأَصَرَّ عَلَيْهِ أَخُوهُ كُرْزُ بْنُ عَلْقَمَةَ حَتَّى أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ. فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مِنَ الَّذِينَ مَنَعَتْهُمُ الرِّئَاسَةُ وَالْمَأْكَلَةُ مِنَ اخْتِيَارِ الْهُدَى وَآثَرُوا دِينَ قَوْمِهِمْ. وَإِذَا كَانَ هَذَا حَالَ الرُّؤَسَاءِ الْمَتْبُوعِينَ الَّذِينَ هُمْ عُلَمَاؤُهُمْ وَأَحْبَارُهُمْ كَانَ بَقِيَّتُهُمْ تَبَعًا لَهُمْ. وَلَيْسَ بِمُسْتَنْكَرٍ أَنْ تَمْنَعَ الرِّئَاسَةُ وَالْمَنَاصِبُ وَالْمَأْكَلُ لِلرُّؤَسَاءِ، وَيَمْنَعَ الْأَتْبَاعَ تَقْلِيدُهُمْ، بَلْ هَذَا هُوَ الْوَاقِعُ، وَالْعَقْلُ لَا يَسْتَشْكِلُهُ. (فَصْلٌ) : وَكَانَ مِنْ رُؤَسَاءِ النَّصَارَى الَّذِينَ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ، الرَّئِيسُ الْمُطَاعُ فِي قَوْمِهِ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ الطَّائِيُّ .

стр. 50

وَنَحْنُ نَذْكُرُ قِصَّتَهُ كَمَا رَوَاهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ الْقَوْمُ: هَذَا عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ - وَجِئْتُ بِغَيْرِ أَمَانٍ وَلَا كِتَابٍ - فَلَمَّا دُفِعْتُ إِلَيْهِ أَخْذَ بِيَدِي، وَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ يَدَهُ فِي يَدِي، قَالَ: فَقَامَ، فَلَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ وَصَبِيٌّ مَعَهَا، فَقَالَا: إِنَّ لَنَا إِلَيْكَ حَاجَةً، فَقَامَ مَعَهُمَا حَتَّى قَضَى حَاجَتَهَا، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي حَتَّى أَتَى بِي دَارَهُ فَأَلْقَتْ لَهُ الْوَلِيدَةُ وَسَادَةً، فَجَلَسَ عَلَيْهَا، وَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا يَضُرُّكَ أَنْ تَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَهَلْ تَعْلَمُ مِنْ إِلَهٍ سِوَى اللَّهِ، قَالَ: قُلْتُ: لَا، ثُمَّ تَكَلَّمَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: مَا تَضُرُّ أَنْ يُقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَهَلْ تَعْلَمُ أَنَّ شَيْئًا أَكْبَرُ مِنَ اللَّهِ؟ قَالَ: قُلْتُ لَا. قَالَ: فَإِنَّ الْيَهُودَ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ وَإِنَّ النَّصَارَى ضُلَّالٌ. قَالَ: فَقُلْتُ: فَإِنِّي حَنِيفٌ مُسْلِمٌ، قَالَ: فَرَأَيْتُ وَجْهَهُ يَنْبَسِطُ فَرَحًا، قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ بِي فَأُنْزِلْتُ عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَجَعَلْتُ أَغْشَاهُ أَيْ آتِيهِ طَرَفَيِ النَّهَارِ، قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ عَشِيَّةً إِذْ جَاءَهُ قَوْمٌ فِي ثِيَابٍ مِنَ الصُّوفِ مِنْ هَذِهِ النِّمَارِ. قَالَ: فَصَلَّى وَقَامَ فَحَثَّ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ بِصَاعٍ، وَلَوْ بِنِصْفِ صَاعٍ، وَلَوْ بِقَبْضَةٍ، وَلَوْ بِنِصْفِ قَبْضَةٍ يَقِي أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ حَرَّ جَهَنَّمَ أَوِ النَّارِ، وَلَوْ بِتَمْرَةٍ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَاقِي اللَّهَ وَقَائِلٌ لَهُ مَا أَقُولُ لَكُمْ:

стр. 51

أَلَمْ أَجْعَلْ لَكَ سَمْعًا وَبَصَرًا؟ فَيَقُولُ: بَلَى يَا رَبُّ، فَيَقُولُ: أَلَمْ أَجْعَلْ لَكَ مَالًا وَوَلَدًا؟ فَيَقُولُ: بَلَى، فَيَقُولُ: أَيْنَ مَا قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ؟! فَيَنْظُرُ قُدَّامَهُ وَبَعْدَهُ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ لَا يَجِدُ شَيْئًا يَقِي وَجْهَهُ، لِيَقِ أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، فَإِنِّي لَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الْفَاقَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرُكُمْ وَمُعْطِيكُمْ حَتَّى تَسِيرَ الظَّعِينَةُ، فِيمَا بَيْنَ يَثْرِبَ وَالْحِيرَةِ أَكْثَرُ مَا يُخَافُ عَلَى مَطِيَّتِهَا السَّرَقُ. قَالَ: فَجَعَلْتُ أَقُولُ فِي نَفْسِي فَأَيْنَ لُصُوصُ طَيٍّ؟. وَكَانَ عَدِيٌّ مُطَاعًا فِي قَوْمِهِ بِحَيْثُ يَأْخُذُ الْمِرْبَاعُ مِنْ غَنَائِمِهِمْ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ حُذَيْفَةَ: قَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ فَكَرِهْتُهُ أَشَدَّ مَا كَرِهْتُ شَيْئًا قَطُّ، فَخَرَجْتُ حَتَّى أَتَيْتُ أَقْصَى أَرْضِ الْعَرَبِ مِمَّا يَلِي الرُّومَ، ثُمَّ كَرِهْتُ مَكَانِي أَشَدَّ مِمَّا كَرِهْتُ مَكَانِي الْأَوَّلَ، فَقُلْتُ: لَوْ أَتَيْتُ فَسَمِعْتُ مِنْهُ، فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَانْتَشَرَ فِي النَّاسِ، وَقَالُوا: جَاءَ

стр. 52

عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ الطَّائِيُّ! فَقَالَ: يَا عَدِيُّ أَسْلِمْ تَسْلَمْ، فَقُلْتُ: إِنِّي عَلَى دِينٍ، قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِدِينِكِ مِنْكَ، قُلْتُ: أَنْتَ أَعْلَمُ بِدِينِي مِنِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ هَذَا ثَلَاثًا، قَالَ: أَلَسْتَ رَكُوسِيًّا؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: أَلَسْتَ تَرْأَسُ قَوْمَكَ؟، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: أَلَسْتَ تَأْخُذُ الْمِرْبَاعَ، قُلْتُ بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لَكَ فِي دِينِكَ، قَالَ: فَوَجَدْتُ بِهَا عَلَيَّ غَضَاضَةً، ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّهُ أَنْ يَمْنَعَكَ أَنْ تُسْلِمَ أَنْ تَرَى عِنْدَنَا خَصَاصَةً، وَتَرَى النَّاسَ عَلَيْنَا أَلْبًا وَاحِدًا، هَلْ رَأَيْتَ الْحِيرَةَ؟ قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا وَقَدْ عَلِمْتُ مَكَانَهَا، قَالَ: فَإِنَّ الظَّعِينَةَ سَتَرْحَلُ مِنَ الْحِيرَةِ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ بِغَيْرِ جِوَارٍ، وَلَتُفْتَحَنَّ عَلَيْنَا كُنُوزُ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، قُلْتُ: كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ؟ قَالَ: كُنُوزُ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، وَلَيَفِيضُ الْمَالُ حَتَّى يُهِمَّ الرَّجُلُ مَنْ يَقْبَلُ مِنْهُ صَدَقَتَهُ، قَالَ: فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْحَلُ مِنَ الْحِيرَةِ بِغَيْرِ جِوَارٍ، وَكُنْتُ فِي أَوَّلِ خَيْلٍ أَغَارَتْ عَلَى الْمَدَائِنِ، وَوَاللَّهِ لَتَكُونَنَّ الثَّالِثَةَ. إِنَّهُ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقَدْ كَانَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ مَنْ أَعْلَمِ النَّصَارَى بِدِينِهِمْ، وَكَانَ قَدْ تَيَقَّنَ خُرُوجَ

стр. 53

النَّبِيِّ ﷺ فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، فَلَمَّا رَآهُ عَرَفَ أَنَّهُ هُوَ النَّبِيُّ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ الْمَسِيحُ فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ، وَنَحْنُ نَسُوقُ قِصَّتَهُ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَاصِمٌ، عَنْ مَحْمُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: حَدَّثَنِي سَلْمَانُ مِنْ فِيهِ، قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا فَارِسِيًّا مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ مِنْ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا: (حَيٌّ) . وَكَانَ أَبِي دِهْقَانَ قَرْيَتِهِ، وَكُنْتُ أَحَبَّ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيْهِ لَمْ يَزَلْ حُبُّهُ إِيَّايَ حَتَّى حَبَسَنِي فِي بَيْتٍ كَمَا يَحْبِسُ الْجَارِيَةَ، فَاجْتَهَدْتُ فِي الْمَجُوسِيَّةِ حَتَّى كُنْتُ قَطَنَ النَّارِ الَّتِي تُوقِدُهَا لَا نَتْرُكُهَا سَاعَةً تَخْبُو، وَكَانَتْ لِأَبِي ضَيْعَةٌ عَظِيمَةٌ فَشُغِلَ فِي بُنْيَانٍ لَهُ يَوْمًا. فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، إِنِّي قَدْ شُغِلْتُ فِي بُنْيَانِي هَذَا الْيَوْمَ عَنْ ضَيْعَتِي فَاذْهَبْ إِلَيْهَا فَاطَّلِعْهَا، وَأَمَرَنِي فِيهَا بِبَعْضِ مَا يُرِيدُ، ثُمَّ قَالَ لِي: وَلَا تَحْتَبِسْ عَنِّي فَإِنَّكَ إِنِ احْتَبَسْتَ عَنِّي كُنْتَ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ضَيْعَتِي وَشَغَلْتَنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِي، فَخَرَجْتُ أُرِيدُ ضَيْعَتَهُ الَّتِي بَعَثَنِي إِلَيْهَا، فَمَرَرْتُ بِكَنِيسَةٍ مِنْ كَنَائِسِ النَّصَارَى فَسَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ فِيهَا وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَكُنْتُ لَا أَدْرِي مَا أَمْرُ النَّاسِ لِحَبْسِ أَبِي إِيَّايَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمَّا سَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ، دَخَلْتُ عَلَيْهِمْ أَنْظُرُ مَا يَصْنَعُونَ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ أَعْجَبَتْنِي صَلَاتُهُمْ، وَرَغِبْتُ فِي أَمْرِهِمْ، فَقُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا بَرِحْتُ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَتَرَكْتُ ضَيْعَةَ أَبِي فَلَمْ آتِهَا، ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: أَيْنَ أَصْلُ هَذَا الدِّينَ؟ قَالُوا:

стр. 54

بِالشَّامِ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَبِي وَقَدْ بَعَثَ فِي طَلَبِي، وَشَغَلَهُ عَنْ عَمَلِهِ كُلِّهِ، فَلَمَّا جِئْتُ قَالَ: يَا بُنَيَّ أَيْنَ كُنْتَ؟ أَلَمْ أَكُنْ عَهِدْتُ إِلَيْكَ مَا عَهِدْتُ؟ قُلْتُ: يَا أَبَتِ، مَرَرْتُ بِأُنَاسٍ يُصَلُّونَ فِي كَنِيسَةٍ لَهُمْ فَأَعْجَبَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ دِينِهِمْ، فَوَاللَّهِ مَا زِلْتُ عِنْدَهُمْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ! لَيْسَ فِي ذَلِكَ الدِّينِ خَيْرٌ، دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ خَيْرٌ مِنْهُ، فَقُلْتُ لَهُ: كَلَّا وَاللَّهِ إِنَّهُ لَخَيْرٌ مِنْ دِينِنَا، قَالَ: فَخَافَنِي، فَجَعَلَ فِي رِجْلِي قَيْدًا، ثُمَّ حَبَسَنِي فِي بَيْتِهِ، وَبَعَثْتُ إِلَى النَّصَارَى فَقُلْتُ لَهُمْ: إِذَا قَدِمَ عَلَيْكُمْ رَكْبٌ مِنَ الشَّامِ فَأَخْبِرُونِي بِهِمْ، فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ تُجَّارٌ مِنَ النَّصَارَى فَأَخْبَرُونِي، فَقُلْتُ لَهُمْ: إِذَا قَضَوْا حَوَائِجَهُمْ وَأَرَادُوا الرَّجْعَةَ إِلَى بِلَادِهِمْ فَآذِنُونِي بِهِمْ، قَالَ: فَلَمَّا أَرَادُوا الرَّجْعَةَ أَخْبَرُونِي بِهِمْ، فَأَلْقَيْتُ الْحَدِيدَ مِنْ رِجْلِي، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُمْ حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ. فَلَمَّا قَدِمْتُهَا قُلْتُ: مَنْ أَفْضَلُ أَهْلِ هَذَا الدِّينِ عِلْمًا؟ قَالُوا: أُسْقُفُّ الْكَنِيسَةِ، فَجِئْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي قَدْ رَغِبْتُ فِي هَذَا الدِّينِ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مَعَكَ فَأَخْدِمَكَ فِي كَنِيسَتِكَ، وَأَتَعَلَّمَ مِنْكَ، وَأُصَلِّيَ مَعَكَ، قَالَ: ادْخُلْ، فَدَخَلْتُ مَعَهُ، فَكَانَ رَجُلَ سُوءٍ يَأْمُرُهُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُهُمْ فِيهَا، فَإِذَا جَمَعُوا لَهُ شَيْئًا مِنْهَا اكْتَنَزَهُ لِنَفْسِهِ، وَلَمْ يُعْطِ الْمَسَاكِينَ، حَتَّى جَمَعَ سَبْعَ قِلَالٍ مِنْ ذَهَبٍ وَوَرِقٍ، فَأَبْغَضْتُهُ بُغْضًا شَدِيدًا

стр. 55

لِمَا رَأَيْتُهُ يَصْنَعُ، ثُمَّ مَاتَ وَاجْتَمَعَتِ النَّصَارَى لِيَدْفِنُوهُ، فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا كَانَ رَجُلَ سُوءٍ يَأْمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُكُمْ فِيهَا، فَإِذَا جِئْتُمُوهُ بِهَا اكْتَنَزَهَا لِنَفْسِهِ وَلَمْ يُعْطِ الْمَسَاكِينَ مِنْهَا شَيْئًا، فَقَالُوا لِي: وَمَا عِلْمُكَ بِذَلِكَ؟ قُلْتُ: أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى كَنْزِهِ، فَأَرَيْتُهُمْ مَوْضِعَهُ، فَاسْتَخْرَجُوا سَبْعَ قِلَالٍ مَمْلُوءَةٍ ذَهَبًا وَوَرِقًا، فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا: وَاللَّهِ لَا نَدْفِنُهُ أَبَدًا، فَصَلَبُوهُ وَرَمَوْهُ بِالْحِجَارَةِ، وَجَاءُوا بِرَجُلٍ آخَرَ فَجَعَلُوهُ مَكَانَهُ، فَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا لَا يُصَلِّي الْخَمْسَ أَرَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَلَا أَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا وَلَا أَرْغَبُ فِي الْآخِرَةِ، وَلَا أَدْأَبُ لَيْلًا وَنَهَارًا مِنْهُ، فَأَحْبَبْتُهُ حُبًّا شَدِيدًا لَمْ أُحِبَّهُ شَيْئًا قَبْلَهُ، فَأَقَمْتُ مَعَهُ زَمَانًا، ثُمَّ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ مَعَكَ فَأَحْبَبْتُكَ حُبًّا شَدِيدًا لَمْ أُحِبَّهُ شَيْئًا قَبْلَكَ، وَقَدْ حَضَرَكَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا تَرَى، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟ وَبِمَنْ تَأْمُرُنِي؟ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ، وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ، وَلَقَدْ هَلَكَ النَّاسُ وَبَدَّلُوا وَتَرَكُوا أَكْثَرَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ، إِلَّا رَجُلًا بِالْمَوْصِلِ وَهُوَ فُلَانٌ وَهُوَ عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ. فَلَمَّا مَاتَ وَغُيِّبَ لَحِقَتْ بِصَاحِبِ الْمَوْصِلِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ، إِنَّ فُلَانًا أَوْصَانِي عِنْدَ مَوْتِهِ أَنْ أَلْحَقَ بِكَ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّكَ عَلَى أَمْرِهِ، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي، فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ فَرَأَيْتُهُ خَيْرَ رَجُلٍ عَلَى أَمْرِ صَاحِبِهِ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ، إِنَّ فُلَانًا أَوْصَى بِي إِلَيْكَ وَأَمَرَنِي بِاللُّحُوقِ بِكَ، وَقَدْ حَضَرَكَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا تَرَى، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟ وَبِمَ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ، وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ رَجُلًا عَلَى مِثْلِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ إِلَّا رَجُلًا بِنَصِيبِينَ وَهُوَ فُلَانٌ فَالْحَقْ بِهِ.

стр. 56

فَلَمَّا مَاتَ وَغُيِّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ نَصِيبِينَ، فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي وَمَا أَمَرَنِي بِهِ صَاحِبِي، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي، فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ فَوَجَدْتُهُ عَلَى أَمْرِ صَاحِبِهِ، فَأَقَمْتُ مَعَ خَيْرِ رَجُلٍ، فَوَاللَّهِ مَا لَبِثَ أَنْ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ، فَلَمَّا أُحْضِرَ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ، إِنَّ فُلَانًا أَوْصَى بِي إِلَى فُلَانِ ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَيْكَ فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟ فَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ، مَا أَعْلَمُ بَقِيَ أَحَدٌ عَلَى أَمْرِنَا، آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ إِلَّا رَجُلًا بِعَمُورِيَّةَ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ، فَإِنَّهُ عَلَى مِثْلِ مَا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ فَأْتِهِ. فَلَمَّا مَاتَ وَغُيِّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ عَمُورِيَّةَ فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي، فَأَقَمْتُ عِنْدَ خَيْرِ رَجُلٍ عَلَى هُدَى أَصْحَابِهِ وَأَمْرِهِمْ، فَاكْتَسَبْتُ حَتَّى كَانَتْ لِي بَقَرَاتٌ وَأَعْنُزٌ، ثُمَّ نَزَلَ بِهِ أَمْرُ اللَّهِ، فَلَمَّا أُحْضِرَ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ، إِنِّي كُنْتُ مَعَ فُلَانٍ فَأَوْصَى بِي إِلَى فُلَانٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَى فُلَانٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَيْكَ، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟ وَبِمَ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ، وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُهُ أَصْبَحَ أَحَدٌ عَلَى مِثْلِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ مَنْ آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ. وَلَكِنَّهُ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُ نَبِيٍّ مَبْعُوثٍ بِدِينِ إِبْرَاهِيمِ يَخْرُجُ بِأَرْضِ الْعَرَبِ، مُهَاجَرُهُ إِلَى أَرْضٍ بَيْنَ حَرَّتَيْنِ، بَيْنَهُمَا نَخْلٌ، بِهِ عَلَامَاتٌ لَا تَخْفَى: يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلْحَقَ بِتِلْكَ الْبِلَادِ فَافْعَلْ.

стр. 57

ثُمَّ مَاتَ وَغُيِّبَ، فَمَكَثْتُ بِعَمُورِيَّةَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَمْكُثَ، ثُمَّ مَرَّ بِي نَفَرٌ مِنْ كَلْبٍ تُجَّارٌ، فَقُلْتُ لَهُمْ: احْمِلُونِي إِلَى أَرْضِ الْعَرَبِ وَأُعْطِيكُمْ بَقَرَاتِي هَذِهِ وَغُنَيْمَتِي هَذِهِ، فَقَالُوا: نَعَمْ، فَأَعْطَيْتُمُوهَا، فَحَمَلُونِي مَعَهُمْ، حَتَّى إِذَا بَلَغُوا وَادِي الْقُرَى ظَلَمُونِي، وَبَاعُونِي مِنْ رَجُلٍ يَهُودِيٍّ فَكُنْتُ عِنْدَهُ، فَرَأَيْتُ النَّخْلَ فَرَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ الْبَلَدَ الَّذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي، وَلَمْ يَحِقْ فِي نَفْسِي، فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إِذْ قَدِمَ عَلَيْهِ ابْنُ عَمٍّ لَهُ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ مِنَ الْمَدِينَةِ فَابْتَاعَنِي مِنْهُ فَحَمَلَنِي إِلَى الْمَدِينَةِ، فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُهَا فَعَرَفْتُهَا بِصِفَةِ صَاحِبِي، فَأَقَمْتُ بِهَا، وَبُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ مَا أَقَامَ لَا أَسْمَعُ لَهُ بِذَكَرٍ مَعَ مَا أَنَا فِيهِ مِنْ شُغْلِ الرِّقِّ. ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَفِي رَأْسِ عَذْقٍ لِسَيِّدِي أَعْمَلُ فِيهِ بَعْضَ الْعَمَلِ، وَسَيِّدِي جَالِسٌ تَحْتِي إِذْ أَقْبَلَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا فُلَانُ، قَاتَلَ اللَّهُ بَنِي قَيْلَةَ، وَاللَّهِ إِنَّهُمُ الْآنَ مُجْتَمِعُونَ عَلَى رَجُلٍ قَدِمَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَكَّةَ الْيَوْمَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَبِيٌّ. فَلَمَّا سَمِعْتُهُمَا أَخَذَتْنِي عُرَوَاءُ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنِّي سَاقِطٌ عَلَى سَيِّدِي، فَنَزَلْتُ عَنِ النَّخْلَةِ فَجَعَلْتُ أَقُولُ لِابْنِ عَمِّهِ ذَلِكَ: مَا تَقُولُ؟ فَغَضِبَ سَيِّدِي فَلَكَمَنِي لَكْمَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ قَالَ: مَا لَكَ وَلِهَذَا؟ أَقْبِلْ عَلَى عَمَلِكَ! فَقُلْتُ: لَا شَيْءَ إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَسَتَثْبِتَهُ عَمَّا قَالَ، وَقَدْ كَانَ عِنْدِي شَيْءٌ جَمَعْتُهُ، فَلَمَّا أَمْسَيْتُ أَخَذْتُهُ، ثُمَّ ذَهَبْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِقُبَاءَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ رَجُلٌ صَالِحٌ وَمَعَكَ أَصْحَابٌ لَكَ غُرَبَاءُ

стр. 58

ذَوُو حَاجَةٍ، وَهَذَا شَيْءٌ كَانَ عِنْدِي لِلصَّدَقَةِ، فَرَأَيْتُكُمْ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِكُمْ، فَقَرَّبْتُهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا. وَأَمْسَكَ هُوَ فَلَمْ يَأْكُلْ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذِهِ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ عَنْهُ فَجَمَعْتُ شَيْئًا، وَتَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ جِئْتُهُ بِهِ، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُكَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أَكْرَمْتُكَ بِهَا، فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَأَكَلُوا مَعَهُ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَاتَانِ ثِنْتَانِ، ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ، قَدْ تَبِعَ جِنَازَةَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَعَلَيَّ شَمْلَتَانِ لِي، وَهُوَ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَدَرْتُ أَنْظُرُ إِلَى ظَهْرِهِ، هَلْ أَرَى الْخَاتَمَ الَّذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي، فَلَمَّا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْتَدْبَرْتُهُ عَرَفَ أَنِّي أَسَتَثْبِتُ فِي شَيْءٍ وُصِفَ لِي، فَأَلْقَى الرِّدَاءَ عَنْ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى الْخَاتَمِ فَعَرَفْتُهُ، فَأَكْبَبْتُ عَلَيْهِ أُقَبِّلُهُ وَأَبْكِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَحَوَّلْ. فَتَحَوَّلْتُ فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ حَدِيثِي كَمَا حَدَّثْتُكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، فَأَعْجَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَسْمَعَ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ. ثُمَّ شَغَلَ سَلْمَانَ الرِّقُّ حَتَّى فَاتَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدْرٌ وَأُحُدٌ، قَالَ سَلْمَانُ: ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَاتِبْ يَا سَلْمَانُ فَكَاتَبْتُ صَاحِبِي عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ نَخْلَةٍ أُحَيِيهَا لَهُ بِالْفَقِيرِ وَأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَعِينُوا أَخَاكُمْ فَأَعَانُونِي بِالنَّخْلِ: الرَّجُلُ بِثَلَاثِينَ وَدِيَّةً، وَالرَّجُلُ بِعِشْرِينَ وَدِيَّةً، وَالرَّجُلُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ، وَالرَّجُلُ بِعَشْرٍ، يُعِينُنِي الرَّجُلُ بِقَدْرِ مَا عِنْدَهُ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ لِي ثَلَاثُمِائَةِ وَدِيَّةٍ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اذْهَبْ يَا سَلْمَانُ فَافْقِرْ لَهَا فَإِذَا فَرَغَتْ فَائْتِنِي أَكُنْ أَنَا أَضَعُهَا بِيَدِي فَفَقَرْتُ فَأَعَانَنِي أَصْحَابِي حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ جِئْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ، فَخَرَجَ مَعِي إِلَيْهَا، فَجَعَلْتُ أُقَرِّبُ إِلَيْهِ الْوَدِيَّ وَيَضَعُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ حَتَّى فَرَغَتْ، فَوَالَّذِي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ مَا مَاتَ مِنْهَا وِدِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، فَأَدَّيْتُ النَّخْلَ وَبَقِيَ عَلَيَّ الْمَالُ، فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِ بَيْضَةِ الدَّجَاجِ مِنْ ذَهَبٍ مِنْ

стр. 59

بَعْضِ الْمَعَادِنِ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ الْفَارِسِيُّ الْمَكَاتَبُ؟ فَدُعِيتُ لَهُ، فَقَالَ: خُذْ هَذِهِ فَأَدِّهَا مِمَّا عَلَيْكَ يَا سَلْمَانُ، فَقُلْتُ: وَأَيْنَ تَقَعُ مِمَّا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: خُذْهَا، فَإِنَّ اللَّهَ سَيُؤَدِّي بِهَا مَا عَلَيْكَ، فَأَخَذْتُهَا فَوَزَنْتُ مِنْهَا لَهُمْ، فَوَاللَّهِ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً وَأَوْفَيْتُهُمْ حَقَّهُمْ، فَشَهِدَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْخَنْدَقَ، ثُمَّ لَمْ يَفُتْنِي مَعَهُ مَشْهَدٌ. وَكَانَ مَلِكُ الشَّامِ وَأَحَدُ أَكَابِرِ عُلَمَائِهِمْ بِالنَّصْرَانِيَّةِ (هِرَقْلُ) قَدْ عَرَفَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، وَعَزَمَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَبَى عَلَيْهِ عُبَّادُ الصَّلِيبِ، فَخَافَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ، وَضَنَّ بِمُلْكِهِ - مَعَ عِلْمِهِ - بِأَنَّهُ سَيُنْقَلُ عَنْهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأُمَّتِهِ، وَنَحْنُ نَسُوقُ قِصَّتَهُ. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ مِنْ فِيهِ، قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ فَبَيْنَا أَنَا فِي الشَّامِ إِذْ جِيءَ بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى هِرَقْلَ، وَقَدْ كَانَ دَحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ جَاءَ بِهِ فَدَفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ، فَقَالَ هِرَقْلُ: هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَدُعِيتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ، فَأَجْلَسَنَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَجْلَسُوا أَصْحَابِي خَلْفِي، فَدَعَا بِتُرْجُمَانِهِ فَقَالَ: قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَايْمُ اللَّهِ لَوْلَا مَخَافَةُ أَنْ يُؤْثَرَ عَلَيَّ الْكَذِبُ لَكَذَبْتُ. ثُمَّ قَالَ لِتُرْجُمَانِهِ: سَلْهُ، كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قَالَ:

стр. 60

قُلْتُ: ذُو حَسَبٍ، قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَمَنِ اتَّبَعَهُ، أَشْرَافُ النَّاسِ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ: لَا بَلْ يَزِيدُونَ، قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَيْفَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قَالَ: قُلْتُ يَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالًا، يُصِيبُ مِنَّا، وَنُصِيبُ مِنْهُ، قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ صَانِعٌ فِيهَا. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا أَمْكَنَنِي مِنْ كَلِمَةٍ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرَ هَذِهِ، قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ لَا. قَالَ لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: إِنِّي سَأَلْتُكَ عَنْ حَسَبِهِ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو حَسَبٍ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَحْسَابِ قَوْمِهَا، وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ فِي آبَائِهِ مَلِكٌ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ لَا فَقُلْتُ لَوْ كَانَ فِي آبَائِهِ مَلِكٌ لَقُلْتُ يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ، وَسَأَلْتُكَ عَنْ أَتْبَاعِهِ أَضُعَفَاؤُهُمْ أَمْ أَشْرَافُهُمْ؟ فَقُلْتَ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ، فَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ مُتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا يَقُولُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ يَذْهَبَ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ دَخَلَهُ سَخْطَةً لَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ إِذَا خَالَطَتْ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ، هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّكُمْ قَاتَلْتُمُوهُ، فَيَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالًا، يَنَالُ مِنْكُمْ وَتَنَالُونَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ الْعَاقِبَةُ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ لَا يَغْدِرُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ لَوْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ مِنْ قَبْلِهِ قُلْتُ رَجُلٌ ائْتَمَّ بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: فِيمَ يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّلَةِ وَالْعَفَافِ، قَالَ: إِنْ يَكُنْ مَا تَقُولُهُ حَقًّا إِنَّهُ نَبِيٌّ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، وَلَكِنْ لَمْ أَكُنْ أَظُنُّهُ مِنْكُمْ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ

стр. 61

إِلَيْهِ لَأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ، وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ، ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، أَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ وَقُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ.

стр. 62

فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ ارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ عِنْدَهُ وَكَثُرَ اللَّغَطُ وَأُمِرَ بِنَا فَخَرَجْنَا، ثُمَّ أَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ، ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ طَلَعَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، هَلْ لَكَمَ فِي الْفَلَاحِ وَالرُّشْدِ، وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ فَتُبَايِعُوا هَذَا النَّبِيَّ؟ فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الْأَبْوَابِ فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ وَأَيَسَ مِنَ الْإِيمَانِ قَالَ: رَدُّوهُمْ عَلَيَّ، فَقَالَ: إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ، فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ. فَهَذَا مَلِكُ الرُّومِ - وَكَانَ مِنْ عُلَمَائِهِمْ أَيْضًا - عَرَفَ وَأَقَرَّ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَّهُ سَيَمْلِكُ مَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، وَأَحَبَّ الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ فَدَعَا قَوْمَهُ إِلَيْهِ فَوَلَّوْا عَنْهُ مَعْرَضَيْنِ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ فَمَنَعَهُ مِنَ الْإِسْلَامِ الْخَوْفُ عَلَى مُلْكِهِ وَرِئَاسَتِهِ، وَمَنْعَهُ أَشْبَاهُ الْحَمِيرِ مِمَّا مَنَعَ الْأُمَمَ قَبْلَهُمْ. وَلَمَّا عَرَفَ النَّجَاشِيُّ مَلِكُ الْحَبَشَةِ أَنَّ عُبَّادَ الصَّلِيبِ لَا يَخْرُجُونَ عَنْ عِبَادَةِ الصَّلِيبِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ، أَسْلَمَ وَحْدَهُ سِرًّا، وَكَانَ يَكْتُمُ إِسْلَامَهُ بَيْنَهُمْ هُوَ وَأَهْلُ بَيْتِهِ وَلَا يُمْكِنُهُ مُجَاهَرَتُهُمْ. ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْسَلَ إِلَيْهِ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ بِكِتَابِهِ

стр. 63

يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: يَا أَصْحَمَةُ أَنَا عَلِيَّ الْقَوْلُ وَعَلَيْكَ الِاسْتِمَاعُ: إِنَّكَ كَأَنَّكَ فِي الرِّقَّةِ عَلَيْنَا مِنَّا، وَكَأَنَّا فِي الثِّقَةِ بِكَ مِنْكَ، لِأَنَّا لَمْ نَظُنَّ بِكَ خَيْرًا قَطُّ إِلَّا نُلْنَاهُ، وَلَمْ نَخَفْكَ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا أَمِنَّاهُ، وَقَدْ أَخَذْنَا الْحُجَّةَ عَلَيْكَ مِنْ فِيكَ، الْإِنْجِيلُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ شَاهِدٌ لَا يُرَدُّ، وَقَاضٍ لَا يَجُورُ، وَفِي ذَلِكَ مَوْقِعُ الْحَزِّ وَإِصَابَةِ الْفَصْلِ، وَإِلَّا فَأَنْتَ فِي هَذَا النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ كَالْيَهُودِ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَقَدْ فَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ رُسُلَهُ إِلَى النَّاسِ فَرَجَاكَ بِمَا لَمْ يَرْجُهُمْ، وَأَمِنَكَ عَلَى مَا خَافَهُمْ عَلَيْكَ لِخَيْرٍ سَالِفٍ وَأَجْرٍ مُنْتَظَرٍ. فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَلنَّبِيُّ الْأُمِّيُّ الَّذِي يَنْتَظِرُهُ أَهْلُ الْكِتَابِ، وَإِنَّ بِشَارَةَ مُوسَى بِرَاكِبِ الْحِمَارِ كَبِشَارَةِ عِيسَى بِرَاكِبِ الْجَمَلِ، (وَإِنَّ الْعَيَانَ لَيْسَ بِأَشْفَى مِنَ الْخَبَرِ) قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَكَتَبَ إِلَيْهِ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الْحَبَشَةَ (سَلَمٌ) أَنْتَ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ عِيسَى رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْبَتَوُلِ الطَّيِّبَةِ الْحَصِينَةِ، حَمَلَتْ بِعِيسَى فَخَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ رُوحِهِ وَنَفَخَهُ كَمَا خَلَقَ آدَمَ

стр. 64

بِيَدِهِ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالْمُوَالَاةِ عَلَى طَاعَتِهِ، وَأَنْ تَتَّبِعَنِي وَتُؤْمِنَ بِالَّذِي جَاءَنِي، فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ (وَإِنِّي) أَدْعُوكَ وَجُنُودَكَ إِلَى اللَّهِ ، وَقَدْ بَلَّغْتُ وَنَصَحْتُ فَاقْبَلُوا نَصِيحَتِي وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى. فَكَتَبَ إِلَيْهِ النَّجَاشِيُّ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ مِنَ النَّجَاشِيِّ أَصْحَمَةَ، سَلَامٌ عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مِنَ اللَّهِ وَبَرَكَاتُ اللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ. أَمَّا بَعْدُ: فَلَقَدْ بَلَغَنِي كِتَابُكَ فِيمَا ذَكَرْتَ مَنْ أَمْرِ عِيسَى ﵇، فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ عِيسَى لَا يَزِيدُ عَلَى مَا ذَكَرْتَ تَفْرُوقًا، إِنَّهُ كَمَا ذَكَرْتَ، وَقَدْ عَرَفْنَا مَا بُعِثَ بِهِ إِلَيْنَا، قَدْ قَرَّبْنَا ابْنَ عَمِّكَ وَأَصْحَابَهُ، فَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ صَادِقًا مُصَدَّقًا، وَقَدْ بَايَعْتُكَ وَبَايَعْتُ ابْنَ عَمِّكَ، وَأَسْلَمْتُ عَلَى يَدَيْهِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ". وَالتَّفَرُّوقُ عَلَامَةٌ تَكُونُ بَيْنَ النَّوَاةِ وَالثَّمَرَةِ. (فَصْلٌ) : وَكَذَلِكَ مَلِكُ دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ بِمِصْرَ عَرَفَ أَنَّهُ نَبِيٌّ صَادِقٌ، وَلَكِنْ مَنَعَهُ مِنَ اتِّبَاعِهِ مُلْكُهُ، وَأَنَّ عُبَّادَ الصَّلِيبِ لَا يَتْرُكُونَ عِبَادَةَ الصَّلِيبِ. وَنَحْنُ نَسُوقُ حَدِيثَهُ وَقِصَّتَهُ قَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :

стр. 65

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى الْمُقَوْقِسِ عَظِيمِ الْقِبْطِ سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْقِبْطِ. يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ وَخَتَمَ الْكِتَابَ. فَخَرَجَ بِهِ حَاطِبٌ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ، فَانْتَهَى إِلَى حَاجِبِهِ فَلَمْ يَلْبِثْ أَنْ أَوْصَلَ إِلَيْهِ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ حَاطِبٌ لِلْمُقَوْقِسِ لَمَّا لَقِيَهُ: إِنَّهُ قَدْ كَانَ قَبْلَكَ رَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ الرَّبُّ الْأَعْلَى فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى فَانْتَقَمَ بِهِ، ثُمَّ انْتَقَمَ مِنْهُ، فَاعْتَبِرْ بِغَيْرِكَ وَلَا يَعْتَبِرْ بِكَ غَيْرُكَ. قَالَ: هَاتِ، قَالَ: إِنَّ لَنَا دِينًا لَمْ نَدَعْهُ إِلَّا لِمَا

стр. 66

هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَهُوَ الْإِسْلَامُ الْكَافِي بِهِ اللَّهُ فَقْدَ مَا سِوَاهُ، إِنَّ هَذَا النَّبِيَّ دَعَا النَّاسَ فَكَانَ أَشَدَّهُمْ عَلَيْهِ إِنْكَارًا قُرَيْشٌ وَأَعْدَاهُمْ لَهُ الْيَهُودُ، وَأَقْرَبَهُمْ مِنْهُ النَّصَارَى، وَلَعَمْرِي مَا بِشَارَةُ مُوسَى بِعِيسَى إِلَّا كَبِشَارَةِ عِيسَى بِمُحَمَّدٍ. وَمَا دُعَاؤُنَا إِيَّاكَ إِلَى الْقُرْآنِ إِلَّا كَدُعَائِكَ أَهْلَ التَّوْرَاةِ إِلَى الْإِنْجِيلِ، وَكُلُّ نَبِيٍّ أَدْرَكَ قَوْمًا فَهُمْ مِنْ أُمَّتِهِ، فَالْحَقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَأَنْتَ مِمَّنْ أَدْرَكَ هَذَا النَّبِيَّ، وَلَسْنَا نَنْهَاكَ عَنْ دِينِ الْمَسِيحِ وَلَكِنَّا نَأْمُرُكَ بِهِ. فَقَالَ الْمُقَوْقِسُ: إِنِّي قَدْ نَظَرْتُ فِي أَمْرِ هَذَا النَّبِيِّ، فَرَأَيْتُهُ لَا يَأْمُرُ بِمَزْهُودٍ فِيهِ وَلَا يَنْهَى عَنْ مَرْغُوبٍ عَنْهُ، وَلَمْ أَجِدْهُ بِالسَّاحِرِ الضَّالِّ، وَلَا الْكَاهِنِ الْكَاذِبِ، وَوَجَدْتُ مَعَهُ آلَةَ النُّبُوَّةِ، مِنْ إِخْرَاجٍ الْخَبْءِ، وَالْإِخْبَارِ بِالنَّجْوَى، وَوَصَفَ لِحَاطِبٍ أَشْيَاءَ مِنْ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ: الْقِبْطُ لَا يُطَاوِعُونِي فِي اتِّبَاعِهِ، وَلَا أُحِبُّ أَنْ تَعْلَمَ بِمُحَاوَرَتِي إِيَّاكَ، وَأَنَا أَضِنُّ بِمُلْكِي أَنْ أُفَارِقَهُ، وَسَيَظْهَرُ عَلَى الْبِلَادِ وَيَنْزِلُ بِسَاحَتِنَا هَذِهِ أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ، فَارْجِعْ إِلَى صَاحِبِكَ. وَأَخَذَ كِتَابَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَعَلَهُ فِي حِقٍّ مِنْ عَاجٍ وَخَتْمَ عَلَيْهِ وَدَفَعَهُ إِلَى جَارِيَتِهِ، ثُمَّ دَعَا كَاتِبًا لَهُ يَكْتُبُ بِالْعَرَبِيَّةِ فَكَتَبَ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، مِنَ الْمُقَوْقِسِ عَظِيمِ الْقِبْطِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ قَرَأْتُ كِتَابَكَ، وَفَهِمْتُ مَا ذَكَرْتَ فِيهِ، وَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ نَبِيًّا بَقِيَ، وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِالشَّامِ، وَقَدْ أَكْرَمْتُ رَسُولَكَ وَبَعَثْتُ إِلَيْكَ بِجَارِيَتَيْنِ لَهُمَا مَكَانٌ فِي الْقِبْطِ عَظِيمٌ،

стр. 67

وَبِكِسْوَةٍ، وَأَهْدَيْتُ إِلَيْكَ بَغْلَةً لِتَرْكَبَهَا، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ) وَلَمْ يَرُدَّهُ إِلَّا مُكْرَمًا وَالْجَارِيَتَانِ: مَارِيَةُ وَسِيرِينُ، وَالْبَغْلَةُ: دَلُولٌ، وَبَقِيَتْ إِلَى زَمَنِ مُعَاوِيَةَ. قَالَ حَاطِبٌ: فَذَكَرْتُ قَوْلَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: ضَنَّ الْخَبِيثُ بِمُلْكِهِ وَلَا بَقَاءَ لِمُلْكِهِ. (فَصْلٌ) : وَكَذَلِكَ ابْنَا الْجَلَنْدِيِّ، مَلِكَا عُمَانَ وَمَا حَوْلَهَا مِنْ مُلُوكِ النَّصَارَى، أَسْلَمَا طَوْعًا وَاخْتِيَارًا، وَنَحْنُ نَذْكُرُ قِصَّتَهُمَا وَكِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمَا، وَهَذَا لَفْظُهُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى جَيْفَرٍ وَعَبْدٍ ابْنَيِ الْجَلَنْدِيِّ. سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكُمَا بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ، أَسْلِمَا تَسْلَمَا، فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، لِأُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ، وَإِنَّكُمَا إِنْ أَقْرَرْتُمَا بِالْإِسْلَامِ وَلَّيْتُكُمَا، وَإِنْ أَبَيْتُمَا أَنْ تُقِرَّا بِالْإِسْلَامِ فَإِنَّ مُلْكَكُمَا زَائِلٌ، وَخَيْلِي تَحِلُّ بِسَاحَتِكُمَا،

стр. 68

وَتَظْهَرُ نُبُوَّتِي عَلَى مُلْكِكُمَا، وَخَتَمَ الْكِتَابَ، وَبُعِثَ مَعَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. قَالَ عَمْرٌو: فَخَرَجْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى عُمَانَ، فَلَمَّا قَدِمْتُهَا انْتَهَيْتُ إِلَى عَبْدٍ، فَكَانَ أَحْلَمَ الرَّجُلَيْنِ وَأَسْهَلَهُمَا خُلُقًا، قُلْتُ: إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ إِلَيْكَ وَإِلَى أَخِيكَ، فَقَالَ: أَخِي الْمُقَدَّمُ عَلَيَّ بِالسِّنِّ وَالْمُلْكِ، وَأَنَا أُوصِلُكَ إِلَيْهِ حَتَّى يَقْرَأَ كِتَابَكَ، ثُمَّ قَالَ لِي: وَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ؟ قُلْتُ: أَدْعُوكَ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَتَخْلَعُ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِهِ، وَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، قَالَ: يَا عَمْرُو، إِنَّكَ سَيِّدُ قَوْمِكَ، فَكَيْفَ صَنَعَ أَبُوكَ؟ فَإِنَّ لَنَا فِيهِ قُدْوَةً؟ قُلْتُ: مَاتَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِمُحَمَّدٍ، وَوَدِتُّ أَنَّهُ كَانَ أَسْلَمُ وَصَدَّقَ بِهِ، وَكُنْتُ أَنَا عَلَى مِثْلِ رَأْيِهِ حَتَّى هَدَانِي اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ. قَالَ: فَمَتَى تَبِعْتَهُ؟ قُلْتُ: قَرِيبًا، فَسَأَلَنِي أَيْنَ كَانَ إِسْلَامِي؟ فَقُلْتُ: عِنْدَ النَّجَاشِيِّ، وَأَخْبَرْتُهُ أَنَّ النَّجَاشِيَّ أَسْلَمَ، فَقَالَ: كَيْفَ صَنَعَ قَوْمُهُ بِمُلْكِهِ؟ قُلْتُ: أَقَرُّوهُ. قَالَ: وَالْأَسَاقِفَةُ وَالرُّهْبَانُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: انْظُرْ يَا عَمْرُو مَا تَقُولُ، إِنَّهُ لَيْسَ خَصْلَةٌ فِي رَجُلٍ أَفْضَحَ لَهُ مِنْ كَذِبٍ، قُلْتُ: مَا كَذَبْتُ وَمَا نَسْتَحِلُّهُ فِي دِينِنَا، ثُمَّ قَالَ: مَا أَرَى هِرَقْلَ عَلِمَ بِإِسْلَامِ النَّجَاشِيِّ. قُلْتُ: قَدْ عَلِمَ. قَالَ: بِأَيِّ شَيْءٍ عَلِمْتَ؟ قُلْتُ: كَانَ النَّجَاشِيُّ يُخْرِجُ لَهُ خَرْجًا، فَلَمَّا أَسْلَمَ وَصَدَّقَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَوْ سَأَلَنِي دِرْهَمًا وَاحِدًا مَا أَعْطَيْتُهُ، فَبَلَغَ هِرَقْلَ قَوْلُهُ، فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ بِنَاقُ: أَتَدَعُ عِنْدَكَ لَا يُخْرِجُ لَكَ خَرْجًا وَيَدِينُ دِينًا مُحْدَثًا، قَالَ هِرَقْلُ: رَجُلٌ رَغِبَ فِي دِينٍ وَاخْتَارَهُ لِنَفْسِهِ، مَا أَصْنَعُ بِهِ؟ وَاللَّهِ لَوْلَا

стр. 69

الضِّنُّ بِمُلْكِي لَصَنَعْتُ كَمَا صَنَعَ! قَالَ: بِمَا تَقُولُ يَا عَمْرُو؟ قُلْتُ: وَاللَّهِ لَقَدْ صَدَقْتُكَ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي مَا الَّذِي يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ؟ قُلْتُ: يَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللَّهِ ، وَيَنْهَى عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَيَأْمُرُ بِالْبِرِّ وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَيَنْهَى عَنِ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَعَنِ الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَعَنْ عِبَادَةِ الْحَجَرِ وَالْوَثَنِ وَالصَّلِيبِ. فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا الَّذِي يَدْعُو إِلَيْهِ، لَوْ كَانَ أَخِي يُتَابِعُنِي لَرَكِبْنَا حَتَّى نُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ وَنُصَدِّقَ بِهِ، وَلَكِنَّ أَخِي أَضَنُّ بِمُلْكِهِ مِنْ أَنْ يَدَعَهُ وَيَصِيرَ دَيِّنًا. قُلْتُ: إِنَّهُ إِنْ أَسْلَمَ مَلَّكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَوْمِهِ، فَأَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنْ غَنِيِّهِمْ فَرَدَّهَا عَلَى فَقِيرِهِمْ. قَالَ: إِنَّ هَذَا لَخُلُقٌ حَسَنٌ، وَمَا الصَّدَقَةُ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الصَّدَقَاتِ فِي الْأَمْوَالِ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الْإِبِلِ. فَقَالَ: يَا عَمْرُو، وَيُؤْخَذُ مَنْ سَوَائِمِ مَوَاشِينَا الَّتِي تَرْعَى الشَّجَرَ وَتَرِدُ الْمِيَاهَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَى قَوْمِي فِي بُعْدِ دَارِهِمْ، وَكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ يُطِيعُونَ بِهَذَا. قَالَ: فَمَكَثْتُ بِبَابِهِ أَيَّامًا وَهُوَ يَصِلُ إِلَى أَخِيهِ فَيُخْبِرُهُ كُلَّ خَبَرِي، ثُمَّ إِنَّهُ دَعَانِي يَوْمًا فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَأَخَذَ أَعْوَانُهُ بِضَبَعِي، فَقَالَ: دَعُوهُ، فَأُرْسِلْتُ، فَذَهَبْتُ لِأَجْلِسَ فَأَبَوْا أَنْ يَدَعُونِي أَجْلِسُ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: تَكَلَّمْ بِحَاجَتِكَ، فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ الْكِتَابَ مَخْتُومًا، فَفَضَّ خَاتَمَهُ فَقَرَأَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى آخِرِهِ ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى أَخِيهِ، فَقَرَأَهُ مِثْلَ قِرَاءَتِهِ إِلَّا أَنِّي رَأَيْتُ أَخَاهُ أَرَقَّ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا تُخْبِرُنِي عَنْ قُرَيْشٍ كَيْفَ صَنَعَتْ؟ فَقُلْتُ: تَبِعُوهُ إِمَّا رَاغِبٌ فِي الْإِسْلَامِ وَإِمَّا مَقْهُورٌ بِالسَّيْفِ. فَقَالَ: وَمَنْ مَعَهُ؟ قُلْتُ: النَّاسُ قَدْ رَغِبُوا فِي الْإِسْلَامِ وَاخْتَارُوهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَعَرَفُوهُ بِعُقُولِهِمْ مَعَ هُدَى اللَّهِ إِيَّاهُمْ، إِنَّهُمْ كَانُوا فِي ضَلَالٍ، فَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا بَقِيَ غَيْرُكَ فِي هَذِهِ الْحَرِجَةِ، وَإِنْ أَنْتَ لَمْ تُسْلِمِ الْيَوْمَ وَتَتَّبِعْهُ تُوطِئْكَ الْخَيْلُ وَتُبِدْ خَضْرَاءَكَ، فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَيَسْتَعْمِلْكَ عَلَى

стр. 70

قَوْمِكَ وَلَا تَدْخُلْ عَلَيْكَ الْخَيْلُ وَالرِّجَالُ، قَالَ: دَعْنِي يَوْمِي هَذَا، وَارْجِعْ إِلَيَّ غَدًا، فَرَجَعْتُ إِلَى أَخِيهِ، فَقَالَ: يَا عَمْرُو، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يُسْلِمَ إِنْ لَمْ يَضِنَّ بِمُلْكِهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ أَتَيْتُ إِلَيْهِ فَأَبَى أَنْ يَأْذَنَ لِي، فَانْصَرَفْتُ إِلَى أَخِيهِ فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي لَمْ أَصِلْ إِلَيْهِ فَأَوْصَلَنِي إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنِّي فَكَّرْتُ فِيمَا دَعَوْتَنِي إِلَيْهِ فَإِذَا أَنَا ضَعِيفُ الْعَرَبِ إِنْ مَلَّكْتُ رَجُلًا مَا فِي يَدِي وَهُوَ لَا تَبْلُغُ خَيْلُهُ هَاهُنَا، وَإِنْ بَلَغَتْ خَيْلُهُ أَلْفَتْ رِجَالًا وَقِتَالًا لَيْسَ كَمَنْ لَاقَى فِي الْقِتَالِ، قُلْتُ: وَأَنَا خَارِجٌ غَدًا، فَلَمَّا أَيْقَنَ بِمَخْرَجِي، خَلَا بِهِ أَخُوهُ، فَقَالَ: مَا نَحْنُ فِيمَا قَدْ ظَهَرَ عَلَيْهِ، وَكُلُّ مَنْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ قَدْ أَجَابَهُ. فَأَصْبَحَ فَأَرْسَلَ إِلَيَّ فَأَجَابَ بِالْإِسْلَامِ هُوَ وَأَخُوهُ جَمِيعًا، وَصَدَّقَا النَّبِيَّ ﷺ ، وَخَلَّيَا بَيْنِي وَبَيْنَ الصَّدَقَةِ وَبَيْنَ الْحُكْمِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَكَانَا لِي عَوْنًا عَلَى مَنْ خَالَفَنِي. (فَصْلٌ) : وَكَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى هَوْذَةَ بْنِ عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ صَاحِبِ الْيَمَامَةِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

стр. 71

مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى هَوْذَةَ بْنِ عَلِيٍّ. سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى. وَاعْلَمْ أَنَّ دِينِي سَيَظْهَرُ إِلَى مُنْتَهَى الْخُفِّ وَالْحَافِرِ، فَأسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَجْعَلُ لَكَ مَا تَحْتَ يَدِكَ. وَكَانَ عِنْدَهُ أَرَكُونُ دِمَشْقَ - عَظِيمٌ مِنْ عُظَمَاءِ النَّصَارَى - فَسَأَلَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ وَقَالَ: قَدْ جَاءَنِي كِتَابُهُ يَدْعُونِي إِلَى الْإِسْلَامِ. فَقَالَ الْأَرَكُونُ: لِمَ لَا تُجِيبُهُ؟ فَقَالَ: ضَنَنْتُ بِدِينِي وَأَنَا مَلِكُ قَوْمِي، إِنِ اتَّبَعْتُهُ لَمْ أَتَمَلَّكْ، قَالَ: بَلَى، وَاللَّهِ لَئِنِ اتَّبَعْتَهُ لَيُمَلِّكَنَّكَ، وَإِنَّ الْخِيرَةَ لَكَ فِي اتِّبَاعِهِ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَلنَّبِيُّ الْعَرَبِيُّ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَإِنَّهُ لَمَكْتُوبٌ عِنْدَنَا فِي الْإِنْجِيلِ. (فَصْلٌ) : وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ شُجَاعَ بْنَ وَهْبٍ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ

стр. 72

أَبِي شِمْرٍ وَهُوَ بِغُوطَةِ دِمَشْقَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِمَرْجِعِهِ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ. سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى وَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَ. فَإِنِّي أَدْعُوكَ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يَبْقَى لَكَ مُلْكُكَ، وَخَتَمَ الْكِتَابَ. فَخَرَجَ بِهِ شُجَاعُ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: فَانْتَهَيْتُ إِلَى حَاجِبِهِ فَأَخَذَهُ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ مَشْغُولٌ بِتَهْيِئَةِ الْإَنْزَالِ وَالْأَلْطَافِ لِقَيْصَرَ وَهُوَ جَاءٍ مِنْ حِمْصَ إِلَى إِيلِيَاءَ حَيْثُ كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُ جُنُودَ فَارِسَ، شُكْرًا لِلَّهِ ، قَالَ: فَأَقَمْتُ عَلَى بَابِهِ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقُلْتُ لِحَاجِبِهِ: إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ إِلَيْهِ، فَقَالَ حَاجِبُهُ - وَكَانَ رُومِيًّا، اسْمُهُ مُرِيٌّ -: لَا تَصِلُ إِلَيْهِ حَتَّى يَخْرُجَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، وَجَعَلَ صَاحِبُهُ يَسْأَلُنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا يَدْعُو إِلَيْهِ، فَكُنْتُ أُحَدِّثُهُ فَيَرِقُّ حَتَّى يَغْلِبَهُ الْبُكَاءُ، وَيَقُولَ: إِنِّي قَرَأْتُ فِي الْإِنْجِيلِ وَأَجِدُ صِفَةَ هَذَا النَّبِيِّ بِعَيْنِهِ، فَكُنْتُ أَرَاهُ يَخْرُجُ مِنَ الشَّامِ، فَأَرَاهُ قَدْ خَرَجَ بِأَرْضِ الْقَرَظِ، فَأَنَا أُؤْمِنُ بِهِ وَأُصَدِّقُهُ، وَأَنَا أَخَافُ مِنَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ أَنْ يَقْتُلَنِي.

стр. 73

قَالَ شُجَاعٌ: فَكَانَ هَذَا الْحَاجِبُ يُكْرِمُنِي وَيُحْسِنُ ضِيَافَتِي، وَيُخْبِرُنِي عَنِ الْحَارِثِ مَا بِالنَّاسِ مِنْهُ، وَيَقُولُ: هُوَ يَخَافُ قَيْصَرَ، قَالَ: فَخَرَجَ الْحَارِثُ يَوْمًا وَجَلَسَ فَوَضَعَ التَّاجَ عَلَى رَأْسِهِ، فَأُذِنَ لِي عَلَيْهِ، فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَهُ، وَقَالَ: مَنْ يَنْتَزِعُ مِنِّي مُلْكِي؟! أَنَا سَائِرٌ إِلَيْهِ وَلَوْ كَانَ بِالْيَمَنِ جِئْتُهُ، عَلَيَّ بِالنَّاسِ، فَلَمْ يَزَلْ جَالِسًا يُعَرِّضُ حَتَّى اللَّيْلِ، وَأَمَرَ بِالْخَيْلِ أَنْ تُنَعَّلَ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبِرْ صَاحِبَكَ مَا تَرَى، وَكَتَبَ إِلَى قَيْصَرَ يُخْبِرُهُ بِخَبَرِي فَصَادَفَ قَيْصَرَ بِإِيلِيَا، وَعِنْدَهُ دَحْيَةُ الْكَلْبِيُّ قَدْ بَعَثَهُ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا قَرَأَ قَيْصَرُ كِتَابَ الْحَارِثِ كَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ لَا تَسِرْ إِلَيْهِ وَالْهُ عَنْهُ وَوَافِنِي بِإِيلِيَا. قَالَ: وَرَجَعَ الْكِتَابُ وَأَنَا مُقِيمٌ، فَدَعَانِي وَقَالَ: مَتَى تُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى صَاحِبِكَ؟ قُلْتُ: غَدًا، فَأَمَرَ لِي بِمِائَةِ مِثْقَالٍ ذَهَبًا، وَوَصَلَنِي (مُرِيٌّ) بِنَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ، وَقَالَ: اقْرَأْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُ أَنِّي مُتَّبِعٌ دِينَهُ. قَالَ شُجَاعٌ: فَقَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: بَادَ مُلْكُهُ، وَأَقْرَأْتُهُ مِنْ مُرِيٍّ السَّلَامَ وَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : صَدَقَ. (فَصْلٌ) : وَنَحْنُ إِنَّمَا ذَكَرْنَا بَعْضَ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ الَّذِي آمَنُوا بِهِ، وَأَكَابِرَ عُلَمَائِهِمْ وَعُظَمَائِهِمْ، وَلَا يُمْكِنُنَا حَصْرَ مَنْ عَدَاهُمْ ، وَهُمْ جُمْهُورُ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ مُتَابَعَتِهِ إِلَّا الْأَقَلُّونَ، وَهُمْ: إِمَّا مُسَالِمٌ لَهُ قَدْ رَضِيَ بِالذِّلَّةِ وَالْجِزْيَةِ وَالْهَوَانِ، وَإِمَّا خَائِفٌ مِنْهُ. فَأَهْلُ الْأَرْضِ مَعَهُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: مُسْلِمُونَ لَهُ، وَمُسَالِمُونَ لَهُ، وَخَائِفُونَ مِنْهُ.

стр. 74

وَلَوْ لَمْ يُسْلِمْ مِنَ الْيَهُودِ فِي زَمَنِهِ إِلَّا سَيِّدُهُمُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَابْنُ سَيِّدِهِمْ، وَعَالِمُهُمْ وَابْنُ عَالِمِهِمْ، بِاعْتِرَافِهِمْ لَهُ بِذَلِكَ، وَشَهَادَتِهِمْ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، لَكَانَ فِي مُقَابَلَةِ كُلِّ يَهُودِيٍّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَكَيْفَ وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ مَنْ لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ. إِسْلَامُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ سَيِّدِ الْيَهُودِ وَنَحْنُ نَذْكُرُ قِصَّةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ. فَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، ﵃، قَالَ أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَقِيلَ: جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ فَاسْتَشْرَفُوا يَنْظُرُونَ، إِذْ سَمِعَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَهُوَ فِي نَخْلٍ لِأَهْلِهِ يَخْتَرِفُ لَهُمْ مِنْهُ، فَعَجَلَ أَنْ يَضَعَ الَّذِي يَخْتَرِفُ لَهُمْ فِيهَا، فَجَاءَ وَهِيَ مَعَهُ، فَسَمِعَ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَلَمَّا خَلَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيُّ اللَّهِ حَقًّا، وَأَنَّكَ جِئْتَ بِالْحَقِّ، وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْيَهُودُ أَنِّي سَيِّدُهُمْ وَابْنُ سَيِّدِهِمْ، وَأَعْلَمُهُمْ وَابْنُ أَعْلَمِهِمْ، فَادْعُهُمْ وَاسْأَلْهُمْ عَنِّي قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، فَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ قَالُوا فِي مَا لَيْسَ فِي. فَأَرْسَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ، وَيْلَكُمْ! اتَّقُوا اللَّهَ، فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولٌ حَقًّا، وَأَنِّي جِئْتُكُمْ بِحَقٍّ، أَسْلِمُوا.

стр. 75

فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ، فَأَعَادَهَا عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا وَهُمْ يُجِيبُونَهُ كَذَلِكَ. قَالَ: أَيُّ رَجُلٍ فِيكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ؟ قَالُوا: ذَاكَ سَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا، وَأَعْلَمُنَا وَابْنُ أَعْلَمِنَا، قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ؟، قَالُوا: حَاشَ لِلَّهِ مَا كَانَ أَنْ يُسَلِمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا ابْنَ سَلَامٍ، اخْرُجْ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ، وَيْلَكُمْ! اتَّقُوا اللَّهَ، فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَقًّا، وَأَنَّهُ جَاءَ بِالْحَقِّ، فَقَالُوا كَذَبْتَ، فَأَخْرَجَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا، مِنْ حَدِيثِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ بِقُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي أَرْضٍ لَهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ، مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ وَمَا يَنْزِعُ الْوَلَدَ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ؟، قَالَ: أَخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيلُ آنِفًا، (قَالَ: جِبْرِيلُ؟) قَالَ: نَعَمُ، قَالَ: ذَلِكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَخْرُجُ عَلَى النَّاسِ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ نَزَعَتْ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
следующие страницы →