تحرير المقال في موازنة الأعمال وحكم غير المكلفين في العقبى والمآل
للقاضي أبي طالب عقيل بن عطية بن أبي أحمد القضاعي الطرطوشي (المتوفى سنة ٦٠٨هـ/١٢١١م)
ومعه:
مراتب الجزاء يوم القيامة
لأبي عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي (المتوفى سنة ٤٨٨)
تحقيق: مصطفى باحُّو
стр. 2
المقدمة
بسم الله الرحمان الرحيم.
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله ﷺ .
أما بعد:
فهذان كتابان جليلان في مبحث عقدي مهم، يسر الله الوقوف عليهما وتحقيقهما.
- الأول: مراتب الجزاء يوم القيامة لأبي عبد الله الحميدي.
استللته من الآتي بعده.
- والثاني: تحرير المقال في موازنة الأعمال وحكم غير المكلفين في العقبى والمآل لعقيل بن عطية القضاعي.
جعله مصنفه كالشرح لكتاب الحميدي السابق، وتعقبه في أشياء كثيرة وخطَّأه في مسائل عديدة.
اشتمل على تقريرات هامة، وفوائد مهمة، قل أن تعثر عليها في كتاب، بل بعضها لا يوجد بالتفصيل الذي ذكر المصنف إلا في هذا الكتاب.
فقد أطال النفس في بيان أصناف الناس يوم القيامة وموازنة أعمالهم.
وأجاد في بيان أحكام أهل الفترة وخصوصا أهل الجاهلية الذين
стр. 3
بعث فيهم نبينا ﷺ ، وقسمهم أقساما، ونوعهم أنواعا.
وفصَّل في أحكام الأطفال يوم القيامة، وساق المذاهب في ذلك وناقشها قولا قولا.
وأسهب في تفصيل حكم غير المكلفين كالمجانين ونحوهم، وحكم الجن ويأجوج ومأجوج، وغير ذلك مما ستقف عليه مفصلا في كتابه.
وضمن ذلك توجيهات نفيسة لعدد من الآيات والأحاديث، وفوائد عديدة استطرد المصنف في بيانها، وتنبيهات لطيفة يعز أن ترى نظيرا لها في مصنف آخر.
وقديما قيل: كم ترك الأول للآخر، كما في الرفع والتكميل (٥١)(١).
وهذا جرد مختصر بأهم المسائل التي تعرض لها القضاعي في تحرير المقال، أقدمها تحفيزا لقارئ الكتاب، وتشويقا لمطالع هذا المصنف:
يتكون الكتاب من شطرين كبيرين:
الأول: في مناقشة الحميدي في كتابه الآنف الذكر.
стр. 4
والثاني: فصول زائدة استدركها القضاعي، لم يذكرها الحميدي.
أما الشطر الأول: فقد اعترض فيه القضاعي الحميدي في المسائل التالية:
جعل الحميدي المقربين هم النبيين والشهداء فقط، في حين رجح عقيل القضاعي أن المقربين هم الأنبياء والصدقون والشهداء والصالحون.
وجزم الحميدي بأن السماوات هي الجنات، ورد القضاعي عليه هذا، وبين خطأه فيه.
وصرح الحميدي بأن أرواح الأنبياء والشهداء الآن في الجنة، وحكى الإجماع على أن من سواهم ليسوا الآن في الجنة. وناقشه القضاعي في هذا.
ورد القضاعي على ابن حزم زعمه أن صنف "من يأخذ كتابه وراء ظهره" هم المؤمنون المذنبون الذين يخرجون من النار بالشفاعة، وبين بما لامزيد عليه أن أخذ الكتاب وراء الظهر هو صفة للكافر الذي يأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره.
أما صنف المذنبين من المؤمنين فيأخذونه بأيمانهم.
وعند القضاعي أصحاب اليمين هم الأبرار والمقربون، وهم جميع المؤمنين بما فيهم المذنبون.
وقسم الحميدي أصحاب اليمين ثلاثة أقسام: من رجح خيره على شره, ومن رجح شره على خيره, ومن استوى خيره وشره.
أما القضاعي فهذه الأقسام للمؤمنين جميعا, وليس لأصحاب اليمين فقط.
стр. 5
وقسم الحميدي صنف "من رجح شره على خيره" أربعة أقسام: كثير الخير كثير الشر، كثير الخير قليل الشر, قليل الخير قليل الشر، قليل الخير كثير الشر.
واعترضه الحميدي بأنه لا يدخل من هذه الأربعة في قسم من رجح شره على خيره إلا قسم واحد، وهو قليل الخير كثير الشر.
أما كثير الخير قليل الشر فلا يدخل.
وأما كثير الخير كثير الشر, وقليل الخير قليل الشر فهما صنف "من استوت حسناته وسيئاته".
وجعل الحميدي كثير الشر مقدما في الدخول في النار على القليل الشر، ويخرجان معا بعد القصاص.
وخطأه القضاعي في هذا, وبين أنه ظلم في حقه.
وقرر الحميدي أن الايمان يوزن في الميزان يوم القيامة, في حين منع ذلك القضاعي أي منع، وأطال في بيان ذلك بما لا طائل من ورائه.
وأهل الموازنة عند الحميدي أربعة أقسام:
١ - من رجحت حسناته, وهما صنفان.
٢ - من استوت سيئاته وحسناته.
٣ - من رجحت سيئاته على حسناته.
٤ - قسم الكفار.
стр. 6
أما القضاعي فالأصناف عنده خمسة:
١ - من عنده خير محض, كالأنبياء والرسل.
٢ - من عنده شر محض كالكفار والمشركين.
٣ - من غلب خيره على شره, وهم أصحاب اليمين، وهم أصناف.
٤ - من غلب شره على خيره, فهم في المشيئة, وهم قسمان:
- من يعفى عنه, وهذا يلتحق بقسم من غلب خيره.
- من يقتص منه ثم يدخل الجنة, وهم من جملة أصحاب اليمين من المؤمنين المذنبين.
وأما الشطر الثاني:
فزاد المصنف قسمين آخرين لم يذكرهما الحميدي مما يتعين الكلام عليهما في باب الموازنة:
القسم الأول فيمن لم يلزمه التكليف:
الباب الأول في حكم المجانين.
والباب الثاني في حكم أهل الفترة.
وجعلهم أربعة أقسام:
القسم الأول: قوم أدركوا الحق ببصيرتهم ووحدوا الله في جاهليتهم، من غير أن يكونوا متبعين لشريعة من تقدمهم كقُس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل.
فهؤلاء في الجنة.
стр. 7
القسم الثاني: قوم تدينوا بشريعة قائمة الرسوم مقررة الأحكام من الشرائع المتقدمة كمن تهود أو تنصر في الجاهلية.
فأما من تهود فمثل تبع أبي كرب وقومه من حمير.
وأما من تنصر من أهل الفترة فمثل أهل نجران وغيرهم.
وحكم هذا القسم أن كل من دخل من أهل الفترة في شريعة من الشرائع من قِبل نفسه فقد لزمته وصار من أهلها، وإن لم يكن مخاطبا بها قبل ذلك، وإذا لزمته فيحشر مع أهل تلك الشريعة ويسعه ما يسعهم من الثواب والعقاب.
القسم الثالث: هو من تعرض منهم إلى تغيير الشرائع ومخالفة الأنبياء في التوحيد أو اتبع غيره على ذلك كعمرو بن لحي.
وتكلم في هذا أثناء الفصل على مباحث عديدة، منها:
- الأصنام التي كان العرب يعبدونها.
- عبادة العرب للأصنام.
- عبادة العرب الحجارة في الجاهلية.
- جعل العرب الجن شركاء لله وأن الملائكة بنات الله.
- عبادة العرب للملائكة.
- تفسير ما غيره عمرو بن لحي من الدين.
- جعل العرب لآلهتهم شركا في أموالهم.
- وأدهم البنات.
- تحليلهم وتحريمهم بعض المطعومات.
стр. 8
- النسي في الشهور.
- استقسامهم بالأزلام.
- اختراع قريش أحكاما في الجاهلية وحمل العرب عليها.
ثم تكلم عن حكم أهل الجاهلية، وأطال بجلب مسائل نفيسة جدا لا يستغني عنها باحث في مسائل الشرك والكفر وحكم أهل الجاهلية.
وخلص في آخر هذا القسم إلى أن أهل هذا القسم كفار.
القسم الرابع من أهل الفترة: من لم يكن عنده توحيد ولا إشراك ولا دخول في شريعة نبي ولا تعرض لتغييرها ولا اختراع لدين, بل بقي عمره على حال غفلة وذهول عن ذلك كله, وقد نُقل أن في أهل الجاهلية من كان على هذه الوتيرة.
وهذا القسم عند القضاعي ليس عندهم ما يكذبون به ولا ما يصدقون, وبالتالي فهم من أهل الجنة.
الباب الثالث: في حكم من لم تبلغه الدعوة.
قرر القضاعي أنه لا يلزمهم التكليف ولا العقاب المترتب عليه, لأنه لا فرق بين من لم تبلغه الدعوة وبين أهل الفترة في المعنى.
ومن لم تبلغه الدعوة كما يتصور وجودهم في زمان النبي ﵇ كذلك يتصور وجودهم بعده إلى قيام الساعة.
ثم تعرض بالبحث ليأجوج ومأجوج وهل هم من أهل الفترة أم لا؟
ورجح كفرهم.
стр. 9
الباب الرابع: في حكم الصبيان والأطفال.
ذكر المذاهب في ذلك، وناقشها ورجح أنهم في الجنة.
وتكلم عن معنى فطرة واختلاف العلماء فيها، وفصل الكلام في معنى حديث "كل مولود يولد على الفطرة".
القسم الثاني: في الكلام على الجن.
وهو يحتوي على أربعة أبواب:
الباب الأول: في وجود الجن وكونهم أمة عاقلة مميزة.
الباب الثاني: في تكليف الجن في الأمم الخالية قبل الإسلام.
الباب الثالث: في كون الجن متعبدين بشريعة نبينا محمد ﵇.
الباب الرابع: في أقسام الجن وحكم موازنتهم.
وضمن هذا كله مباحث أخرى ومسائل متعددة استطرد في بيانها، مما لا يسع معه إلا مطالعة الكتاب بأسره واستخراج فوائده. والله الموفق بمنه وكرمه.
стр. 10
تمهيد
- صحة نسبة الكتاب لمؤلفه.
لاخلاف في صحة نسبة الكتاب لمؤلفه وكل من ترجم لعقيل القضاعي نسبه له.
منهم ابن الزبير الغرناطي قال في صلة الصلة (٤/ ١٧٠): وقفت له على تأليف سماه "فصل المقال في الموازنة بين الأعمال"، تكلم فيه مع أبي عبد الله الحميدي وشيخه أبي محمد بن حزم، فأجاد فيه وأحسن وأتى بكل بديع وأتقن.
ومنهم ابن فرحون في الديباج (٢/ ١٢٣).
ومنهم كحالة في معجم المؤلفين (٦/ ٢٩٠) وسماه: فصل المقال في الموازنة بين الأعمال.
ونسبه له كذلك الحافظ ابن حجر، حيث قال في الفتح (١١/ ٣٩٨): وفي حديث أبي أمامة في نحو حديث أبي سعيد: إن الله يقول لا يجاوزني اليوم ظلم ظالم، وفيه دلالة على موازنة الأعمال يوم القيامة، وقد صنف فيه الحميدي صاحب الجمع كتابا لطيفا، وتعقب أبو طالب عقيل بن عطية أكثره في كتاب سماه: تحرير المقال في موازنة الأعمال.
стр. 11
- النسخ المعتمدة ومنهج التحقيق:
اعتمدت في تحقيقي لهذا الكتاب على نسختين:
النسخة الأولى: محفوظة في الخزانة العامة بالرباط، رقم (١٠٩.ق)، وهي بخط أندلسي، كتبت في حياة المؤلف سنة ٦٠٣، وقرأت عليه ثلاث مرات، تتكون من ١٥٦ ورقة.
وهي نسخة متقنة إلا أن بها بترا في عدد من الصفحات الأولى، فأكمل البتر بخط مشرقي مغاير، وتركت بعض البياضات، أكملت بعضها من النسخة (ب)، وبقيت بياضات أخرى بسبب وقوع سقط كبير في النسخة (ب).
كما أن بعض من قام بجمع النسخة خلط بعض الأوراق وقدم وأخر في الصفحات، فقمت مستعينا بالنسخة الثانية بإرجاع الأمر إلى نصابه.
تتخلل النسخة إلحاقات عديدة على الهامش وعليها علامة التصحيح صح. وأغلبها ثابت في النسخة (ب)، ولهذا لم أر أن أذكر ذلك في الهوامش، إلا أن يكون سقط من النسخة (ب)، ففي هذه الحال أشير لذلك.
وقد جعلت هذه النسخة هي الأم ورمزت لها بـ: (أ).
النسخة الثانية: محفوظة في الخزانة العامة رقم (٦٥٢) وهي بخط مغربي إلا الصفحات الأولى فبخط أندلسي، تنقصها الورقة الأولى، وبها بتر في أسفل الثلاثين صفحة الأولى. ولم أشر لهذا البتر في الهوامش لكثرته.
تتكون من ٢٥٤ صفحة، عارية من اسم الناسخ وتاريخ النسخ، منقولة من نسخة كتبت سنة ٨٩١.
مسطرتها: ٢٨.٥/ ١٩.٥.
стр. 12
ورمزت لهذه النسخة بـ: (ب).
وقد اعتنيت بذكر الفروق بين النسختين مع ترجيح ما في (أ) غالبا.
وقابلت الكتاب جيدا على النسخة (أ) لجودتها وإتقانها وكونها قرأت على المؤلف، بخلاف النسخة (ب) فهي دونها في الجودة بكثير، وفيها سقط في مواطن عديدة كما نبهت عليه في الهوامش.
ونهجت في التعليق على الكتاب وتخريج أحاديثه منهج الاختصار، غير مخل بالفائدة المرجوة من التخريج وهي بيان الصحة والضعف، ولم أر الإسهاب في تتبع طرق الأحاديث وذكر الأسانيد، إلا إذا اقتضى المقام ذلك.
ولا يفوتني هنا أن أتوجه بالشكر لبعض إخواننا من طلبة العلم ممن أعانني على نسخ المخطوط. وقد قابلته بنفسي على النسختين عدة مرات، ولله الحمد. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 13
الصفحة الأولى من المخطوط (أ)
стр. 14
الصفحة الثانية من المخطوط (أ)
стр. 15
الصفحة الأخيرة من المخطوط (أ)
стр. 16
الصفحة الأولى من المخطوط (ب)
стр. 17
الصفحة الأخيرة من المخطوط (ب)
стр. 18
ترجمة عقيل القضاعي
هو: عقيل بن عطية بن أبي أحمد جعفر بن محمد بن عطية القضاعي من أهل طرطوشة يكنى أبا المجد وأبا طالب.
ولد بمراكش سنة: ٥٤٩هـ
روى بالأندلس عن أبي القاسم ابن بشكوال قرأ عليه وسمع منه، وعن أبي محمد بن عبيد الله الحجري، وأبي بكر بن الجد الحافظ، وأبي بكر بن خير، وأبي القاسم بن الحاج، وأبي القاسم بن حبيش، وأبي عبد الله بن الفخار، وأبي نصر فتح بن محمد القرطبي، وغيرهم.
وسمع منه: أبو جعفر بن الدلال وأبو الحسن بن منخل الشاطبي وغيرهم.
قال ابن الزبير في صلة الصلة (٤/ ١٧٠ - ١٧١): وكان نبيها متصرفا في فنون من العلم متقنا لها يتناوله من ذلك حسن التهدي وقفت له على تأليف سماه "فصل المقال في الموازنة بين الأعمال" تكلم فيه مع أبي عبد الله الحميدي وشيخه أبي محمد بن حزم، فأجاد فيه وأحسن وأتى بكل بديع وأتقن ... وهو من بيت علم وطلب ... وكان من ذوي المشاركة والتفنن في العلوم.
وقال ابن الأبار في التكملة لكتاب الصلة (٤/ ٣٣ - ٣٤): وكان من أهل الحفظ والإتقان والضبط، يبصر الحديث ويتقدم في صناعته، مع حسن الخط والمشاركة في الأدب. انتهى.
стр. 19
ألف عدة كتب منها:
شرح مقامات الحريري.
رد على ابن عبد البر في بعض تواليفه وتنبيه على أغلاطه.
ومنها هذا الكتاب، وسيأتي الحديث عنه.
ولي عقيل قضاء غرناطة وسجلماسة، وكان يكتب المناكح على القاضي ابن يربوع.
وتوفي بسجلماسة في صفر سنة ٦٠٨ هـ/ ١٢١١م، وقد قارب الستين سنة.
انظر ترجمته في: التكملة لكتاب الصلة لابن الأبار (٤/ ٣٣).
وصلة الصلة لابن الزبير الغرناطي (٤/ ١٧٠).
وأعلام مالقة لابن عسكر وابن خميس (٣٢٩).
والإحاطة في أخبار غرناطة (٤/ ٢٣٠).
والديباج المذهب لابن فرحون (٢/ ١٢٣).
وتاريخ الإسلام للذهبي (٤٣/ ٢٩٩).
والإعلام لعباس بن إبراهيم المراكشي (٩/ ٣١٨).
ومعجم المؤلفين لكحالة (٦/ ٢٩٠).
стр. 20
تحرير المقال
في موازنة الأعمال
وحكم غير المكلفين في العقبى والمآل
للقاضي أبي طالب عقيل بن عطية بن أبي أحمد القضاعي الطرطوشي
(المتوفى سنة ٦٠٨هـ/١٢١١م)
تحقيق: مصطفى باحُّو
стр. 21
[مقدمة المصنف]
(ق.٢.أ) بسم الله الرحمان الرحيم، صلى الله على النبي محمد وآله وسلم.
قال القاضي أبو طالب عقيل بن عطـ (ـية القضاعي) (١):
الحمد لله ( ... ) (٢) (كما يحـ) ـب (٣) ربنا ويرضى.
أما بعد، فإن أحد الطلبة رعاهم الله عرض علي كتابا، صنعه أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي ﵀ في الموازنة يوم القيامة وتقسيم أهلها وترتيب الجزاء من الثواب والعقاب عليها، وكان هذا الطالب المشار إليه معجبا بذلك الكتاب ومستحسنا لأغراضه، ومولعا بتقسيمه، وزاده كلفا به كون أبي محمد علي بن أحمد بن حزم ﵀ قد رواه عن مؤلفه.
كذلك ذكر أبو محمد في برنامجه، وذلك أنه قال: كتاب جمعه صاحبنا أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي في مراتب الجزاء يوم القيامة على ما جاءت به نصوص القرآن والسنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه دقق فيه وقرطس ما شاء، أخذته عنه لإحسانه فيه وجو (دة) (٤) نظره في تقسيمه، يكون بضع عشرة ورقة صغارا.
هذا مع أن الحـ (ـميدي) (٥) تلميذ لأبي محمد بن حزم، ومشهور بالاختصاص به والأخذ عنه.
стр. 22
ولم يمنع ذلك أبا محمد من رواية هذا الكتاب عنه، جريا على سنن أهل العلم في الإنصاف.
وقد ذكره الحميدي في كتاب جذوة المقتبس (١)، وأطنب في ذكره، حتى قال: وما رأينا مثله (٢).
وأكثر ما يحكي فيه، عنه أخذه وإليه أسنده.
وروى الحميدي أيضا بالأندلس عن أبي عمر بن عبد البر النمري (٣) وأبي العباس أحمد بن عمر بن أنس العذري (٤) وغيرهما، وكان من (أهل) (٥) جزيرة ميورقة، وأصله من قرطبة، ثم إن الحميدي ﵀ رحل عن الأندلس إلى بلاد المشرق في حياة شيوخه المتقدم ذكرهم، وكانت رحلته قبل الخمسين
стр. 23
والأربعمائة (١)، فسمع بمصر من أبي عبد الله القضاعي (٢) وأبي إسحاق الحبال (٣) وغيرهما.
وحج فلقي بمكة كريمة المروزية (٤) وغيرها.
وسمع بالشام والعراق، ثم استوطن بغداد إلى أن توفي بها سنة ثمان وثمانين (ق.٢.ب) وأربعمائة.
ومن شيوخه بها: أبو بكر بن ثابت الخطيب (٥)، والأمير أبو نصر بن ماكولا (٦).
وممن روى عنه هنالك: أبو نصر بن أبي مسلم النهاوندي، وأبو بكر محمد بن طرخان البغدادي (٧) وغيرهما.
стр. 24
وذكره الأمير أبو نصر بن ماكولا في كتابه (١) فقال: أخبرنا صديقنا أبو عبد الله الحميدي، وهو من أهل العلم والفضل والتيقظ، وقال: لم أر مثله في عفته ونزاهته وورعه وتشاغله بالعلم.
وروى عنه من أهل الأندلس أبو علي حسين بن محمد الصدفي (٢)، وأبو الحسن عباد بن سرحان المعافري (٣).
ووصفه أبو علي بالإتقان والدين.
وهذه الجملة في أخبار الحميدي نقلنا أكثرها من كتاب الصلة (٤) الذي أخذناه مشافهة (٥) عن مؤلفه أبي القاسم بن بشكوال ﵀.
ومنها ما أخذناه عن غيره من الشيوخ.
وأبو عبد الله الحميدي هذا هو صاحب الجمع بين الصحيحين (٦) ألفه ببغداد، وأُخذ عنه هنالك، وكذلك ألف بها تاريخه المسمى بجذوة المقتبس (٧).
стр. 25
ويذكر أن السبب في ذلك هو أن الأمير أبا نصر بن ماكولا كلفه أن يؤلف له مجموعا في ذكر علماء أهل الأندلس ليستعين به على غرضه، وكان الأمير إذ ذاك يؤلف كتاب الإكمال في المؤتلف والمختلف (١)، فصنعه الحميدي حينئذ.
ونظن أن هذا الذي ذكر صحيح، فإن الحميدي ذكر في أول كتابه أنه كُلف تأليفه (٢)، وعظم قدر من كلفه ذلك من غير أن يسميه، فجاء الكتاب نبيلا في معناه، غير أنه ذكر فيه حكايات ليس من شأن أهل العلم تخليد أمثالها في الأوراق، كقصة أحمد بن كليب (النحوي) (٣) وغيرها.
وما ذكرنا هذا كله عن الحميدي إلا ليعلم قدره من لم يقف على خبره، ويعرف أيضا من هو عالم به أنه لا يخفى علينا مكانه من العلم ولا مكانته عند العلماء.
لكن ليس ذلك بمانع أن يرد عليه بعض قوله، إذ لا ينبغي أن يؤخذ من قوله ومن قول غيره إلا ما وافق الحق، ونطرح ما عداه، ونحن لما نظرنا
стр. 26
الكتاب المبدأ بذكره، وتأملنا غرض مؤلفه فيه وجدناه غير مخلص ( ... ) (١) الأقسام التي عمد فيها إلى تنظير (٢) بعضها ببعض، تضمحل عند التحصيل، فتحققنا أن الحميدي أصابته غفلة فيه، وكذلك أصابت الغفلة أبا محمد بن حزم في استحسانه له وتصويبه لتقاسيمه.
وما ذاك منه إلا لأن كثيرا من مضمنه هو مذهبه، فغاب عنه ما وراء ذلك مما لو أمعن النظر فيه لم يخف عليه، وقد قال الحميدي في أول كتابه هذا: إن الأصل (في ذلك تلقاه الحميدي) (٣) من أبي محمد المذكور مشافهة حسبما يأتي ذكره، وهكذا وجدنا نحن في كتاب الفصل، من تأليف أبي محمد، (ق.٣.أ) أشياء موافقة لما ذكره الحميدي في هذا الكتاب، مما نرى أن الحق في خلافه.
فكان هذا كله داعية لنا إلى تتبع ما في كتاب الحميدي وانتقاده وإبراز (٤) ما يصح من أمر الموازنة في الآخرة، وتقسيم أهلها بحسب مفهوم الشريعة، ووضع ذلك كله في هذا الكتاب الذي تحرينا الحق جهدنا في مضمنه، ونقحنا الكلام المودع فيه (٥).
стр. 27
هذا مع أنه قد تضمن أشياء زائدة على ذكر الموازنة، لأنا لما بنيناه على كتاب الحميدي، وكان المقصود به عند مؤلفه مسألة الموازنة وما كان من غير ذلك فإنما هو عنده في حكم التبع تبعناه في ذلك، إذ شرطنا ذكر كلامه أولا ثم التكلم عليه ثانيا.
وقد رأينا أن نفصل بين كلامنا وكلامه، بحيث يمتاز أحدهما من الآخر، وذلك بأن ننقل كلامه بلفظه، فإذا كمل أردفنا عليه فصلا أو فصولا متتابعة من كلامنا لتحسين ما قاله أو لانتقاده وتبيين (١) وهمه، أو لتتميم معناه إن أخل به، أو لتقسيم حاصر لما يقصد به، أو لإيراد ما يليق بذلك الموضع مما لم يلم هو به، أو ألم به على وجه آخر (٢).
فإذا كمل ذلك رجعنا إلى نقل لفظه أيضا، ثم عدنا إلى تلك الفصول كذلك، حتى يفرغ مقصودنا بحول الله في هذا الكتاب، ولم نترك من كلام الحميدي في كتابه المذكور شيئا، بل سقناه على ما هو عليه، بحيث لو شاء ناقل أن ينقل كتابه من المواضع التي ذكرناه فيها، فيها حتى يُختزل برأسه عن مجموع هذا الكتاب أمكنه ذلك.
والذي بنى الحميدي عليه مسألة الموازنة بعد صدر من كتابه هو حديث أنس بن مالك في الشفاعة (٣)، غير أنه لم يقف عند نصه، بل أقحم فيه
стр. 28
عند الكلام عليه ما ليس منه (١)، واعتقد أنه في نص الحديث على ما سيأتي ذكره في موضعه، ويأتي في الكتاب بحول الله تبيين (٢) ما عسى أن يرد عليه أو على أبي محمد بن حزم، إذا دعت إلى ذلك داعية، فإن كلامنا في هذا الكتاب إنما هو مع هذين الرجلين، أحدهما بالاختراع والتأليف، والثاني بالاستحسان والتصويب.
فعلى الحقيقة إذا رددنا على الحميدي في شيء ما تطرق ذلك إلى الرد على أبي محمد بن حزم، هذا إذا لم يوجد لأبي محمد فيه كلام.
وأما ما نص عليه فسيكون الرد على الحميدي فيه بحكم التبع، لأن ابن حزم من أهل النظر في الجملة، وأما الحميدي فإنما هو من أصحاب الحديث، وإن كان من أهل التحذق فيهم.
ثم إنا لما فرغنا من التكلم مع الحميدي فيما تضمنه كتابه، أردفنا عليه قسمين، لم يلم بذكرهما ويحسن التنبيه (٣) عليهما والكلام فيهما:
القسم الأول: حكم المجانين وأهل الفترة ومن لم تبلغه الدعوة، وهؤلاء وإن لم تكن لهم موازنة في الجملة فلابد من حشرهم يوم القيامة، (ق.٣.ب) ولابد لهم من حكم فيه، ومن هذا القسم (هم) (٤) الأطفال بجملتهم، أعني أولاد المسلمين وأولاد المشركين.
стр. 29
ويلزم الحميدي دخول هؤلاء الأصناف الأربعة بالعموم في قوله أول الكتاب: (قد صح النص على أن جميع ولد آدم يوم القيامة على ثلاث طبقات)، إذ المجانين ومن ذكرنا معهم هم من بني آدم وليسوا من الطبقات الثلاث، لأن النص الذي ذكر إنما هو ما جاء في سورة الواقعة من قوله تعالى: ﴿وكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً﴾ [الواقعة: ٧].
ولا ريب في أن الله سبحانه إنما خاطب بذلك المكلفين من بني آدم، إذ هم المستحقون للثواب والعقاب المترتبين على السعادة والشقاوة، وذلك بحسب إيمانهم وتصديقهم أو كفرهم وتكذيبهم.
وبالكلام على الأصناف الأربعة المتقدم ذكرهم، وعلى ما تضمنه كتاب الحميدي من حكم المكلفين، وانقسامهم إلى ما انقسموا إليه يتم الكلام على جميع ولد (١) آدم في المعنى المقصود بهذا الكتاب، ويتبين من مجموع ذلك حكم الموازنة فيمن تلزمه منهم أو تسقط عنه، ثم من تسقط عنه ممن لا يلزمه التكليف يتقرر في جميعهم بالنظر إلى قانون الشرع ما يكون مآلهم إليه في الآخرة.
والقسم الثاني: حكم الجن في القيامة، إذ هم أمة يلزمهم التكليف، وإذا لزمهم التكليف ترتب عليه الجزاء، فلم يكن لهم بد من الموازنة لانقسامهم إلى من يستحق الثواب والعقاب، وتفضيل بعضهم على بعض فيهما كما كان ذلك لبني آدم.
стр. 30
إذ لا فرق بين الصنفين في كون الشرائع لازمة لهما، ولذلك خاطبهما الله تعالى في تقرير التكليف لهما وإقامة الحجة عليهما خطابا واحدا فقال: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ الآية. [الأنعام: ١٣٠].
ونحن بحول (١) الله نورد من الكلام على هذين القسمين ما يتمم المقصود ويكمل المطلوب، مما حررنا القول فيه، وتحرينا الصواب فيما يحويه، على النحو الذي سلكناه في جملة الكتاب، وسميناه لذلك كتاب " تحرير المقال في موازنة الأعمال، وحكم غير المكلفين في العقبى والمآل".
لتكون هذه الترجمة تحتوي على مقصود الكتاب في الجملة، إذ لا يخرج عنها إلا ما يندرج في تضاعيف الكلام مما يستدعيه القول ويوجبه النظر، وأكثر ذلك إنما هو في (التكلم على) (٢) كتاب الحميدي، مثل تعيين المقربين، وما احتوى الكلام فيهم من أشياء مخترعة هنالك، وما شاكل ذلك مما نبهنا على جملته قبل، إذ قلنا: إن كلام الحميدي اقتضى التبعية له فيما ألم به.
وقد يطرأ في أثناء ذلك ما عسى أن تدعو الضرورة إلى التكلم (ق.٤.أ) عليه مثل كلامنا مع أبي محمد بن حزم في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ﴾ الآية [الانشقاق: ١٠]، هل المقصود بها الكافر أو المذنب من
стр. 31
المؤمنين، وغير هذا مما يقف الناظر عليه عند المطالعة، ولعله لا يجد في المعنى الذي نصمد إليه في الشرح والتبيين أجلى منه، ولا أبعد من الاعتراض فيه.
وهانحن نبتدئ كتابنا هذا على ما بنيناه عليه، واشترطناه فيه، والله الموفق للصواب.
стр. 32
نقل اللفظ:
قال أبو عبد الله الحميدي: الحمد لله على ما وهب من فضله وخص من جميل صنعه وطوله، وصلى الله على محمد عبده ورسوله وسلم تسليما، أما بعد.
قَسَم الله لك من الخير أكملَه قسما، وأوفره نصيبا، وزادك من آلائه، وأوتر عليك من نعمائه، فإنك أشرت إلي فيما جرى في مجلس شيخنا أبي محمد (١)، يعني ابن حزم، أدام الله توفيقه من مسألة الموازنة، وتقسيم طباق أهلها، ورغبت أن أقيدها لك بدقتها، وأثبتها بحقائقها وكثرة أقسامها لنبوء أكثر الأفهام عنها دون تقييد ولا إثبات.
وأنا إن شاء الله تعالى واقف عند ما أشرت به وآخذ فيما رغبت فيه، مستوعبا لكل ما توجبه القسمة وتقتضيه الرتبة، مما تنتَّج لي وظهر إلي بعدُ، حسبما أفهمنيه الله تعالى، وأقدرنيه عليه، وإن كان أصله ما نبه عليه شيخنا أبو محمد أعزه الله في ذلك المجلس (٢).
стр. 33
فلا غرو، فالكلمة الواحدة تقتضي معاني كثيرة، والجنس المفرد يعم أنواعا عظيمة، والأصل الواحد ينتج فروعا جمة، وستقف في كل ذلك على البرهان فيه على نحو ما التزمناه عقدا وقولا، ولله تعالى الحمد بدءا وعودا، وبه نستعين لا إله إلا هو.
وهذا حين نأخذ في سبيل ذلك ونبين حقيقة مذهبنا فيه، وظهور برهاننا له (١) إن شاء الله، فنقول وبالله التوفيق:
قد صح النص على ما نبين بعد هذا أن جميع ولد آدم ﵇ عند الله تعالى على ثلاث طبقات: الأولى هم المقربون، وهم النبيون ﵈ والشهداء فقط.
وهؤلاء ناهضة (٢) أرواحهم إلى الجنة إثر خروجها من أجسامهم عن هذا العالم الذي نحن فيه، وبرهان ذلك أنه لم يختلف مسلمان في أن الأنبياء ﵈ الآن في الجنة، وكذلك الشهداء.
وقد صح هذا بالنص، وأخبر رسول الله ﷺ (٣) أنه رأى الأنبياء
стр. 34
عليهم السلام في ليلة الإسراء به (١): آدم في سماء الدنيا، ويحيى وعيسى ﵉ في الثانية، ويوسف ﵇ في الثالثة، وإدريس ﵇ في الرابعة، وهارون ﵇ في الخامسة، وموسى وإبراهيم ﵉ في السادسة والسابعة (٢).
وبهذا قطعنا على أن السماوات هي الجنات ضرورة لصحة الإجماع على أن أرواحهم في الجنة من الآن، ومن المحال أن يكونوا في مكانين مختلفين في وقت واحد، وكذلك جاء النص أيضا في الشهداء من طريق ابن مسعود وغيره، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٩].
وإذا صح أن الشهداء في الجنة فمن المحال أن يكون أحد في أفضل مرتبة وأعلى محلة من الأنبياء ﵈ فصح أنهم متقدمون في هذه المنزلة ومستأهلون لها لا يجوز غير ذلك، انتهى كلامه.
стр. 35
فصل
هذا الحديث الذي أشار إليه الحميدي هو حديث الإسراء، رواه بطوله أنس بن مالك.
فمن رواته من جعله عنه عن النبي ﵇ من غير واسطة (١)، ومنهم من رواه عن أنس عن أبي ذر عن النبي ﷺ (٢)، ومنهم من رواه عن أنس عن مالك بن صعصعة عن النبي ﵇ (٣).
وهذه الطرق كلها في الصحيح.
وترتيب الأنبياء في الحديث هو كما ذكره الحميدي، إلا أن قوله: (وموسى وإبراهيم ﵉ في السادسة والسابعة)، إنما تحفَّظ بذلك من الخلاف الذي روي في طرق الحديث، فإن في بعضها: إن موسى في السادسة وإبراهيم في السابعة (٤).
стр. 36
وفي بعضها: إن إبراهيم في السادسة وموسى في السابعة (١).
والأول أكثر، وذلك -والله أعلم- هو الصواب (٢).
وأما قول الحميدي في ابتداء كلامه: (قد صح النص على أن جميع ولد آدم على ثلاث طبقات) فإنما يعني به المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، وهم المذكورون في سورة الواقعة، وسيأتي له ذكر ذلك، وقد تقدم أن قوله هذا معترض بالمجانين وغيرهم من حيث عم جميع ولد آدم وجعلهم من الثلاث الطبقات (٣)، فلو قال: قد صح النص على أن المكلفين من بني آدم على ثلاث طبقات لكان قولا صحيحا.
وأما قوله عن المقربين إنهم النبيؤون والشهداء فقط، واقتصاره في تفسير المقربين على الصنفين لاغير فنحن ننازعه في ذلك، إذ لم يستند فيه إلى توقيف، ولا نعلم أن أحدا سبقه إلى هذا القول إلا شيخه أبا محمد بن حزم.
стр. 37
(تفسير معنى السابقين) (١)
فلنذكر أقوال أهل التفسير في الآية أولا، ثم نعترض على ذلك القول ثانيا، ثم نذكر ما ارتضيناه في تعيين المقربين مما ظهر لنا فيه ثالثا، ثم نكر على ما احتج به الحميدي فيما بقي من قوله فنتكلم عليه رابعا بحول الله.
فنقول: أما أقوال أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ المُقًرَّبُون﴾ [الواقعة: ١٠] فمختلفة.
قال الحسن البصري: هم أصحاب نبينا ﵇، وأصحاب الأنبياء صلوات الله عليهم قبله.
وقال ابن سيرين: هم الذين صلوا القبلتين (٢).
وقال الفراء: هم المهاجرون وكل من سبق إلى نبي من الأنبياء فهو من هؤلاء.
وقال قتادة: هم من كل أمة (٣).
وقال مجاهد: هم السابقون إلى الجهاد، وأول الناس رواحا إلى الصلاة. (٤)
стр. 38
وفي التفسير المنسوب إلى ابن عباس قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] يريد الذين سبقوا إلى توحيد الله والإيمان به وبرسوله (ق.٥.أ) كما قال في سورة براءة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة: ١٠٠] أولئك هم المقربون يريد مثل النبيين والمرسلين، انتهى ما ذكره فيه.
وقال الزجاج: هم السابقون إلى طاعة الله والتصديق بأنبيائه (١).
وقال ابن سلام في تفسيره: هم السابقون من أصحاب الميمنة، وأصحاب الميمنة هم جميع أهل الجنة، وهم أصحاب اليمين، فأهل الجنة صنفان: السابقون، وأصحاب اليمين الذين ليسوا من السابقين، وهم الذين يحاسبون حسابا يسيرا. (٢)
وكل ما تقدم نقلنا جملته من تفسير ابن سلام، وتفسير ابن عباس، ومعاني القرآن للفراء، والزجاج، والنحاس، ومن الهداية لمكي (٣)، والتحصيل للمهدوي (٤)، وعند بعضهم في ذلك ما ليس عند الآخرين. (٥)
стр. 39
وفي الهداية والتحصيل: إنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: «السابقون الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سُئلوه بذلوه، وحكموا للناس حكمهم لأنفسهم» (١).
وهذا الحديث لا نعلم متنه ولا إسناده، ومع ذلك فليس فيه إلا صفة السابقين لا تعيينهم.
فهذا هو الاختلاف الموجود لهم في تفسير الآية، وخرج من ذلك أن السابقين الذين هم المقربون، من المفسرين من يقول: إنهم أصحاب الأنبياء ﵈، أخذ ذلك من لفظ السبق، بأن كان أولئك هم المبادرون إلى الإيمان بهم والتصديق لهم.
ومنهم من قصر ذلك على أصحاب النبي ﵇ فجعل الآية فيهم خاصة.
ومنهم من خصص بعض أصحاب النبي ﵇ فجعلهم المهاجرين أو من صلى القبلتين من الصحابة.
ومنهم من جعل السابقين من كل أمة دون أن يقتصر بهم على أصحاب الأنبياء.
واعتبر مجاهد السبق إلى الجهاد والسبق إلى الصلاة.
وأما ابن سلام ففسر السابقين باعتبار أهل الجنة، وذلك يقتضي استغراق كل من هو سابق من أول الدنيا إلى قيام الساعة.
стр. 40
وهو قول سديد غير أنه ليس فيه تعيين السابقين.
فإن قيل: فإذا كان الاختلاف موجودا بين المفسرين في الآية، ولم يصح عن النبي ﷺ (١) في ذلك شيء يوقف عنده، بل من قال من المفسرين في ذلك قولا: إنما قاله بما أداه إليه اجتهاده، فما الذي يمنع غيرهم من العلماء أن يقولوا ما ظهر لهم فيه.
وإذا كان الأمر كذلك فلا درك على الحميدي ولا على ابن حزم قبله فيما قالا في ذلك. (ق.٥.ب)
قلنا: نحن لا ننكر على من يقول قولا، أداه إليه اجتهاده، بدليل قام عنده عليه، سواء كان ذلك الدليل صحيحا أو معترضا لا يشعر هو بالاعتراض فيه، لكن (يجب أن) (٢) ينظر الدليل في نفسه، فإن كان صحيحا (٣) صحح قوله، واستحسن مذهبه، وإن كان معترضا اعترض عليه بما يكون قدحا فيه حتى يترك ذلك القول عن ثلج صدر بتركه.
وإنما قصدنا بنقل (أقوال) (٤) المفسرين هاهنا أن يعلم اختلافهم في الآية، وكونهم لم يقتصروا على تأويل واحد فيها.