← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 22712

تحرير المقال في موازنة الأعمال وحكم غير المكلفين في العقبى والمآل

عقيل القضاعي

Полный текст (838 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وفي بعضها: إن إبراهيم في السادسة وموسى في السابعة (١). والأول أكثر، وذلك -والله أعلم- هو الصواب (٢). وأما قول الحميدي في ابتداء كلامه: (قد صح النص على أن جميع ولد آدم على ثلاث طبقات) فإنما يعني به المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، وهم المذكورون في سورة الواقعة، وسيأتي له ذكر ذلك، وقد تقدم أن قوله هذا معترض بالمجانين وغيرهم من حيث عم جميع ولد آدم وجعلهم من الثلاث الطبقات (٣)، فلو قال: قد صح النص على أن المكلفين من بني آدم على ثلاث طبقات لكان قولا صحيحا. وأما قوله عن المقربين إنهم النبيؤون والشهداء فقط، واقتصاره في تفسير المقربين على الصنفين لاغير فنحن ننازعه في ذلك، إذ لم يستند فيه إلى توقيف، ولا نعلم أن أحدا سبقه إلى هذا القول إلا شيخه أبا محمد بن حزم.

стр. 37

(تفسير معنى السابقين) (١) فلنذكر أقوال أهل التفسير في الآية أولا، ثم نعترض على ذلك القول ثانيا، ثم نذكر ما ارتضيناه في تعيين المقربين مما ظهر لنا فيه ثالثا، ثم نكر على ما احتج به الحميدي فيما بقي من قوله فنتكلم عليه رابعا بحول الله. فنقول: أما أقوال أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ المُقًرَّبُون﴾ [الواقعة: ١٠] فمختلفة. قال الحسن البصري: هم أصحاب نبينا ﵇، وأصحاب الأنبياء صلوات الله عليهم قبله. وقال ابن سيرين: هم الذين صلوا القبلتين (٢). وقال الفراء: هم المهاجرون وكل من سبق إلى نبي من الأنبياء فهو من هؤلاء. وقال قتادة: هم من كل أمة (٣). وقال مجاهد: هم السابقون إلى الجهاد، وأول الناس رواحا إلى الصلاة. (٤)

стр. 38

وفي التفسير المنسوب إلى ابن عباس قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] يريد الذين سبقوا إلى توحيد الله والإيمان به وبرسوله (ق.٥.أ) كما قال في سورة براءة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة: ١٠٠] أولئك هم المقربون يريد مثل النبيين والمرسلين، انتهى ما ذكره فيه. وقال الزجاج: هم السابقون إلى طاعة الله والتصديق بأنبيائه (١). وقال ابن سلام في تفسيره: هم السابقون من أصحاب الميمنة، وأصحاب الميمنة هم جميع أهل الجنة، وهم أصحاب اليمين، فأهل الجنة صنفان: السابقون، وأصحاب اليمين الذين ليسوا من السابقين، وهم الذين يحاسبون حسابا يسيرا. (٢) وكل ما تقدم نقلنا جملته من تفسير ابن سلام، وتفسير ابن عباس، ومعاني القرآن للفراء، والزجاج، والنحاس، ومن الهداية لمكي (٣)، والتحصيل للمهدوي (٤)، وعند بعضهم في ذلك ما ليس عند الآخرين. (٥)

стр. 39

وفي الهداية والتحصيل: إنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: «السابقون الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سُئلوه بذلوه، وحكموا للناس حكمهم لأنفسهم» (١). وهذا الحديث لا نعلم متنه ولا إسناده، ومع ذلك فليس فيه إلا صفة السابقين لا تعيينهم. فهذا هو الاختلاف الموجود لهم في تفسير الآية، وخرج من ذلك أن السابقين الذين هم المقربون، من المفسرين من يقول: إنهم أصحاب الأنبياء ﵈، أخذ ذلك من لفظ السبق، بأن كان أولئك هم المبادرون إلى الإيمان بهم والتصديق لهم. ومنهم من قصر ذلك على أصحاب النبي ﵇ فجعل الآية فيهم خاصة. ومنهم من خصص بعض أصحاب النبي ﵇ فجعلهم المهاجرين أو من صلى القبلتين من الصحابة. ومنهم من جعل السابقين من كل أمة دون أن يقتصر بهم على أصحاب الأنبياء. واعتبر مجاهد السبق إلى الجهاد والسبق إلى الصلاة. وأما ابن سلام ففسر السابقين باعتبار أهل الجنة، وذلك يقتضي استغراق كل من هو سابق من أول الدنيا إلى قيام الساعة.

стр. 40

وهو قول سديد غير أنه ليس فيه تعيين السابقين. فإن قيل: فإذا كان الاختلاف موجودا بين المفسرين في الآية، ولم يصح عن النبي ﷺ (١) في ذلك شيء يوقف عنده، بل من قال من المفسرين في ذلك قولا: إنما قاله بما أداه إليه اجتهاده، فما الذي يمنع غيرهم من العلماء أن يقولوا ما ظهر لهم فيه. وإذا كان الأمر كذلك فلا درك على الحميدي ولا على ابن حزم قبله فيما قالا في ذلك. (ق.٥.ب) قلنا: نحن لا ننكر على من يقول قولا، أداه إليه اجتهاده، بدليل قام عنده عليه، سواء كان ذلك الدليل صحيحا أو معترضا لا يشعر هو بالاعتراض فيه، لكن (يجب أن) (٢) ينظر الدليل في نفسه، فإن كان صحيحا (٣) صحح قوله، واستحسن مذهبه، وإن كان معترضا اعترض عليه بما يكون قدحا فيه حتى يترك ذلك القول عن ثلج صدر بتركه. وإنما قصدنا بنقل (أقوال) (٤) المفسرين هاهنا أن يعلم اختلافهم في الآية، وكونهم لم يقتصروا على تأويل واحد فيها.

стр. 41

فكما ساغ لابن حزم والحميدي أن يتأولا في الآية (١) تأويلا يخالفان فيه سائر المفسرين، فكذلك يسوغ لنا أن نتأول فيها تأويلا يقع اختيارنا عليه بدلائل صحيحة، وإن كان في ذلك خلاف لهما ولغيرهما. وسنذكر تأويلنا فيما بعد إن شاء الله بعد أن نعترض على ذلك القول كما قدمنا.

стр. 42

فصل (مقام الصديقين فوق مقام الشهداء) (١) قصر الحميدي ﵀ في كلامه المتقدم تعيين المقربين على الأنبياء والشهداء، وهو معترض، إذ ينتقض قوله بالصديقين. فإن ظاهر الشرع يقتضي أن يكون مقام الصديقين فوق مقام الشهداء، ولا يلزم أحدا من المفسرين فيما نقلناه عنهم هذا الاعتراض، فإنه ما من قول من تلك الأقوال إلا وهو صالح لأن يدخل الصديقون وغيرهم فيه. فإن قيل: ما الدليل على كون مقام الصديقين فوق مقام الشهداء؟. قلنا: ظواهر الشريعة من الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُول َ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]. فقدم الصديقين على الشهداء، وذلك يدل على فضلهم عليهم، فقد قدم النبي ﵇ الصفا في الطواف على المروة بتقديم الله له، وذلك يدل

стр. 43

منه ﷺ (١) على ملاحظة التفضيل بالبداءة حيث فعل ذلك، وقال: «نبدأ بما بدأ الله به» (٢)، وفي رواية، «ابدؤوا بما بدأ الله به»، على الأمر. وقد احتج أبو محمد بن حزم في كتابه بهذه الرواية. وإذا أمرنا أن نبدأ بما بدأ الله به فنحن نفعل ذلك، فكما نجعل الأنبياء فوق الصديقين، والشهداء فوق الصالحين، فكذلك نجعل الصديقين فوق الشهداء للترتيب الذي رتبهم الله عليه. وكذلك قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٩]. هذا إن كان الشهداء في هذه الآية هم الذين قتلوا في سبيل الله، إذ ذلك (٣) محتمل فيهم.

стр. 44

والاحتمال الثاني أن يكون الشهداء هاهنا بمنزلة قوله: ﴿لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة ١٤٣]. والأول أظهر. وهكذا فعل النبي ﵇ إذ صعد الجبل هو وأبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم فإنه قال: «اثبت أحد، فما عليك إلا نبي وصديق وشهيد» (١)، فقدم الصديق على الشهيد في اللفظ، كما هو مقدم عليه في المعنى، إذ مقام أبي بكر فوق مقام عمر وعثمان بلا إشكال. ومما يدل على شرف مقام الصديقين وعظم قدر من اتصف بالصديقية أن لفظ الصديق ورد في مدح الأنبياء ﵈، ووصفوا به على جهة الثناء عليهم، قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيم َ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً﴾ [مريم: ٤١]، وقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً﴾ [مريم: ٥٦]، وقال سبحانه: ﴿يُُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ [يوسف: ٤٦]. وقال: في مريم ﵍: ﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَة﴾ [المائدة: ٧٥]. ولا يخفي على من عنده (أدنى) (٢) شيء من العلم أن مقام إبراهيم صلوات الله عليه -وقد وصفه الله تعالى بالصديقية والنبوة- فوق مقام زكريا وابنه يحيى ﵉، وقد جمع الله لهما النبوة والشهادة.

стр. 45

ولهذا قال بعض الأولياء: ليس بعد النبوة منزلة أقرب إليها من الصديقية. ولما تكلم مكي بن أبي طالب في الهداية (١) على قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣ - ١٤]، وذكر عن الحسن أن قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ١٣]، يعني الأمم الماضية، وقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾ يعني أمة محمد ﵇ (٢). قال (٣): وقيل عنى بذلك النبيين والمرسلين ومن يشبههم من الصديقين، فقال: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٤]، لأن الأنبياء والمرسلين كانوا في الأولين دون الآخرين. هكذا قال: (ومن يشبههم من الصديقين)، حاكيا عن من قال ذلك، إذ شعر بعلو مقامهم وقربهم من النبيين. ولا شك أن الشهداء يلونهم في المرتبة كما رتبهم الله تعالى. وقد قال سهل بن عبد الله (٤): سبق الأنبياء إلى الإيمان بالله، والصديقون والشهداء إلى الإيمان بالأنبياء.

стр. 46

(معنى الصديق) (١) فإن قيل: أما الشهيد فمعلوم، فما معنى لفظ الصديق؟ وعلى من يطلق (ق.٦.ب) هذا الاسم من أهل الإيمان؟. قلنا: الصديق وزنه فعيل، وهو من أبنية المبالغة، وأكثر ما يستعمل في المدح والذم: - فمن المدح: رجل صديق. - ومن الذم: رجل فسيق. وفي الحديث: «إن أبا سفيان رجل مسيك» (٢). وله أمثلة في اللغة من غير ذلك، منها قولهم: رجل سكيت، إذا كثر سكوته. وكذلك الصديق معناه: من كثر منه الصدق، قال ﷺ : «لا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكون صديقا» (٣).

стр. 47

وإنما كان الصدق كذلك لأنه أصل لسائر أعمال البر، وأعني بذلك: الصدق على الإطلاق، وليس هو مقصورا على صدق اللسان في باب الأخبار، بل ينقسم إلى صدق في الأقوال، وصدق في الأفعال، وصدق في الأحوال. فأما الصدق في الأقوال فيقدر عليه أكثر المسلمين في مخاطبتهم ومحاورتهم فيما بينهم، وذلك سهل على من لم يتعود الكذب، وإنما الشأن في صدق الأقوال مع الله ، فإن ذلك لا يقدر عليه إلا أفراد (١) من المؤمنين ممن امتحن الله قلوبهم للتقوى، فيجعلون أعمالهم موافقة لأقوالهم. ومثال ذلك ما قاله بعض العلماء في من كان عبدا حقا لله تعالى، بأن ترك ماعداه وأقبل بكليته عليه أنه إذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] صدق هذا القول منه يوم القيامة، ومن كان عبدا لهواه أو لدنياه لم يصدق في حقه قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥]. ولذلك قال ﷺ : «تعس عبد الدينار وعبد الدرهم» (٢) فجعله عبدا لهما، إذ (٣) كان مشغوفا بهما وحريصا على جمعهما. وأما الصدق في الأفعال فمثاله الوفاء بالعهد والوقوف عند الوعد، فقد أثنى الله تعالى على إسماعيل نبيه ﵇ بأنه كان صادق الوعد.

стр. 48

ولما فسر الله تعالى البر بالإيمان، وذكر أفعالا مقترنة معه وهي إنفاق المال وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهد والصبر في البأساء والضراء وحين البأس، قال في المتصفين بذلك كله آخر الآية: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [البقرة: ١٧٧]. وقال في قوم آخرين: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ﴾ [محمد: ٢١]، أي: فلو صدقوا الله في أفعالهم لكان خيرا لهم. ووصف سبحانه المؤمنين الذين لم يرتابوا في إيمانهم وجاهدوا في سبيل الله بأنهم الصادقون. (ق.٧.أ) وقال تعالى في من جعل على نفسه من المؤمنين عهدا لله في المبالغة في الجهاد فوفوا بعهدهم يوم أحد بأن قاتلوا قتالا شديدا حتى استشهد بعضهم: ﴿مِِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْه ِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. وذم تعالى من كان بعكس ذلك ممن عاهد الله فلم يف بعهده، فقال: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ، وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [التوبة: ٧٥] إلى قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ [التوبة: ٧٧]. وأما الصدق في الأحوال فيكون ذلك في مقامات الدين كالخوف والتوكل والصبر وغيرها، وما من مقام منها إلا وهو محتاج إلى الصدق فيه. ولنضرب المثال بالخوف، فنقول: كل مؤمن يخاف الله تعالى في

стр. 49

الجملة، وبذلك يتأتى منه ما يتأتى من الطاعات وغيرها سواء كان ذلك قليلا أو كثيرا، لكن الخوف يتفاضل فيه الناس، فمنهم من يكون معه خوف ضعيف، لا يكون فيه من القوة بحيث يترك صاحبُه الآثام. ومنهم من يكون عنده خوف أقوى من ذلك فيحجزه عن المعاصي والذنوب، وذلك أقل فائدة الخوف. ومنهم من يكون عنده خوف شديد يغلب عليه ويستولي على خاطره حتى يكون كالمدهوش، أو كالذي جُلس للقتل، كما يحكى عن بعضهم أنه لم يضحك أربعين سنة (١)، وعن آخر أنه كان أبدا كأنه جالس على شفير جهنم، فمن كان بهذه الحال كان مقامَه الخَوفُ، وعُبر عنه بأنه صادق في حاله، ويقال عن مثل هذا الخوف: هذا هو الخوف الصادق، أي الذي بلغ الغاية كما يقال: هذه شهوة صادقة، أي قوية، وهذا خل صادق الحموضة، إذا كانت شديدة. وكذلك الصدق في الإخلاص هو أعلى مراتب الإخلاص، والإخلاص هو الذي لا يتطرق إليه تغيير ولا يشوبه تكرير، فمعنى الصدق فيه أن تكون سريرة المخلص خيرا من علانيته.

стр. 50

وبالجملة فالصدق من أعلى مقامات المقربين، لأن فيه الانقطاع عن الخلق والانفراد بالخالق. ولذلك قال بشر بن الحارث: من عامل الله تعالى بالصدق استوحش (١) من الناس (٢). وقال يوسف بن أسباط: لأن أبيت ليلة واحدة أعامل الله تعالى بالصدق أحب إلي من أن أضرب بسيفي في سبيل الله. (٣) وهذا ينظر (ق.٧.ب) إلى قول أبي الدرداء: ألا أخبركم بخير أعمالكم لكم. الحديث. وفيه: وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم، قالوا: بلى، قال: ذكر الله. وروى ذلك مرفوعا عن النبي ﵇ (٤).

стр. 51

وقد قال الله تعالى في ثمرة الصدق وفضله: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ الآية [المائدة: ١١٩]، وهذا يدخل فيه جميع أنواع الصدق، فمن كان معه الصدق قولا وفعلا وحالا فذلك هو الصديق. وبهذا أيضا يتبين (١) أن الصديق فوق الشهيد، لأن الصديق ينال المرتبة التي تكون للصديقين وهو حي بعد، يتقلب في أحواله ويترقى في أطواره، ويتلذذ بمناجاته ويتنعم بعباداته، فلا يأتيه الموت إلا وهو قد استكمل أقصى ما قدر له من مرتبته ومكانته، والشهيد قد يكون من سائر المؤمنين فلا يدرك شيئا من الأحوال الشريفة إلا حين (٢) معاينة القتال إن أدركه، وشتان بين من يدرك ما يدرك من تلك الأحوال في مدة حياته، وبين (٣) من لا يدرك ذلك إلى في حين المعاينة للموت.

стр. 52

فصل (لماذا استحق أبو بكر اسم الصديق) (١) لا يخفى على ذي بصيرة أن الصديق الأكبر من هذه الأمة هو أبو بكر بن أبي قحافة خليفة رسول الله بعد وفاته، وأول من آمن به (وصدقه) (٢) في حياته، وذلك أن النبي ﵇ لما بعث كان أبو بكر أول من اتبعه وصدقه من الرجال (٣)، وإنما تحرزنا بهذا من خديجة ﵂ ومن علي بن أبي طالب أيضا، فإنه كان صغير السن دون البلوغ، فمن قال: كان أول من آمن، فإنما قاله لكونه كان عند النبي ﵇، وكان بحكم التبع له. ذكر ابن إسحاق (٤) أن عليا كان في حجر النبي ﵇ قبل الإسلام، وأنه آمن به بعد خديجة، وهو ابن عشر سنين. وذكر أن زيد بن حارثة أول من أسلم بعد علي، وجعل إسلام أبي بكر بعده. وهذا فيه نظر، اللهم إلا أن يكون زيد دون البلوغ فيكون في إسلامه مثل علي.

стр. 53

فقد ذكر ابن إسحاق (١) أن حكيم بن حزام قدم من الشام برقيق، فيهم زيد بن حارثة وصيف، وأنه قال لعمته خديجة: اختاري أي هؤلاء الغلمان شئت فهو لك، فاختارت زيدا، فاستوهبه رسول الله ﷺ منها فوهبته (ق.٨.أ) له، فأعتقه ﵇ وتبناه، وذلك قبل أن يوحى إليه. فوصف ابن إسحاق زيدا بأنه وصيف. وقول حكيم: " اختاري أي هؤلاء الغلمان شئت" يؤذن ذلك بأن زيدا كان صغيرا، ولذلك تبناه رسول الله ( ﷺ ) (٢)، فإن يكن زيد أسلم قبل أبي بكر وهو صغير فيشبه ذلك، وأما أن يكون كبيرا فلا، لأن الصحيح عند أهل العلم أن أبا بكر هو أول من آمن من الرجال وصدق النبي ﵇ بعد خديجة كما قلناه. ومن الدليل على ذلك حديث عمرو بن عبسة، إذ دخل على النبي ﵇ في أول الإسلام بمكة، وهو حديث طويل مذكور في كتاب الصلاة من صحيح مسلم، وفيه قلت: «فمن معك على هذا؟ قال ﵇: حر وعبد، قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به» (٣)، وهذا أولى ما يتمسك به في الباب لإخبار النبي ﵇ بلفظه في هذا الحديث الصحيح أنه ليس معه على دينه إلا حر وعبد.

стр. 54

وإعلام الصحابي فيه أنه ﷺ لم يعن بذلك إلا أبا بكر وبلالا، ولم يذكر ﵇ علي بن أبي طالب لصغره، وكونه ملازما له كما لم يذكر خديجة لكونها زوجته على أن إسلام علي بعد خديجة مشهور، لكنه كان صغيرا، ولم يُظهر إسلامه أولا بسبب أبيه، وأبو بكر حين (١) أسلم أظهر إسلامه. وأما زيد بن حارثة فإسلامه حينئذ على ما قال ابن إسحاق غير مشهور. وقد روي عن الشعبي (٢) أنه قال: سألت أو سئل ابن عباس أي الناس كان أول إسلاما، فقال: أما سمعت قول حسان بن ثابت: إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا خير البرية أتقاها وأعدلها ... بعد النبي وأوفاها بما حملا والثاني التالي المحمود مشهده ... وأول الناس منهم صدق الرسلا وروي أن النبي ﵇ قال لحسان: «هل قلت في أبي بكر شيئا؟ قال: نعم، وأنشده هذه الأبيات، فسُر النبي ﵇ بذلك، وقال له: أحسنت». ذكر ذلك أبو عمر بن عبد البر في كتاب الصحابة (٣)، وفيه نظر.

стр. 55

والذي يصح عندنا ويظهر لنا أن حسان إنما قال هذه الأبيات بعد النبي ﵇ لما تدل عليه معانيها، ويكفينا منها قول حسان: إن أبا بكر (ق.٨.ب) هو أول من صدق الرسول، ومتابعة ابن عباس له على ذلك. وتقدم أبي بكر ﵁ للناس في المبادرة إلى الإيمان بالنبي ﵇ والتصديق له معلوم. ولذلك جاء في التفسير في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣] أن الذين جاء بالصدق هو نبينا ﵇، والذي صدق به هو أبو بكر ﵁، وهذا أحد التأويلات في الآية، وهو قول علي بن أبي طالب ﵁ (١) فيها (٢). وقد جاء عن النبي ﷺ (٣) ما يؤيد ذلك، وهو أنه قال عن أبي بكر ﵁ (٤) لعمر بن الخطاب ﵁ (٥) في حديث: «إن الله بعثني إليكم

стр. 56

فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركون لي صاحبي؟ فهل أنتم تاركون لي صاحبي»؟ (١). وهكذا فعل أبو بكر ﵁ (٢) مع قريش، إذ أنكرت حديث الإسراء، وقالت له: يا أبا بكر، هل لك في صاحبك يزعم (٣) أنه ذهب إلى بيت المقدس وصلى فيه ثم رجع إلى مكانه (٤) في (٥) ليلته، فإنه (٦) قال لهم أولا: إنكم تكذبون عليه، فلما قالوا له: هاهو ذاك في المسجد يحدث به الناس، قال أبو بكر: والله لئن كان قاله لقد صدق (٧).

стр. 57

فانظر إلى أبي بكر ﵁ (١) كيف أشرب الإيمان قلبه حتى صار يصدق النبي ﵇ في الشيء الذي ينقله أهل الشرك عنه من غير أن يسمعه هو منه. ولصدقه وتصديقه للنبي ﵇ سمي بالصديق، ويدل على صدق إيمانه وقوة عزمه في الدين أمور: أحدها: إسلامه أول المبعث من غير (توقف منه لجودة قريحته، واستحكام بصيرته، ذكر ابن إسحاق (٢) أن رسول الله ﷺ كان يقول: «ما) (٣) دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت فيه عنده (٤) كبوة (٥) ونظر وتردد، إلا ما كان من أبي بكر بن أبي قحافة، ما عَكَم عنه حين ذكرته له وما (٦) تردد فيه». وقوله: «ما عكم عنه» أي ما تلبث فيه (٧). ثم إن أبا بكر لما أسلم أظهر إسلامه فيما قال ابن إسحاق (٨) وجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه، فأسلم بدعائه عثمان بن عفان والزبير

стр. 58

ابن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله، يعني أن هؤلاء أسلموا أول من أسلم. والثاني: كونه كان لا يهاب المشركين في أول الإسلام (فإنه رد على ابن الدغنة جواره) (١)، أحوج ما كان إليه بمكة ورضي بجوار الله. ووجد عقبة بن أبي (معيط قد) (٢) وضع رداء النبي ﵇ في عنقه وهو يصلي فخنقنه به خنقا شديدا فأخذ أبو بكر ﵁ (٣) بمنكبه ودفعه عن النبي ﷺ ، وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]. (٤) وروي من طريق آخر أن أبا بكر قال ذلك لجماعة من المشركين تشبثوا بالنبي ﵇ واجتمعوا عليه وهم يقولون له: ألست القائل كذا وكذا، لما كان يعيبه من ءالهتهم، فيقول لهم: بلى، فلما سمعوا قول أبي بكر لهوا عن النبي ﵇ وأقبلوا (ق.٩.أ) بأجمعهم على أبي بكر يضربونه حتى تصدع رأسه مما جبذوه بلحيته وجعل لايمس شيئا من غدائره إلا جاء معه. (٥)

стр. 59

الثالث: ما كان منه يوم بدر من اليقين إذ التزم النبي ﵇ من ورائه وهو يكثر الدعاء فقال: يا نبي الله كفاك (١) مناشدتك ربك فإن الله منجز (٢) لك ما وعدك. (٣) الرابع: انقياده لما كان من النبي ﷺ (٤) في صلح الحديبية وتسليمه ذلك لأول وهلة وأخذه على عمر بن الخطاب ﵁ (٥) فيما حاك في نفسه من ذلك، إذ قال له: أيها الرجل إنه رسول الله وليس يعصي ربه، وهو ناصره فاستمسك بغرزه فوالله إنه على الحق (٦). الخامس: ثباته يوم توفي رسول الله ﷺ (٧) وخطبته في ذلك المقام الذي ذهل فيه أعلام الصحابة، إذ قال: من كان منكم يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. قال الله : ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُل﴾ [آل عمران: ١٤٤]. الآية.

стр. 60

قال ابن عباس: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى قرأها (١) أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرا إلا يتلوها (٢). السادس: قتاله أهل الردة ومخالفته في ذلك للصحابة (٣) حتى استقامت الكلمة وانتشرت الشريعة (ورجع إلى الإسلام من خرج عنه) (٤) ولله الحمد على خلافته وقيامه بالحق الواجب في ذلك، إذ كان في قتاله لأهل الردة تجديد للإسلام وتثبيت لأهل الإيمان، ولذلك قال عمر بن الخطاب ﵁ (٥) آخرا: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرف (٦) أنه الحق (٧). فانظر إلى هذه المقامات التي يحار فيها أولو الألباب من الصحابة فتطيش (لديها) (٨) أحلامهم كيف تجد فيها أبا بكر رابط الجأش ثابت اليقين ماضي العزم، وما ذاك إلا للسر الذي وقر في صدره مما سبقهم جميعا به، فيحق أن يسمى بالصديق على الإطلاق، ولقد شهر بذلك حتى صار لا يعرف إلا به عند الخاصة والعامة.

стр. 61

وأما اسمه ونسبه فما يعرفه إلا الخواص من الناس (١). وقد جاء عن النبي ﷺ الكناية عن أبي بكر بالصديق فيستفاد من ذلك أن النبي ﵇ سماه بالصديق أو أقر على تسميته به في حياته. وذلك أن عائشة ﵂ (٢) سألته عن قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] «فقالت له: يا رسول الله أهم الذين يسرقون ويشربون الخمر؟ فقال: لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخيرات»، ذكره الترمذي (٣). وقد نقل ابن إسحاق (٤) في قصة الإسراء أن أبا بكر انتهى إلى النبي ﵇ فقال: «يا نبي الله أحدثت هؤلاء يعني قريشا (أنك جئت بيت المقدس) (٥) (ق.٩.ب) هذه الليلة قال: نعم». قال: «يا نبي الله فصفه لي فإني قد جئته، فجعل رسول الله ﷺ يصفه لأبي بكر ويقول أبو بكر: صدقت، أشهد أنك رسول الله، كلما وصف له

стр. 62

منه شيئا، قال: صدقت، أشهد أنك رسول الله، حتى إذا انتهى، قال رسول الله ﷺ لأبي بكر: «وأنت يا أبا بكر الصديق»، قال: فيومئذ سماه الصديق» (١).

стр. 63

فصل إذا ثبت بما تقدم أن أبا بكر هو الصديق فمن المحال بحسب (مفهوم) (١) الشريعة أن يفضل عليه ثابت بن قيس بن شماس. وإنما مثلنا بثابت لوجهين: أحدهما: كونه ﵇ شهد له بالشهادة، إذ قال له: «تعيش حميدا وتموت شهيدا» (٢). والثاني: إنه مات شهيدا في الجهاد فإنه قتل باليمامة في قتال مسيلمة.

стр. 64

وإذا كان ثابت المشهود له من الشرع بأنه يموت شهيدا لا يصح أن يفضل على أبي بكر الذي مات على فراشه، فغيره من الشهداء أحرى بذلك. ولئن كان ثابت من المقربين فليكونن أبو بكر من أعلى المقربين. فإن قيل: قد جاء في الحديث أن النبي ﵇ قال لشهداء أحد: «هؤلاء أشهد عليهم، فقال له أبو بكر: يا رسول الله ﷺ (١)، ألسنا بإخوانهم، أسلمنا كما أسلموا، وجاهدنا كما جاهدوا فقال رسول الله ﷺ (٢): بلى، ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي» (٣). وظاهر هذا تفضيل شهداء أحد على أبي بكر وغيره. فالجواب عن ذلك (٤) من وجهين: أحدهما: إن هذا الحديث إنما جاء مرسلا عن أبي النضر شيخ مالك بن أنس، وبينه وبين عصر النبي ﵇ قرنان (٥)، ولم يرو مسندا عنه ولا عن غيره.

стр. 65

والثاني: إن قوله ﷺ : «لا أدري ما تحدثون بعدي» إذا صح إنما خرج مخرج العموم، ولم يقصد به ﵇ (أبا بكر) (١)، لأنه شهد له بالجنة في غير ما حديث، ومحال أن يشهد له بالجنة ويأ (مر أبا موسى بأن) (٢) يبشره بها وهو لا يدري ما يحدث بعده. وإنما يحمل هذا القول على من كان في عصر النبي ﵇ في الجملة، بدليل قوله في الحديث الآخر: «وليردن علي (أقوام) (٣) أعرفهم ويعرفوني (٤)، ثم يحال بيني وبينهم، فأقول: إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما عملوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا لمن بدل بعدي» (٥)، رواه أبو (سعيد الخدري. وفي) (٦) حديث ابن مسعود من لفظ آخر: «فأقول: يا رب أصحابي (أصحابي، فيقال: إنك) (٧) لا تدري ما أحدثوا بعدك». (٨)

стр. 66

وفي حديث أنس بن مالك عنه ﵇: «ليردن علي الحوض رجال ممن صاحبني، حتى إذا رأيتهم ورفعوا إلي، اختلجوا دوني، فلأقولن (ق.١٠.أ): أي رب أصيحابي أصيحابي، فليقالن: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» (١). وفي حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : «وليصدن عني طائفة منكم فلا يصِلون، فأقول: يا رب هؤلاء من أصحابي فيجيبني ملك فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك» (٢). وفي لفظ آخر عنه: «يرد علي يوم القيامة رهط من أصحابي فيجلون عن الحوض فأقول: يا رب أصحابي فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى» (٣). وتدل هذه الألفاظ كلها على أن المقصود بها من ارتد ممن كان يعتقد فيه أنه من جملة الصحابة. وفي كتاب البخاري (٤) عن قبيصة أنه قال: "هم المرتدون الذين ارتدوا على عهد أبي بكر فقاتلهم أبو بكر".

стр. 67

ويشبه أن يكون في قوله ﵇: «أصيحابي» بالتصغير إشارة إلى تقليل الصحبة، إذ هذا الصنف هو الذي وجد فيهم الارتداد بعد النبي ﵇، ولم يرتد أحد من صميم الصحابة، فضلا عن المهاجرين والأنصار الذين نزل القرآن بتقريظهم والثناء عليهم. ثم نقول: إن الحميدي لم يقصد في كلامه شهداء أحد ولا غيرهم ممن استشهد على عهد النبي ﵇، (وإنما قصد) (١) الشهداء على الإطلاق إلى قيام الساعة. وبعيد أن يفضل من كان اليوم من الشهداء على أصحاب النبي ﵇ الذين ماتوا على فرشهم، مثل سعد بن أبي وقاص، (وسعيد) (٢) بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعبد الرحمن بن عوف، والعباس بن عبد المطلب، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، وأبي ذر، وأبي الدرداء، وابن عباس، (وابن عمر) (٣) وغيرهم من الصحابة لقول النبي ﵇: «خير الناس قرني» (٤)، وغير ذلك من (الثناء) (٥) الوارد في حقهم خصوصا وعموما.

стр. 68

باب نذكر ما ظهر لنا في تعيين المقربين على ما وعدنا به، وذلك (بعد) (١) أن نتكلم على معنى السابقين والمقربين . فنقول (ق.١٠.ب) السابق هو (٢) من سبق إلى أمر ما (٣) وأحرزه قبل غيره. (ومنه السابق في الخيل، وهو) (٤) الذي يتقدم أمام الحلبة ويحرز الغاية قبل وصولها، فيكون له السبَق بفتح الباء، وهو ما يجعل له من الرهان لأجل سبْقه. والسبْق هذا هو بتسكين الباء، لأنه مصدر سبق فهو يسبق سبقا (٥). ولو فرضنا أن يكون جواد (٦) من الخيل يصل إلى الغاية وهو يجري وحده لم يسم سابقا، إذ لا يعلم سبقه، وإنما يسمى سابقا إذا كان مع غيره

стр. 69

فيسبقه، فإن اتفق أن يطلق على ذلك الجواد بأنه سابق، فمعنى كلام القائل (١) إنه سابق بكونه قد سبق غيره (قبل) (٢)، أو بتقدير أنه يسبق غيره بعد. فإذا فهم ما قررناه علم (منه) (٣) أن السابقين إنما سموا بهذا الاسم لأنهم تقدموا غيرهم وأحرزوا قصب السبق دونهم، وذلك إما بالإيمان بالله أولا عند بعثة الرسل، ثم بالأعمال الصالحة ثانيا عند استقرار الشرائع، وإما بهما معا لمن دخل في الملل بعد ذلك أو لمن ولد فيها. ويدل على ما قلناه من أن السابق إنما يفهم معناه بالإضافة إلى غيره قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢]. فقال: ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢]، لأجل سبقه للمقتصد وللظالم. وكذلك قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠]، لأجل سبقهم الناس إلى الإيمان بالله ورسوله، ولذلك قال فيهم: ﴿الأَوَّلُونَ﴾. وقال في موضع آخر: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١].

стр. 70

وإنما كانوا سابقين لاتصافهم أولا بما وصفهم الله به في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧]. الآيات. إلى أن وصفهم آخرا بالمسارعة في الخيرات. وقد أمرنا الله تعالى بالمسابقة والمسارعة، ومعناهما واحد، فقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. وفي موضع آخر: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١]. وحقيقة المفاعلة إنما تكون بين اثنين فصاعدا (هذا) (١) هو الأصل فيها، تقول العرب: سابقتهم فسبقتهم، كما جاء عن عائشة أن النبي ﷺ (٢) (قال) (٣) لها: «سابقيني»، (قالت) (٤): (ق.١١.أ) فسابقته فسبقته فلما كان بعد قال: «سابقيني، فسابقته فسبقني، فقال: هذه بتلك» (٥).

стр. 71

وكذلك الاستباق يكون أيضا بين اثنين (فصاعدا، قال الله تعالى حكاية عن إخوة يوسف) (١): إنا ذهبنا نستبق، وقد أمرنا الله سبحانه بالاستباق في (الخير، فقال في غير موضع من كتابه) (٢) العزيز: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]. فمن امتثل هذه الأوامر المتقدمة وعمل (بمقتضاها، فهو من السابقين) (٣) الذين قال الله فيهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١]. (وأما قوله) (٤) ﷺ : «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة» (٥) (فإنما أراد بذلك أمته جملة، ومعنى) (٦) السابقين في هذا الموضع معنى الأولين، أي الذين يسبقون جميع الأمم إلى الفصل بينهم يوم القيامة بين يدي الله تعالى، ثم يسبقون إلى دخول الجنة، لأنهم أول من يدخلها.

стр. 72

وقد جاء هذا نصا في الحديث، فإن في بعض ألفاظه: «نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم بين الخلائق». (١) وفي لفظ آخر: «نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ونحن أول من يدخل الجنة». (٢) ويحتمل أن يكون للسابقين في هذا الموضع تأويل آخر، وهو أن تجعل الأمة كلها أيضا سابقين باعتبار سبقهم لليهود والنصارى، لأنهم مذكورون في هذا الحديث، ونصه بكماله: «نحن الآخرون ونحن السابقون يوم القيامة، بيد أن كل أمة أوتيت الكتاب من قبلنا وأوتيناه (٣) من بعدهم، ثم هذا اليوم الذي كتبه الله علينا هدانا الله له والناس (٤) لنا (فيه تبع) (٥): اليهود غدا والنصارى بعد غد». وهذه الطرق كلها في صحيح مسلم (٦).

стр. 73

ومعنى سبق هذه الأمة لليهود وللنصارى أن ثوابهم أعظم من ثواب اليهود بانفرادهم والنصارى بانفرادهم، إذ أعطى الله (تعالى) (١) لهذه الأمة من الأجر قيراطين، وأعطى لليهود وللنصارى (٢) من الأجر قيراطا (قيراطا) (٣)، على ما رواه ابن عمر وأبو موسى الأشعري عن النبي ﵇ (٤). وكيف ما كان ذلك، فالسابقون في هذا الحديث إما (٥) هم جميع الأمة، فهم سابقون باعتبار آخر. وإما ما كنا فيه من تأويل السابقين الذين هم المقربون، فإنما هو خاص في بعض (هذه) (٦) الأمة وفي بعض الأمم قبلها، (وهم الطبقة) (٧) العليا (٨) من المؤمنين في كل زمان، والله أعلم.

стр. 74

(معنى المقربين) (١) وأما المقربون فمعناه: المدنون، تقول: قربت زيدا، (إذا) (٢) أدنيته منك وجعلته (بإزائك، والجار القريب هو الـ) ـملاصق (٣) لك، كما أن الجار الجنب هو البعيد عنك. ولكن (معنى المقربين عند الله تعالى إنما هو من) (٤) قولك: قرب الأمير زيدا، إذا كان ذا مكانة (عنده منه، وصاحب منزلة عنده، فهو تقريب) (٥) بالمعنى. وذلك هو الذي يعقل في حق الله تعالى، إذ (يتنزه عن الأجسام) (٦) ومجاورتها (٧)، فمعنى المقربين (ق.١١.ب) عنده أي الذين أدناهم سبحانه من

стр. 75

كرامته (وأحلهم من الحظوة عنده) (١) المحل الذي ليس فوقه (محل لصنف من) (٢) بني آدم غيرهم لكونهم (أكرم الخلق عنده) (٣) وأعظمهم قدرا لديه. فإذا تقرر هذا، فنقول ظهر لنا في تعيين المقربين، والعلم عند الله سبحانه، وجهان: الوجه الأول: أن يكون المقربون هم جميع الأصناف المذكورين في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]. وإنما قلنا ذلك لأن الله تعالى أخبر في هذه الآية أن هؤلاء الأربعة الأصناف هم الذين أنعم الله (٤) عليهم، وقد فرض سبحانه على هذه الأمة في كل صلاة من صلواتهم (٥) أن يسألوا الهداية إلى صراطهم بوجوب قراءة أم القرآن في (الصلاة) (٦)، وفيها: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، ثم فسره تعالى بإثبات ونفي. فالإثبات قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] والذين أنعم سبحانه عليهم هم الذين ذكرهم في الآية الأولى على ما تقدم.
следующие страницы →