Полный текст (1 321 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
حيساً، فوضعه وغمس ثلاث أصابعه، وجعل القوم يتغدون ويخرجون، وبقي التور نحواً مما كان.
١٨- عن علي بن أبي طالب ﵁ أن فاطمة طبخت قدراً لغدائهما، ووجهت علياً إلى النبي ﷺ ليتغذى معهما، فأمرها فغرفت لجميع نسائه صحفة صحفة، ثم له ﵇، ثم لعلي، ثم لها، ثم رفعت القدر وأنها لتفيض. قالت: فأكلنا منها ما شاء الله.
١٩- عن جابر ﵁ في دين أبيه بعد موته، وقد كان بذل لغرماء أبيه أصل ماله فلم يقبلوه، ولم يكن في ثمرها كفاف دينهم، فجاءه النبي ﷺ بعد أن أمره بجذها وجعلها بيادر في أصولها، فمشى فيها ودعا. فأوفى منه جابر غرماءه وفضل مثل ما كانوا يجدون كل سنة.
стр. 1017
٢٠- قال أبو هريرة ﵁: أصاب الناس مخمصة فقال لي رسول الله ﷺ : هل من شيء؟ فقلت: نعم شيء من التمر في المزود. قال: فآتى به. فأدخل يده فأخرج قبضة فبسطها ودعا بالبركة. ثم قال: ادع عشرة فأكلوا حتى شبعوا، ثم عشرة كذلك حتى أطعم الجيش كلهم وشبعوا. وقال: خذ ما جئت به وأدخل يدك واقبض منه ولا تكبه، فقبضت على أكثر ما جئت به فأكلت منه وأطعمت حياة رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر إلى أن قتل عثمان فانتهب مني فذهب.
ومعجزة تكثير الطعام ببركة دعائه مروية عن بضعة عشر صحابياً، ورواه عنهم أضعافهم من التابعين، ثم من لا يعد بعدهم، وأكثرها وردت في قصص مشهورة ومجامع مشهورة، ولا يمكن التحدث عنها إلا على وفق الصدق حذراً من التكذيب، وإنما حصل النبي ﷺ أولاً الماء القليل أو الطعام القليل ثم كثره، ولم يخترع من بدء الأمر من العدم إلى الوجود الماء الكثير، أو الطعام الكثير، مراعاة للأدب بحسب الظاهر ليعلم أن الموجد هو الله. وإنما حصلت البركة بسبب النبي ﷺ . وإن كان التكثير أيضاً في الحقيقة من جانب الله كالإيجاد. وهكذا فعله الأنبياء كما يظهر من معجزة ايلياء ﵇ في تكثير الدقيق والزيت في بيت امرأة أرملة على ما صرح به في الباب السابع عشر من سفر الملوك الأول،
стр. 1018
ومن معجزة اليسع ﵇ في تكثير عشرين خبزاً من شعير وسنبل مفروك في منديل حتى أكل مائة رجل وفضل، كما هو مصرح به في الباب الرابع من سفر الملوك الثاني، ومن معجزة عيسى ﵇ في تكثير خمسة أرغفة وسمكتين على ما صرح به في الباب الرابع عشر من إنجيل متى.
٢١- عن ابن عمر ﵄ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فدنا منه أعرابي، فقال: يا أعرابي أين تريد؟ قال: أهلي، قال: هل لك إلى خير؟ قال: وما هو؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، قال: من يشهد لك على ما تقول، قال: هذه الشجرة السمرة، وهي بشاطئ الوادي، فأقبلت تخد الأرض حتى قامت بين يديه فاستشهدها ثلاثاً. فشهدت أنه كما قال ثم رجعت إلى مكانها.
стр. 1019
٢٢- عن جابر ﵁ ذهب رسول الله ﷺ يقضي حاجته فلم ير شيئاً يستتر به، فإذا بشجرتين بشاطئ الوادي، فانطلق رسول الله ﷺ إلى إحداهما، فأخذ بغصن من أغصانها فقال: انقادي علي بإذن الله، فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده. وذكر جابر أنه فعل بالأخرى كذلك حتى إذا كان بالمنصف بينهما قال: التئما علي بإذن الله فالتأمتا، فجلس خلفهما فخرجت أخضر. وجلست أحدث نفسي فالتفت فإذا رسول الله ﷺ مقبلاً والشجرتان قد افترقتا فقامت كل واحدة منهما على ساق.
٢٣- عن ابن عباس ﵄ قال لأعرابي: أرأيت
стр. 1020
إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم. فدعاه فجعل ينقد حتى أتاه فقال: ارجع. فعاد إلى مكانه.
٢٤- عن جابر ﵁ كان المسجد مسقوفاً على جذوع نخل، وكان النبي ﷺ إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر، سمعنا لذلك الجذع صوتاً كصوت العشار، وفي رواية أنس: حتى ارتج المسجد لخواره، وفي رواية سهل: وكثر بكاء الناس لما رأوا به، وفي رواية المطلب: حتى تصدع وانشق حتى جاء النبي ﷺ فوضع يده عليه فسكت.
стр. 1021
والخبر بأنين الجذع وحنينه باعتبار مبناه مشهور عند السلف والخلف، وباعتبار معناه متواتر يفيد العلم القطعي. رواه من الصحابة بضعة عشر منهم أُبَيِّ بن كعب، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وسهل بن سعد الساعدي، وأبو سعيد الخدري، وبريدة، وأم سلمة،
стр. 1022
والمطلب بن أبي وداعة، ﵃ كلهم يحدثون بمعنى هذا الحديث وإن كانت ألفاظهم مختلفة في باب التحديث، فلا شك في حصول التواتر المعنوي.
٢٥- عن ابن عباس ﵄ قال: كان حول البيت ستون وثلثمائة صنم مثبتة الأرجل بالرصاص في الحجارة، فلما دخل رسول الله ﷺ المسجد عام الفتح، جعل يشير بقضيب في يده إليها ولا يمسها ويقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً، فما أشار إلى وجه صنم إلا وقع لقفاه ولا لقفاه إلا وقع لوجهه حتى ما بقي منها صنم.
стр. 1023
٢٦- دعا النبي ﷺ رجلاً إلى الإسلام، فقال: لا أؤمن بك حتى تحيي لي ابنتي. فقال ﷺ : أرني قبرها فأراه إياه، فقال ﷺ : يا فلانة. قالت: لبيك وسعديك. فقال النبي ﷺ : أتحبين أن ترجعي إلى الدنيا؟ فقالت: لا والله يا رسول الله إني وجدت الله خيراً لي من أبوي، ووجدت الآخرة خيراً من الدنيا.
٢٧- ذبح جابر ﵁ شاة وطبخها وثرد في جفنة. وأتى بها رسول الله ﷺ فأكل القوم، وكان ﵊ يقول لهم: كلوا ولا تكسروا عظماً. ثم إنه ﷺ جمع العظام ووضع يده عليها ثم تكلم بكلام فإذا الشاة قامت تنفض ذنبها.
٢٨- عن سعد بن ابى وقاص ﵁ قال: أن رسول الله ﷺ ليناولني
стр. 1024
السهم لأتصل به فيقول: ارم به، وقد رمى رسول الله ﷺ يومئذ عن قوسه، حتى اندقت وأصيبت يومئذ عين قتادة يعني ابن النعمان حتى وقعت على وجنتيه، فردها رسول الله ﷺ فكانت أحسن عينيه.
٢٩- عن عثمان بن حنيف أن أعمى قال لرسول الله: ادع الله أن يكشف لي عن بصري. قال: فانطلق فتوضأ ثم صلِ ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك أن يكشف لي عن بصري، اللهم شفعه في. قال: فرجع وقد كشف الله عن بصره.
стр. 1025
٣٠- ابن ملاعب الأسنة أصابه استسقاء، فبعث إلى النبي ﷺ ، فأخذ بيده حثوة من الأرض فتفل عليها فأعطاها رسوله، فأخذها متعجباً يرى أن قد هزئ به فأتاه بها وهو على شفاء فشربها فشفاه الله تعالى.
٣١- عن حبيب بن فديك، أن أباه ابيضت عيناه فكان لا يبصر بهما شيئاً فنفث رسول الله ﷺ في عينيه فأبصر، فرأيته يدخل الإبرة وهو ابن ثمانين.
стр. 1026
٣١- تفل في عيني علي ﵁ يوم خيبر وكان رمداً فأصبح بارئاً.
٣٣- نفث على ضربة بساق سلمة بن الأكوع يوم خيبر فبرأت.
٣٤- أتته امرأة من خثعم معها صبي به بلاء لا يتكلم فأتى بماء فمضمض فاه وغسل يديه ثم أعطاها إياه، وأمرها بسقيه ومسه به، فبرأ الغلام وعقل عقلاً يفضل عقول الناس.
٢٥- عن ابن عباس ﵄: جاءت امرأة بابن لها به جنون، فمسح صدره، فثع ثعة، فخرج من جوفه مثل الجرو الأسود فشفي.
стр. 1027
٣٦- انكفأت القدر على ذراع محمد بن حاطب وهو طفل، فمسح عليه، ودعا له وتفل فيه، فبرأ لحينه.
٣٧- كانت في كف شرحبيل الجعفي سلعة تمنعه القبض على السيف وعنان الدابة، فشكاها للنبي ﷺ ، فما زال يطحنها حتى رفعها ولم يبق لها أثر.
٣٨- عن أنس بن مالك ﵁ قال: قالت أمي: يا رسول الله خادمك أنس ادع الله له. فقال: اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما آتيته. قال أنس: فوالله إن مالي لكثير وإن ولدي وولد ولدي ليعادون اليوم على نحو المائة.
стр. 1028
٣٩- دعا على كسرى حين مزق كتابه أن يمزق الله ملكه، فلم تبق له باقية ولا بقيت لفارس رياسة في سائر أقطار الدنيا.
٤٠- عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أخرجت جبة طيانسة وقالت: إن رسول الله ﷺ كان يلبسها، فنحن تغسلها للمرضى يستشفى بها. وهذه المعجزات، وإن لم يتواتر كل واحد منها، فالقدر المشترك بينها متواتر بلا شبهة، كشجاعة علي، وسخاوة حاتم، وهذا القدر يكفي، والحالات التي
стр. 1029
نقلها مرقس ولوقا كلها آحاد ليس اعتبارها مثل الأحاديث الصحيحة المروية بروايات الآحاد الثابتة أسانيدها المتصلة، بل الحالات التي اتفق على نقلها الإنجيليون الأربعة آحاد لا يزيد اعتبارها عندنا على رواية الآحاد كما عرفت في الباب الأول.
المسلك الثاني: أخلاقه وأوصافه ﷺ
[أخلاق النبي ﷺ ]
أنه قد اجتمع فيه من الأخلاق العظيمة، والأوصاف الجزيلة، والكمالات العلمية والعملية، والمحاسن الراجعة إلى النفس والبدن والنسب والوطن، ما يجزم العقل بأنه لا يجتمع في غير نبي، فإن كل واحد منها وإن كان يوجد في غير النبي أيضاً، لكن مجموعها مما لا يحصل إلا للأنبياء، فاجتماعها في ذاته ﷺ من دلائل النبوة وقد أقر المخالفون أيضاً بوجود أكثر هذه المحاسن في ذاته ﷺ ، مثلاً "اسبان هميس المسيحي" من الذين هم أشد أعداء النبي ﷺ والطاعنين في حقه، لكنه اضطر في الإقرار بوجود أكثر الأمور المذكورة في ذاته ﷺ . كما نقل سيل قوله في مقدمة ترجمة القرآن في الصفحة السادسة من النسخة المطبوعة سنة ١٨٥٠ هكذا: (أنه كان حسن الوجه وزكيًا وكانت طريقته مرضية، وكان الإحسان إلى المساكين شيمته، وكان يعامل الكل بالخلق الحسن، وكان شجاعاً على الأعداء، وكان يعظم اسم الله تعظيماً عظيماً، وكان يشدد على المفترين، والذين يرمون البرآء، والزانين، والقاتلين، وأهل الفضول، والطامعين، وشهود الزور، تشديداً بليغاً، وكانت كثرة وعظه في الصبر والجود والرحم والبر والإحسان وتعظيم الأبوين والكبار وتوقيرهم وتكريمهم، وكان عابداً مرتاضاً في الغاية) انتهى كلامه.
стр. 1030
(المسلك الثالث) مَنْ نظر إلى ما اشتملت شريعته الغراء عليه مما يتعلق بالاعتقادات والعبادات والمعاملات والسياسات والآداب والحكم، علم قطعاً أنها ليست إلا من الوضع الإلهي، والوحي السماوي، وأن المبعوث بها ليس إلا نبياً. وقد عرفت في الباب الخامس، أن اعتراضات القسيسين عليها ضعيفة جداً، منشؤها العناد الصرف والاعتساف.
(المسلك الرابع) ظهور دينه على سائر الأديان في مدة قليلة
أنه ﵇ ادعى بين قوم لا كتاب لهم ولا حكمة فيهم: أني بعثت من عند الله بالكتاب المنير والحكمة الباهرة لأنور العالم بالإيمان والعمل الصالح. وانتصب مع ضعفه وفقره وقلة أعوانه وأنصاره، مخالفاً لجميع أهل الأرض آحادهم وأوساطهم وسلاطينهم وجبابرتهم، فضلل آراءهم وسفه أحلامهم وأبطل مللهم وهدم دولهم، وظهر دينه على الأديان في مدة قليلة شرقاً وغرباً، وزاد على مر الأعصار والأزمان، ولم يقدر الأعداء مع كثرة عددهم وعددهم وشدة شوكتهم وشكيمتهم، وفرط تعصبهم وحميتهم وبذل غاية جهدهم في إطفاء نور دينه وطمس آثار مذهبه. فهل يكون ذلك إلا بعون إلهي وتأييد سماوي، ولنعم ما قال غمالائيل معلم اليهود لهم في حق الحواريين: (يا أيها الرجال الإسرائيليون احترزوا لأنفسكم من جهة هؤلاء الناس فيما أنتم مزمعون أن تفعلوا) . ٣٦ (لأنه قبل هذه الأيام قام ثوداس قائلاً عن نفسه: أنه
стр. 1031
شيء الذي التصق به عدد من الرجال نحو أربعمائة، الذي قتل وجميع الذين انقادوا إليه تبددوا وصاروا لا شيء) . ٣٧ (بعد هذا قام يهودا الجليلي في أيام الاكتتاب، وأزاغ وراءه شعباً غفيراً، فذاك أيضاً هلك وجميع الذين انقادوا إليه تشتتوا) . ٣٨ (والآن أقول لكم تنحوا عن هؤلاء الناس واتركوهم لأنه إن كان هذا الرأي وهذا العمل من الناس فسوف ينتقض) ٣٩ (وإن كان من الله فلا تقدرون أن تنتقضوه لئلا توجدوا محاربين لله أيضاً) كما هو مصرح به في الباب الخامس من كتاب الأعمال، والآية السابعة من الزبور الأول هكذا: (لأن الرب يعرف طريق الصديقين وطريق المنافقين تهلك) والآية السادسة من الزبور الخامس هكذا: (وتهلك كل الذين يتكلمون بالكذب، الرجل السافك الدماء والغاش يرذله الرب) .
والآية السادسة عشرة من الزبور الرابع والثلاثين هكذا: (وجه الرب على الذين يعملون المساوئ ليبيد من الأرض ذكرهم) وفي الزبور السابع والثلاثين هكذا ١٧: (لأن سواعد الخطاة تنكر، والرب يعضد الصديقين) ٢٠ (الخطاة فيهلكون، وأعداء الرب جميعاً إذ يمجدون ويرتفعون، يبيدون، وكالدخان يفنون) .
стр. 1032
فلو لم يكن محمد ﷺ من الصديقين لأهلك الرب طريقه ورذله وأباد ذكره من الأرض، وكسر سواعده وأفناه كالدخان. لكنه لم يفعل شيئاً منها، فكان محمد ﷺ من الصديقين، ولعمري أن علماء بروتستنت في تكذيب الدين المحمدي محاربون الله لكن الوقت قريب فسوف يعلمون ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾ ولا يقدرون على نقضه البتة كما وعد الله ﴿يريدون ليطفئوا نور الله﴾ أي دين الإسلام ﴿بأفواههم﴾ أي بأقوالهم الباطلة ﴿والله متم نوره﴾ أي مبلغه غايته ﴿ولو كره الكافرون﴾ أي اليهود والنصارى والمشركون، ولنعم ما قيل:
ألا قل لمن ظل لي حاسداً * أتدري على من أسأت الأدب
أسأت على الله في فعله * لأنك لم ترض لي ما وهب
(المسلك الخامس) أنه ظهر في وقت كان الناس محتاجين إلى من يهديهم إلى الطريق المستقيم، ويدعوهم إلى الدين القويم لأن العرب كانوا على عبادة الأوثان، ووأد البنات. والفرس على اعتقاد الإلهين ووطء الأمهات والبنات.
стр. 1033
والترك على تخريب البلاد وتعذيب العباد. والهند على عبادة البقر، والسجود للشجر والحجر. واليهود على الجحود ودين التشبيه، وترويج الأكاذيب المفتريات. والنصارى على القول بالتثليث، وعبادة الصليب وصور القديسين والقديسات. وهكذا سائر الفرق في أودية الضلال والانحراف عن الحق والاشتغال بالمحال، ولا يليق بحكمة الله الملك المبين أن لا يرسل في هذا الوقت أحداً يكون رحمة للعالمين، وما ظهر أحد يصلح لهذا الشأن العظيم ويؤسس هذا البنيان القويم غير محمد بن عبد الله ﷺ . فأزال الرسوم الزائغة والمقالات الفاسدة، وأشرقت شموس التوحيد وأقمار التنزيه، وزالت ظلمة الشرك والوثنية والتثليث والتشبيه، عليه من الصلاة أفضلها ومن التحيات أكملها، وإليه أشار الله تعالى بقوله: ﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير﴾ . قال الفخر الرازي قدس سره في
стр. 1034
تفسير هذه الآية: (الفائدة في بعثة محمد ﷺ عند فترة من الرسل هي أن التغير والتحريف قد تطرق إلى الشرائع المتقدمة لتقادم عهدها وطول زمانها، وبسبب ذلك اختلط الحق بالباطل والصدق بالكذب وصار ذلك عذراً ظاهراً في إعراض الخلق عن العبادات، لأن لهم أن يقولوا يا إلهنا عرفنا أنه لا بد من عبادتك ولكنا ما عرفنا كيف نعبد، فبعث الله تعالى في هذا الوقت محمداً ﷺ إزالة لهذا العذر) انتهى كلامه بلفظه.
(المسلك السادس) أخبار الأنبياء المتقدمين عليه، عن نبوته ﵇ ، ولما كان القسيسون يغلطون العوام في هذا الباب تغليطاً عظيماً استحسنت أن أقدم على نقل تلك الأخبار أموراً ثمانية تفيد للناظر بصيرة:
وقدم فيه قبل تلك الأخبار أموراً ثمانية:
(الأمر الأول) أن الأنبياء الإسرائيلية مثل أشعيا وأرميا ودانيال وحزقيال وعيسى ﵈، أخبروا عن الحوادث الآتية كحادثة بختنصر وقورش واسكندر وخلفائه وحوادث أرض أدوم ومصر ونينوى وبابل، ويبعد كل البعد أن لا يخبر أحد منهم عن خروج محمد ﷺ الذي كان وقت ظهوره كأصغر البقول، ثم صار شجرة عظيمة تأوي طيور السماء في أغصانها، فكسر الجبابرة والأكاسرة وبلغ دينه شرقاً وبلغ دينه شرقاً وغرباً وغلب الأديان وامتد دهراً بحيث مضى على ظهوره مدة ألف ومائتين وثمانين إلى هذا الحين ويمتد إن شاء الله إلى آخر بقاء الدنيا، وظهر في أمته ألوف ألوف من العلماء الربانيين
стр. 1035
والحكماء المتقنين والأولياء ذوي الكرامات والمجاهدات والسلاطين العظام، وهذه الحادثة كانت أعظم الحوادث، وما كانت أقل من حادثة أرض أدوم ونينوى وغيرهما فكيف يجوز العقل السليم أنهم أخبروا عن الحوادث الضعيفة وتركوا الإخبار عن الحادثة العظيمة.
(الأمر الثاني) أن النبي المتقدم إذا أخبر عن النبي المتأخر، لا يشترط في إخباره أن يخبر بالتفصيل التام بأنه يخرج من القبيلة الفلانية في السنة الفلانية في البلد الفلاني، وتكون صفته كيت وكيت، بل يكون هذا الإخبار في غالب الأوقات مجملاً عند العوام، وأما عند الخواص فقد يصير جلياً بواسطة القرائن، وقد يبقى خفياً عليهم أيضاً لا يعرفون مصداقه إلا بعد ادعاء النبي اللاحق أن النبي المتقدم أخبر عني وظهور صدق ادعائه بالمعجزات وعلامات النبوة، وبعد الادعاء وظهور صدقه يصير جلياً عندهم بلا ريب ولذلك يعاتبون كما عاتب المسيح ﵇ علماء اليهود بقوله: (ويل لكم أيها الناموسيون لأنكم أخذتم مفتاح المعرفة ما دخلتم أنتم والداخلون منعتموهم) كما هو مصرح به في الباب الحادي عشر من إنجيل لوقا،
стр. 1036
وعلى مذاق المسيحيين قد يبقى خفياً على الأنبياء فضلاً عن العلماء بل قد يبقى خفياً على النبي المخبر عنه على زعمهم في الباب الأول من إنجيل يوحنا هكذا: ١٩ (وهذه هي شهادة يوحنا حين أرسل اليهود من أورشليم كهنة ولاويين ليسألوه من أنت) ٢٠ (فاعترف ولم ينكروا قرأني لست أنا المسيح) ٢١ (فسألوه ماذا إذاً أنت، إيلياء؟ فقال لست أنا إيلياء فسألوه أنت النبي فأجاب لا) ٢٢ (فقالوا له من أنت لنعطي جواباً للذين أرسلونا ماذا تقول عن نفسك) ٢٣ (قال أنا صوت صارخ في البرية قوّموا طريق الرب كما قال أشعيا النبي) ٢٤ (وكان المرسلون من الفريسيين) ٢٥ (فسألوه وقالوا له فما بالك تعمد إن كنت لست المسيح ولا إيليا ولا النبي) .
والألف واللام في لفظ النبي الواقع في الآية ٢١ و ٢٥ للعهد، والمراد النبي المعهود الذي أخبر عنه موسى ﵇ في الباب الثامن عشر من سفر الاستثناء على ما صرح به العلماء المسيحية، فالكهنة واللاويون كانوا من علماء اليهود وواقفين على كتبهم وعرفوا أيضاً أن يحيى ﵇ نبي، لكنهم شكوا في أنه المسيح ﵇ أو إيلياء ﵇ أو النبي المعهود الذي أخبر عنه موسى ﵇، فظهر منه أن علامات هؤلاء الأنبياء الثلاثة لم تكن مصرحة في كتبهم بحيث لا يبقى الاشتباه للخواص فضلاً عن العوام فلذلك سألوا أولاً أنت المسيح فبعد ما أنكر يحيى ﵇ عن كونه مسيحاً سألوه أنت إيلياء فبعد ما أنكر عن كونه إيلياء أيضاً سألوه أنت النبي المعهود.
ولو كانت
стр. 1037
العلامات مصرحة لما كان للشك محل بل ظهر منه أن يحيى ﵇ لم يعرف نفسه أنه إيلياء حتى أنكر، فقال لست أنا وقد شهد عيسى أنه إيلياء في الباب الحادي عشر من إنجيل متى. قول عيسى ﵇ في حق يحيى ﵇ هكذا: (وإن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيلياء المزمع أن يأتي) وفي الباب السابع عشر من إنجيل متى هكذا: ١٠ (وسأله تلاميذه قائلين فلماذا يقول الكتبة أن إيلياء ينبغي أن يأتي أولاً) ١١ (فأجاب يسوع وقال لهم أن إيلياء يأتي أولاً ويرد كل شيء) ١٢ (ولكني أقول لكم أن إيلياء قد جاء ولم يعرفوه بل عملوا به كل ما أرادوا، كذلك ابن الإنسان أيضاً سوف يتألم منهم) ١٣ (حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان) . وظهر من العبارة الأخيرة أن علماء اليهود لم يعرفوه بأنه إيلياء وفعلوا به ما فعلوا وأن الحواريين أيضاً لم يعرفوه بأنه إيلياء مع أنهم كانوا أنبياء في زعم المسيحيين وأعظم رتبة من موسى ﵇ وكانوا اعتمدوا من يحيى ورأوه مراراً، وكان مجيئه ضرورياً قبل إلههم ومسيحهم.
وفي الآية ٣٣ من الباب الأول من إنجيل يوحنا قول يحيى هكذا: (وأنا لم أكن أعرفه لكن الذي أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي الذي ترى الروح نازلاً ومستقراً عليه فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس) ومعنى قوله: (وأنا لم أكن أعرفه) على زعم القسيسين أنا لم أكن أعرفه معرفة جيدة بأنه المسيح الموعود، فعلم أن يحيى ﵇ ما كان يعرف عيسى ﵇ معرفة يقينية بأنه المسيح الموعود به إلى ثلاثين سنة ما لم ينزل الروح القدس، لعل كون ولادة المسيح من العذراء لم يكن من العلامات المختصة بالمسيح،
стр. 1038
وإلا فكيف يصح هذا، لكني أقطع النظر عن هذا وأقول أن يحيى أشرف الأنبياء الإسرائيلية بشهادة عيسى ﵇ كما هو مصرح به في الباب الحادي عشر من إنجيل متى وأن عيسى ﵇ إلهه وربه على زعم المسيحيين، وكان مجيئه ضرورياً قبل المسيح، وكان كونه إيلياء يقينياً، فإذا لم يعرف هذا النبي الأشرف نفسه إلى آخر العمر، ولم يعرف إلهه وربه إلى المدة المذكورة، وكذا لم يعرف الحواريون الذين هم أفضل من موسى وسائر الأنبياء الإسرائيلية مدة حياة يحيى أنه إيلياء، فماذا رتبة العلماء والعوام عندهم في معرفة النبي اللاحق بخبر النبي المتقدم عنه وترددهم فيه، وقيافا رئيس الكهنة كان نبياً على شهادة يوحنا، كما هو مصرح به في الآية الحادية والخمسين من الباب الحادي عشر من إنجيله وهو أفتى بقتل عيسى ﵇ وكفره وأهانه، كما هو مصرح به في الباب السابع والعشرين من إنجيل متى، ولو كانت علامات المسيح في كتبهم مصرحة بحيث لا يبقى الاشتباه على أحد، ما كان لهذا النبي المفتي بقتل إلهه وبكفره أن يفتي بقتله وكفره.
ونقل متى ولوقا في الباب الثالث، ومرقس ويوحنا في الباب الأول من أناجيلهم خبر أشعيا في حق يحيى ﵉، وأقر يحيى عليه السلام
стр. 1039
بأن هذا الخبر في حقه على ما صرح به يوحنا. وهذا الخبر في الآية الثالثة من الباب الأربعين من كتاب أشعيا هكذا: (صوت المنادي في البرية، سهلوا طريق الرب، أصلحوا في البوادي سبيلاً لإلهنا) ولم يذكر فيه شيء من الحالات المختصة بيحيى ﵇ لا من صفاته ولا من زمان خروجه، ولا مكان خروجه، بحيث لا يبقى الاشتباه، ولو لم يكن ادعاء يحيى ﵇ بأن هذا الخبر في حقه، وكذا ادعاء مؤلفي العهد الجديد، لما ظهر هذا للعلماء المسيحية وخواصهم فضلاً عن العوام، لأن وصف النداء في البرية يعم أكثر الأنبياء الإسرائيلية الذين جاؤوا من بعد أشعيا ﵇، بل يصدق على عيسى ﵇ أيضاً. لأنه كان ينادي مثل نداء يحيى ﵇: توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماء.
وسيظهر لك في الأمر السادس حال الإخبارات التي نقلها الإنجيليون في حق عيسى ﵇ عن الأنبياء المتقدمين ﵈، ولا ندعي أن الأنبياء الذين أخبروا عن محمد ﷺ كان إخبار كل منهم بصفته مفصلاً بحيث لا يكون فيه مجال التأويل للمعاند.
قال الإمام الفخر الرازي في ذيل تفسير قوله تعالى: ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون﴾ واعلم أن الأظهر في الباء في
стр. 1040
قوله بالباطل أنها باء [ص ٢٢٠] الاستعانة كالتي في قولك كتبت بالقلم. والمعنى لا تلبسوا الحق بسبب الشبهات التي توردونها على السامعين، وذلك لأن النصوص الواردة في التوراة والإنجيل في أمر محمد ﵇ نصوصاً خفية تحتاج في معرفتها إلى الاستدلال، ثم إنهم كانوا يجادلون فيها ويشوشون وجه الدلالة على المتأملين فيها بسبب إلقاء الشبهات) . انتهى كلامه بلفظه.
قال المحقق عبد الحكيم السيالكوتي في حاشيته على البيضاوي: (هذا فصل يحتاج إلى مزيد شرح وهو يجب أن يتصور أن كل نبي أتى بلفظة معرضة وإشارة مدرجة لا يعرفها إلا الراسخون في العلم وذلك لحكمة إلهية، وقد قال العلماء: ما انفك كتاب منزل من السماء من تضمن ذكر النبي ﷺ ، لكن بإشارات، ولو كان منجلياً للعوام لما عوتب علماؤهم في كتمانه، ثم ازداد ذلك غموضاً بنقله من لسان إلى لسان من العبراني إلى السرياني ومن السرياني إلى العربي، وقد ذكرت محصلة ألفاظ من التوراة والإنجيل إذا اعتبرتها وجدتها دالة على صحة نبوته ﵇ بتعريض هو عند الراسخين في العلم جلي وعند العامة خفي) . انتهى كلامه بلفظه.
стр. 1041
(الأمر الثالث) ادعاء أن أهل الكتاب ما كانوا ينتظرون نبياً آخر غير المسيح وإيلياء، ادعاء باطل لا أصل له بل كانوا منتظرين لغيرهما أيضاً، لما علمت في الأمر الثاني أن علماء اليهود المعاصرين لعيسى ﵇ سألوا يحيى ﵇ أولاً: أنت المسيح؟ ولما أنكر سألوه: أنت إيلياء؟ ولما أنكر سألوه: أنت النبي؟ أي النبي المعهود الذي أخبر به موسى، فعلم أن هذا النبي كان منتظراً مثل المسيح وإيلياء وكان مشهوراً بحيث ما كان محتاجاً إلى ذكر الاسم بل الإشارة إليه كانت كافية.
وفي الباب السابع من إنجيل يوحنا بعد نقل قول عيسى ﵇ هكذا: ٤٠: (فكثيرون من الجمع لما سمعوا هذا الكلام قالوا هذا بالحقيقة هو النبي) ٤١: (وآخرون قالوا هذا هو المسيح) وظهر من هذا الكلام أيضاً أن النبي المعهود عندهم كان غير المسيح ولذلك قابلوا بالمسيح.
(الأمر الرابع) ادعاء أن المسيح خاتم النبيين ولا نبي بعده باطل، لما عرفت في الأمر الثالث أنهم كانوا منتظرين للنبي المعهود الآخر الذي يكون غير المسيح وإيلياء ﵈، ولما لم يثبت بالبرهان مجيئه قبل المسيح فهو بعده ولأنهم يعترفون بنبوة الحواريين وبولس بل بنبوة غيرهم أيضاً.
وفي الباب الحادي عشر من كتاب الأعمال هكذا: ٢٧ (في تلك الأيام انحدر الأنبياء من أورشليم إلى أنطاكية) ٢٨ (وقام واحد معهم اسمه أغابوس وأشار بالروح أن جوعاً عظيماً كان عتيداً أن يصير على جميع
стр. 1042
المسكونة الذي صار في أيام كلوديوس) (قيصر) فهؤلاء كلهم كانوا أنبياء على تصريح إنجيلهم وأخبر واحد منهم اسمه أغابوس عن وقوع الجدب العظيم.
وفي الباب الحادي والعشرين من الكتاب المذكور هكذا: ١٠ (وبينما نحن مقيمون أياماً كثيرة انحدر من اليهودية نبي اسمه أغابوس) ١١ (فجاء إلينا وأخذ منطقة بولس وربط يد نفسه ورجليه وقال هذا بقوله الروح القدس، الرجل الذي له هذه المنطقة، هكذا سيربطه اليهود في أورشليم ويسلمونه إلى أيدي الأمم) .
وفي هذه العبارة أيضاً تصريح بكون أغابوس نبياً، وقد يتمسكون لإثبات هذا الادعاء بقول المسيح المنقول في الآية الخامسة عشر من الباب السابع من إنجيل متى هكذا: (احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتوكم بثبات الحملان ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة) .
стр. 1043
والتمسك به عجيب لأن المسيح ﵇ أمر بالاحتراز من الأنبياء الكذبة لا الأنبياء الصدقة أيضاً ولذلك قيد بالكذبة، نعم لو قال احترزوا من كل نبي يجيء بعدي لكان بحسب الظاهر وجه للتمسك وإن كان واجب التأويل عندهم، لثبوت نبوة الأشخاص المذكورين، وقد ظهر الأنبياء الكذبة الكثيرون في الطبقة الأولى بعد صعوده كما يظهر من الرسائل الموجودة في العهد الجديد في الباب الحادي عشر من الرسالة الثانية إلى أهل قورنثيوس هكذا: ١٢ (ولكن ما أفعله لأقطع فرصة الذين يريدون فرصة كي يوجدوا كما نحن أيضاً فيما يفتخرون به) ١٣ (لأن مثل هؤلاء رسل كذبة فعله ماكرون مغيرون شكلهم إلى شبه رسل المسيح) فمقدسهم ينادي بأعلى نداء أن الرسل الكذبة الغدارين ظهروا في عهده وقد تشبهوا برسل المسيح.
وقال آدم كلارك المفسر في شرح هذا المقام: (هؤلاء الأشخاص كانوا يدعون كذباً أنهم رسل المسيح، وما كانوا رسل المسيح في نفس الأمر وكانوا يعظون ويجتهدون، لكن مقصودهم ما كان إلا جلب المنفعة) .
وفي الباب الرابع من الرسالة الأولى ليوحنا هكذا: (أيها الأحياء لا تصدقوا كل روح، بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله، لأن الأنبياء الكذبة كثيرون قد خرجوا إلى العالم) . فظهر من العبارتين أن الأنبياء الكذبة قد ظهروا في عهد الحواريين.
وفي الباب الثامن من كتاب الأعمال هكذا: ٩ (وكان قبلاً في المدينة
стр. 1044
رجل اسمه سيمون يستعمل السحر، ويدهش شعب السامرة قائلاً أنه شيء عظيم) ١٠ (وكان الجميع يتبعونه من الصغير إلى الكبير قائلين هذا هو قوة الله العظيمة) .
وفي الباب الثالث عشر من الكتاب المذكور هكذا: (ولما اجتازا الجزيرة إلى باقوس وجدا رجلاً ساحراً نبياً كذاباً يهودياً اسمه باريشوع) وكذا سيظهر الدجالون الكذابون يدعي كل منهم أنه المسيح كما أخبر عيسى ﵇ وقال: (لا يضلكم أحد فإن كثيرين سيأتون باسمي قائلين أنا هو [ص ٢٢٣] المسيح ويضلون كثيرين) كما هو مصرح به في الباب الرابع والعشرين من إنجيل متى فمقصود المسيح ﵇ التحذير من هؤلاء الأنبياء الكذبة والمسحاء
стр. 1045
الكذبة لا من الأنبياء الصادقين أيضاً، ولذلك قال بعد القول المذكور في الباب السابع (من ثمارهم تعرفونهم، هل يجتنون من الشوك عنباً أو من الحسك تيناً) .
ومحمد ﷺ من الأنبياء الصادقين، كما يدل عليه ثماره على ما عرفت في المسالك المتقدمة، ولا اعتبار لمطاعن المنكرين كما ستعرف في الفصل الثاني، ولأن كل شخص يعلم أن اليهود ينكرون عيسى بن مريم ﵉ ويكذبونه وليس عندهم رجل أشر منه، من ابتداء العالم إلى زمان خروجه، وكذا ألوف من الحكماء والعلماء الذين هم من أبناء صنف القسيسين وكانوا مسيحيين ثم خرجوا عن هذه الملة لاستقباحهم إياها، ينكرونه ويستهزؤون به وبملته وألفوا رسائل كثيرة لإثبات آرائهم واشتهرت هذه الرسائل في أكناف العالم، ويزيد متبعوهم كل يوم في ديار أوربا، فكما أن إنكار اليهود وهؤلاء الحكماء والعلماء في حق عيسى ﵇ غير مقبول عندنا، فكذا إنكار أهل التثليث في حق محمد ﷺ غير مقبول عندنا.
(الأمر الخامس) الإخبارات التي نقلها المسيحيون في حق عيسى ﵇ لا تصدق عليه، على تفاسير اليهود وتأويلاتهم، ولذلك هم ينكرونه أشد
стр. 1046
الإنكار، والعلماء المسيحية لا يلتفتون في هذا الباب إلى تفاسيرهم وتأويلاتهم ويفسرونها ويؤولونها بحيث تصدق في زعمهم على عيسى ﵇. قال صاحب ميزان الحق في الفصل الثالث من الباب الأول في الصفحة ٤٦ من النسخة الفارسية المطبوعة سنة ١٨٤٩: (المعلمون القدماء من الملة المسيحية ادعوا هذه الدعوى الصحيحة فقط أن اليهود أوّلوا الآيات التي كانت إشارة إلى يسوع المسيح بتأويلات غير صحيحة وغير لائقة وبينوها خلاف الواقع) انتهى.
وقوله ادّعوا هذه الدعوى الصحيحة فقط غلط يقيناً لأن المعلمين القدماء كما ادعوا هذه الدعوى ادعوا أن اليهود حرفوا الكتب تحريفاً لفظياً كما عرفت في الباب الثاني، لكني أقطع النظر عن هذا وأقول كما أن تأويلات اليهود في الآيات المذكورة مردودة غير صحيحة وغير لائقة عند المسيحيين، كذلك تأويلات المسيحيين في الإخبارات التي هي في حق محمد ﷺ مردودة غير مقبولة عندنا، وسترى أن الإخبارات التي ننقلها في حق محمد ﷺ أظهر صدقاً من الإخبارات التي نقلها الإنجيليون في حق عيسى ﵇، فلا بأس علينا إن لم نلتفت إلى تأويلاتهم الفاسدة، وكما أن اليهود ادعوا في حق بعض الإخبارات التي هي في حق عيسى ﵇ على زعم المسيحيين أنها في حق مسيحهم المنتظر أو في حق غيره أو ليست في حق أحد، والمسيحيون يدعون أنها في حق عيسى ﵇ ولا يبالون بمخالفتهم، فكذا نحن لا نبالي بمخالفة المسيحيين في حق بعض الإخبارات التي هي في حق محمد صلى الله عليه وسلم
стр. 1047
لو قالوا أنها في حق عيسى ﵇، وسترى أيضاً أن صدقها في حق محمد ﷺ أليق من صدقها في حق عيسى ﵇، فادعاؤنا أحق من ادعائهم.
(الأمر السادس) مؤلفوا العهد الجديد باعتقاد المسيحيين ذوو إلهام وقد نقلوا الإخبارات في حق عيسى ﵇ فيكون هذا النقل على زعمهم بالإلهام، فأذكر نبذاً منها بطريق الأنموذج ليقيس المخاطب حال هذه الإخبارات بالإخبارات التي أنقلها في هذا المسلك في حق محمد ﷺ ، وإن سلك أحد من القسيسين مسلك الاعتساف وتصدى لتأويل الإخبارات التي أنقلها في هذا المسلك يجب عليه أن يوجه أولاً الإخبارات التي نقلها مؤلفوا العهد الجديد في حق عيسى ﵇، ليظهر للمنصف اللبيب حال الإخبارات التي نقلها الجانبان، ويقابلهما باعتبار القوة والضعف وإن غمض النظر عن توجيه الإخبارات العيسوية التي نقلها المؤلفون المذكورون.
وأول الإخبارات المحمدية التي أنقلها في هذا المسلك يكون محمولاً على عجزه وتعصبه، لأنك قد علمت في الأمر الثاني والخامس أن المعاند له مجال واسع للتأويل في أمثال هذه الإخبارات، وإنما اكتفيت على نبذ مما نقله مؤلفو العهد الجديد، لأنه إذا ظهر أن البعض منها غلط يقيناً، والبعض منها محرف، والبعض منها لا يصدق على عيسى ﵇ إلا بالادعاء البحت والتحكم الصرف، ظهر أن حال الإخبارات الأخر التي نقلها المسيحيون الذين ليسوا ذوي إلهام ووحي، يكون أسوأ، فلا حاجة إلى نقلها.
стр. 1048
(الخبر الأول) ما هو المنقول في الباب الأول من إنجيل متى، وقد عرفت في بيان الغلط الخمسين في الفصل الثالث من الباب الأول أنه غلط، على أن كون مريم عذراء وقت الحبل غير مسلم عند اليهود والمنكرين، ولا يتم عليهم حجة، لأنها قبل ولادة عيسى ﵇، كانت في نكاح يوسف النجار على تصريح الإنجيل واليهود المعاصرون لعيسى ﵇، ويقولون أنه ولد يوسف النجار كما هو مصرح به في الآية ٥٥ من الباب ١٣ من إنجيل متى والآية ٤٥ من الباب ١ والآية ٤٢ من الباب السادس من إنجيل يوحنا، وإلى الآن يقولون هكذا بل أشنع منه، والعلامة الأخرى المختصة بعيسى ﵇ غير مذكورة في هذا الخبر.
(والخبر الثاني) ما هو المنقول في الآية السادسة من الباب الثاني من إنجيل متى، وهو إشارة إلى الآية الثانية من الباب الخامس من كتاب ميخا، ولا تطابق عبارة متى عبارة ميخا، وأحدهما محرفة، وقد عرفت في الشاهد
стр. 1049
الثالث والعشرين من المقصد الأول من الباب الثاني، أن محققيهم اختاروا تحريف عبارة ميخا، لكن ادعاؤهم هذا لأجل محافظة الإنجيل فقط، وعند المخالف باطل.
(والخبر الثالث) ما هو المنقول في الآية الخامسة عشر، من الباب المذكور من إنجيل متى.
(والخبر الرابع) ما هو منقول في الآية ١٧ و ١٨ من الباب المذكور.
(والخبر الخامس) ما هو المنقول في الآية الثالثة والعشرين من الباب المذكور. وهذه الأخبار الثلاثة غلط كما عرفت في الفصل الثالث من الباب الأول.
(والخبر السادس) الآية التاسعة من الباب السابع والعشرين من إنجيل متى، وقد عرفت في الشاهد التاسع والعشرين من المقصد الثاني من الباب الثاني أنه غلط، على أن هذا الحال يوجد في الباب الحادي عشر من كتاب زكريا، ولا مناسبة له بالقصة التي نقلها متى، لأن زكريا ﵇ بعد ما ذكر اسمي
стр. 1050
عصوين ورعى قطيع يقول هكذا ترجمة عربية سنة ١٨٤٤: ١٢ (وقلت لهم إن حسن في أعينكم فهاتوا أجري وإلا فكفوا فوزنوا أجري ثلاثين من الفضة) ١٣ (وقال لي الرب ألقها إلى صناع التماثيل ثمناً كريماً أثموني به فأخذت الثلاثين من الفضة وألقيتها في بيت الرب إلى صناع التماثيل) . فظاهر كلام زكريا أنه بيان حال، لا إخبار عن الحادثة الآتية، وأن يكون آخذ الدراهم من الصالحين مثل زكريا ﵇ لا من الكافرين مثل يهودا.
(والخبر السابع) ما نقله مقدسهم بولس في الآية السادسة من الباب الأول من الرسالة العبرانية، وقد عرفت حاله في الفصل الثالث أنه غلط لا يصدق على عيسى ﵇.
(والخبر الثامن) الآية الخامسة والثلاثون من الباب الثالث عشر من إنجيل متى هكذا: (لكي يتم ما قيل بالنبي القائل سأفتح بأمثال فمي وأنطق بمكتوبات منذ تأسيس العالم) وهو إشارة إلى الآية الثانية من الزبور الثامن والسبعين، لكنه ادعاء محض وتحكم بحت، لأن عبارة هذا الزبور هكذا: ٢ (أفتح بالأمثال فمي وأنطق بالذي كان قديماً) ٣ (كل ما سمعناه وعرفناه وآباؤنا أخبرونا) ٤ (ولم يخفوه عن
стр. 1051
أولادهم إلى الجيل الآخر إذ يخبرون بتسابيح الرب وقواته وعجائبه التي صنع) ٥ (إذ أقام الشهادة في يعقوب، ووضع الناموس في إسرائيل كل الذي أوصى آباؤنا ليعرفوا به أبناءهم) ٦ (لكيما يعلم الجيل الآخر بينهم المولدين) ٧ (فيقومون أيضاً ويخبرون به أبناؤهم) ٨ (لكي يجعلوا اتكالهم على الله ولا ينسوا أعمال الله ويلتمسوا وصايا) ٩ (لئلا يكونوا مثل آبائهم الجيل الأعرج المتمرد الذي لم يستقم قلبه ولا آمنت بالله روحه) . وهذه الآيات صريحة في أن داود ﵇ يريد نفسه، ولذا عبر عن نفسه بصيغة المتكلم، ويروي الحالات التي سمعها من الآباء ليبلغ إلى الأبناء على حسب عهد الله لتبقى الرواية محفوظة، وبين من الآية العاشرة إلى الخامسة والستين، حال إنعامات الله والمعجزات الموسوية، وشرارة بني إسرائيل وما لحقهم بسببها. ثم قال: ٦٥ (واستيقظ الرب كالنائم مثل الجبار المفيق من الخمر) ٦٦ (فضرب أعداءه في الوراء وجعلهم عاراً إلى الدهر) ٦٧ (وأبعد محله يوسف ولم يختر سبط إفرام) ٦٨ (بل اختار سبط يهوذا لجيل صهيون الذي أحب) ٦٩ (وبنى مثل وحيد القرن قدسه وأسسه في الأرض إلى الأبد) ٧٠ (واختار داود عبده وأخذه من مراعي الغنم) ٧١ (ومن خلف المرضعات، أخذه ليرعى يعقوب عبده وإسرائيل ميراثه) ٧٢ (فرعاهم بدعة قلبه وبفهم يديه أهداهم) .
стр. 1052
وهذه الآيات الأخيرة أيضاً دالة صراحة في أن هذا الزبور في حق داود ﵇ فلا علاقة لهذا بعيسى ﵇.
(والخبر التاسع) في الباب الرابع من إنجيل متى هكذا: ١٤ (لكي يتم ما قيل بأشعيا النبي القائل) ١٥ (أرض زبولون وأرض نفتاليم طريق البحر عبر الأردن جليل الأمم) ١٦ (الشعب الجالس في ظلمة، أبصر نوراً عظيماً والجالسون في كورة الموت وظلاله، أشرق عليهم نور) وهو إشارة إلى الآية الأولى والثانية من الباب التاسع من كتاب أشعيا وعبارته هكذا: (في الزمان استخفت أرض زبلون وأرض نفتالي وفي الآخر تثقلت طريق البحر عبر الأردن جليل الأمم) ٢ (الشعب السالك في الظلمة رأى نوراً عظيماً، الساكنون في بلاد ظلال الموت أشرق عليهم نور) . وفرق ما بين العبارتين فإحداهما محرفة ومع قطع النظر عن هذا، لا دلالة لكلام أشعيا على ظهور شخص، بل الظاهر أن أشعيا ﵇ يخبر أن حال سكان أرض زبلون ونفتالي كان سقيماً في سالف الزمان ثم صار حسناً
стр. 1053
كما تدل عليه صيغ الماضي، أعني استخفت وتثقلت ورأى وأشرق وإن عدلنا عن الظاهر وحملنا على المجاز بمعنى المستقبل وقلنا أن رؤية النور وإشراقه عليهم، عبارة عن مرور الصلحاء بأرضهم، فادعاء أن مصداق هذا الخبر عيسى ﵇ فقط تحكم صرف، لأن كثيراً من الأولياء والصلحاء مر بتلك الأرض، سيما أصحاب محمد ﷺ وأولياء أمته أيضاً الذين زالت ظلمة الكفر والتثليث من هذه الديار بسببهم، وظهر نور التوحيد وتصديق المسيح كما ينبغي. وأكتفي خوفاً من التطويل على هذا القدر ونقلت الأخبار الأخر أيضاً في إزالة الأوهام وغيره من مؤلفاتي وبينت وجوه ضعفها.
(الأمر السابع) أن أهل الكتاب سلفاً وخلفاً عادتهم جارية بأنهم يترجمون غالباً الأسماء في تراجمهم ويوردون بدلها معانيها، وهذا خبط عظيم ومنشأ للفساد وأنهم يزيدون تارة شيئاً بطريق التفسير في الكلام الذي هو كلام الله في زعمهم، ولا يشيرون إلى الامتياز. وهذان الأمران بمنزلة الأمور العادية عندهم، ومن تأمل في تراجمهم المتداولة بألسنة مختلفة وجد شواهد تلك الأمور كثيرة وأنا أورد أيضاً بطريق الأنموذج بعضاً منها.
١- في الآية الرابعة عشر من الباب السادس عشر من سفر التكوين في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٦٢٥ وسنة ١٨٣١ وسنة ١٨٤٤ هكذا: (لذلك دعت اسم تلك البيرني بير الحي الناظر، فترجموا اسم البئر الذي كان في العبراني بالعربي.
стр. 1054
٢- وفي الآية الرابعة عشر من الباب الثاني والعشرين من سفر التكوين في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١١ هكذا: (سمى إبراهيم اسم الموضع مكان يرحم الله زائره) وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٤٤: (دعا اسم ذلك الرب يرى) فترجم المترجم الأول الاسم العبراني بمكان يرحم الله زائره والمترجم الثاني بالرب يرى.
٣- وفي الآية العشرين من الباب الحادي والثلاثين من سفر التكوين في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٦٢٥ وسنة ١٨٤٤ هكذا: (فكتم يعقوب أمره عن حميه) وفي ترجمة أردو المطبوعة سنة ١٨٢٥ لفظ لابان موضع حميه فوضع مترجمو العربية لفظ الحمى موضع الاسم.
٤- وفي الآية العاشرة من الباب التاسع والأربعين من سفر التكوين في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٦٢٥ وسنة ١٨٤٤: (فلا يزول القضيب من يهودا والمدير من فخذه حتى يجيء الذي له الكل وإياه تنتظر الأمم) . فقوله (الذي له الكل) ترجمة لفظ شيلوه وهذه الترجمة موافقة الترجمة اليونانية.
стр. 1055
وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١١: (فلا يزول القضيب من يهودا والرسم من تحت أمره إلى أن يجيء الذي هو له وإليه يجتمع الشعوب) . وهذا المترجم ترجم لفظ شيلوه (بالذي هو له) وهذه الترجمة موافقة للترجمة السريانية وترجم هذا اللفظ محققهم المشهور ليكلرك بعاقبته، وفي ترجمة أردو المطبوعة سنة ١٨٢٥ وقع لفظ شيلا، وفي الترجمة اللاتينية ولتكيت (الذي سيرسل) . فالمترجمون ترجموا لفظ شيلوه بما ظهر وترجح عندهم وهذا اللفظ كان بمنزلة الاسم للشخص المبشر به.
٥- وفي الآية الرابعة عشر من الباب الثالث من سفر الخروج في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٦٢٥ وسنة ١٨٤٤ فقال الله لموسى (أهيه أشراهيه) وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١١: (قال له الأزلي الذي لا يزال) . فلفظ أهيه أشراهيه كان بمنزلة اسم الذات فترجمه المترجم الثاني بالأزلي الذي لا يزال.
٦- وفي الآية الحادية عشر من الباب الثامن من سفر الخروج في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٦٢٥ وسنة ١٨٤٤ هكذا: (تبقى في النهر فقط) .
следующие страницы →