← Акыда

Акыда · id 22721

إظهار الحق

رحمت الله الهندي

Полный текст (1 321 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

الخنزير والمرق المنجس في آنيتهم) ٥ (الذين يقولون أبعد عني لا تقرب مني لأنك نجس هؤلاء يكونون دخاناً في رجزي ناراً متقدة طول النهار) ٦ (ها مكتوب قدامي لا أسكت بل أردوا كافي جزاء في حضنهم) . فالمراد بالذين لم يسألوني والذين لم يطلبوني العرب، لأنهم كانوا غير واقفين على ذات الله وصفاته وشرائعه، فما كانوا سائلين عن الله وطالبين له كما قال الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ . ولا يجوز أن يراد بهم اليونانيين كما عرفت في البشارة الثانية، والوصف المذكور في الآية الثانية والثالثة يصدق على كل واحد من اليهود والنصارى، والأوصاف المذكورة في الآية الرابعة

стр. 1122

ألصق بحال النصارى، كما أن الوصف المذكور في الخامسة ألصق بحال اليهود فردهم الباري واختار الأمة المحمدية. (البشارة الحادية عشر) في الباب الثاني من كتاب دانيال في حال الرؤيا التي رآها بختنصر ملك بابل ونسي، ثم بين دانيال ﵇ بحسب الوحي تلك الرؤيا وتفسيرها. ٣١: (فكنت أنت الملك ترى وإذ تمثال واحد جسيم وكان التمثال عظيماً ورفيع القامة واقفاً قبالك ومنظره مخوفاً) ٣٢: (رأس هذا التمثال هو من ذهب إبريز والصدر والذراعان من فضة والبطن والفخذان من نحاس) ٣٣: (والساقان من حديد والقدمان قسم منهما من حديد وقسم منهما من خزف) ٣٤: (فكنت ترى هكذا حتى انقطع حجر من جبل لا بيدين وضرب التمثال في قدميه من حديد ومن خزف فسحقهما) ٣٥: (فانسحق حينئذ مع الحديد والخزف والنحاس والفضة والذهب وصارت كغبار البيدر في الصيف فذرتها الريح ولم يوجد لها مكان والحجر الذي قد ضرب التمثال صار جبلاً وملأ الأرض بأسرها) ٣٦: (فهذا هو الحلم وتنبئ أيضاً قدامك يا أيها الملك بتفسيره) ٣٧: (أنت هو ملك الملوك وإله السماء أعطاك الملك والقوة والسلطان والمجد) . ٣٨: (وجميع ما يسكن فيه بنو الناس ووحوش الحقل وأعطى بيدك طير السماء أيضاً وجعل جميع الأشياء تحت سلطانك فأنت هو الرأس من الذهب) ٣٩: (وبعدك تقوم مملكة أخرى أصغر منك من فضة ومملكة ثالثة أخرى من نحاس وتتسلط على جميع الأرض) ٤٠: (والمملكة الرابعة تكون مثل الحديد كما أن الحديد يسحق ويغلب الجميع هكذا هي تسحق وتكسر جميع هذه) ٤١: (أما فيما رأيت قسم القدمين وأصابعهما من الخزف الفاخوري وقسماً من حديد تكون المملكة مفترقة وإن كان يخرج من نصبة الحديد حسبما رأيت الحديد

стр. 1123

مختلطاً بالخزف من طين) ٤٢: (وأصابع القدمين قسم من حديد وقسم من خزف فتكون المملكة بقسم صلبة وبقسم مسحوقة) ٤٣: (فيما رأيت الحديد مختلطاً بالخزف من طين أنهم يختلطون بزرع بشري بل لا يتلاصقون مثل ما ليس بممكن أن يمتزج الحديد بالخزف) ٤٤: (فأما في أيام تلك الممالك يبعث إله السماء مملكة وهي لن تنقضي قط، ملكها لا يعطى لشعب آخر وهي تسحق وتفنى جميع هذه الممالك أجمعين وهي تثبت إلى الأبد) ٤٥: (وكما رأيت أن من جبل انقطع حجر لا بيدين وسحق الخزف والحديد والنحاس والفضة والذهب، فالإله العظيم أظهر للملك ما سيأتي من بعد والحلم هو حقيقي وتفسيره صحيح) .

стр. 1124

فالمراد بالمملكة الأولى سلطنة بختنصر، وبالمملكة الثانية سلطنة المادئين الذين تسلطوا بعد قتل بلشاصر بن بختنصر كما هو مصرح به في الباب الخامس من الكتاب المذكور، وسلطنتهم كانت ضعيفة بالنسبة إلى سلطنة الكلدانيين، والمراد بالمملكة الثالثة سلطنة الكيانيين لأن قورش ملك إيران الذي هو بزعم القسيسين كيخسر وتسلط على بابل قبل ميلاد المسيح بخمسمائة وست وثلاثين سنة، ولما كان الكيانيون على السلطنة القاهرة فكأنهم كانوا متسلطين على جميع الأرض والمراد بالمملكة الرابعة سلطنة اسكندر بن فيلفوس الرومي الذي تسلط على ديار فارس قبل ميلاد المسيح بثلثمائة وثلاثين سنة، فهذا السلطان كان في القوة بمنزلة الحديد ثم جعل هذا السلطان سلطنة فارس منقسمة على طوائف الملوك فبقيت هذه السلطنة ضعيفة

стр. 1125

إلى ظهور الساسانيين ثم صارت قوية بعد ظهورهم فكانت ضعيفة تارة وقوية تارة وتولد في عهد نوشيروان (محمد بن عبد الله) ﷺ وأعطاه الله السلطنة الظاهرية والباطنية وقد تسلط متبعوه في مدة قليلة شرقاً وغرباً وعلى جميع ديار فارس التي كانت هذه الرؤيا وتفسيرها متعلقين بها، فهذه هي السلطنة الأبدية التي لا تنقضي وملكها لا يعطى لشعب آخر وسيظهر كمالها عن قريب في زمان الإمام المهدي ﵁ لكن الوهن والضعف يقع قبل ظهوره بمدة قليلة كما يشاهد بعض علاماته الآن ثم يزول بظهوره ويكون الدين كله لله، فهذا الحجر الذي انقطع لا بيدين من جبل وسحق الخزف والحديد والنحاس والفضة والذهب وصار جبلاً عظيماً وملأ الأرض بأسرها هو محمد ﷺ . (البشارة الثانية عشر) نقل يهوذا الحواري في رسالته الخبر الذي تكلم

стр. 1126

به أخنوخ الرسول الذي كان سابعاً من آدم ﵇ ومن عروجه إلى ميلاد المسيح مدة ثلاثة آلاف وسبع عشرة سنة على زعم مؤرخيهم. وأنا أنقل عبارته من الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٤٤: (الرب قد جاء في ربواته المقدسة ليدائن الجميع ويبكت جميع المنافقين على كل أعمال نفاقهم التي نافقوا فيها وعلى كل الكلام الصعب الذي تكلم به ضد الله الخطاة المنافقون) وقد عرفت في مقدمة الباب الرابع أن استعمال لفظ الرب بمعنى المخدوم والمعلم شائع فلا حاجة إلى الإعادة، وأما لفظ المقدس أو القديس فيطلق في العهدين على المؤمن الموجود في الأرض إطلاقاً شائعاً. [١] الآية الأولى من الباب الخامس من سفر أيوب هكذا: (فادع الآن أن كان لك مجيب وإلى أحد من القديسين التفت) فالمراد بالقديسين ههنا المؤمنون الموجودون على الأرض، أما عند علماء

стр. 1127

بروتستنت فظاهروا ما عند علماء كاتلك فلأن مطهرهم الذي هو موضع آلام أرواح الصالحين إلى أن يحصل لها النجاة بمغفرة البابا، وجد بعد المسيح ﵇ ولم يكن في زمن أيوب. [٢] والآية الثانية من الباب الأول من الرسالة الأولى إلى أهل قورنيثوس هكذا: (إلى جماعة الله التي بقورنثية المقدسين بيسوع المسيح المدعوين قديسين) الخ. فالمراد بالمقدسين والقديسين المؤمنون بالمسيح الموجودون في قورنثية. [٣] والآية الثالثة عشر من الباب الثاني عشر من الرسالة الرومية هكذا: (مشاركين لحاجة القديسين) الخ. [٤، ٥] في الباب الخامس عشر منها هكذا: (ولكن الآن أنا ذاهب إلى أورشليم لأخدم القديسين) ٢٦ (لأن أهل مكدونية واحائية استحسنوا أن يصنعوا توزيعاً لفقراء القديسين الذين في أورشليم

стр. 1128

فالمراد بالقديسين في الموضعين المؤمنون الموجودون في أورشليم. [٦] والآية الأولى من الباب الأول من الرسالة إلى أهل فيلبسيوس هكذا: (من بولس وطيماثاوس عبدي يسوع المسيح إلى جميع القديسين بيسوع المسيح بفيلبسيوس) الخ. فالمراد بالقديسين ههنا المؤمنون الموجودون بفيلبسيوس) . [٧] ووقع في الآية العاشرة من الباب الخامس من الرسالة الأولى إلى طيماثاوس في حال الشماسات هكذا: (غسلت أرجل القديسين) فالمراد بالقديسين ههنا المؤمنون الموجودون على الأرض بوجهين: الأول: أن القديسين الموجودون في السماء أرواح ليس لهم أرجل والثاني: أن الشماسات لا يمكنهن العروج إلى السماء وإذا عرفت استعمال لفظ الرب والمقدس أو القديس فأقول إن المراد بالرب محمد ﷺ وبالربوات المقدسة الصحابة والتعبير عن مجيئه بقد جاء لكونه أمراً يقينياً فجاء محمد ﷺ في ربواته المقدسة فدان الكفار، وبكت المنافقين والخطاة على أعمال النفاق وعلى أقوالهم القبيحة في الله ورسله، فبكت المشركين لعدم تسليم توحيد الله ورسالة رسله مطلقاً وعبادتهم الأصنام والأوثان، وبكت اليهود على تفريطهم في حق عيسى

стр. 1129

ومريم ﵉ وبعض عقائدهم الواهية، وبكت أهل التثليث مطلقاً على تفريطهم في توحيد الله وإفراطهم في حق عيسى ﵇، وبكت أكثرهم على عبادة الصليب والتماثيل وبعض عقائدهم الواهية. (البشارة الثالثة عشر) في الباب الثالث من إنجيل متى هكذا: (وفي تلك الأيام جاء يوحنا المعمدان يكرز في برية اليهودية) ٢ (قائلاً توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات) . وفي الباب الرابع من إنجيل متى هكذا: ١٢ (ولما سمع يسوع أن يوحنا أسلم انصرف إلى الجليل) ١٧ (من ذلك الزمان ابتدأ يسوع يكرز ويقول توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات) ٢٣ (وكان يسوع يطوف كل الجليل ويعلم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت الخ) . وفي الباب السادس من إنجيل متى في بيان الصلاة التي علمها عيسى ﵇ تلاميذه هكذا: (ليأت ملكوتك) ولما أرسل الحواريين إلى البلاد الإسرائيلية للدعوة والوعظ، وصاهم بوصايا منها هذه الوصية أيضاً: (وفيما أنتم ذاهبون اكرزوا قائلين أنه قد اقترب ملكوت السماوات) كما هو مصرح به في الباب العاشر من إنجيل متى

стр. 1130

ووقع في الباب التاسع من إنجيل لوقا هكذا: ١ (ودعا تلاميذه الاثني عشر وأعطاهم قوة وسلطاناً على جميع الشياطين وشفاء أمراض) ٢ (وأرسلهم ليكرزوا بملكوت الله يشفوا المرضى) . وفي الباب العاشر من إنجيل لوقا هكذا: (وبعد ذلك عين الرب سبعين آخرين أيضاً وأرسلهم) الخ (فقال لهم) الخ ٨ (وأية مدينة دخلتموها وقبلوكم فكلوا مما يقدم لكم) ٩ (واشفوا المرضى الذين فيها وقولوا لهم قد اقترب منكم ملكوت الله) ١٠ (وأية مدينة دخلتموها ولم يقبلوكم فاخرجوا إلى شوارعها وقولوا) ١١ (حتى الغبار الذي لصق بنا من مدينتكم ننفضه لكم ولكن اعلموا هذا أنه قد اقترب منكم ملكوت الله) . فظهر أن كلاً من يحيى وعيسى والحواريين والتلاميذ السبعين بشر بملكوت السماوات، وبشر عيسى ﵇ بالألفاظ التي بشر بها يحيى ﵇، فعلم أن هذا الملكوت كما لم يظهر في عهد يحيى ﵇ فكذلك لم يظهر في عهد عيسى ﵇ ولا في عهد الحواريين والسبعين بل كل منهم مبشر به ومخبر عن فضله ومترجّ لمجيئه، فلا يكون المراد بملكوت السماوات طريقة النجاة التي ظهرت بشريعة عيسى ﵇، وإلا لما قاله عيسى ﵇ والحواريون والسبعون أن ملكوت السماوات قد اقترب، ولما علم التلاميذ أن يقولوا في الصلاة وليأت ملكوتك لأن هذه طريقة قد ظهرت بعد ادعاء عيسى ﵇ النبوة بشريعته، فهو عبارة عن طريقة النجاة التي ظهرت بشريعة محمد ﷺ ،

стр. 1131

فهؤلاء كانوا يبشرون بهذه الطريقة الجليلة، ولفظ ملكوت السماوات بحسب الظاهر يدل على أن هذا الملكوت يكون في صورة السلطنة لا في صورة المسكنة، وأن المحاربة والجدال فيه مع المخالفين يكونان لأجله، وأن مبنى قوانينه لا بد أن يكون كتاباً سماوياً، وكل من هذه الأمور يصدق على الشريعة المحمدية، وما قال العلماء المسيحية أن المراد بهذا الملكوت، شيوع الملة المسيحية في جميع العالم وإحاطتها كل الدنيا بعد نزول عيسى ﵇، فتأويل ضعيف خلاف الظاهر، ويرده التمثيلات المنقولة عن عيسى ﵇ في الباب الثالث عشر من إنجيل متى، مثلاً قال: (يشبه ملكوت السماوات إنساناً زرع زرعاً جيداً في حقله) ، ثم قال: (يشبه ملكوت السماوات حبة خردل أخذها إنسان وزرعها في حقله) ، ثم قال: (يشبه ملكوت السماوات خميرة أخذتها امرأة وخبأتها في ثلاثة أكيال دقيق حتى اختمر الجميع) . فشبه ملكوت السماوات بإنسان زارع لا بنمو الزراعة وحصادها، وكذلك شبه بحبة خردل لا بصيرورتها شجرة عظيمة، وشبه بخميرة لا باختمار جميع الدقيق. وكذا يرد هذا التأويل قول عيسى ﵇ بعد بيان التمثيل المنقول في الباب الحادي والعشرين من إنجيل متى هكذا: (لذلك أقول أن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره) فإن هذا القول يدل على أن المراد بملكوت السماوات طريقة النجاة نفسها لا شيوعها في جميع العالم وإحاطتها كل العالم، وإلا لا معنى لنزع

стр. 1132

الشيوع والإحاطة من قوم وإعطائهما لقوم آخرين، فالحق أن المراد بهذا الملكوت هي المملكة التي أخبر عنها دانيال ﵇ في الباب الثاني من كتابه، فمصداق هذا الملكوت، وتلك المملكة نبوة محمد ﷺ والله أعلم وعلمه أتم. (البشارة الرابعة عشر) في الباب الثالث عشر من إنجيل متى هكذا: ٣١ (قدم لهم مثلاً آخر قائلاً يشبه ملكوت السماوات حبة خردل أخذها إنسان وزرعها في حقله) ٣٢ (وهي أصغر جميع البذور ولكن متى نمت فهي أكبر البقول وتصير شجرة حتى أن طيور السماء تأتي وتأوي في أغصانها) ، فملكوت السماء طريقة النجاة التي ظهرت بشريعة محمد ﷺ ، لأنه نشأ في قوم كانوا حقراء عند العالم لكونهم أهل البوادي غالباً، وغير واقفين على العلوم والصناعات، محرومين عن اللذات الجسمانية والتكلفات الدنيوية سيما عند اليهود لكونهم من أولاد هاجر، فبعث الله منهم محمداً ﷺ فكانت شريعته في ابتداء الأمر بمنزلة حبة خردل أصغر الشرائع بحسب الظاهر، لكنها لعمومها نمت في مدة قليلة وصارت أكبرها وأحاطت شرقاً وغرباً، حتى أن الذين لم يكونوا مطيعين لشريعة من الشرائع تشبثوا بذيل شريعته. (البشارة الخامسة عشر) في الباب العشرين من إنجيل متى هكذا: ١ (فإن ملكوت السماوات يشبه رجلاً رب بيت خرج مع الصبح ليستأجر

стр. 1133

فعلة لكرمه) ٢ (فاتفق مع العملة على دينار في اليوم وأرسلهم إلى كرمه) ٣ (ثم خرج نحو الساعة الثالثة، ورأى آخرين قياماً في السوق بطالين) ٤ (فقال لهم اذهبوا أنتم أيضاً إلى الكرم فأعطيكم ما يحق لكم فمضوا) ٥ (وخرج أيضاً نحو الساعة السادسة والتاسعة وفعل كذلك) ٦ (ثم نحو الساعة الحادية عشرة خرج ووجد آخرين قياماً بطالين فقال لهم لماذا وقفتم ههنا كل النهار بطالين) ٧ (قالوا له لأنه لم يستأجرنا أحد قال لهم اذهبوا أنتم أيضاً إلى الكرم فتأخذوا ما يحق لكم) ٨ (فلما كان المساء قال صاحب الكرم لوكيله ادع الفعلة وأعطهم الأجر مبتدئاً من الآخرين إلى الأولين) ٩ (فجاء أصحاب الساعة الحادية عشرة وأخذوا ديناراً ديناراً) ١٠ (فلما جاء الأولون ظنوا أنهم يأخذون أكثر فأخذوا هم ديناراً ديناراً) ١١ (وفيما هم يأخذون تذمروا على رب البيت) ١٢ (قائلين هؤلاء الآخرون عملوا ساعة واحدة وقد ساويتهم بنا نحن الذين احتملنا ثقل النهار والحر) ١٣ (فأجاب وقال لواحد منهم يا صاحب ما ظلمتك أما اتفقت معي على دينار) ١٤ (فخذ الذي لك واذهب فإني أريد أن أعطي هذا الأخير مثلك) ١٥ (أو ما يحل لي أن أفعل ما أريد بما لي أم عينك شريرة لأني أنا صالح) ١٦ (هكذا يكون الآخرون أولين والأولون آخرين لأن كثيرين يدعون وقليلين ينتخبون) .

стр. 1134

فالآخرون أمة محمد ﷺ فهم يقدمون في الأجر، وهم الآخرون الأولون كما قال النبي ﷺ : (نحن الآخرون السابقون) وقال: (إن الجنة حرمت على الأنبياء كلهم حتى أدخلها، وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي) . (البشارة السادسة عشر) في الباب الحادي والعشرين من إنجيل متى هكذا: ٣٣ (اسمعوا مثلاً آخر كان إنسان رب بيت غرس كرماً وأحاطه بسياج وحفر فيه معصرة وبنى برجاً وسلمه إلى كرامين وسافر) ٣٤ (ولما قرب

стр. 1135

وقت الإثمار أرسل عبيده إلى الكرامين وسافر ليأخذ أثماره) ٣٥ (فأخذ الكرامون عبيده وجلدوا بعضاً وقتلوا بعضاً ورجموا بعضاً) ٣٦ (ثم أرسل أيضاً عبيداً آخرين أكثر من الأولين ففعلوا بهم كذلك) ٣٧ (فأخبرا أرسل إليهم ابنه قائلاً يهابون ابني) ٣٨ (وأما الكرامون فلما رأوا الابن قالوا فيما بينهم هذا هو الوارث هلموا نقتله ونأخذ ميراثه) ٣٩ (فأخذوه وأخرجوه خارج الكرم وقتلوه) ٤٠ (فمتى جاء صاحب الكرم ماذا يفعل بأولئك الكرامين) ٤١ (قالوا له أولئك الأردياء يهلكهم هلاكاً ردياً ويسلم الكرم إلى كرامين آخرين يعطونه الأثمار في أوقاتها) ٤٢ (قال لهم يسوع أما قرأتم قط في الكتب، الحجر الذي رفضه البناءون، هو قد صار رأس الزاوية من قبل الرب كان هذا وهو عجيب في أعيننا) ٤٣ (لذلك أقول لكم إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره) ٤٤ (ومن سقط على هذا الحجر يترضض، ومن سقط هو عليه يسحقه) ٤٥ (ولما سمع رؤساء الكهنة، والفريسيون أمثاله، عرفوا أنه تكلم عليهم) . أقول: إن رب بيت كناية عن الله، والكرم كناية عن الشريعة، وإحاطته بسياج وحفر المعصرة فيه وبناء البرج، كنايات عن بيان المحرمات والمباحات والأوامر والنواهي، وأن الكرامين الطاغين كناية عن اليهود، كما فهم رؤساء الكهنة، والفريسيون، أنه تكلم عليهم، والعبيد المرسلين كناية عن الأنبياء ﵈، والابن كناية عن عيسى ﵇، وقد عرفت في الباب الرابع أنه لا بأس بإطلاق هذا اللفظ عليه، وقد قتله اليهود أيضاً في زعمهم. والحجر الذي رفضه البناءون كناية عن محمد ﷺ ، والأمة

стр. 1136

التي تعمل أثماره كناية عن أمته ﷺ ، وهذا هو الحجر الذي كل من سقط عليه ترضض، وكل من سقط هو عليه سحقه، وما ادعى العلماء المسيحية بزعمهم، أن هذا الحجر عبارة عن عيسى ﵇، فغير صحيح لوجوه: (الأول) أن داود ﵇، قال في الزبور المائة والثامن عشر هكذا: ٢٢ (الحجر الذي رذله البناءون هو صار رأساً للزاوية) ٢٣ (من قبل الرب كانت هذه، وهي عجيبة في أعيننا) . فلو كان هذا الحجر عبارة عن عيسى ﵇ وهو من اليهود من آل يهوذا من آل داود ﵇، فأي عجب في أعين اليهود عموماً لكون عيسى ﵇ رأس الزاوية سيما في عين داود ﵇ خصوصاً لأن مزعوم المسيحيين، أن داود ﵇ يعظم عيسى ﵇ في مزاميره تعظيماً بليغاً، ويعتقد الألوهية في حقه بخلاف آل إسماعيل، لأن اليهود كانوا يحقرون أولاد إسماعيل غاية التحقير، وكان كون أحد منهم رأساً للزاوية عجيباً في أعينهم. (والثاني) أنه وقع في وسط هذا الحجر كل من سقط على هذا الحجر ترضض، وكل من سقط هو عليه سحقه، ولا يصدق هذا الوصف على عيسى ﵇ لأنه قال: (وإن سمع أحد كلامي، ولم يؤمن، فأنا لا أدينه لأني لم آت لأدين العالم، بل لأخلص العالم) . كما هو في الباب الثاني عشر من إنجيل يوحنا، وصدقه على محمد ﷺ غير محتاج إلى البيان، لأنه كان مأموراً بتنبيه الفجار الأشرار، فإن سقطوا عليه ترضضوا، وإن سقط هو عليهم سحقهم.

стр. 1137

(الثالث) قال النبي ﷺ : (مثلي ومثل الأنبياء، كمثل قصر أحسن بنيانه، وترك منه موضع لبنة، فطاف به النظار، يتعجبون من حسن بنيانه، إلا موضع تلك اللبنة، ختم بي البنيان، وختم بي الرسل) . ولما ثبتت نبوته بالأدلة الأخرى كما ذكرت نبذاً منها في المسالك السابقة، فلا بأس بأن استدل في هذه البشارة بقوله أيضاً. (والرابع) أن المتبادر من كلام المسيح أن هذا الحجر غير الابن. (البشارة السابعة عشر) في الباب الثاني من المشاهدات هكذا: ٢٦ (ومن يغلب، ويحفظ أعمالي إلى النهاية، فسأعطيه سلطاناً على الأمم) ٢٧ (فيرعاهم بقضيب من حديد، كما تكسر آنية من خزف، كما أخذت أيضاً من عند أبي) ٢٨ (وأعطيه كوكب الصبح) ٢٩ (من له أذن فليسمع ما يقول الروح بالكنائس) . فهذا الغالب الذي أعطى سلطاناً على الأمم، ويرعاهم بالقضيب من حديد،

стр. 1138

هو محمد ﷺ . كما قال الله في حقه: ﴿وينصرك الله نصراً عزيزاً﴾ وقد سماه سطيح الكاهن صاحب الهراوة، روى أن ليلة ولادته ﷺ انشق إيوان كسرى أنو شروان، وسقط من ذلك أربع عشرة شرافة، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغارت بحيرة ساوة بحيث صارت يابسة، ورأى الموبذان في نومه أن إبلاً صعاباً تقود خيلاً عراباً فقطعت

стр. 1139

دجلة وانتشرت في بلادها، فخاف كسرى من حدوث هذه الأمور وأرسل عبد المسيح إلى سطيح الكاهن الذي كان في الشام، ولما وصل عبد المسيح إليه، وجده في سكرات الموت فذكر هذه الأمور عنده، فأجاب سطيح: (إذا كثرت التلاوة، وظهر صاحب الهراوة، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس، فليست بابل للفرس مقاماً، ولا الشام لسطيح مناماً، يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرافات، وكل ما هو آت آت) . ثم مات سطيح من ساعته، ورجع عبد المسيح، فأخبر أنو شروان بما قال سطيح، قال كسرى إلى أن يملك أربعة عشر ملكاً، كانت أمور وأمور، فملك منهم عشرة في أربع سنين، وملك الباقون إلى خلافة عثمان ﵁، فهلك آخرهم يزدجر في خلافته. والهراوة بكسر الهاء العصا الضخمة، وكوكب الصبح عبارة عن القرآن، قال الله تعالى في سورة النساء:

стр. 1140

﴿وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً﴾ ، وفي سورة التغابن: ﴿فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا﴾ . قال صاحب صولة الضيغم بعد نقل هذه البشارة، قلت للقسيسين ويت، ووليم عند المناظرة: إن صاحب هذا القضيب من حديد محمد ﷺ ، فاضطربا بسماع هذا الأمر، وقالا: إن عيسى ﵇، حكم بهذا الكنيسة ثياثيراً، فلا بد أن يكون ظهور مثل هذا الشخص هناك، ومحمد ﷺ ما راح هناك، قلت: هذه الكنيسة في أية ناحية كانت. فرجعا إلى كتب اللغة، وقالا: كانت في أرض الروم، قريبة من استانبول. قلت: راح أصحاب محمد

стр. 1141

صلى الله عليه وسلم في خلافة الفاروق الأعظم، عمر ﵁، إلى هذه البلاد، وفتحوها، وبعد الصحابة، ﵃، كان المسلمون أيضاً متسلطين عليها في أكثر الأوقات، ثم تسلط سلاطين آل عثمان، أدام الله سلطنتهم من المدة المديدة، وهم متسلطون إلى هذا الحين، فهذا الخبر صريح في حق محمد، ﷺ ، انتهى كلامه. قلت: الفاضل عباس علي الجاجموي الهندي، صنف أولاً كتاباً، كبيراً في رد أهل التثليث، وسماه صولة الضيغم على أعداء ابن مريم، ثم ناظر هو ﵀ ويت، ووليم القسيسين في البلد كانفور من بلاد الهند وألزمهما، ثم اختصر كتابه، وسمىّ المختصر خلاصة صولة الضيغم، ومناظرته كانت قبل أن ناظر صاحب ميزان الحق في أكبر آباد بمقدار اثنتين وعشرين سنة. (البشارة الثامنة عشر) وهذه البشارة واقعة في آخر أبواب إنجيل يوحنا، وأنا أنقل عن التراجم العربية المطبوعة سنة ١٨٢١ وسنة ١٨٣١ وسنة ١٨٤٤ في بلدة لندن، فأقول: في الباب الرابع عشر من إنجيل يوحنا هكذا: ١٥ (إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي) ١٦ (وأنا أطلب من الأب فيعطيكم فارقليط آخر ليثبت معكم إلى الأبد) ١٧ (روح الحق الذي لن يطيق العالم أن يقبله لأنه ليس يراه ولا يعرفه وأنتم تعرفونه لأنه مقيم عندكم وهو ثابت فيكم) ٢٦ (والفارقليط روح القدس الذي يرسله الأب باسمي هو يعلمكم كل شيء وهو يذكركم كل ما قلته لكم) ٣٠ (والآن قد قلت لكم قبل أن يكون حتى إذا كان تؤمنون) .

стр. 1142

وفي الباب الخامس عشر من إنجيل يوحنا هكذا: (فأما إذا جاء الفارقليط الذي أرسله أنا إليكم من الأب روح الحق الذي من الأب ينبثق هو يشهد لأجلي) ٢٧ (وأنتم تشهدون لأنكم معي من الابتداء) . وفي الباب السادس عشر من إنجيل يوحنا هكذا: ٧ (لكني أقول لكم الحق أنه خير لكم أن انطلق لأني إن لم أنطلق لم يأتكم الفارقليط فأما إن انطلقت أرسلته إليكم) ٨ (فإذا جاء ذاك فهو يوبخ العالم على خطية وعلى بر وعلى حكم) ٩ (أما على الخطية فلأنهم لم يؤمنوا بي) ١٠ (وأما على البر فلأني منطلق إلى الأب ولستم ترونني بعد) ١١ (وأما على الحكم فإن أركون هذا العالم قد دين) ١٢ (وأن لي كلاماً كثيراً أقوله لكم ولكنكم لستم تطيقون حمله الآن) ١٣ (وإذا جاء روح الحق ذاك فهو يعلمكم جميع الحق لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بكل ما يسمع ويخبركم بما سيأتي) ١٤ (وهو يمجدني لأنه يأخذ مما هو لي ويخبركم) ١٥ (جميع ما هو الأب فهو لي فمن أجل هذا قلت أن مما هو لي يأخذ ويخبركم) .

стр. 1143

وأنا أقدم قبل بيان وجه الاستدلال بهذه العبارات أمرين: الأمر الأول: أنك قد عرفت في الأمر السابع، أن أهل الكتاب سلفاً وخلفاً عادتهم أن يترجموا غالباً الأسماء، وأن عيسى ﵇ كان يتكلم باللسان العبراني لا باليوناني، فإذاً لا يبقى شك في أن الإنجيلي الرابع ترجم اسم المبشر به باليوناني بحسب عادتهم، ثم مترجمو العربية عربوا اللفظ اليوناني بفارقليط، وقد وصلت إلى رسالة صغيرة في لسان أردو من رسائل القسيسين في سنة ألف ومائتين وثمان وستين من الهجرة، وكانت هذه الرسالة طبعت في كلكته وكانت في تحقيق لفظ فارقليط، وادعى مؤلفها أن مقصوده أن ينبه المسلمين على سبب وقوعهم في الغلط من لفظ فارقليط، وكان ملخص كلامه: (أن هذا اللفظ معرب من اللفظ اليوناني فإن قلنا أن هذا اللفظ اليوناني الأصل باراكلي طوس فيكون بمعنى المعزي والمعين والوكيل، وإن قلنا أن اللفظ الأصل بيركلو طوس يكون قريباً من معنى محمد وأحمد، فمن استدل من علماء الإسلام بهذه البشارة فهم أن اللفظ الأصل بيركلو طوس ومعناه قريب من معنى محمد وأحمد، فادعى أن عيسى ﵇ أخبر بمحمد أو أحمد لكن الصحيح أنه باراكلي طوس) انتهى ملخصاً من كلامه. فأقول أن التفاوت بين اللفظين يسير جداً وأن الحروف اليونانية كانت متشابهة، فتبدل بيركلو طوس بياراكلي طوس في بعض النسخ من الكاتب قريب القياس، ثم رجح أهل التثليث المنكرين هذه النسخة على النسخ الأخر، ومن تأمل في الباب الثاني من هذا الكتاب والأمر السابع من هذا المسلك

стр. 1144

السادس بنظر الإنصاف، اعتقد يقيناً بأن مثل هذا الأمر من أهل الديانة من أهل التثليث ليس ببعيد، بل لا يبعد أن يكون من المستحسنات. والأمر الثاني: أن البعض ادعوا قبل ظهور محمد ﷺ ، أنهم مصاديق لفظ، فارقليط مثلاً منتنس المسيحي الذي كان في القرن الثاني من الميلاد، وكان مرتاضاً شديداً وأتقى عهده، ادعى في قرب سنة ١٧٧ من الميلاد في آسيا الصغير الرسالة وقال إني هو الفارقليط الموعود به الذي وعد بمجيئه عيسى ﵇ وتبعه أناس كثيرون في ذلك كما هو مذكور في بعض التواريخ. وذكر وليم ميور حاله وحال متبعيه في القسم الثاني من الباب الثالث من تاريخه بلسان أردو المطبوع سنة ١٨٤٨ من الميلاد هكذا: (أن البعض قالوا أنه ادعى أني فارقليط يعني المعزي روح القدس وهو كان أتقى ومرتاضاً شديداً ولأجل ذلك قبله الناس قبولاً زائداً) انتهى كلامه. فعلم أن انتظار فارقليط كان في القرون الأولى المسيحية أيضاً ولذلك كان الناس يدعون مصاديقه وكان المسيحيون يقبلون دعاويهم. وقال صاحب لب التواريخ: (أن اليهود والمسيحيين من معاصري محمد ﷺ كانوا منتظرين لنبي فحصل لمحمد من هذا الأمر نفع عظيم لأنه ادعى أني هو ذاك المنتظر) انتهى ملخص كلامه. فيعلم من كلامه أيضاً أن أهل الكتاب كانوا منتظرين لخروج نبي في زمان النبي ﷺ ، وهو الحق لأن النجاشي ملك الحبشة لما وصل إليه كتاب محمد ﷺ (فقال أشهد بالله أنه للنبي الذي ينتظره أهل الكتاب) وكتب

стр. 1145

الجواب وكتب في الجواب (أشهد أنك رسول الله صادقاً ومصدقاً، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك أي جعفر بن أبي طالب، وأسلمت على يديه لله رب العالمين) وهذا النجاشي قبل الإسلام كان نصرانياً، وكتب المقوقس ملك القبط في جواب كتاب النبي ﷺ هكذا: (لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط سلام عليك أما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعوا إليه، وقد علمت أن نبياً قد بقي وقد كنت أظن أنه يخرج بالشام وقد أكرمت رسولك) والمقوقس هذا وإن لم يسلم لكنه أقر في كتابه أني قد علمت أن نبياً قد بقي وكان نصرانياً، فهذان الملكان ما كانا يخافان في ذلك الوقت من محمد ﷺ لأجل شوكته الدنيوية، وجاء الجارود بن العلاء في قومه إلى رسول الله ﷺ فقال: والله لقد

стр. 1146

جئت بالحق ونطقت بالصدق، والذي بعثك بالحق نبياً لقد وجدت وصفك في الإنجيل وبشر بك ابن البتول فطول، التحية لك والشكر لمن أكرمك، لا أثر بعد عين ولا شك بعد يقين، مد يدك فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك محمد رسول الله) ، ثم آمن قومه وهذا الجارود كان من علماء النصارى وقد أقر بأنه قد بشر بك ابن البتول أي عيسى ﵇، فظهر أن المسيحيين أيضاً كانوا منتظرين لخروج نبي بشر به عيسى ﵇، فإذا علمت ذلك فأقول أن اللفظ العبراني الذي قاله عيسى ﵇ مفقود، واللفظ اليوناني الموجود ترجمة، لكني أترك البحث عن الأصل، وأتكلم على هذا اللفظ اليوناني الأصل بيركلو طوس فالأمر ظاهر، وتكون بشارة المسيح في حق محمد ﷺ بلفظ هو قريب من محمد، وأحمد، وهذا وإن كان قريب القياس بلحاظ عاداتهم لكني أترك هذا الاحتمال، لأنه لا يتم عليهم إلزاماً وأقول إن كان اللفظ اليوناني الأصل بارا كلي طوس كما يدعون فهذا لا ينافي الاستدلال أيضاً، لأن

стр. 1147

معناه المعزي، والمعين، والوكيل، على ما بين صاحب الرسالة، أو الشافع، كما يوجد في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١٦، وهذه المعاني كلها تصدق على محمد ﷺ . وأنا أبين الآن أولاً أن المراد بفارقليط النبي المبشر به أعني محمداً ﷺ لا الروح النازل على تلاميذ عيسى ﵇ يوم الدار، الذي جاء ذكره في الباب الثاني من كتاب الأعمال. وأذكر ثانياً شبهات العلماء المسيحية وأجيب عنها فأقول: أما الأول: فيدل عليه أمور: [١] أن عيسى ﵇ قال: (أولاً، إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي) ثم أخبر عن فارقليط فمقصوده ﵇، أن يعتقد السامعون بأن ما يلقى عليهم يعد ضروري واجب الرعاية، فلو كان فارقليط عبارة عن الروح النازل يوم الدار لما كانت الحاجة إلى هذه الفقرة، لأنه ما كان مظنوناً أن يستبعد الحواريون نزول الروح عليهم مرة أخرى، لأنهم كانوا مستفيضين به من قبل أيضاً، بل لا مجال للاستبعاد أيضاً لأنه إذا نزل على قلب أحد وحل فيه يظهر أثره لا محالة ظهوراً بيناً، فلا يتصوّر إنكار المتأثر منه وليس ظهوره عندهم في صورة يكون فيه مظنة يكون الاستبعاد، فهو عبارة عن النبي المبشر به، فحقيقة الأمر أن المسيح ﵇ لما علم بالتجربة وبنور النبوّة أن الكثيرين من أمته ينكرون النبي المبشر به عند ظهوره، فأكد أولاً بهذه الفقرة ثم أخبر عن مجيئه.

стр. 1148

[٢] أن هذا الروح متحد بالأب مطلقاً وبالابن، نظراً إلى لاهوته اتحاداً حقيقياً فلا يصدق في حقه (فارقليط آخر) بخلاف النبي المبشر به فإنه يصدق هذا القول في حقه بلا تكلف. [٣] أن الوكالة والشفاعة من خواص النبوّة لا من خواص هذا الروح المتحد بالله، فلا يصدقان على الروح ويصدقان على النبي المبشر به بلا تكلف. [٤] أن عيسى ﵇ قال: (هو يذكركم كل ما قلته لكم) . ولم يثبت من رسالة من رسائل العهد الجديد، أن الحواريين كانوا قد نسوا ما قاله عيسى ﵇، وهذا الروح النازل يوم الدار ذكرهم إياه. [٥] أن عيسى ﵇ قال: (والآن قد قلت لكم قبل أن يكون حتى إذا كان تؤمنون) . وهذا يدل على أن المراد به ليس الروح لأنك قد عرفت في الأمر الأول أنه ما كان عدم الإيمان مظنوناً منهم وقت نزوله، بل لا مجال للاستبعاد أيضاً، فلا حاجة إلى هذا القول، وليس من شأن الحكيم العاقل أن يتكلم بكلام فضول فضلاً عن شأن النبي العظيم الشأن، فلو أردنا به النبي المبشر به يكون هذا الكلام في محله، وفي غاية الاستحسان لأجل التأكيد مرة ثانية. [٦] أن عيسى ﵇ قال: (هو يشهد لأجلي) . وهذا الروح ما شهد لأجله بين يدي أحد، لأن تلاميذه الذين نزل عليهم ما كانوا محتاجين إلى الشهادة، لأنهم كانوا يعرفون المسيح حق المعرفة قبل نزوله أيضاً، فلا فائدة للشهادة بين أيديهم، والمنكرون الذين كانوا محتاجين للشهادة فهذا الروح ما شهد بين أيديهم بخلاف محمد ﷺ فإنه شهد لأجل المسيح عليه [ص ٢٨٤] السلام وصدقه وبرأه عن ادعاء الألوهية، الذي هو أشد أنواع

стр. 1149

الكفر والضلال، وبرأ أمه عن تهمة الزنا، وجاء ذكر براءتهما في القرآن في مواضع متعددة، وفي الأحاديث في مواضع غير محصورة. [٧] أن عيسى ﵇ قال: (وأنتم تشهدون لأنكم معي من الابتداء، وهذه الآية في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١٦ هكذا: (وتشهدون أنتم أيضاً لأنكم كنتم معي من الابتداء) . وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٦٠ هكذا: (وتشهدون أنتم أيضاً لأنكم معي من الابتداء) فيوجد في هذه التراجم الثلاث لفظ أيضاً، وكذا يوجد في التراجم الفارسية المطبوعة سنة ١٨١٦ وسنة ١٨٢٨ وسنة ١٨٤١ وفي ترجمة أردو المطبوعة سنة ١٨١٤ ترجمة لفظ أيضاً، فلفظ أيضاً سقط من التراجم التي نقلت عنها عبارة يوحنا سهواً أو قصداً، فهذا القول يدل دلالة ظاهرة على أن شهادة الحواريين غير شهادة فارقليط، فلو كان المراد به الروح النازل يوم

стр. 1150

الدار فلا توجد مغايرة الشهادتين، لأن الروح المذكور لم يشهد شهادة مستقلة غير شهادة الحواريين، بل شهادة الحواريين هي شهادته بعينها، لأن هذا الروح مع كونه إلهاً متحداً بالله اتحاداً حقيقياً برياً من النزول والحلول والاستقرار والشكل التي هي من عوارض الجسم والجسمانيات، نزل مثل ريح عاصفة وظهر في أشكال ألسنة منقسمة كأنها من نار، واستقرت على كل واحد منهم يوم الدار، فكان حالهم كحال من عليه أثر الجن، فكما أن قول الجن يكون قوله في تلك الحالة فكذلك كانت شهادة الروح هي شهادة الحواريين، فلا يصح هذا القول بخلاف ما إذا كان المراد به النبي المبشر به، فإن شهادته غير شهادة الحواريين. [٨] أن عيسى ﵇ قال: (إن لم أنطلق لم يأتكم الفارقليط فأما إن انطلقت أرسلته إليكم) . فعلق مجيئه بذهابه وهذا الروح عندهم نزل على الحواريين في حضوره لما أرسلهم إلى البلاد الإسرائيلية، فنزوله ليس بمشروط بذهابه، فلا يكون مراداً بفارقليط، بل المراد به شخص لم يستفض منه أحد من الحواريين قبل زمان صعوده، وكان مجيئه موقوفاً على ذهاب عيسى ﵇، ومحمد ﷺ كان كذلك، لأنه جاء بعد ذهاب عيسى ﵇، وكان مجيئه موقوفاً على ذهاب عيسى ﵇، لأن وجود رسولين ذوي شريعتين مستقلتين في زمان واحد غير جائز، بخلاف ما إذا كان الآخر متبعاً لشريعة الأول أو يكون كل من الرسل متبعاً لشريعة واحدة، لأنه يجوز في هذه الصورة وجود اثنين أو أكثر في زمان واحد ومكان واحد، كما ثبت وجودهم ما بين زمان موسى ﵇ وعيسى ﵇.

стр. 1151

[٩] أن عيسى ﵇ قال: (يوبخ العالم) . فهذا القول بمنزلة النص الجلي لمحمد ﷺ ، لأنه وبخ العالم سيما اليهود على عدم إيمانهم بعيسى ﵇ توبيخاً لا يشك فيه إلا معاند بحت، وسيكون ابنه الرشيد محمد المهدي رفيقاً لعيسى ﵇ في زمان قتل الدجال الأعور ومتابعيه، بخلاف الروح النازل يوم الدار، فإن توبيخه لا يصح على أصول أحد، وما كان التوبيخ منصب الحواريين بعد نزوله أيضاً، لأنهم كانوا يدعون إلى الملة بالترغيب والوعظ، وما قال رانكين في كتابه المسمى بدافع البهتان الذي هو بلسان أردو في رده على خلاصة صولة الضيغم: (إن لفظ التوبيخ لا يوجد في الإنجيل ولا في ترجمة من تراجم الإنجيل، وهذا المستدل أورد هذا اللفظ ليصدق على محمد صدقاً بيناً لأجل أن محمد ﷺ وبخ وهدد كثيراً، إلا أن مثل هذا التغليط ليس من شأن المؤمنين والخائفين من الله) انتهى كلامه فمردوده. وهذا القسيس إما جاهل غالط أو مغلط ليس له إيمان ولا خوف من الله، لأن هذا اللفظ يوجد في التراجم العربية المذكورة التي نقلت عنها عبارة يوحنا، وفي الترجمة المطبوعة ١٦٧١ في الرومية العظمى، وعبارة الترجمة العربية المطبوعة في بيروت سنة ١٨٦٠ هكذا: (ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية الخ) . وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١٦ وسنة ١٨٢٥، وفي التراجم الفارسية المطبوعة سنة ١٨١٦ وسنة ١٨٢٨ وسنة ١٨٤١ يوجد لفظ الإلزام، ولفظ التبكيت والإلزام أيضاً قريبان من التوبيخ لكن لا شكاية منه، لأن مثل هذا الأمر من عادات علماء بروتستنت ولذلك ترى أن مترجمي

стр. 1152

الفارسية وأردو تركوا لفظ فارقليط لشهرته عند المسلمين في حق محمد ﷺ ، ومترجم ترجمة أردو المطبوعة سنة ١٨٣٩ فإن هؤلاء أسلافه أيضاً، حيث أرجع إلى الروح ضمائر المؤنث ليحصل الاشتباه للعوام أن مصداق هذا اللفظ مؤنث وليس بمذكر. [١٠] قال عيسى ﵇: (أما على الخطية فلأنهم لم يؤمنوا بي) وهذا يدل على أن فارقليط يكون ظاهراً على منكري عيسى ﵇ موبخاً لهم على عدم الإيمان به، والروح النازل يوم الدار ما كان ظاهراً على الناس موبخاً لهم. [١١] قال عيسى ﵇: (إن لي كلاماً كثيراً أقوله لكم، ولكنكم لستم تطيقون حمله الآن) . وهذا ينافي إرادة الروح النازل يوم الدار لأنه ما زاد حكماً على أحكام عيسى ﵇، لأنه على زعم أهل التثليث كان أمر الحواريين بعقيدة التثليث وبدعوة أهل العالم كله، فأي أمر حصل لهم أزيد من أقواله التي قال لهم إلى زمان صعوده. نعم بعد نزول هذا الروح، أسقطوا جميع أحكام التوراة التي هي ما عدا بعض الأحكام العشرة المذكورة في الباب العشرين من سفر الخروج، وحللوا جميع المحرمات وهذا الأمر لا يجوز في حقه أن يقال أنهم ما كانوا يستطيعون حمله، لأنهم استطاعوا حمل سقوط حكم تعظيم السبت الذي هو أعظم أحكام التوراة، الذي كان اليهود ينكرون كون عيسى ﵇ مسيحاً موعوداً به لأجل عدم مراعاته هذا الحكم، فقبول سقوط جميع الأحكام كان أهون عندهم، نعم قبول زيادة الأحكام لأجل ضعف الإيمان، وضعف القوة إلى زمان صعوده كما يعترف به علماء بروتستنت،

стр. 1153

كان خارجاً عن استطاعتهم. فظهر أن المراد بفارقليط نبي تزاد في شريعته أحكام بالنسبة إلى الشريعة العيسوية ويثقل حملها على المكلفين الضعفاء وهو محمد ﷺ . [١٢] أن عيسى ﵇ قال: (ليس ينطق من عنده بل يتكلم بكل ما يسمع) . وهذا يدل على أن فارقليط يكون بحيث يكذبه بنو إسرائيل، فاحتاج عيسى ﵇ أن يقرر حال صدقه فقال هذا القول، ولا مجال لمظنة التكذيب في حق الروح النازل يوم الدار، على أن هذا الروح عندهم عين الله فلا معنى لقوله بل يتكلم بما يسمع. فمصداقه محمد ﷺ ، فإنه كان في حقه مظنة التكذيب وليس هو عين الله وكان يتكلم بما يوحى إليه كما قال الله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ وقال: ﴿إن اتبع إلا ما يوحى إليَّ﴾ . [١٣] أن عيسى ﵇ قال: (أنه يأخذ مما هو لي) . وهذا لا يصدق على الروح، لأنه عند أهل التثليث قديم وغير مخلوق وقادر مطلق ليس له كمال منتظر بل كل كمال من كمالاته حاصل له بالفعل، فلا بد أن يكون الموعود به من الجنس الذي يكون له كمال منتظر، ولما كان هذا الكلام موهماً أن يكون هذا النبي مطيعاً لشريعته، دفعه بقوله فيما بعد:

стр. 1154

(جميع ما للأب فهو لي فلأجل هذا قلت مما هو لي يأخذ) . يعني أن كل شيء يحصل لفارقليط من الله فكأنه يحصل مني، كما اشتهر من كان لله كان الله له، فلأجل هذا قلت أن مما هو لي يأخذ. وأما الثاني أعني الشبهات التي توردها علماء بروتستنت فخمسة: الشبهه على البشارة الثامنة عشر: (الشبهة الأولى) جاء في هذه العبارة تفسير فارقليط بروح القدس وروح الحق وهما عبارتان عن الأفنوم الثالث، فكيف يصح أن يراد بفارقليط محمد ﷺ أقول في الجواب: أن صاحب ميزان الحق يدعي في تأليفاته كون ألفاظ روح الله وروح القدس وروح الحق وروح الصدق وروح فم الله بمعنى واحد، وقال في الفصل الأول من الباب الثاني من مفتاح الأسرار في الصفحة ٥٣ من النسخة الفارسية المطبوعة سنة ١٨٥٠: (أن لفظ روح الله ولفظ روح القدس في التوراة والإنجيل بمعنى واحد) انتهى. فادعى أن هذين اللفظين يستعملان بمعنى واحد في العهدين وقال في حل الإشكال في جواب كشف الأستار: (من له شعور ما بالتوراة والإنجيل فهو يعرف أن ألفاظ روح القدس وروح الحق وروح فم الله وغيرها بمعنى روح الله فلذلك ما رأيت إثباته ضرورياً) انتهى. فإذا عرفت هذا القول نحن نقطع النظر عن صحة ادعائه وعدم صحته ههنا ونسلم ترادف هذه الألفاظ على زعمه لكنا ننكر أن استعمالها في كل موضع من مواضع العهدين بمعنى الأقنوم الثالث ونقول قولاً مطابقاً

стр. 1155

لقوله من له شعور ما بكتب العهدين، يعرف أن هذه الألفاظ تستعمل في غير الأقنوم كثيراً، في الآية الرابعة عشر من الباب السابع والثلاثين من كتاب حزقيال قول الله تعالى في خطاب ألوف من الناس الذين أحياهم بمعجزة حزقيال ﵇ هكذا: (فأعطى فيكم روحي) . ففي هذا القول روح الله بمعنى النفس الناطقة الإنسانية لا بمعنى الأقنوم الثالث الذي هو عين الله على زعمهم، وفي الباب الرابع من الرسالة الأولى ليوحنا هكذا ترجمة عربية سنة ١٧٦٠: ١ (أيها الأحباء لا تصدقوا كل روح، بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله، لأن الأنبياء الكذبة كثيرون قد خرجوا إلى العالم) ٢ (بهذا تعرفون روح الله، كل روح يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فهو من الله) ٦ (نحن من الله فمن يعرف الله يسمع لنا، ومن ليس من الله لا يسمع لنا، من هذا نعرف روح الحق وروح الضلال) . وهذه الجملة الواقعة في الآية الثانية: (بهذا تعرفون روح الله) . وفي التراجم الأخر هكذا ترجمة عربية سنة ١٨٢١، وسنة ١٨٣١، وسنة ١٨٤٤: (وبهذا يعرف روح الله) . ترجمة عربية سنة ١٨٢٥: (فإنكم تميزون روح الله ولفظ روح الله في الآية الثانية، ولفظ روح الحق في الآية السادسة، بمعنى الواعظ الحق لا بمعنى الأقنوم الثالث، ولذلك ترجم مترجم ترجمة أردو المطبوعة سنة ١٨٤٥ لفظ كل روح بكل واعظ، ولفظ الأرواح

стр. 1156

بالواعظين في الآية الأولى ولفظ روح في الآية الثانية بالواعظ من جانب الله، ولفظ روح الحق في الآية السادسة بالواعظ الصادق، وترجم لفظ روح الضلال بالواعظ المضل، وليس المراد بروح الله وروح الحق الأقنوم الثالث الذي هو عين الله على زعمهم وهو ظاهر فتفسير فارقليط بروح القدس وروح الحق لا يضرنا لأنهما بمعنى الواعظ الحق، كما أن لفظ روح الحق وروح الله بهذا المعنى في الرسالة الأولى ليوحنا، فيصح إطلاقهما على محمد ﷺ بلا ريب. (الشبهة الثانية) أن المخاطبين بضميرهم الحواريون، فلا بد أن يظهر فارقليط في عهدهم، ومحمد ﷺ لم يظهر في عهدهم، أقول هذا أيضاً ليس بشيء، لأن منشأه أن الحاضرين وقت الخطاب لا بد أن يكونوا مراضين بضمير الخطاب وهو ليس بضروري في كل موضع، ألا ترى أن قول عيسى ﵇ في الآية الرابعة والستين من الباب السادس والعشرين من إنجيل متى في خطاب رؤساء الكهنة والشيوخ والمجمع هكذا: (وأيضاً أقول لكم من الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتياً على سحاب السماء) . وهؤلاء المخاطبون قد ماتوا ومضت على موتهم مدة هي أزيد من ألف وثمانمائة سنة، وما رأوه آتياً على سحاب السماء، فكما أن المراد بالمخاطبين ههنا الموجودون من قومهم وقت نزوله من السماء، فكذلك فيما نحن فيه المراد الذين يوجدون وقت ظهور فارقليط. (الشبهة الثالثة) أنه وقع في حق فارقليط أن العالم لا يراه ولا يعرفه، وأنتم تعرفونه وهو لا يصدق على محمد ﷺ ، لأن الناس رأوه وعرفوه

стр. 1157

أقول هذا أيضاً ليس بشيء، وهم أحوج الناس تأويلاً في هذا القول بالنسبة إلينا، لأن روح القدس عين الله عندهم والعالم يعرف الله أكثر من معرفة محمد ﷺ ، فلا بد أن نقول أن المراد بالمعرفة المعرفة الحقيقية الكاملة، ففي صورة التأويل لا اشتباه في صدق هذا القول على محمد ﷺ ، ويكون المقصود أن العالم لا يعرفه معرفة حقيقية كاملة، وأنتم تعرفونه معرفة حقيقية كاملة، والمراد بالرؤية المعرفة، ولذا لم يعد عيسى ﵇ لفظ الرؤية بعد لفظ أنتم بل قال وأنتم تعرفونه. ولو حملنا الرؤية على الرؤية البصرية يكون نفي الرؤية محمولاً على ما هو المراد في قول الإنجيلي الأول في الباب الثالث عشر من إنجيله، وأنقل عبارته عن الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١٦ وسنة ١٨٢٥: ١٣ (فلذلك أضرب لهم الأمثال لأنهم ينظرون ولا يبصرون، ويسمعون ولا يستمعون ولا يفهمون) ١٤ (وقد كمل فيهم تنبأ أشعيا حيث قال إنكم تستمعون سمعاً ولا تفهمون وتنظرون نظراً ولا تبصرون) . فلا إشكال أيضاً وأمثال هذين الأمرين وإن كانت معاني مجازية لكنها بمنزلة الحقيقة العرفية. ووقعت في كلام عيسى ﵇ كثيراً: في الآية السابعة والعشرين من الباب الحادي عشر من إنجيل متى هكذا: (وليس أحد يعرف الابن إلا الأب ولا أحد يعرف الأب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له) .

стр. 1158

وفي الآية الثامنة والعشرين من الباب السابع من إنجيل يوحنا هكذا: (الذي أرسلني حق الذي أنتم لستم تعرفونه) . وفي الباب الثامن من إنجيل يوحنا هكذا: (لستم تعرفوني أنا ولا أبي، لو عرفتموني لعرفتم أبي أيضاً) ٥٥ (ولستم تعرفونه أي الله) الخ. وفي الآية الخامسة والعشرين من الباب السابع عشر من إنجيل يوحنا هكذا: (أيها الأب إن العالم لم يعرفك أما أنا فعرفتك) . وفي الباب الرابع عشر من إنجيل يوحنا هكذا: ٧ (لو كنتم قد عرفتموني لعرفتم أبي أيضاً ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه) ٨ (قال له فيلبس يا سيد أرنا الأب وكفانا) ٩ (قال له يسوع أنا معكم زماناً هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس الذي رآني فقد رأى الأب، فكيف تقول أنت أرنا الأب) . فالمراد في هذه الأقوال بالمعرفة المعرفة الكاملة وبالرؤية المعرفة، وإلا لا تصح هذه الأقوال يقيناً، لأن العوام من الناس كانوا يعرفون عيسى ﵇ فضلاً عن رؤساء اليهود، والكهنة، والمشايخ، والحواريين، ورؤية الله بالبصر في هذا العالم ممتنعة عند أهل التثليث أيضاً. (الشبهة الرابعة) أنه وقع في حق فارقليط: (أنه مقيم عندكم، وثابت فيكم) . ويظهر من هذا القول أن فارقليط كان في وقت الخطاب مقيماً عند الحواريين، وثابتاً فيهم، فكيف يصدق على محمد ﷺ . أقول: إن هذا القول في التراجم الأخرى هكذا ترجمة عربية سنة

стр. 1159

١٨١٦، وسنة ١٨٢٥: (لأنه مستقر معكم، وسيكون فيكم) . والتراجم الفارسية المطبوعة سنة ١٨١٦، وسنة ١٨٢٨، وسنة ١٨٤١. وترجمة أردو المطبوعة سنة ١٨١٤، وسنة ١٨٣٩، كلها مطابقة لهاتين الترجمتين، وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٦٠ هكذا: (ماكث معكم، ويكون فيكم) . فظهر أن المراد بقوله ثابت فيكم الثبوت الاستقبالي يقيناً، فلا اعتراض به لوجه من الوجوه، وبقي قوله مقيم عندكم فأقول: لا يصح حمل هذا القول على معنى هو مقيم عندكم الآن، لأنه ينافي قوله: (أنا أطلب من الأب فيعطيكم فارقليط آخر) ، وقوله: (قد قلت لكم قبل أن يكون، حتى إذا كان تؤمنون) ، وقوله: (إن لم أنطلق لم يأتكم الفارقليط) ، وإذا أُول نقول أنه بمعنى الاستقبال، كما أن القول الذي بعده بمعنى الاستقبال، ومعناه يكون مقيماً عندكم في الاستقبال، فلا خدشة في صدقه أيضاً على محمد ﷺ . والتعبير عن الاستقبال بالحال بل بالماضي في الأمور المتيقنة كثير في العهدين، ألا ترى أن حزقيال ﵇ أخبر أولاً عن خروج يأجوج ومأجوج، في الزمان المستقبل، وإهلاكهم حين وصولهم إلى جبال إسرائيل. ثم قال في الآية الثامنة من الباب التاسع والثلاثين من كتابه هكذا: (ها هو جاء وصار يقول الرب الإله هذا هو اليوم الذي قلت عنه) . فانظروا إلى قوله ها هو جاء وصار، وهذا القول في الترجمة الفارسية المطبوعة سنة ١٨٣٩ هكذا: (ابنك رسيد وبوقوع يبوست) فعبر عن الحال المستقبل بالماضي لكونه يقيناً لا شك فيه وقد مضت مدة أزيد من ألفين

стр. 1160

وأربعمائة وخمسين سنة ولم يظهر خروجهم. وفي الآية الخامسة والعشرين من الباب الخامس من إنجيل يوحنا هكذا: (الحق الحق أقول لكم أنه تأتي ساعة وهي الآن حين يسمع الأموات صوت ابن الله والسامعون يحيون) فانظروا إلى قوله وهي الآن وقد مضت مدة أزيد من ألف وثمانمائة ولم تجيء هذه الساعة والى الآن أيضاً مجهولة لا يعرف أحد متى تجيء. (الشبهة الخامسة) في الباب الأول من كتاب الأعمال هكذا: ٤ (وفيما هو مجتمع معهم أوصاهم أن لا يبرحوا من أورشليم بل ينتظروا موعد الأب الذي سمعتموه مني) ٥ (لأن يوحنا عمد بالماء وأما أنتم فستعمدون بالروح القدس ليس بعد هذه الأيام بكثير) . وهذا يدل على أن فارقليط، هو الروح النازل يوم الدار. لأن المراد بوعد الأب هو فارقليط، أقول الادعاء بأن المراد بموعد الأب هو فارقليط، ادعاء محض، بل هو غلط لثلاثة عشر وجهاً وقد عرفتها، بل الحق أن الإخبار عن فارقليط شيء، والوعد بإنزال الروح عليه مرة أخرى شيء آخر وقد وفى الله بالوعدين، وقد عبر بالوعد الأول بمجيء فارقليط، وههنا بموعد الأب. غاية الأمر أن يوحنا نقل بشارة فارقليط، ولم ينقلها الإنجيليون الباقون، ولوقا نقل موعد نزول الروح الذي نزل يوم الدار ولم ينقله يوحنا. ولا بأس فيه فإنهم قد يتفقون في نقل الأقوال الخسيسة، كركوب عيسى ﵇ على الحمار وقت الذهاب إلى
следующие страницы →