Полный текст (1 321 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
المبدل منه غير مقصود ويدل على كونه غير مقصود، أن موسى ﵇ لما أعاد هذا الوعد من كلام الله في الآية الثامنة عشر لا يوجد فيه لفظ من بينك، ونقل بطرس الحواري أيضاً هذا القول ولا يوجد فيه هذا اللفظ كما علمت في الوجه السابع، وكذا نقله استفانوس أيضاً ولا يوجد في نقله أيضاً هذا اللفظ كما صرح به في الباب السابع من كتاب الأعمال وعبارته هكذا: (هذا هو موسى الذي قال لبني إسرائيل نبياً مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من أخوتكم له تسمعون) فسقوطه في هذه المواضع دليل على كونه غير مقصود فاحتمال البدل قوي جداً. وقال صاحب الاستفسار: (إن لفظ من بينك إلحاقي زيد تحريفاً ويدل عليه ثلاثة أمور:
(الأول) أن المخاطبين في هذا الموضع كانوا بني إسرائيل كلهم لا البعض، فقوله من بينك خطاب إلى جميع القوم فصار لفظ من أخوتك لغواً محضاً لا معنى له، لكن لفظ من أخوتك جاء في الموضع الآخر فيكون صحيحاً، ولفظ من بينك إلحاقياً زيد تحريفاً.
(والثاني) أن موسى ﵇ لما نقل كلام الله لإثبات قوله، لا يوجد فيه هذا اللفظ ولا يجوز أن يكون ما قال موسى مخالفاً لما قاله الله.
(والثالث) أن الحواريين كلما نقلوا هذا الكلام لا يوجد فيه لفظ من بينك،
стр. 1087
وإن قلتم: إن المحرف إذا حرف فَلِمَ لَمْ يحرف الكلام كله، قلت: نحن نرى في محكمات العدالة دائماً أن القبالجات المحرفة يثبت تحريف الألفاظ المحرفة فيها من مواضع أخرى منها غالباً، وأن شهود الزور يؤخذون ببعض بياناتهم، فالوجه الوجيه على أن عادة الله جارية بأنه لا يهدي كيد الخائنين ويظهر خيانة خائن الدين بمقتضى مرحمته، فبمقتضى هذه العادة يصدر عن الخائن شيء ما تظهر به خيانته، على أنه لا توجد ملة يكون أهلها كلهم خائنين، فالخائنون الذين حرفوا كتب العهدين كان لهم لحاظ ما من جانب بعض المتدينين فلذلك ما بدلوا الكل، انتهى.
أقول هذا الجواب بالنسبة إلى عادة أهل الكتاب النسيب كما عرفت في الأمر السابع وأقول في (الجواب) عن الاعتراض الثاني أن آية الإنجيل هكذا: (لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني لأنه هو كتب عني) وليس فيها تصريح بأن موسى ﵇ كتب في حقه في المواضع الفلاني، بل المفهوم منه أن موسى كتب في حقه، وهذا يصدق إذا وجد في موضع من مواضع التوراة إشارة إليه، ونحن نسلم هذا الأمر كما ستعرف في ذيل بيان البشارة الثالثة، لكنا ننكر أن يكون قوله إشارة إلى هذه البشارة للوجوه التي عرفتها وقد ادعى هذا المعترض في الفصل الثالث من الباب الثالث من الباب الثاني من الميزان أن
стр. 1088
الآية الخامسة عشر من الباب الثالث من سفر التكوين إشارة إليه، فهذا القدر يكفي لتصحيح قول عيسى ﵇، نعم لو قال عيسى ﵇ أن موسى ﵇ ما أشار في أسفاره الخمسة إلى نبي من الأنبياء إلا إليّ لكان لهذا التوهم مجال في ذلك الوقت.
(البشارة الثانية) الآية الحادية والعشرون من الباب الثاني والثلاثين من سفر الاستثناء هكذا: (هم أغاروني بغير إله وأغضبوني بمعبوداتهم الباطلة وأنا أيضاً أغيرهم بغير شعب وبشعب جاهل أغضبهم) والمراد بشعب جاهل العرب لأنهم كانوا في غاية الجهل والضلال، وما كان عندهم علم لا من العلوم الشرعية ولا من العلوم العقلية، وما كانوا يعرفون سوى عبادة الأوثان والأصنام، وكانوا محقرين عند اليهود لكونهم من أولاد هاجر الجارية. فمقصود الآية أن بني إسرائيل أغاروني بعبادة المعبودات الباطلة فأغيرهم باصطفاء الذين هم عندهم محقرون وجاهلون، فأوفى بما وعد فبعث من العرب النبي ﷺ فهداهم إلى الصراط المستقيم كما قال الله تعالى في سورة الجمعة: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو
стр. 1089
عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ .
وليس المرد بالشعب الجاهل اليونانيين كما يفهم من ظاهر كلام مقدسهم بولس في الباب العاشر من الرسالة الرومية، لأن اليونانيين قبل ظهور عيسى ﵇ بأزيد من ثلثمائة سنة كانوا فائقين على أهل العالم كلهم في العلوم والفنون، وكان جميع الحكماء المشهورين مثل سقراط وبقراط وفيساغورس وأفلاطون وأرسطاطاليس وأرشميدس وبليناس وأقليدس وجالينوس وغيرهم الذين كانوا أئمة الإلهيات والرياضيات
стр. 1090
والطبيعيات وفروعها قبل عيسى ﵇، وكان اليونانيين في عهده على غاية درجة الكمال في فنونهم، وكانوا واقفين على أحكام التوراة وقصصها وسائر كتب العهد العتيق أيضاً بواسطة ترجمة سبتوجنت التي ظهرت باللسان اليوناني قبل المسيح بمقدار مائتين وست وثمانين سنة، لكنهم ما كانوا معتقدين للملة الموسوية وكانوا متفحصين عن الأشياء الحكمية الجديدة كما قال مقدسهم هذا في الباب الأول من الرسالة الأولى إلى أهل قورنيثوس هكذا: (لأن اليهود يسألون آية واليونانيين يطلبون حكمة) ٢٣ (ولكننا نحن نكرز بالمسيح مصلوباً لليهود عثرة ولليونانيين جهالة) فلا يجوز أن يكون المراد بالشعب الجاهل اليونانيين، فكلام مقدسهم في الرسالة الرومية إما مؤوّل أو مردود وقد عرفت في الأمر الثامن أن قوله ساقط عن الاعتبار عندنا.
(البشارة الثالثة) في الباب الثالث والثلاثين من سفر الاستثناء في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٤٤ هكذا: (وقال جاء الرب من سينا وأشرق لنا من ساعيرا ستعلن من جبل فاران ومعه ألوف الأطهار في يمينه سنة من
стр. 1091
نار) .
فمجيئه من سيناء وإعطاؤه التوراة لموسى ﵇ وإشراقه من ساعير وإعطاؤه الإنجيل لعيسى ﵇، واستعلانه من جبل فاران إنزاله القرآن لأن فاران جبل من جبال مكة في الباب الحادي والعشرين من سفر التكوين في حال إسماعيل ﵇ هكذا: ٢٠ (وكان الله معه ونما وسكن في البرية وصار شاباً يرمي بالسهام ٢١ وسكن برية فاران وأخذت له أمه امرأة من أرض مصر) . ولا شك أن إسماعيل ﵇ كانت سكونته بمكة، ولا يصح أن يراد أن النار لما ظهرت من طور سينا ظهرت من ساعير ومن فاران أيضاً فانتشرت في هذه المواضع، لأن الله لو خلق ناراً في موضع، لا يقال جاء الله من ذلك الموضع إلا إذا أتبع تلك الواقعة وحي نزل في ذلك الموضع أو عقوبة أو ما أشبه ذلك، وقد اعترفوا أن الوحي اتبع تلك في طور سيناء فكذا لا بد أن يكون في ساعير وفاران.
стр. 1092
(البشارة الرابعة) في الآية العشرين من الباب السابع عشر من سفر التكوين، وعد الله في حق إسماعيل ﵇ لإبراهيم ﵇ في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٤٤ هكذا: (وعلى إسماعيل أستجيب لك هو ذا أباركه وأكبره وأكثره جداً فسيلد اثني عشر رئيساً وأجعله لشعب كبير) . وقوله أجعله لشعب كبير يشير إلى محمد ﷺ لأنه لم يكن في ولد إسماعيل من كان لشعب كبير غيره وقد قال الله تعالى ناقلاً دعاء إبراهيم وإسماعيل في حقه ﵈ في كلامه المجيد أيضاً: ﴿ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم﴾ .
وقال الإمام القرطبي في الفصل الأول من القسم الثاني من كتابه وقد تفطن بعض النبهاء ممن نشأ على لسان اليهود وقرأ بعض كتبهم، فقال يخرج مما ذكر من عبارة التوراة في موضعين اسم محمد ﷺ بالعدد على ما يستعمله اليهود فيما بينهم الأول: قوله جداً جداً بتلك اللغة بمادماد وعدد هذه الحروف اثنان وتسعون لأن الباء اثنان والميم أربعون والألف واحد والدال أربعة والميم الثانية أربعون والألف واحد والدال أربعة، وكذلك
стр. 1093
الميم من محمد أربعون والحاء ثمانية والميم أربعون والدال أربعة. والثاني: قوله لشعب كبير بتلك اللغة لغوي غدول، فاللام عندهم ثلاثون والغين ثلاثة لأنه عندهم في مقام الجيم إذ ليس في لغتهم جيم ولا صاد والواو ستة والياء عشرة والغين أيضاً ثلاثة والدال أربعة والواو ستة واللام ثلاثون، فمجموع هذه أيضاً اثنان وتسعون انتهى كلامه.
بتلخيص ما وعبد السلام كان من أحبار اليهود ثم أسلم في عهد السلطان المرحوم بايزيد خان، وصنف رسالة صغيرة سماها بالرسالة الهادية فقال فيها: (أن أكثر أدلة أحبار اليهود بحرف الجمل الكبير وهو حرف أبجد، فإن
стр. 1094
أحبار اليهود حين بنى سليمان النبي ﵇ بيت المقدس، اجتمعوا وقالوا يبقى هذا البناء أربعمائة وعشرة سنين ثم يعرض له الخراب، لأنهم حسبوا لفظة بزات) ثم قال: (واعترضوا [ص ٢٥٢] على هذا الدليل بأن الباء في بمادماد ليست من نفس الكلمة بل هي أداة وحرف جيء به للصلة فلو أخرج منه اسم محمد لاحتاج إلى باء ثانية ويقال ببمادماد، قلنا من المشهور عندهم إذا اجتمع الباآن أحدهما أداة والآخر من نفس الكلمة تحذف الأداة وتبقى التي هي من نفس الكلمة، وهذا شائع عندهم في مواضع غير معدودة فلا حاجة إلى إيرادها) انتهى كلامه بلفظه. أقول قد صرح العلماء بأن أسمائه ﷺ مادماد كما في شفاء القاضي عياض.
(البشارة الخامسة) الآية العاشرة من الباب التاسع والأربعين من سفر التكوين هكذا ترجمة عربية سنة ١٧٢٢ وسنة ١٨٣١:
стр. 1095
(فلا يزول القضيب من يهوذا والمدبر من فخذه حتى يجيء الذي له الكل وإياه تنتظر الأمم) وفي ترجمة عربية سنة ١٨١١ (فلا يزول القضيب من يهوذا والرسم من تحت أمره إلى أن يجيء الذي هو له وإليه تجتمع الشعوب) . ولفظ الذي له الكل أو الذي هو له، ترجمة لفظ شيلوه، وفي ترجمة هذا اللفظ اختلاف كثير فيما بينهم وقد عرفت في الأمر السابع أيضاً، وقال عبد السلام في الرسالة الهادية هكذا: (لا يزول الحاكم من يهوذا ولا راسم من بين رجليه حتى يجيء الذي له وإليه تجتمع الشعوب) .
وفي هذه الآية دلالة على أن يجيء سيدنا (محمد) ﷺ بعد تمام حكم موسى وعيسى، لأن المراد من الحاكم هو موسى، لأنه بعد يعقوب ما جاء صاحب شريعة إلى زمان موسى إلا موسى، والمراد من الراسم هو عيسى، لأنه بعد موسى إلى زمان عيسى ما جاء صاحب شريعة إلا عيسى وبعدهما ما جاء صاحب شريعة إلا محمد، فعلم أن المراد من قول يعقوب في آخر الأيام هو نبينا محمد ﵇، لأنه في آخر الزمان بعد مضي حكم الحاكم والراسم ما جاء إلا سيدنا محمد ﵇، ويدل عليه أيضاً قوله حتى يجيء الذي له أي الحكم بدلالة مساق الآية وسياقها،
стр. 1096
وأما قوله: وإليه تجتمع الشعوب فهي علامة صريحة ودلالة واضحة على أن المراد منها هو سيدنا، لأنه ما اجتمع الشعوب إلا إليه وإنما لم يذكر الزبور لأنه لا أحكام فيه، وداود النبي تابع لموسى والمراد من خبر يعقوب هو صاحب الأحكام) انتهى كلامه بلفظه.
أقول إنما أراد من الحاكم موسى ﵇، لأن شريعته جبرية انتقامية، ومن الراسم عيسى ﵇، لأن شريعته ليست بجبرية ولا انتقامية، وأن أريد من القضيب السلطنة الدنيوية ومن المدبر الحاكم الدنيوي، كما يفهم من رسائل القسيسين من فرقة بروتستنت ومن بعض تراجمهم، فلا يصح أن يراد بشيلوه مسيح اليهود كما هو مزعومهم، ولا عيسى ﵇ كما هو مزعوم النصارى.
أما الأول: فظاهر لأن السلطنة الدنيوية والحاكم الدنيوي زالا من آل يهوذا من مدة هي أزيد من ألفي سنة من عهد بختنصر ولم يسمع إلى الآن حسيس مسيح اليهود.
وأما الثاني: فلأنهما زالتا من آل يهوذا أيضاً قبل ظهور عيسى ﵇ بمقدار ستمائة سنة من عهد بختنصر وهو أجلى بني يهوذا إلى بابل وكانوا
стр. 1097
في الجلاء ثلاثاً وستين سنة لا سبعين كما يقول بعض علماء بروتستنت تغليطاً للعوام وقد عرفت في الفصل الثالث من الباب الأول، ثم وقع عليهم أنتيوكس ما وقع فإنه عزل أونياس حبر اليهود وباع منصبه لأخيه ياسون بثلثمائة وستين وزنة ذهب يقدمها له خراجاً كل سنة، ثم عزله وباع ذلك لأخيه مينالاوس بستمائة وستين وزنة، ثم شاع خبر موته فطلب ياسون أن يسترد لنفسه الكهنوت ودخل أورشليم بألوف من الجنود فقتل كل من كان يظنه عدواً له وهذا الخبر كان كاذباً فهجم أنتيوكس على أورشليم وامتلكها ثانية في سنة ١٧٠ قبل ميلاد المسيح وقتلمن أهلها أربعين ألفاً وباع مثل ذلك عبيداً، وفي الفصل العشرين من الجزء الثاني من مرشد الطالبين في بيان الجدول التاريخي في الصفحة ٤٨١ من النسخة المطبوعة سنة ١٨٥٢ من الميلاد (أنه نهب أورشليم وقتل ثمانين ألفاً) انتهى. وسلب ما كان في الهيكل من الأمتعة النفيسة التي كانت قيمتها ثمانمائة وزنة ذهب وقرب خنزيرة وقوداً على المذبح للإهانة، ثم رجع إلى إنطاكية وأقام فيلبس أحد الأراذل حاكماً على اليهودية، وفي رحلته الرابعة إلى مصر أرسل أبولوينوس بعشرين ألفاً من جنوده وأمرهم أن يخربوا أورشليم ويقتلوا كل من بها من الرجال ويسبو النساء والصبيان فانطلقوا إلى هناك.
وبينما كان الناس في المدينة مجتمعين للصلاة يوم السبت هجموا عليهم على غفلة فقتلوا الكل، إلا من أفلت إلى الجبال واختفى في المغاير، ونهبوا أموال المدينة وأحرقوها وهدموا أسوارها وأخربوا منازلها ثم ابتنوا لهم من بسائط ذلك الهدم قلعة حصينة
стр. 1098
على جبل اكرا، وكانت العساكر تشرف منها على جميع نواحي الهيكل ومن دنا منه يقتلونه، ثم أرسل انتيوكس أثانيوس ليعلم اليهود طقوس عبادة الأصنام اليونانية ويقتل كل من لا يمتثل ذلك الأمر، فجاء أثانيوس إلى أورشليم وساعده على ذلك بعض اليهود الكافرين، وأبطل الذبيحة اليومية ونسخ كل طاعة للدين اليهودي عموماً وخصوصاً، وأحرق كل ما وجده من نسخ كتب العهد العتيق بالفحص التام، وكرس الهيكل للمشتري ونصب صورة ذلك على مذبح اليهود وأهلك كل من وجده مخالف أمر انتيوكس، ونجا متاثياس الكاهن مع أبنائه الخمسة في هذه الداهية وفروا إلى وطنهم مودين في سبط دان فانتقم من هؤلاء الكفار انتقاماً ما قدروا عليه على استطاعته كما هو مصرح به في التواريخ، فكيف يصدق هذا الخبر على عيسى ﵇ وإن قالوا أن المراد ببقاء السلطنة والحكومة امتياز القوم كما يقول بعضهم الآن، قلنا هذا الأمر كان باقياً إلى ظهور محمد ﷺ ، وكانوا في أقطار العرب ذوي حصون وأملاك غير مطيعين لأحد مثل يهود خيبر وغيرهم كما يشهد به التواريخ، وبعد ظهور محمد ﷺ ضربت عليهم الذلة والمسكنة وصاروا في كل إقليم مطيعين للغير، فالأليق أن يكون المراد بشيلوه النبي ﷺ لا مسيح
стр. 1099
اليهود ولا عيسى ﵇.
(البشارة السادسة) الزبور الخامس والأربعون هكذا: (فاض قلبي كلمة صالحة أنا أقول أعمالي للملك) ١ (لساني قلم كاتب سريع الكتابة) ٢ (بهي في الحسن أفضل من بني البشر) ٣ (انسكبت النعمة على شفتيك لذلك باركك الله إلى الدهر) ٤ (تقلد سيفك على فخذك أيها القوي بحسنك وجمالك) ٥ (أستله وأنجح وأملك من أجل الحق والدعة والصدق وتهديك بالعجب يمينك) ٦ (نبلك مسنونة أيها القوي في قلب أعداء الملك الشعوب تحتك يسقطون) ٧ (كرسيك يا الله إلى دهر الداهرين عصا الاستقامة عصا ملكك) ٨ (أحببت البر وأبغضت الإثم لذلك مسحك الله إلهك بدهن الفرح أفضل من أصحابك) ٩ (المر والميعة والسليخة من ثيابك من منازلك الشريفة العاج التي أبهجتك) ١٠ (بنات الملوك في كرامتك قامت الملكة من عن يمينك مشتملة بثوب مذهب موشى) ١١ (اسمعي يا بنت وانظري وأنصتي بأذنيك وانسي شعبك وبنت أبيك) ١٢ (فيشتهي الملك حسنك لأنه هو الرب إلهك وله تسجدين) ١٣ (بنات صور يأتينك بالهدايا لوجهك يصلي كل أغنياء الشعب) ١٤ (كل مجد ابنة الملك من داخل مشتملة بلباس الذهب
стр. 1100
الموشى) ١٥ (يبلغن إلى الملك عذارى في أثرها قريباتها إليك يقدمن) ١٦ (يبلغن بفرح وابتهاج يدخلن إلى هيكل الملك) ١٧ (ويكون بنوك عوضاً من آبائك وتقيمهم رؤساء على سائر الأرض) ١٨ (سأذكر اسمك في كل جيل وجيل من أجل ذلك تعترف لك الشعوب إلى الدهر والى دهر الداهرين) .
وهذا الأمر مسلم عند أهل الكتاب أن داود ﵇ يبشر في هذا الزبور بنبي يكون ظهوره بعد زمانه، ولم يظهر إلى هذا الحين عند اليهود نبي يكون موصوفاً بالصفات المذكورة في هذا الزبور، ويدعى علماء بروتستنت أن هذا النبي عيسى ﵇، ويدعي أهل الإسلام سلفاً وخلفاً أن هذا النبي محمد ﷺ . فأقول أنه ذكر في هذا الزبور من صفات النبي المبشر به هذه الصفات:
[ص ٢٥٦] [١] كونه حسناً. [٢] كونه أفضل البشر. [٣] كون النعمة منسكبة على شفتيه. [٤] كونه مباركاً إلى الدهر. [٥] كونه متقلداً بالسيف. [٦] كونه قوياً.
стр. 1101
[٧] كونه ذا حق ودعة وصدق. [٨] كونه هداية يمينه بالعجب. [٩] كون نبله مسنونة. [١٠] سقوط الشعب تحته. [١١] كونه محباً للبر ومبغضاً للإثم. [١٢] خدمة بنات الملوك إياه. [١٣] إتيان الهدايا إليه. [١٤] انقياد كل أغنياء الشعب له. [١٥] كون أبنائه رؤساء الأرض بدل آبائهم. [١٦] كون اسمه مذكوراً جيلاً بعد جيل. [١٧] مدح الشعوب إياه إلى دهر الداهرين.
وهذه الأوصاف كلها توجد في محمد ﷺ على أكمل وجه.
أما الأول: فلأن أبا هريرة ﵁ قال: (ما رأيت شيئاً أحسن من رسول الله ﷺ ، كأن الشمس تجري في وجهه وإذا ضحك يتلألأ في الجدار) .
стр. 1102
وعن أم معبد ﵂ قالت في بعض ما وصفته به: (أجمل الناس من بعيد وأحلاهم وأحسنهم من قريب) .
وأما الثاني: فلأن الله تعالى قال في كلامه المحكم: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) الآية. وقال أهل التفسير أراد بقوله ﴿ورفع بعضهم درجات﴾ محمداً ﷺ أي رفعه على سائر الأنبياء من وجوه متعددة، وقد أشبع الكلام في تفسير هذه الآية الإمام الهمام الفخر الرازي في تفسيره الكبير. وقال ﷺ : (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر) أي لا أقول ذلك فخراً لنفسي بل تحدثاً بنعمة ربي.
وأما الثالث: فغير محتاج إلى البيان حتى أقر بفصاحته الموافق والمخالف، وقال الرواة في وصف كلامه: إنه كان أصدق الناس لهجة فكان من
стр. 1103
الفصاحة بالمحل الأفضل والموضع الأكمل.
وأما الرابع: فلأن الله تعالى قال: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ وألوف ألوف من الناس يصلون عليه في الصلوات الخمس.
وأما الخامس: فظاهر وقد قال هو بنفسه أنا رسول الله بالسيف.
وأما السادس: فكانت قوته الجسمانية على الكمال، كما ثبت أن ركانة خلا برسول الله ﷺ في بعض شعاب مكة قبل أن يسلم فقال: يا ركانة ألا تتقي الله وتقبل ما أدعوك إليه. فقال: لو أعلم والله ما تقول حقاً لاتبعتك. فقال: أرأيت إن صرعتك أتعلم أن ما أقول حق قال: نعم، فلما بطش به صلى الله تعالى عليه وسلم أضجعه لا يملك من أمره شيئاً، ثم قال: يا محمد عد فصرعه أيضاً فقال: يا محمد إن ذا لعجب. فقال ﷺ : وأعجب من ذلك إن شئت أن أريكه إن اتقيت الله وتبعت أمري. قال: ما هو قال: أدعو لك هذه الشجرة فدعاها فأقبلت حتى وقفت بين يديه صلى الله تعالى عليه وسلم. فقال لها: ارجعي مكانك. فرجع ركانة إلى قومه فقال: يا بني عبد مناف ما رأيت أسحر منه ثم أخبرهم بما رأى. وركانة
стр. 1104
هذا كان من الأقوياء والمصارعين المشهورين. وأما شجاعته فقد قال ابن عمر ﵄: (ما رأيت أشجع ولا أنجد ولا أجود من رسول الله ﷺ وقال علي كرم الله وجهه: (وإنا كنا إذا حمى البأس واحمرت الحدق اتقينا برسول الله ﷺ فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه، ولقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله ﷺ وهو أقربنا إلى العدو وكان من أشد الناس يومئذ بأساً) .
وأما السابع: فلأن الأمانة والصدق من الصفات الجليلة له ﷺ ، كما قال النضر بن الحارث لقريش: (قد كان محمد فيكم غلاماً حدثاً أرضاكم
стр. 1105
فيكم، وأصدقكم حديثاً، وأعظمكم أمانة. حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم قلتم إنه ساحر، لا والله ما هو بساحر) . وسأل هرقل عن حال النبي ﷺ أبا سفيان فقال: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال. قال: لا.
وأما الثامن: فلأنه رمى يوم بدر وكذا يوم حنين وجوه الكفار بقبضة
стр. 1106
تراب فلم يبق مشرك إلا شغل بعينه فانهزموا وتمكن المسلمون منهم قتلاً وأسراً فأمثال هذه من عجيب هداية يمينه.
وأما التاسع: فلأن كون أولاد إسماعيل أصحاب النبل في سالف الزمان، غير محتاج إلى البيان وكان هذا الأمر مرغوباً له وكان يقول: (ستفتح عليكم الروم ويكفيكم الله فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه) . ويقول: (ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً) . ويقول ﵇: (من تعلم الرمي ثم تركه فليس منا) .
وأما العاشر: فلأن الناس دخلوا أفواجاً في دين الله في مدة حياته.
وأما الحادي عشر: فمشهور يعترف به المعاندون أيضاً، كما عرفت في المسلك الثاني.
وأما الثاني عشر: فقد صارت بنات الملوك والأمراء، خادمة للمسلمين في
стр. 1107
الطبقة الأولى، ومنها شهربانو بنت يزدجرد، كسرى فارس، كانت تحت الإمام الهمام الحسين ﵁.
وأما الثالث عشر والرابع عشر: فلأن النجاشي ملك الحبشة ومنذر بن ساوى ملك البحرين وملك عمان انقادوا وأسلموا، وهرقل قيصر الروم أرسل إليه بهدية، والمقوقس ملك القبط أرسل إليه ثلاث جوار، وغلاماً أسود وبغلة شهباء، وحمار أشهب، وفرساً وثياباً وغيرها.
وأما الخامس عشر: فقد وصل من أبناء الإمام الحسن ﵁ إلى الخلافة، وألوف في أقاليم مختلفة من الحجاز واليمن ومصر والمغرب والشام
стр. 1108
وفارس والهند وغيرها. وفازوا بالسلطنة والإمارة العلية، وإلى الآن أيضاً في ديار الحجاز واليمن، وفي غيرهما توجد الأمراء والحكام من نسله ﷺ ، وسيظهر إن شاء الله المهدي ﵁ من نسله، ويكون خليفة الله في الأرض، ويكون الدين كله لله في عهده الشريف.
وأما السادس عشر والسابع عشر: فلأنه ينادي ألوف ألوف جيلاً بعد جيل في الأوقات الخمسة، بصوت رفيع في أقاليم مختلفة: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله) . ويصلي عليه في الأوقات المذكورة الغير المحصورين من المصلين، والقراء يحفظون منشوره، والمفسرين يفسرون معاني فرقانه، والوعاظ يبلغون وعظه، والعلماء والسلاطين يصلون إلى خدمته، ويسلمون عليه من وراء الباب، ويمسحون وجوههم بتراب روضته ويرجون شفاعته.
ولا يصدق هذا الخبر في حق عيسى ﵇. كما يدعيه علماء بروتستنت ادعاء باطلاً، لأنهم يدعون أن الخبر المندرج، في الباب الثالث والخمسين من كتاب أشعيا، في حق عيسى ﵇، ووقع في هذا الخبر في حقه هكذا: (ليس له منظر وجمال ورأيناه ولم يكن له منظر واشتهيناه مهاناً، وآخر الرجال رجل الأوجاع مختبراً بالأمراض، وكان مكتوماً وجهه ومزدولاً ولم نحسبه، ونحن
стр. 1109
حسبناه كأبرص ومضروباً من الله ومخضوعاً، والرب شاء أن يستحقه) .
وهذه الأوصاف ضد الأوصاف التي في الزبور المذكور، فلا يصدق عليه كونه حسناً، ولا كونه قوياً. وكذا لا يصدق عليه كونه متقلداً بالسيف، ولا كون نبله مسنونة، ولا انقياد الأغنياء، ولا إرسالهم إليه الهدايا، بل هو على زعم النصارى، أخذوه وأهانوه واستهزؤوا به، وضربوه بالسياط، ثم صلبوه. وما كان له زوجة ولا ابن، فلا يصدق دخول البنات في بيته، ولا كون أبنائه بدل آبائه رؤساء الأرض.
(فائدة) ترجمة الآية الثامنة التي نقلتها مطابقة للترجمة الفارسية للزبور كانت عندي، ولتراجم أردو للزبور، وموافقة لنقل مقدسهم بولس، لأنه نقل هذه الآية في الباب الأول من رسالته العبرانية. هكذا ترجمة عربية سنة ١٨٢١، وسنة ١٨٣١، وسنة ١٨٤٤: (أحببت البر وأبغضت الإثم، لذلك مسحك الله إلهك بدهن الفرح أفضل من أصحابك) . والتراجم الفارسية المطبوعة سنة ١٨١٦، وسنة ١٨٢٨، وسنة ١٨٤١. وتراجم أردو المطبوعة سنة ١٨٣٩، وسنة ١٨٤٠، وسنة ١٨٤١. مطابقة للتراجم العربية. فالترجمة التي تكون مخالفة لما نقلت تكون غير صحيحة. ويكفي لردها إلزاماً كلام مقدسهم. وقد عرفت في مقدمة الباب الرابع أن
стр. 1110
إطلاق لفظ الإله والرب وأمثالهما، جاء على العوام فضلاً عن الخواص. والآية السادسة من الزبور الثاني والثمانين هكذا: (أنا قلت إنكم آلهة وبنو العلى كلكم) . فلا يرد ما قال صاحب مفتاح الأسرار أنه وقع في الآية المذكورة هكذا: (أحببت البر وأبغضت الشر، من أجل ذلك يا الله مسح إلهك بدهن البهجة أفضل من رفقائك، ولا يقال لشخص غير المسيح يا الله مسح إلهك) الخ، لأنا لا نسلم أولاً: صحة ترجمته لكونها مخالفة لكلام مقدسهم. وثانياً: لو قطعنا النظر عن عدم صحتها، أقول ادعاؤه صريح البطلان. لأن لفظ الله ههنا بالمعنى المجازي لا الحقيقي ويدل عليه قوله إلهك، لأن الإله الحقيقي لا إله له. فإذا كان بالمعنى المجازي يصدق في حق محمد ﷺ كما يصدق في حق عيسى ﵇.
(البشارة السابعة) في الزبور المائة والتاسع والأربعين هكذا: ١ (سبحوا الرب تسبيحاً جديداً، سبحوه في مجمع الأبرار) ٢ (فليفرح إسرائيل بخالقه، وبنو صهيون يبتهجون بملكهم) ٣ (فليسبحوا اسمه بالمصاف بالطبل والمزمار يرتلوا له) ٤ (لأن الرب يسر بشعبه ويشرف المتواضعين بالخلاص) ٥ (تفتخر الأبرار بالمجد، ويبتهجون على مضاجعهم) ٦ (ترفيع الله في حلوقهم وسيوف ذات فمين في أياديهم) ٧ (انتقاماً في الأمم وتوبيخات في الشعوب) ٨ (ليقيدوا ملوكهم بالقيود وأشرافهم بأغلال من حديد ليضعوا بهم حكماً مكتوماً) ٩ (هذا المجد يكون لجميع أبراره) .
стр. 1111
ففي هذا الزبور عبر عن المبشر به بالملك وعن مطيعه بالأبرار، وذكر من أوصافهم افتخارهم بالمجد وترفيع الله في حلوقهم، وكون سيوف ذات فمين في أياديهم، وانتقامهم من الأمم وتوبيخاتهم للشعوب، وأسرهم الملوك والأشراف بالقيود والأغلال من حديد. فأقول المبشر به محمد ﷺ وأصحابه ﵃ ويصدق جميع الأوصاف المذكورة في هذا الزبور عليه وعلى أصحابه، وليس المبشر به سليمان ﵇ لأنه ما وسع مملكته على مملكة أبيه على زعم أهل الكتاب، ولأنه صار مرتداً عابداً الأصنام في آخر عمره على زعمهم، ولا عيسى ابن مريم ﵉ لأنه بمراحل عن الأوصاف المذكورة فيه لأنه أسر ثم قتل على زعمهم، وكذا أسر أكثر حواريه بالقيود والأغلال، ثم قتلوا بأيدي الملوك والأشراف الكفار.
(البشارة الثامنة) في الباب الثاني والأربعين من كتاب أشعيا هكذا: ٩ (التي قد كانت أولاها قد أتت وأنا مخبر أيضاً بأحداث قبل أن تحدث وأسمعكم إياها) ١٠ (سبحوا للرب تسبيحة جديدة حمده من أقاصي الأرض راكبين في البحر وملؤه الجزائر وسكانهن) ١١ (يرتفع البرية ومدتها في البيوت نحل قيدار سبحوا يا سكان الكهف من رؤوس الجبال يصيحون) ١٢ (يجعلون للرب كرامة وحمده يخبرون به في الجزائر) ١٣ (الرب كجبار، يخرج مثل
стр. 1112
رجل مقاتل يهوش الغير يصوت ويصيح، على أعدائه يتقوى) ١٤ (سكت دائماً صمت صبرت صبراً فأتكلم مثل الطائفة ما بدد وابتلع معاً) ١٥ (أخرب الجبال والآكام وكل نباتهن أجفف واجعل الأنهار جزائر والبحيرات أجففهن) ١٦ (وأقيد العمى في طريف لم يعرفوها والسبل لم يعلموا أسيرهم فيها أصير أمامهم الظلمة نوراً والعقب سهلاً هذا الكلام صنعته لهم ولا أخذلهم) ١٧ (اندبروا إلى ورائهم والمتكلمون على المنحوتة القائلون للمسبوكة أنكم آلهتنا ليخزون خزياً) . والآية السابعة عشر في الترجمة الفارسية هكذا: (كسانيكة برشكل تراشيده توكل دارند هزيمت وبشيماني تمام خواهند يافت) .
وظهر من الآية التاسعة أن أشعيا ﵇ أخبر أولاً عن بعض الأشياء، ثم يخبر عن الأخبار الجديدة الآتية في المستقبل، فالحال الذي يخبر عنه من هذه الآية إلى آخر الباب غير الحال الذي أخبر عنه قبلها، ولذلك قال في الآية الثالثة والعشرين هكذا: (من هو بينكم أن يسمع هذا يصغي ويسمع الآية) .
стр. 1113
والتسبيحة الجديدة عبارة عن العبادة على النهج الجديد التي هي في الشريعة المحمدية، وتعميمها على سكان أقاصي الأرض وأهل الجزائر وأهل المدن والبراري، إشارة إلى عموم نبوته ﷺ ، ولفظ قيدار أقوى إشارة إليه لأن محمداً ﷺ في أولاد قيدار بن إسماعيل، وقوله من رؤوس الجبال يصيحون إشارة إلى العبادة المخصوصة التي تؤدى في أيام الحج، يصيح ألوف ألوف من الناس بلبيك اللهم لبيك، وقوله حمده يخبرون به في الجزائر إشارة إلى الآذان يخبر به ألوف ألوف في أقطار العالم في الأوقات الخمسة بالجهر، وقوله الرب كجبار يخرج مثل رجل مقاتل يهوش الغيرة يشير إلى مضمون الجهاد إشارة حسنة، بأن جهاده وجهاد تابعيه يكون لله وبأمره، خالياً عن حظوظ الهوى النفسانية، ولذلك عبر الله عن خروج هذا النبي وخروج تابعيه بخروجه، وبين في الآية الرابعة عشر سبب مشروعية الجهاد وأشار في الآية السادسة عشر إلى حال العرب لأنهم كانوا غير واقفين على أحكام الله وكانوا يعبدون الأصنام وكانوا مبتلين بأنواع الرسوم القبيحة الجاهلية، كما قال الله تعالى في حقهم: ﴿وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ وقوله لا أخذلهم إشارة إلى كون أمته مرحومة ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ وإلى تأييد شريعته، وقوله والمتوكلون على المنحوتة القائلون للمسبوكة أنكم آلهتنا ليخزون خزياً، وعد بأن عابدي الأصنام والأوثان كمشركي العرب وعابدي الصليب
стр. 1114
وصور القديسين يحصل لهم الخزي والهزيمة التامة، ووفى بما وعد. فإن مشركي العرب وهرقل عظيم الروم وكسرى فارس ما قصروا في إطفاء النور الأحمدي لكنهم ما حصل لهم سوى الخزي التام وعاقبة الأمر، لم يبق أثر الشرك في إقليم العرب، وزالت دولة كسرى مطلقاً وزالت حكومة أهل الصليب من الشام مطلقاً.
وأما في الأقاليم الأخر، فمن بعضها انمحى أثره مطلقاً كبخارى وكابل وغيرهما، ومن بعضها قل كالهند والسند وغيرهما وانتشر التوحيد شرقاً وغرباً.
(البشارة التاسعة) في الباب الرابع والخمسين من كتاب أشعيا هكذا: ١ (سبحي أيتها العاقر التي لست تلدين انشدي بالحمد وهللي التي لم تلدي
стр. 1115
من أجل أن الكثيرين من بني الوحشة أفضل من بني ذات رجل يقول الرب) ٢ (أوسعي موضع خيمتك وسرادق مضاربك ابسطي لا تشفقي طول حبالك ثبتي أوتادك) ٣ (لأنك تنفذين يمنة ويسرة وزرعك يرث الأمم ويعمر المدن الخربة) ٤ (لا تخافي لأنك لا تخزين ولا تخجلين فإنك لا تستحيين من أجل أنك خزي صبائك تنسين وعار ترملك لا تذكرين أيضاً) ٥ (فإنه يتولى عليك الذي صنعك رب الجنود اسمه وفاديك قدوس إسرائيل إله جميع الأرض يدعى) ٦ (إنما الرب دعاك مثل الامرأة المطلقة والحزينة الروح وزوجة منذ الصبا مرذولة قال إلهك) ٧ (الساعة في قليل تركتك وبرحمات عظيمة أجمعك) ٨ (في ساعة الغضب أخفيت قليلاً وجهي عنك وبالرحمة الأبدية رحمتك قال فاديك الرب) ٩ (مثلما في أيام نوح لي هذا الذي حلفت له أن لا أصب مياه نوح على الأرض، هكذا حلفت أن لا أغضب عليك وأن لا أوبخك) ١٠ (فإن الجبال ترتجف والتلال تتزلزل ورحمتي لا تزول عنك، وعهد سلامي لا يتحرك قال رحيمك الرب) ١١ (فقيرة مستأصلة بعاصف بلا تعزية ها أنا ذا أبلط بالرتبة حجارتك وأوئسسك بالسفير) ١٢ (وأجعل يسبا محاضك وأبوابك حجارة منقوشة وجميع حدودك الأحجار مشتهية) ١٣ (جميع بنيك متعلمين من الرب وكثرة السلام لبنيك) ١٤ (وبالبر تؤسسين فابتعدي من الظلم لأنك لا تخافين ومن الهيبة لأنها لا تقرب منك) ١٥ (ها يأتي الجار الذي لم يكن معي والذي قد كان قريباً يقترب إليك) ١٦ (ها أنا ذا خلقت صائغاً الذي ينفخ في النار جمراً ويخرج إناء لعمله وأنا خلقت
قتولاً للإهلاك) ١٧ (كل إناء مجبول ضدك لا ينجح وكل لسان يخالفك في القضاء تحكمين عليه هذا هو ميراث عبيد الرب وعدلهم
стр. 1116
عندي يقول الرب) .
فأقول: المراد بالعاقر في الآية الأولى مكة المعظمة، لأنها لم يظهر منها نبي بعد إسماعيل ﵇ ولم ينزل فيها وحي، بخلاف أورشليم لأنه ظهر فيها الأنبياء الكثيرون، وكثر فيها نزول الوحي. وبني الوحشة عبارة عن أولاد هاجر لأنها كانت بمنزلة المطلقة المخرجة عن البيت ساكنة في البر، ولذلك وقع في حق إسماعيل في وعد الله هاجر (هذا سيكون إنساناً وحشياً) كما هو مصرح به في الباب السادس عشر من سفر التكوين.
стр. 1117
وبنو ذات رجل عبارة عن أولاد سارة.
فخاطب الله مكة آمراً لها بالتسبيح والتهليل وإنشاد الشكر، لأجل أن كثيرين من أولاد هاجر صاروا أفضل من أولاد سارة، فحصلت الفضيلة لها بسبب حصول الفضيلة لأهلها، ووفى بماوعد بأن بعث محمداً ﷺ رسولاً أفضل البشر خاتم النبيين من أهلها في أولاد هاجر، وهو المراد بالصائغ الذي ينفخ في النار جمراً، وهو القتول الذي خلق لإهلاك المشركين، وحصل لها السعة بواسطة هذا النبي وما حصل لغيرها من المعابد في الدنيا إذ لا يوجد معبد مثل الكعبة من ظهور محمد ﷺ إلى هذا الحين، والتعظيم الذي يحصل لها من القرابين في كل سنة من مدة ألف ومائتين وثمانين، لم يحصل لبيت المقدس إلا مرتين، مرة في عهد سليمان ﵇ لما فرغ من بنائه، ومرة في السنة الثامنة عشر من سلطنة يوشيا، ويبقى هذا التعظيم لمكة إلى آخر الدهر إن شاء الله كما وعد الله بقوله: (لا تخافي لأنك لا تخزين ولا تخجلين لأنك لا تستحين) وبقوله: (برحمات عظيمة أجمعك وبالرحمة الأبدية رحمتك) وبقوله: (حلفت أن لا أغضب عليك وأن لا أوبخك) ، وبقوله: (رحمتي لا تزول عنك وعهد سلامي لا يتحرك) ، وملك زرعها شرقاً وغرباً وورثوا الأمم وعمروا المدن في مدة قليلة لا تتجاوز اثنين وعشرين سنة من الهجرة، ومثل هذه الغلبة في مثل هذه
стр. 1118
المدة القليلة، لم يسمع من عهد آدم ﵇ إلى زمان محمد ﷺ لمن يدعي الدين الجديد.
وهذا مفاد قول الله، وزرعك يرث الأمم، ويعمر المدن الخربة سلاطين الإسلام سلفاً وخلفاً اجتهدوا اجتهاداً تاماً في بناء الكعبة والمسجد الحرام وتزيينهما، وحفر الآبار والبرك والعيون في مكة ونواحيها، ومن المدة الممتدة هذه الخدمة الجليلة متعلقة بسلاطين آل عثمان، غفر الله لأسلافهم ورضي الله عنهم وزاد الله إقبال أخلافهم ووسع مملكتهم في الجهات، ووفقهم للعدل والحسنات، فهم خدموا ويخدمون الحرمين المعظمين أدام الله شرفهما من هذه المدة إلى هذا الحين كما هي، حتى صار لقب خادم الحرمين الشريفين عندهم أشرف الألقاب وأعزها، والغرباء يحبون مجاورتها من ظهور الإسلام إلى هذا الحين، سيما في هذا الزمان، وألوف من الناس يصلون إليها في كل سنة من أقاليم مختلفة وديار بعيدة، ووفى بما وعد بقوله كل إناء مجبول بضدك لا ينجح، لأن كل شخص من المخالف قام بضدها أذله الله كما وقع بأصحاب الفيل، روي أن أبرهة بن الصباح الأشرم لما ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي، بنى كنيسة بصنعاء
стр. 1119
وسماها القليس وأراد أن يصرف إليها الحاج وحلف أن يهدم الكعبة، فخرج بالحبشة ومعه فيل له اسمه محمود وكان قوياً عظيماً وأفيال أخرى، فخرج إليه عبد المطلب وعرض عليه ثلث أموال تهامة ليرجع فأبى، وعبأ جيشه، وقدم الفيل فكانوا كلما وجهوه إلى الحرم برك ولم يبرح وإذا وجهوه إلى اليمن أو إلى غيره من الجهات هرول، فأرسل الله طيراً مع كل طائر حجر في منقاره وحجران في رجليه أكبر من العدسة وأصغر
стр. 1120
من الحمصة، فكان الحجر يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره، وعلى كل حجر اسم من يقع عليه، ففروا وهلكوا في كل طريق ومنهل، وذوى أبرهة فتساقطت أنامله وآرابه وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، وانفلت وزيره أبو يكسوم، وطائر يحلق فوقه حتى بلغ النجاشي، فقص عليه القصة، فلما أتمها وقع عليه
الحجر فخر ميتاً بين يديه، وقد أخبر الله عن حال هؤلاء في سورة الفيل وبحسب الوعد المذكور لا يدخل الأعور الدجال مكة ويرجع خائباً كما جاء في الأحاديث الصحيحة.
(البشارة العاشرة) في الباب الخامس والستين من كتاب أشعيا هكذا: ١ (طلبني الذين لم يسألوني قبل ووجدني الذين لم يطلبوني قلت ها أنا ذا إلى الأمة الذين لم يدعوا باسمي) ٢ (بسطت يدي طول النهار إلى شعب غير مؤمن الذي يسلك بطريق غير صالح وراء أفكارهم) ٣ (الشعب الذي يغضبني أمام وجهي دائماً الذين يذبحون في البساتين ويذبحون على اللبن) ٤ (الذين يسكنون في القبور في مساجد الأوثان يرقدون الذين يأكلون لحم
стр. 1121
الخنزير والمرق المنجس في آنيتهم) ٥ (الذين يقولون أبعد عني لا تقرب مني لأنك نجس هؤلاء يكونون دخاناً في رجزي ناراً متقدة طول النهار) ٦ (ها مكتوب قدامي لا أسكت بل أردوا كافي جزاء في حضنهم) . فالمراد بالذين لم يسألوني والذين لم يطلبوني العرب، لأنهم كانوا غير واقفين على ذات الله وصفاته وشرائعه، فما كانوا سائلين عن الله وطالبين له كما قال الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ . ولا يجوز أن يراد بهم اليونانيين كما عرفت في البشارة الثانية، والوصف المذكور في الآية الثانية والثالثة يصدق على كل واحد من اليهود والنصارى، والأوصاف المذكورة في الآية الرابعة
стр. 1122
ألصق بحال النصارى، كما أن الوصف المذكور في الخامسة ألصق بحال اليهود فردهم الباري واختار الأمة المحمدية.
(البشارة الحادية عشر) في الباب الثاني من كتاب دانيال في حال الرؤيا التي رآها بختنصر ملك بابل ونسي، ثم بين دانيال ﵇ بحسب الوحي تلك الرؤيا وتفسيرها. ٣١: (فكنت أنت الملك ترى وإذ تمثال واحد جسيم وكان التمثال عظيماً ورفيع القامة واقفاً قبالك ومنظره مخوفاً) ٣٢: (رأس هذا التمثال هو من ذهب إبريز والصدر والذراعان من فضة والبطن والفخذان من نحاس) ٣٣: (والساقان من حديد والقدمان قسم منهما من حديد وقسم منهما من خزف) ٣٤: (فكنت ترى هكذا حتى انقطع حجر من جبل لا بيدين وضرب التمثال في قدميه من حديد ومن خزف فسحقهما) ٣٥: (فانسحق حينئذ مع الحديد والخزف والنحاس والفضة والذهب وصارت كغبار البيدر في الصيف فذرتها الريح ولم يوجد لها مكان والحجر الذي قد ضرب التمثال صار جبلاً وملأ الأرض بأسرها) ٣٦: (فهذا هو الحلم وتنبئ أيضاً قدامك يا أيها الملك بتفسيره) ٣٧: (أنت هو ملك الملوك وإله السماء أعطاك الملك والقوة والسلطان والمجد) .
٣٨: (وجميع ما يسكن فيه بنو الناس ووحوش الحقل وأعطى بيدك طير السماء أيضاً وجعل جميع الأشياء تحت سلطانك فأنت هو الرأس من الذهب) ٣٩: (وبعدك تقوم مملكة أخرى أصغر منك من فضة ومملكة ثالثة أخرى من نحاس وتتسلط على جميع الأرض) ٤٠: (والمملكة الرابعة تكون مثل الحديد كما أن الحديد يسحق ويغلب الجميع هكذا هي تسحق وتكسر جميع هذه) ٤١: (أما فيما رأيت قسم القدمين وأصابعهما من الخزف الفاخوري وقسماً من حديد تكون المملكة مفترقة وإن كان يخرج من نصبة الحديد حسبما رأيت الحديد
стр. 1123
مختلطاً بالخزف من طين) ٤٢: (وأصابع القدمين قسم من حديد وقسم من خزف فتكون المملكة بقسم صلبة وبقسم مسحوقة) ٤٣: (فيما رأيت الحديد مختلطاً بالخزف من طين أنهم يختلطون بزرع بشري بل لا يتلاصقون مثل ما ليس بممكن أن يمتزج الحديد بالخزف) ٤٤: (فأما في أيام تلك الممالك يبعث إله السماء مملكة وهي لن تنقضي قط، ملكها لا يعطى لشعب آخر وهي تسحق وتفنى جميع هذه الممالك أجمعين وهي تثبت إلى الأبد) ٤٥: (وكما رأيت أن من جبل انقطع حجر لا بيدين وسحق الخزف والحديد والنحاس والفضة والذهب، فالإله العظيم أظهر للملك ما سيأتي من بعد والحلم هو حقيقي وتفسيره صحيح) .
стр. 1124
فالمراد بالمملكة الأولى سلطنة بختنصر، وبالمملكة الثانية سلطنة المادئين الذين تسلطوا بعد قتل بلشاصر بن بختنصر كما هو مصرح به في الباب الخامس من الكتاب المذكور، وسلطنتهم كانت ضعيفة بالنسبة إلى سلطنة الكلدانيين، والمراد بالمملكة الثالثة سلطنة الكيانيين لأن قورش ملك إيران الذي هو بزعم القسيسين كيخسر وتسلط على بابل قبل ميلاد المسيح بخمسمائة وست وثلاثين سنة، ولما كان الكيانيون على السلطنة القاهرة فكأنهم كانوا متسلطين على جميع الأرض والمراد بالمملكة الرابعة سلطنة اسكندر بن فيلفوس الرومي الذي تسلط على ديار فارس قبل ميلاد المسيح بثلثمائة وثلاثين سنة، فهذا السلطان كان في القوة بمنزلة الحديد ثم جعل هذا السلطان سلطنة فارس منقسمة على طوائف الملوك فبقيت هذه السلطنة ضعيفة
стр. 1125
إلى ظهور الساسانيين ثم صارت قوية بعد ظهورهم فكانت ضعيفة تارة وقوية تارة وتولد في عهد نوشيروان (محمد بن عبد الله) ﷺ وأعطاه الله السلطنة الظاهرية والباطنية وقد تسلط متبعوه في مدة قليلة شرقاً وغرباً وعلى جميع ديار فارس التي كانت هذه الرؤيا وتفسيرها متعلقين بها، فهذه هي السلطنة الأبدية التي لا تنقضي وملكها لا يعطى لشعب آخر وسيظهر كمالها عن قريب في زمان الإمام المهدي ﵁ لكن الوهن والضعف يقع قبل ظهوره بمدة قليلة كما يشاهد بعض علاماته الآن ثم يزول بظهوره ويكون الدين كله لله، فهذا الحجر الذي انقطع لا بيدين من جبل وسحق الخزف والحديد والنحاس والفضة والذهب وصار جبلاً عظيماً وملأ الأرض بأسرها هو محمد ﷺ .
(البشارة الثانية عشر) نقل يهوذا الحواري في رسالته الخبر الذي تكلم
следующие страницы →