Полный текст (1 321 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
وتذكرت حكاية مناسبة للمقام:
جاء بعض القسيسين في محكمة المفتي من محكمات الدولة الإنكليزية في الهند فقال: يا جناب المفتي لي سؤال على المسلمين أمهل المجيب إلى سنة لأداء جوابه. فأشار المفتي إلى ناظر المحكمة وكان رجلاً ظريفاً فقال: أي سؤال هذا قال القسيس: إن نبيكم ادعى أنه مأمور بالجهاد وما كان موسى مأمور به ولا عيسى. فقال الناظر: [ص ٣٥٩] أهذا هو السؤال الذي تمهلنا إلى سنة لنتفكر في جوابه. قال القسيس: نعم. قال الناظر: لا نستمهلك، وأجيبك الآن لسببين: أما أولاً فلأنا متعلقون بالدولة الإنكليزية ولا فرصة لنا إلا في أيام التعطيل فمن يمهلنا إلى سنة. وأما ثانياً فلأن هذا السؤال لا يحتاج في جوابه إلى تأمل.. ماذا تقول في حق لجج (يعني الحاكم الإنكليزي الذي يكون بمنزلة القاضي في الشرع) أيجوز له بحسب القوانين الإنكليزية أن يقتل القاتل قصاصاً إذا ثبت القتل عليه عنده، قال القسيس: لا، لأنه ليس بمأمور بهذا، بل منصبه أن يرسل هذا القاتل إلى شيشن جج (يعني الحاكم الكبير منه) . قال: أيجوز لهذا الحاكم الكبير بحسب القوانين أن يقتله إذا ثبت القتل عنده. قال القسيس: لا، لأنه ليس بمأمور أيضاً، بل منصبه أن يحقق الأمر ثانياً ويخبر الحاكم الذي هو أعلى منه حتى يصدر حكم القتل عن هذا الأعلى ثم يحكم هذا الكبير بقتله. فقال الناظر: أهؤلاء الحكام الثلاثة ليسوا بمتعلقين بالدولة الواحدة الإنكليزية. قال القسيس: بلى لكن اختلاف الاقتدار لأجل مناصبهم. فقال الناظر: الآن ظهر الجواب من كلامك، فلا بد أن تعلم أن موسى وعيسى ﵉ بمنزلة الحاكمين الأولين ونبينا بمنزلة الحاكم الثالث الأعلى، فكما لا يلزم من عدم اقتدار الحاكمين الأولين عدم اقتدار الثالث فكذا لا يلزم من عدم اقتدار موسى وعيسى ﵇ عدم اقتدار محمد ﷺ .
فسكت القسيس وخرج خائباً.
стр. 1262
فمن نظر إلى ما ذكرت بنظر الإنصاف، وتجنب عن العناد والاعتساف، علم يقيناً أن التشدد في مسألة الجهاد، وقتل المرتد والمرغب إلى عبادة الأوثان في الشريعة الموسوية، أشد وأكثر من التشدد الذي فيها في الشريعة المحمدية، وأن طعن المسيحيين خلاف الإنصاف جداً، وأتعجب من حالهم أنهم لا ينظرون إلى أن أسلافهم كيف أشاعوا ملتهم بالظلم وكيف قرروا القوانين الجورية لمخالفيهم. ولما طال هذا البحث لا أتعرض لهوساتهم المندرجة في رسائلهم. وفيما ذكرت كفاية لذفع هذه الهوسات وبالله التوفيق.
(المطعن الثاني) عدم ظهور المعجزات على يد محمد ﷺ
من شروط النبوة ظهور المعجزات على يد من يدعيها وما ظهرت معجزة على يد محمد ﷺ . كما يدل عليه ما وقع في سورة الأنعام: ﴿ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق، وهو خير الفاصلين﴾ . وكذا ما وقع في تلك السورة: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها، قل إنما الآيات عند الله، وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون) . وكذا ما وقع في سورة بني إسرائيل: ﴿وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً أو تكون لك جنة من نخيل وعنب، فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً، أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً، أو تأتي بالله، والملائكة قبيلاً، أو يكون لك بيت من زخرف، أو ترقى في السماء، ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه، قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً﴾ . وكذا بعض الآيات الأخر.
стр. 1263
(والجواب) أن الأمور الثلاثة التي ذكرها السائل تغليطات.
أما الأول: فلأن صدور المعجزة ليس من شروط النبوة على حكم هذا الإنجيل المتعارف، فعدم صدورها لا يدل على عدم النبوة.. في الآية الحادية والأربعين من الباب العاشر من إنجيل يوحنا هكذا: (فأتى إليه كثيرون، وقالوا إن يوحنا لم يفعل آية واحدة) .. وفي الآية السابعة والعشرين من الباب الحادي والعشرين من إنجيل متى هكذا: (يوحنا عند الجميع نبي) .. وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٣٥ (كلهم يحسبون يحيى نبياً) . وقد وقع في الباب الحادي عشر من إنجيل متى قول عيسى ﵇ في حقه: (إنه أفضل من نبي) . فهذا الأفضل من الأنبياء لم تصدر عنه معجزة من المعجزات على شهادة كثيرين مع أن نبوته مسلمة عند المسيحيين.
وأما الأمر الثاني: فغلط بحت كما عرفت في الفصل الأول.
والأمر الثالث: إما غلط منهم أو تغليط. لأن المراد بما في قوله
стр. 1264
تعالى ما تستعجلون به الواقع في الآية الأولى، العذاب الذي استعجلوه بقولهم: ﴿فأمطر علينا حجارة من السماء أو أتنا بعذاب أليم﴾ ، ومعنى الآية ﴿ما عندي ما تستعجلون به﴾ أي العذاب الذي تستعجلون به ﴿إن الحكم إلا لله﴾ في تعجيل العذاب، وتأخيره ﴿يقص الحق﴾ أي يقضي القضاء الحق من تعجيل وتأخير، ﴿وهو خير الفاصلين﴾ أي القاضين. فحاصل الآية أن العذاب ينزل عليكم في الوقت الذي أراد الله إنزاله، ولا قدرة لي على تقدمه، أو تأخيره. وقد نزل عليهم يوم بدر وما بعده فلا تدل هذه الآية على أن محمداً ﷺ لم تصدر عنه معجزة.
وأما الآية الثانية فمعناها ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم﴾ مصدر في موضع الحال ﴿لئن جاءتهم آية﴾ من مقترحاتهم ﴿ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله﴾ هو قادر عليها يظهر منها ما يشاء ﴿وما يشعركم﴾ استفهام إنكار ﴿أنها﴾ أي الآية المقترحة ﴿إذا جاءت لا يؤمنون﴾ أي لا تدرون أنهم لا يؤمنون بها، وهذا القول يدل على أنه تعالى إنما لم ينزلها لعلمه بأنها إذا جاءت لا يؤمنون.
وأما الآية الثالثة فمعناها ﴿وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض﴾ أي أرض مكة ﴿ينبوعاً﴾ أي عيناً غزيرة لا ينضب ماؤها ﴿أو تكون لك جنة من نخيل وعنب، فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً﴾ يعنون قوله تعالى: ﴿إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء﴾ ، ﴿أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً﴾ أي شاهداً على صحة ما تدعيه ضامناً لدركه ﴿أو يكون
стр. 1265
لك بيت من زخرف﴾ أي من ذهب ﴿أو ترقى في السماء﴾ أي في معارجها ﴿ولن نؤمن لرقيك﴾ وحده ﴿حتى تنزل علينا كتاباً﴾ من السماء فيه تصديقك. عن ابن عباس: قال عبد الله بن أبي أمية: لن نؤمن لك حتى تتخذ إلى السماء سلماً، ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها، ثم تأتي معك بصك منشور معه أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول ﴿نقرؤه قل سبحان ربي﴾ تعجباً من اقتراحاتهم ﴿هل كنت إلا بشراً رسولاً﴾ كسائر الرسل. وما كان مقصودهم بهذه الاقتراحات إلا العناد، واللجاج، ولو جاءتهم كل آية لقالوا هذا سحر. كما قال الله : ﴿ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس﴾ ، ﴿ولو فتحنا عليهم باباً من السماء﴾ ، وكذا حال بعض آيات أخر، يفهم منه في الظاهر نفي إظهار الآية، لكن المقصود به نفي المعجزة المقترحة، ولا يلزم من هذا النفي، نفي المعجزات مطلقاً، ولا يلزم على الأنبياء أن يظهروا معجزة كلما طلبها المنكرون، بل هم لا يظهرون إذا طلب المنكرون عناداً أو امتحاناً أو استهزاء، وأورد لهذا الأمر شواهد من العهد الجديد:
стр. 1266
(الأول) في الباب الثامن من إنجيل مرقس هكذا: ١١ (فخرج الفريسيون وابتدؤوا يحاورونه طالبين منه آية من السماء لكي يجربوه) ١٢ (فتنهد بروحه وقال لماذا يطلب هذا الجيل آية الحق، أقول لكم لن يعطى هذا الجيل آية، فالفريسيون طلبوا معجزة من عيسى ﵇ على سبيل الامتحان، فما أظهر معجزة، ولا أحال في ذلك الوقت إلى معجزة صدرت عنه فيما قبل، ولا وعد بإظهارها فيما بعد أيضاً، بل قوله لن يعطى هذا الجيل آية، يدل على أن المعجزة لا تصدر عنه فيما بعد هذا البتة، لأن لفظ الجيل يشمل الجميع الذين كانوا في زمانه.
(الثاني) في الباب الثالث والعشرين من إنجيل لوقا هكذا: ٨ (وأما هيردوس فلما رأى يسوع فرح جداً لأنه كان يريد من زمان طويل أن يراه لسماعه عنه أشياء كثيرة، وترجى أن يرى آية تصنع منه) ٩ (وسأله بكلام كثير فلم يجبه بشيء) ١٠ (ووقف رؤوساء الكهنة، والكتبة يشتكون عليه باشتداده) ١١ (فاحتقره هيردوس مع عسكره واستهزأ به، وألبسه لباساً لامعاً ورده إلى بيلاطس) فعيسى ﵇ ما أظهر معجزة في ذلك الوقت، وقد كان هيردوس
стр. 1267
يترجى أن يرى منه آية، والأغلب أنه لو رأى لألزم اليهود على اشتكائهم ولما احتقر مع عسكره ولما استهزأ.
(الثالث) في الباب الثاني والعشرين من إنجيل لوقا هكذا: ٦٣ (والرجال الذين كانوا ضابطين يسوع كانوا يستهزؤون به وهم يجلدونه) ٦٤ (وغطوه، وكانوا يضربون وجهه، ويسألونه قائلين تنبأ من هو الذي ضربك، وأشياء أخر كثيرة، كانوا يقولون عليه مجدفين) . ولما كان سؤالهم استهزاء وتوهيناً، ما أجابهم عيسى ﵇.
(الرابع) في الباب السابع والعشرين من إنجيل متى هكذا: ٣٩ (وكان المجتازون يجدفون عليه، وهم يهزؤن رؤوسهم) ٤٠ (قائلين يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام، خلص نفسك إن كنت ابن الله فانزل الآن عن الصليب) ٤١ (وكذلك رؤساء الكهنة أيضاً وهم يستهزؤون مع الكتبة والشيوخ قالوا خلص آخرين وأما نفسه فما يقدر أن يخلصها إن كان هو ملك إسرائيل فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به) ٤٣ (قد اتكل على الله فلينقذه الآن إن أراده لأنه قال أنا ابن الله) ٤٤ (وبذلك أيضاً كان اللصان اللذان صلبا معه ليعيرانه) فما خلص نفسه عيسى ﵇ في هذا الوقت، وما نزل عن الصليب وإن عيره المجتازون، ورؤساء الكهنة، والكتبة، والشيوخ، واللصان. ورؤساء الكهنة، والكتبة، والشيوخ كانوا يقولون إنه إن نزل عن الصليب نؤمن به، فكان عليه لدفع العار، ولإلزام الحجة أن ينزل مرة عن الصليب
стр. 1268
ثم يصعد.. ولكنهم لما كان مقصودهم العناد، والاستهزاء، ما أجابهم عيسى ﵇.
(الخامس) في الباب الثاني عشر من إنجيل متى هكذا: ٣٨ (حينئذ أجاب قوم من الكتبة، والفريسيين قائلين يا معلم نريد أن نرى منك آية) ٣٩ (فأجاب وقال لهم: جيل شرير وفاسق يطلب آية، ولا تعطى له آية إلا آية يونان النبي) ٤٠ (لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام، وثلاث ليال، هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام، وثلاث ليال) فطلب الكتبة والفريسيون معجزة، فما أظهرها عيسى ﵇ في هذا الوقت، وما أحالهم إلى معجزة صدرت عنه فيما قبل هذا السؤال، بل سبهم وأطلق عليهم لفظ الفاسق والشرير، ووعد بالمعجزة التي لم تصدر عنه، لأن قوله كما كان يونان في بطن الحوت الخ، غلط بلا شبهة كما علمت في الفصل الثالث من الباب الأول وإن قطعنا النظر عن كونه غلطاً فمطلق قيامه لم ير الكتبة، والفريسيون بأعينهم، ولو قام عيسى ﵇ من الأموات، كان عليه أن يظهر نفسه على هؤلاء المنكرين الطالبين آية ليصير حجة عليهم، ووفاء بالوعد. وهو ما أظهر نفسه عليهم، ولا على اليهود الآخرين، ولو مرة واحدة، ولذلك لا يعتقدون هذا القيام، بل هم يقولون من ذاك العهد إلى هذا الحين، أن تلاميذه سرقوا جثته من القبر ليلاً.
(السادس) في الباب الرابع من إنجيل متى هكذا: (فتقدم إليه المجرب، وقال له إن كنت ابن الله فقل أن تصير هذه الحجارة خبزاً) ٤ (فأجاب وقال مكتوب ليس بالخبز وحده يحيى الإنسان بل بكل كلمة تخرج من
стр. 1269
فم الله) ٥ (ثم أخذه إبليس إلى المدينة المقدسة، وأوقفه على جناح الهيكل) ٦ (وقال له إن كنت ابن الله فاطرح نفسك إلى الأسفل لأنه مكتوب أنه يوصي ملائكته بك فعلى أياديهم يحملونك لا تصدم بحجر رجلك) ٧ (قال له يسوع مكتوب أيضاً لا تجرب الرب إلهك) . فطلب إبليس على سبيل الامتحان من عيسى ﵇ معجزتين، فما أجاب بواحدة منهما، واعترف في المرة الثانية أنه لا يليق بالمربوب أن يجرب ربه، بل مقتضى العبودية مراعاة الأدب وعدم التجربة.
(السابع) في الباب السادس من إنجيل يوحنا هكذا: ٢٩ (أجاب يسوع وقال لهم هذا هو عمل الله لن تؤمنوا بالذي هو أرسله) ٣٠ (فقالوا له: فأية آية تصنع لنرى ونؤمن بك) ٣١ (ماذا تعمل آباؤنا أكلوا المن في البرية كما هو مكتوب أنه أعطاهم خبزاً من السماء ليأكلوا) . فاليهود طلبوا معجزة فما أظهرها عيسى ﵇، ولا أحال إلى معجزة فعلها قبل هذا السؤال، بل تكلم بكلام مجمل، لم يفهمه أكثر السامعين بل ارتد كثير من تلاميذه بسببه. كما هو مصرح به في الآية السادسة والستين من الباب المذكور وهي في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٦٠ هكذا: (ومن هذا الوقت رجع كثيرون من تلاميذه إلى الوراء، ولم يعودوا يمشون معه) .
стр. 1270
وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٣٥: (ومن ثم ارتد كثير من تلاميذه على أعقابهم ولم يماشوه بعد ذلك أبداً) .
(الثامن) في الباب الأول من الرسالة إلى أهل قورنيثوس هكذا: ٢٢ (فإن اليهود يسألون معجزة واليونانيون يطلبون حكمة) ٢٣ (ونحن نكرز بالمسيح المصلوب وذلك معثرة لليهود وحماقة لليونانيين) . فاليهود كما كانوا يطلبون المعجزة من المسيح ﵇ كانوا يطلبونها من الحواريين أيضاً، وأقر مقدسهم بولس بأنهم يطلبون المعجزة ونحن نكرز بالمسيح المصلوب. فظهر من هذه العبارات المنقولة أن عيسى ﵇ والحواريين ما أظهروا معجزة بين أيدي الطالبين في الأوقات التي طلبوا المعجزات فيها، ولا أحالوا المنكرين إلى معجزة فعلوها قبل هذه الأوقات، فلو استدل أحد بالآيات المذكورة على أن عيسى ﵇ والحواريين، ما كان لهم قدرة على إظهار أمر خارق للعادات، وإلا لصدر عنهم في الأوقات المذكورة وأحالوا المنكرين إلى أمر خارق صدر عنهم قبل هذه الأوقات. فلما لم يظهر منهم أحد الأمرين ثبت أنهم ما كان لهم قدرة على إظهاره، يكون هذا الاستدلال عند القديسين محمولاً على الاعتساف ويكون قوله خلاف الإنصاف، فكذا قول القسيسين عندنا بالتمسك ببعض الآيات القرآنية التي عرفت حالها خلاف الإنصاف وعين الاعتساف، كيف لا وأن المعجزات المحمدية مصرح بها في القرآن والأحاديث الصحيحة، كما عرفت في الفصل الأول وجاء ذكرها إجمالاً أيضاً في مواضع متعددة من القرآن:
стр. 1271
١- في سورة الصافات: ﴿وإذا رأوا آية يستسخرون وقالوا إن هذا إلا سحر مبين) .. في الكشاف ﴿وإذا رأوا آية﴾ من آيات الله البينة كانشقاق القمر ونحوه ﴿يستسخرون﴾ يبالغون في السخرية أو يستدعي بعضهم من بعض أن يسخر منها.. وفي التفسير الكبير: (والرابع من الأمور التي حكاها الله تعالى عنهم أنهم قالوا إن هذا إلا سحر مبين، يعني أنهم إذا رأوا آية ومعجزة سخروا منها، والسبب في تلك السخرية اعتقادهم أنها من باب السحر، وقوله مبين: معناه أن كونه سحراً أمر بين لا شبهة لأحد فيه) انتهى كلامه.. وفي البيضاوي: ﴿وإذا رأوا آية﴾ تدل على صدق القائل ﴿يستسخرون﴾ يبالغون في السخرية ويقولون إنه سحر أو يستدعي بعضهم من بعض أن يسخر منها ﴿وقالوا إن هذا﴾ يعنون ما يرونه ﴿إلا سحر مبين﴾ ظاهر سحريته انتهى.. وفي الجلالين ﴿وإذا رأوا آية﴾ كانشقاق القمر ﴿يستسخرون﴾
стр. 1272
يستهزؤون بها ﴿وقالوا﴾ فيها ﴿إن﴾ ما ﴿هذا إلا سحر مبين﴾ بين. انتهى، ومثله في الحسيني.
٢- وفي سورة القمر: ﴿وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر﴾ وقد عرفتها في الفصل الأول.
٣- وفي سورة آل عمران: ﴿كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات﴾ .. في الكشاف في تفسير قوله (البينات) الشواهد من القرآن وسائر المعجزات التي تثبت بمثلها النبوّة. انتهى كلامه، ولفظ البينات إذا كان موصوفه مقدراً فيستعمل في القرآن غالباً بمعنى المعجزات، واستعماله في غيرها في تلك الصورة قليل جداً فلا يحمل على المعنى القليل، بدون القرينة القوية في سورة البقرة: ﴿وآتينا عيسى بن مريم البينات﴾ ، وفي سورة النساء: ﴿ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات﴾ ، وفي سورة المائدة: ﴿إذ جئتهم بالبينات﴾ ، وفي سورة الأعراف: ﴿ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات﴾ وفي سورة يونس: ﴿وجاءتهم رسلهم بالبينات﴾ ، ثم في تلك السورة: ﴿فجاؤوهم بالبينات﴾ ، وفي سورة النحل: ﴿بالبينات والزبر﴾ ، وفي سورة طه:
стр. 1273
﴿لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات﴾ ، وفي سورة المؤمن: ﴿وقد جاءكم بالبينات من ربكم﴾ ، وفي سورة الحديد: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات﴾ ، وفي سورة التغابن: ﴿ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات﴾ وكذا في غير هذه المواضع.
٤- في سورة الأنعام: ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون﴾ .. في البيضاوي: ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً﴾ كقولهم الملائكة بنات الله وهؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴿أو كذب بآياته﴾ كأن كذبوا بالقرآن والمعجزات وسموها سحراً، وإنما ذكر أو وهم جمعوا بين الأمرين تنبيهاً على أن كلاً منها وحده بالغ غاية الإفراط في الظلم على النفس انتهى.
.. وفي الكشاف جمعوا بين أمرين متناقضين فكذبوا على الله وكذبوا بما ثبت بالحجة والبينة والبرهان الصحيح، حيث قالوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا، وقالوا والله أمرنا بها
стр. 1274
وقالوا الملائكة بنات الله وهؤلاء شفعاؤنا عند الله، ونسبوا إليه تحريم البحائر والسوائب، وذهبوا فكذبوا بالقرآن والمعجزات، وسموها سحراً ولم يؤمنوا بالرسول، انتهى.
.. وفي التفسير الكبير والنوع الثاني من خسارتهم تكذيبهم بآيات الله والمراد منه قدحهم في معجزات النبي ﷺ وطعنهم فيها، وإنكارهم كون القرآن معجزة باهرة بينة، انتهى.
.. وفي تلك السورة أيضاً: ﴿وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته، سيصيب الذين أجرموا صغار
стр. 1275
عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون﴾ .
..وفي التفسير الكبير في تفسير قوله: ﴿وإذا جاءتهم﴾ أنهم متى ظهرت لهم معجزة باهرة. انتهى.
والبابا الكزندر كان يعتقد أن محمداً ﷺ صاحب الإلهام، وإن لم يكن ذلك الإلهام عنده واجب التسليم، وقع في المجلد الخامس من كتابه المسمى بدنيد هي هذه الفقرة (يا محمد إن الحمامة عند أذنك) ونقلت هذه الفقرة عن المجلد المطبوع سنة ١٨٩٧ وسنة ١٨٠٦ في لندن، لكنها في النسخة الأولى في الصفحة ٢٦٧، وفي النسخة الثانية في الصفحة ٣٠٣، ولعل البابا أسند إلهام محمد ﷺ إلى الحمامة، لأن الإلهام عند المسيحيين يكون بواسطة روح القدس، وقد نزل روح القدس على عيسى ﵇ بعد ما فرغ من الاصطباغ على صورة الحمامة. كما هو مصرح به في الباب الثالث من إنجيل متى، فظن أن إلهام محمد ﷺ يكون بواسطة الحمامة.
(المطعن الثالث) باعتبار النساء وهو على خمسة أوجه:
(الأول) أن المسلمين لا يجوز لهم أزيد من أربع زوجات، ومحمد ﷺ لم
стр. 1276
يكتف بها بل أخذ تسعاً لنفسه، وأظهر حكم الله في حقه أن الله أجازني لأن أتزوج بأزيد من أربع.
(والثاني) أن المسلمين يجب العدل عليهم بين نسائهم، وأظهر حكم الله في حقه أن هذا العدل ليس بواجب عليه.
(والثالث) أنه دخل بيت زيد بن حارثة ﵁، فلما رفع الستر وقع نظره على زينب بنت جحش زوجة زيد ﵄، فوقعت في نفسه وقال سبحان الله. فلما اطلع زيد على هذا الأمر طلقها فتزوج بها، وأظهر أن الله أجازني للتزويج.
(والرابع) أنه خلا بمارية القبطية ﵂، في بيت حفصة
стр. 1277
رضي الله عنها. في يوم نوبتها، فغضبت حفصة ﵂، فقال محمد ﷺ : حرمت مارية على نفسي، ثم لم يقدر أن يبقى على التحريم. فأظهر أن الله أجازه لإبطال اليمين بأداء الكفارة.
(والخامس) أنه يجوز في حق متبعيه، إن مات أحد منهم أن يتزوج الآخر زوجته، بعد انقضاء عدتها، وأظهر حكم الله في حقه أنه لا يجوز لأحد أن يتزوج زوجة من زوجاته بعد مماته.
وهذه الوجوه الخمسة منتهى جهدهم في المطعن باعتبار النساء. وتوجد هذه الوجوه كلها أو بعضها في أكثر رسائلهم مثل ميزان الحق، وتحقيق الدين الحق، ودافع البهتان، ودلائل إثبات رسالة المسيح، ودلائل النبوة، ورد اللغو وغيرها. وأنا أمهد أموراً ثمانية يظهر منها جواب هذه الوجوه كلها فأقول:
(الأمر الأول) أن تزوج أكثر من امرأة واحدة كان جائزاً في الشرائع السابقة:
لأن إبراهيم ﵇ تزوج بسارة ثم بهاجر في حياة سارة، وهو كان خليل الله، وكان الله يوحي إليه ويرشده إلى أمور الخير، فلو لم يكن النكاح الثاني جائزاً لما أبقاه عليه بل أمره بفسخه وحرمته.
стр. 1278
ولأن يعقوب ﵇ تزوج بأربع نسوة، ليا وراحيل وبلها وزلفا، فالأوليان منهما أختان ابتنا لابان خاله، والأخريان جاريتان. والجمع بين الأختين حرام قطعي في شريعة موسى ﵇، كما علمت في الباب الثالث. فلو كان التزوج بأكثر من امرأة واحدة حراماً، لزم أن يكون أولاده من تلك الأزواج، أولاد حرام والعياذ بالله، وكان الله يوحي إليه ويرشده إلى أمور الخير، فكيف يتصور أن يرشده في أمور خسيسة، ولا يرشده في هذا الأمر العظيم. فإبقاء الله يعقوب ﵇ على نكاح تلك الأربعة سيما الأختين دليل بين على جواز مثل هذا التزوج في شريعته.
ولأن جدعون بن يواش تزوج نساء كثيرة في الباب الثامن من سفر القضاة هكذا: ٣٠ (وكان له سبعون ابناً خرجوا من صلبه لأن كانت له نساء كثيرة) ٣١ (وسريته التي كانت له في شخيم ولدت له ابناً اسمه ابيمالك) . ونبوته ظاهرة من الباب السادس والسابع من السفر المذكور، ومن الباب الحادي عشر من الرسالة العبرانية.
стр. 1279
ولأن داود ﵇ تزوج نساء كثيرة. تزوج أولاً ميخال بنت شاوول، وكان بدل المهر مائة غلفة من غلف الفلسطانيين، وأعطاه داود ﵇ مائتي غلفة من غلفهم، فأعطى شاوول داود ﵇ ابنته ميخال.. الآية السابعة والعشرون من الباب الثامن عشر من سفر صموئيل الأول هكذا: (فمضت أيام قليلة وقام داود ﵇ وانطلق هو ورجاله وقتل من الفلسطانيين مائتي رجل وأتى داود ﵇ بغلفهم إلى الملك ودفعها للملك بالتمام ليكون له ختناً فأعطى شاوول ميخال ابنته له امرأة) .
والملاحدة يستهزؤون بهذا البدل من المهر، ويقولون أكان شاوول يريد أن يسوي من هذه الغلف حميلاً ويعيطه بنته في الجهاز، أم كان غرضه شيئاً آخر. لكني أقطع النظر عن استهزائهم وأقول: لما بغى داود ﵇ على شاوول، أعطى شاوول ميخال فلطى بن ليس الذي هو من جليم، كما هو مصرح به في آخر الباب الخامس والعشرين من السفر المذكور. وتزوج داود ﵇ بست نساء أخرى - احينعام الازراعايلية ١ بيغال ٢
стр. 1280
ومعهما ابنة تلمى ملك جاشور ٣ وحجبت ٤ وابيطل ٥ وعجلا ٦ - كما هو مصرح به في الباب الثالث من سفر صموئيل الثاني. ومع كون هذه الست، ما زالت محبة ميخال عن قلبه الشريف، وإن كانت في فراش الغير فلذلك لما قتل شاوول، طلب داود من اسباسوت بن شاوول زوجته ميخال، وقال له: رد على امرأتي ميخال التي خطبتها بمائة غلفة من غلف أهل فلسطين. فأخذها أسباسوت قهراً من فلطى بن ليس وأرسلها إلى داود، فجاء هذا فلطى باكياً خلفها إلى بحوريم ثم رجع. كما هو مصرح به في الباب المذكور. فبعد ما وصلت ميخال إلى داود ﵇ مرة أخرى صارت له زوجة، وكمل عدد الزوجات السبع، ثم أخذ داود نساء أخرى، وسراري لم يصرح بعددها في كتبهم المقدسة..
стр. 1281
الآية الثالثة عشر من الباب الخامس من سفر صموئيل الثاني هكذا: (وأخذ داود أيضاً نساء وسراري من أورشليم من بعد أن أتى من هارون وولد لداود أيضاً بنون وبنات) .
.. ثم زنى بامرأة أوريا وقتل زوجها بالحيلة، ثم أخذها. فعاتبه الله على هذا الزنا كما علمت في أول هذا الفصل. وداود ﵇، وإن كان خاطئاً في هذا الزنا والتزويج بتلك الامرأة، لكنه لم يكن عاصياً في تزوج جم غفير من نساء أخرى، وإلا لعاتبه الله على تزوجهن كما عاتبه على تزوج امرأة أوريا، فعاتبه الله على تزوجها. بل أظهر رضاه على هذا التزوج، ونسب إعطاءها إلى نفسه وقال: وإذا كانت هذه قليلة أزيد مثلهن ومثلهن، وقول الله تعالى في حق داود ﵇ على لسان ناثان النبي ﵇.. في الآية الثامنة من الباب الثاني عشر من سفر صموئيل الثاني، في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٢٢ وسنة ١٨٣١ وسنة ١٨٤٤ في لندن على النسخة المطبوعة في رومية العظمى سنة ١٦٧١ هكذا: (ووهبت لك بيت مولاك ونساء سيدك اضطجعت في حضنك ووهبت لك بيت إسرائيل ويهوذا وإذا كانت هذه قليلة فأزيدك مثلهن ومثلهن) . فقوله وهبت على صيغة المتكلم في الموضعين، وقوله إذا كانت هذه قليلة فأزيدك مثلهن ومثلهن يدلان على ما قلت. وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١١ الجملة الأخيرة هكذا: (فإذا كانت عندك قليلة كان ينبغي لك أن تقول فأزيد مثلهن ومثلهن) .
стр. 1282
. وتزوج في آخر عمره شابة عذراء أخرى اسمها أبى شاغ الشونامية وكانت جميلة جداً، كما هو مصرح به في الباب الأول من سفر السلاطين الأول.
ولأن سليمان ﵇، تزوج بألف امرأة، سبعمائة منهن حرات من بنات السلاطين وثلثمائة جوار. وارتد بإغوائهن في آخر عمره وبنى المعابد للأصنام، كما هو مصرح به في الباب الحادي عشر من سفر الملوك الأول.
ولا يفهم من موضع من مواضع التوراة، حرمة التزوج بأزيد من امراة واحدة، ولو كان حراماً لصرح موسى ﵇ بحرمته، كما صرح بسائر المحرمات وشدد في إظهار تحريمها، بل يفهم جوازه من مواضع. لأنك قد علمت في جواب الطعن الأول أن الأبكار التي كانت من غنيمة المديانيين، كانت اثنتين وثلاثين ألفاً وقسمت على بني إسرائيل، سواء كانوا ذوي زوجات أو لم يكونوا، ولا يوجد فيه تخصيص العزب.
وفي الباب الحادي والعشرين من سفر الاستثناء هكذا: ١٠ (وإذا خرجت إلى القتال مع أعدائك وأسلمهم الرب إلهك في يدك وسبيتهم) ١١ (ورأيت في جملة المسبيين امرأة حسنة وأحببتها، وأردت أن تتخذها لك امرأة) ١٢ (فأدخلها إلى بيتك وهي تحلق رأسها وتقص أظفارها) ١٣ (وتنزع عنها الرداء الذي سبيت به وتجلس في بيتك وتبكي على أبيها وأمها مدة شهر ثم تدخل إليها
стр. 1283
وترقد معها ولتكن لك امرأة) ١٤ (فإن كانت بعد ذلك لا تهواها نفسك فسرحها حرة ولا تستطيع أن تبيعها بثمن ولا تقهرها أنك قد ذليتها) ١٥ (وإن كان لرجل امرأتان الواحدة محبوبة والأخرى مبغوضة ويكون لهما منه بنون وكان ابن المبغوضة بكراً) ١٦ (وأراد أن يقسم رزقه بين أولاده فلا يستطيع يعمل ابن المحبوبة بكراً ويقدمه على ابن المبغوضة) ١٧ (ولكنه يعرف ابن المبغوضة أنه هو البكر ويعيطه من كل ما كان له الضعف من أجل أنه هو أول بنيه ولهذا تجب البكورية) . فقوله ورأيت في جملة المسبيين الخ. لا تختص بمخاطب لا تكون له زوجة بل أعم، سواء كانت له زوجة أو لم تكن، ولا يوجد فيه التصريح أيضاً بأن هذا الحكم يختص بمسبية واحدة فقط، بل الظاهر أنه إذا رأى المخاطب أزيد من واحدة، وأراد أن يتخذها نساء كان له جائزاً، فجاز لكل إسرائيلي أخذ نساء كثيرة. ودلالة قوله وإن كان لرجل امرأتان الواحدة محبوبة والأخرى مبغوضة الخ. على ما ادعينا ظاهرة غير محتاجة إلى البيان. فثبت أن كثرة الأزواج ما كانت محرمة في شريعة موسى، فلذلك أخذ جدعون وداود وغيرهما من صالحي الأمة الموسوية نساء.
(الأمر الثاني) الصحيح في قصة زينب ﵂، أنها بنت عمة رسول الله ﷺ ، وكانت عند مولاه زيد بن حارثة ﵁ ثم طلقها زيد ولما انقضت عدتها تزوج بها رسول الله ﷺ .
وأنا أنقل بعض آيات سورة الأحزاب المتعلقة بهذه القصة مع عبارة التفسير الكبير وهي هكذا:
стр. 1284
﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه﴾ وهو زيد، أنعم الله عليه بالإسلام ﴿وأنعمت عليه﴾ بالتحرير والإعتاق ﴿أمسك عليك زوجك﴾ همَّ زيد بطلاق زينب فقال له النبي ﷺ : أمسك، أي لا تطلقها ﴿واتق الله﴾ قيل في الطلاق وقيل في الشكوى من زينب فإن زيد قال فيها إنها تتكبر علي بسبب النسب وعدم الكفاءة ﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه﴾ من أنك تريد التزوج بزينب ﴿وتخشى الناس﴾ من أن يقولوا أخذ زوجة الغير أو الابن ﴿والله أحق أن تخشاه﴾ . ليس إشارة إلى أن النبي ﷺ ، خشي الناس ولم يخش الله، بل المعنى الله أحق أن تخشاه وحده ولا تخش أحداً معه، وأنت تخشاه وتخشى الناس أيضاً، فاجعل الخشية له وحده كما قال تعالى: ﴿الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله﴾ ثم قال تعالى: ﴿فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها﴾ أي لما طلقها زيد وانقضت عدتها، وذلك لأن الزوجة ما دامت في نكاح الزوج فهي تدفع حاجته، وهو محتاج إليها فلم يقض منها الوطر بالكلية ولم يستغن، وكذلك إذا كانت في العدة، له بها تعلق لإمكان شغل الرحم، فلم يقض منها بعد وطره، وأما إذا طلق وانقضت عدتها استغنى عنها، ولم يبق له معها تعلق فيقضي منها الوطر. وهذا موافق لما في الشرع لأن التزوج بزوجة الغير أو بمعتدته لا يجوز، فلهذا قال: فلما قضى.
وكذلك قوله: ﴿لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً﴾ أي إذا طلقوهن وانقضت عدتهن، وفيه إشارة إلى أن التزويج من النبي ﷺ لم يكن لقضاء شهوة النبي ﵇ بل لبيان الشريعة بفعله، فإن الشرع يستفاد من فعل النبي ﷺ ﴿وكان أمر الله مفعولاً﴾ أي مقضياً ما قضاه كائن. ثم بين أن تزوجه عليه السلام
стр. 1285
بها، مع أنه كان مبيناً لشرع مشتمل على فائدة، كان خالياً عن المفاسد، انتهى كلامه بلفظه.
فظهر أن زينب ﵂، كانت تتكبر على زيد بسبب النسب وعدم الكفاءة، وهذا الأمر كان سبب عدم المحبة بينهما، فأراد زيد ﵁ أن يطلقها، فمنعه النبي ﷺ ، لكنه طلقها آخر الأمر. فلما انقضت عدتها تزوجها رسول الله ﷺ ، لبيان الشريعة لا لأجل قضاء الشهوة. وكان قبل نزول الحكم مخفياً لهذا الأمر لأجل عادة العرب، ولا بأس فيه كما ستعرف في الأمر الثالث إن شاء الله تعالى. والرواية التي وقعت في البيضاوي، ضعيفة عند محققي أهل الحديث. كما صرح به المحقق المحدث الشيخ عبد الحق الدهلوي في بعض تصنيفاته وفي شرح المواقف: (وما يقال أنه أحبها
стр. 1286
حين رآها فما يجب صيانة النبي ﷺ عن مثله) انتهى.
(الأمر الثالث) أن الأمور الشرعية، لا يجب أن تكون متحدة في جميع الشرائع، أو مطابقة لعادات الأقوام وآرائهم. أما الأول فقد عرفت بما لا مزيد عليه في الباب الثالث، وقد عرفت فيه أن سارة زوجة إبراهيم ﵇ كانت أختاً علانية له، وأن يعقوب ﵇ جمع بين الأختين، وأن عمران أبا موسى ﵇ تزوج بعمته، وهذه الزوجات الثلاث محرمة في الشريعة الموسوية والعيسوية والمحمدية، وبمنزلة الزنا سيما نكاح الأخت العلانية والعمة، وهذه الزوجات أقبح القبائح عند علماء مشركي الهند، فهم يشنعون تشنيعاً بليغاً ويستهزؤون بهؤلاء المتزوجين غاية الاستهزاء، وينسبون أولادهم إلى أشد أنواع الزنا.
وفي الباب الخامس من إنجيل لوقا هكذا: ٢٩ (والذين كانوا متكئين معه كانوا جمعاً كثيراً من عشارين وآخرين) ٣٠ (فتذمر كتبتهم والفريسيون على تلاميذه قائلين لماذا تأكلون وتشربون مع عشارين وخطاة) ٣٣ (وقالوا لماذا يصوم تلاميذ يوحنا كثيراً ويقدمون طلبات وكذلك تلاميذ الفريسيين أيضاً وأما تلاميذك فيأكلون ويشربون فالكتبة والفريسيون الذين من أعظم فرق اليهود وأشرفها كانوا يشنعون على
стр. 1287
تلاميذ عيسى ﵇ بأنهم يأكلون ويشربون مع الخطاة والعشارين وأنهم لا يصومون) .
وفي الباب الخامس عشر من إنجيل لوقا هكذا: ١ (وكان جميع العشارين والخطاة يدنون منه ليسمعوه) ٢ (فتذمر الفريسيون، والكتبة قائلين هذا يقبل الخطاة ويأكل معهم) فالفريسيون كانوا يشنعون على عيسى ﵇ أنه يأكل مع الخطاة ويقبلهم.
وفي الباب الحادي عشر من كتاب الأعمال: ٢ (ولما صعد بطرس إلى أورشليم خاصمه الذين من أهل الختان) ٣ (قائلين إنك دخلت إلى رجال ذوي غلفة وأكلت معهم) .
وفي الباب السادس من إنجيل مرقس هكذا: ١ (واجتمع إليه الفريسيون وقوم من الكتبة قادمين من أورشليم) ٢ (ولما رأوا بعضاً من تلاميذه يأكلون خبزاً بأيد دنسة أي غير مغسولة لاموا) ٣ (لأن الفريسيين وكل اليهود إن لم يغسلوا أيديهم باعتناء لا يأكلون متمسكين بتقليد الشيوخ) ٤ (ومن السوق إن لم يغتسلوا لا يأكلون، وأشياء أخر كثيرة تسلموها للتمسك بها من غسل كؤوس وأباريق، وآنية نحاس، وأسرة) ٥ (ثم سأله الفريسيون، والكتبة لماذا لا يسلك تلاميذك حسب تقاليد الشيوخ بل يأكلون خبزاً بأيد غير مغسولة) .
стр. 1288
وفي ملة براهمة الهند، وغيرهم من أقوام مشركي الهند تشددات عظيمة، وعندهم لو أكل أحد منهم مع المسلم أو اليهودي والنصراني خرج عن ملته، ونكاح زوجة المتبنى بعد الطلاق، كان قبيحاً عند مشركي العرب. ولما كان زيد بن حارثة ﵁ متبنى محمد ﷺ ، كان محمد ﷺ أيضاً يخاف أولاً من طعن عوام المشركين في نكاح زينب ﵂، فلما أمره الله تزوج بها لبيان الشريعة، ولم يبال بعادة المشركين.
(الأمر الرابع) أن الطاعنين من علماء بروتستنت، لا يستحيون ولا ينظرون إلى بضاعات كتبهم المقدسة من الاختلافات، والأغلاط، والأحكام التي عرفت نبذاً منها في الباب الأول، والفصل الثاني والثالث من الباب الخامس. ومن ذنوب الأنبياء وعشائرهم وأصحابهم التي قد عرفتها في ابتداء هذا الفصل. وأريد أن لا أترك هذا الموضع أيضاً خالياً عن ذكر بعض الأمور المندرجة في التوراة، وإن حصل للناظر إطلاع على أمور كثيرة فيما سبق:
١ - في الباب الثلاثين من سفر التكوين هكذا: ٣٧ (فأخذ يعقوب
стр. 1289
عصياً خضرة من حور، ولوز، ومن دلب، وكشف من بياضها والخضرة ظاهرة فيها فظهرت العصي المقشرة بلقاء، وبيضاء) ٣٨ (ووتد العصى في مساقي الماء لكي إذا جاءت الغنم لتشرب تتوحم الغنم على العصى، وفي نظرها إليها تحمل) ٣٩ (وصار أنه في حمية التوحم، النعاج تتبصر بالعصى، وتنتج منقطة ومتمرة مختلفة اللون) ٤٠ (وعزل يعقوب القطيع، ووضع القضبان في المساقي أمام الكباش فكانت البيض، والسود كلها للابان، والباقي ليعقوب، والقطعان مفترقة بعضها عن بعض) ٤١ (فكان في كل عام ما حمل من الغنم أولاً جعل يعقوب القضبان قدام الغنم في المساقي ليتوحم الغنم على العصى) ٤٢ (وما حمل منها أخيراً لم يجعلها فصار آخر نتاج الغنم للابان، وأوله ليعقوب) ٤٣ (فاستغنى الرجل جداً جداً، وصارت له مواشي كثيرة، وإماء، وعبيد، وإبل، وحمير) .
وهذا عجيب أيضاً، فإن الأولاد بحسب جرى العادة، غالباً تكون على شبه ألوان أصولهم، وأما كونهم على شبه ما يرونه من العصى وغيرها، فلا يتوهمه أحد من العقلاء أصلاً، وإلا يلزم أن يكون الأولاد المتولدة في الربيع خضراً كلهم.
стр. 1290
٢- في الباب الثالث عشر من سفر الأحبار هكذا: ٤٦ (وإن كان في رداء أو في ثوب ضربة البرص من الصوف كان الثوب أو من الكتان) ٤٧ (في السدا أو في اللحمة أو في جلدة أو في عمل أديم) ٤٨ (فإن كانت الضربة بيضاء أو حمراء في الرداء أو في الجلد في السداء أو في اللحمة، أو في كل جلود الأديم فإنها ضربة برص فليروه) ٤٩ (فينظر الحبر إلى الضربة ويحجز الحبر عليها سبعة أيام) ٥٠ (وينظر إليها في اليوم السابع فإن رآها قد مشت في الرداء أو في السدا أو اللحمة أو في أديم أو في كل أدم يصنع الصنعة فإنها ضربة برص مر وهو نجس) ٥١ (فليحرق الحبر الرداء أو السدا أو لفافة الصوفة أو الكتان أو كل أديم من جلد يكون فيه ضربة من أجل أنه برص فيحرقونه بالنار) ٥٢ (وإن رأى الحبر أن الضربة لم تفش في الثوب أو في السدا أو في اللحمة أو في كل أديم من جلود) ٥٣ (فليأمر الحبر فليغسل ما فيه الضربة، ويحجز عليه الحبر سبعة أيام أخر) ٥٤ (وينظر الحبر إلى الضربة من بعد ما غسلوها فإن لم تكن تغير لونها، والضربة لم تتغير فإنه خبيث أحرقوه بالنار فإنها ضربة في جدته أو في بلاه) ٥٥ (وإن رأى الحبر أنها قد استوت من بعد ما غسلت فليأمر الحبر فليلقط من الرداء أو من الجلد أو من السدا أو من اللحمة) ٥٦ (فإن رأى أيضاً في الرداء أو في السدا أو في اللحمة أو في كل جلود الأدم جميع ما يستعمل من الجلود، فألقوه في النار فإن الضربة قد كثرت فيه) ٥٧ (وكل رداء أو سدا أو لحمة أو أديم يذهب منه إذا غسل، فيغسل مرتين فيطهر) ٥٨ (هذه سنة البرص في رداء الصوف أو الكتان أو السدا أو اللحمة أو كل جلود الأدم يطهره أو ينجسه) .
стр. 1291
فانظروا إلى هذه الأحكام فإنها ثمرات الأوهام، أيليق إحراق الجلود والثياب بأمثال هذه الوساوس.
٣- في الباب الرابع عشر من سفر الأحبار هكذا: ٣٤ (إذا دخلتم أرض كنعان التي أعطيكم ميراثاً إن كان ضربة برص في بيت) ٣٥ (يخبر رب البيت الكاهن ويقول له إن ظهر في بيتي ضربة كأنها برص) ٣٦ (يأمرهم الكاهن فيفرغون البيت قبل أن يدخل البيت لينظر إليه لئلا يتنجس كل ما في البيت ثم يدخل الكاهن لينظر ضربة البيت) ٣٧ (فإن كان ضربة في حيطان البيت قشوراً صفراء أو حمراء ومنظرها أغمق من الحائط) ٣٨ (فليخرج الكاهن خارجاً من البيت، وليقم بابه، ويحجز على ذلك البيت سبعة أيام) ٣٩ (ثم يرجع في اليوم السابع فينظر، فإن رأى الضربة قد فشت في حيطان البيت) ٤٠ (فليأمر الكاهن بالحجارة التي فيها الضربة فتنقض، وتلقى خارجاً من القرية في موضع نجس) ٤١ (ويقشر ذلك البيت من داخل باستدارته، ويلقي التراب الذي قشر خارجاً من القرية في موضع نجس) ٤٢ (تدخل حجارة أخرى في مكان تلك الحجارة، ويأخذون تراباً غير ذلك ويطلون به ويطين) ٤٣ (فإن فشت الضربة، وكثرت في البيت من بعد ما قشر البيت وطين) ٤٤ (فيدخل الكاهن وينظر إن كانت الضربة قد فشت في البيت، فليعلم أن في البيت برصاً مراً وهو نجس) ٤٥ (ولساعته يهدمونه، ويلقون حجارته، وخشبه، وطينه بأسرها خارجة من القرية في موضع نجس) ٤٦ (ومن دخل ذلك البيت وهو محجوز عليه يكون نجساً إلى الليل) ٤٧ (ومن رقد فيه أو أكل فيه شيئاً فليغسل كسوته) ٤٨ (وإن دخل الكاهن، ورأى البرص لم يفش في البيت بعد ما طين ثانياً فليطهره الكاهن من أجل أنه قد برئ من ضربته) .
فهذه الأحكام أيضاً من ثمرات الأوهام، أتهدم البيوت بمثل هذه الأوهام،
стр. 1292
التي هي أوهن من نسج العنكبوت، أيعتقد عقلاء أوربا أن يكون الثوب، أو الجلد، أو البيت، أبرص قابلاً للإحراق أو الهدم.
٤- في الباب الخامس عشر من سفر الأحبار هكذا: ١٢ (وأي إناء من فخار مسه من يقطر زرعه فليكسر، وإن كان إناء من خشب أو نحاس فليغسل بالماء) ١٦ (وأيما رجل جنب أو خرجت منه جنابة يغسل جسده كله بالماء، ويكون نجساً إلى الليل) ٢٣ (ومن مس ثوباً جلست عليه امرأة، وهي طامث يغسل ثيابه، ويستحم بالماء، ويكون نجساً إلى الليل) ٢٤ (وإن اضطجع معها رجل فأصابه من حيضتها فإنه يكون جنباً سبعة أيام، وكل مضطجع يضطجع فإنه يكون نجساً) .
ففي الحكم الأول بالنسبة إلى إناء الفخار إضاعة المال، وظاهر أنه لا يسري شيء بمجرد المس فيه وإن توهم سريان شيء فيه، فَلِمَ لَمْ يكتف فيه بغسله بالماء، كما اكتفى في إناء الخشب، والنحاس. وفي الحكم الثاني ما معنى كونه نجساً إلى الليل بعد ما غسل الجسد كله بالماء. وفي الحكم الثالث أيضاً نظر لأن الظاهر أنه لا يسري شيء بمجرد مس الثوب، الذي جلست عليه الحائض في جسد الماس، وإن توهم سريان شيء، كان غسل العضو الذي به مس الثوب كافياً، وإن توهم سريان شيء بمجرد المس في سائر جسده، فما معنى كونه نجساً إلى الليل، بعد ما غسل الثياب، والجسد كلها، والعجب أن الرجل إذا جامع، أو احتلم، وصار جنباً، لا يجب عليه غسل الثياب بل يكفي غسل الجسد. وههنا بمجرد مس الثوب يلزم غسل الثياب أيضاً. والحكم الرابع أعجب من الثلاثة فإن الرجل بمجرد إصابة شيء من الحيض بم صار حكمه حكم الحائض، فكما هي تكون نجسة إلى سبعة أيام يكون هو أيضاً نجساً إلى سبعة أيام،
стр. 1293
وفي أحكام الحائض والمستحاضة أيضاً، تشددات عجيبة مذكورة في هذا الباب. وبالنظر إلى هذه الأحكام نجد النصارى كلهم أنجس الناس لأنهم لا يراعونها مطلقاً.
٥- في الباب السادس عشر من سفر الأحبار هكذا: ٧ (ثم يأخذ الجديين ويقيمهما أمام الرب مذبوحين في باب قبة الزمان) ٨ (ويقترع عليهما قرعتين قرعة واحدة للرب وقرعة أخرى لعزرائيل) ٩ (ويقرب هارون الجدي الذي أصابته قرعة الرب ويصيره قرباناً بدل الخطيئة) ١٠ (والجدي الذي وقعت قرعة عزرائيل يقوم حياً أمام الرب ليستغفر عليه ويسرحه لعزرائيل إلى القفر) .
وهذا الحكم عجيب أيضاً، وما معنى القربان لعزرائيل وتسريحه إلى القفر، ولا ريب إنه لقربان لغير الله، ورأيت مشركي الهند أنهم يتركون الثيران على أسماء آلهتهم، لكنهم يتركونها في الأسواق لا في القفر حتى تموت جوعاً وعطشاً.
٦- في الباب الخامس والعشرين من سفر الاستثناء هكذا: ٥ (إذا سكن أخوة جميعاً فمات أحدهم وليس له ولد فلا تتزوج امرأة الميت برجل غريب، ولكن يأخذها أخوه ويقيم زرع أخيه) ٦ (والولد البكر الذي يكون منها فليسمه باسم أخيه لئلا يبطل اسمه من إسرائيل) ٧ (فإن لم يرض أن يأخذ امرأة أخيه التي تحق له بالسنة فتذهب المرأة إلى باب القرية إلى المشيخة وتقول لهم أن أخا زوجي لا يريد أن يقيم اسم أخيه في إسرائيل ولا يريد أن يأخذني له زوجة) ٨ (ولوقتهم يطلبونه ويسألونه فإن أجاب وقال لا أريد أن أتزوجها) ٩ (فتدنو المرأة منه قدام المشايخ وتخلع الخف من رجله وتبصق في وجهه وتقول
стр. 1294
هكذا يفعل بكل رجل لا يعمر بيت أخيه) ١٠ (ويدعي اسمه في إسرائيل بيت مخلوع الخلف) .
وهذا الحكم عجيب أيضاً، لأن امرأة الميت، قد تكون عوراء، أو عمياء، أو عرجاء، أو شوهاء قبيحة الصورة، أو غير عفيفة، أو معيبة بعيب آخر، فكيف يرضى بها الرجل، وهذه الإقامة لزرع أخيه أيضاً عجيبة، وأعجب منها أن علماء بروتستنت تركوا هذا الحكم العظيم الشأن وقالوا: (لا يحل للرجل أن يتزوج زوجة أخيه) . كما هو مصرح به في جدول القرابة والنسب، من كتاب الصلاة العامة، وغيرها من رسوم الكنيسة وطقوسها، على موجب استعمال الكنيسة الإنكليزية والأرلندية المطبوع سنة ١٨٤٠ في قالته، مع أن بيان المحرمات، لا يوجد في الإنجيل، وما أخذوها إلا من التوراة.
(الأمر الخامس) أن المتقشف، إذا كان جل همته الاعتساف، يعترض بأمثال اعتراضاتهم على المسيح ﵇ والحواريين.
في الباب السابع من إنجيل لوقا هكذا: ٣٣ (جاء يوحنا المعمدان لا يأكل خبزاً ولا يشرب خمراً فتقولون به شيطان) ٣٤ (وجاء ابن الإنسان يأكل
стр. 1295
ويشرب فتقولون هو ذا إنسان أكول وشريب خمر محب للعشارين والخطاة) ٣٦ (وسأله واحد من الفريسيين أن يأكل معه فدخل بيت الفريسي واتكأ) ٣٧ (وإذا امراة في المدينة كانت خاطئة إذ علمت أنه متكئ في بيت الفريسي جاءت بقارورة طيب) ٣٨ (ووقفت عند قدميه من ورائه باكية وابتدأت تبل قدميه بالدموع وكانت تمسحهما بشعر رأسها وتقبل قدميه وتدهنهما بالطيب) ٣٩ (فلما رأى الفريسي الذي دعاه ذلك تكلم في نفسه قائلاً لو كان هذا نبياً لعلم مَنْ هذه الامرأة التي تلمسه وما هي إنها خاطئة) ٤٤ (ثم التفت إلى المرأة وقال لسمعان انتظر هذه المرأة أني دخلت بيتك وماء لأجل رجلي لم تعط وأما هي فقد غسلت رجلي بالدموع ومسحتهما بشعر رأسها) ٤٥ (قبلة لم تقبلني وأما هي فمنذ دخلت لم تكف عن تقبيل رجلي) ٤٦ (بزيت لم تدهن رأسي وأما هي فقد دهنت بالطيب رجلي) ٤٧ (من أجل ذلك أقول قد غفرت خطاياها الكثيرة لأنها أحبت كثيراً والذي يغفر له قليل يحب قليلاً) ٤٨ (ثم قال لها مغفور لك خطاياك) ٤٩ (فابتدأ المتكؤون معه يقولون في أنفسهم من هذا الذي يغفر خطايا أيضاً) ٥٠ (فقال للمراة إيمانك قد خلصك اذهبي بسلام) .
وفي الباب الحادي عشر من إنجيل يوحنا هكذا: ١ (وكان إنسان مريضاً وهو لعازر من بيت عيناً قرية مريم ومرثا أختها) ٢ (وكانت مريم التي كان لعازر أخوها هي التي دهنت الرب بطيب ومسحت رجليه بشعرها) ٥ (وكان يسوع يحب مرثا وأختها ولعازر) .
стр. 1296
فهذه المحبوبة مريم هي التي كانت دهنت ومسحت رجلي عيسى ﵇.
وفي الباب الثالث عشر من إنجيل يوحنا: ٢١ (لما قال يسوع هذا اضطرب بالروح وشهد وقال الحق الحق أقول لكم أن واحداً منكم سيسلمني) ٢٢ (فكان التلاميذ ينظرون بعضهم إلى بعض وهم محتارون فيمن قال عنه) ٢٣ (وكان متكئاً في حضن يسوع واحد من تلاميذه كان يسوع يحبه) ٢٤ (فأومأ إليه سمعان بطرس أن يسأل من عسى أن يكون الذي قال عنه) ٢٥ (فاتكأ ذاك على صدر يسوع وقال له يا سيد من هو) . ووقع في حق التلميذ، في الآية السادسة والعشرين من الباب التاسع عشر، والآية الثانية من الباب العشرين، والآية السابعة والآية العشرين من الباب الحادي والعشرينمن إنجيل يوحنا، أن يسوع كان يحبه.
وفي الباب الثامن من إنجيل لوقا هكذا: ١ (وعلى أثر ذلك كان يسير في مدينة وقرية يكرز ويبشر بملكوت الله ومعه الاثنا عشر) ٢ (وبعض نساء كن قد شفين من أرواح شريرة وأمراض مريم التي تدعي المجدلية التي خرج منها سبعة شاطين) ٣ (وبونا امرأة خوزي وكيل هيرودس وسوسنة وأخر كثيرات كن يخدمنه من أموالهن) .
стр. 1297
وظاهر أن الخمر أم الخبائث وقبيحة عند الله وسبب للضلال والكفر والهلاك ولا يناسب شربها للأتقياء وإزالة العقل من خواصها اللازمة سواء كان الشارب نبياً أو غير نبي ولذلك حرم الله شربها على هارون وأولاده إذا أرادوا الدخول في قبة الشهادة لأجل الخدمة وجعلها سبب الموت وجعل حرمتها عهداً أبدياً معهم.
في الباب العاشر من سفر الأخبار هكذا: ٨ (وقال الرب لهارون) ٩ (لا تشربوا خمراً ولا شيئاً آخر يسكر لا أنت ولا بنوك إذا أردتم الدخول في قبة الشهادة لئلا تموتوا ويكون هذا عهداً لكم إلى الأبد في أجيالكم) . ولذلك منع ملك الرب، زوجة ما نوح من شرب الخمر، وشرب كل مسكر وقت حملها، ليكون ولدها من الأتقياء، ولا يسري خبث المسكرات في هذا الولد التقي، وأكد على زوجها أيضاً، في هذا الباب في الباب الثالث عشر من سفر القضاء هكذا: ٤ (إياك من شرب الخمر والمسكر ولا تأكلي شيئاً نجساً) ١٣ (فقال ملاك الرب لمنوح فليحذر عن جميع ما قلت لامرأتك) ١٤ (ولا تأكل شيئاً مما يخرج من الكرم ولا تشرب خمراً ولا مسكراً ولا تأكل شيئاً نجساً وتحفظ بكل ما أمرتها به وتفعل ما قلت لها) ولذلك لما بشر الملك زكريا، بولادة يحيى ﵉، بين من أوصاف تقوى يحيى، أنه لا يشرب خمراً ولا مسكراً آخر.
стр. 1298
الآية الخامسة عشر من الباب الأول من إنجيل لوقا هكذا: (لأنه يكون عظيماً أمام الرب وخمراً ومسكراً لا يشرب) . ولذلك أشعيا ﵇، ذم شارب المسكر، وشهد أن الأنبياء والكهنة، ضلوا بسبب شرب الخمر والمسكرات.
الآية الثانية والعشرون من الباب الخامس من كتاب أشعيا هكذا: (الويل للأقوياء منكم على شرب الخمر والمقتدرين أن يمزجوا المسكرة) .
والآية السابعة من الباب الثامن والعشرين من كتابه هكذا: (وهؤلاء أيضاً لم يفهموا بسبب الخمر وضلوا من المسكر الكاهن والنبي لم يعلموا للمسكر غرقوا في الخمر تاهوا من المسكر لم يعلموا الرؤيا ولم يفهموا القضاء) .
وقد عرفت في أول هذا الفصل، أن نوحاً ﵇، شرب الخمر، وزال عقله، وصار عرياناً. وأن لوطاً شرب الخمر، وزال عقله، وفعل بابنتيه ما فعل، بحيث لم يسمع مثله من المولعين بشربها.
وفي الباب الثالث عشر من إنجيل يوحنا هكذا: (قام عن العشاء وخلع ثيابه وأخذ منشفة واتزر بها ثم صب ماء في مغسل وابتدأ يغسل أرجل التلاميذ ويمسحها بالمنشفة التي كان متزراً بها) .
وقال اللوذعي الألمعي الظريف فارس مضمار البلاغة أطال الله بقاءه إلزاماً هكذا: (هذا يوهم أن عيسى ﵇ وقتئذ كان قد سرت فيه الخمرة حتى لم يكن يدري ما يفعل، فإن غسل الأقدام لا يوجب التجرد عن الثياب) انتهى كلامه بلفظه.
стр. 1299
وقال سليمان الحكيم النبي ﵇ في ذم الشراب في كتابه سفر الأمثال في الباب الثالث والعشرين هكذا: ٣١ (لا تنظر إلى الخمر إذا اصفر وإذا شعشع لونه في الزجاج ويدخل لذيذاً) ٣٢ (وفي نهاية أمره يلدغ كالحية ومثل ملك الحيات يسكب سمومه) .
وكذا اختلاط النساء الشواب الأجنبيات مع الرجال الشبان، آفة شديدة لا ترجى العصمة، سيما إذا كان الرجل شاباً عزباً شارب الخمر، والمرأة فاحشة محبوبة وهي تدور معه وتخدمه بمالها ونفسها. وقد عرفت حال داود ﵇، أن نظراً واحداً إلى الامرأة الأجنبية، بلغه إلى ما بلغ، مع أنه كان كثير الأزواج وجاوز الخمسين. وكذا قد عرفت حال سليمان ﵇، أن النساء قد أزلن عقله وجعلناه مرتداً وثنياً في شيخوخته، بعد ما كان نبياً صالحاً في شبابه، ولما حصل له التجربة الكاملة من حال أبيه وأمه، ومن حال أخيه وأخته أمنون وثامار، ومن حال أسلافه مثل روبيل ويهودا، سيما من حال نفسه. شدد في هذا الباب تشديداً بليغاً في سفر الأمثال فقال:
في الباب الخامس: (لا تصغ إلى مكر الامرأة) ٣ (لأن شفتي
стр. 1300
الامرأة الأجنبية تسكبان عسلاً، وحنجرتها ألطف من الدهن) ٤ (ثم عاقبتها مرة كالعلقم، ومرهفة كسيف ذي فمين) ٥ (رجلاها تنحدران إلى الموت وخطوتها تنفذ إلى الجحيم) ٦ (تسلك أنت سبيل الحيات لأن طرقها ضالة لا تدرك) ٧ (والآن يا ابني اسمع مني، ولا تبعد عن أقوال فمي أجعل طريقك منها بعيداً، ولا تدن إلى أبواب منزلها) ٢٠ (لماذا تضلك يا ابني الامرأة الغريبة وتحاضنك أجنبية) .
ثم قال في الباب السادس: ٢٤ (لنحفظك من امرأة رضية ومن لطافة لسان غريبة لا يشتهي قلبك جمالها ولا تقتنصك غمزاتها) ٢٦ (فإن قيمة الزانية مقدارها خبزة واحدة وامرأة الرجل تصطاد النفس الكريمة) ٢٧ (أيستطيع رجل أن يخفي في حجره ناراً وما تحترق ثيابه) ٢٨ (أم يتمشى على جمر وما تحترق رجلاه) ٢٩ (هكذا من يدخل إلى امرأة غريبة لا يتبرأ إذا لمسها) .
ثم قال في الباب السابع: ٢٤ (فالآن يا ابني استمعني وأصغ إلى أقوال فمي) ٢٥ (لا تحنحن قلبك إلى طرقها ولا تضلن في مناهجها) ٢٦ (فإنها قد طرحت كثيرين جرحى وهي قتلت كل قوي) ٢٨ (بيتها هو طرق الجحيم محدرة إلى مطابق الموت) .
ثم قال في الباب الثالث والعشرين: ٣٣ (عيناك تنظران الأجنبيات وقلبك يتكلم بالملتويات) ٣٤ (وتكون كنائم في قلب البحر وكمدير راقد إذ تلفت الدفة) .
следующие страницы →