Полный текст (1 321 стр.). Показаны 1296–1321 · переход к 1301.
стр. 1296
فهذه المحبوبة مريم هي التي كانت دهنت ومسحت رجلي عيسى ﵇.
وفي الباب الثالث عشر من إنجيل يوحنا: ٢١ (لما قال يسوع هذا اضطرب بالروح وشهد وقال الحق الحق أقول لكم أن واحداً منكم سيسلمني) ٢٢ (فكان التلاميذ ينظرون بعضهم إلى بعض وهم محتارون فيمن قال عنه) ٢٣ (وكان متكئاً في حضن يسوع واحد من تلاميذه كان يسوع يحبه) ٢٤ (فأومأ إليه سمعان بطرس أن يسأل من عسى أن يكون الذي قال عنه) ٢٥ (فاتكأ ذاك على صدر يسوع وقال له يا سيد من هو) . ووقع في حق التلميذ، في الآية السادسة والعشرين من الباب التاسع عشر، والآية الثانية من الباب العشرين، والآية السابعة والآية العشرين من الباب الحادي والعشرينمن إنجيل يوحنا، أن يسوع كان يحبه.
وفي الباب الثامن من إنجيل لوقا هكذا: ١ (وعلى أثر ذلك كان يسير في مدينة وقرية يكرز ويبشر بملكوت الله ومعه الاثنا عشر) ٢ (وبعض نساء كن قد شفين من أرواح شريرة وأمراض مريم التي تدعي المجدلية التي خرج منها سبعة شاطين) ٣ (وبونا امرأة خوزي وكيل هيرودس وسوسنة وأخر كثيرات كن يخدمنه من أموالهن) .
стр. 1297
وظاهر أن الخمر أم الخبائث وقبيحة عند الله وسبب للضلال والكفر والهلاك ولا يناسب شربها للأتقياء وإزالة العقل من خواصها اللازمة سواء كان الشارب نبياً أو غير نبي ولذلك حرم الله شربها على هارون وأولاده إذا أرادوا الدخول في قبة الشهادة لأجل الخدمة وجعلها سبب الموت وجعل حرمتها عهداً أبدياً معهم.
في الباب العاشر من سفر الأخبار هكذا: ٨ (وقال الرب لهارون) ٩ (لا تشربوا خمراً ولا شيئاً آخر يسكر لا أنت ولا بنوك إذا أردتم الدخول في قبة الشهادة لئلا تموتوا ويكون هذا عهداً لكم إلى الأبد في أجيالكم) . ولذلك منع ملك الرب، زوجة ما نوح من شرب الخمر، وشرب كل مسكر وقت حملها، ليكون ولدها من الأتقياء، ولا يسري خبث المسكرات في هذا الولد التقي، وأكد على زوجها أيضاً، في هذا الباب في الباب الثالث عشر من سفر القضاء هكذا: ٤ (إياك من شرب الخمر والمسكر ولا تأكلي شيئاً نجساً) ١٣ (فقال ملاك الرب لمنوح فليحذر عن جميع ما قلت لامرأتك) ١٤ (ولا تأكل شيئاً مما يخرج من الكرم ولا تشرب خمراً ولا مسكراً ولا تأكل شيئاً نجساً وتحفظ بكل ما أمرتها به وتفعل ما قلت لها) ولذلك لما بشر الملك زكريا، بولادة يحيى ﵉، بين من أوصاف تقوى يحيى، أنه لا يشرب خمراً ولا مسكراً آخر.
стр. 1298
الآية الخامسة عشر من الباب الأول من إنجيل لوقا هكذا: (لأنه يكون عظيماً أمام الرب وخمراً ومسكراً لا يشرب) . ولذلك أشعيا ﵇، ذم شارب المسكر، وشهد أن الأنبياء والكهنة، ضلوا بسبب شرب الخمر والمسكرات.
الآية الثانية والعشرون من الباب الخامس من كتاب أشعيا هكذا: (الويل للأقوياء منكم على شرب الخمر والمقتدرين أن يمزجوا المسكرة) .
والآية السابعة من الباب الثامن والعشرين من كتابه هكذا: (وهؤلاء أيضاً لم يفهموا بسبب الخمر وضلوا من المسكر الكاهن والنبي لم يعلموا للمسكر غرقوا في الخمر تاهوا من المسكر لم يعلموا الرؤيا ولم يفهموا القضاء) .
وقد عرفت في أول هذا الفصل، أن نوحاً ﵇، شرب الخمر، وزال عقله، وصار عرياناً. وأن لوطاً شرب الخمر، وزال عقله، وفعل بابنتيه ما فعل، بحيث لم يسمع مثله من المولعين بشربها.
وفي الباب الثالث عشر من إنجيل يوحنا هكذا: (قام عن العشاء وخلع ثيابه وأخذ منشفة واتزر بها ثم صب ماء في مغسل وابتدأ يغسل أرجل التلاميذ ويمسحها بالمنشفة التي كان متزراً بها) .
وقال اللوذعي الألمعي الظريف فارس مضمار البلاغة أطال الله بقاءه إلزاماً هكذا: (هذا يوهم أن عيسى ﵇ وقتئذ كان قد سرت فيه الخمرة حتى لم يكن يدري ما يفعل، فإن غسل الأقدام لا يوجب التجرد عن الثياب) انتهى كلامه بلفظه.
стр. 1299
وقال سليمان الحكيم النبي ﵇ في ذم الشراب في كتابه سفر الأمثال في الباب الثالث والعشرين هكذا: ٣١ (لا تنظر إلى الخمر إذا اصفر وإذا شعشع لونه في الزجاج ويدخل لذيذاً) ٣٢ (وفي نهاية أمره يلدغ كالحية ومثل ملك الحيات يسكب سمومه) .
وكذا اختلاط النساء الشواب الأجنبيات مع الرجال الشبان، آفة شديدة لا ترجى العصمة، سيما إذا كان الرجل شاباً عزباً شارب الخمر، والمرأة فاحشة محبوبة وهي تدور معه وتخدمه بمالها ونفسها. وقد عرفت حال داود ﵇، أن نظراً واحداً إلى الامرأة الأجنبية، بلغه إلى ما بلغ، مع أنه كان كثير الأزواج وجاوز الخمسين. وكذا قد عرفت حال سليمان ﵇، أن النساء قد أزلن عقله وجعلناه مرتداً وثنياً في شيخوخته، بعد ما كان نبياً صالحاً في شبابه، ولما حصل له التجربة الكاملة من حال أبيه وأمه، ومن حال أخيه وأخته أمنون وثامار، ومن حال أسلافه مثل روبيل ويهودا، سيما من حال نفسه. شدد في هذا الباب تشديداً بليغاً في سفر الأمثال فقال:
في الباب الخامس: (لا تصغ إلى مكر الامرأة) ٣ (لأن شفتي
стр. 1300
الامرأة الأجنبية تسكبان عسلاً، وحنجرتها ألطف من الدهن) ٤ (ثم عاقبتها مرة كالعلقم، ومرهفة كسيف ذي فمين) ٥ (رجلاها تنحدران إلى الموت وخطوتها تنفذ إلى الجحيم) ٦ (تسلك أنت سبيل الحيات لأن طرقها ضالة لا تدرك) ٧ (والآن يا ابني اسمع مني، ولا تبعد عن أقوال فمي أجعل طريقك منها بعيداً، ولا تدن إلى أبواب منزلها) ٢٠ (لماذا تضلك يا ابني الامرأة الغريبة وتحاضنك أجنبية) .
ثم قال في الباب السادس: ٢٤ (لنحفظك من امرأة رضية ومن لطافة لسان غريبة لا يشتهي قلبك جمالها ولا تقتنصك غمزاتها) ٢٦ (فإن قيمة الزانية مقدارها خبزة واحدة وامرأة الرجل تصطاد النفس الكريمة) ٢٧ (أيستطيع رجل أن يخفي في حجره ناراً وما تحترق ثيابه) ٢٨ (أم يتمشى على جمر وما تحترق رجلاه) ٢٩ (هكذا من يدخل إلى امرأة غريبة لا يتبرأ إذا لمسها) .
ثم قال في الباب السابع: ٢٤ (فالآن يا ابني استمعني وأصغ إلى أقوال فمي) ٢٥ (لا تحنحن قلبك إلى طرقها ولا تضلن في مناهجها) ٢٦ (فإنها قد طرحت كثيرين جرحى وهي قتلت كل قوي) ٢٨ (بيتها هو طرق الجحيم محدرة إلى مطابق الموت) .
ثم قال في الباب الثالث والعشرين: ٣٣ (عيناك تنظران الأجنبيات وقلبك يتكلم بالملتويات) ٣٤ (وتكون كنائم في قلب البحر وكمدير راقد إذ تلفت الدفة) .
стр. 1301
وكذا اختلاط الأمارد آفة بل أخوف من اختلاط النساء وأشنع كما شهد به المجربون، وإذا عرفت هذا، أقول أن عيسى ﵇ لما كان شارب الخمر، حتى كان معاصروه يقولون أنه أكول شريب خمر، وكان شاباً عزباً، فإذا بلت مريم قدميه بدموعها، ولم تكف عن تقبيلهما منذ دخلت، وكانت تمسحهما بشعر رأسها، وكانت في هذا الوقت فاحشة مشهورة. فكيف نسى عيسى ﵇ حال أسلافه، يهوذا وداود وسليمان ﵉، وكيف نسي أقوال سليمان ﵇، وكيف لم يعلم أن قيمتها مقدار خبزة واحدة، وأن من لمسها لا يتبرأ، كما لا يمكن أن يخفى رجل في حجره ناراً، وما تحترق ثيابه، أو يمشي على جمر النار، وما تحترق رجلاه. فكيف أجاز لها بهذه الأمور، حتى اعترض عليه الفريسي، وكيف يتصور أن هذه الأمور لم تكن من مقتضى الشهوات النفسانية، وكيف غفر خطاياها وذنوبها على هذا الفعل. أهذه الأمور هي اللائقة لذات الله العادل المقدس.
ولذلك قال اللوذعي السابق ذكره: (وقد كانت وقتئذ بغياً مباحة، فهل يليق الآن بأحد مطارنة النصارى، إذا كان ضيفاً في بيت أحد معارفه، أن يأذن لقبيحة فاحشة في أن تغسل رجليه بمحضر ملأ من الناس، من غير أن تبدي أمارة التوبة من قبل، لا سراً ولا جهراً) انتهى كلامه.
وكان يحب مريم، ويدور هو والاثنا عشر تلاميذه ومعهم نساء كثيرة يخدمنه من أموالهن. فكيف يتصور أنه لم تزل أقدامهم مع هذه المخالطة الشديدة، كما زل قدم روبيل، حتى زنى بزوجة أبيه، وقدم يهودا حتى زنى بكنته، وقدم
стр. 1302
داود ﵇ حتى زنى بامرأة أوريا، وقدم أمنون حتى زنى بأخته.
ولذلك قال اللوذعي السابق ذكره: (وأغرب منه ما ذكره لوقا من أن عيسى وتلاميذه كانوا يجولون في القرى ومعهم نساء، منهن مريم هذه التي كان أمرها مشهوراً بالفجور والزنا، وأنت خبير بأنه لا يتأتى لكل واحد في البلاد الشرقية، وخصوصاً في القرى، أن يبيت وحده في محل مخصوص. فلا بد أن هؤلاء الأولياء كانوا يبيتون مع تلك الوليات معاً) انتهى كلامه بلفظه.
واحتمال مزلة أقدام الحواريين أقوى، لأنهم ما كانوا كاملين في الإيمان، قبل صعود المسيح ﵇، على ما أقر علماؤهم. فلا يظن في حقهم العصمة من الزنا، ألا ترى أن الأساقفة والشمامسة من فرقة كاتلك، لا يتزوجون ويدعون أن هذا الأمر من العفاف، ويفعلون ما لا يفعله الفاسق الغني من أهل الدنيا، كأن كنائسهم بيوت الفاحشات الزانيات.
في الصفحة ١٤٤ و ١٤٥ من كتاب الثلاث عشرة رسالة، في الرسالة الثانية هكذا: (القديس برنردوس يقول [١] وعظ عدد ٦٦ في نشيد الإنشاد (نزعوا من الكنيسة الزواج المكرم والمضجع الذي هو بلا دنس فملؤوها بالزنا في المضاجع مع الذكور والأمهات والأخوات وبكل أنواع الأدناس) .
والفاروس بيلاجيوس أسقف سلفا في بلاد البورتكال سنة ١٣٠٠ يقول:
стр. 1303
يا ليت أن الأكليروسيين لم يكونوا نذروا العفة، ولا سيما أكليروس سبانيا، لأن أبناء الرعية هناك أكثر عدداً بيسير من أبناء الكهنوت.
ويوحنا أسقف سالتزبرج في الجيل الخامس عشر، كتب: (أنه وجد قسوساً قلائل غير معتادين على نجاسة متكاثرة مع النساء، وأن أديرة الراهبات متدنسة مثل البيوت المخصوصة للزنا) انتهى كلامه بلفظه ملخصاً.
وشهادة قدمائهم هذه، تكفي في حق عصمة هؤلاء القسوس التي ادعوها، فلا حاجة إلى أن أزيد على هذه، بل أترك ذكرهم وأقول: مثلهم حال فقراء مشركي الهند الذين يدعون العصمة، ويفهمون الزواج أنه أشد المعائب لفقرهم وطريقتهم، وهم أفجر الناس وأفسقهم، لا يحصل للأمراء الفساق ما يحصل لهم.
وتذكرت حكاية: أن بعض المسافرين، لما وصل إلى قرية من قرى الهند، رأى جارية كاعبة تجيء من القرية، فسألها يا بنت أنت من بنات القرية أم من كناتها؟ فأجابت هذه اللاكعة: أيها السائل إني من بنات القرية، لكني أفضل من كناتها في قضاء الشهوة يحصل لي ما لم يحصل لإحداهن في الرؤيا والمنام.
стр. 1304
فهؤلاء المجردون ذوو حظ جسيم من المتزوجين، فعند المنكرين كان عيسى ﵇، مستغنياً عن الزواج مطلقاً، وكان تلاميذه مستغنين إما عن الزواج مطلقاً، أو عن كثرة الأزواج مثل حضرات الشمامسة والقسوس من فرقة كاتلك، ومثل فقراء مشركي الهند. وكذا محبة عيسى ﵇ لتلميذه، محل تهمة عند الذين ابتلوا بهذا الفحش القبيح.
ولذلك قال الألمعي السابق ذكره، على قول الإنجيلي الرابع أعني، فاتكأ ذاك على صدر يسوع، هكذا: (كالمرأة التي تحاول شيئاً من عاشقها فتتغنج له) انتهى كلامه بلفظه.
واعلم أني ما كتبت في هذا الأمر الخامس، كتبته إلزاماً، وإلا فإني أتبرأ من أمثال هذه التقريرات. ولا اعتقد أمراً منها في حق عيسى ﵇، ولا في حق حواريه الأمجاد، كما صرحت في مقدمة الكتاب، ومواضع متعددة.
(الأمر السادس) في الجلالين في سورة التحريم هكذا: (من الإيمان تحريم الأمة) انتهى. فقول النبي ﷺ حرمت مارية على نفسي يمين بهذا المعنى.
(الأمر السابع) إذا قال النبي لا أفعل هذا الأمر ثم فعل، لأجل أنه كان جائزاً من الأصل، أو جاء إليه حكم الله، لا يقال أنه أذنب، بل في الصورة الثانية لو لم يفعل يكون عاصياً البتة. وعندهم يوجد مثله في حق الله في كتب العهد العتيق، فضلاً عن الأنبياء كما عرفت بما لا مزيد عليه، في أمثلة
стр. 1305
القسم الثاني من الباب الثالث، وفي جواب الشبهة الخامسة من الفصل الرابع من الباب الخامس. ويوجد في العهد الجديد، في حق عيسى ﵇، في الباب الخامس عشر من إنجيل متى، أن امرأة كنعانية استغاثت لأجل شفاء بنتها، فأبى عيسى ﵇ فأجابت جواباً حسناً استحسنه عيسى ﵇، ودعا لابنتها فشفيت. وفي الباب الثاني من إنجيل يوحنا أن أم عيسى ﵇ استدعت منه في عرس قانا الجليلي، أن يحول الماء خمراً، وقال ما لي ولك يا امرأة لم تأت ساعتي، ثم حوله.
(الأمر الثامن) لا بأس بأن يخصص أولياء الله بخصائص، ألا ترى أن هارون وأولاده كانوا مخصصين بأمور كثيرة، من خدمة قبة الشهادة، وما يتعلق بها، وما كانت هذه الأمور جائزة لبني لاوى الآخرين، فضلاً عن غيرهم من بني إسرائيل.
وإذا عرفت الأمور الثمانية، ظهر لك جواب مطعنهم بالوجوه الخمسة، لكني أتعجب كل العجب من هؤلاء المعاندين، أنهم لو رأوا في شريعة الغير أمراً لا يكون حسناً في آرائهم، يقولون أن هذا الأمر لا يجوز أن يكون من جانب الله. المقدس الحكيم العادل، أو يقولون أن هذا ليس بلائق بمنصب النبوة. ولو وجد أمر أشنع منه في شرائعهم، يكون من جانب الله، أو لائقاً بمنصب النبوة. فأمر الله لحزقيال ﵇ أن يحمل إثم آل إسرائيل وآل يهوذا على
стр. 1306
نفسه، وأن يأكل إلى ثلثمائة وتسعين يوماً، خبزاً ملطخاً ببراز الإنسان. وكذا أمر الله لأشعيا ﵇، أن يمشي مكشوف العورة الغليظة، وعرياناً بين النساء والرجال إلى ثلاث سنين، مع كونه في قيد العقل. وكذا أمره لهوشع أن يأخذ لنفسه زوجة زانية وأولاد الزنا، وأن يتعشق بامرأة فاسقة محبوبة لزوجها. يكون كلها عندهم أموراً من جانب الله الحكيم المقدس، ولائقاً بمناصب هؤلاء الأنبياء المقدسين. وإجازة نكاح زينب بعد طلاق زوجها وانقضاء عدتها لا يمكن أن يكون من جانب الله، ولا يكون لائقاً بمنصب نبوة محمد ﷺ . وكذا لا يسقط عن درجة النبوة، يعقوب ﵇ الذي هو ابن الله البكر بنص التوراة، بسبب أن تعشق راحيل، وخدم أباها أربع عشرة سنة، وأخذ أربع زوجات، وجمع بين الأختين، وكذا لا يسقط عنها داود ابن الله البكر الآخر، بنص الزبور، بسبب أن أخذ نساء كثيرة، وجواري كثيرة، قبل أن يزني بامرأة أوريا بل تكون هذه النساء كلها بهبة الله ورضاه، ويكون داود ﵇ قابلاً لأن يقول الله في حقه: فإذا كانت عندك قليلة كان ينبغي لك أن تقول فأزيد مثلهن. ولا يصدر العتاب عليه على تكثير النساء، بل على أنه زنى بامرأة الغير، وقتل ذلك الغير بالحيلة، وأخذ تلك الامرأة.
وكذا لا يسقط عنها سليمان ﵇، الذي هو ابن الله بشهادة كتبهم المقدسة
стр. 1307
بسبب أن أخذ ألف امرأة من الزوجات والجواري، وارتد في آخر عمره وعبد الأصنام، بل يبقى مسلم النبوة ويكون كتبه الثلاثة، أعني الأمثال والجامعة ونشيد الإنشاد، كتباً إلهية. وكذا لا يسقط لوط عنها، بسبب الزنا بابنتيه. وكذا لا يسقط عنها ابن الله الوحيد وحواريه الأمجاد، بسبب حب الفاحشة، وبعض التلاميذ، والجولان مع النساء في قرى البلاد الشرقية. بل لا يتهمون أيضاً بشيء مع هذه المخالطة الشديدة وكونهم شاربي الخمر وشباناً. ويسقط محمد ﷺ عن درجة النبوة بكثرة الأزواج، ونكاح زينب، وتحليل جاريته بعد تحريمها. لعل منشأ هذه الأمور أن الله لما كان واحداً حقيقياً، لا تكثر في ذاته بوجه من الوجوه عند أهل الإسلام، فذاته المقدسة لا تسع أمراً غير مناسب، وعندهم لما كان ذاته مشتملة على الأقانيم الثلاثة المتصف كل منهم بصفات الألوهية كلها، الممتاز كل منهم عن الآخر امتيازاً حقيقياً تسع أمراً غير مناسب. لأن الامتياز الحقيقي، لا يمكن أن يفارق التعدد، بل يستلزمه البتة وإن لم يقروا بحسب الظاهر به، كما عرفت في الباب الرابع والثلاثة أكثر من الواحد.
فلعل إلههم في زعمهم أقوى من إله المسلمين، وكذلك لما لم تكن العصمة من ذنب من الذنوب، حتى الشرك وعبادة العجل والأصنام والزنا والسرقة والكذب حتى في تبليغ الوحي وغيرها من المعاصي، شرط للنبوة عندهم، كانت ساحة النبوة عندهم أوسع من ساحتها عند المسلمين
стр. 1308
أو لعل. منشأها أن يعقوب وداود وسليمان وعيسى لما كانوا أبناء الله، فلهم أن يفعلوا في مملكة أبيهم ما يشاؤون، بخلاف محمد ﷺ ، فإنه لما كان عبد الله بن عبد الله، لا يجوز له أن يفعل في مملكة مالكه وسيده ما يشاء. نعوذ بالله من التعصب الباطل والاعتساف ومن المكابرة وعدم الإنصاف.
(المطعن الرابع) أن محمد ﷺ كان مذنباً ، وكل مذنب لا يصح أن يكون شافعاً للمذنبين الآخرين. أما الصغرى فلما وقع:
في سورة المؤمن: ﴿فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار﴾ .
وفي سورة محمد: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ .
وفي سورة الفتح: ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ .
وفي الحديث: (فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت) . ونحوه مما وقع في الأحاديث الأخرى.
стр. 1309
(والجواب) أن الصغرى والكبرى كلتاهما غير صحيحتين، فالنتيجة كاذبة يقيناً، وأنا أمهد لتوضيح بطلانهما أموراً خمسة:
(الأمر الأول) أن الله رب وخالق، والخلق كله مربوب ومخلوق، فكل ما صدر عن حضرة الرب الخالق في حق العبد المربوب المخلوق، من الخطاب والعتاب والاستعلاء فهو في محله ومقتضى المالكية والخالقية. وكذا كل ما يصدر عن العباد، من الأدعية والتضرعات إليه، فهو في موقعه أيضاً، ومقتضى المخلوقية والعبودية والأنبياء عباد الله المخلصون، فهم أحق من غيرهم، والحمل على المعنى الحقيقي في كل موضع، من أمثال هذه المواضع، في كلام الله وفي أدعية الأنبياء وتضرعاتهم خطأ وضلال وشواهده كثيرة في كتب العهدين، سيما الزبور. وأنا أنقل على سبيل الأنموذج بعضاً منها:
[١] في الباب العاشر من إنجيل مرقس، والثامن عشر من إنجيل لوقا هكذا: ١٧ (وفيما هو خارج إلى الطريق، ركض واحد وجثا له وسأله أيها المعلم الصالح ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية) ١٨ (فقال له يسوع لماذا تدعوني صالحاً ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله) انتهى بعبارة مرقس. فأقر عيسى ﵇ بأني لست صالحاً ولا صالح إلا الله وحده.
[٢] في الزبور الثاني والعشرين هكذا: ١ (إلهي إلهي انظر لماذا تركتني تباعد عني خلاصي بكلام جهلي) ٢ (إلهي بالنهار أدعوك فلم تستجب لي وبالليل فلم تحفل بي) . ولما كان آيات هذا الزبور راجعة إلى عيسى ﵇، على زعم أهل التثليث، فكان القائل بها عندهم هو عيسى ﵇.
стр. 1310
[٣] الآية السادسة والأربعون من الباب السابع والعشرين من إنجيل متى هكذا: (ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلاً إيلي إيلي لما شبقتني أي إلهي إلهي لماذا تركتني) .
[٤] في الباب الأول من إنجيل مرقس هكذا: ٤ (كان يوحنا يعمد في البرية ويكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا) ٥ (وخرج إليه جميع كورة اليهودية وأهل أورشليم واعتمدوا جميعهم منه في نهر الأردن معترفين بخطاياهم) ٩ (وفي تلك الأيام جاء يسوع من ناصرة الجليل واعتمد من يوحنا في الأردن) .
وكانت هذه المعمودية، معمودية التوبة، بمغفرة الخطايا. كما صرح مرقس في الآية الرابعة والخامسة
стр. 1311
والآية الثالثة من الباب الثالث من إنجيل لوقا هكذا: (فجاء إلى جميع الكورة المحيطة بالأردن يكرز بمعمودة التوبة لمغفرة الخطايا) . وفي الآية الحادية عشر من الباب الثالث من إنجيل متى هكذا: (أنا أعمدكم بماء للتوبة) الخ. وفي الآية الرابعة والعشرين من الباب الثالث عشر من كتاب الأعمال هكذا: (إذ سبق يوحنا فكرز قبل مجيئه بمعمودية التوبة لجميع شعب إسرائيل) . والآية الرابعة من الباب التاسع عشر من كتاب الأعمال هكذا: (فقال بولس أن يوحنا عمد بمعمودية التوبة) الخ.
فهذه الآيات كلها، تدل على أن هذه المعمودية، كانت معمودية التوبة لمغفرة الخطايا، فمتى سلم اعتماد عيسى من يحيى ﵉، لزم تسليم اعترافه بالخطايا والتوبة منهما أيضاً، لأن حقيقة هذا الاعتماد ليست غير ذلك.
وفي الباب السادس من إنجيل متى في الصلاة التي علمها عيسى ﵇ تلاميذه هكذا: (اغفر لنا ذنوبنا كما نحن نغفر أيضاً للمذنبين إلينا ولا تدخلنا في تجربة لكن نجنا من الشرير) .
والظاهر أن عيسى ﵇، كان يصلي تلك الصلاة التي علمها تلاميذه، ولم يثبت من موضع من مواضع الإنجيل أنه ما كان يصلي هذه الصلاة. وستعرف في الأمر الثاني أنه كان كثير الصلاة، فلزم أن يكون دعاؤه باغفر لنا ذنوبنا مرات كثيرة بلغت الآلاف.
والعصمة من الذنوب، وإن لم تكن من شروط النبوة عند أهل التثليث، لكنهم يدعونها في حق عيسى ﵇، باعتبار
стр. 1312
الناسوت أيضاً. وكان عيسى ﵇ بهذا الاعتبار أيضاً عندهم، صالحاً ومقبولاً لله لا متروكاً فهذه الجمل:
[١] لماذا يدعوني صالحاً الخ. [٢] إلهي إلهي لماذا تركتني. [٣] تباعد عني خلاصي بكلام جهلي. [٤] بالنهار أدعوك فلم تستجب لي. [٥] ألفاظ التوبة والاعتراف بالخطايا عند الاعتماد. [٦] اغفر لنا ذنوبنا. لا تكون محمولة على المعاني الحقيقية الظاهرية عند أهل التثليث، وإلا يلزم أنه لم يكن صالحاً، وكان متروكاً لله بعيداً عن الخلاص، بسبب كلام الجهل. غير مستجاب الدعاء، خاطئاً مذنباً. فلا بد أن يقال أن هذه التضرعات بمقتضى المخلوقية والمربوبية باعتبار الناسوت.
وفي الزبور الثالث والخمسين هكذا: ٣ (الرب من السماء اطلع على بني البشر لينظر هل من يفهم أو يطلب الله) ٤ (كلهم قد زاغوا جميعاً والتطخوا وليس من يعمل صلاحاً حتى ولا أحد) .
وفي الباب التاسع والخمسين من كتاب أشعيا هكذا: ٩ (فلذلك تباعد الحكم عنا ولا يدركنا العدل انتظرنا النور فيها الظلام انتظرنا الشعاع فها سرنا في الظلمة) ١٢ (من أجل أن آثامنا تكاثرت قدامك وخطايانا أجابتنا لأن فجورنا معنا وآثامنا عرفناها) ١٣ (أن نخطئ ونكذب على الرب واندبرنا إلى
стр. 1313
خلف حتى أن لا نسلك وراء إلهنا لنتكلم بالظلم والتعدي حبلنا وتكلمنا من القلب بكلام كاذب) .
وفي الباب الرابع والستين من كتاب أشعيا هكذا: ٦ (وصرنا جميعنا كالنجس وكخرقة الحائض كل براتنا وسقطنا مثل الورق نحن جميعاً وآثامنا كالريح ذرونا) ٧ (ليس من يدعو باسمك ومن يقوم ويمسكك أخفيت وجهك عنا واطرحتنا بيد إثمنا) .. ولا شك أن كثيراً من الصلحاء كانوا موجودين في زمان داود ﵇، مثل ناثان النبي وغيره، ولو فرضنا أنهم لم يكونوا معصومين على زعم أهل التثليث، فلا ريب أنهم لم يكونوا مصداق الآية الرابعة من الزبور المذكور أيضاً، ووقعت في عبارتي أشعيا ﵇، صيغ التكلم مع الغير، وأشعيا وغيره من أنبياء عهده وصلحاء زمانه، وإن لم يكونوا معصومين لكنهم لم يكونوا مصاديق الأوصاف المصرحة، في العبارتين قطعاً أيضاً، فلا تكون عبارة الزبور وهاتان العبارتان محمولات على معانيها الحقيقية الظاهرية، بل لا بد فيها من الرجوع إلى أن تلك التضرعات بمقتضى العبودية. وكذا وقع في الباب التاسع من كتاب دانيال، والباب الثالث والخامس من مراثي أرمياء، والباب الرابع من الرسالة الأولى لبطرس.
(الأمر الثاني) أن أفعال الأنبياء كثيراً ما تكون لتعليم الأمة، لتستن بهم.
стр. 1314
ولا يكونون محتاجين إلى هذه الأفعال لأجل أنفسهم.
في الباب الرابع من إنجيل متى، أن عيسى ﵇ صام أربعين نهاراً، أو أربعين ليلة. والآية الخامسة والثلاثون من الباب الأول من إنجيل مرقص هكذا: (وفي الصبح باكراً جداً قام وخرج ومضى إلى موضع خلاء وكان يصلي هناك) . والآية السادسة عشر من الباب الخامس من إنجيل لوقا هكذا: (وفي تلك الأيام خرج إلى الجبل ليصلي وقضى الليل كله في الصلاة لله) .
ولما كان اتحاد المسيح بذات الله على زعم أهل التثليث، فلا حاجة له إلى هذه التكاليف الشديدة، فلا بد أن تكون هذه الأفعال لأجل التعليم.
(الأمر الثالث) أن الألفاظ المستعملة في الكتب الشرعية، مثل الصلاة والزكاة والصوم والحج والنكاح والطلاق وغيرها، يجب أن تحمل على معانيها الشرعية ما لم يمنع عنها مانع، ولفظ الذنب في هذا الاصطلاح الشرعي، إذا استعمل في حق ألأنبياء، يكون بمعنى الزلة. وهي عبارة عن أن يقصد معصوم عبادة أو أمراً مباحاً، ويقع بلا قصد وشعور في ذنب لمجاورة العبادة أو الأمر المباح بهذا الذنب، كما أن السالك يكون قصده قطع الطريق، لكنه قد يزل قدمه أو يعثر بسبب طين أو حجر واقع في ذلك الطريق، أو يكون
стр. 1315
بمعنى ترك الأولى.
(الأمر الرابع) أن وقوع المجاز في كلام الله وكلام الأنبياء كثير، كما عرفت بما لا مزيد عليه، في مقدمة الباب الرابع. وقد عرفت أيضاً في جواب الشبهة الرابعة من الفصل الرابع من الباب الخامس، أن حذف المضاف كثير في كتبهم المقدسة.
(الأمر الخامس) أن الدعاء قد يكون المقصود به محض التعبد كما في قوله تعالى: ﴿ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك﴾ فإن إيتاء ذلك الشيء واجب، ومع ذلك أمرنا بطلبه. كقوله تعالى: ﴿رب احكم بالحق) مع أنا نعلم أنه لا يحكم إلا بالحق.
وإذا عرفت الأمور الخمسة، أقول أن الاستغفار طلب الغفران، والغفران الستر على القبيح، وهذا الستر يتصور على وجهين:
الأول: بالعصمة منه لأن من عصم فقد ستر عليه قبائح الهوى.
والثاني: بالستر بعد الوجود.
فالغفران في الآيتين الأوليين بالوجه الأول، في حق النبي ﷺ . وفي الثانية بالوجه الثاني في حق المؤمنين والمؤمنات.
стр. 1316
قال الإمام الهمام الفخر الرازي قدس سره في ذيل تفسير الآية الثانية هكذا:
(وفي هذه الآية لطيفة، وهي أن النبي ﷺ له أحوال ثلاثة: حال مع الله، وحال مع نفسه، وحال مع غيره، فأما مع الله فوحده، وأما مع نفسه فاستغفر لذنبك واطلب العصمة من الله، وأما مع المؤمنين فاستغفر لهم، واطلب الغفران لهم من الله) انتهى كلامه بلفظه.
أو أن المقصود من الأمر بالاستغفار في الآيتين محض التعبد كما في قوله تعالى: ﴿ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك﴾ وكقوله: ﴿رب احكم بالحق﴾ كما عرفت في الأمر الخامس.
أو أن المقصود من هذا الأمر أن يكون الاستغفار مسنوناً في أمته، فاستغفاره ﷺ كان لتعليم الأمة.. في الجلالين ذيل تفسير الآية الثانية هكذا: (قيل له ذلك مع عصمته ليستن به أمته) انتهى.
أو أن المضاف في الآيتين محذوف. والتقدير في الآية الأولى: (فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنب أمتك) الآية. وفي الثانية: (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنب أهل بيتك ولذنب المؤمنين والمؤمنات الذين ليسوا من أهل بيتك، فلا بعد في ذكر المؤمنين والمؤمنات) . وقد عرفت في الأمر الرابع، أن حذف المضاف كثير شائع في كتبهم، أو أن المراد بالذنب في الآيتين الزلة أو ترك الأفضل.
стр. 1317
وسمعت من الأحباء، أن بعض من بلغ سن الخرافة من علماء بروتستنت، اعترض على هذا التوجيه في بعض تأليفه الجديد وقال: فرضنا أنه ما ظهر من محمد ﷺ ذنب من الذنوب غير ترك الأولى، فترك الأولى أيضاً ذنب على ما يحكم به كلام الله أعني التوراة والإنجيل فيكون محمد ﷺ مذنباً.
قال يعقوب في الآية السابعة عشر من الباب الرابع من رسالته هكذا: (فمن يعرف أن يعمل حسناً ولا يعمل فذلك خطيئة له) انتهى.
أقول: هذا منشؤه خرافة السن، لأنه لا شك أن ترك شرب الخمر حسن، حتى مدح الله يحيى ﵇ على هذا، وقال الأنبياء في حقها ما قالوا، وكذا لا شك أن عدم الإذن لفاحشة مباحة بغي في غسل الرجلين ومسحهما بشعر رأسها بمحضر ملأ من الناس حسن. وكذا ترك المخالفة الشديدة بالنساء الأجنبيات الشواب، والجولان معهن في القرى الشرقية حسن، سيما إذا كان الرجل المخالط شاباً عزباً. وما فعل هذه الأمور الحسنة عيسى ﵇، حتى أن المخالفين طعنوا عليه كما عرفت في جواب المطعن الثالث، فيلزم على رأيه أن يكون إلهه أيضاً مذنباً. على أن هذا المعترض زاد لفظ التوراة لأجل تغليط العوام، ولا يوجد هذا الحكم في التوراة، وهو ما أورد سنداً لهذا، إلا من رسالة يعقوب التي ليست إلهامية، على تحقيق العلماء الأعلام من فرقة بروستنت، سيما على تحقيق إمامه ومقتداه لوطر، كما عرفت في الفصل الرابع من الباب الأول. فكلام يعقوب على هؤلاء العلماء ليس بحجة
стр. 1318
فاعتراضه واه بلا شبهة.
وأما الآية الثالثة فالمضاف محذوف، أو المراد بالذنب ترك الأفضل، أو المراد بالغفران العصمة.
وقال الإمام السبكي وابن عطية: أن المقصود من هذه الآية، ليس إثبات صدور ذنب وغفرانه، بل المقصود منها تعظيم رسول الله ﷺ وإكرامه فقط. لأن الله أظهر تعظيمه وإحسانه في أول هذه السورة، فبشر أولاً بالفتح المبين، ثم جعل غاية هذا الفتح الغفران وإتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم وإعطاء النصر العزيز. فلو فرض صدور ذنب ما يكون مخلاً لبلاغة الكلام، فمقتضاها التكريم والتعظيم. كما أن السيد إذا رضي عن خادمه يقول تارة لإكرامه وإظهار رضاه: عفوت عنك خطيئاتك المتقدمة والمتأخرة، ولا أؤاخذك عليها وإن لم يصدر عن هذا الخادم خطيئات.
وأما الدعاء المذكور في الحديث، فتوجيهه أن رسول الله ﷺ ، لما كان أرفع الخلق عند الله درجة وأتمهم به معرفة، وكان حاله عند خلوص قلبه عن ملاحظة غير ربه، إقباله بكليته عليه أرفع حاليه، بالنسبة إلى غير ذلك كان يرى شغله بما سواه، وإن كان ضرورياً نقصاً وانحطاطاً من رفيع كماله، فكان يستغفر الله من ذلك طلباً للمقام الأعلى، فكان هذا الشغل الضروري أيضاً عنده، بمنزلة الذنب الذي لا بد أن يستغفر عنه بالنسبة إلى أعلى حاله، أو كان صدور مثل هذا الدعاء بمقتضى العبودية. كما أن عيسى عليه السلام
стр. 1319
أيضاً بمقتضى العبودية، نفى الصلاح عن نفسه، واعترف بالخطايا عند الاعتماد، ودعا مراراً باغفر لنا ذنوبنا، وتفوه بهذه الجمل: ١ (إلهي إلهي لماذا تركتني) ٢ (وتباعد عني خلاصي بكلام جهلي) ٣ (إلهي بالنهار أدعوك فلم تستجب لي) أو كان هذا الدعاء لأجل التعبد المحض كما عرفت في الأمر الخامس ٤ أو كان لأجل تعليم الأمة ٥ وأن الذنب المذكور فيها بمعنى الزلة، وترك الأولى، كما عرفت في الأمر الثالث، وعلى كل تقدير لا يرد شيء، وهذه التوجيهات الخمسة تجري كلها أو بعضها في الأحاديث، التي تكون مثل الحديث المذكور. وإذا لم يثبت من الآيات والأحاديث المذكورة التي استدل بها المعترض، كون محمد ﷺ مذنباً، ثبت كذب الصغرى.
وأما كذب الكبرى، فلأن كليتها ممنوعة، لأنها إما أن يثبتها المعترض بعندية أهل التثليث، أو بالبرهان النقلي.
فإذا كان الأول فعنديتهم هذه لا تتم علينا، كما لا تتم أكثر عندياتهم على ما عرفت في الفصل الثاني من الباب الخامس.
وإن كان الثاني فعليهم بيان ذلك البرهان، وعلينا النظر في مقدماته، وأنى لهم ذلك ولا استبعاد في أن يغفر الله ذنوب واحد بلا واسطة، ثم يقبل
стр. 1320
شفاعته في حق الآخرين، على أن قبح الذنب عقلاً ما لم يغفر، فإذا غفر لا يبقى قبحه لوجه ما، وقد يوجد التصريح في الآية الثالثة التي نقلوها بزعمهم الفاسد، لإثبات الذنب بأن قال: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ . فإن صارت ذنوب محمد ﷺ متقدمة كانت أو متأخرة مغفورة، في هذه الدار الدنيا، فما بقي شيء مانع في أن يكون شفيعاً للآخرين في الدار الأخرى.
وإن كان الثالث فغلط يقيناً، ألا ترى أن بني إسرائيللما عبدوا العجل، أراد الله أن يهلك الكل، فشفع موسى ﵇ لهم، فقبل الله شفاعته، وما أهلك. كما هو مصرح به في الباب الثاني والثلاثين من سفر الخروج، ثم قال الرب لموسى: اذهب أنت وبنو إسرائيل إلى أرض كنعان وأنا لا أذهب معكم، فشفع موسى فقبل الله شفاعته، وقال: أنا أذهب معك. كما هو مصرح به في الباب الثالث والثلاثين من سفر الخروج. ثم لما عصوا أراد الله مرة أخرى أن يهلكهم، فشفع موسى وهارون ﵉ فقبل الله شفاعتهما. ثم لما عصوا مرة أخرى أرسل الله عليهم حيات تلدغهم، فجاؤوا إلى موسى مستشفعين، فشفع لهم فقبل الله شفاعته، كما هو مصرح به في الباب السادس عشر والباب الحادي والعشرين من سفر العدل. فلا استحالة عقلاً ولا نقلاً في كون محمد ﷺ شفيع المذنبين، اللهم ابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، وارزقنا شفاعته يوم القيامة. وليكن هذا آخر الباب.
стр. 1321
وقد ابتدأت في تأليف هذا الكتاب، في اليوم السادس عشر من شهر رجب المنسلك في سنة ألف ومائتين وثمانين من هجرة سيد الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وفرغت منه في آخر ذي الحجة من السنة المذكورة، والحمد لله رب العالمين وصار تاريخ ختمه (تأييد الحق برحمة الله ١٢٨٠) .
فأعوذ بالله من الحاسد الذي لا ينال من المجالس إلا مذمة وذلاً، ولا ينال من الملائكة إلا لعنة وبغضاً، ولا ينال من الخلق إلا جزعاً وغماً، ولا ينال عند النزع إلا شدة وهولاُ، ولا ينال عند الموقف إلا فضيحة ونكالاً. وأفوض أمري إلى اللطيف الخبير، إنه نعم المولى ونعم النصير. وأقول متضرعاً ومترجياً:
ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا. ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا. ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنا، واغفر لنا، وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين.