← Акыда

Акыда · id 22721

إظهار الحق

رحمت الله الهندي

Полный текст (1 321 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

أمكنكم الرب الخ" ٦ فاجترءوا عليهم وتقووا ولا تخافوا ولا ترهبوا إذا نظرتموهم "إن الرب إلهك فهو يسير أمامك الخ ٨ والرب الذي هو السائر أمامكم فهو يكون معك الخ" ففي هذه العبارة أيضاً إطلاق لفظ الرب إلهك والرب على الملك المذكور: والآية ٢٢ من الباب الثالث عشر من كتاب القضاة في حق الذي تكلم مع نوح وامرأته وبشرهما بالولد هكذا: "فقال منوح لامرأته بموت نموت لأننا عاينا الله" وصرح به في الآية ٣ و ٩ و ١٣ و ١٥ و ١٦ و ١٨ و ٢١ من هذا الباب أنه كان ملكاً فأطلق عليه لفظ الله، وكذا جاء هذا الإطلاق على الملك في الباب السادس من كتاب أشعياء، والباب الثالث من سفر صموئيل الأول، والباب الرابع والتاسع من كتاب حزقيال، والباب السابع من كتاب عاموص والآية السادسة من الزبور الحادي والثمانين على وفق الترجمة العربية، ومن الزبور الثاني والثمانين على وفق التراجم الأخر هكذا: "أنا قلت إنكم آلهة وبنو العلى كلكم" فجاء ههنا إطلاق الآلهة وأبناء الله على العوام فضلاً عن الخواص،.

стр. 667

وفي الباب الرابع من الرسالة الثانية إلى أهل قورنيثوس هكذا: ٣ "ولكن إن كان إنجيلنا مكتوماً فإنما هو مكتوم في الهالكين ٤ الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهان الغير المؤمنين لئلا تضيء لهم نارة إنجيل مجد المسيح" والمراد بإله الدهر الشيطان على ما زعم علماء البروتستنت، فجاء مثل هذا الإطلاق على الشيطان الرجيم على زعمهم فضلاً عن الإنسان، وإنما قلت على زعمهم لأنهم يريدونه ههنا لئلا يلزم نسبة الإعماء إلى الله تعالى، فيلزم كون الله خالق الشر، وهذا هو هوس من هوساتهم لأن خالق الشر على وفق كتبهم المقدسة يقيناً هو الله تعالى، وأنقل ههنا شاهدين وستطلع على شواهد أخر أيضاً في موضعه. الآية السابعة من الباب الخامس والأربعين من كتاب أشعياء هكذا: "المصور النور والخالق الظلمة الصانع السلام والخالق الشر أنا الرب الصانع هذه جميعاً" وقال مقدسهم بولس في الباب الثاني من الرسالة الثانية إلى أهل تسالو نيقي: "سيرسل إليهم الله عمل الضلال حتى يصدقوا الكذب لكي يدان جميع الذين لم يصدقوا الحق بل سروا بالإثم" ولما كان زعمهم كما ذكرنا والمقصود النقل على سبيل الإلزام فالمقصود حاصل، وهو أن إطلاق إله الدهر جاء على الشيطان والآية ١٦ من الباب الثالث من رسالة بولس إلى أهل فيلبس هكذا: "الذين نهايتهم الهلاك الذين إلههم بطنهم ومجدهم في خزيهم" فأطلق مقدسهم على البطن لفظ الإله،.

стр. 668

وفي الباب الرابع من الرسالة الأولى ليوحنا هكذا: ٨ "ومن لا يحب لم يعرف الله لأن الله محبة ١٦، ونحن قد عرفنا وصدقنا المحبة التي لله فينا الله محبة ومن يثبت في المحبة يثبت في الله والله فيه" فيوحنا أثبت اتحاد المحبة بالله، وقال في الموضعين الله محبة ثم أثبت التلازم هكذا من يثبت في المحبة يثبت في الله والله فيه، وإطلاق الآلهة على الأصنام كثير جداً في الكتب السماوية، فلا حاجة إلى نقل شواهد. وكذا إطلاق الرب بمعنى المخدوم والمعلم كثير جداً يعني عن نقل شواهده. التفسير الواقع في الآية ٣٨ من الباب الأول من إنجيل يوحنا هكذا: "فقال ربي تفسيره يا معلم" إذا علمت ما ذكرت فقد حصلت لك البصيرة التامة أنه لا يجوز لعاقل أن يستدل بإطلاق بعض هذه الألفاظ على بعض الحوادث التي حدوثها وتغيرها وعجزها من الحسيات أنه إله أو ابن الله، وينبذ جميع البراهين العقلية القطعية، وكذا البراهين النقلية وراءه. (الأمر الخامس) إن وقوع المجاز في غير المواضع التي مرّ ذكرها في الأمر الثالث والرابع كثير: مثلاً وعد الله إبراهيم ﵇ في تكثير أولاده هكذا الآية السادسة عشرة من الباب الثالث عشر من سفر التكوين: "وأجعل نسلك مثل تراب الأرض فإن استطاع أحد من الناس أن يحصي تراب الأرض فإنه يستطيع أن يحصي نسلك".

стр. 669

والآية السابعة عشرة من الباب الثاني والعشرين من السفر المذكور: "أباركك وأكثر نسلك كنجوم السماء ومثل الرمل الذي على شاطئ البحر الخ" وهكذا وعد يعقوب ﵇ بأن نسلك يكون مثل رمل الأرض كما عرفت في الأمر الرابع، وأولادهما لم يبلغ مقدارهم عدد رطل رمل في الدنيا في وقت من الأوقات فضلاً عن مقدار رمل شاطئ البحر أو رمل الأرض، ووقع في مدح الأرض التي كان وعد الله إعطاءها في الآية الثامنة من الباب الثالث من سفر الخروج وغيرها من الآيات بأنه يسيل فيها اللبن والعسل ولا أرض في الدنيا كذلك، ووقع في الباب الأول من سفر الاستثناء هكذا: "والقرى عظيمة محصّنة إلى السماء" ووقع في الباب التاسع من السفر المذكور هكذا: "وأشد منك مدناً كبيرة حصينة مشيدة إلى السماء" وفي الزبور السابع والسبعين هكذا: ٦٥: "واستيقظ الرب كالنائم مثل الجبار المفيق من الخمر ٦٦ فضرب أعداءه في الوراء وجعلهم عاراً إلى الدهر"، والآية الثالثة من الزبور المائة والثالث في وصف الله هكذا: "والمسقف بالمياه علاليه الذي جعل السحاب مركبه الماشي على أجنحة الرياح".

стр. 670

وكلام يوحنا مملوء من المجاز قلما تخلو فقرة لا يحتاج فيها إلى تأويل كما لا يخفى على ناظر إنجيله ورسائله ومشاهداته، وأكتفي ههنا على نقل عبارة واحدة من عبارته قال في الباب الثاني عشر من المشاهدات هكذا: ١ "وظهرت آية عظيمة في السماء: امرأة متسربلة بالشمس، والقمر تحت رجليها، وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكباً ٢ وهي حبلى تصرخ متمخضة ومتوجعة لتلده ٣ وظهرت آية أخرى في السماء هو ذا تنين عظيم أحمر له سبعة رؤوس وعشرة قرون، وعلى رؤوسه سبعة تيجان ٤ وذنبه يجر ثلث نجوم السماء، فطرحها إلى الأرض، والتنين وقف أمام المرأة العتيدة أن تلد حتى يبتلع ولدها متى ولدت ٥ فولدت ابناً ذكراً أن يرعى جميع الأمم بعصى من حديد واختطف ولدها إلى الله وإلى عرشه ٦ والمرأة هربت إلى البرية حيث لها موضع معد من الله لكي يعولوها هناك ألفاً ومائتين وستين يوماً ٧ وحدثت حرب في السماء ميخائيل وملائكته حاربوا التنين وحارب التنين وملائكته" إلى آخر كلامه وهذا الكلام في الظاهر كلام المجاذيب فلو لم يؤول فمستحيل قطعاً، وتأويله أيضاً يكون بعيداً لا سهلاً وأهل الكتاب يؤوّلون الآيات المذكورة وأمثالها يقيناً ويعترفون بكثرة وقوع المجاز في الكتب السماوية قال صاحب (مرشد الطالبين إلى الكتاب المقدس الثمين) في الفصل الثالث عشر من كتابه: "وأما اصطلاح الكتاب المقدس فإنه ذو استعارات وافرة غامضة وخاصة العهد العتيق" ثم قال: "واصطلاح العهد الجديد أيضاً هو استعاري جداً وخاصة مسامرات مخلصنا وقد اشتهرت آراء كثيرة فاسدة لكون بعض معلمي

стр. 671

النصارى شرحوها شرحاً حرفياً، ولأجل ذلك نقدم بعض أمثال لنرى بها أن تأويل الاستعارات حرفياً ليس صواباً، وذلك كقول المسيح عن هيرودس اذهبوا وقولوا لذلك الثعلب، فمن المعلوم أن المراد بلفظة الثعلب في هذه العبارة جبار ظالم لأن ذلك الحيوان المدعو هكذا معروف بالحيلة والغدر أيضاً، قال ربنا لليهود: أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء فكل من أكل من هذا الخبز يحيا إلى الأبد، والخبز الذي أنا أعطيه هو جسدي سوف أعطيه لحياة العالم، يوحنا ص ٦ عدد ١٥، فاليهود الشهوانيون فهموا هذه العبارة بالمعنى الحرفي وقالوا كيف يقدر هذا الرجل أن يعطينا جسده لنأكله؟ آية ٥٢ ولم يلاحظوا أنه عني بذلك ذبيحته التي وهبها كفارة لخطايا العالم، وقد قال مخلصنا أيضاً عن الخبز عند تعيينه العشاء السري: هذا هو جسدي، وعن الخمر هذا هو دمي، متّى ص ٢٦ عدد ٢٦، فمنذ الدهر الثاني عشر جعلت الرومانيون الكاثوليكيون لهذا القول معنى آخر معكوساً ومغايراً لشواهد أخرى في الكتب المقدسة وللدليل الصحيح، وحتموا أن ينتجوا من ذلك تعليمهم عن الاستحالة أي تحويل الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه الجوهريين عندما يلفظ الكاهن بكلمات التقديس الموهوم، مع أنه قد يظهر لكل الحواس الخمسة أن الخبز والخمر باقيان على جوهرهما ولم يتغيرا،.

стр. 672

فأما التأويل الصحيح لقول ربنا فهو أن الخبز بمثل جسده والخمر بمثل دمه" انتهى كلامه بلفظه. فاعترافه بين لا خفاء فيه لكن لا بد من النظر في قوله فمنذ الدهر الثاني عشر إلى آخره فإنه رد على الرومانيين في اعتقاد استحالة الخبز والخمر إلى جسد المسيح ﵇ ودمه بشهادة الحس، وأوّلَ قول المسيح ﵇ بحذف المضاف وإن كان ظاهر القول كما فهموا لأنه هكذا: ٢٦ "وفيم هم يأكلون أخذ يسوع الخبز وبارك وكسر وأعطى التلاميذ قال خذوا كلوا هذا هو جسدي ٢٧ وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلاً اشربوا منها كلكم ٢٨ لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا"، فقالوا: إن لفظ هذا يدل على جوهر الشيء الحاضر كله، ولو كان جوهر الخبز باقياً لما صح هذا الإطلاق، وإنهم كانوا قبل ظهور فرقة

стр. 673

البروتستنت أكثر المسيحيين في العالم وأنهم كثيرون من هذه الفرقة إلى هذا الحين أيضاً. فكما أن هذه العقيدة غلط بشهادة الحس عند هذه الفرقة فكذلك عقيدة التثليث غلط، ولو فرضنا دلالة بعض الأقوال المتشابهة بحسب الظاهر عليها بل محال بالأدلة القطعية، فإن قالوا ألسنا من ذوي العقول فكيف نعترف بها لو كانت محالاً؟ قلنا أليس الرومانيون من ذوي العقول مثلكم، وفي المقدار أكثر منكم إلى هذا الحين فضلاً عن سالف الزمان، فكيف اعترفوا وأجمعوا على ما هو غير صحيح عندكم ويشهد ببطلانه الحس أيضاً؟ وهو باطل في نفس الأمر أيضاً بوجوه: (الأول) أن الكنيسة الرومانية تزعم أن الخبز وحده يستحيل جسد المسيح ودمه ويصير مسيحاً كاملاً، فأقول إذا استحال مسيحاً كاملاً حياً بلاهوته وناسوته الذي أخذه من مريم ﵉، فلا بد أن يشاهد فيه عوارض الجسم الإنساني ويوجد فيه الجلد والعظام والدم وغيرها من الأعضاء لكنها لا توجد فيه بل جميع عوارض الخبز باقية الآن كما كانت فإذا نظره أحد أو لمسه أو ذاقه لا يحس شيئاً غير الخبز، وإذا حفظه يطرأ عليه الفساد الذي يطرأ على الخبز لا الفساد الذي يطرأ على الجسم الإنساني، فلو ثبتت الاستحالة تكون استحالة المسيح خبزاً لا استحالة الخبز مسيحاً، فلو قالوا إن المسيح استحال خبزاً لكان أقل بعداً من هذا، وإن كان هو أيضاً باطلاً ومصادماً للبداهة.

стр. 674

(الثاني) إن حضور المسيح بلاهوته في أمكنة متعددة في آن واحد وإن كان ممكناً في زعمهم لكنه باعتبار ناسوته غير ممكن لأنه بهذا الاعتبار كان مثلنا حتى كان يجوع ويأكل ويشرب وينام ويخاف من اليهود ويفر وهلم جرّا، فكيف يمكن تعدده بهذا الاعتبار بالجسم الواحد في أمكنة غير محصورة في آن واحد حقيقة؟ والعجب أنه ما وُجد قبل عروجه إلى السماء بهذا الاعتبار في مكانين أيضاً فضلاً عن الأمكنة الغير المتناهية وكذا بعد عروجه إلى السماء فكيف يوجد بعد القرون بعد اختراع هذا الاعتقاد الفاسد بالاعتبار المذكور في أمكنة غير محصورة في آن واحد. (الثالث) إذا فرضنا أن مليونات من الكهنة في العالم قدسوا في آن واحد واستحالت تقدمة كل إلى المسيح الذي تولد من العذراء، فلا يخلو إمّا أن يكون كل من هؤلاء المسيحيين الحادثين عين الآخر أو غيره، والثاني باطل على زعمهم والأول باطل في نفس الأمر لأن مادة كل غيرُ مادة الآخر. (الرابع) إذا استحال الخبز مسيحاً كاملاً تحت يد الكاهن فكسر هذا الكاهن هذا الخبز كسرات كثيرة وأجزاء صغيرة فلا يخلوا إمّا أن يتقطع المسيح قطعة قطعة على عدد الكسرات والأجزاء أو يستحيل كل كسرة وجزء مسيحاً كاملاً أيضاً فعلى الأول لا يكون المتناول متناول مسيح كامل، وعلى الثاني من أين جاءت هؤلاء المسحاء لأنه ما حصل بالتقدمة إلا المسيح الواحد؟. (الخامس) لو كان العشاء الرباني الذي كان قبل صلبه بيسير نفس الذبيحة التي حصلت على الصليب لزم أن يكون كافياً لخلاص العالم،.

стр. 675

فلا حاجة إلى أن يصلب على الخشبة من أيدي اليهود مرة أخرى لأن المسيح ما جاء إلى العالم في زعمهم إلا ليخلص الناس بذبيحة مرة واحدة، وما أنى لكي يتألم مراراً كما يدل عليه عبارة آخر الباب التاسع من الرسالة العبرانية صراحة. (السادس) لو صح ما ادعوه لزم أن يكون المسيحيون أخبث من اليهود لأن اليهود ما آلموه إلا مرة واحدة فتركوا وما أكلوا لحمه، وهؤلاء يؤلمونه ويذبحونه كل يوم في أمكنة غير محصورة، فإن كان القاتل مرة واحدة كافراً وملعوناً فما بال الذين يذبحونه مرات غير محصورة ويأكلون لحمه ويشربون دمه؟ نعوذ بالله من الذين يأكلون إلههم ويشربون دمه حقيقة فإذا لم ينج من أيدي هؤلاء إلههم الضعيف المسكين فمن ينجو، بعّدنا الله من ساحتهم، ولنعم ما قيل "دوستي نادان سراسَر دُشمني ست " (توضع على الهامش:) يتضمن معنى المثل العربي: عدو عاقل خير من صديق جاهل والترجمة الحرفية: الصديق الجاهل مثل العدو. . (السابع) وقع في الباب الثاني والعشرين من لوقا قول المسيح في العشاء الرباني هكذا: "اصنعوا هذا لذكري" فلو كان هذا العشاء هو نفس الذبيحة لما صح أن يكون تذكرة لأن الشيء لا يكون تذكرة لنفسه، فالعقلاء الذين عقولهم السليمة تحكم بأمثال هذه الأوهام في الحسيات لو وهموا في ذات الله أو في العقليات فأي استبعاد منهم؟ لكني أقطع النظر عن هذا وأقول في مقابلة علماء البروتستنت: إنه كما اجتمع هؤلاء العقلاء عندكم على هذه العقيدة المخالفة للحس والعقل تقليداً للآباء أو لغرض آخر

стр. 676

فكذلك اجتماعهم واجتماعكم في عقيدة التثليث المخالفة للحس والبراهين، والأناس الكثيرون الذين تسمونهم ملاحدة ومقدارهم في هذا الزمان أزيد من مقدار فرقتكم بل من فرقة الرومانيين أيضاً وهم عقلاء مثلكم ومن أبناء أصنافكم ومن أهل دياركم وكانوا مسيحيين مثلكم فتركوا هذا المذهب لاشتماله على أمثال هذه الأمور يستهزؤون بها استهزاء بليغاً لا يستهزؤون بشيء آخر مثلها، كما لا يخفى على من طالع كتبهم، وفرقة يوني نيرين من فرق المسيحيين أيضاً ينكرونها والمسلمون واليهود سلفاً وخلفاً يفهمونها من جنس أضغاث الأحلام. (الأمر السادس) كان الإجمال يوجد كثيراً في أقوال المسيح ﵇ بحيث لا يفهمها معاصروه وتلاميذه في كثير من الأحيان ما لم يفسرها بنفسه، فالأقوال التي فسرها من هذه الأقوال المجملة فهموها، وما لم يفسره منها فهموا بعضها بعد مدة مديدة وبقي البعض عليهم مبهماً إلى آخر الحياة، ونظائره كثيرة أكتفي هنا على بعضها. وقع في الباب الثاني من إنجيل يوحنا مكالمة المسيح ﵇ مع اليهود الذين كانوا يطلبون المعجزة هكذا: ١٩ "أجاب يسوع وقال لهم انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه" ٢٠ "فقال اليهود في ست وأربعين سنة بني هذا الهيكل أفأنت في ثلاثة أيام تقيمه؟ " ٢١ "وأما هو فكان يقول عن هيكل جسده" ٢٢ "فلما قام من الأموات تذكر تلاميذه أنه قال هذا فآمنوا بالكتاب والكلام الذي قاله يسوع" فهنا لم يفهم التلاميذ فضلاً عن اليهود، لكن فهم التلاميذ بعد ما قام من الأموات،

стр. 677

وقال المسيح لينقود بموس من علماء اليهود: إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله، فلم يفهم ينقود بموس مقصوده، وقال كيف يمكن أن يولد الإنسان وهو شيخ أيقدر أن يدخل في بطن أمه ثانية ويولد ففهمه المسيح مرة أخرى فلم يفهم مقصوده في هذه المرة أيضاً، وقال كيف يمكن هذا فقال المسيح ألا تفهم وأنت معلم إسرائيل؟، وهذه القصة مفصلة في الباب الثالث من إنجيل يوحنا، وقال المسيح في مخاطبة اليهود: "أنا خبز الحياة إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد، والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي"، فخاصم اليهود بعضهم بعضاً قائلين كيف يقدر هذا أن يعطينا جسده لنأكل، فقال لهم المسيح: "إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان ولم تشربوا دمه فليس لكم حياة، فيكم من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية لأن جسدي مأكل حق ودمي مشرب حق، من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت في وأنا فيه كما أرسلني الأب الحي وأنا حي بالأب، فمن يأكلني فهو يحيا بي" فقال كثيرون من تلاميذه إن هذا الكلام مَنْ يقدر أن يسمعه؟ فرجع كثير منهم عن صحبته، وهذه القصة مفصلة في الباب السادس من إنجيل يوحنا، فهنا لم يفهم اليهود كلام المسيح والتلاميذ استصعبوه، وارتد كثير منهم. وفي الباب الثامن من إنجيل يوحنا هكذا: ٢١ "قال لهم يسوع أيضاً أنا أمضي وستطلبونني وتموتون في خطبتكم حيث أمضي أنا لا تقدرون أنتم أن

стр. 678

تأتوا ٢٢ فقال اليهود: لعله يقتل نفسه حتى يقول حيث أمضي أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا ٥١ الحق الحق أقول لكم إن كان أحد يحفظ كلامي فلن يرى الموت إلى الأبد ٥٢ فقال له اليهود الآن علمنا أن بك شيطاناً، قد مات إبراهيم والأنبياء وأنت تقول إن كان أحد يحفظ كلامي فلن يذوق الموت إلى الأبد" وههنا أيضاً لم يفهم اليهود مقصوده في الموضعين بل نسبوه في الموضع الثاني إلى الجنون. وفي الباب الحادي عشر من إنجيل يوحنا هكذا: ١١ "قال لهم لعاذر حبيبنا قد نام لكني أذهب لأوقظه ١٢ فقال تلاميذه يا سيد إن كان قد نام فهو يُشفى ١٣ وكان يسوع يقول عن موته وهم ظنوا أنه يقول عن رقاد النوم ١٤ فقال لهم يسوع حينئذ علانية لعاذر مات" وههنا لم يفهم تلاميذ المسيح ﵇ كلامه حتى صرح به، وفي الباب السادس عشر من إنجيل متى هكذا: ٦ "وقال لهم يسوع انظروا وتحرّزوا من خمير الفريسيين والصدوقيين ففكروا في أنفسهم أننا لم نأخذ خبزاً ٨ فعلم يسوع وقال لهم لماذا تفكرون في أنفسكم يا قليلي الإيمان إنكم لم تأخذوا خبزاً ١١ كيف لا تفهمون أني ما قلت لكم عن الخبز أن تتحرزوا من خمير الفريسيين والصدوقيين" ١٢ "حينئذ فهموا أنه لم يقل أن يتحرزوا من خمير الخبز بل من تعليم الفريسيين والصدوقيين" وههنا أيضاً لم يفهم تلاميذ المسيح ﵇ مقصوده قبل التنبيه،.

стр. 679

وفي الباب الثامن من إنجيل لوقا في حال الصبية التي أحياها المسيح ﵇ بإذن الله هكذا: ٥٢ "وكان الجميع يبكون عليها ويلطمون فقال لا تبكوا لم تمت لكنها نائمة" ٥٣ "فضحكوا عليه عارفين أنها ماتت" وههنا لم يفهم الجميع مقصود المسيح ﵇، ولذلك ضحكوا عليه، وفي الباب التاسع من إنجيل لوقا قول المسيح في مخاطبة الحواريين هكذا: ٤٤ "ضعوا أنتم هذا الكلام في آذانكم إن ابن الإنسان سوف يسلم إلى أيدي الناس" ٢٥ "وأما هم فلم يفهموا هذا القول وكان مخفي عنهم لكيلا يفهموه وخافوا أن يسألوه عن هذا القول" وههنا لم يفهم الحواريون ولم يسألوه خوفاً منه، وفي الباب الثامن عشر من إنجيل لوقا هكذا: ٣١ "وأخذ الاثني عشر وقال لهم ها نحن صاعدون إلى أورشليم وسيتم كل ما هو مكتوب بالأنبياء عن ابن الإنسان" ٣٢ "لأنه يسلم إلى الأمم ويستهزؤ به ويشتم ويُتْفَل عليه" ٣٣ "ويجلدونه ويقتلونه وفي اليوم الثالث يقوم" ٣٤ "وأما هم فلم يفهموا من ذلك شيئاً وكان هذا الأمر مخفياً عنهم، ولم يعلموا ما قيل" وههنا أيضاً لم يفهم الحواريون مع أن هذا التفهيم كان في المرة الثانية ولم يكن في الكلام إجمال أيضاً بحسب الظاهر، لعل سبب عدم الفهم هو أنهم كانوا سمعوا من اليهود أن المسيح يكون سلطاناً عظيم الشأن فلما آمنوا بعيسى ﵇ وصدقوه

стр. 680

بالمسيحية فكانوا يظنون أنه سيجلس على سرير السلطنة، ونحن أيضاً نجلس على أسرة السلطنة، لأن عيسى ﵇ كان وعدهم أنهم يجلسون على اثني عشر سريراً ويحكم كل منهم على فرقة من فرق بني إسرائيل، وكانوا حملوا هذه السلطنة الدنياوية كما هو الظاهر، وكان هذا الخبز مخالفاً لما ظنوه، ولما يرجونه، فلذا لم يفهموا، وستعرف عن قريب أنهم كانوا يرجون هكذا، وأيضاً قد شُبِّه على تلاميذ عيسى ﵇ من بعض الأقوال المسيحية أمران ولم يزل هذا الاشتباه من أكثرهم أو كلهم إلى الموت (الأول) أنهم كانوا يعتقدون أن يوحنا لا يموت إلى القيامة (الثاني) أنهم كانوا يعتقدون أن القيامة تقوم في عهدهم كما عرفت مفصلاً في الباب الأول، وهذا الأمر يقيني أن ألفاظ عيسى ﵇ بعينها ليست بمحفوظة في إنجيل من الأناجيل، بل في كل توجد ترجمتها باليوناني على ما فهم الرواة، وقد عرفت مفصلاً في الشاهد الثامن عشر من المقصد الثالث من الباب الثاني أن إنجيل متى لم يبق بل الباقي ترجمته، ولم يعلم أيضاً اسم مترجمه بالجزم إلى الآن، ولا يثبت بالسند المتصل أن الكتب الباقية من الأشخاص المنسوبة إليهم، وقد ثبت أن التحريف وقع في هذه الكتب يقيناً وثبت أن أهل الدين والديانة كانوا يحرفون قصد التأييد مسألة مقبولة أو لدفع اعتراض، وقد عرفت في الشاهد الحادي والثلاثين من المقصد الثاني بالأدلة القوية أنه ثبت

стр. 681

تحريفهم في هذه المسألة فزادوا في الباب الخامس من الرسالة الأولى ليوحنا هذه العبارة: "في السماء وهم ثلاثة الأب والكلمة والروح القدس، وهؤلاء الثلاثة هم واحد، والذين يشهدون في الأرض"، وزادوا بعض الألفاظ في الباب الأول من إنجيل لوقا وأسقطوا بعض الألفاظ من الباب الأول من إنجيل متّى، وأسقطوا الآية الثامنة من الباب الثاني والعشرين من إنجيل لوقا، ففي هذه الصورة لو وجد بعض الأقوال المسيحية المتشابهة الدالة على التثليث لا اعتماد عليها مع أنها ليست صريحة كما ستعرف في الأمر الثاني عشر من المقدمة. (الأمر السابع) قد لا يدرك العقل ماهية بعض الأشياء وكنهها كما هي لكن مع ذلك يحكم بإمكانها ولا يلزم من وجودها عنده استحالة ما ولذا تعد هذه الأشياء من الممكنات، وقد يحكم بداهة أو بدليل قطعي بامتناع بعض

стр. 682

الأشياء، ويلزم من وجودها عنده محال ما، ولذا تعد هذه الأشياء من الممتنعات، وبين الصورتين فرق جليّ، ومن القسم الثاني اجتماع النقيضين الحقيقيين وارتفاعهما، وكذا اجتماع الوحدة والكثرة الحقيقيتين في زمان واحد من جهة واحدة، وكذا اجتماع الزوجية والفردية وكذا اجتماع الأفراد المختلفة، وكذا اجتماع الأضداد مثل النور والظلمة والسواد والبياض والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، والعمى والبصر، والسكون والحركة في المادة الشخصية مع اتحاد الزمان والجهة، واستحالةُ هذه الأشياء بديهية يحكم بها عقل كل عاقل، وكذا من القسم الثاني لزوم الدور والتسلسل وأمثالهما يحكم العقل ببطلانها بأدلة قطعية. (الأمر الثامن) إذا تعارض القولان فلا بد من إسقاطهما إن لم يمكن التأويل، أو من تأويلهما إن أمكن، ولا بد أن يكون التأويل بحيث لا يستلزم المحال أو الكذب، مثلاً الآيات الدالة على الجسمية والشكل تعارضت ببعض الآيات الدالة على التنزيه فيجب تأويلها كما عرفت في الأمر الثالث، لكن لا بد أن لا يكون التأويل بأن الله متصف بصفتين أعني الجسمية والتنزيه، وإن لم تدرك عقولنا هذا الأمر فإن هذا التأويل باطل محض واجب الرد لا يرفع التناقض.

стр. 683

(الأمر التاسع) العددُ لما كان قسِماً من الكَم لا يكون قائماً بنفسه بل بالغير، وكل موجود لا بد أن يكون معروضاً للوحدة أو الكثرة. والذوات الموجودة بالامتياز الحقيقي المتشخصة بالتشخص تكون معروضة للكثرة الحقيقية، فإذا صارت معروضة لها لا تكون معروضة للوحدة الحقيقية وإلا يلزم اجتماع الضدين الحقيقيين كما عرفت في الأمر السابع، نعم يجوز أن تكون معروضة للوحدة الاعتبارية بأن يكون المجموع كثيراً حقيقياً وواحداً اعتبارياً. (الأمر العاشر) المنازعة بيننا وبين أهل التثليث والتوحيد كليهما حقيقيان وإن قالوا التثليث حقيقي والتوحيد اعتباري فلا نزاع بيننا وبينهم لكنهم يقولون إن كلاً منهما حقيقي كما هو مصرح به في كتب علماء البروتستنت، قال صاحب ميزان الحق في الباب الأول من كتابه المسمى بحل الإشكال هكذا: "إن المسيحيين يحملون التوحيد والتثليث كليهما على المعنى الحقيقي". (الأمر الحادي عشر) قال العلامة المقريزي في كتابه المسمى بالخطط في بيان الفرق المسيحية التي كانت في عصره: "النصارى فرق كثيرة الملكانية والنسطورية واليعقوبية والبوذعانية والمرقولية وهم الرهاويون الذين كانوا بنواحي حران وغير هؤلاء" ثم قال "والملكانية واليعقوبية والنسطورية كلهم متفقون على

стр. 684

أن معبودهم ثلاثة أقانيم، وهذه الأقانيم الثلاثة هي واحد وهو جوهر قديم ومعناه أب وابن وروح القدس إله واحد" ثم قال "قالوا الابن اتحد بإنسان مخلوق فصار هو وما اتحد به مسيحاً واحداً، وإن المسيح هو إله العباد وربهم، ثم اختلفوا في صفة الاتحاد فزعم بعضهم أنه وقع بين جوهر لاهوتي وجوهر ناسوتي اتحاد، ولم يخرج الاتحاد كل واحد منهما عن جوهريته وعنصره، وإن المسيح إله معبود وإنه ابن مريم الذي حملته وولدته، وإنه قتل وصلب، وزعم قوم أن المسيح بعد الاتحاد جوهران أحدهما لاهوتي والآخر ناسوتي، وأن القتل والصلب وقعا من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته، وأن مريم حملت بالمسيح وولدته من جهة ناسوته، وهذا قول النسطورية، ثم يقولون إن المسيح بكماله إله معبود وإنه ابن الله تعالى الله عن قولهم،.

стр. 685

وزعم قوم أن الاتحاد وقع بين جوهرين لاهوتي وناسوتي فالجوهر اللاهوتي بسيط غير منقسم ولا متجزئ، وزعم قوم أن الاتحاد على جهة حلول الابن في الجسد ومخالطته إياه، ومنهم من زعم أن الاتحاد على جهة الظهور كظهور كتابة الخاتم والنقش، إذا وقع على طين أو شمع وكظهور صورة الإنسان في المرآة إلى غير ذلك من الاختلاف الذي لا يوجد مثله في غيرهم، والملكانية تنسب إلى ملك الروم وهم يقولون إن الله اسم لثلاثة معان فهو واحد ثلاثة وثلاثة واحد، واليعقوبية يقولون إنه واحد قديم، وإنه كان لا جسم ولا إنسان ثم تجسم وتأنس، والمرقولية قالوا الله واحد علمه غيره قديم معه والمسيح ابنه على جهة الرحمة، كما يقال إبراهيم خليل الله" انتهى كلامه بلفظه،.

стр. 686

فظهر لك أن آراءهم في بيان علامة الاتحاد بين أقنوم الابن وجسم المسيح كانت مختلفة في غاية الاختلاف، ولذا ترى البراهين المورَدة في الكتب القديمة الإسلامية مختلفة، ولا نزاع لنا في هذه العقيدة مع المرقولية إلا باعتبار إطلاق اللفظ الموهم، وفرقة البروتستنت لما رأوا أن بيان علاقة الاتحاد لا يخلو عن الفساد البين تركوا آراء الأسلاف، وعجزوا أنفسهم واختاروا السكوت عن بيانها وعن بيان العلاقة بين الأقانيم الثلاثة. (الأمر الثاني عشر) عقيدة التثليث ما كانت في أمة من الأمم السابقة من عهد آدم إلى عهد موسى ﵇، وهَوْسات أهل التثليث بتمسكهم ببعض آيات سفر التكوين لا تتم علينا لأنها في الحقيقة تحريف لمعانيها، ويكون المعنى على تمسكهم من قبيل كون المعنى في بطن الشاعر، ولا أدعي أنهم

стр. 687

لا يتمسكون بزعمهم بآية من آيات السفر المذكور بل أدعي أنه لم يثبت بالنص كون هذه العقيدة لأمة من الأمم السالفة، وأما أنها ليست بثابتة في الشريعة الموسوية وأمته فغير محتاج إلى البيان لأنه من طالع هذه التوراة المستعملة لا يخفى عليه هذا الأمر، ويَحْيى ﵇ كان إلى آخر عمره

стр. 688

شاكاً في المسيح ﵇ بأنه المسيح الموعود به أم لا، كما صرح به في الباب الحادي عشر من إنجيل متى أنه أرسل اثنين من تلاميذه وقال له أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟، فلو كان عيسى ﵇ إلهاً يلزم كفره إذ الشك في الإله كفر، وكيف يتصوّر أنه لا يعرف إلهه وهو نبيه، بل هو أفضل الأنبياء بشهادة المسيح كما هي مصرحة في هذا الباب، وإذا لم يعرف الأفضل مع كونه معاصراً فعدم معرفة الأنبياء الآخرين السابقين على عيسى أحق بالاعتبار، وعلماء اليهود من لدن موسى ﵇ إلى هذا الزمان لا يعترفون بها، وظاهر أن ذات الله وصفاته الكمالية قديمة غير متغيرة موجودة أزلاً وأبداً، فلو كان التثليث حتماً لكان الواجب على موسى ﵇ وأنبياء بني إسرائيل أن يبينوه حق التبيين، فالعجب كل العجب أن تكون الشريعة الموسوية التي كانت واجبة الإطاعة لجميع الأنبياء إلى عهد عيسى ﵇ خالية عن بيان هذه العقيدة التي هي مدار النجاة على زعم أهل التثليث، ولا يمكن نجاة أحد بدونها نبياً كان أو غير نبي، ولا يبين موسى ولا نبي من الأنبياء الإسرائيلية هذه العقيدة ببيان واضح، بحيث تفهم منه هذه العقيدة صراحة ولا يبقى شك ما، ويبين موسى ﵇ الأحكام التي هي عند مقدس أهل التثليث ضعيفة ناقصة جداً بالتشريح التام ويكررها مرة بعد أولى وكرة بعد أخرى، ويؤكد على

стр. 689

محافظتها تأكيداً بليغاً، ويوجب القتل على تارك بعضها، وأعجبُ منه أن عيسى ﵇ أيضاً ما بين هذه العقيدة إلى عروجه ببيان واضح مثلاً بأن يقول إن الله ثلاثة أقانيم الأب والابن وروح القدس، وأقنوم الابن تعلق بجسمي بعلاقة فلانية أو بعلاقة فهمها خارج عن إدراك عقولكم فاعلموا أني أنا الله لا غير، لأجل العلاقة المذكورة أو يقول كلاماً آخر مثله في إفادة هذا المعنى صراحة، وليس في أيدي أهل التثليث من أقواله إلا بعض الأقوال المتشابهة: قال صاحب ميزان الحق في كتابه المسمى بمفتاح الأسرار: "إن قلت لِمَ لَمْ يبين المسيح ألوهيته ببيان أوضح مما ذكره، ولِمَ لَمْ يقل واضحاً ومختصراً أني أنا الله لا غير؟ " فأجاب أولاً بجواب غير مقبول لا يتعلق غرضنا بنقله في هذا المحل، ثم أجاب ثانياً "بأنه ما كان أحد يقدر على فهم هذه العلاقة والوحدانية قبل قيامه" يعني من الأموات "وعروجه فلو قال صراحة لفهموا أنه إله بحسب الجسم الإنساني وهذا الأمر كان باطلاً جزماً فدرك هذا المطلب أيضاً من المطالب التي قال في حقها لتلاميذه إن لي أموراً كثيرة أيضاً

стр. 690

لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كان ما يسمع يتكلم ويخبركم بأمور آتية" ثم قال "إن كبار ملة اليهود أرادوا مراراً أن يأخذوه ويرجموه، والحال أنه ما كان بَيَّن ألوهيته بين أيديهم إلا على طريق الإلغاز" فعلم من كلامه عذران: (الأول) عدم قدرة فهم أحد قبل العروج (والثاني) خوف اليهود وكلاهما ضعيفان في غاية الضعف، أما الأول فإنه كان هذا القدر يكفي لدفع الشبهة: أن علاقة الاتحاد التي بين جسمي وبين أقنوم الابن فهمها خارج عن وسعكم فاتركوا تفتيشها واعتقدوا بأني لست إلهاً باعتبار الجسم بل بعلاقة الاتحاد المذكور، وأما نفس عدم القدرة على فهمها فباقية بعد العروج أيضاً حتى لم يعلم عالم من علمائهم إلى هذا الحين كيفية هذه العلاقة والوحدانية، ومن قال ما قال فقوله رَجْم بالغيب لا يخلو عن مَفْسَدة عظيمة، ولذا ترك علماء فرقة البروتستنت بيانها رأساً، وهذا القسيس يعترف في مواضع من تصانيفه بأن هذا الأمر من الأسرار خارج عن درك العقل، وأما الثاني فلأن المسيح ﵇ ما جاء عندهم إلا لأجل أن يكون كفارة لذنوب الخلق ويصلبه اليهود، وكان يعلم يقيناً أنهم يصلبونه ومتى يصلبونه فأي محل للخوف من اليهود في بيان العقيدة؟، والعجب أن خالق

стр. 691

الأرض والسماء والقادر على ما يشاء يخاف من عباده الذين هم من أذل أقوام الدنيا، ولا يبين لأجل خوفهم العقيدة التي هي مدار النجاة. وعباده من الأنبياء مثل أرمياء وأشعياء ويحيى ﵈ لا يخافون منهم في بيان الحق ويؤذَوْن إيذاء شديداً ويقتل بعضهم، وأعجب منه أن المسيح ﵇ يخاف منهم في بيان هذه المسألة العظيمة، ويشدد عليهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غاية التشديد حتى تصل النوبة إلى السب، ويخاطب الكتبة والفريسيين مشافهة بهذه الألفاظ: ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراءون، وويل لكم أيها القادة العميان وأيها الجهال العميان، وأيها الفريسي الأعمى، وأيها الحيات والأفاعي كيف تهربون من دينونة جهنم، ويظهر قبائحهم على رؤوس الأشهاد، حتى شكا بعضهم بأنك تشتمنا كما هو مصرح به في الباب الثالث والعشرين من إنجيل متّى والحادي

стр. 692

عشر من إنجيل لوقا، وأمثال هذا مذكورة في المواضع الأخر من الإنجيل أيضاً، فكيف يظن بالمسيح ﵇ أن يترك بيان العقيدة التي هي مدار النجاة لأجل خوفهم؟. حاشا ثم حاشا أن يكون جنابه هكذا، وعلم من كلامه أن المسيح ﵇ ما بين هذه المسألة عند اليهود قط إلا بطريق الإلغاز وأنهم كانوا ينكرون هذه العقيدة أشد الإنكار حتى أرادوا رجمه مراراً على البيان الإلغازي.

стр. 693

الفصل الأول: في إبطال التثليث بالبراهين العقلية (البرهان الأول) لما كان التثليث والتوحيد حقيقيين عند المسيحيين بحكم الأمر العاشر من المقدمة فإذا وجد التثليث الحقيقي لا بد من أن توجد الكثرة الحقيقية أيضاً بحكم الأمر التاسع من المقدمة ولا يمكن بعد ثبوتها التوحيد الحقيقي وإلا يلزم اجتماع الضدين الحقيقيين بحكم الأمر السابع من المقدمة وهو محال، فلزم تعدد الوجباء وفات التوحيد يقيناً. فقائل التثليث لا يمكن أن يكون موحداً لله تعالى بالتوحيد الحقيقي، والقول بأن التثليث الحقيقي والتوحيد الحقيقي وإن كانا ضدين حقيقين في غير الواجب لكنهما ما ليسا كذلك، فيه سفسطة محضة لأنه إذا ثبت أن الشيئين بالنظر إلى ذاتيهما ضدان حقيقيان أو نقيضان في نفس الأمر فلا يمكن اجتماعهما في أمر واحد شخصي في زمان واحد من جهة واحدة واجباً كان ذلك الأمر أو غير واجب، كيف وإن الواحد الحقيقي ليس له ثلث صحيح والثلاثة لها ثلث صحيح، وهو واحد وأن الثلاثة مجموع آحاد ثلاثة، والواحد الحقيقي ليس مجموع آحاد رأساً،.

стр. 694

وإن الواحد الحقيقي جزء الثلاثة فلو اجتمعا في محل واحد يلزم كون الجزء كلاً والكل جزءاً وأن هذا الاجتماع يستلزم كونَ الله مركّباً من أجزاء غير متناهية بالفعل لاتحاد حقيقة الكل والجزء على هذا التقدير، والكل مركب، فكل جزء من أجزائه أيضاً مركب من الأجزاء التي تكون عين هذا الجزء وهلم جرّا، وكون الشيء مركّباً من أجزاء غير متناهية بالفعل باطل قطعاً، وأن هذا الاجتماع يستلزم كون الواحد ثُلث نفسه وكون الثلاثة ثلاثة أمثال نفسها، والواحد ثلاثة أمثال الثلاثة. (البرهان الثاني) لو وُجِد في ذات الله ثلاثة أقانيم ممتازة بامتياز حقيقي كما قالوا فمع قطع النظر عن تعدد الوجباء يلزم أن لا يكون الله حقيقة محصَّلة بل مركباً اعتبارياً فإن التركيب الحقيقي لا بد فيه من الافتقار بين الأجزاء، فإن الحجر الموضوع يجنب الإنسان لا يحصل منهما أحدية، ولا افتقار بين الواجبات، لأنه من خواص الممكنات، فالواجب لا يفتقر إلى الغير وكل جزء منفصل عن الآخر وغيرُه وإن كان داخلاً في المجموع، فإذا لم يفتقر بعض الأجزاء إلى بعض آخر لم تتألف منها الذات الأحدية، على أنه يكون الله في الصورة المذكورة مركباً، وكل مركب يفتقر في تحققه إلى تحقق كل واحد من أجزائه، والجزء غير الكل بالبداهة، فكل مركب مفتقر إلى غيره، وكل مفتقر إلى غيره ممكن لذاته فيلزم أن يكون الله ممكناً لذاته وهذا باطل.

стр. 695

(البرهان الثالث) إذا ثبت الامتياز الحقيقي بين الأقانيم فالأمرالذي حصل به هذا الامتياز إما أن يكون من صفات الكمال أو لا يكون، فعلى الشِّق الأول لم يكن جميع صفات الكمال مشتركاً فيه بينهم، وهو خلاف ما تقرر عندهم أن كل أقنوم من هذه الأقانيم متصف بجميع صفات الكمال، وعلى الشق الثاني فالموصوف به يكون موصوفاً بصفة ليست من صفات الكمال، وهذا نقصان يجب تنزيه الله عنه. (البرهان الرابع) الاتحاد بين الجوهر اللاهوتي والناسوتي إذا كان حقيقياً لكان أقنوم الابن محدوداً متناهياً وكل ما كان كذلك كان قبوله للزيادة والنقصان ممكناً، وكل ما كان كذلك كان اختصاصه بالمقدار المعين لتخصيص مخصص وتقدير مقدّر، وكل ما كان كذلك فهو محدث فيلزم أن يكون أقنوم الابن محدثاً ويستلزم حدوثه حدوث الله. (البرهان الخامس) لو كان الأقانيم الثلاثة ممتازة بامتياز حقيقي وجب أن يكون المميِّز غير الوجوب الذاتي، لأنه مشترك بينهم، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز فيكون كل واحد منهم مركباً من جزأين وكل مركب ممكن لذاته، فيلزم أن يكون كل واحد منهم ممكناً لذاته. (البرهان السادس) مذهب اليعقوبية باطل صريح لأنه يستلزم انقلاب القديم بالحادث والمجرد بالمادي، وأما مذهب غيرهم فيقال في إبطاله: إن هذا الاتحاد إما بالحلول أو بغيره فإن كان الأول فهو باطل من وجوه ثلاثة على وَفق عدد التثليث.

стр. 696

أما أولاً فلأن ذلك الحلول لا يخلو إما أن يكون كحلول ماء الورد في الورد والدهن في السمسم والنار في الفحم، وهذا باطل لأنه إنما يصح لو كان أقنوم الابن جسماً، وهم وافقونا على أنه ليس بجسم، وإما أن يكون كحصول اللون في الجسم وهذا أيضاً باطل لأن المعقول من هذه التبعية حصول اللون في الحيِّز لحصول محله في هذا الحيز، وهذا أيضاً إنما يُتَصّور في الأجسام، وإما أن يكون كحصول الصفات الإضافية للذوات، وهذا أيضاً باطل لأن المعقول من هذه التبعية الاحتياج، فلو ثبت حلول أقنوم الابن بهذا المعنى في شيء كان محتاجاً فكان ممكناً مفتقراً إلى المؤثر وذلك محال، وإذا ثبت بطلان جميع التقارير امتنع إثباته. وأما ثانياً فلأنا لو قطعنا النظر عن معنى الحلول نقول: إن أقنوم الابن لو حلّ في الجسم فذلك الحلول إما أن يكون على سبيل الوجوب أو على سبيل الجواز، ولا سبيل إلى الأول لأن ذاته إما أن تكون كافية في اقتضاء هذا الحلول أو لا تكون كافية في ذلك، فإن كان الأول استحال توقف ذلك الاقتضاء على حصول شرط فيلزم إما حدوث الله أو قدم المحل، وكلاهما باطلان وإن كان الثاني كان كونه مقتضياً لذلك الحلول أمراً زائداً على ذاته حادثاً فيه، فيلزم من حدوث الحلول حدوث شيء فيه فيكون قابلاً للحوادث، وذلك محال لأنه لو كان كذلك لكانت تلك القابلية من لوازم

стр. 697

ذاته، وكانت حاصلة أزلاً، وذلك محال لأن وجود الحوادث في الأزل محال، ولا سبيل إلى الثاني على هذا التقدير يكون ذلك الحلول زائداً على ذات الأقنوم فإذا حل في الجسم وجب أن يحل فيه صفة محدثة، وحلولها يستلزم كونه قابلاً للحوادث، وهو باطل كما عرفت. وأما ثالثاً فلأن أقنوم الابن إذا حل في جسم عيسى ﵇ فلا يخلو إما أن يكون باقياً في ذات الله أيضاً أو لا فإن كان الأول لزم أن يوجد الحال الشخصي في محلين، وإن كان الثاني لزم أن يكون ذات الله خالية عنه فينتفي لأن انتفاء الجزء يستلزم انتفاء الكل، وإن كان ذلك الاتحاد بدون الحلول فنقول إنّ أقنوم الابن إذا اتحد بالمسيح ﵇ فهما في حال الاتحاد إن كانا موجودين فهما اثنان لا واحد فلا اتحاد، وإن عدما وحصل ثالث فهو أيضاً لا يكون اتحاداً بل عدم الشيئين وحصول شيء ثالث، وإن بقي أحدهما وعدم الآخر فالمعدوم يستحيل أن يتحد بالموجود لأنه يستحيل أن يقال المعدوم بعينه هو الموجود، فظهر أن الاتحاد محال، ومن قال إن الاتحاد على جهة الظهور كظهور كتابة الخاتم إذا وقع على طين أو شمع أو كظهور صورة الإنسان في المرآة فقوله لا يثبت الاتحاد الحقيقي بل يثبت التغاير، لأنه كما أن كتابة الخاتم الظاهرة على طين أو شمع غير الخاتم وصورة الإنسان في المرآة غير الإنسان، فكذلك يكون أقنوم الابن غير المسيح ﵇، بل غاية ما يلزم أن يكون ظهور أثر صفة الأقنوم فيه أكثر

стр. 698

من ظهوره في غيره، كما أن ظهور تأثير شعاع الشمس في بدخشان في بعض الأحجار التي تتولد منها الجواهر المعروفة أزيد من تأثيره في الأحجار التي هي غير تلك الأحجار، ولنعم ما قيل: محال لا يساويه محال * وقول في الحقيقة لا يقال وفكر كاذب وحديث زور * بدا منهم ومنشؤه الخيال تعالى الله ما قالوه كفر * وذنب في العواقب لا يقال. (البرهان السابع) فرقة البروتستنت ترد على فرقة الكاثلك في استحالة الخبز إلى المسيح في العشاء الرباني بشهادة الحس وتستهزئ بها، فهذا الرد والهزء يرجعان إليهما أيضاً لأن الذي رأى المسيح ما رأى منه إلا شخصاً واحداً إنساناً، وتكذيب أصدق الحواس الذي هو البصر يفتح باب السفسطة في الضروريات، فيكون القول به باطلاً كالقول بالاستحالة، والجهلاء من المسيحيين من أية فرقة من فرق أهل التثليث كانوا قد ضلوا في هذه العقيدة ضلالاً بيناً، ولا يميزون بين الجوهر اللاهوتي والناسوتي كما يميز بحسب الظاهر علماؤهم، بل يعتقدون ألوهية المسيح ﵇ باعتبار الجوهر الناسوتي ويخبطون خبطاً عظيماً،.

стр. 699

نقل أنه تنصر ثلاثة أشخاص وعلمهم بعض القسيسين العقائد الضرورية سيما عقيدة التثليث أيضاً، وكانوا في خدمته فجاء محب من أحبَّاء هذا القسيس وسأله عمن تنصر؟ فقال: ثلاثة أشخاص تنصروا، فسأل هذا المحب: هل تعلموا شيئاً من العقائد الضرورية، فقال: نعم، وطلب واحداً منهم ليرى محبه فسأله عن عقيدة التثليث، فقال: إنك علمتني أن الآلهة ثلاثة أحدهم الذي هو في السماء والثاني تولد من بطن مريم العذراء والثالث الذي نزل في صورة الحمام على الإله الثاني بعد ما صار ابن ثلاثين سنة، فغضب القسيس وطرده، وقال: هذا مجهول، ثم طلب الآخر منهم وسأله فقال: إنك علمتني أن الآلهة كانوا ثلاثة

стр. 700

وصلب واحد منهم فالباقي إلهان، فغضب عليه القسيس أيضاً وطرده، ثم طلب الثالث وكان ذكياً بالنسبة إلى الأولين وحريصاً في حفظ العقائد فسأله فقال: يا مولاي حفظت ما علمتني حفظاً جيداً وفهمت فهماً كاملاً بفضل الرب المسيح أن الواحد ثلاثة والثلاثة واحد وصلب واحد منهم ومات فمات الكل لأجل الاتحاد، ولا إله الآن وإلا يلزم نفي الاتحاد (أقول) لا تقصير للمسؤولين فإن هذه العقيدة يخبط فيها الجهلاء هكذا ويتحير علماؤهم، ويعترفون بأنا نعتقد ولا نفهم، ويعجزون عن تصويرها وبيانها، ولذا قال الفخر الرازي في تفسيره ذيل تفسير سورة النساء: "واعلم أن مذهب النصارى مجهول جداً" ثم قال: "لا نرى مذهباً في الدنيا أشدّ ركاكة وبعداً من العقل من مذهب النصارى" وقال في تفسير سورة المائدة: "ولا نرى في الدنيا مقالة أشد فساداً وأظهر بطلاناً من مقالة النصارى" فإذا علمت بالبراهين العقلية القطعية أن التثليث الحقيقي ممتنع في ذات الله فلو وجد قول من الأقوال المسيحية دالاً بحسب الظاهر على التثليث يجب تأويله، لأنه لا يخلو إما أن نعمل بكل واحد من دلالة البراهين ودلالة القول. وإما أن نتركهما، وإما أن نرجح النقل على العقل، وإما أن نرجح العقل على النقل،

стр. 701

والأول باطل قطعاً ولا يلزم كون الشيء الواحد ممتنعاً وغير ممتنع في نفس الأمر، والثاني أيضاً محال وإلا يلزم ارتفاع النقيضين، والثالث أيضاً لا يجوز لأن العقل أصل النقل فإن ثبوت النقل موقوف على وجود الصانع وعلمه وقدرته وكونه مرسلاً للرسل، وثبوتها بالدلائل العقلية، فالقدح في العقل قدح في العقل والنقل معاً، فلم يبق إلا أن نقطع بصحة العقل ونشتغل بتأويل النقل، والتأويل عند أهل الكتاب ليس بنادر ولا قليل لما عرفت في الأمر الثالث من المقدمة أنهم يؤولون الآيات الغير المحصورة الدالة على جسمية الله وشكله لأجل الآيتين اللتين مضمونهما مطابق للبرهان العقلي، وكذلك يؤولون الآيات الكثيرة الغير المحصورة الدالة على المكان لله تعالى لأجل الآيات القليلة الموافقة للبرهان، وعرفت في الأمر الرابع والخامس أيضاً مثله مشروحاً لكن العجب من عقلاء الكاثلك ومَنْ تبعهم أنهم تارةً يبطلون حكم الحس والعقل معاً، ويحكمون أن الخبز والخمر اللذين حدثا بين أعيننا بعد مدة أزيد من ألف وثمانمائة سنة من عروج المسيح ﵇ يتحولان في العشاء الرباني إلى لحمه ودمه حقيقة فيعبدونهما ويسجدون لهما، وتارةً يبطلون حكم العقل والبداهة وينبذون البراهين العقلية وراء ظهورهم، ويقولون:

стр. 702

التثليث الحقيقي والتوحيد الحقيقي يمكن اجتماعهما في أمر واحد شخصي في زمان واحد من جهة واحدة، والعجب من فرقة البروتستنت أنهم خالفوهم في الأولى دون الثانية، فلو كان العمل على ظاهر النقل ضرورياً وإن كان مخالفاً للحس والعقل فالإنصاف أن فرقة الكاثلك خير من فرقتهم لأنها بالغت في إطاعة ظاهر قول المسيح ﵇ حتى اعترفت بمعبودية ما يصادمه الحس والبداهة، وكما أن أهل التثليث يغالون في شأن المسيح ﵇ ويوصلونه إلى رتبة الألوهية فكذلك يفرطون في شأنه وشأن آبائه فيعتقدون أنه لعن وبعد ما مات نزل جهنم وأقام فيها ثلاثة أيامٍ كما ستعرف، وأن داود وسليمان ﵉ وكذا الآباء الآخرون للمسيح ﵇ في أولاد فارض الذي ولدته تامارا بالزنا من يهوذا، وأن داود ﵇ زنى بامرأة أوريا وأن سليمان ﵇ ارتد في آخر عمره كما عرفت. وكان سيل من العلماء المسيحية، وكان قد حصل بعض العلوم الإسلامية أيضاً، وكان ترجم القرآن المجيد بلسانه وترجمته مقبولة عند المسيحيين وصَّى قومه في بعض الأمور، وأنقل وصيته عن ترجمته المطبوعة سنة ١٨٣٦ من الميلاد: الأول: "لا يقع الجبر منكم على المسلمين، والثاني: لا تعلموهم المسائل التي هي مخالفة للعقل، لأنهم ليسوا حمقاء نغلب عليهم في هذه المسائل كعبادة الصنم والعشاء الرباني، لأنهم يعثرون كثيراً من هذه

стр. 703

المسائل، وكل كنيسة فيها هذه المسائل لا تقدر أن تجذبهم إلى نفسها" فانظر كيف وصى وأظهر أن مثل عبادة الصنم ومسألة العشاء الرباني مخالفة للعقل الإنصاف، إن أهل هذه المسائل مشركون يقيناً هداهم الله إلى الصراط المستقيم.

стр. 704

الفصل الثاني: في إبطال التثليث بأقوال المسيح ﵇ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (القول الأول) : في الآية الثالثة من الباب السابع عشر من إنجيل يوحنا قول عيسى ﵇ في خطاب الله هكذا: (وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته) فبين عيسى ﵇ أن الحياة الأبدية، عبارة عن أن يعرف الناس أن الله واحد حقيقي وأن عيسى ﵇ رسوله. وما قال إن الحياة الأبدية

стр. 705

أن يعرفوا أن ذاتك ثلاثة أقانيم ممتازة بامتياز حقيقي وأن عيسى إنسان وإله، أو أن عيسى إله مجسم ولما كان هذا القول في خطاب الله في الدعاء فلا احتمال ههنا للخوف من اليهود فلو كان اعتقاد التثليث مدار النجاة لبينه، وإذ ثبت أن الحياة الأبدية اعتقاد التوحيد الحقيقي لله واعتقاد الرسالة للمسيح فضدهما يكون موتاً أبدياً وضلالاً بيناً ألبتة، والتوحيد الحقيقي ضد للتثليث الحقيقي كما عرفت مفصلاً في الفصل الأول، وكون المسيح رسولاً ضد لكونه إلهاً، لأن التغاير بين المرسِل والمرسَل ضروري، وهذه الحياة الأبدية توجد في أهل الإسلام بفضل الله. وأما غيرهم فالمجوس ومشركو الهند والصين محرومون منها لانتفاء الاعتقادين فيهم، وأهل التثليث من المسيحيين محرومون منها لانتفاء الاعتقاد الأول، واليهود كافة محرومون منها لانتفاء الاعتقاد الثاني. (القول الثاني) : في الباب الثاني عشر من إنجيل مرقس هكذا ٢٨: (فجاء واحد من الكتبة وسمعهم يتحاورون، فلما رأى أنه أجابهم حسناً سأله: أية وصية هي أول الكل) ٢٩: (فأجابه يسوع أن أول كل الوصايا اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد. [٣٠] : وتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك هذه هي الوصية الأولى [٣١]
следующие страницы →