← Фикх общий

Фикх общий · id 22726

الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (439 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

مثل ما لقرابة النسب؛ فأمك من الرضاع وان علت، وبنتك وإن سفلت، وأختك لأبويك أو لأحدهما، محرمات عليك بسبب هذه القرابة التي جاءت عن طريق الرضاع. وأما ما يتعلق بأثر الحل: فإن كل ما يحل بينك وبين قريبة لك من النسب كالأم والبنت، يحل بينك وبين من بينك وبينها رضاعة، فيحل بينهما النظر والخلوة؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة) (١). المسألة الثالثة: إثبات الرضاع: يثبت الرضاع بشهادة امرأة واحدة مرضية معروفة بالصدق، شهدت بذلك على نفسها أو على غيرها، أنها أرضعت طفلاً في الحولين خمس رضعات؛ وذلك لحديث عقبة بن الحارث قال: تزوجت امرأة، فجاءت امرأة فقالت: إني قد أرضعتكما، فأتيت النبي ﷺ فقال: (وكيف وقد قيل؟ دعها عنك) أو نحوه (٢)، ولأن هذه شهادة على عورة، فتقبل فيها شهادة النساء منفردات عن الرجال، كالولادة.

стр. 352

الباب العاشر: في الحضانة، وأحكامها، وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تعريف الحضانة، وحكمها، ولمن تكون ؟ أ- تعريف الحضانة: لغة: تربية الصغير ورعايته، مشتقة من الحِضْن، وهو الجنب؛ لأن المربي والكافل يضم الطفل إلى جنبه. والحاضن والحاضنة: الموكلان بالصبي يحفظانه ويرعيانه. والحضانة شرعاً: هي القيام بحفظ من لا يميز ولا يستقل بأمره، وتربيته بما يصلحه بدنياً ومعنوياً، ووقايته عما يؤذيه. ب- حكمها: وهي واجبة في حق الحاضن إذا لم يوجد غيره، أو وجد ولكن المحضون لم يقبل غيره؛ لأنه قد يهلك، أو يتضرر بترك الحفظ، فيجب حفظه عن الهلاك، والوجوب الكفائي يكون عند تعدد الحاضنين. ج- لمن تكون؟: والحضانة تكون للنساء والرجال من المستحقين لها، إلا أن النساء يقدمن في الحضانة على الرجال؛ لأنهن أشفق وأرفق بالصغار، وإذا لم يكن لهن حق في الحضانة تصرف إلى الرجال؛ لأنهم على الحماية والصيانة وإقامة مصالح الصغار أقدر. وحضانة الطفل تكون لوالديه إذا كان النكاح قائماً بينهما، أمَّا إذا تفرقا فالحضانة للأم ما لم تنكح زوجاً أجنبياً من المحضون؛ لقوله ﷺ للمرأة التي طلقها زوجها وأراد أن ينتزع ولدها منها: (أنتِ أحق به ما لم تنكحي) (١). ومقتضى الحضانة: حفظ المحضون، وإمساكه عما يؤذيه، وتربيته حتى يكبر، وعمل جميع ما هو في صالحه: مِنْ تعهد طعامه، وشرابه، وغسله، ونظافته ظاهراً وباطناً، وتعهُّد نومه، ويقظته، والقيام بجميع حاجاته، ومتطلباته.

стр. 353

المسألة الثانية: في شروط الحاضن، وموانع الحضانة: ١ - الإسلام: فلا حضانة لكافر على مسلم؛ لأنه لا ولاية له على المسلم، وللخشية على المحضون من الفتنه في دينه وإخراجه من الإسلام إلى الكفر. ٢ - البلوغ والعقل: فلا حضانة لصغير ولا مجنون ولا معتوه؛ لأنهم عاجزون عن إدارة أمورهم، وفي حاجة لمن يحضنهم. ٣ - الأمانة في الدين والعفة: فلا حضانة لخائن وفاسق؛ لأنه غير مؤتمن، وفي بقاء المحضون عندهما ضرر عليه في نفسه وماله. ٤ - القدرة على القيام بشؤون المحضون بدنياً ومالياً: فلا حضانة لعاجز لكبر سن، أو صاحب عاهة كخرس وصمم، ولا حضانة لفقير معدم، أو مشغول بأعمال كثيرة يترتب عليها ضياع المحضون. ٥ - أن يكون الحاضن سليماً من الأمراض المعدية: كالجذام ونحوه. ٦ - أن يكون رشيداً: فلا حضانة لسفيه مبذر لئلا يتلف مال المحضون. ٧ - أن يكون الحاضن حراً: فلا حضانة لرقيق؛ لأن الحضانة ولاية، وليس الرقيق من أهل الولاية. وهذه الشروط عامة في الرجال والنساء. وتزيد المرأة شرطاً آخر، وهو: أن لا تكون متزوجة من أجنبي من المحضون؛ لأنها تكون مشغولة بحق الزوج، ولقوله ﷺ : (أنتِ أحق به ما لم تنكحي) (١). وتسقط الحضانة بوجود مانع من الموانع المذكورة، أو زوال شرط من شروط استحقاقها السابقة. المسألة الثالثة: من الأحكام المتعلقة بالحضانة: - إذا سافر أحد أبوي المحضون سفراً طويلاً، ولم يقصد به المضارة، وكان الطريق آمناً، فالأب أحق بالحضانة، سواء أكان هو المسافر أم المقيم؛ لأنه هو الذي يقوم بتأديب الولد والمحافظة عليه، فإذا كان بعيداً ضاع الولد.

стр. 354

- إذا كان السفر لبلد قريب دون مسافة القصر، فالحضانة للأم، سواء أكانت هي المسافرة أم المقيمة؛ لأنها أتم شفقة ويمكن لأبيه الإشراف عليه، وتعهد حاله. أما إذا كان السفر طويلاً ولحاجة، وكان الطريق غير آمن فالحضانة تكون للمقيم منهما. - وتنتهي الحضانة عند سن السابعة، ويخير الذكر بعدها بين أبويه، فيكون عند من اختار منهما؛ لقوله ﷺ : (يا غلام! هذا أبوك وهذه أمك؛ فخذ بيد أيهما شئت) فأخذ بيد أمه فانطلقت به (١)، وقضى بالتخيير أيضاً: عمر وعليّ ﵄، ولا يخير إلا إذا بلغ عاقلاً، وكان الأبوان من أهل الحضانة. وقيد التخيير بالسبع؛ لأنه أول سن أمر فيه الشارع بمخاطبته بالصلاة. فإن اختار الولد أباه كان عنده ليلاً ونهاراً ليؤدبه ويربيه، ولا يمنعه من زيارة أمه، وان اختار أمه صار عندها ليلاً وعند أبيه نهاراً؛ ليؤدبه ويربيه، ولأن النهار وقت قضاء الحوائج، وعمل الصنائع. والأنثى إذا بلغت سبع سنين فإنها تكون عند أبيها؛ لأنه أحفظ لها وأحق بولايتها من غيره، ولقربها من سن التزويج، والأب وليها وإنما تخطب منه، وهو الأعلم بالكفء ممن يتقدَّمون لها، ولا تمنع الأم من زيارتها عند عدم المحظور كخوف الفساد عليها أو غير ذلك. فإن كان الأب عاجزاً عن حفظها؛ لشغله، أو لكبره، أو لمرضه، أو لقلة دينه. والأم أصلح وأقدر فإنها أحق بها. وكذلك إذا تزوج الأب وجعلها عند زوجته، تؤذيها وتقصر في حقها، فالأم أحق بالحضانة. - أجرة الحضانة -سواء أكان الحاضن أماً أم غيرها- مستحقة من مال المحضون إن كان له مال، أو من مال وليه ومن تلزمه نفقته، إن لم يكن له مال.

стр. 355

الباب الحادي عشر: في النفقات، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: تعريف النفقة وأنواعها: أ- تعريف النفقة: النفقة لغة: مأخوذة من الإنفاق، وهو في الأصل بمعنى الإخراج والنفاد، ولا يستعمل الإنفاق إلا في الخير. وشرعاً: كفاية من يَمُونُه (١) بالمعروف قوتاً، وكسوة، ومسكناً، وتوابعها. ب- أنواع النفقات: ١ - نفقة الإنسان على نفسه. ٢ - نفقة الفروع على الأصول. ٣ - نفقة الأصول على الفروع. ٤ - نفقة الزوجة على الزوج. أولاً: نفقة الإنسان على نفسه: يجب على المرء أن يبدأ في الإنفاق على نفسه إن قدر على ذلك؛ لحديث جابر ﵁ قال: أعتق رجل من بني عُذرة عبداً له عن دُبُر (٢) إلى أن قال رسول الله ﷺ فيه: (ابدأ بنفسك فتصدَّق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك ...) (٣) الحديث. ثانياً: نفقة الفروع: فيجب على الوالد وإن علا نفقة ولده وإن سفل؛ لقوله تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: ٢٣٣]. فأوجب على الوالد نفقات رضاعة الولد، ولحديث عائشة ﵂ أن هند بنت عتبة قالت:

стр. 356

يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) (١). ثالثاً: نفقة الأصول: فتجب نفقة الوالدين على ولدهما، لقوله تعالى: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) [لقمان: ١٥]. وقوله تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) [الإسراء: ٢٣]، ومن الإحسان الإنفاق عليهما، بل إن ذلك من أعظم الإحسان إلى الوالدين. ولحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وولده من كسبه) (٢)، ولحديث عمرو بن العاص ﵁: أن النبي ﷺ قال: (أنت ومالك لوالدك، إن أولادكم من طيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم) (٣). رابعاً: نفقة الزوجة: تجب نفقة الزوجة على الزوج؛ لقوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) [النساء: ٣٤]، ولحديث جابر ﵁ في سياق حجة النبي ﷺ وفيه: (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) (٤)، ولقوله ﷺ في حديث جابر المتقدم: (فإن فضل شيء فلأهلك). ولحديث عائشة المتقدم أيضاً، وفيه قوله ﷺ لهند: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف). فيلزم الزوج نفقة زوجته قوتاً، وسكنى، وكسوة بما يصلح لمثلها. وهذه النفقة تجب للزوجة التي في عصمته، وكذا المطلقة طلاقاً رجعياً، ما دامت في العدة. وأما المطلقة البائن فلا نفقة لها، ولا سكنى، إلا أن تكون حاملاً فلها

стр. 357

النفقة، لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) [الطلاق: ٦]. المسألة الثانية: نفقة المماليك والبهائم: أولاً: نفقة المماليك: أ- حكم النفقة على المماليك: يجب على السيد نفقة مملوكه من قوت وكسوة وسكن بالمعروف، لقوله تعالى: (قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) [الأحزاب: ٥٠]. وقوله ﷺ : (للمملوك طعامه وكسوته) (١). ويجب الرفق بهم وعدم تحميلهم فوق طاقتهم؛ لقوله ﷺ : (ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم) (٢). ب- تزويج المملوك وإنكاحه: إن طلب الرقيق نكاحاً زوجه سيده؛ لقوله تعالى: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ) [النور: ٣٢]، ولأنه يخشى وقوعه في الفاحشة إذا ترك إعفافه. وإذا طلبت الأمة نكاحاً؛ خيَّرها سيدها بين وطئها، أو تزويجها، أو بيعها إزالة للضرر عنها. ثانياً: نفقة البهائم: يجب على من ملك بهيمة إطعامها، وسقيها، والقيام بشؤونها، ورعايتها؛ لقوله ﷺ : (دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض، حتى ماتت هزلاً) (٣). فدل ذلك على وجوب النفقة على الحيوان المملوك؛ لأن دخول المرأة النار كان بسبب ترك الإنفاق على الهرة، ومثلها باقي الحيوانات المملوكة. فإن عجز مالك البهيمة عن الإنفاق عليها، أجبر على بيعها، أو تأجيرها، أو ذبحها إن كانت مما يؤكل؛ لأن بقاءها في ملكه مع عدم الإنفاق عليها ظلم، والظلم تجب إزالته.

стр. 358

عاشراً: كتاب الجنايات ويشتمل على ثلاثة أبواب: الباب الأول: في الجنايات، وفيه مسائل: المسألة الأولى: تعريف الجناية وأقسامها: أ- تعريف الجِناية: الجِناية جمعها جنايات، وهي لغة: التعدي على بدن أو مال أو عرض، وقد جعل الفقهاء كتاب الجنايات خاصاً بالتَّعدي على البدن، وكتاب الحدود خاصاً بالتعدي على المال والعرض. فالجناية شرعاً: التعدِّي على البدن بما يوجب قصاصاً، أو مالاً، أو كفارة. ب- أقسام الجناية: تنقسم الجناية إلى قسمين: ١ - جناية على النفس. ٢ - جناية على ما دون النفس. المسألة الثانية: الجناية على النفس: وهي كل فعل يؤدي إلى زهوق النفس، وهي القتل. وأجمع المسلمون على تحريم القتل بغير حق؛ لقوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) [الإسراء: ٣٣]. ولحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) (١). فتحريم القتل بغير حق ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع. حكم قاتل النفس بغير حق: إذا قتل شخص شخصاً متعمداً بغير حق فحكمه أنه فاسق؛

стр. 359

لارتكابه كبيرة من كبائر الذنوب، وقد عظَّم الله شأن القتل، فقال سبحانه: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) [المائدة: ٣٢]. وقال ﷺ : (لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يُصب دماً حراماً) (١). وقد توعده الله سبحانه، فقال: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا...) [النساء: ٩٣]. وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) [النساء: ٤٨]. فهو داخل تحت المشيئة؛ لأن ذنبه دون الشرك. هذا إن لم يتب، أما إذا تاب فتوبته مقبولة؛ لقوله : (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر: ٥٣] ولكن لا يسقط حق المقتول في الآخرة بمجرد توبة القاتل. المسألة الثالثة: أنواع القتل: ينقسم القتل إلى ثلاثة أقسام: القتل العمد، وشبه العمد، والخطأ. والخطأ والعمد ورد ذكرهما في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا) [النساء: ٩٢]. وقوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) [النساء: ٩٣]. وأما شبه العمد: فثبت في السنة المطهرة أن النبي ﷺ قال: (عقل شبه العمد مغلظ، مثل عقل العمد) (٢). وإلى تفصيل القول في هذه الأقسام الثلاثة: القسم الأول: قتل العمد: حقيقته: أن يقصد القاتل آدمياً معصوماً، فيقتله بما يغلب على الظن موته

стр. 360

به. فعلى هذا لابد من توافر ثلاثة شروط، حتى يكون القتل عمداً: ١ - وجود القصد من القاتل، وهو إرادة القتل. ٢ - أن يعلم أن الشخص الذي قصد قتله آدمي معصوم الدم. ٣ - أن تكون الآلة التي قتله بها مما تصلح أن تكون للقتل عادة، سواء أكانت محددة أم غير محددة. فإن اختل شرط من هذه الشروط لم يكن القتل عمداً. • صور القتل العمد: ١ - أن يضربه بمُحَدَّد، وهو ما يقطع ويدخل في البدن؛ كالسيف والسكين والرمح وما في معناها. ٢ - أن يقتله بِمُثَقَّل كبير، كالحجر الكبير والمطرقة ونحوها؛ لحديث أنس بن مالك ﵁ أن جارية وجد رأسها قد رُضَّ (١) بين حجرين. فسألوها: من صنع هذا بك؟ فلان؟ فلان؟ حتى ذكروا يهودياً، فأومت برأسها، فأُخذ اليهودي، فأقرَّ، فأمر به رسول الله ﷺ أن يرض رأسه بالحجارة. (٢) ٣ - أن يمنع خروج نَفَسِهِ، كأن يخنقه بحبل ونحوه، أو يسد فمه، وأنفه، حتى يموت. ٤ - أن يسقيه سُمًّا لا يعلم به، أو يطعمه شيئاً قاتلاً، فيموت به. ٥ - أن يلقيه في مهلكة يكثر فيها السباع، أو ينعدم فيها الماء. ٦ - أن يلقيه في ماء يغرقه، أو نار تحرقه، ولا يمكنه التخلص منهما. ٧ - أن يحبسه، ويمنع عنه الطعام والشراب زمناً يموت فيه غالباً، فيموت بذلك جوعاً أو عطشاً. ٨ - أن يلقيه إلى حيوان مفترس كأسد، أو حية قاتلة، فيموت من ذلك. ٩ - أن يتسبب في قتله بما يقتل غالباً، كأن يشهد عليه بما يوجب قتله من زنى، أو ردة، أو قتل، فيقتل، ثم يرجع الشهود عن شهادتهم ويقولون: تعمدنا قتله، فيقتلون به.

стр. 361

• حكم قتل العمد: لقتل العمد حكمان: ١ - حكم أخروي: وهو تحريم القتل، ولفاعله الإثم العظيم، والعذاب الأليم، إن لم يتب، أو يعفو الله عنه؛ لقوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) [النساء: ٩٣]. ٢ - حكم دنيوي: فيترتب على قتل العمد القصاص إن لم يعف أولياء المقتول؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) [البقرة: ١٧٨]، ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قُتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يعفو وإما أن يُقتل) وفي رواية: (إما أن يقاد وإما أن يُفدى) (١). فولي الدم مخير بين القصاص، أو العفو بلا مقابل، أو أخذ الدية وهي بدل عن القصاص وله الصلح على أكثر منها. قال الموفق: لا أعلم فيه خلافاً؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً: (من قَتَلَ عمداً دُفع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حِقَّةً وثلاثون جَذَعَةً وأربعون خَلِفَةً، وما صُولحوا عليه فهو لهم وذلك تشديد العقل) (٢). وعفوه بلا مقابل أفضل؛ لقوله تعالى: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [البقرة: ٢٣٧]. • شروط القصاص في النفس: يستحق ولي القتيل القصاص بشروط أربعة: ١ - أن يكون القاتل مكلفاً، وهو البالغ العاقل. فلا قصاص على الصغير والمجنون والمعتوه والنائم، لقوله ﷺ : (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى

стр. 362

يستيقظ، وعن الصبيّ حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق) (١)، ولأن هؤلاء ليس لهم قصد صحيح، أو لعدم وجود القصد منهم. ٢ - أن يكون المقتول معصوم الدم؛ لأن القصاص شرع لحقن الدماء، ومهدر الدم غير محقون، فلو قتل مسلم كافراً حربياً، أو مرتداً قبل توبته، أو زانياً محصناً، فلا قصاص عليه، ولا دية، لكنه يعزر لتعدِّيه على الحاكم. ٣ - التكافؤ بين القاتل والمقتول، فيساويه في الحرية والدين والرق، فلا يقتل مسلم بكافر، ولو كان المسلم عبداً والكافر حراً؛ لقوله ﷺ : (لا يقتل مسلم بكافر) (٢). ولا يقتل حر بعبد؛ لقوله تعالى: (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ) [البقرة: ١٧٨] وما سوى ذلك فلا يؤثر التفاضل في شيء منها في القصاص، فيقتل الشريف بالوضيع، والذكر بالأنثى، والصحيح بالمجنون والمعتوه؛ لعموم قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) [المائدة: ٤٥]. ٤ - عدم الولادة، فلا يكون المقتول ولداً للقاتل ولا لولده وإن سفل، فلا يقتل أحد الأبوين وإن علا بالولد وإن سفل، لقوله ﷺ : (لا يقتل والد بولده) (٣). ويقتل الولد بكل من الأبوين؛ لعموم قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) [البقرة: ١٧٨]. • الحكمة من القصاص: شرع الله سبحانه القصاص؛ رحمة بالناس، وحفظاً لدمائهم، وزجراً عن العدوان، وإذاقة للجاني ما أذاقه لغيره، وفيه إذهاب لحرارة الغيظ من قلوب أولياء المجني عليه، وفيه حياة للناس، وبقاء للنوع الإنساني، كما قال سبحانه: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) [البقرة: ١٧٩].

стр. 363

• شروط استيفاء القصاص: إذا توافرت شروط استحقاق القصاص ووجوبه، فإنه لا يستوفى من الجاني ولا توقع العقوبة عليه إلا بشروط ثلاثة، وهي: ١ - أن يكون مستحق القصاص مكلفاً -بالغاً عاقلاً- فإن كان مستحقه -أو بعضهم- صبياً أو مجنوناً، لم ينب عنهما غيرهما في استيفائه، وإنما يحبس الجاني إلى حين بلوغ الصغير، وإفاقة المجنون. وقد فعله معاوية ﵁ وأقرَّه الصحابة، فكان كالإجماع منهم. ٢ - اتفاق أولياء الدم المستحقين للقصاص جميعاً على استيفائه، وليس لبعضهم الانفراد به، لئلا يكون مستوفياً لحق غيره بغير إذنه، فينتظر قدوم الغائب، وبلوغ الصغير، وإفاقة المجنون، ومن مات من مستحقي القصاص قام وارثه مقامه. وان عفا بعض مستحقي القصاص سقط القصاص. ٣ - أن يُؤْمَن عدم تعدي القصاص إلى غير الجاني؛ لقوله تعالى: (فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) [الإسراء: ٣٣]. فإن وجب القصاص على حامل لا تقتل حتى تضع حملها؛ لأن قتلها يتعدى إلى الجنين. فإن وضعت ما في بطنها: فإن وجد من يقوم مقامها في إرضاع الولد أقيم عليها الحدُّ، وإن لم يوجد تركت حتى تفطمه لحولين؛ لقوله ﷺ في حديث الغامدية: (إذن لا نرجمها وندع ولدها صغيراً ليس له من يرضعه) فقام رجل من الأنصار فقال: إليَّ رضاعه يا نبي الله! فرجمها (١). • من أحكام القصاص: ١ - ينفذ القصاص بحضور الحاكم -الإمام- أو نائبه، فهو الذي يقيمه ويأذن فيه؛ ليمنع من الجور فيه، ولإقامته على الوجه الشرعي، ودرءاً للفساد والتخريب والفوضى.

стр. 364

٢ - الأصل أن يفعل بالجاني كما فعل بالمجني عليه؛ لقوله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) [النحل: ١٢٦]. ولأن النبي ﷺ رضَّ رأس اليهودي الذي قتل الجارية بين حجرين، كما فعل بها (١). وكذا إن قطع يديه، ثم قتله، فعل به ذلك. ٣ - لا بد أن تكون الآلة التي ينفذ بها القصاص ماضية، كسيف وسكين ونحوه؛ لقوله ﷺ : (إذا قتلتم فأحسنوا القتلة) (٢). ٤ - إن كان ولي المقتول يحسن الاستيفاء على الوجه الشرعي، مَكَّنه الحاكمُ من ذلك، وإلا أمره أن يوكل من يقتص له، ممن يحسن ذلك. القسم الثاني: قتل شبه العمد: حقيقته: أن يقصد الاعتداء على شخص بما لا يقتل غالباً، فيموت المجني عليه، ويسمى أيضاً خطأ العمد، فهو يشبه العمد من جهة قصد ضربه، ويشبه الخطأ من جهة ضربه بما لم يقصد به القتل، فلذلك كان حكمه متردداً بين العمد والخطأ. وسواء في ذلك قصد العدوان عليه أو تأديبه. • من صور قتل شبه العمد وأمثلته: ١ - أن يضربه في غير مقتل بسوط أو حجر صغير أو عصا صغيرة، أو يلكمه أو يلكزه في غير مقتل فيموت. واللَّكم: الضرب بجُمْع الكف، واللَّكز: الضرب بجمع الكف في الصدر. ٢ - أن يربطه ويلقيه إلى جانب ماء قد يزيد وقد لا يزيد، فيزيد الماء، ويموت منه، وكذا لو ألقاه في ماء قليل لا يغرق مثله فغرق. ٣ - أن يصيح بعاقل في حال غفلته فيموت، أو يصيح بصغير، أو معتوه، على سطح، فيسقط، فيموت.

стр. 365

• حكم قتل شبه العمد: لقتل شبه العمد حكمان: ١ - حكم أخروي: وهو الحرمة والإثم والعقاب في الآخرة؛ لأنه تسبب بفعله في قتل معصوم الدم، إلا أن عقابه دون قتل العمد. ٢ - حكم دنيوي: فيترتب عليه الدية مغلظة، ولا يترتب عليه قصاص كالعمد وإن طالب به ولي الدم، وتجب الكفارة في مال الجاني، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين. وتثبت الدية لولي الدم على عاقلة (١) القاتل مؤجلة في ثلاث سنوات؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (عقل شبه العمد مغلظ مثل عقل العمد، ولا يقتل صاحبه) (٢)، وحديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: (ضربت امرأة ضرة لها بعمود فسطاط، وهي حبلى فقتلتها، فجعل رسول الله ﷺ دية المقتولة على عصبة القاتلة) (٣). القسم الثالث: قتل الخطأ: حقيقته: أن يقتل شخصاً من غير قصد لقتله. • أنواع قتل الخطأ: ١ - الخطأ في الفعل، وهو: أن يفعل ما يجوز له فعله فيصيب آدمياً معصوماً لم يقصده، كأن يرمي صيداً، فيصيب إنساناً فيقتله، أو ينقلب وهو نائم على إنسان فيموت. ٢ - الخطأ في القصد، كأن يرمي ما يظنه مباحاً فيتبين آدمياً، كما لو رمى شيئاً يظنه صيداً، فيتبين آدمياً معصوماً. ٣ - أن يكون القاتل عمداً صغيراً أو مجنوناً، فعمد الصبي والمجنون يجري مجرى الخطأ؛ لأنهما ليس لهما قصد.

стр. 366

ويلحق بقتل الخطأ: القتل بالتسبب، كما لو حفر بئراً، أو حفرة في طريق، فتلف بسبب ذلك إنسان. • حكم قتل الخطأ: لهذا القتل حكمان: ١ - حكم أخروي: وهو عدم الإثم والعقاب؛ لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه) (١). ٢ - حكم دنيوي: وهو وجوب الدية على عاقلة القاتل مؤجلة ثلاث سنين ومخففة في خمسة أنواع من الإبل؛ لقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا) [النساء: ٩٢]، ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: (قضى رسول الله ﷺ في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتاً بِغُرَّةٍ: عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قَضَى عليها بالغرة توفيت (٢)، فقضى رسول الله ﷺ أن ميراثها لزوجها، وبنيها، وأن العقل على عصبتها) (٣). وتجب على من قتل خطأً مع الدية كفارة وهي كالآتي: ١ - عتق رقبة مؤمنة: وهذا إذا كان يستطيع العتق، ويشترط في الرقبة أن تكون مؤمنة سليمة من العيوب؛ لقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) [النساء: ٩٢]. فإن لم يتمكن من العتق؛ لفقره أو لعدم وجود الرقيق، فإنه ينتقل إلى: ٢ - صوم شهرين متتابعين إن كان يستطيع؛ لقوله تعالى: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ) [النساء: ٩٢]. فإن عجز عن الصوم

стр. 367

لمرض أو كبر سن بقيت الكفارة متعلقة في ذمته، ولا يجزئ عنه الإطعام؛ لأن الله تعالى لم يذكره، والأبدال في الكفارة تتوقف على النص دون القياس. المسألة الرابعة: الجناية على ما دون النفس: وهي كل أذى يقع على الإنسان مما لا يودي بحياته، من الجراح وقطع الأعضاء ونحو ذلك، ويجب في ذلك القصاص لثبوت ذلك بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب: فقوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) [المائدة: ٤٥]. وأما السنة: فقوله ﷺ في قصة كسر الرّبَيِّع ثنية جارية: (كتاب الله القصاص) (١). وأجمع العلماء على وجوب القصاص فيما دون النفس، إن أمكن. وهي ثلاثة أنواع: ١ - الجناية بالجرح. ٢ - قطع طرف. ٣ - إبطال منفعة عضو. النوع الأول: الجناية بالجرح: وهذه الجناية تنقسم إلى قسمين: أ- الجراح الواقعة على الوجه والرأس وتسمى الشجاج، جمع شجة. ب- الجراحات في سائر البدن، وتسمى جرحاً، لا شجة. القسم الأول: الجراحات الواقعة في الرأس والوجه، وهي عشرة أنواع: ١ - الحَارِصَة، وهي التي تحرص الجلد، أي: تشقه قليلاً، ولا تدميه، كالخدش، وتسمى القاشرة والمليطاء، من الحَرْص، وهو الشقُّ.

стр. 368

٢ - الدامية، وهي التي تدمي موضعها من الشق (تدمي الجلد) فيخرج منها دم يسير، وتسمى البازلة والدامعة، تشبيها بخروج الدمع من العين. ٣ - الباضِعَة، وهي التي تبضع اللحم بعد الجلد، أي تشقه شقاً خفيفاً، ولا تبلغ العظم. ٤ - المتلاحمة، وهي التي تغوص في اللحم، ولا تبلغ الجلدة التي بين اللحم والعظم. ٥ - السِّمْحَاق، وهي التي تبلغ الجلدة الرقيقة بين اللحم والعظم من الرأس، سُميت الجراحة باسمها. وهذه الخمس ليس فيها قصاص ولا دية، وإنما يجب فيها حكومة، والحكومة هي أن يقوّم المجني عليه قبل الجناية كأنه عبد، ثم يُقَوَّم، وهي به قد برئت، فما نقص من القيمة، فللمجني عليه مثل نسبته من الدية. ٦ - المُوَضِّحة، وهي التي تخرق السمحاق وتوضح العظم أي تكشفه، وفيها خمس من الإبل، نصف عشر الدية. ٧ - الهاشمة، وهي التي توضح العظم وتهشمه أي تكسره، وفيها عشر من الإبل. ٨ - المُنَقِّلة، وهي التي تنقل العظم من موضع لآخر، سواء أوضحته، وهشمته، أو لا، وفيها خمس عشرة من الإبل. ٩ - المأمومة، وهي التي تبلغ أم الدماغ أي: جلدة الدماغ المحيطة به، ويقال لها الآمَّة، وفيها ثلث دية النفس. ١٠ - الدامغة، وهي التي تخرق جلدة الدماغ، وتصل إليه، وفيها ثلث دية النفس أيضاً. ويضاف إلى ذلك الجائفة، وهي التي تصل إلى باطن الجوف، مما لا يظهر للرائي، كداخل بطن، وداخل ظهر، وصدر، وحلق، ومثانة، وهذه ليست من

стр. 369

الشجاج، لأنها ليست في الرأس أو الوجه، إلا أنهم يذكرونها تبعاً بجامع التقدير فيها، وفيها ثلث دية النفس. ودليل هذه الجراح: ١ - حديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده ﵁: أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتاباً، وذكر فيه: (وفي المأمومة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل ... وفي الموضحة خمس من الإبل) (١). ٢ - إجماع العلماء على أن دية المنقلة خمس عشرة من الإبل. ٣ - اتفاق العلماء على أن في الجائفة ثلث الدية؛ لما في حديث عمرو بن حزم: (وفي الجائفة ثلث الدية). ٤ - أثر زيد بن ثابت ﵁ أنه قضى في الهاشمة عشر من الإبل (٢)، ولم يُعرف له مخالف. ٥ - ولما جاء في كتاب عمرو بن حزم السابق أن في المأمومة ثلث الدية، والدامغة أبلغ منها، فهي أولى منها بأن تكون فيها ثلث الدية. وهذه الشجاج لا يجب القصاص فيها، إلا في الموضحة فقط لتيسر ضبطها واستيفاء مثلها، بخلاف ما عداها، فإنه لا يؤمن فيها الزيادة والنقص في طول الجراحة وعرضها، ولا يوثق باستيفاء المثل. القسم الثاني: الجراحات في سائر البدن: وهذه الجراحات تختلف باختلاف النوع، فما لا قصاص فيه إذا كان في الرأس أو الوجه فلا قصاص فيه أيضاً، إذا كان في سائر البدن، إلا الموضحة التي تقطع جزءاً من أجزاء البدن، كالصدر والعنق.

стр. 370

النوع الثاني: قطع الطرف: تنقسم هذه الجنايه إلى ثلاثة أقسام: ١ - عمد. ٢ - شبه عمد. ٣ - خطأ. ولا يجب القصاص في الخطأ وشبه العمد، وإنما يجب في العمد كالقتل بشروط ثلاثة: ١ - إمكان الاستيفاء بلا حيف، وذلك بأن يكون القطع من مفصل، أو له حد ينتهي إليه كالأنامل، والكوع، والمرفق. فلا قصاص في جراحة لا تنتهي إلى حد كالجائفة، ولا قصاص في كسر عظم غير السن، كعظم الفخذ والذراع والساق. ٢ - التماثل بين عضوي الجاني والمجني عليه في الاسم والموضع، فلا تؤخذ يمين بيسار، ولا خنصر ببنصر، ولا عضو أصلي بزائد. ٣ - استواء العضوين من الجاني والمجني عليه في الصحة والكمال، فلا تؤخذ صحيحة بشلاء، ولا كاملة الأصابع بناقصتها، وهكذا. النوع الثالث: إبطال منفعة عضو: إذا أبطل الجاني منفعة عضو المجني عليه فإنه لا قصاص عليه؛ لعدم إمكان الاستيفاء بلا حيف، وعليه في ذلك دية نفس كاملة. ومن نقصت منفعة عضوه، فإن عرف قدره وجب له من الدية قسط الذاهب، كنصف الدية أو ربعها مثلاً، إذا كان الذاهب نصف المنفعة أو ربعها، وهكذا. وان لم يمكن معرفة قدر الذاهب من المنفعة، وجبت حكومة، يقدرها الحاكم باجتهاده. ومن المنافع: إزالة العقل والسمع والبصر، وإبطال الشم، وذهاب النطق والصوت والذوق، وزوال المضغ وزوال الإمناء، وإبطال قوة الإحبال، وغير ذلك.

стр. 371

الباب الثاني: في الديات، وفيه مسائل: المسألة الأولى: تعريفها . الدِّيَة لغة: من: وَدَيْتُ القتيلَ أَدِيهِ دِيةً، إذا أعطيت ديته، والجمع: ديات. وشرعاً: هي المال المؤدَّى للمجني عليه أو لوليه بسبب الجناية. وتسمى أيضاً (العَقْل)؛ لأن القاتل كان يجمع الدية من الإبل، فيعقلها بفناء أولياء المقتول؛ ليسلمها إليهم. المسألة الثانية: مشروعيتها، ودليل ذلك، والحكمة منها: ١ - أدلة مشروعيتها: الدية واجبة بالكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) [النساء: ٩٢]. وأما السنة: فحديث أبي هريرة المتقدم ذكره: (من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يفدى، وإما أن يقتل). وكذا حديث عمرو بن حزم في الكتاب الذي كتبه له النبي ﷺ وفيه مقادير الديات. وأجمع أهل العلم على وجوب الدية. ٢ - حكمة مشروعيتها: أما الحكمة من مشروعيتها: فهي حفظ الأرواح، وحقن دماء الأبرياء، والزجر، والردع عن الاستهانة بالأنفس. المسألة الثالثة: على من تجب الدية؟ ومن يتحملها ؟ من أتلف إنساناً أو جزءاً منه، لا يخلو من أحد أمرين: - إن كانت الجناية التي فسدت بسببها النفس عمداً محضاً، وجبت الدية كلها في مال القاتل، إن حصل العفو وسقط القصاص. فإن بدل التلف يجب على متلفه، قال تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: ١٦٤].

стр. 372

- وأما إن كانت الجناية خطأً أو شبه عمد، فإن الدية تكون على عاقلة القاتل؛ لحديث أبي هريرة ﵁: (قضى رسول الله ﷺ في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتاً بغُرَّة: عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت، فقضى رسول الله ﷺ أن ميراثها لزوجها، وبنيها، وأن العقل على عصبتها) (١). وإنما وجبت على العاقلة؛ لأن جنايات الخطأ كثيرة، والجاني فيها معذور، فوجبت مواساته، والتخفيف عنه بخلاف المتعمد؛ ولأن المتعمد يدفع الدية فداءً عن نفسه؛ لأنه يجب عليه القصاص، فإن عفي عنه تَحَمَّل الدية. المسألة الرابعة: أنواع الديات ومقاديرها: ١ - أنواع الديات: الأصل في الدية هو الإبل، لقوله ﷺ : (في النفس المؤمنة مائة من الإبل ...) (٢). وقوله ﷺ : (ألا وإن قتيل الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل) (٣). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (كانت قيمة الدية على عهد رسول الله ﷺ ثمانمائة دينار أو ثمانية آلاف درهم ... فكان ذلك كذلك حتى استخلف عمر فقام خطيباً فقال: ألا إن الإبل قد غلت. قال: ففرضها عمر -وفي رواية: فقوَّم- على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفاً، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة) (٤). وعلى هذا؛ فإن الأصل في الدية الإبل. وهذه الأشياء المذكورة سواها يكون معتبراً بها من باب التقويم، وقد كان ذلك من عمر ﵁ بمحضر من الصحابة، ولم ينكروا ذلك عليه، فيكون إجماعاً، فتدفع الدية إبلاً، أو قيمتها، من هذه الأشياء المذكورة.

стр. 373

٢ - مقادير الدية: - دية الحر المسلم: تكون مائة من الإبل، وتغلظ في قتل العمد وشبهه، وتغليظ الدية: أن يكون في بطون أربعين منها أولادها، كما تقدم في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وفيه: (وأربعون خَلِفَة). - دية الحر الكتابي: دية الكتابي الحر -ذمياً كان أو غيره- نصف دية المسلم، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ قال: (عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين) (١). وفي لفظ: (دية العاهد نصف دية المسلم). - دية المرأة: دية الحرة المسلمة على النصف من دية الرجل الحر المسلم، كما في كتاب عمرو بن حزم: (دية المرأة على النصف من دية الرجل). ونقل ابن عبد البر، وابن المنذر، الإجماع على ذلك. - دية المجوسي: دية المجوسي الحر -ذمياً كان أو معاهداً أو غيره- وكذا الوثني: ثمانمائة درهم؛ لحديث عقبة بن عامر مرفوعاً: (دية المجوسي ثمانمائة درهم) (٢). - دية المجوسية ونساء أهل الكتاب وعبدة الأوثان: على النصف من دية ذكرانهم، كما أن دية نساء المسلمين على النصف من دية ذكرانهم؛ لعموم حديث عمرو بن شعيب المتقدم: (عقل أهل الكتاب نصف عقل المسلمين). - دية الجنين: دية الجنين إذا سقط ميتاً بسبب جناية على أمه عمداً أو خطأ: غرة عبد أو أمة، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: (قضى رسول الله ﷺ في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتاً بغرة: عبد أو أمة) (٣). وتُقَدَّر الدية بعشر دية أمه وهي: خمس من الإبل. وتورث الغرة عنه، كأنه سقط حيّاً.

стр. 374

الباب الثالث: في القسامة، وفيه مسائل: المسألة الأولى: تعريفها، وحكمها، وحكمتها: ١ - تعريفها: القسامة لغة: مصدر قولهم: أَقْسَمَ يُقْسِمُ إقساماً وقَسَامَةً، أي: حلف حلفاً. وشرعاً: هي الأيمان المكررة في دعوى القتيل المعصوم، سميت بذلك؛ لأن الأيمان تقسم على أولياء القتيل فيحلفون خمسين يميناً أن المدَّعى عليه قتل صاحبهم. وصورتها: أن يوجد قتيل لا يُعرف قاتله، فتجري القسامة على الجماعة التي ينحصر فيها إمكان قتله، وذلك إذا توافرت الشروط الآتي ذكرها. ٢ - مشروعيتها: وهي مشروعة، ويثبت بها القصاص، أو الدية، إذا لم تقترن الدعوى ببينة أو إقرار، ووجد اللَّوْث، وهو العداوة الظاهرة بين القتيل والمتهم بقتله؛ كالقبائل التي يطلب بعضها بعضاً بالثأر، وقيل: لا يختص بذلك، بل يتناول كل ما يغلب على الظن صحة الدعوى. والدليل على مشروعيتها: حديث سهل بن أبي حَثْمة: أن عبد الله بن سهل ومُحَيِّصَة بن مسعود خرجا إلى خيبر من جهد أصابهم، فأتى محيصة فأخبر أن عبد الله بن سهل قد قتل، وطرح في عين أو فَقِير (١)، فأتى يهود فقال: أنتم والله قتلتموه. فقالوا: والله ما قتلناه. ثم أقبل حتى أتى على قومه، فذكر لهم ذلك، ثم أقبل هو وأخوه حويصة -وهو أكبر منه- وعبد الرحمن بن سهل ... فقال رسول الله ﷺ لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن: (أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم) وفي رواية (تأتون بالبينة)، قالوا: ما لنا بينة. فقال: (أتحلفون)؟ قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد، ولم نر. قال: (فتحلف لكم يهود؟)، قالوا: ليسوا بمسلمين. فوداه رسول الله ﷺ مِنْ عنده، فبعث إليهم رسول الله ﷺ

стр. 375

مائة ناقة حتى أدخلت عليهم الدار. فقال سهل: فلقد ركضتني منها ناقة حمراء (١). فدل ذلك على مشروعية القسامة، وأنها أصل من أصول الشرع مستقل بنفسه. ٣ - حكمتها: شرعت القسامة لصيانة الدماء وعدم إهدارها؛ فالشريعة الإسلامية تحرص أشد الحرص على حفظ الدماء، وصيانتها، وعدم إهدارها، ولما كان القتل يكثر، بينما تقل الشهادة عليه؛ لأن القاتل يتحرى بالقتل مواضع الخلوات، جعلت القسامة حفظاً للدماء. المسألة الثانية: شروط القسامة: ١ - أن يكون هناك لوث، وقد سبق بيان معناه. ٢ - أن يكون المدَّعَى عليه مكلفاً، فلا تصح الدعوى فيها على صغير ولا مجنون. ٣ - أن يكون المدَّعِي مكلفاً أيضاً، فلا تسمع دعوى صبي ولا مجنون. ٤ - أن يكون المدَّعَى عليه معيناً، فلا تقبل الدعوى على شخص مبهم. ٥ - إمكان القتل من المدَّعى عليه، فإن لم يمكن منه القتل لبعده عن مكان الحادث وقت وقوعه ونحو ذلك، لم تسمع الدعوى. ٦ - ألا تتناقض دعوى المُدَّعِي. ٧ - أن تكون دعوى القسامة مفصلة موصوفة، فيقول: أدّعي أن هذا قتل وليي فلان بن فلان، عمداً أو شبه عمد أو خطأ، ويصف القتل. المسألة الثالثة: صفة القسامة: إذا توافرت شروط القسامة، يُبدأ بالمدعين فيحلفون خمسين يميناً توزع عليهم

стр. 376

على قدر إرثهم من القتيل، أن فلاناً هو الذي قتله. ويكون ذلك بحضور المدعى عليه؛ لقوله ﷺ في حديث ابن أبي حثمة الماضي: (أفتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم؟) (١). فإن أبى الورثة أن يحلفوا، أو امتنعوا من تكميل الخمسين يميناً، فإنه يحلف المدَّعى عليه خمسين يميناً إذا رضي المدعون بأيمانه؛ لقوله ﷺ في الحديث المتقدم: (فتحلف لكم يهود؟) قالوا: ليسوا بمسلمين، ولم يرضوا بأيمانهم. فإذا حلف برئ، وإن لم يرض المدعون بتحليف المدعى عليه فدى الإمام القتيل بالدية من بيت المال، كما فعل النبي ﷺ عندما فدى القتيل من بيت المال عندما امتنع الأنصار من قبول أيمان اليهود؛ لأنه لم يبق سبيل لإثبات الدم على المدَّعى عليه، فوجب الغرم من بيت المال؛ لئلا يضيع دم المعصوم هدراً. ومن قُتل في الزحام فإنه تدفع ديته من بيت المال؛ لما روي عن علي ﵁ أنه قال لعمر ﵁ في رجل قتل في زحام الناس بعرفة: (يا أمير المؤمنين لا يُطَلُّ (٢) دم امرئ مسلم، إن علمت قاتله، وإلا فأعط ديته من بيت المال) (٣).

стр. 377

حادي عشر: كتاب الحدود ويشتمل على ثمانية أبواب: الباب الأول: في تعريف الحدود، ومشروعيتها، والحكمة منها، ومسائل أخرى: ١ - تعريفها: الحد لغة: هو المنع، وحدود الله: محارمه التي نهى عن ارتكابها وانتهاكها، قال تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا) [البقرة: ١٨٧] سميت بذلك لأنها تمنع من الإقدام على الوقوع فيها. وشرعاً: عقوبة مقدرة في الشرع؛ لأجل حق الله تعالى. وقيل: عقوبة مقدرة شرعاً في معصية؛ لتمنع من الوقوع في مثلها أو في مثل الذنب الذي شرع له العقاب. ٢ - دليل مشروعيتها: الأصل في مشروعية الحدود الكتاب والسنة والإجماع؛ فقد قرر الكتاب والسنة عقوبات محددة لجرائم ومعاصٍ معينة، كالزنى، والسرقة، وشرب الخمر، وغيرها، مما سيأتي تفصيله في الأبواب التالية إن شاء الله، مع ذكر أدلة ذلك كله. ٣ - الحكمة من مشروعية الحدود: شرعت الحدود؛ زجراً للنفوس عن ارتكاب المعاصي والتعدي على حرمات الله سبحانه، فتتحقق الطمأنينة في المجتمع ويشيع الأمن بين أفراده، ويسود الاستقرار، ويطيب العيش. كما أن فيها تطهيراً للعبد في الدنيا؛ لحديث عبادة بن الصامت مرفوعاً في البيعة، وفيه: (ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به فهو كفارته) (١). وحديث خزيمة ابن ثابت مرفوعاً: (من أصاب حداً أقيم عليه ذلك الحد، فهو كفارة ذنبه) (٢).

стр. 378

وهذه الحدود مع كونها محققة لمصلحة العباد، فإنها عدل كلها وإنصاف، بل هي غاية العدل. ٤ - وجوب إقامة الحدود وتحريم الشفاعة فيها: تجب إقامة الحدود بين الناس منعاً للمعاصي وردعاً للعصاة، وقد قال رسول الله ﷺ مرغباً في إقامة الحدود: (إقامة حد من حدود الله، خير من مطر أربعين ليلة في بلاد الله (١). وتحرم الشفاعة في الحدود لإسقاطها وعدم إقامتها، إذا بلغت الإمام وثبتت عنده، كما يحرم على ولي الأمر قبول الشفاعة في ذلك؛ لقوله ﷺ : (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله، فقد ضاد الله في أمره) (٢)، ولرده ﷺ شفاعة أسامة بن زيد في المخزومية التي سرقت، وغضبه لذلك، حتى قال ﷺ : (وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها) (٣). وأما العفو عن الحدّ قبل أن يبلغ الإمام فجائز؛ لقوله ﷺ للذي سُرقَ رداؤه، فأراد أن يعفو عن السارق: (فهلاَّ قبل أن تأتيني به) (٤). ٥ - من يقيم الحد ومكان إقامته: الذي يقيم الحد هو الإمام أو نائبه، فقد كان النبي ﷺ يقيم الحدود في حياته، ثم خلفاؤه من بعده. وقد وَكَل النبي ﷺ من يقيم الحد نيابة عنه، فقال: (واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها) (٥). ووجب ذلك على الإمام؛ ضماناً للعدالة، ومنعاً للحيف والظلم.

стр. 379

ويقام الحد في أيّ مكان غير المسجد، فقد (نهى النبي ﷺ أن يستقاد في المسجد، وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تقام فيه الحدود) (١)؛ وذلك صيانة للمسجد عن التلوث ونحوه. وجاء في بعض الروايات في قصة رجم ماعز: (فأخرج إلى الحرة فرجم) (٢).

стр. 380

الباب الثاني: في حد الزنى، وفيه مسائل: المسألة الأولى: تعريف الزنى وحكمه وخطورته: ١ - تعريف الزنى: الزنى لغة: يطلق على وطء المرأة من غير عقد شرعي، وعلى مباشرة المرأة الأجنبية. وشرعاً: وطء الرجل المرأة في القُبُل من غير المِلك وشبهته. أو: هو فِعلُ الفاحشة في قبل أو دبر. ٢ - حكم الزنى: الزنى محرم، وهو من كبائر الذنوب، لقوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) [الإسراء: ٣٢]. ولحديث ابن مسعود ﵁ قال: (سألت رسول الله ﷺ عن أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزني بحليلة جارك) (١). وأجمع العلماء على تحريمه. ٣ - خطورة جريمة الزنى، وشناعتها، ومفاسدها: الزنى من أعظم الجرائم وأشنعها وأكثرها خطراً على الأفراد والمجتمعات، لما يترتب عليه من اختلاط الأنساب، مما يؤدي إلى ضياع الحقوق عند التوارث، وضياع التعارف، والتناصر على الحق. وهو سبب في تفكك الأسرة، وضياع الأبناء، وسوء تربيتهم، وفساد أخلاقهم. وفيه تغرير بالزوج؛ إذ قد ينتج عن الزنى حمل، فيربي الزوج غير ابنه. وأضراره كثيرة لا يخفى أثرها في الأفراد والمجتمعات: من ضياع وانحلال وتفكك. لذا حذَّر منه الإسلام أشد التحذير، ورتب على ارتكابه أشد العقوبة، كما سيأتي بيانه.

стр. 381

المسألة الثانية: حدُّ الزنى: لا يخلو حال الزاني من أحد أمرين: ١ - أن يكون محصناً. ٢ - أو يكون غير محصن. أولاً: الزاني المحصن: ويشترط للإحصان الموجب للحدِّ الشروط التالية: أ- أن يحصل منه الوطء في القبل، وذلك بأن يتقدم للزاني والزانية وطء مباح في الفرج. ب- أن يكون الوطء في نكاح صحيح. ج- أن يكون الرجل والمرأة حال الوطء بالغين حرين عاقلين. فالمحصن: هو من وَطِئ زوجته في قُبُلِهَا، بنكاح صحيح، وكانا بالغين عاقلين حرين. فهذه خمسة شروط لا بد منها لحصول الإحصان الموجب للحدِّ، وهي: البلوغ، والعقل، والحرية، والوطء في الفرج، وأن يكون الوطء بنكاح صحيح. حده: إذا زنى المحصن فإن حده الرجم بالحجارة حتى الموت، رجلاً كان، أو امرأة. والرجم ثابت عن النبي ﷺ بالتواتر من قوله وفعله. وقد كان الرجم مذكوراً في القرآن، ثم نسخ لفظه وبقي حكمه، وذلك في قوله : (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم). فعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه خطب فقال: (إن الله بعث محمداً بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل الله آية الرجم، قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم حق في كتاب الله على من زنى، إذا أحصن من الرجال والنساء إذا

стр. 382

قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف) (١)، ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: أتى رجل من المسلمين رسول الله ﷺ وهو في المسجد فناداه، فقال: يا رسول الله إني زنيت. فأعرض عنه، فتنحى تلقاء وجهه، فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه، حتى ثَنَى ذلك عليه أرج مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه رسول الله ﷺ فقال: (أبك جنون؟) قال: لا، قال: (فهل أحصنت؟) قال: نعم، فقال النبي ﷺ : (اذهبوا به فارجموه) (٢). وأجمع العلماء على أن من زنى، وهو محصن، فحكمه الرجم بالحجارة حتى الموت. ثانياً: الزاني غير المحصن: وهو من لم تتوافر فيه الشروط السابقة في الزاني المحصن. حده: إذا زنى غير المحصن فإن حده الجلد مائة جلدة، وتغريب عام، إلا أنه يشترط في تغريب المرأة وجود محرم معها؛ لقوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ) [النور: ٢] ولحديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (خذوا عني، خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي عام) (٣). وتغريب الزاني: نفيه وإبعاده عن وطنه. وإن زنى الرقيق -محصناً كان أو غير محصن، عبداً كان أو أمة- فإن حده أن يجلد خمسين جلدة، لقوله تعالى: (فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) [النساء: ٢٥]. فالعذاب المذكور في الآية هو الجَلْدُ مائة جلدة، فينصرف التنصيف إليه، ولأن الرجم لا يمكن تنصيفه. ولا تغريب على الرقيق، إذ لم ترد السنة بتغريب المملوك إذا زنى، ولأن في تغريبه إضراراً بسيده. ولا تغرب المرأة إلا بمحرم كما سبق.

стр. 383

المسألة الثالثة: بِمَ يثبت الزنى ؟ لإقامة حد الزنى لا بد من إثبات وقوعه، ولا يثبت وقوعه إلا بأحد أمرين: الأمر الأول: أن يقر به الزاني أربع مرات، ولو في مجالس متعددة؛ فقد أخذ النبي ﷺ باعتراف ماعز والغامدية. وأما اشتراط الأربع: فلأن ماعزاً اعترف عند النبي ﷺ ثلاث مرات فرده، فلما اعترف الرابعة أقام عليه الحد. - ولا بد أن يصرح في إقراره بحقيقة الزنى والوطء، لاحتمال أنه أراد غير الزنا من الاستمتاع الذي لا يوجب حداً، فقد قال النبي ﷺ لماعز حين أقر عنده: (لعلك قَبَّلت أو غمزت؟) قال: لا. وكرر معه الاستيضاح عدة مرات حتى زال كل احتمال. - ولا بد أن يثبت على إقراره حتى إقامة الحد، ولا يرجع عنه، فقد قرَّر النبي ﷺ ماعزاً مرة بعد مرة، لعله يرجع عن إقراره، ولأن ماعزاً لما هرب أثناء رجمه قال رسول الله ﷺ : (هلا تركتموه؟!) (١). الأمر الثاني: أن يشهد عليه بالزنى أربعة شهود، لقوله تعالى: (لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) [النور: ١٣]. وقوله: (فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ) [النساء: ١٥]. ويشترط لصحة شهادتهم عليه بالزنى شروط: ١ - أن يكون الشهود أربعة، للآيات المتقدمة، فإن كانوا أقل من أربعة لم تقبل. ٢ - أن يكونوا مكلفين -بالغين عاقلين-، فلا تقبل شهادة الصبيان والمجانين. ٣ - أن يكونوا رجالاً عدولاً، فلا تقبل شهادة النساء في حد الزنى، صيانة لهن وتكريماً، لأن الزنى فاحشة. ولا تقبل شهادة الفاسق أيضاً؛ لقوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) [الطلاق: ٢] وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) [الحجرات: ٦].

стр. 384

٤ - أن يعاين الشهود الزنى ويصفوا ذلك وصفاً صريحاً يدفع كل الاحتمالات عن إرادة غيره من الاستمتاع المحرم، فيقولون: رأينا ذكره في فرجها كالميل في المكحلة، وإنما أبيح النظر في مثل ذلك للضرورة. ٥ - أن يكون الشهود مسلمين، فلا تقبل شهادة الكافر لعدم تحقق عدالته. ٦ - أن يشهدوا عليه في مجلس واحد، سواء جاءوا مجتمعين أو متفرقين في المجلس نفسه. فإن اختل شرط من هذه الشروط، وجب إقامة حد القذف على الشهود جميعاً؛ لأنهم قذفة.

стр. 385

الباب الثالث: في حد القذف، وفيه مسائل: المسألة الأولى: معنى القذف وحكمه: ١ - تعريف القذف: القذف لغة: الرمي، ومنه القذف بالحجارة وغيرها، ثم استعمل في الرمي بالمكاره كالزنى واللواط ونحوهما؛ لعلاقة المشابهة بينهما، وهي الأذى. وشرعاً: الرمي بزنى أو لواط، أو شهادة بأحدهما ولم تكمل البينة، أو نفي نسب موجب للحد فيهما. ٢ - حكم القذف: القذف في الأصل حرام بالكتاب، والسنة، والإجماع، وكبيرة من كبائر الذنوب، فيحرم الرمي بالفاحشة. لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [النور: ٢٣]. ولحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات)، وذكر منها: (قذف المحصنات المؤمنات الغافلات) (١). وقد أجمع المسلمون على تحريم القذف وعدوه من كبائر الذنوب. ويجب القذف على من يرى زوجته تزني، ثم تلد ولداً يقوى في ظنه أنه من الزاني؛ لئلا يلحقه الولد، ويدخله على قومه وليس منهم. ويباح القذف لمن رأى زوجته تزني، ولم تلد من ذلك الزنى. المسألة الثانية: حد القذف، والحكمة منه: ١ - حد القذف: لقد قرر الشارع أن من قذف مسلماً بالزنى، ولم تقم بينة على صدقه فيما قذف به أنه يجلد ثمانين جلدة إن كان حراً، وأربعين إن كان

стр. 386

عبداً، رجلاً كان أو امرأة، لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) [النور: ٤]. ويجب على القاذف -مع إقامة الحد عليه- عقوبة، وهي رد شهادته والحكم بفسقه؛ لقوله تعالى: (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [النور: ٤]. فإذا تاب القاذف قبلت شهادته، وتوبته: أن يكذب نفسه فيما قذف به غيره، ويندم ويستغفر ربه، لقوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [النور: ٥]. ٢ - الحكمة منه: يهدف الإسلام من إقامة حد القذف إلى صيانة المجتمع، والمحافظة على أعراض الناس، وقطع ألسنة السوء، وسد باب إشاعة الفاحشة بين المؤمنين. المسألة الثالثة: شروط إيجاب حد القذف: لا يجب حد القذف إلا إذا توافرت شروط في القاذف، وشروط في المقذوف، حتى يصبح جريمة تستحق عقوبة الجلد: أولاً: شروط القاذف، وهي خمسة: ١ - أن يكون بالغاً، فلا حد على الصغير. ٢ - أن يكون عاقلاً، فلا حد على المجنون والمعتوه. ٣ - ألا يكون أصلاً للمقذوف، كالأب والجد والأم والجدة، فلا حدَّ على الوالد -الأب أو الأم- إن قذف ولده -الابن أو البنت- وإن سفل. ٤ - أن يكون مختاراً، فلا حد على النائم والمكره. ٥ - أن يكون عالماً بالتحريم، فلا حد على الجاهل. ثانياً: شروط المقذوف، وهي خمسة أيضاً: ١ - أن يكون المقذوف مسلماً، فلا حدَّ على من قذف كافراً؛ لأن حرمته ناقصة. ٢ - أن يكون عاقلاً، فلا حدَّ على من قذف المجنون.

стр. 387

٣ - أن يكون بالغاً أو يكون ممن يطأ ويوطأ مثله، وهو ابن عشر وبنت تسع فأكثر. ٤ - أن يكون عفيفاً عن الزنى في الظاهر، فلا حدَّ على من قذف الفاجر. ٥ - أن يكون المقذوف حراً، فلا حدَّ على من قذف مملوكاً، لقوله ﷺ : (من قذف مملوكه بالزنى يقام عليه الحد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال) (١). قال الإمام النووي ﵀: "فيه إشارة إلى أنه لا حدَّ على قاذف العبد في الدنيا، وهذا مجمع عليه، لكن يعزر قاذفه؛ لأن العبد ليس بمحصن ... " (٢). فتبين مما تقدم أن شرط إقامة الحد على القاذف أن يكون المقذوف محصناً، وهو من كان: مسلماً، عاقلاً، حراً، عفيفاً عن الزنى، بالغاً أو يكون ممن يطأ أو يوطأ مثله. وذلك لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) [النور: ٤]. فمفهوم ذلك: أنه لا يُجلد من قذف غير المحصن. المسألة الرابعة: شروط إقامة حدَّ القذف: إذا وجب حدُّ القذف فإنه لا بد من شروط أربعة لإقامته، وهي: ١ - مطالبة المقذوف للقاذف، واستدامة الطلب حتى إقامة الحد؛ لأن حدَّ القذف حق للمقذوف لا يقام إلا بطلبه ويسقط بعفوه. فإذا عفا عن القاذف سقط الحد عنه، لكنه يُعَزر بما يردعه عن التمادي في القذف المحرم. ٢ - ألا يأتي القاذف ببينة على ثبوت ما قذف به -وهي أربعة شهداء-؛ لقوله تعالى: (ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ) [النور: ٤]. ٣ - ألا يصدقه المقذوف فيما قذفه به ويقر به، فإن أقر المقذوف، وصدَّق القاذف، فلا حدَّ؛ لأن ذلك أبلغ في إقامة البينة. ٤ - ألا يلاعن القاذف المقذوف، إن كان القاذف زوجاً، فإن لاعنها سقط الحد، كما مضى في اللعان.

стр. 388

الباب الرابع: في حد شارب الخمر، وفيه مسائل: المسألة الأولى: تعريف الخمر وحكمه وحكمة تحريمه: ١ - تعريف الخمر: الخمر لغة: كل ما خَامَرَ العقل، أي غطاه من أي مادة كان. وشرعاً: كل ما أسكر سواء كان عصيراً أو نقيعاً من العنب أو غيره، أو مطبوخاً أو غير مطبوخ. والسُّكْر: هو اختلاط العقل، والمُسْكِر: هو الشراب الذي جعل صاحبه سكران، والسكران: خلاف الصاحي. ٢ - حكمه: حكم الخمر التحريم، وكذا سائر المسكرات، فكل مسكر خمر، فلا يجوز شرب الخمر، سواء كان قليلاً أو كثيراً، وشربه كبيرة من الكبائر، والخمر محرمة بالكتاب والسنة والإجماع؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [المائدة: ٩٠]. فالأمر بالاجتناب دليل على التحريم. ولحديث عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: (كل شراب أسكر فهو حرام) (١). وعن ابن عمر ﵄ مرفوعاً: (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام) (٢). والأحاديث في تحريمها، والتنفير منها، كثيرة جداً تبلغ التواتر. وقد أجمعت الأمة على تحريمها. ٣ - الحكمة في تحريم الخمر: لقد أنعم الله على الإنسان بنعم كثيرة، منها نعمة العقل التي ميزه بها عن سائر المخلوقات، ولما كانت المسكرات من شأنها أن تفقد الإنسان نعمة العقل، وتثير الشحناء والبغضاء بين المؤمنين، وتصد عن الصلاة، وعن ذكر الله،

стр. 389

حرمها الشارع، فالخمر خطرها عظيم، وشرها جسيم، فهي مطية الشيطان التي يركبها للإضرار بالمسلمين. قال الله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ) [المائدة: ٩١]. المسألة الثانية: حد شارب الخمر، وشروطه، وبم يثبت ؟ ١ - حد شارب الخمر: حد شارب الخمر الجلد، ومقداره: أربعون جلدة، ويجوز أن يبلغ ثمانين جلدة، وذلك راجع لاجتهاد الإمام، يفعل الزيادة عند الحاجة إلى ذلك، إذا أدمن الناس الخمر، ولم يرتدعوا بالأربعين؛ لحديث علي بن أبي طالب ﵁ في قصة الوليد بن عقبة: (جلد النبي ﷺ أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سنَّةٌ، وهذا أحب إليَّ) (١)، ولحديث أنس ﵁: (أن النبي ﷺ كان يضرب في الخمر بالنعال والجريد أربعين) (٢). ٢ - شروط إقامة حد الخمر: يشترط لإقامة الحد على السكران شروط، وهي: - أن يكون مسلماً، فلا حدَّ على الكافر. - أن يكون بالغاً، فلا حد على الصبي. - أن يكون عاقلاً، فلا حد على المجنون، والمعتوه. - أن يكون مختاراً، فلا حد على المكره والناسي وأمثاله. وهذه الشروط الثلاثة يدل عليها قوله ﷺ : (إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه). وقوله صلى الله عنه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة...) الحديث. وقد تقدما مراراً. - أن يكون عالماً بالتحريم، فلا حد على الجاهل. - أن يعلم أن هذا الشراب خمر، فإن شربه على أنه شراب آخر، فلا حد عليه.

стр. 390

٣ - ما يثبت به حد الخمر: يثبت حد الخمر بأحد أمرين: ١ - الإقرار بالشرب، كأن يقر، ويعترف بأنه شرب الخمر مختاراً. ٢ - البينة، وهي شهادة رجلين عدلين، مسلمين عليه. المسألة الثالثة: حكم المخدرات والاتجار بها: ١ - حكم المخدرات سوى الخمر: يقصد بالمخدرات ما يغشي العقل والفكر، ويصيب متعاطيها بالكسل، والثقل، والفتور، من البنج والأفيون والحشيش ونحوها. والمخدرات حرام كيفما كان تعاطيها؛ لحديث عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: (كل شراب أسكر فهو حرام) (١)، ولحديث ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: (كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام...) (٢) الحديث، ولعظم خطر هذه المواد المخدرة، وشدة إفسادها، وفتكها بشباب الأمة، ورجالها، وشغلهم عن طاعة ربهم، وجهاد أعدائهم، ومعالي الأمور. ٢ - حكم الاتجار بالمواد المخدرة: ورد النهي عن رسول الله ﷺ في تحريم بيع الخمر، فقد روى جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام) (٣). ولقوله ﷺ : (إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه) (٤). ولذا قال العلماء: إن ما حرم الله الانتفاع به يحرم بيعه، وأكل ثمنه. ولما كانت المخدرات يتناولها اسم الخمر، فإنَّ النهي عن بيع الخمر يتناول هذه المخدرات شرعاً، فلا يجوز بيعها إذن، ويكون المال المكتسب من الاتجار بها حراماً.
следующие страницы →