← Фикх общий

Фикх общий · id 22726

الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (439 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

عبداً، رجلاً كان أو امرأة، لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) [النور: ٤]. ويجب على القاذف -مع إقامة الحد عليه- عقوبة، وهي رد شهادته والحكم بفسقه؛ لقوله تعالى: (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [النور: ٤]. فإذا تاب القاذف قبلت شهادته، وتوبته: أن يكذب نفسه فيما قذف به غيره، ويندم ويستغفر ربه، لقوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [النور: ٥]. ٢ - الحكمة منه: يهدف الإسلام من إقامة حد القذف إلى صيانة المجتمع، والمحافظة على أعراض الناس، وقطع ألسنة السوء، وسد باب إشاعة الفاحشة بين المؤمنين. المسألة الثالثة: شروط إيجاب حد القذف: لا يجب حد القذف إلا إذا توافرت شروط في القاذف، وشروط في المقذوف، حتى يصبح جريمة تستحق عقوبة الجلد: أولاً: شروط القاذف، وهي خمسة: ١ - أن يكون بالغاً، فلا حد على الصغير. ٢ - أن يكون عاقلاً، فلا حد على المجنون والمعتوه. ٣ - ألا يكون أصلاً للمقذوف، كالأب والجد والأم والجدة، فلا حدَّ على الوالد -الأب أو الأم- إن قذف ولده -الابن أو البنت- وإن سفل. ٤ - أن يكون مختاراً، فلا حد على النائم والمكره. ٥ - أن يكون عالماً بالتحريم، فلا حد على الجاهل. ثانياً: شروط المقذوف، وهي خمسة أيضاً: ١ - أن يكون المقذوف مسلماً، فلا حدَّ على من قذف كافراً؛ لأن حرمته ناقصة. ٢ - أن يكون عاقلاً، فلا حدَّ على من قذف المجنون.

стр. 387

٣ - أن يكون بالغاً أو يكون ممن يطأ ويوطأ مثله، وهو ابن عشر وبنت تسع فأكثر. ٤ - أن يكون عفيفاً عن الزنى في الظاهر، فلا حدَّ على من قذف الفاجر. ٥ - أن يكون المقذوف حراً، فلا حدَّ على من قذف مملوكاً، لقوله ﷺ : (من قذف مملوكه بالزنى يقام عليه الحد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال) (١). قال الإمام النووي ﵀: "فيه إشارة إلى أنه لا حدَّ على قاذف العبد في الدنيا، وهذا مجمع عليه، لكن يعزر قاذفه؛ لأن العبد ليس بمحصن ... " (٢). فتبين مما تقدم أن شرط إقامة الحد على القاذف أن يكون المقذوف محصناً، وهو من كان: مسلماً، عاقلاً، حراً، عفيفاً عن الزنى، بالغاً أو يكون ممن يطأ أو يوطأ مثله. وذلك لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) [النور: ٤]. فمفهوم ذلك: أنه لا يُجلد من قذف غير المحصن. المسألة الرابعة: شروط إقامة حدَّ القذف: إذا وجب حدُّ القذف فإنه لا بد من شروط أربعة لإقامته، وهي: ١ - مطالبة المقذوف للقاذف، واستدامة الطلب حتى إقامة الحد؛ لأن حدَّ القذف حق للمقذوف لا يقام إلا بطلبه ويسقط بعفوه. فإذا عفا عن القاذف سقط الحد عنه، لكنه يُعَزر بما يردعه عن التمادي في القذف المحرم. ٢ - ألا يأتي القاذف ببينة على ثبوت ما قذف به -وهي أربعة شهداء-؛ لقوله تعالى: (ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ) [النور: ٤]. ٣ - ألا يصدقه المقذوف فيما قذفه به ويقر به، فإن أقر المقذوف، وصدَّق القاذف، فلا حدَّ؛ لأن ذلك أبلغ في إقامة البينة. ٤ - ألا يلاعن القاذف المقذوف، إن كان القاذف زوجاً، فإن لاعنها سقط الحد، كما مضى في اللعان.

стр. 388

الباب الرابع: في حد شارب الخمر، وفيه مسائل: المسألة الأولى: تعريف الخمر وحكمه وحكمة تحريمه: ١ - تعريف الخمر: الخمر لغة: كل ما خَامَرَ العقل، أي غطاه من أي مادة كان. وشرعاً: كل ما أسكر سواء كان عصيراً أو نقيعاً من العنب أو غيره، أو مطبوخاً أو غير مطبوخ. والسُّكْر: هو اختلاط العقل، والمُسْكِر: هو الشراب الذي جعل صاحبه سكران، والسكران: خلاف الصاحي. ٢ - حكمه: حكم الخمر التحريم، وكذا سائر المسكرات، فكل مسكر خمر، فلا يجوز شرب الخمر، سواء كان قليلاً أو كثيراً، وشربه كبيرة من الكبائر، والخمر محرمة بالكتاب والسنة والإجماع؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [المائدة: ٩٠]. فالأمر بالاجتناب دليل على التحريم. ولحديث عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: (كل شراب أسكر فهو حرام) (١). وعن ابن عمر ﵄ مرفوعاً: (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام) (٢). والأحاديث في تحريمها، والتنفير منها، كثيرة جداً تبلغ التواتر. وقد أجمعت الأمة على تحريمها. ٣ - الحكمة في تحريم الخمر: لقد أنعم الله على الإنسان بنعم كثيرة، منها نعمة العقل التي ميزه بها عن سائر المخلوقات، ولما كانت المسكرات من شأنها أن تفقد الإنسان نعمة العقل، وتثير الشحناء والبغضاء بين المؤمنين، وتصد عن الصلاة، وعن ذكر الله،

стр. 389

حرمها الشارع، فالخمر خطرها عظيم، وشرها جسيم، فهي مطية الشيطان التي يركبها للإضرار بالمسلمين. قال الله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ) [المائدة: ٩١]. المسألة الثانية: حد شارب الخمر، وشروطه، وبم يثبت ؟ ١ - حد شارب الخمر: حد شارب الخمر الجلد، ومقداره: أربعون جلدة، ويجوز أن يبلغ ثمانين جلدة، وذلك راجع لاجتهاد الإمام، يفعل الزيادة عند الحاجة إلى ذلك، إذا أدمن الناس الخمر، ولم يرتدعوا بالأربعين؛ لحديث علي بن أبي طالب ﵁ في قصة الوليد بن عقبة: (جلد النبي ﷺ أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سنَّةٌ، وهذا أحب إليَّ) (١)، ولحديث أنس ﵁: (أن النبي ﷺ كان يضرب في الخمر بالنعال والجريد أربعين) (٢). ٢ - شروط إقامة حد الخمر: يشترط لإقامة الحد على السكران شروط، وهي: - أن يكون مسلماً، فلا حدَّ على الكافر. - أن يكون بالغاً، فلا حد على الصبي. - أن يكون عاقلاً، فلا حد على المجنون، والمعتوه. - أن يكون مختاراً، فلا حد على المكره والناسي وأمثاله. وهذه الشروط الثلاثة يدل عليها قوله ﷺ : (إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه). وقوله صلى الله عنه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة...) الحديث. وقد تقدما مراراً. - أن يكون عالماً بالتحريم، فلا حد على الجاهل. - أن يعلم أن هذا الشراب خمر، فإن شربه على أنه شراب آخر، فلا حد عليه.

стр. 390

٣ - ما يثبت به حد الخمر: يثبت حد الخمر بأحد أمرين: ١ - الإقرار بالشرب، كأن يقر، ويعترف بأنه شرب الخمر مختاراً. ٢ - البينة، وهي شهادة رجلين عدلين، مسلمين عليه. المسألة الثالثة: حكم المخدرات والاتجار بها: ١ - حكم المخدرات سوى الخمر: يقصد بالمخدرات ما يغشي العقل والفكر، ويصيب متعاطيها بالكسل، والثقل، والفتور، من البنج والأفيون والحشيش ونحوها. والمخدرات حرام كيفما كان تعاطيها؛ لحديث عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: (كل شراب أسكر فهو حرام) (١)، ولحديث ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: (كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام...) (٢) الحديث، ولعظم خطر هذه المواد المخدرة، وشدة إفسادها، وفتكها بشباب الأمة، ورجالها، وشغلهم عن طاعة ربهم، وجهاد أعدائهم، ومعالي الأمور. ٢ - حكم الاتجار بالمواد المخدرة: ورد النهي عن رسول الله ﷺ في تحريم بيع الخمر، فقد روى جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام) (٣). ولقوله ﷺ : (إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه) (٤). ولذا قال العلماء: إن ما حرم الله الانتفاع به يحرم بيعه، وأكل ثمنه. ولما كانت المخدرات يتناولها اسم الخمر، فإنَّ النهي عن بيع الخمر يتناول هذه المخدرات شرعاً، فلا يجوز بيعها إذن، ويكون المال المكتسب من الاتجار بها حراماً.

стр. 391

الباب الخامس: في حد السرقة، وفيه مسائل: المسألة الأولى: تعريف السرقة، وحكمها، وحد فاعلها، والحكمة من إقامة الحد فيها: ١ - تعريف السرقة: السرقة لغة: الأخذ خفية. وشرعاً: أخذ مال الغير خفية ظلماً من حرز مثله بشروط معينة، على ما سيأتي بيانه إن شاء الله. ٢ - حكم السرقة: السرقة حرام؛ لأنها اعتداء على حقوق الآخرين، وأخذ أموالهم بالباطل. قد دلَّ على تحريمها الكتاب والسنة والإجماع، وهي من كبائر الذنوب؛ فقد لعن الله صاحبها كما في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده) (١). وغير ذلك من الأحاديث في تحريم السرقة، والتنفير منها. ٣ - حدُّ فاعلها: ويجب على فاعلها الحد، وهو: قطع يده، رجلاً كان أو امرأة؛ لقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [المائدة: ٣٨]. ولحديث عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يقطع السارق في ربع دينار فصاعداً) (٢)، ولحديث عائشة ﵂ أيضاً قالت: إن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، وفيه قوله ﷺ : (وايم الله لو أن

стр. 392

فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)، ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها (١). وأجمع المسلمون على تحريم السرقة، وعلى وجوب قطع يد السارق في الجملة. ٤ - الحكمة من إقامة حد السرقة: احترم الإسلام المال، واحترم حق الأفراد في امتلاكه، وحَرَّم الاعتداء على هذا الحق: بسرقة أو اختلاس أو غش أو خيانة أو رشوة، أو غير ذلك من وجوه أكل أموال الناس بالباطل. ولما كان السارق عضواً فاسداً في المجتمع -إذ لو ترك لسرى شرُّه، وعمَّ خطره وضرره- شرع الإسلام بتر هذا العضو الفاسد؛ عقاباً لهذه اليد على ظلمها وعدوانها، وردعاً لغيره عن اقتراف مثل هذه الجريمة، وصيانة لأموال الناس وحقوقهم. المسألة الثانية: شروط وجوب حد السرقة: يشترط لإقامة حد السرقة وقطع السارق الشروط التالية: ١ - أن يكون أخذ المال على وجه الخفية، فإن لم يكن كذلك فلا قطع، فالمنتهب على وجه الغلبة، والمغتصب، والمختطف، والخائن لا قطع عليهم؛ لقوله ﷺ : (ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع) (٢). ٢ - أن يكون السارق مكلفاً -بالغاً عاقلاً- فلا قطع على الصغير والمجنون؛ لأنه مرفوع عنهما التكليف كما مرَّ، ولكن يؤدب الصغير إذا سرق. ٣ - أن يكون السارق مختاراً، فلا قطع على المكره؛ لأنه معذور؛ لقوله ﷺ : (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه). ٤ - أن يكون عالماً بالتحريم، فلا قطع على جاهل بتحريم السرقة.

стр. 393

٥ - أن يكون المسروق مالاً محترماً، فما ليس بمال لا حرمه له؛ كآلات اللهو والخمر والخنزير والميتة، وكذا ما كان مالاً لكنه غير محترم؛ كمال الكافر الحربي -فإن الكافر الحربي حلال الدم والمال- لا قطع فيه. ٦ - أن يبلغ الشيء المسروق نصاباً، وهو ربع دينار ذهباً فأكثر، أو ثلاثة دراهم فضة أو ما يقابل أحدهما من النقود الأخرى، فلا قطع في أقل من ذلك؛ لقوله ﷺ : (لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً) (١). ٧ - أن يكون المال المسروق من حرز مثله، وهو المكان الذي يحفظ فيه المال في العادة، وهو يختلف باختلاف الأموال والبلدان وغير ذلك، ويرجع فيه إلى العرف، فإن سرق من غير حرز، كأن يجد باباً مفتوحاً، أو حرزاً مهتوكاً؛ فلا قطع عليه. ٨ - أن تنتفي الشبهة عن السارق، فإن كان له شبهة فيما سرق فلا قطع عليه؛ فإن الحدود تدرأ بالشبهات، فلا قطع على من سرق من مال أبيه، وكذا من سرق من مال ابنه؛ لأن نفقة كل منهما تجب في مال الآخر. ولا يقطع الشريك بالسرقة من مال له فيه شرك. وكذا كل من له استحقاق في مال، فأخذ منه، فلا قطع عليه، لكن يؤدب ويرد ما أخذ. ٩ - أن تثبت السرقة عند الحاكم، إما بشهادة عدلين أو بإقرار السارق؛ لعموم قوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ) [البقرة: ٢٨٢]. وأما الإقرار فلأن الإنسان غير متهم في الإقرار على نفسه بالإضرار بها. ١٠ - أن يطالب المسروق منه بماله؛ لأن المال يباح بالبذل والإباحة، فيحتمل إباحة صاحبه له، أو إذنه بدخول حرزه، أو غير ذلك مما يسقط الحد. المسألة الثالثة: الشفاعة في حد السرقة، وهبة المسروق للسارق: ١ - الشفاعة في حد السرقة: لا تجوز الشفاعة في حد السرقة، ولا في غيره

стр. 394

من الحدود، إذا علمه الإمام ووصل الأمر إليه؛ لقوله ﷺ لأسامة بن زيد لما أراد الشفاعة للمرأة المخزومية التي سرقت: (أتشفع في حد من حدود الله؟!) (١) وقد تقدم الكلام على ذلك في أول الحدود. ٢ - هبة المسروق للسارق: يجوز هبة الشيء المسروق للسارق، وعفو المسروق منه عنه، قبل رفع الأمر للحاكم. أما إذا وصل إليه فلا؛ لحديث صفوان بن أمية في السارق الذي أخذ رداءه من تحت رأسه، فلما رفع الأمر إلى النبي ﷺ وأمر بقطعه، قال صفوان: (إني أعفو وأتجاوز). وفي رواية: (قال: يا رسول الله هو له). فقال رسول الله ﷺ : (هلاَّ قبل أن تأتيني به) (٢). المسألة الرابعة: كيفية القطع وموضعه: إذا توافرت الشروط السابق ذكرها، ووجب القطع، قطعت يد السارق اليمنى من مفصل الكف. وبعد القطع تحسم يد السارق بكيِّها بالنار، أو غمسها في زيت مغليّ، أو غير ذلك من الوسائل التي توقف نزف الدم، وتجعل الجرح يندمل، حتى لا يتعرض المقطوع للتلف والهلاك. فإذا عاد السارق إلى السرقة ثانية، قُطعت رجله اليسرى.

стр. 395

الباب السادس: في التعزير، وفيه مسائل: المسألة الأولى: تعريف التعزير، وحكمه، والحكمة منه: ١ - تعريف التعزير: التعزير لغة: المنع والرد ويأتي بمعنى النصرة مع التعظيم، كما في قوله تعالى: (وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ) [الفتح: ٩]، فإنه يمنع المعادي من الإيذاء. كما يأتي بمعنى الإهانة، يقال: عزره بمعنى أدَّبه على ذنب وقع منه، فهو بذلك من الأضداد. والأصل فيه المنع. واصطلاحاً: التأديب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة. ٢ - حكم التعزير: التعزير واجب في كل معصية لا حدَّ فيها ولا كفارة من الشارع، من فعل المحرمات وترك الواجبات إذا رآه الإمام؛ لحديث أبي بردة بن نيار ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله) (١)، ولأنه ﷺ (حبس في تهمة) (٢). وكان عمر ﵁ يعزر ويؤدب بالنفي، وحَلْق الرأس وغير ذلك. والتعزير راجع إلى الإمام أو نائبه، يفعله إذا رأى المصلحة في فعله، ويتركه إذا اقتضت المصلحة تركه. ٣ - الحكمة من مشروعية التعزير: شرع التعزير؛ صيانة للمجتمع من الفوضى والفساد، ودفعاً للظلم، وردعاً وزجراً للعصاة وتأديباً لهم. المسألة الثانية: أنواع المعاصي التي توجب التعزير: المعاصي التي توجب التعزير نوعان: ١ - ترك الواجبات مع القدرة على أدائها؛ كقضاء الديون، وأداء الأمانات

стр. 396

وأموال اليتامى، فإن هذه الأمور ومثلها يعاقب عليها من ترك أداءها حتى يؤديها، لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (مطل الغني ظلم) (١). وفي رواية: (لَيُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته) (٢). ٢ - فعل المحرمات؛ كأن يختلي رجل بامرأة أجنبية أو يباشرها في غير الفرج، أو يُقَبِّلها أو يمازحها، وكإتيان المرأة المرأة، ففي هذا وأمثاله التعزير؛ إذ لم يرد فيه عقوبة محددة. المسألة الثالثة: مقدار التعزير: لم يقدر الشارع حدّاً معيناً في عقوبة التعزير، وإنما المرجع في ذلك لاجتهاد الحاكم وتقديره لما يراه مناسباً للفعل، حتى إن بعض العلماء يرى أن التعزير قد يصل إلى القتل إذا اقتضت المصلحة، كقتل الجاسوس المسلم، والمفرق لجماعة المسلمين، وغيرهما ممن لا يندفع شرهم إلا بالقتل. المسألة الرابعة: أنواع العقوبات التعزيرية: يمكن أن تصنف العقوبات التعزيرية حسب متعلقاتها على النحو التالي: ١ - ما يتعلق بالأبدان، كالجلد والقتل. ٢ - ما يتعلق بالأموال؛ كالإتلاف والغرم، كإتلاف الأصنام وتكسيرها، وإتلاف آلات اللهو والطرب وأوعية الخمر. ٣ - ما هو مركب منهما؛ كجلد السارق من غير حرز مع إضعاف الغرم عليه، فقد قضى ﷺ على من سرق من الثمر المعلق قبل أن يؤويه الجَرِينُ: بالحدِّ وغَرَّمَه مرتين. والجرين: موضع تجفيف التمر. ٤ - ما يتعلق بتقييد الإرادة، كالحبس، والنفي. ٥ - ما يتعلق بالمعنويات؛ كإيلام النفوس بالتوبيخ، والزجر.

стр. 397

الباب السابع: في حد الحرابة، وفيه مسائل: المسألة الأولى: تعريف الحرابة، وحد المحاربين: ١ - تعريف الحَرَابَة: لغة: مأخوذ من حَرِبَ حَرَباً أي. أخذ جميع ماله. وشرعاً: البروز لأخذ مال أو لقتل أو لإرهاب، مكابرة، اعتماداً على الشوكة، مع البعد عن مسافة الغوث، من كل مكلف ملتزم للأحكام، ولو كان ذمياً أو مرتدا. وتسمى أيضاً: قطع الطريق. ٢ - حد الحرابة وعقوبة المحاربين: الأصل في إقامة الحد على المحاربين وقطاع الطرق وعقوبتهم قوله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ) [المائدة: ٣٣]. وتختلف عقوبة المحاربين وحدُّهم باختلاف الجرائم التي ارتكبوها، وذلك على النحو التالي: - من قتل منهم وأخذ المال: قتل وصلب، حتى يشتهر أمره، ولا يجوز العفو عنه بإجماع العلماء. - ومن قتل منهم ولم يأخذ المال: قتل ولم يصلب. - ومن أخذ المال ولم يقتل: قطعت يده ورجله من خلاف في آن واحد. - ومن أخاف الناس والطريق فقط، ولم يقتل، ولم يأخذ مالاً، نفي من الأرض وشرد وطورد، فلا يُترك يأوي إلى بلد. وهذا التفصيل في عقوبتهم مأخوذ من أن (أو) في الآية للتنويم في العقوبة وترتيبها لا للتخيير، وهو مرويٌّ عن ابن عباس ﵄ (١).

стр. 398

المسألة الثانية: شروط وجوب الحد على المحاربين: يشترط لتطبيق الحد على المحاربين شروط، أهمها: ١ - التكليف: فلا بد من البلوغ والعقل حتى يعدَّ الشخص محارباً، ويقام عليه الحد. فالمجنون والصبي لا يُعَدَّان محاربين، ولا يقام عليهما الحد؛ لعدم تكليف واحد منهما شرعاً. ٢ - أن يأتوا مجاهرة، ويأخذوا المال قهراً. فإن أخذوه مختفين فهم سُرَّاق، وإن اختطفوه، وهربوا فهم منتهبون، فلا قطع عليهم. ٣ - ثبوت كونهم محاربين، إما بإقرارهم أو بشهادة عدلين، كما في السرقة. ٤ - أن يكون المال الذي يؤخذ في حرز، بأن يأخذه من يد صاحبه قهراً، فإن كان المال متروكاً ليس بيد أحد، لم يكن آخذه محارباً. المسألة الثالثة: سقوط الحد عن المحاربين: يسقط حد الحرابة إذا تاب الجاني المحارب قبل القدرة عليه وتَمَكُّنِ الحاكم منه، كأن يهرب أو يختفي ثم يتوب؛ لقوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [المائدة: ٣٤]، فيسقط ما كان واجباً لله، من النفي عن البلد، وقطع اليد والرجل، وتحتَّم القتل. إلا أن حقوق الآدميين من نفس أو طرف أو مال لا تسقط؛ لأنه حق لآدمي تعلق به فلا يسقط كالدَّين، إلا أن يعفو عنها مستحقها. أما من تاب بعد القدرة عليه، ورفعه إلى ولي الأمر، فلا يسقط الحد عنه، وإن كان صادقاً في توبته.

стр. 399

الباب الثامن: في الردة، وفيه مسائل: المسألة الأولى: تعريفها، وشروطها، وحكم المرتد: ١ - تعريف الردة: الردة في اللغة: الرجوع عن الشيء، ومنه الرجوع عن الإسلام. وفي الاصطلاح: الكفر بعد الإسلام طوعاً بنطق، أو اعتقاد، أو شك، أو فعل. ٢ - شروطها: أما شروطها: فالعقل والتمييز والاختيار. فلا يحكم على مجنون، أو صبي غير مميز، أو مكره بالردة، إذا وقعت منهم. ٣ - حكم المرتد: أما حكمه في الدنيا: فهو القتل؛ لقوله ﷺ : (من بَدل دينه فاقتلوه) (١). وينبغي قبل القتل أن يستتاب، ويدعى إلى الإسلام، وأن يضيق عليه ويحبس ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا قتل؛ لحديث اليهودي الذي كان أسلم ثم ارتد. فقال معاذ ﵁ لأبي موسى: لا أنزل عن دابتي حتى يقتل، فقتل. وفي رواية: (وكان قد استُتيب قبل ذلك) (٢). ولقول عمر ﵁ لما بلغه أن رجلاً كفر بعد إسلامه فضربت عنقه قبل أن يستتاب: (فهلاَّ حبستموه ثلاثاً، فأطعمتموه كل يوم رغيفاً، واستتبتموه، لعله يتوب، أو يراجع أمر ربه. اللهم إني لم أحضر، ولم أرض إذ بلغني) (٣). والذي يتولى قتله الإمام أو نائبه؛ لأنه حق لله تعالى فيكون إلى وليِّ الأمر. ولا يقتل الصبي المميز -ولو قيل بصحة ردته- حتى يبلغ. وأما حكمه في الآخرة: فقد بَيَّنه الله تعالى في قوله: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: ٢١٧].

стр. 400

المسألة الثانية: الأمور التي تحصل بها الردة: والردة تحصل بارتكاب ما يوجبها جداً أو هزلاً أو استهزاءً، كالشرك بالله بجميع أنواعه، وجحود الصلاة وغيرها من أركان الإسلام، وسب الله ورسوله ﷺ ، وجحود القرآن الكريم كله أو بعضه، ومن اعتقد أن بعض الناس يجوز له الخروج عن شريعة محمد ﷺ كغلاة الصوفية، وكذلك مَنْ ظاهر المشركين وأعانهم على المسلمين، وغير ذلك من أنواع الردة التي تحصل بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام الكثيرة. ومن ذلك: تحكيم القوانين الوضعية ممن يرى أنها أصلح مما جاءت به الشريعة الإسلامية أو أنها مساوية لها. وعلى هذا فإنه يمكن حصر الأمور التي تحصل بها الردة فيما يلي: ١ - القول: كمن سبَّ الله تعالى أو رسوله أو الملائكة، أو ادعى النبوة، أو ادعى علم الغيب، وكذا الشرك بالله تعالى. ٢ - الفعل: كالسجود للصنم والقبر ونحو ذلك، أو إلقاء المصحف، أو تعمد امتهانه، أو مظاهرة المشركين، ومعاونتهم على المسلمين، وغير ذلك. ٣ - الاعتقاد: مثل اعتقاد الشريك لله تعالى أو الصاحبة أو الولد، أو اعتقاد حل الزنا أو الخمر، أو اعتقاد أن هدي غير النبي ﷺ أكمل من هديه. ٤ - الشك: كأن يشك في حرمة ما أُجمع على حله، أو حل ما أجمع على حرمته، ومثله لا يجهله لكونه نشأ بين المسلمين. المسألة الثالثة: الأحكام المتعلقة بالردة: ١ - المكره إذا نطق بما يوجب ردته بسبب الإكراه فإنه لا يحكم بارتداده؛ لقوله تعالى: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) [النحل: ١٠٦]. ٢ - المرتد يستتاب ثلاثة أيام فإن تاب وإلا قتل، وقتله للإمام أو نائبه، كما مضى بيان ذلك. ٣ - المرتد يمنع من التصرف في ماله، فإنْ أسلم مُكِّنَ من التصرف فيه، وإن

стр. 401

مات على ردته أو قتل مرتداً فماله فيءٌ لبيت مال المسلمين؛ لأنه لا وارث له، لأن المسلم لا يرث الكافر، ولا يرثه أحد من الكفار؛ لأنه لا يُقَرُّ على رِدَّته. ٤ - المرتد لا يغسل ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين إذا قتل على ردته. ٥ - تحصل توبة المرتد بإتيانه بالشهادتين، لعموم قوله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها) (١). ومن كانت ردته بسبب جحود شيء من أمور الدين فتوبته إلى جانب الإتيان بالشهادتين: إقراره بما جحد وأنكر، ورجوعه عما كفر به.

стр. 402

ثاني عشر: كتاب الأيمان والنذور ويشتمل على بابين: الباب الأول: الأيمان، وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تعريف الأيمان: الأيمان لغة: جمع يمين، وهو الحَلِف أو القَسَم، وسمي الحلف يميناً؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كل واحد منهم بيمينه على يمين صاحبه. وشرعاً: توكيد الشيء المحلوف عليه بذكر اسم الله، أو صفة من صفاته. المسألة الثانية: أقسام اليمين: تنقسم اليمين من حيث انعقادها وعدم انعقادها إلى ثلاثة أقسام: ١ - اليمين اللغو: وهو الحلف من غير قصد اليمين، كأن يقول: لا واللهِ، وبلى واللهِ، وهو لا يريد بذلك يميناً ولا يقصد به قسماً، فهذا يعدُّ لغواً، أو يحلف على شيء يظن صدقه فيظهر خلافه؛ لقوله تعالى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) [المائدة: ٨٩]. قالت عائشة ﵂: (أنزلت هذه الآية (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) في قول الرجل: لا والله، وبلى والله، وكلا والله) (١). وهذه اليمين لا كفارة فيها، ولا مؤاخذة، ولا إثم على صاحبها. ٢ - اليمين المنعقدة: وهي اليمين التي يقصدها الحالف ويصمم عليها، وتكون على المستقبل من الأفعال، وتكون على أمر ممكن، فهذه يمين منعقدة مقصودة، فتجب فيها عند الحِنْث (٢) كفارة، لقوله تعالى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ) [المائدة: ٨٩].

стр. 403

٣ - اليمين الغموس: وهي اليمين الكاذبة التي تهضم بها الحقوق، أو التي يقصد بها الغش والخيانة، فصاحبها يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كاذب، وهي كبيرة من الكبائر، ولا تنعقد هذه اليمين، ولا كفارة فيها؛ لأنها أعظم من أن تكفر، ولأنها يمين غير منعقدة، فلا توجب الكفارة كاللغو. وتجب التوبة منها، ورد الحقوق إلى أصحابها إذا ترتب عليها ضياع حقوق. وسميت هذه اليمين غموساً لأنها تغمس صاحبها في الإثم، ثم في نار جهنم عياذاً بالله. ودليل حرمتها قوله تعالى: (وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [النحل: ٩٤]، ولحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس) (١)، ولحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (خمس ليس لهن كفارة: الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وبَهْت مؤمن، ويمين صابرة (٢) يقطع بها مالاً بغير حق) (٣). المسألة الثالثة: كفارة اليمين وشروط وجوبها: ١ - كفارة اليمين: شرع الله لعباده كفارة اليمين التي يكون بها تحلة اليمين والخروج منها، وذلك رحمة بهم، قال الله تعالى: (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) [التحريم: ٢] وقال ﷺ : (من حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها، فليأتها، وليكفر عن يمينه) (٤). وهذه الكفارة تجب على الشخص إذا حنث في يمينه، ولم يَفِ بموجبها.

стр. 404

وكفارة اليمين فيها تخيير وترتيب. فيخيَّر من لزمته بين إطعام عشرة مساكين لكل مسكين نصف صاع من الطعام، أو كسوة عشرة مساكين لكل واحد ثوب يجزئه في الصلاة، أو عتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب، فمن لم يجد شيئاً من هذه الثلاثة المذكورة صام ثلاثة أيام؛ لقوله تعالى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) [المائدة: ٨٩]. فجمعت كفارة اليمين بين التخيير والترتيب، تخيير بين الإطعام والكسوة والعتق، وترتيب بين هذه الثلاثة وبين الصيام. ٢ - شروط وجوب كفارة اليمين: لا تجب الكفارة في اليمين إذا نقضها الحالف، ولم يف بموجبها، إلا بشروط ثلاثة، وهي: الشرط الأول: أن تكون اليمين منعقدة، بأن يقصد الحالف عقدها على أمر مستقبل كما مضى بيان ذلك، ولا تنعقد اليمين إلا بالله أو باسم من أسمائه أو صفة من صفاته؛ لقوله تعالى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ) [المائدة: ٨٩]. فدل ذلك على أن الكفارة لا تجب إلا في اليمين المنعقدة، أما من سبق اليمين على لسانه بلا قصد فلا تنعقد يمينه، ولا كفارة عليه. الشرط الثاني: أن يحلف مختاراً، فمن حلف مكرهاً لم تنعقد يمينه ولا كفارة عليه فيها؛ لقوله ﷺ : (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه). الشرط الثالث: أن يحنث في يمينه، بأن يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله، ذاكراً ليمينه مختاراً، أما إذا حنث في يمينه ناسياً أو مكرهاً فلا كفارة عليه للحديث المتقدم. • الاستثناء في اليمين: من حلف فقال في يمينه: إن شاء الله، فلا حنث عليه ولا كفارة، إذا نقض

стр. 405

يمينه، لقوله ﷺ : (من حلف فقال: إن شاء الله لم يحنث) (١). • نقض اليمين والحنث فيها: الأصل أن يفي الحالف باليمين، لكن قد ينقضه لمصلحة، أو ضرورة. وقد شرع له كفارة ذلك كما سبق. ويمكن تقسيم نقض اليمين، والحنث فيها بحسب المحلوف عليه، على النحو التالي: ١ - أن يكون نقض اليمين واجباً: وذلك إذا حلف على ترك واجب، كمن حلف أن لا يصل رحمه، أو حلف على فعل محرم، كأن يحلف ليشربن خمراً؛ فهنا يجب عليه نقض يمينه، وتلزمه الكفارة؛ لأنه حلف على معصية. ٢ - أن يكون نقض اليمين حراماً: كما لو حلف على فعل واجب، أو ترك محرم، وجب عليه الوفاء، ويحرم عليه نقض اليمين؛ لأن حلفه في هذه الحالة تأكيد لما كلف الله به عباده. ٣ - أن يكون نقض اليمين مباحاً: وذلك إذا حلف على فعل مباح أو تركه. المسألة الرابعة: صور لبعض الأيمان الجائزة والممنوعة: إن اليمين الجائزة هي التي يحلف فيها باسم الله، أو بصفة من صفاته. كأن يقول: والله أو: ووجهِ الله أو: وعظمته وكبريائه .. ؛ لحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ أدركَ عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب، يحلف بأبيه فقال: (ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) (٢)، ولحديث ابن عمر ﵄ قال: (كانت يمين النبي ﷺ : لا، ومقلِّبِ القلوب) (٣). وكذلك لو قال: أقسم بالله لأفعلن كذا فهو يمين إن نواها؛ لقوله تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ) [النحل: ٣٨].

стр. 406

ومن الأيمان الممنوعة: ١ - الحلف بغير الله تعالى، كقوله: وحياتك، والأمانة .. ؛ لحديث عبد الله ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: (فمن كان حالفاً فيلحلف بالله أو ليصمت) (١). ٢ - الحلف بأنه يهودي أو نصراني، أو أنه بريء من الله أو من رسول الله ﷺ إن فعل كذا ففعله؛ لحديث بريدة عن أبيه ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من حلف فقال: إني بريء من الإسلام، فإن كان كاذباً فهو كما قال، وإن كان صادقاً فلن يرجع إلى الإسلام سالماً) (٢). ٣ - الحلف بالآباء والطاغوت؛ لحديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تحلفوا بالطواغي، ولا بآبائكم) (٣).

стр. 407

الباب الثاني: النذور، وفيه مسائل: المسألة الأولى: تعريف النذر، ومشروعيته، وحكمه: ١ - تعريف النذر: النذر لغة: الإيجاب، تقول: نذرت كذا إذا أوجبته على نفسك. وشرعاً: إلزام مكلف مختار نفسه شيئاً لله تعالى. ٢ - مشروعية النذر وحكمه: النذر مشروع بالكتاب والسنة والإجماع، كما سيأتي ذكره من الأدلة على ذلك. وأما حكم النذر ابتداءً فإنه مكروه غير مستحب؛ لحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ نهى عن النذر وقال: (إنه لا يردُّ شيئاً وإنما يستخرج به من الشحيح) (١)، ولأن الناذر يلزم نفسه بشيء لا يلزمه في أصل الشرع، فيحرج نفسه، ويثقلها بذلك، ولأنه مطلوب من المسلم فعل الخير بلا نذر. إلا أنه إذا نذر فعل طاعة وجب عليه الوفاء به؛ لقوله تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ) [البقرة: ٢٧٠]، وقوله تعالى: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا) [الإنسان: ٧]، ولحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) (٢). فقد مدح الله الموفين بالنذر وأثنى عليهم، وأمر ﷺ بالوفاء به، فدل ذلك على أن النهي المتقدم عن النبي ﷺ إنما هو للكراهة لا للتحريم، وأن المنهي عنه والمكروه هو ابتداء النذر والدخول فيه، وأما الوفاء به، وإنجازه لمن لزمه فواجب، وطاعة لله سبحانه. والنذر نوع من أنواع العبادة لا يجوز صرفه لغير الله تعالى، فمن نذر لقبر أو وليٍّ ونحوه، فقد أشرك بالله تعالى شركاً أكبر، والعياذ بالله.

стр. 408

المسألة الثانية: شروط النذر، وألفاظه: ١ - شروط النذر: لا يصح النذر إلا من شخص بالغ عاقل مختار، فلا يصح النذر من الصبي، ولا من المجنون والمعتوه، ولا من المكره؛ لقوله ﷺ : (رفع القلم عن ثلاثة ... ) الحديث، ولقوله ﷺ : (إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ ... ) الحديث، وقد تقدما مراراً. ٢ - ألفاظ النذر: صيغ النذر وألفاظه أن يقول: "لله عليَّ أن أفعل كذا"، أو: "عليَّ نذر كذا". ونحو ذلك من الألفاظ التي يصرح فيها بذكر النذر. المسألة الثالثة: أقسام النذر: ١ - النذر الصحيح وغير الصحيح: ينقسم النذر باعتبار صحته وعدم صحته إلى: صحيح وغير صحيح، أو: جائز وممنوع، أو منعقد وغير منعقد. فيكون النذر صحيحاً منعقداً واجب الوفاء: إذا كان طاعة وقربة، يتقرب بها الناذر إلى الله تعالى. ويكون غير صحيح ولا منعقد ولا واجب الوفاء: إذا كان معصية لله تعالى؛ كالنذر للقبور والأولياء أو الأنبياء، أو نذر أن يقتل، أو أن يشرب الخمر، ونحو ذلك من المعاصي، فإن هذا النذر لا ينعقد، ويحرم الوفاء به. ٢ - النذر المطلق والمقيد: أ- النذر المطلق: هو الذي يلتزمه الشخص ابتداءً دون تعليقه على شرط، وقد يقع شكراً لله على نعمة أو لغير سبب، كأن يقول الشخص: لله عليَّ أن أصلي كذا أو أصوم كذا. فيجب الوفاء به. ب- النذر المقيَّد: وهو ما كان معلقاً على شرط وحصول شىء، كأن يقول: إن شفى الله مريضي، أو قدم غائبي، فعليَّ كذا. وهذا يلزم الوفاء به، عند تحقق شرطه، وحصول مطلوبه.

стр. 409

المسألة الرابعة: أنواع النذر وأحكامه: ينقسم النذر بحسب الأحكام المترتبة عليه، ولزوم الوفاء به من عدمه، إلى خمسة أنواع: ١ - النذر المطلق: نحو قوله: لله عليَّ نذر. ولم يسم شيئاً، فليزمه كفارة يمين، سواء كان مطلقاً أو مقيداً؛ لحديث عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين) (١). ٢ - نذر اللَّجَاج والغضب: وهو تعليق نذره بشرط يقصد به المنع من فعل شيء أو الحمل عليه أو التصديق أو التكذيب، كقوله: إن كلمتك، أو إن لم أخبر بك، أو إن لم يكن هذا الخبر صحيحاً، أو إن كان كذباً فعليَّ الحج، أو العتق .. ، فهذا النذر خارج مخرج اليمين للحث على فعل شيء أو المنع منه، ولم يقصد به النذر ولا القربة، فهذا يخير فيه بين فعل ما نذره أو كفارة يمين؛ لقوله ﷺ : (كفارة النذر كفارة يمين) (٢). ٣ - النذر المباح: وهو أن ينذر فعل الشيء المباح، نحو: أن ينذر لبس ثوب أو ركوب دابة .. ونحو ذلك، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا شيء عليه فيه؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: بينما النبي ﷺ يخطب، إذا هو برجل قائم فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يستظل ولا يتكلم وأن يصوم، فقال: (مروه، فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه) (٣). ٤ - نذر المعصية: وهو أن ينذر فعل معصية، كنذر شرب خمر، والنذر للقبور، أو لأهل القبور من الأموات، وصوم أيام الحيض، ويوم النحر، فهذا النذر

стр. 410

لا ينعقد ولا يجب الوفاء به، لحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) (١)؛ لأن معصية الله لا تباح في حال من الأحوال، ولا يلزمه به كفارة. ٥ - نذر التبرر: وهو نذر الطاعة، كنذر فعل الصلاة والصيام والحج، سواء أكان مطلقاً، أم معلقاً على حصول شيء، فيجب الوفاء به إن كان مطلقا، وعند حصول الشرط إن كان معلقاً؛ لحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه) (٢). المسألة الخامسة: صور من النذر الذي لا يجوز الوفاء به: إن النذر الذي لا يجوز الوفاء به هو نذر المعصية وهذا يتحقق في صور، منها: ١ - نذر شرب الخمر أو صوم أيام الحيض؛ لحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه). ٢ - النذر الذي يقع للأموات كأن يقول: يا سيدي فلان، إن رد غائبي، أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي، فلك من النقد أو الطعام أو الشمع أو الزيت كذا وكذا. فهذا باطل، وهو شرك أكبر والعياذ بالله؛ لأنه نذر للمخلوق، وهو لا يجوز؛ لأن النذر عبادة، وهي لا تكون إلا لله. ٣ - إذا نذر أن يسرج قبراً، أو شجرة، لم يجز الوفاء به، ويصرف قيمة ذلك للمصالح؛ لأنه معصية، ولا نذر في معصية؛ للحديث المتقدم.

стр. 411

ثالث عشر: كتاب الأطعمة، والذبائح، والصيد ويشتمل على ثلاثة أبواب: الباب الأول: في الأطعمة، وفيه مسائل: المسألة الأولى: تعريفها والأصل فيها: ١ - تعريفها: الأَطْعِمَة جمع طَعَام، وهو ما يأكله الإنسان ويتغذى به من الأقوات وغيرها أو يشربه. ٢ - الأصل فيها: تنطلق القاعدة الشرعية في معرفة ما يحل من الأطعمة وما يحرم من قوله تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [الأنعام: ١٤٥]، ومن قوله : (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) [الأعراف: ١٥٧]، ومن قوله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) [الأعراف: ٣٢]. والمراد بالطيبات: ما تستطيبه النفس وتشتهيه؛ لأن الطعام لما كان يتغذى به الإنسان، فإن أثره ينعكس على أخلاقه، فالطعام الطيب يكون أثره طيباً، والخبيث يكون على الضد من ذلك؛ لذا أباح الله سبحانه الطيب من المطاعم، وحَرَّم الخبيث منها. فالأصل في الأطعمة الحل، إلا ما حرمه الشارع الحكيم؛ ولذا قال تعالى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) [الأنعام: ١١٩]. وقد جاء هذا التفصيل مشتملاً على أمور ثلاثة: ١ - النص على المباح. ٢ - النص على الحرام. ٣ - ما سكت عنه الشارع. وقد بيَّن النبي ﷺ ذلك بقوله: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدَّ

стр. 412

حدوداً فلا تعتدوها، وحرَّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها) (١). المسألة الثانية: ما نص الشارع على حله، وإباحته: والأصل في ذلك والقاعدة: أن كل طعام طاهر لا مضرة فيه فإنه مباح، والأطعمة المباحة على نوعين: حيوانات ونباتات؛ كالحبوب والثمار، والحيوانات على نوعين: برية وبحرية. أولاً: الحيوان البحري: وهو كل حيوان لا يعيش إلا في البحر؛ كالسمك بأنواعه المختلفة وكذا غيره من حيوانات البحر، إلا ما فيه سُمٌّ فإنه يحرم للضرر، وكذا يحرم من طعام البحر ما كان مستخبثاً مستقذرا كالضفدع، مع ما جاء من النهي عن قتله، وكالتمساح؛ لكونه مستخبثاً، ولأن له ناباً يفترس به. لعموم قوله تعالى: (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) [الأعراف: ١٥٧] ويجوز أكل الحيوان البحري سواء صاده مسلم أو غيره، وسواء كان له شبه، يجوز أكله في البر أم لم يكن. والحيوان البحري لا يحتاج إلى تذكية؛ لقوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ) [المائدة: ٩٦]. قال ابن عباس ﵄: (ألا إن صيده: ما صيد، وطعامه: ما لفظ البحر) (٢). ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: سأل رجل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا. أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ : (هو الطَّهور ماؤهُ، الحلُّ ميتته) (٣).

стр. 413

ثانياً: الحيوان البري: والحلال من الحيوان البري المنصوص عليه يمكن تلخيصه في الآتي: أ) الأنعام: لقوله تعالى: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) [النحل: ٥]، وقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) [المائدة: ١]. والمقصود ببهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم. ب) الخيل: لحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: (نهى النبي ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر، ورخص في لحوم الخيل) (١). ج) الضب: لحديث ابن عباس ﵄ قال: (أُكِلَ الضب على مائدة رسول الله ﷺ ) (٢). وقوله ﷺ : (كلوا فإنه حلال، ولكنه ليس من طعامي) (٣). د) الحمار الوحشي: وهو غير المستأنس؛ لحديث أبي قتادة ﵁: أنه رأى حماراً وحشياً فعقره، فقال النبي ﷺ : (هل معكم من لحمه شيء؟) قال: معنا رجله، فأخذها، فأكلها. (٤) هـ) الأرنب: لما رواه أنس ﵁ أنه أخذ أرنباً، فذبحها أبو طلحة، وبعث بوركها إلى النبي ﷺ فقبله. (٥) و) الضبع: لما روى جابر ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن الضبع، فقال: (هو صيد ويجعل فيه كبش إذا صاده) (٦)، أي: وهو محرم، قال الحافظ

стр. 414

ابن حجر: "وقد ورد في حل الضبع أحاديث لا بأس بها" (١). ز) الدجاج: لما روى أبو موسى ﷺ ، قال: (رأيت رسول الله ﷺ يأكل لحم دجاج) (٢). ويلحق بالدجاج الأوز والبط؛ لأنهما من الطيبات، فتدخل في قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) [المائدة: ٤]. ح) الجراد: لحديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: (غزونا مع النبي ﷺ سبع غزوات أو ستاً، كنا نأكل معه الجراد) (٣). المسألة الثالثة: ما نص الشارع على تحريمه: والأصل فيما يحرم من الأطعمة: أن كل طعام نجس مستقذر فيه مضرة، لا يجوز أكله، وذلك على النحو التالي: ١ - المحرمات من الطعام في كتاب الله محصورة في عشرة أشياء وردت في قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) [المائدة: ٣]. - أما الميتة: فهي ما مات حتف أنفه، وفارقته الحياة بدون ذكاة شرعية، وحرمت لما فيها من المضرة بسبب الدم المحتقن وخبث التغذية، وتجوز للمضطر بقدر الحاجة، ويستثنى من الميتة: السمك والجراد، فإنهما حلال. - والدم: المراد به الدم المسفوح، فإنه حرام؛ لقوله تعالى في آية أخرى: (أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا) [الأنعام: ١٤٥]، أما ما يبقى من الدم في خلل اللحم، وفي العروق بعد الذبح، فمباح، وكذا ما جاء الشرع بحله من الدم؛ كالكبد والطحال. - ولحم الخنزير: لأنه قذر، ويتغذى على القاذورات، ولمضرته البالغة، وقد جمع الله هذه الثلاثة في قوله: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) [الأنعام: ١٤٥].

стр. 415

- وما أهل لغير الله به: أي ذبح على غير اسمه تعالى، وهذا حرام لما فيه من الشرك المنافي للتوحيد؛ فإن الذبح عبادة لا يجوز صرفها لغير الله تعالى، كما قال : (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) [الكوثر: ٢]. - والمنخنقة: وهي التي تخنق فتموت، إما قصداً أو بغير قصد. - والموقوذة: هي التي تُضْرَب بعصا أو شيء ثقيل، فتموت. - والمتردية: هي التي تتردَّى من مكان عال، فتموت. - والنطيحة: هي التي تنطحها أخرى، فتقتلها. - وما أكل السبع: هي التي يعدو عليها أسد أو نمر أو ذئب أو فهد أو كلب، فيأكل بعضها، فتموت بسبب ذلك. فما أُدرك من هذه الخمسة الأخيرة، وبه حياة، فذكي، فإنه حلال الأكل؛ لقوله تعالى في الآية المذكورة: (إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ) [المائدة: ٣]. - وما ذُبح على النصب: وهي حجارة كانت منصوبة حول الكعبة، وكانوا في الجاهلية يذبحون عندها، فهذه لا يحل أكلها؛ لأن ذلك من الشرك الذي حرَّمه الله، كما مضى فيما أُهِل لغير الله به. ويحرم من الأطعمة أيضاً: ٢ - ما فيه مضرة: كالسم، والخمر، وسائر المسكرات والمفتِّرات؛ لقوله تعالى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [البقرة: ١٩٥]، وقوله : (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) [النساء: ٢٩]. ٣ - ما قطع من الحي: لحديث أبي واقد الليثي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة) (١). ٤ - سباع البهائم: وهي التي تفترس بنابها -أي تنهش- من حيوانات البر؛ كالأسد والذئب والنمر والفهد والكلب؛ لحديث أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع) (٢)، ولقوله ﷺ :

стр. 416

(كل ذي ناب من السباع، فأكله حرام) (١). ٥ - سباع الطير: وهي التي تصيد بمخلبها؛ كالعُقاب والباز والصقر والحدأة والبومة، لحديث ابن عباس ﵄ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطيور) (٢). ٦ - ويحرم من الطيور ما يأكل الجيف: كالنسر والرَّخَم والغراب؛ لخبث ما يتغذى به. ٧ - يحرم كل حيوان نُدِبَ قتله: كالحية والعقرب والفأرة والحدأة؛ لحديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (خمس من الدواب كلهن فاسق، يقتلن في الحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور) (٣)، ولكونها مستخبثة مستقذرة. ٨ - الحمر الأهلية؛ لما روى جابر: (أن النبي ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية) (٤). ٩ - ما يستخبث من الأطعمة: كالفأرة والحية والذباب والزنبور والنحل؛ لقول الله تعالى: (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) [الأعراف: ١٥٧]. ١٠ - الجلاَّلة: وهي التي أكثر أكلها النجاسة؛ لما روى ابن عمر ﵄ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن أكل الجلالة) (٥) وسواء في ذلك الإبل والبقر والغنم والدجاج ونحوها، فإذا حبست بعيداً عن النجاسات، وأطعمت الطاهرات، حل أكلها. وكان ابن عمر ﵄ يحبسها ثلاثاً إذا أراد أكلها، وقيل: تحبس أكثر من ذلك.

стр. 417

المسألة الرابعة: ما سكت عنه الشارع: ما سكت عنه الشارع، ولم يرد نص بتحريمه، فهو حلال، لأن الأصل في الأشياء الإباحة، دل على هذا قوله تعلى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) [البقرة: ٢٩]، وحديث أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيثاً، وتلا: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) [مريم: ٦٤] (١). المسألة الخامسة: ما يكره أكله: يكره أكل البصل والثوم وما كان في معناهما مما له رائحة كريهة؛ كالكراث والفجل، ولا سيما عند حضور المساجد وغيرها من مجامع الذكر والعبادة، لحديث جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس) (٢) يعني: شجرة الثوم، وفي رواية: (حتى يذهب ريحها). فإن طَبَخَ هاتين البقلتين حتى يذهب ريحهما، فلا بأس بأكلهما؛ لقول عمر بن الخطاب ﵁: (فمن أكلهما فليمتهما طبخاً) (٣). وفي رواية لجابر ﵄: (ما أراه يعني إلا نَيئه) (٤). المسألة السادسة: آداب الأكل: للأكل آداب ينبغي الحرص عليها، وهي: ١ - التسمية عند ابتداء الأكل: لحديث عمر بن أبي سلمة ﵁ قال: كنت غلاماً فى حجر رسول الله ﷺ ، وكانت يدي تطيشُ في الصَّحْفَة، فقال

стр. 418

لي رسول الله ﷺ : (يا غلام سَم الله، وكُلْ بيمينك، وكل مما يليك) فما زالت تلك طِعمتي بعد (١). ٢ - الأكل باليمين: للحديث السابق. ٣ - الأكل مما يلي الشخص: للحديث السابق أيضاً، إلا إذا علم أن مُجالسه لا يتأذى، ولا يكره ذلك، فلا بأس أن يأكل حينئذ من نواحي القصعة؛ لحديث أنس ﵁ في قصة الخياط الذي دعا النبي ﷺ إلى طعام، قال أنس: (فرأيته -يعني النبي ﷺ يتتبع الدباء من حوالي القصعة) (٢). أو كان الشخص وحده ليس معه أحد، أو كان الطعام مشتملاً على ألوان متعددة، فيجوز له الأخذ مما ليس أمامه، ما لم يؤذ بذلك أحداً. ٤ - الحمد في آخره: لحديث أبي أمامة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا رُفعت المائدة من بين يديه، يقول: (الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه غير مُوَدَّعٍ، ولا مستغنىً عنه ربنا) (٣)، ولقوله ﷺ : (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها) (٤). ٥ - الأكل على السُّفَر: لحديث أنس بن مالك ﵁ قال: (ما أكل نبي الله ﷺ على خِوَان ولا في سُكُرُّجَة، ولا خُبزَ له مُرَقَّق، قال: فقلت لقتادة: فعلى ما كانوا يأكلون؟ قال: على هذه السُّفَرِ) (٥). ٦ - كراهية الأكل متكئاً: لحديث عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله كُلْ -جعلني الله فداك- متكئاً، فإنه أهون عليك، فأصغى برأسه

стр. 419

حتى كاد أن تصيب جبهته الأرض، قال: (لا، بل آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد) (١)، ولحديث أبي جحيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إني لا آكل متكئاً) (٢). ٧ - عدم عيب الطعام الذي لا يريد أكله: لحديث أبي هريرة ﵁ قال: (ما عاب رسول الله ﷺ طعاماً قط، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه) (٣). ٨ - الأكل من جوانب القصعة وكراهية الأكل من وسط القصعة: لحديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه أتي بقصعة من ثريد فقال: (كلوا من جوانبها ولا تأكلوا من وسطها، فإن البركة تنزل في وسطها) (٤). ٩ - الأكل بثلاثة أصابع، ولعقها بعد الأكل: لحديث كعب بن مالك ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يأكل بثلاثة أصابع، ولا يمسح يده حتى يَلْعَقَها) (٥). ١٠ - أكل ما سقط منه أثناء الطعام أو تناثر: لقوله ﷺ : (إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى، وليأكلها، ولا يدعها للشيطان) (٦). ١١ - مسح القصعة التي يأكل فيها ولعقها: لقول أنس ﵁ في الحديث الماضي: (وأمرنا -يعني النبي ﷺ أن نَسْلُتَ القصعة) يعني: نمسحها، ونتتبع ما بقي فيها من طعام. وفي رواية: (أن النبي ﷺ أمر بلعق الأصابع والصحفة، وقال: (إنكم لا تدرون في أيِّه البركة) (٧).

стр. 420

الباب الثاني: أحكام الذبائح، وفيه مسائل: المسألة الأولى: معناها، وأنواع التذكية، وحكمها: ١ - تعريف الذبائح: لغة: الذبائح جمع ذبيحة، بمعنى مذبوحة. وشرعاً: الحيوان الذي تمت تذكيته على وجه شرعي. والتذكية: هي ذبح -أو نحر- الحيوان البري المأكول المقدور عليه، بقطع حلقومه ومريئه، أو عَقْرِ الممتنع غير المقدور عليه منها. والعَقْرُ معناه: الجرح. ٢ - أنواع التذكية: وحيث إن الذبح يراد به الحيوان الذي تمت تذكيته على الوجه الشرعي؛ فإنه من المناسب بيان أنواع التذكية التي تبيح أكل الحيوان، وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام، كما يتضح من التعريف السالف للتذكية: أولاً: الذبح: وهو قطع الحلق من الحيوان بشروط. ثانياً: النحر: وهو قطع لَبَّة الحيوان، وهي أسفل العنق، وهو التذكية المسنونة للإبل؛ لقوله تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) [الكوثر: ٢]. ثالثاً: العقر: وهو قتل الحيوان غير المقدور عليه من الصيد والأنعام، بجرحه في غير الحلق واللبة في أي مكان من جسمه؛ لحديث رافع ﵁ قال: نَدَّ بعير، فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه، فقال رسول ﷺ : (ما نَدَّ عليكم فاصنعوا به هكذا) (١). ٣ - حكم التذكية: حكم تذكية الحيوان المقدور عليه أنها لازمة، لا يحل شيء من الحيوان المذكور بدونها، وذلك بلا خلاف بين أهل العلم؛ لقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) [المائدة: ٣] وغير المذكى ميتة، إلا السمك، والجراد، وكل مالا يعيش إلا في الماء، فيحلُّ بدون ذكاة، كما مضى بيانه في الأطعمة.

стр. 421

المسألة الثانية: شروط صحة الذبح: تنقسم هذه الشروط إلى أقسام ثلاثة: ١ - شروط تتعلق بالذابح. ٢ - شروط تتعلق بالمذبوح. ٣ - شروط تتعلق بآلة الذبح. أولاً: الشروط المتعلقة بالذابح: ١ - أهلية الذابح: بأن يكون الذابح عاقلاً مميزاً، سواء أكان ذكراً أم أنثى، مسلماً أم كتابيا. قال تعالى: (إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ) [المائدة: ٣]، وهذه الآية في ذبيحة المسلم. وقال تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) [المائدة: ٥] وهذه الآية في ذبيحة الكتابي، قال ابن عباس: (طعامهم: ذبائحهم) (١). أما سائر الكفار من غير أهل الكتاب، وكذا المجنون، والسكران، والصبي غير المميز، فلا تحل ذبائحهم. ٢ - ألا يذبح لغير الله أو على غير اسمه، فلو ذبح لصنم أو مسلم أو نبي لم تحل؛ لقوله تعالى عند ذكر المحرم من الأطعمة: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) [المائدة: ٣]. فإذا توافر هذان الشرطان في الذابح حلت ذبيحته، لا فرق في الذابح بين أن يكون رجلاً أو امرأة، كبيراً أو صغيراً، حراً أو عبداً. ثانياً: الشروط المتعلقة بالمذبوح: ١ - أن يقطع من الحيوان الحلقوم، والمريء، والودجين. والحلقوم هو مجرى النفس. والمريء هو مجرى الطعام. والودجان هما العِرقان المتقابلان المحيطان بالحلقوم؛ لحديث رافع بن خديج ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه، ليس السن والظفر) (٢). فقد اشترط في الذبح

стр. 422

أن يسيل الدم. والذبح بقطع الأشياء المشار إليها من الحيوان. وفي هذا المحل خاصة أسرع في إسالة دمه وزهوق روحه، فيكون أطيب لِلَّحم، وأخف وأيسر على الحيوان. وما أصابه سبب الموت كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، وكذا المريضة، وما وقع في شبكة، أو أنقذه من مهلكة: إذا أدركه وفيه حياة مستقرة -كتحريك يده، أو رجله، أو طرف عينه- فذكاه فهو حلال؛ لقوله تعالى: (إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ) [المائدة: ٣] أي: فليس بحرام. وأما ما عجز عن ذبحه في المحل المذكور، لعدم التمكن منه، كالصيد، والنعم المتوحشة، والواقع في بئر ونحو ذلك، فذكاته بجرحه في أي موضع من بدنه فيكون ذلك ذكاة له؛ لحديث رافع بن خديج المتقدم في البعير الذي نَدَّ وشرد فأصابه رجل بسهم، فأوقفه، فقال النبي ﷺ : (ما ندَّ عليكم فاصنعوا به هكذا) (١). ٢ - أن يذكر اسم الله عند الذبح؛ لقوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) [الأنعام: ١٢١]، ويسن أن يكبر مع التسمية، لما روي عنه ﷺ في الأضحية أنه لما ذبحها (سمى وكبَّر) (٢). وفي رواية: أنه كان يقول: (باسم الله، والله أكبر) (٣). ثالثاً: الشرط المتعلق بآلة الذبح: أن تكون الآلة مما يجرح بحدّه من حديد ونحاس وحجر، وغير ذلك مما يقطع الحلقوم، وينهر الدم، عدا السن والظفر؛ لحديث رافع ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه، ليس السِّنَّ والظُّفْرَ) (٤). ويدخل في حكم السن والظفر في المنع سائر أنواع العظام، سواء أكانت من آدمي أم غيره.

стр. 423

وسبب المنع من ذلك ما ذكر في الحديث، وتمامه: (وسأحدثكم عن ذلك: أما السنُّ فعظم، وأما الظفر فَمُدَى الحبشة). أما النهي عن الذبح بالعظام: فلأنها تنجس بالدم، وقد نهى النبي ﷺ عن تنجيسها؛ لأنها زاد إخواننا من الجن. وأما الظفر: فللنهي عن التشبه بالكفار (١). المسألة الثالثة: آداب الذبح: للذبح آداب ينبغي للذابح التقيد بها، وهي: ١ - أن يحد الذابح شفرته؛ لحديث شداد بن أوس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَة، واذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحَة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته) (٢). ٢ - أن يُضجع الدابة لجنبها الأيسر، ويترك رجلها اليمنى تتحرك بعد الذبح؛ لتستريح بتحريكها؛ لحديث شداد بن أوس المتقدم قبل قليل. ولحديث أبي الخير أن رجلاً من الأنصار حدثه عن رسول الله ﷺ أنه أضجع أضحيته ليذبحها، فقال رسول الله ﷺ للرجل: (أَعِنِّي على ضحيتي) فأعانه (٣). ٣ - نحر الإبل قائمة معقولة ركبتها اليسرى. والنحر: الطعن بمحدد في اللَّبة، وهي الوهدة التي بين أصل العنق والصدر؛ لقوله تعالى: (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ) [الحج: ٣٦] أي: (قياماً من ثلاث) (٤). ومر ابن عمر ﵄ على رجل قد أناخ بدنته؛ لينحرها، فقال: (ابعثها قياماً مقيدة سنة محمد ﷺ ) (٥).

стр. 424

٤ - ذبح سائر الحيوان غير الإبل: لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) [البقرة: ٦٧]، ولحديث أنس ﵁ (أن النبي ﷺ ذبح الكبشين اللذين ضحى بهما) (١). المسألة الرابعة: مكروهات الذبح: ١ - يكره الذبح بآلة كَالَّة -أي: غير قاطعة-؛ لأن ذلك تعذيب للحيوان؛ لحديث شداد بن أوس الماضي، وفيه: (وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) (٢). ولحديث ابن عمر ﵄: (أن رسول الله ﷺ أمر أن تحد الشفار، وأن توارى عن البهائم) (٣). ٢ - يكره كسر عنق الحيوان أو سلخه قبل زهوق روحه؛ لحديث شداد بن أوس ﵁: (وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة) (٤)، ولقول عمر ﵁: (لا تعجلوا الأنفس أن تزهق) (٥). ٣ - يكره حد السكين والحيوان يبصره؛ لحديث ابن عمر ﵄ السابق وفيه: (وأن توارى عن البهائم) (٦). المسألة الخامسة: حكم ذبائح أهل الكتاب: تحل ذبائح أهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ لقوله تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) [المائدة: ٥]، أي: ذبائح أهل الكتاب من اليهود والنصارى حل لكم أيها المسلمون. قال ابن عباس رضي الله

стр. 425

عنهما: (طعامهم: ذبائحهم) (١). فذبائح أهل الكتاب من اليهود والنصارى حلال بإجماع المسلمين؛ لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، وتحريم الميتات، بخلاف غيرهم من الكفار من عبدة الأوثان والزنادقة والمرتدين والمجوس، فإنه لا تحل ذبائحهم، وكذا المشركون شركاً أكبر، من عُبَّاد القبور والأضرحة ونحوهم.
следующие страницы →