← Фикх общий

Фикх общий · id 22726

الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (439 стр.). Показаны 421–439 · переход к 426.

стр. 421

المسألة الثانية: شروط صحة الذبح: تنقسم هذه الشروط إلى أقسام ثلاثة: ١ - شروط تتعلق بالذابح. ٢ - شروط تتعلق بالمذبوح. ٣ - شروط تتعلق بآلة الذبح. أولاً: الشروط المتعلقة بالذابح: ١ - أهلية الذابح: بأن يكون الذابح عاقلاً مميزاً، سواء أكان ذكراً أم أنثى، مسلماً أم كتابيا. قال تعالى: (إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ) [المائدة: ٣]، وهذه الآية في ذبيحة المسلم. وقال تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) [المائدة: ٥] وهذه الآية في ذبيحة الكتابي، قال ابن عباس: (طعامهم: ذبائحهم) (١). أما سائر الكفار من غير أهل الكتاب، وكذا المجنون، والسكران، والصبي غير المميز، فلا تحل ذبائحهم. ٢ - ألا يذبح لغير الله أو على غير اسمه، فلو ذبح لصنم أو مسلم أو نبي لم تحل؛ لقوله تعالى عند ذكر المحرم من الأطعمة: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) [المائدة: ٣]. فإذا توافر هذان الشرطان في الذابح حلت ذبيحته، لا فرق في الذابح بين أن يكون رجلاً أو امرأة، كبيراً أو صغيراً، حراً أو عبداً. ثانياً: الشروط المتعلقة بالمذبوح: ١ - أن يقطع من الحيوان الحلقوم، والمريء، والودجين. والحلقوم هو مجرى النفس. والمريء هو مجرى الطعام. والودجان هما العِرقان المتقابلان المحيطان بالحلقوم؛ لحديث رافع بن خديج ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه، ليس السن والظفر) (٢). فقد اشترط في الذبح

стр. 422

أن يسيل الدم. والذبح بقطع الأشياء المشار إليها من الحيوان. وفي هذا المحل خاصة أسرع في إسالة دمه وزهوق روحه، فيكون أطيب لِلَّحم، وأخف وأيسر على الحيوان. وما أصابه سبب الموت كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، وكذا المريضة، وما وقع في شبكة، أو أنقذه من مهلكة: إذا أدركه وفيه حياة مستقرة -كتحريك يده، أو رجله، أو طرف عينه- فذكاه فهو حلال؛ لقوله تعالى: (إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ) [المائدة: ٣] أي: فليس بحرام. وأما ما عجز عن ذبحه في المحل المذكور، لعدم التمكن منه، كالصيد، والنعم المتوحشة، والواقع في بئر ونحو ذلك، فذكاته بجرحه في أي موضع من بدنه فيكون ذلك ذكاة له؛ لحديث رافع بن خديج المتقدم في البعير الذي نَدَّ وشرد فأصابه رجل بسهم، فأوقفه، فقال النبي ﷺ : (ما ندَّ عليكم فاصنعوا به هكذا) (١). ٢ - أن يذكر اسم الله عند الذبح؛ لقوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) [الأنعام: ١٢١]، ويسن أن يكبر مع التسمية، لما روي عنه ﷺ في الأضحية أنه لما ذبحها (سمى وكبَّر) (٢). وفي رواية: أنه كان يقول: (باسم الله، والله أكبر) (٣). ثالثاً: الشرط المتعلق بآلة الذبح: أن تكون الآلة مما يجرح بحدّه من حديد ونحاس وحجر، وغير ذلك مما يقطع الحلقوم، وينهر الدم، عدا السن والظفر؛ لحديث رافع ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه، ليس السِّنَّ والظُّفْرَ) (٤). ويدخل في حكم السن والظفر في المنع سائر أنواع العظام، سواء أكانت من آدمي أم غيره.

стр. 423

وسبب المنع من ذلك ما ذكر في الحديث، وتمامه: (وسأحدثكم عن ذلك: أما السنُّ فعظم، وأما الظفر فَمُدَى الحبشة). أما النهي عن الذبح بالعظام: فلأنها تنجس بالدم، وقد نهى النبي ﷺ عن تنجيسها؛ لأنها زاد إخواننا من الجن. وأما الظفر: فللنهي عن التشبه بالكفار (١). المسألة الثالثة: آداب الذبح: للذبح آداب ينبغي للذابح التقيد بها، وهي: ١ - أن يحد الذابح شفرته؛ لحديث شداد بن أوس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَة، واذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحَة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته) (٢). ٢ - أن يُضجع الدابة لجنبها الأيسر، ويترك رجلها اليمنى تتحرك بعد الذبح؛ لتستريح بتحريكها؛ لحديث شداد بن أوس المتقدم قبل قليل. ولحديث أبي الخير أن رجلاً من الأنصار حدثه عن رسول الله ﷺ أنه أضجع أضحيته ليذبحها، فقال رسول الله ﷺ للرجل: (أَعِنِّي على ضحيتي) فأعانه (٣). ٣ - نحر الإبل قائمة معقولة ركبتها اليسرى. والنحر: الطعن بمحدد في اللَّبة، وهي الوهدة التي بين أصل العنق والصدر؛ لقوله تعالى: (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ) [الحج: ٣٦] أي: (قياماً من ثلاث) (٤). ومر ابن عمر ﵄ على رجل قد أناخ بدنته؛ لينحرها، فقال: (ابعثها قياماً مقيدة سنة محمد ﷺ ) (٥).

стр. 424

٤ - ذبح سائر الحيوان غير الإبل: لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) [البقرة: ٦٧]، ولحديث أنس ﵁ (أن النبي ﷺ ذبح الكبشين اللذين ضحى بهما) (١). المسألة الرابعة: مكروهات الذبح: ١ - يكره الذبح بآلة كَالَّة -أي: غير قاطعة-؛ لأن ذلك تعذيب للحيوان؛ لحديث شداد بن أوس الماضي، وفيه: (وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) (٢). ولحديث ابن عمر ﵄: (أن رسول الله ﷺ أمر أن تحد الشفار، وأن توارى عن البهائم) (٣). ٢ - يكره كسر عنق الحيوان أو سلخه قبل زهوق روحه؛ لحديث شداد بن أوس ﵁: (وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة) (٤)، ولقول عمر ﵁: (لا تعجلوا الأنفس أن تزهق) (٥). ٣ - يكره حد السكين والحيوان يبصره؛ لحديث ابن عمر ﵄ السابق وفيه: (وأن توارى عن البهائم) (٦). المسألة الخامسة: حكم ذبائح أهل الكتاب: تحل ذبائح أهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ لقوله تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) [المائدة: ٥]، أي: ذبائح أهل الكتاب من اليهود والنصارى حل لكم أيها المسلمون. قال ابن عباس رضي الله

стр. 425

عنهما: (طعامهم: ذبائحهم) (١). فذبائح أهل الكتاب من اليهود والنصارى حلال بإجماع المسلمين؛ لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، وتحريم الميتات، بخلاف غيرهم من الكفار من عبدة الأوثان والزنادقة والمرتدين والمجوس، فإنه لا تحل ذبائحهم، وكذا المشركون شركاً أكبر، من عُبَّاد القبور والأضرحة ونحوهم.

стр. 426

الباب الثالث: أحكام الصيد، وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تعريف الصيد، وحكمه، ودليل مشروعيته: ١ - تعريف الصيد: الصَّيْدُ لغة: مصدر صَادَ يَصِيْدُ صيداً أي: قنصه، وأَخْذُه خلسة وحيلة، سواء أكان مأكولاً أم غير مأكول. وأُطلق على المصيد، تسميةً للمفعول باسم المصدر، فيقال للحيوان المصيد: صيد. وشرعاً: اقتناص حيوان حلال متوحش طبعاً، غير مملوك، ولا مقدور عليه. والوَحْشُ: هو كل حيوان غير مستأنس من دواب البر. ٢ - مشروعية الصيد: الصيد مشروع مباح؛ قوله تعالى: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) [المائدة: ١]، وقوله تعالى: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) [المائدة: ٢]. ولحديث عدي بن حاتم ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه فَكُلْ) (١). هذا إن كان الصيد لحاجة الإنسان، أما إن كان لمجرد اللعب واللهو، فهو مكروه؛ لكونه من العبث، ولنهيه ﷺ أن تُصْبَرَ البهائم (٢). أي: تتخذ غرضاً للرمي. المسألة الثانية: الصيد المباح وغير المباح: الصيد كله مباح بحريه وبريه إلا في حالات: الحالة الأولى: يحرم صيد الحَرَم للمحرم وغيره، وذلك بالإجماع، لقوله ﷺ يوم فتح مكة: (إن هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق السموات والأرض ... لا يعضد شوكه،

стр. 427

ولا يُنَفَّر صيده) (١). قال الحافظ ابن حجر: "قيل: هو كناية عن الاصطياد .. قال العلماء: يستفاد من النهي عن التنفير تحريم الإتلاف بالأولى" (٢). الحالة الثانية: يحرم على المحرم صيد البَر، أو اصطياده، أو الإعانة على صيده بدلالة أو إشارة أو نحو ذلك؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) [المائدة: ٩٥]. وكذلك يحرم عليه الأكل مما صاده، أو صيد لأجله، أو أعان على صيده، لقوله تعالى: (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) [المائدة: ٩٦]. وقد ردَّ النبي ﷺ حماراً وحشياً أهداه إليه الصعب بن جثامة، وقال: (إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم) (٣). يعنى: من أجل أننا حرم. المسألة الثالثة: شروط إباحة الصيد: يشترط لحل الصيد وإباحته شروط، وذلك في الصائد، وآلة الصيد. أولاً: شروط الصائد: يشترط في الصائد الذي يحل أكل صيده ما يشترط في الذابح بأن يكون مسلماً أو كتابياً، عاقلاً، فلا يحل ما صاده مجنون أو سكران لعدم الأهلية، ولا يحل ما صاده مجوسي أو وثني أو مرتد؛ لأن الصائد بمنزلة المذكي. أما ما لا يحتاج إلى ذكاة كالحوت والجراد، فيباح إذا صاده من لا تحل ذبيحته. وأن يكون الصائد قاصداً للصيد؛ لأن الرمي بالآلة وإرسال الجارحة جعل بمنزلة الذبح، فاشترط له القصد. ثانياً: شروط آلة الصيد: الآلة نوعان: ١ - ما له حَدٌّ يجرح؛ كالسيف والسكين والسهم: وهذا يُشترط فيه ما يشترط

стр. 428

في آلة الذبح بأن ينهر الدم، ويكون غير سن وظفر، وأن يجرح الصيد بحده لا بثقله؛ لحديث رافع بن خديج ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه) (١). وسئل رسول الله ﷺ عن صيد المعراض فقال: (ما خَزَقَ فَكُلْ، وما قتل بعرضه فلا تأكل) (٢)، وفي معنى المعراض: الحجارة، والعصا، والفخ، وقطع الحديد ونحوه مما ليس محدداً، إلا الرصاص الذي يستعمل اليوم في البنادق، فإنه حلال صيده؛ لأن به قوة دفع تخزق، وتنهر الدم. ٢ - الجارحة من سباع البهائم أو جوارح الطير، فيجوز الصيد بسباع البهائم التي تصيد بنابها وجوارح الطير التي تصيد بمخلبها، لقوله تعالى: (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) [المائدة: ٤]. ومثال سباع البهائم: الكلب، الفهد، النمر. ومثال جوارح الطير: الصقر، الباز، الشاهين. شروط الاصطياد بسباع البهائم وجوارح الطير: يشترط في الاصطياد بسباع البهائم وجوارح الطير أن تكون مُعَلَّمة، أي أنها تعلم آداب أخذ الصيد؛ وذلك بأن تتصف بالصفات التالية: ١ - أن تقصد إلى الحيوان الذي يراد صيده إذا أرسلت إليه، ولا تقصد شيئاً غيره. ٢ - أن تنزجر إذا زجرت، فتتوقف إذا استوقفها صاحبها. وهذان الشرطان معتبران في الكلب خاصة؛ لأن الفهد لا يكاد يجيب داعياً، وإن اعتبر متعلماً. أما الطير: فتعليمها يعتبر بأمرين كذلك: أن تسترسل إذا أرسلت، وأن ترجع إذا دعيت.

стр. 429

٣ - ألا تأكل شيئاً من الصيد إذا قتلته، قبل أن تصل به إلى صاحبها الذي أرسلها. والأصل في اعتبار هذه الشروط قوله تعالى: (قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) [المائدة: ٤]. وحديث عدي ابن حاتم ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا أرسلت الكلب المعلم، وسمَّيت، فأَمْسَكَ، وقَتَلَ، فكلْ، وإن أكل فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه) (١). التسمية عند رمي الصيد: ومن الشروط أيضاً: التسمية عند رمي الصيد أو إرسال الجارحة؛ لقوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) [المائدة: ٤]، ولحديث عدي بن حاتم ﵁ مرفوعاً: (إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله عليه ... وإن رميت سهمك فاذكر اسم الله عليه) (٢). وفي لفظ: (إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه، فكل) (٣) فإن ترك التسمية سهواً حلً الصيد. والله أعلم. حكم إدراك الصيد حياً: إذا أدرك الصائد الصيد وفيه حياة مستقرة، فإنه يجب ذكاته، ولا يحل بدونها، أما إذا أدركه ولا حياة فيه مستقرة، فإنه يجوز أكله بدون ذكاة.

стр. 430

رابع عشر: كتاب القضاء والشهادات ويشتمل على بابين: الباب الأول: في القضاء، وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تعريف القضاء، وحكمه، وأدلة مشروعيته: ١ - تعريفه: القضاء في اللغة: الحكم والفصل. وإحكام الشيء والفراغ منه، يقال: قَضَى يقضِي قضاءً إذا حَكَمَ وفَصَلَ. وفي الاصطلاح: تبيين الحكم الشرعي، والإلزام به، وفصل الخصومات، وقطع المنازعات. وسمي القضاء حكما لما فيه من منع الظالم، مأخوذ من الحكمة التي توجب وضع الشيء في موضعه. ٢ - حكمه والحكمة منه: القضاء فرض على الكفاية إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وإن امتنع كل الصالحين عنه أثموا؛ لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه، وهو من القُرَبِ العظيمة، ففيه نصرة المظلوم، وإقامة الحدود، وإعطاء كل مستحق حقه، والإصلاح بين الناس، وقطع المخاصمات والمنازعات؛ ليستتب الأمن، ويقل الفساد. لذا يجب على الإمام تعيين القضاة حسب ما تقتضيه الحاجة والمصلحة، لئلا تضيع الحقوق ويعم الظلم، وفيه فضيلة عظيمة وأجر كبير لمن دخل فيه، وقام بحقه، وهو من أهله، وفيه إثم عظيم لمن دخل فيه ولم يؤد حقه ولم يكن من أهله. ٣ - أدلة مشروعيته: الأصل فيه الكتاب، والسنة، والإجماع. فدليل مشروعيته من الكتاب قوله تعالى: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ) [ص: ٢٦].

стр. 431

ومن السنة قوله ﷺ : (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم واجتهد ثم أخطأ فله أجر) (١). وقد تولى النبي ﷺ منصب القضاء، ونَصَّب القضاة، وكذلك فِعْلُ أصحابه مِنْ بعده والسلف الصالح. أما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على مشروعية نصب القضاة والحكم بين، الناس. المسألة الثانية: شروط القاضي: يشترط فيمن يتولى القضاء الشروط الآتية: ١ - أن يكون مسلماً؛ لأن الإسلام شرط للعدالة، والكافر ليس بعدل، كما أن تولي الكافر القضاء رفعة له، والمطلوب إذلاله. ٢ - أن يكون مكلفاً -أي: بالغاً عاقلاً-؛ لأن الصبي والمجنون غير مكلفين، وتحت ولاية غيرهما. ٣ - الحرية؛ لأن الرقيق مشغول بحقوق سيده وليس له ولاية، فليس أهلاً للقضاء، كالمرأة. ٤ - الذكورة؛ فلا تتولى المرأة القضاء؛ لأنها ليست من أهل الولاية، قال النبي ﷺ : (لن يفلح قوم ولَّوْا أمرهم امرأة) (٢). ٥ - العدالة؛ فلا يولى الفاسق؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) [الحجرات: ٦]. فإذا كان لا يقبل خبره، فعدم قبول حكمه من باب أولى. ٦ - السلامة من العاهات المزمنة كالصمم والعمى والخرس، لأنه لا يتمكن مع هذه العاهات من الفصل بين الخصوم، وفي اشتراط البصر نظر.

стр. 432

٧ - أن يكون عالماً بالأحكام الشرعية التي ولي للقضاء بها ولو في مذهبه الذي يقلد فيه إماماً من الأئمة. المسألة الثالثة: آداب القاضي وأخلاقه، وما ينبغي له ومالا ينبغي: ١ - ينبغي أن يكون القاضي قوياً ذا هيبة من غير تكبر ولا عنف، ليناً من غير ضعف؛ لئلا يطمع القوي في باطله، ويَيْئَس الضعيف مِنْ عدله. ٢ - أن يكون حليما متأنياً؛ لئلا يغضب من كلام الخصم فيمنعه الحكم. ٣ - أن يكون ذا فطنة ويقظة، لا يؤتى من غفلة ولا يخدع لغرة. ٤ - ينبغي أن يكون القاضي عفيفاً ورعاً، نزيهاً عما حرم الله. ٥ - أن يكون قنوعاً صدوقاً، ذا رأي ومشورة. قال علي ﵁: (لا ينبغي أن يكون القاضي قاضياً حتى تكون فيه خمس خصال: عفيف، حليم، عالم بما كان قبله، يستشير ذوي الألباب، لا يخاف في الله لومة لائم) (١). ٦ - يحرم على القاضي أن يسارَّ أحد الخصمين، أو يحابي أحدهما، أو يلقنه حجته، أو يعلمه كيف يدّعي. ٧ - يحرم على القاضي أن يقضي وهو غضبان غضباً شديداً؛ لقوله ﷺ : (لا يقضي حاكم بين اثنين وهو غضبان) (٢). ويقاس على الغضب كل ما يشوش على الفكر من المشكلات والهموم، والجوع والعطش والتعب، والمرض وغيرها. ٨ - يحرم على القاضي قبول الرشوة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم) (٣)؛ فالرشوة تمنعه من الحكم بالحق لصاحبه، أو تجعله يحكم بالباطل للمبطل، وكلاهما شر عظيم.

стр. 433

٩ - يحرم على القاضي قبول الهدايا من الخصمين أو من أحدهما، ومن كانت له عادة بمهاداته قبل القضاء فلا بأس، بشرط ألا يكون لهذا المهدي خصومة يحكم له فيها. ولو تورع عن ذلك كله لكان أفضل له. فالقاضي ينبغي له أن ينزه نفسه عن جميع ما يؤثر في قضائه وسمعته، حتى البيع والشراء لا ينبغي له أن يبيع ويشتري بنفسه ممن يعرفه، خشية المحاباة؛ فإن المحاباة في البيع والشراء كالهدية. وإنما يتعاطى البيع والشراء بوكيل لا يعرف أنه له. ١٠ - لا يجوز للقاضي أن يقضي لنفسه ولا لقرابته، ممن لا تقبل شهادته له، ولا يحكم على عدوه، لقيام التهمة في هذه الأحوال. ١١ - لا يحكم القاضي بعلمه؛ لأن ذلك يفضي إلى تهمته. ١٢ - يستحب للقاضي أن يتخذ كاتباً يكتب له الوقائع، وغيره ممن يحتاجه لمساعدته، كالحاجب والمزكي والمترجم وغيرهم، لكثرة انشغاله بأمور الناس فيحتاج من يساعده. ١٣ - يتعين على القاضي أن يحكم بما في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فإن لم يجد قضى بالإجماع، فإن لم يجد وكان من أهل الاجتهاد اجتهد، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد فعليه أن يستفتي في ذلك فيأخذ بفتوى المفتي. ١٤ - يجب على القاضي العدل بين الخصمين في كل شيء، كتب عمر ﵁ إلى أبي موسى ﵁: (واس بين الناس في وجهك، ومجلسك، وعدلك؛ حتى لا ييئس الضعيف من عدلك، ولا يطمع الشريف في حيفك) (١). المسألة الرابعة: طريق الحكم وصفته: يتوصل القاضي إلى الحكم في قضية ما باتباع الخطوات التالية: - إذا حضر عنده الخصمان أجلسهما بين يديه، وسألهما: أيُّكما المدَّعِي؟ أو يسكت حتى يتكلم المدَّعِي فيستمع دعواه.

стр. 434

- فإن جاءت الدعوى على الوجه الصحيح، سأل القاضي المدَّعَى عليه عن موقفه حيالها، فإن أقرَّ بها قضى عليه، وإن أنكر طالب المدعِي بالبينة. - فإن كانت للمدعِي بينة طالبه بإحضارها، واستمع شهادتها، وحكم بها بشروطها، ولا يحكم بعلمه. - فإن لم يكن للمدَّعِي بينة أعلمه القاضي أن له اليمين على خصمه؛ لقوله ﷺ للحضرمي الذي ادَّعى أرضاً غلبه عليها الكندي: (ألك بينة؟) قال: لا. قال: (فلك يمينه) (١)، ولقوله ﷺ : (البينة على المدَّعي، واليمين على المدَّعى عليه) (٢). - فإن قبل المُدَّعي يمين المدعى عليه، حلفه القاضي وخلَّى سبيله؛ لأن الأصل براءة الذمة. - فإن نكل المدَّعى عليه عن اليمين وأبى أن يحلف، قضى عليه الحاكم بالنكول، فالنكول -يعني: الامتناع- قرينة ظاهرة دالة على صدق المدَّعي، وقد حكم بالنكول عثمان ﷺ وجماعة من أهل العلم. وذهب جماعة آخرون إلى أن اليمين ترد على المدعِي إذا نكل المدعَى عليه، فيحلف، ويستحق، ولا سيما إذا قوي جانبه. - فإذا حلف المدعى عليه وخلَّى الحاكم سبيله، فأحضر المدَّعي بَينة بعد ذلك حكم له بها؛ لأن يمين المنكر لا تزيل الحق، وإنما هي مزيلة للخصومة.

стр. 435

الباب الثاني: في الشهادات، وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تعريفها، وحكمها، وأدلتها: ١ - تعريفها: الشهادة في اللغة: هي الخبر القاطع، مشتقة من المشاهدة؛ لأن الشاهد يخبر عما شاهده وعاينه. والمراد بها عند الفقهاء: الإخبار بحق للغير على الغير في مجلس القضاء. أو: هي الإخبار بما علمه الشاهد بلفظ خاص، وهو: أشهد أو شهدت، أو ما يقوم مقامهما. ٢ - حكمها: تَحَمُّل الشهادة في غير حق الله تعالى -يعني في حق الآدميين- فرض على الكفاية، إذا وجد من يقوم بذلك كفى عن الآخرين لحصول الغرض، وإن لم يوجد إلا من يكفي تعيَّن عليه؛ لقوله تعالى: (وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) [البقرة: ٢٨٢]. وأما أداؤها وإثباتها عند الحاكم: ففرض عين على من تحملها متى دُعي إلى أدائها؛ لقوله تعالى: (وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ) [البقرة: ٢٨٣]، وهذا وعيد شديد لمن كتمها، فدل على فرضية أدائها على من تحملها، متى دعي إلى ذلك. ويشترط لوجوب تحملها وأدائها: انتفاء الضرر عن الشاهد، فإن كان يلحقه من ذلك ضرر في عرضه أو ماله أو نفسه أو أهله، فلا يجب عليه؛ لقوله ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار) (١). ٣ - أدلة مشروعيتها: دلَّ على مشروعية الشهادة الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: (وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) [البقرة: ٢٨٢]، وقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ) [الطلاق: ٢]. وقوله

стр. 436

تعالى:: (وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ) [البقرة: ٢٨٣]. وقوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) [الطلاق: ٢]. وقوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) [البقرة: ٢٨٢]. ومن السنة: حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (شاهداك أو يمينه) (١)، وحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (البينة على المدَّعي، واليمين على من أنكر) (٢). وقد أجمع العلماء على مشروعيتها؛ لإثبات الحقوق، ولأن الحاجة داعية إليها. المسألة الثانية: شروط الشاهد الذي تقبل شهادته: يشترط فيمن تقبل شهادته الشروط التالية: ١ - الإسلام: فلا تقبل شهادة الكافر؛ لقوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) [الطلاق: ٢]. وقوله : (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) [البقرة: ٢٨٢] والكافر ليس بعدل ولا مرضي، وتقبل شهادة الكفار من أهل الكتاب في حال الوصية في السفر لأجل الضرورة، وذلك إذا لم يوجد غيرهم؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ) [المائدة: ١٠٦]. قال ابن عباس وجماعة كثيرون في قوله: (أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ): من غير المسلمين، يعني أهل الكتاب (٣). ٢ - البلوغ والعقل: فلا شهادة لصغير وإن اتصف بالعدالة، لأنه غير كامل العقل، فهو ناقص الأهلية. لكن تقبل شهادة الصبيان بعضهم على

стр. 437

بعض في الجروح خاصة، وبخاصة قبل تفرقهم إذا اتفقت كلمتهم. وكذا لا تقبل شهادة المجنون والمعتوه والسكران؛ لأن شهادتهم لا تفيد اليقين الذي يحكم بمقتضاه. ٣ - الكلام: فلا تقبل شهادة الأخرس، ولو فهمت إشارته؛ وإنما قبلت إشارته في الأحكام الخاصة به للضرورة. لكن لو أدى الشهادة بخطه كتابة قُبلت؛ لدلالة الخط على الألفاظ. ٤ - الحفظ والضبط واليقظة: فلا تقبل شهادة المغفل والمعروف بكثرة الخطأ والسهو؛ لعدم حصول الثقة بقوله؛ لاحتمال أن يكون ذلك من غلطه، لكن تقبل ممن يقلُّ منه ذلك؛ لأنه لا يسلم منه أحد. ٥ - العدالة: فلا تقبل شهادة الفاسق؛ لقوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) [الطلاق: ٢]، والعدل: هو المستقيم في دينه، الذي لم تظهر منه ريبة، ذو المروءة، المؤدي للواجبات والمستحبات، المجتنب للمحرمات والمكروهات. المسألة الثالثة: الأحكام المتعلقة بالشهادة: ١ - يجب على الشاهد أن يكون على علم بما يشهد به، فلا يجوز له أن يشهد بما لا يعلم، قال الله : (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) [الإسراء: ٣٦]. وقال تعالى: (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [الزخرف: ٨٦] أي: على بصيرة وعلم. والعلم يحصل بالسماع أو بالرؤية أو بالشهرة والاستفاضة فيما لا يحصل إلا بها غالباً كالنسب والموت. ٢ - لا تقبل شهادة الأب لابنه ولا العكس؛ لحصول التهمة، وكذلك أحد الزوجين لصاحبه. وتقبل الشهادة عليهم، فلو شهد على أبيه أو ابنه أو زوجته أو شهدت عليه قبلت؛ لعدم التهمة في ذلك، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) [النساء: ١٣٥].

стр. 438

٣ - لا تقبل شهادة العدو على عدوه، ولا من يجر إلى نفسه نفعاً بها، أو يدفع بها ضرراً عن نفسه، أما العداوة في الدين فلا تمنع قبول الشهادة، فتقبل شهادة المسلم على الكافر، والسنيّ على المبتدع. ٤ - يجب على الشاهد أن يشهد بالحق ولو على أقرب الناس إليه ولا تجوز المحاباة، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) [النساء: ١٣٥] أي: وإن كانت الشهادة على والديك وقرابتك، فلا تراعهم فيها، بل اشهد بالحق وإن عاد ضررها عليهم. ٥ - تقبل الشهادة على الشهادة؛ لأن الحاجة تدعو إلى ذلك، ولكن بشرط تعذُّر شهود الأصل لمرض أو موت أو غيرهما، مع ثبوت عدالة شاهد الأصل والفرع معاً. ٦ - لا تقبل شهادة الزور، وهو الكذب، وهي من الكبائر لقوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) [الحج: ٣٠]. وقوله ﷺ : (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وجلس وكان متكئاً فقال: ألا وقول الزور. قال: فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت) (١)، ولأن فيها رفعاً للعدل وتحقيقاً للجور والظلم. ٧ - لا يجوز للشاهد أخذ الأجرة على أداء الشهادة، لكن لو عجز عن المشي إلى محل أداء الشهادة فله أخذ أجرة الركوب. ٨ - عدد الشهود يختلف باختلاف المشهود به: فالزنى واللواط لا يقبل فيهما أقل من أربعة شهود من الرجال؛ لقوله تعالى: (لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) [النور: ١٣]. أما بقية الحدود كالسرقة والقذف، وكذلك ما ليس بمال ولا يقصد به المال، وكان مما يطلع عليه الرجال في الغالب، كالنكاح والطلاق والرجعة والظهار والنسب والوكالة والوصية ونحو ذلك، فيقبل فيها شاهدان

стр. 439

من الرجال. ولا تقبل فيه شهادة النساء، لقوله تعالى في الرجعة: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) [الطلاق: ٢]، فيقاس عليه سائر ما ذكر، فإنه ليس بمال ولا يقصد به المال، فأشبه العقوبات. أما المال وما يقصد به المال، كالبيع والإجارة والأجل والقرض والرهن والوديعة ونحو ذلك من العقود المالية، فيقبل فيه شهادة الرجلين أو الرجل والمرأتين؛ لقوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) [البقرة: ٢٨٢]. ويقبل أيضاً في المال وما يقصد به المال شهادة رجل واحد ويمين المدعي لقضاء النبي بها. أما ما لا يطلع عليه الرجال في الغالب كعيوب النساء المستورة والثيوبة والبكارة والولادة والرضاع واستهلال المولود ونحو ذلك فتقبل فيه شهادة النساء منفردات، وتكفي امرأة واحدة عدلة. ومن ادعى الفقر بعد أن كان غنياً، فيشترط لإثبات ذلك شهادة ثلاثة رجال؛ لقوله ﷺ في حديث قبيصة بن الخارق فيمن تحل له المسألة: (ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحِجا من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة) (١). ٩ - لا يشترط في أداء لفظ الشهادة أن يقول: (أشهد) أو (شهدت)، بل يكفي في ذلك قوله: رأيت كذا وكذا، أو سمعت، أو نحو ذلك؛ لعدم ورود ما يدل على اشتراط ذلك. وبعد، فهذا ما يَسَّر الله -سبحانه- جمعه في هذا المختصر، نسأل الله أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به عباده المؤمنين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله وسلم وبارك على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.