← Тафсир

Тафсир · id 22769

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

نووي الجاوي

Полный текст (1 343 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

[الجزء الاول] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمد لله رب العالمين، الذي أنزل كتابه المبين على رسوله محمد الأمين ﷺ ، فشرح به الصدور وأمّن به القلوب من الخوف إلا من غضبه ، ونوّر به بصائر الصالحين والعارفين وجعله هداية للعالمين. أما بعد، فالعلم نور والجهل ضلالة، وخير العلوم علم الدين والتفسير، فهو يبيّن ما اشتملت عليه الأحكام الإلهية من الأسرار والبدائع، لذا علينا إخواني أن نأتمر بما أمرنا الله به من تعلّم قراءة وتفسير وفهم كتاب الله المنزّل إلينا وتعليمه وتفهيمه، وهو القائل : أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧) [الحديد: ١٦، ١٧] ، ففي هذه الآيات الكريمة تنبيه من الله على أنه كما يحيي الأرض بعد موتها كذلك يليّن القلوب ويذهب قسوتها ويبعدها عن المعاصي والذنوب بالإيمان الحقّ، والله خير المرتجى أن يفعل بنا ما يريد إنه عزيز كريم. فقد عملت على ضبط نص هذا الكتاب «مراح لبيد» ، المؤلّف من جزءين، الذي أتمنّى أن أكون بعملي هذا قد وفّقت إلى ما أصبو إليه من إيضاح وضبط وتعميم للفائدة المرتجاة. راجيا من المولى العفو والمغفرة عمّا به قد أكون قصّرت، ومنك عزيزي القارئ التّفهّم الكامل وجبر العثرات، إذ إن الكمال لله وحده، والعصمة للأنبياء. محمد أمين الضنّاوي

стр. 2

ترجمة المؤلّف «١» هو محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا، مفسّر، متصوّف، من فقهاء الشافعية. هاجر إلى مكّة المكرّمة وتوفي بها سنة ١٣١٦ هـ، عرّفه «تيمور» ب «عالم الحجاز» ، له مصنّفات كثيرة منها: - «مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد» مجلدان، وهو تفسيره. - «مراقي العبودية» ، شرح لبداية الهداية للغزالي، فرغ من تأليفه سنة ١٢٨٩ هـ. - «وقائع الطغيان على منظومة شعب الإيمان» . - «قطر الغيث في شرح مسائل أبي الليث» . - «عقود اللّجين في بيان حقوق الزوجين» . - «نهاية الزين بشرح قرّة العين» ، فقه. - «شرح فتح الرحمن» ، تجويد. - «نور الظلام» في شرح قصيدة «عقيدة العوام» لأحمد المرزوقي. - «مرقاة صعود التصديق» ، تصوّف، في شرح «سلّم التوفيق» لابن طاهر المتوفى سنة ١٢٧٢ هـ. - «كاشفة السجا، في شرح سفينة النجا» ، في أصول الدين والفقه.

стр. 3

خطبة المؤلف بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي تواضع كل شيء لعظمته، وذلّ كل شيء لعزّته، واستسلم كل شيء لقدرته، وخضع كل شيء لملكه، فسبحان الله شارع الأحكام، المميز بين الحلال والحرام، أحمده على ما فتح من غوامض العلوم بإخراج الأفهام، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أزال بيانه كل إبهام، وعلى آله وأصحابه أولي المناقب والأحلام صلاة وسلاما دائمين ما دامت الأيام. أما بعد، فيقول أحقر الورى محمد نووي: قد أمرني بعض الأعزة عندي أن أكتب تفسيرا للقرآن المجيد فترددت في ذلك زمانا طويلا خوفا من الدخول في قوله ﷺ : «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» . «١» وفي قوله ﷺ : «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» «٢» . فأجبتهم إلى ذلك للاقتداء بالسلف في تدوين العلم إبقاء على الخلق وليس على فعلي مزيد ولكن لكل زمان تجديد، وليكون ذلك عونا لي وللقاصرين مثلي وأخذته من الفتوحات الإلهية ومن مفاتيح الغيب ومن السراج المنير، ومن تنوير المقباس، ومن تفسير أبي السعود. وسميته مع الموافقة لتاريخه «مراح لبيد لكشف معنى قرآن مجيد» ، وعلى الكريم الفتّاح اعتمادي، وإليه تفويضي واستنادي. والآن أشرع بحسن توفيقه وهو المعين لكل من لجأ به.

стр. 4

سورة الفاتحة مكية، سبع آيات، تسع وعشرون كلمة، مائة وثلاثة وأربعون حرفا بسم الله الرحمن الرحيم والسابعة: صِراطَ الَّذِينَ إلى آخرها إن كانت البسملة منها وإن لم تكن منها فالسابعة: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ إلى آخرها، وهي مشتملة على أربعة أنواع من العلوم: أحدها: علم الأصول وقد جمعت الإلهيات في: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ والنبوات في: الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ والدار الآخرة في مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ وثانيها: علم الفروع وأعظمه العبادات، وهي مالية وبدنية وهما مفتقرتان إلى أمور المعاش من المعاملات والمناكحات، ولا بدّ لها من الأحكام التي تقتضيها الأوامر والنواهي. وثالثها: علم تحصيل الكمالات وهو علم الأخلاق ومنه الاستقامة في الطريقة، وإلى ذلك الإشارة بقوله: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. وقد جمعت الشريعة كلها في الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ. ورابعها: علم القصص والأخبار عن الأمم الخالية وقد جمعت السعداء من الأنبياء وغيرهم في: الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ والأشقياء من الكفار في: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) الباء: بهاء الله والسين سناؤه فلا شيء أعلى منه، والميم: ملكه وهو على كل شيء قدير. والباء: ابتداء اسمه بارئ بصير. والسين: ابتداء اسمه سميع. والميم: ابتداء اسمه مجيد مليك. والألف: ابتداء اسمه الله. واللام: ابتداء اسمه لطيف. والهاء: ابتداء اسمه هادي. والراء: ابتداء اسمه رزاق. والحاء: ابتداء اسمه حليم. والنون: ابتداء اسمه نافع ونور. الْحَمْدُ لِلَّهِ والشكر لله بنعمه السوابغ على عباده الذين هداهم للإيمان. رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) أي خالق الخلق ورازقهم ومحوّلهم من حال إلى حال. الرَّحْمنِ أي العاطف على البار والفاجر بالرزق ودفع الآفات عنهم. الرَّحِيمِ (٣) أي الذي يستر عليهم الذنوب في الدنيا ويرحمهم في الآخرة فيدخلهم الجنة. مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) بإثبات الألف عند عاصم والكسائي ويعقوب أي متصرف في الأمر كله يوم القيامة

стр. 5

كما قال تعالى: يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار: ١٩] وعند الباقين بحذف الألف والمعنى أي المتصرف في أمر القيامة بالأمر والنهي. إِيَّاكَ نَعْبُدُ أي لا نعبد أحدا سواك. وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) أي بك نستعين على عبادتك فلا حول عن المعصية إلا بعصمتك ولا قوة على الطاعة إلا بتوفيقك. اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) أي زدنا هداية إلى دين الإسلام، أو المعنى أدمنا مهديين إليه. صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ أي دين الذين مننت عليهم بالدين من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين. غَيْرِ الْمَغْضُوبِ أي غير دين اليهود الذي غضبت عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) أي غير دين النصارى الذين ضلوا عن الإسلام ويقال: المغضوب عليهم هم الكفار، والضالون هم المنافقون لأن الله تعالى ذكر المؤمنين في أول البقرة في أربع آيات ثم ثنّى بذكر الكفار في آيتين، ثم ثلّث بذكر المنافقين في ثلاث عشرة آية. ويسنّ للقارئ بعد فراغه من الفاتحة أن يقول: آمين وهو اسم بمعنى فعل أمر، وهو استجب.

стр. 6

سورة البقرة مدنية، مائتان وست وثمانون آية، ستة آلاف ومائة وأربع وأربعون كلمة، ستة وعشرون ألفا ومائتان وواحد وخمسون حرفا الم (١) قال الشعبي وجماعة: الم وسائر حروف الهجاء في أوائل السور من المتشابه الذي انفرد الله بعلمه، وهي سر القرآن فنحن نؤمن بظاهرها ونفوّض العلم فيها إلى الله تعالى، وفائدة ذكرها طلب الإيمان بها، والله تعالى اختص بعلم لا تقدر عليه عقول الأنبياء، والأنبياء اختصوا بعلم لا تقدر عليه عقول العلماء، والعلماء اختصوا بعلم لا تقدر عليه عقول العامة. وقال أبو بكر ﵁: في كل كتاب سر، وسر الله في القرآن أوائل السور. ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ أي هذا الكتاب الذي يقرؤه عليكم رسولي محمد لا شك في أنه من عندي، فإن آمنتم به هديتكم، وإن لم تؤمنوا به عذبتكم. هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) أي رحمة لأمة محمد ﷺ . الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ أي يصدقون بما غاب عنهم من الجنة والنار، والصراط والميزان، والبعث والحساب وغير ذلك. وقيل: المراد بالغيب القلب. والمعنى يؤمنون بقلوبهم لا كالذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ أي يتمون الصلوات الخمس بالشروط والأركان والهيئات. وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أي مما أعطيناهم من الأموال يتصدقون لطاعة الله تعالى وهو أبو بكر الصديق وأصحابه. وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ من القرآن وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ على سائر الأنبياء من التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من سائر الكتب السابقة على القرآن وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أي وهم يصدقون بما في الآخرة من البعث بعد الموت والحساب ونعيم الجنة وهو عبد الله بن سلام وأصحابه. أُولئِكَ أي أهل هذه الصفة عَلى هُدىً أي كرامة نزل مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) أي الناجون من السخط والعذاب وهم أصحاب محمد ﷺ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦) أي الذين كفروا في علم الله متساو لديهم إنذارك إياهم بالقرآن وعدمه وهم لا يريدون أن يؤمنوا بما جئت به فلا تطمع يا أشرف الخلق في إيمانهم، ثم ذكر الله سبب تركهم الإيمان بقوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ أي طبع الله على قلوبهم فلا يدخلها إيمان وعلى سمعهم فلا ينتفعون بما يسمعونه

стр. 7

من الحق ووحّد السمع لوحدة المسموع وهو الصوت. وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ مبتدأ وخبر أي على أعينهم غطاء من عند الله تعالى فلا ينصرون الحق. وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٧) أي شديد في الآخرة وهم رؤساء اليهود الذين وصفهم الله بأنهم يكتمون الحق وهم يعلمون، وهم كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وجدي بن أخطب، ويقال: هم مشركو أهل مكة عتبة وشيبة والوليد بن المغيرة وأبو جهل. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا في السر بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ أي بالبعث بعد الموت الذي فيه جزاء الأعمال. وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) في السر يُخادِعُونَ اللَّهَ أي يكذبونه في السر وَالَّذِينَ آمَنُوا أبا بكر وسائر أصحاب محمد ﷺ . وَما يَخْدَعُونَ أي يكذبون إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وهذه الجملة حال من ضمير يخادعون أي يفعلون ذلك، والحال أنهم ما يضرون بذلك إلا أنفسهم فإن دائرة فعلهم مقصورة عليهم. وقرأ عاصم وابن عامر، وحمزة والكسائي «وما يخدعون» بفتح الياء وسكون الخاء وفتح الدال، وقرأ الباقون بضم الياء وفتح الخاء مع المد وكسر الدال، ولا خلاف في قوله: «يخادعون الله» فالجميع قرءوا بضم الياء وفتح الخاء وبالألف بعدها وكسر الدال، وأما الرسم فبغير ألف في الموضعين وَما يَشْعُرُونَ (٩) أن الله يطلع نبيه على كذبهم. فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي شك وظلمة فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً مرضا أي شكا وظلمة بما أنزله من القرآن لأنه كلما أنزل آية كفروا بها فازدادوا شكا وخلافا. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي وجيع في الآخرة يخلص وجعه إلى قلوبهم بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) . قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بالتشديد، أي بتكذيبهم النبي ﷺ ، وقرأ الباقون بتخفيف الذال أي بكذبهم في قولهم: آمنا في السر وهم المنافقون عبد الله بن أبي وجد بن قيس ومعتب ابن قشير. وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أي لهؤلاء المنافقين: لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بتعويق الناس عن دين محمد ﷺ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) وإنما قالوا ذلك لأنهم تصوّروا الفساد بصورة الصلاح لما في قلوبهم من المرض قال الله تعالى ردا عليهم أبلغ رد أَلا أي بلى إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ لها بالتعويق وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١٢) أن الله تعالى يطلع نبيه على فسادهم. وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بمحمد ﷺ والقرآن أي إن المؤمنين نصحوا المنافقون من وجهين: أحدهما: النهي عن الإفساد وهو التخلي عن الرذائل. وثانيهما: الأمر بالإيمان وهو التحلي بالفضائل كَما آمَنَ النَّاسُ أي الكاملون في الإنسانية، العاملون بقضية العقل كأصحاب النبي أو كعبد الله بن سلام وغيره من مؤمني أهل الكتاب. والمعنى آمنوا إيمانا مقرونا بالإخلاص متمحضا عن شوائب النفاق مماثلا لإيمانهم قالُوا فيما بينهم لا بحضرة المسلمين أَنُؤْمِنُ بمحمد ﷺ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أي الجهال

стр. 8

وإنما سفّهوا المؤمنين لتحقير شأنهم، لأن أكثرهم فقراء وبعضهم موال كصهيب وبلال أو لعدم المبالاة بمن آمن منهم إن فسر الناس بعبد الله بن سلام وأصحابه قال الله تعالى ردا عليهم أبلغ رد أَلا أي بلى إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ أي الجهال الخرقى وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) أنهم سفهاء وَإِذا لَقُوا أي المنافقون الَّذِينَ آمَنُوا أبا بكر وأصحابه قالُوا آمَنَّا في السر كإيمانكم وَإِذا خَلَوْا أي عادوا إِلى شَياطِينِهِمْ أي أكابرهم الذين يقدرون على الإفساد في الأرض وهم خمسة نفر: كعب بن الأشرف من اليهود بالمدينة، وأبو بردة في بني أسلم، وعبد الدار في جهينة، وعوف بن عامر في بني أسد، وعبد الله بن الأسود بالشام. قالُوا لهم لئلا يتوهموا فيهم المباينة إِنَّا مَعَكُمْ أي على دينكم في السر إِنَّما نَحْنُ في إظهار الإيمان عند المؤمنين مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) بهم من غير أن يخطر ببالنا الإيمان حقيقة اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ أي الله يعاملهم معاملة المستهزئ في الدنيا وفي الآخرة، أما في الدنيا فلأنه تعالى أطلع الرسول على أسرارهم مع أنهم كانوا يبالغون في إخفائها عنه، وأما في الآخرة فقال ابن عباس: إذا دخل المؤمنون الجنة والكافرون النار فتح الله من الجنة بابا على الجحيم في الموضع الذي هو مسكن المنافقين، فإذا رأى المنافقون الباب مفتوحا خرجوا من الجحيم ويتوجهون إلى الجنة، وأهل الجنة ينظرون إليهم فإذا وصلوا إلى باب الجنة سدّ عليهم الباب، وذلك قوله تعالى: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [المطففين: ٢٩] وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ أي يزيدهم في ضلالتهم يَعْمَهُونَ (١٥) أي يترددون في الكفر وتركه متحيّرين أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى أي أولئك الموصوفون بالصفات السابقة من قوله: ومن النّاس اختاروا الكفر على الإيمان فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ أي فلم يربحوا في تجارتهم بل خسروا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) إلى طرق التجارة، فإن المقصود منها سلامة رأس المال والربح، وهؤلاء قد أضاعوهما. فرأس مالهم العقل الصرف، وربحه الهدى مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً أي صفة المنافقين في حال نفاقهم كصفة الذي أوقد نارا في ظلمة لكي يأمن بها على نفسه وأهله وماله، فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ أي فلما أضاءت النار المكان الذي حول المستوقد فأبصر وأمن مما يخافه ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ أي أطفأ الله النور المقصود بالإيقاد فبقي المستوقدون في ظلمة وخوف، وَتَرَكَهُمْ أي المستوقدين فِي ظُلُماتٍ ظلمة الليل، وظلمة تراكم الغمام فيه، وظلمة انطفاء النار لا يُبْصِرُونَ (١٧) ما حولهم، فكذلك هؤلاء المنافقون أمنوا على أنفسهم وأولادهم وأموالهم بسبب إظهار كلمة الإيمان، فإذا ماتوا جاءهم الخوف والعذاب وهم في القبر وما بعده صُمٌّ عن الحق فلا يسمعونه سماع قبول بُكْمٌ عن الخير فلا يقولونه قولا مطابقا للواقع لما سبق أنهم مؤمنون ظاهرا عُمْيٌ عن طريق الهدى فلا يرونه رؤية نافعة فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (١٨) عن كفرهم وضلالتهم أَوْ كَصَيِّبٍ أو صفة المنافقين كصفة أصحاب مطر نازل مِنَ السَّماءِ أي السحاب ليلا وهم

стр. 9

في مفازة فِيهِ أي الصيب ظُلُماتٌ ظلمة تكاثفه بتتابع القطر، وظلمة إظلال الغمامة مع ظلمة الليل. وَرَعْدٌ وهو صوت يسمع من السحاب كأن أجرام السحاب تضطرب إذا أخذتها الريح فتصوت عند ذلك من الارتعاد وَبَرْقٌ وهو ما يلمع من السحاب. يَجْعَلُونَ أي أصحاب الصيب أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ أي من أجل الصيحة الشديدة من صوت الرعد يكون معها قطعة نار حَذَرَ الْمَوْتِ من سماعها فكذلك هؤلاء المنافقون إذا نزل القرآن المشبّه بالمطر في أن كلا سبب الحياة، وفيه ذكر الكفر المشبّه بالظلمات وعدم الاهتداء، وذكر الوعيد على الكفر المشبه بالرعد في إزعاجه وإرهابه، وذكر الحجج البيّنة المشبّهة بالبرق في ظهوره. يسدون آذانهم من سماع القرآن حذر الميل إلى الإيمان الذي هو بمنزلة الموت عندهم، فإن ترك الدين موت وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (١٩) علما وقدرة فلا يفوتونه تعالى لأن المحاط لا يفوت المحيط يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ أي البرق لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ أي في ضوء البرق وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا أي بقوا في الظلمة، وهذا تمثيل لإزعاج ما في القرآن قلوبهم باختطاف البرق بأبصارهم ولتصديقهم لما يحبونه من تحصيل الغنيمة وعصمة الدماء والأموال بمشيهم في البرق، ولوقوفهم لما يكرهون من التكاليف الشاقة عليهم كالصلاة والصوم بوقوفهم في الظلمة. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ بقصيف الرعد وَأَبْصارِهِمْ بوميض البرق، كذلك لو شاء الله لذهب بسمع المنافقين بزجر ما في القرآن ووعيد ما فيه وأبصارهم بالبيان إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ أي ممكن من ذهاب السمع والبصر قَدِيرٌ (٢٠) . قال الفخر الرازي: وأضاء إما متعد بمعنى كلما نور لهم مسلكا أخذوه، وإما غير متعد بمعنى كلما لمع لهم مشوا فيه بطرح نوره ويقويه قراءة ابن أبي عبلة كلما ضاء. يا أَيُّهَا النَّاسُ أي يا أهل مكة أو يا أيها اليهود اعْبُدُوا رَبَّكُمُ أي وحّدوه بالعبادة. الَّذِي خَلَقَكُمْ نسما من النطفة وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أي أنشأهم ولم يكونوا شيئا لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) أي لكي تتقوا السخط والعذاب بعبادته، ولعل للأطماع، لكن الكريم الرحيم إذا أطمع أجرى أطماعه مجرى وعده المحتوم، فلهذا السبب قيل: لعل في كلام الله تعالى بمعنى كي الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً أي بساطا وَالسَّماءَ بِناءً أي سقفا مرفوعا وعبّر عنه بالبناء لأحكامه وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً وعن خالد بن معدان قال: المطر ماء يخرج من تحت العرش، فينزل من سماء إلى سماء حتى يجتمع في سماء الدنيا، فيجتمع في موضع، فتجيء السحاب السود فتدخله، فتشربه، فيسوقها الله حيث شاء. فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ أي أنبت الله بالمطر من ألوان الثمرات طعاما لكم ولسائر الخلق فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً أي شركاء في العبادة وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) أن الأنداد لا تماثله ولا تقدر على مثل ما يفعله أو يقال: وأنتم تعلمون أنه ليس في التوراة والإنجيل جواز اتخاذ الأنداد وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا محمد من القرآن في أنه من

стр. 10

عند نفسه فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ أي مما هو على صفة ما نزلنا في الفصاحة وحسن النظم والإخبار بالغيوب. وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي ادعوا أكابركم من غيره تعالى ممن يوافقكم في إنكار أمر محمد ليعينوكم على المعارضة وليحكموا لكم وعليكم فيما يمكن ويتعذر، وقد كان في العرب أكابر يشهدون على المتنازعين في الفصاحة بأن أحدهما أعلى درجة من الآخر إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣) في مقالتكم أن محمدا يقول من تلقاء نفسه فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا أي لم تأتوا بسورة من مثل المنزل وَلَنْ تَفْعَلُوا أي لن تقدروا أن تجيئوا بمثله فَاتَّقُوا النَّارَ والمعنى إذا ظهر عجزكم عن المعارضة صحّ عندكم صدق محمد ﵇، وإذا صح ذلك فاتركوا العناد، وإذا لزمتم العناد استوجبتم العقاب بالنار الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ أي حطبها الكفار وَالْحِجارَةُ المعبودة لهم. قال تعالى: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم. أُعِدَّتْ أي هيئت تلك النار لِلْكافِرِينَ (٢٤) بما نزّلناه وجعلت عدة لعذابهم وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي الطاعات أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ أي بساتين ذات شجر ومساكن والمأمور بالبشارة إما رسول الله ﷺ ، وإما كل أحد يقدر على البشارة، وهذا أحسن كما قال ﷺ : «بشّر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة» «١» ولم يأمر ﷺ بذلك واحدا بعينه. وقرأ زيد بن علي «وبشّر» بلفظ المبني للمفعول عطفا على «أعدت» . تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا أي من تحت شجرها ومساكنها الْأَنْهارُ أي أنهار الخمر واللبن والعسل والماء وعن مسروق أنهار الجنة تجري في غير أخدود كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً أي كل حين رزقوا مرزوقا من الجنات من نوع ثمرة قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ أي هذا مثل الذي أطعمنا في الجنة من قبل هذا الذي أحضر إلينا قال تعالى تصديقا في تلك الدعوى: وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً أي أتتهم الملائكة والولدان برزق الجنة متشابها بعضه بعضا في اللون مختلفا في الطعم وَلَهُمْ فِيها أي الجنات أَزْواجٌ من الحور والآدميات مُطَهَّرَةٌ من الحيض وجميع الأقذار، ومن دنس الطبع وسوء الخلق وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥) أي دائمون لا يموتون ولا يخرجون إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما أي إن الله لا يترك أن يبين للخلق مثلا أيّ مثل كان بَعُوضَةً فَما فَوْقَها في الذات كالذباب والعنكبوت أو في الغرض المقصود من التمثيل كجناح البعوضة، وكيف يستحي الله من ذكر شيء لو اجتمع الخلائق كلهم على تخليقه وما قدروا عليه. والمراد بالبعوضة هنا: «الناموس» وهو من عجيب خلق الله تعالى فإنه في غاية الصغر، وله ستة أرجل وأربعة أجنحة، وذنب وخرطوم مجوف، وهو مع صغره يغوص خرطومه في جلد الفيل والجاموس، والجمل فيبلغ منه الغاية، حتى إن الجمل يموت من قرصته. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ أي

стр. 11

ضرب المثل الْحَقُّ أي الثابت مِنْ رَبِّهِمْ فلا يسوغ إنكاره لأنه ليس عبثا بل هو مشتمل على الأسرار والفوائد وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا من اليهود فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا تمييز نسبة من اسم الإشارة. أي أيّ فائدة في هذا المثل قال الله تعالى في جوابهم: يُضِلُّ بِهِ أي بهذا المثل عن الدين كَثِيراً من اليهود وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً من المؤمنين وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ (٢٦) أي الخارجين عن حد الإيمان. الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ هو الحجة القائمة على عباده الدالة على وجوب وجوده ووحدانيته وعلى وجوب صدق رسله مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ أي توكيده وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ فالله أمرهم أن يصلوا حبلهم بحبل المؤمنين فهم انقطعوا عن المؤمنين واتصلوا بالكفار وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بتعويق الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ والقرآن. أُولئِكَ الموصوفون بنقض العهد وما بعده هُمُ الْخاسِرُونَ (٢٧) أي المغبونون بذهاب حسناتهم التي عملوها، وبذهاب نعيم الجنة الذي لو أطاعوا الله لوجوده. كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَالحال أنكم وَكُنْتُمْ أَمْواتاً أجساما لا حياة لها، نطفا وعلقا، ومضغا فَأَحْياكُمْ بنفخ الأرواح فيكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عند انقضاء آجالكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ بالنشور ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨) بعد الحشر فيجازيكم على أعمالكم إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. والمعنى ثم إليه تنشرون من قبوركم للحساب هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ أي لأجل انتفاعكم في الدين والدنيا بالاستدلال على موجدكم، وإصلاح الأبدان ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى أي قصد إِلَى خلق السَّماءِ أي تعلقت إرادته تعلقا حادثا بترجيح وجود السماء على عدمها، فتعلقت القدرة بإيجادها، فَسَوَّاهُنَّ أي فجعل السماء سَبْعَ سَماواتٍ والحاصل أن الله تعالى خلق الأرض من غير بسط في يومين، ثم خلق السموات السبع مبسوطة في يومين، ثم خلق ما في الأرض مما ينتفع به في يومين. وعن ابن مسعود قال: إن الله تعالى كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئا قبل الماء، فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء فسماه سماء، ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين في الأحد والإثنين، فجعل الأرض على حوت، والحوت في الماء على صفاة، والصفاة على ظهر ملك، والملك على الصخرة، والصخرة على الريح فتحرك الحوت، فتزلزلت الأرض، فأرسى عليها الجبال، فقرت. فالجبال تفتخر على الأرض. وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩) فلا يمكن أن يكون خالقا للأرض وما فيها، وللسموات وما فيها من العجائب والغرائب إلا إذا كان عالما بها محيطا بجزئياتها وكلياتها. وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ فإذا نصب بإضمار اذكر. وقيل: زائدة. وقيل: بمعنى قد. ويجوز أن ينتصب بقالوا: أتجعل أي قالوا ذلك القول وقت قول الله تعالى: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: ٣] . روى الضحاك عن ابن عباس: إنه تعالى إنما قال هذا القول للملائكة الذين كانوا في

стр. 12

الأرض محاربين مع إبليس، لأن الله تعالى لما أسكن الجن الأرض فأفسدوا فيها، وسفكوا الدماء وقتل بعضهم بعضا بعث الله إبليس في جند من الملائكة فقتلهم إبليس بعسكره حتى أخرجوهم من الأرض وألحقوهم بجزائر البحر. وهؤلاء خزّان الجنان أنزلهم الله من السماء إلى الأرض لطرد الجن إلى الجزائر والجبال وسكنوا الأرض فخفّف الله عنهم العبادة وكان إبليس يعبد الله تارة في الأرض وتارة في السماء، وتارة في الجنة فدخله العجب وقال في نفسه: ما أعطاني الله هذا الملك إلا لأني أكرم الملائكة عليه. فقال تعالى له ولجنده: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً أي بدلا منكم ورافعكم إليّ فكرهوا ذلك لأنهم كانوا أهون الملائكة عبادة. والمراد به آدم ﵇ قالُوا استكشافا عمّا خفي عليهم من الحكمة لا اعتراضا على الله تعالى ولا طعنا في بني آدم على طريق الغيبة: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها بالمعاصي بمقتضى القوة الشهوانية وَيَسْفِكُ الدِّماءَ بالظلم بمقتضى القوة الغضبية- فغفلوا عن مقتضى القوة العقلية التي بها يحصل الكمال والفضل- وَنَحْنُ نُسَبِّحُ أي ننزهك عن كل ما لا يليق بشأنك ملتبسين بِحَمْدِكَ على ما أنعمت به علينا من فنون النعم، التي من جملتها توفيقنا لهذه العبادة. فالتسبيح لإظهار صفات الجلال، والحمد لتذكير صفات الأنعام وَنُقَدِّسُ لَكَ أي نصفك بما يليق بك من العلو والعزّة، وننزهك عما لا يليق بك. وقيل: المعنى نطهّر نفوسنا عن الذنوب لأجلك، أي فنحن أحق بالاستخلاف قالَ تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٠) من مصلحة استخلاف آدم ﵇. وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها أي أسماء كل ما خلق الله من أجناس المحدثات من جميع اللغات المختلفة التي يتكلم بها ولد آدم اليوم ثُمَّ عَرَضَهُمْ أي ذوات الأشياء عَلَى الْمَلائِكَةِ بأن صور الله الأشياء في قلوبهم فصارت كأنهم شاهدوها، أو خلق الله تعالى معاني الأسماء التي علّمها آدم حتى شاهدتها الملائكة فَقالَ تعالى لهم توبيخا: أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ المسميات إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣١) في زعمكم أنكم حق بالخلافة ممن استخلفته. قالُوا إقرارا بالعجز: سُبْحانَكَ أي تبنا إليك من ذلك القول لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا أي وإنما قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها، لأن الله تعالى أعلمهم ذلك فكأنهم قالوا: إنك أعلمتنا أنهم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء. فقلنا لك: أتجعل فيها من يفسد فيها، وأما هذه الأسماء فإنك ما أعلمتنا كيفيتها فكيف نعلمها إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ أي الذي لا يخرج عن علمه شيء، الْحَكِيمُ (٣٢) أي المحكم لصنعته قالَ تعالى: يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ أي أخبر الملائكة بِأَسْمائِهِمْ أي المسميات فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ مفصلة وبيّن لهم أحوال كل من المسميات وخواصه وأحكامه المتعلقة بالمعاش والمعاد قالَ الله تعالى لهم موبخا: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي أعلم غيب ما يكون فيهما وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ أي تظهرون من قولكم: أتجعل فيها إلى آخره وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) أي من استبطانكم أنكم أحقاء بالخلافة.

стр. 13

وروى الشعبي عن ابن عباس وابن مسعود: أن المراد بقوله تعالى: ما تُبْدُونَ قولهم: «أتجعل فيها من يفسد فيها» وبقوله: وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ما أسرّ إبليس في نفسه من الكبر ومن أن لا يسجد. وقيل: لما خلق الله تعالى آدم رأت الملائكة خلقا عجيبا، فقالوا: ليكن ما شاء فلن يخلق ربنا خلقا إلا كنا أكرم عليه منه فهذا الذي كتموه. وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ سجود تعظيم لآدم من غير وضع الجهة على الأرض فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى عن أمر الله وَاسْتَكْبَرَ أي تعاظم عن السجود لآدم وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٣٤) أي صار من الكافرين بإبائه عن أمر الله. ويقال: إن إبليس حين اشتغاله بالعبادة كان منافقا كافرا، وهذا السجود كان قبل دخول آدم الجنة. وروي أن بني آدم عشر: الجن، والجن وبنو آدم عشر حيوانات البر، وهؤلاء كلهم عشر الطيور، وهؤلاء كلهم عشر حيوانات البحر، وهؤلاء كلهم عشر ملائكة الأرض الموكلين بها، وكل هؤلاء عشر ملائكة سماء الدنيا وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الثانية. وعلى هذا الترتيب إلى ملائكة السماء السابعة، ثم الكل في مقابلة ملائكة الكرسي نزر قليل، ثم كل هؤلاء عشر ملائكة السرادق الواحد من سرادقات العرش التي عددها ستمائة ألف طول كل سرادق وعرضه وسمكه إذا قوبلت به السموات والأرضون وما فيها وما بينها فإنها كلها تكون شيئا يسيرا وقدرا صغيرا، وما من مقدار موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع أو قائم لهم، زجل بالتسبيح والتقديس، ثم كل هؤلاء في مقابلة الملائكة الذين يحومون حول العرش كالقطرة في البحر ولا يعلم عددهم إلا الله، ثم مع هؤلاء ملائكة اللوح الذين هم أشياع إسرافيل ﵇ والملائكة الذي هم جنود جبريل ﵇ وكلهم مشتغلون بعبادته تعالى لا يحصي أجناسهم ولا مدة أعمارهم ولا كيفية عبادتهم إلا الله تعالى. وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ حواء الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها أكلا رَغَداً أي واسعا لذيذا حَيْثُ شِئْتُما أي في أيّ مكان أردتما منها، وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ. روي أن أبا بكر الصديق ﵁ سأل رسول الله ﷺ عن الشجرة فقال: «هي الشجرة المباركة السنبلة» . وعن مجاهد وقتادة: هي التين. وعن يزيد بن عبد الله: هي الأترج، وعن ابن عباس: هي شجرة العلم عليها من كل لون وفن. فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) أي فتصيرا من الضارين لأنفسكما. ويقال: من الذين وضعوا أمر الله تعالى في غير موضعه فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ أي أزلقهما إبليس عَنْها أي الجنة. وقرأ حمزة بألف بعد الزاي، والباقون بغير ألف وتشديد اللام فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ أي من الرغد. وَقُلْنَا لآدم وحواء وإبليس: اهْبِطُوا انزلوا إلى الأرض، فهبط آدم بسر نديب من أرض الهند على جبل يقال له: نود، وهبطت حواء بجدة، وإبليس بالأبلة من أعمال البصرة

стр. 14

بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ قال الله تعالى: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ [الأعراف: ٢٢] ، وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ أي منزل وَمَتاعٌ أي منفعة ومعاش إِلى حِينٍ (٣٦) أي إلى وقت الموت فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ أي حفظ آدم من ربه كلمات لكي تكون سببا له ولأولاده إلى التوبة. وقرأ ابن كثير بنصب «آدم» ، ورفع «كلمات» أي جاءته عن الله تعالى كلمات. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: «إنها لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، عملت سوءا، وظلمت نفسي، فاغفر لي إنك أنت خير الغافرين، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، عملت سوءا وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت خير الراحمين، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، عملت سوءا وظلمت نفسي فتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم» . وقال مجاهد وقتادة هي: «ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين» . فَتابَ عَلَيْهِ أي رجع عليه بالرحمة وقبول التوبة إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ أي الرجاع على عباده بالمغفرة. الرَّحِيمُ (٣٧) أي البالغ في الرحمة لمن مات على التوبة. قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها أي الجنة جَمِيعاً إما في زمان واحد أو في أزمنة متفرقة. وفائدة تكرير الأمر بالهبوط أن آدم وحواء لما آتيا بالزلة أمرا بالهبوط فتابا بعد الأمر به، ووقع في قلبهما أن الأمر به لما كان بسبب الزلة فبعد التوبة لا يبقى الأمر به، فأعاد الله الأمر به مرة ثانية ليعلما أن الأمر به باق بعد التوبة، لأن الأمر به كان تحقيقا للوعد المتقدم في قوله تعالى: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: ٣٠] وعلى هذا فالجمع لاثنين فقط آدم وحواء، ويحتمل كون الجمع لهما ولولديهما قابيل وإقليما بناء على القول بأنهما ولدا في الجنة، ولعل عدم ذكرهما كونهما تابعين لأبويهما. وكان قابيل قد غضبه أبواه لقتله هابيل فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ يا ذرية آدم مِنِّي هُدىً دلالة كدليل العقل والنقل، و «إن» للشرطية أدغمت في «ما» الزائدة للتأكيد فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ بأن تأمل الأدلة بحقها واستنتج المعارف منها فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فيما يستقبلهم من العذاب وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) على ما فاتهم من الدنيا. ويقال: فلا خوف عليهم إذا ذبح الموت ولا هم يحزنون إذا أطبقت النار، وزوال الخوف يتضمن السلامة من جميع الآفات، وزوال الحزن يقتضي الوصول إلى كل اللذات والمرادات، وهذا يدل على أن المكلف الذي أطاع الله تعالى لا يلحقه خوف في القبر وعند البعث وعند حضور الموقف، وعند تطاير الكتب، وعند نصب الميزان وعند الصراط وَالَّذِينَ كَفَرُوا برسلنا المرسلة إليهم وَكَذَّبُوا بِآياتِنا المنزّلة عليهم سواء كانوا من الإنس أو من الجن أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ أي أهل النار وملازموها بحيث لا يفارقونها. هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٩) أي دائمون لا يخرجون منها ولا يموتون فيها يا بَنِي إِسْرائِيلَ أي يا أولاد يعقوب، وهذا خطاب مع جماعة اليهود الذين كانوا بالمدينة من أولاد يعقوب ﵇ في أيام سيدنا محمد ﷺ . اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ أي على آبائكم من الإنجاء من فرعون وفلق البحر، وتظليل الغمام في التيه،

стр. 15

وإنزال المنّ والسلوى فيه، وإعطاء الحجر الذي كان كرأس الرجل يسقيهم ما شاؤوا من الماء متى أرادوا، وإعطاء عمود من النور ليضيء لهم بالليل وجعل رؤوسهم لا تتشعث، وثيابهم لا تبلى، وجعلهم أنبياء وملوكا بعد أن كانوا عبيدا للقبط، وإنزال الكتب العظيمة التي ما أنزلها الله على أمة سواهم أي أقيموا بشكر تلك النعمة. وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أي أوفوا بما أمرتكم به من الطاعات ونهيتكم عنه من المعاصي ومن الوفاء بالأمر الإيمان بمحمد ﷺ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ أي أرض عنكم وأدخلكم الجنة. وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) فيما تأتون وتتركون. واعلم أن كل من كان خوفه في الدنيا أشد كان أمنه يوم القيامة أكثر، وبالعكس. روي أنه ينادي مناد يوم القيامة: «وعزتي وجلالي أني لا أجمع على عبدي خوفين ولا أمنين من أمنني في الدنيا خوفته يوم القيامة ومن خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة» . وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ من القرآن مُصَدِّقاً أي موافقا بالتوحيد وصفة محمد ﷺ وبعض الشرائع لِما مَعَكُمْ من التوراة وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ أي بالقرآن من اليهود فإن النبي ﷺ قدم المدينة وفيها قريظة والنضير فكفروا به ﷺ ثم تتابعت سائر اليهود على ذلك الكفر. ويقال: ولا تكونوا أول من جحد مع المعرفة لأن كفر قريش كان من الجهل لا مع المعرفة. وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي أي بكتمان صفة محمد ثَمَناً قَلِيلًا أي عوضا يسيرا. وذلك لأن رؤساء اليهود مثل كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وأمثالهما كانوا يأخذون من سفلة اليهود الهدايا، وعلموا أنهم لو اتبعوا محمدا لانقطعت عنهم تلك الهدايا فأصروا على الكفر لئلا ينقطع عنهم ذلك القدر المحقّر، وذلك لأن الدنيا كلها بالنسبة إلى الدين قليلة جدا، ثم تلك الهدايا كانت في نهاية القلة بالنسبة إلى الدنيا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) أي فخافوني في شأن هذا النبي ﷺ . وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ والباء للاستعانة والمعنى ولا تخلطوا الحق بسبب الشبهات التي توردونها على السامعين، وذلك لأن النصوص الواردة في التوراة والإنجيل في أمر محمد كانت نصوصا خفية يحتاج في معرفتها إلى الاستدلال، ثم إنهم كانوا يجادلون فيها ويشوشون وجه الدلالة على المتأملين فيها بسبب إلقاء الشبهات وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) ما في إضلال الخلق من الضرر العظيم العائد عليكم يوم القيامة، وذلك لأن التلبيس صار صارفا للخلق عن قبول الحق إلى يوم القيامة، وداعيا لهم إلى الاستمرار على الباطل إلى يوم القيامة، ثم ذكر الله لزوم الشرائع عليهم بعد الإيمان. وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ أي أتموا الصلوات الخمس وَآتُوا الزَّكاةَ أي أعطوا زكاة أموالكم وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) أي صلوا الصلوات الخمس مع المصلين محمد وأصحابه في جماعتهم، وخصّ الله الركوع بالذكر تحريضا لليهود على الإتيان بصلاة المسلمين فإن اليهود لا ركوع في صلاتهم فكأنه تعالى قال: صلوا الصلاة ذات الركوع في جماعة أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ.

стр. 16

روي عن ابن عباس أنه قال: إن أحبار المدينة إذا جاءهم أحد في الخفية لاستعلام أمر محمد ﷺ قالوا: هو صادق فيما يقول وأمره حقّ فاتبعوه، وهم كانوا لا يتبعونه لطمعهم في الهدايا والصلات التي كانت تصل إليهم من أتباعهم. ويقال: إن جماعة من اليهود كانوا مبعث الرسول ﷺ يخبرون مشركي العرب أن رسولا سيظهر منكم ويدعو إلى الحق وكانوا يرغبونهم في اتباعه، فلما بعث الله محمدا ﷺ حسدوه وكفروا به فبكتهم الله تعالى بذلك فقال: وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أي التوراة الناطقة بنعوت محمد ﷺ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤) أي أتتلونه فلا تعقلون ما فيه وَاسْتَعِينُوا أيها اليهود على ترك ما تحبون من الدنيا وعلى الدخول فيما تستثقله طباعكم من قبول دين محمد ﷺ بِالصَّبْرِ أي بحبس النفس عن اللذات وَالصَّلاةِ فإنها جامعة لأنواع العبادات وَإِنَّها أي الصلاة لَكَبِيرَةٌ أي لشاقة إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ (٤٥) أي المائلين إلى الطاعة الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ بالموت في كل لحظة وذلك لأن كل من كان منتظرا للموت في كل لحظة، لا يفارق قلبه الخشوع، فهم يبادرون إلى التوبة لأن خوف الموت مما يقوي دواعي التوبة. وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (٤٦) في الآخرة فيجازيهم بأعمالهم يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (٤٧) أي واذكروا أني فضلت آباءكم على الموجودين في زمانهم لا على من مضى ولا على من يوجد بعدهم، وأيضا معنى تفضيلهم على جميع العوالم أن الله تعالى بعث منهم رسلا كثيرة لم يبعثهم من أمة غيرهم ففضلوا لهذا النوع من التفضيل على سائر الأمم وَاتَّقُوا أيها اليهود إن لم تؤمنوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ بالتأنيث على قراءة ابن كثير وأبي عمرو وبالتذكير على قراءة الباقين مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ أي فداء وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨) أي يمنعون من عذاب الله تعالى ومعنى الآية أن يوم القيامة لا تنوب نفس عن نفس شيئا ولا تحمل عنها شيئا مما أصابها بل يفر المرء فيه من أخيه وأمه وأبيه، ومعنى هذه النيابة أن طاعة المطيع لا تقضي عن العاصي ما كان واجبا عليه . وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ وقرئ «أنجيناكم» و «نجيتكم» ف «إذا» في موضع نصب عطفا على نعمتي عطف تفصيل على مجمل، وكذلك الظروف الآتية في الكلام المتعلق ببني إسرائيل وينقضي عند قوله تعالى: «سَيَقُولُ السُّفَهاءُ والخطاب للموجودين في زمن نبينا. تذكيرا لهم بما أنعم الله على آبائهم لأن إنجاء الآباء سبب في وجود الأبناء» . والمعنى ويا بني إسرائيل اذكروا إذ نجينا آباءكم مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ أي أتباعه وأهل دينه وعمر فرعون أكثر من أربعمائة سنة- وهو الوليد بن مصعب بن ريان- يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ أي يطلبون لكم أشد العذاب. ثم بيّن الله ذلك بقوله: يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ صغارا. وقرئ «يذبحون» بالتخفيف. وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ أي يتركونهن أحياء صغارا. ويقال: يستخدمونهن كبارا، وذلك أن فرعون رأى في منامه نارا أقبلت من بيت المقدس حتى أحاطت

стр. 17

ببيوت مصر وأحرقت كل قبطي، وتركت بني إسرائيل، فدعا فرعون الكهنة وسألهم عن ذلك. وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) والبلاء هاهنا هو المحنة إن أشير بلفظ ذلكم إلى صنع فرعون والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء وحمل البلاء على النعمة أحسن، لأنها هي التي صدرت من الله تعالى، ولأن موضع الحجة على اليهود إنعام الله تعالى على أسلافهم، ثم إن كون استبقاء نسائهم على الحياة محنة مع أنه ترك للعذاب لما أن ذلك كان للاستعمال في الأعمال الشاقة وكان سببا لانقطاع النسل ولفساد أمر معيشتهن. وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ أي واذكروا إذ فلقناه بسببكم أي لأجل أن يتيسر لكم سلوكه فَأَنْجَيْناكُمْ من الغرق بإخراجكم إلى الساحل وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) التطام أمواج البحر بفرعون وقومه وترون بعد ثلاثة أيام جثثهم التي قذفها البحر إلى الساحل وفرعون معهم طافين. روي أنه تعالى أمر موسى ﵇ أن يسري ببني إسرائيل، وكانوا اثني عشر سبطا، كل سبط خمسون ألفا فلما خرج موسى ببني إسرائيل بلغ ذلك فرعون. فقال: لا تتبعوهم حتى يصيح الديك، ثم اجتمع إلى فرعون ألف ألف ومائتا ألف، كل واحد منهم على فرس فتبعوا موسى وقومه نهارا، وصادفوهم على شاطئ البحر، فضرب موسى بعصاه البحر فانشق البحر اثني عشر جبلا في كل واحد منها طريق فكان فيه وحل، فهبت الصبا فجف البحر حتى صار طريقا يابسا، فأخذ كل سبط منهم طريقا ودخلوا فيه فقالوا لموسى: إنّ بعضنا لا يرى صاحبه فضرب موسى عصاه على البحر فصار بين الطرق منافذ، وكوى فرأى بعضهم بعضا فلما وصل فرعون شاطئ البحر رأى إبليس واقفا فنهاه عن الدخول، فجاء جبريل على حجرة، فتقدم فرعون وهو على فحل، فتبعها فرس فرعون فلما دخل فرعون البحر صاح ميكائيل بهم من خلفهم وهو على فرس فقال: ألحقوا آخركم بأولكم. فلما دخلوا البحر ولم يبق واحد منهم التطم البحر عليهم وأغرقهم أجمعين وكان بين طرفي البحر أربعة فراسخ، وهو بحر القلزم طرف من بحر فارس. وقيل: كان ذلك اليوم يوم عاشوراء فصام موسى ﵇ ذلك اليوم شكرا لله تعالى وَإِذْ واعَدْنا مُوسى. قرأ أبو عمرو ويعقوب بغير ألف في هذه السورة وفي الأعراف وطه. وقرأ الباقون بالألف في المواضع الثلاثة. أَرْبَعِينَ لَيْلَةً بإعطاء الكتاب ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ أي عبدتم العجل المسمى «بهموت» . مِنْ بَعْدِهِ أي بعد انطلاقه إلى الجبل وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٥١) أي ضارون لأنفسكم. قيل: وعد موسى ﵇ بني إسرائيل وهو بمصر أن أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب

стр. 18

من عند الله تعالى فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب، فأمره أن يجيء إلى الطور ويصوم فيه ذا القعدة وعشر ذي الحجة، فذهب إليه واستخلف هارون على بني إسرائيل ومكث في الطور أربعين ليلة، وأنزلت عليه التوراة في ألواح من زبرجد، فلما ذهب موسى إلى الطور وكان قد بقي مع بني إسرائيل الثياب والحلي الذي استعاروه من القبط لعمل عرس. قال لهم هارون: إن هذه الثياب والحلي لا تحل لكم فاحرقوها، فجمعوا نارا وأحرقوها، وكان موسى السامري في مسيره مع موسى ﵇ في البحر نظر إلى حافر دابة جبريل ﵇ حين تقدّم على فرعون في دخول البحر، فقبض قبضة من تراب حافر تلك الدابة، ثم إن السامري أخذ ما كان معه من الذهب والفضة وصوّر منه عجلا في ثلاثة أيام مرصعا بالجواهر كأحسن ما يكون وألقى فيه ذلك التراب فخرج منه صوت ومشى. فقال للقوم: هذا إلهكم وإله موسى فتركه هاهنا وخرج يطلبه، وكانت بنو إسرائيل قد أخلفوا الوعد، فعدوا اليوم مع الليلة يومين، فلما مضى عشرون يوما ولم يرجع موسى ﵇ وقعوا في الفتنة، فعبدوا كلهم العجل إلا هارون مع اثني عشر ألف رجل وكان موسى السامري رجلا صائغا من جماعة يقال لها: سامرة، وكان منافقا يظهر الإسلام، وكان من بني إسرائيل من قوم يعبدون البقر. ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ أي محونا ذنوبكم حين تبتم مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي من بعد عبادتكم العجل لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) أي لكي تشكروا نعمة عفوي وتستمروا بعد ذلك على طاعتي. وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ أي واذكروا إذ أعطينا موسى التوراة وبيّنا فيها الحلال والحرام. والأمر والنهي وغير ذلك. لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) لكي تهتدوا بتدبر الكتاب من الضلال وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ الذين عبدوا العجل يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ أي إنكم نقصتم أنفسكم الثواب الواجب بالإقامة على عهد موسى ﵇ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ أي بعبادتكم العجل. فقالوا لموسى: فماذا تأمرنا؟ فقال لهم: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ أي إلى خالقكم ولو أظهرتم التوبة بالبدن دون القلب فأنتم ما تبتم إلى الله وإنما تبتم إلى الناس. قالوا: كيف نتوب؟ فقال لهم: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أي سلموا أنفسكم للقتل وارضوا به، فأجابوا. فأخذ عليهم المواثيق ليصبروا على القتل فأصبحوا مجتمعين. فكل قبيلة على حدة، وأتاهم بالاثني عشر ألفا الذين لم يعبدوا العجل ألبتة وبأيديهم السيوف. فقال التائبون: إن هؤلاء إخوانكم قد أتوكم شاهرين السيوف فاتقوا الله واصبروا. فلعن الله رجلا قام من مجلسه أو مدّ طرفه إليهم، أو اتقاهم بيد أو رجل فيقولون: آمين. فجعلوا يقتلون من الصبح إلى المساء، وقام موسى وهارون ﵉ يدعوان الله تعالى ويقولان: البقية البقية يا إلهنا، فأوحى الله إليهما: «إني قد غفرت لمن قتل وتبت على من بقي» وكان القتلى سبعين ألفا. ذلِكُمْ أي القتل في التوبة خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ لما فيه طهارة عن الشرك فَتابَ عَلَيْكُمْ أي قبل توبة من قتل منكم وغفر لمن لم يقتل من بقية المجرمين، وعفا عنم من غير قتل إِنَّهُ هُوَ

стр. 19

التَّوَّابُ أي المتجاوز لمن تاب الرَّحِيمُ (٥٤) على من مات على التوبة. وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وذلك لما رجع موسى ﵇ من الطور إلى قومه، فرأى ما هم عليه من عبادة العجل حرق العجل وألقاه في البحر، واختار من قومه سبعين رجلا من خيارهم فلما خرجوا إلى الطور قالوا لموسى: سل ربك حتى يسمعنا كلامه. فسأل موسى ﵇ ذلك، فأجابه الله ولما دنا من الجبل وقع عليه عمود من الغمام، وتغشى الجبل كله، ودنا من موسى ذلك الغمام حتى دخل فيه، فقال للقوم: ادخلوا. وكان موسى ﵇ متى كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم النظر إليه، وسمع القوم كلام الله مع موسى ﵇ يقول له: «افعل كذا، ولا تفعل كذا» . فلما تمّ الكلام انكشف عن موسى الغمام الذي دخل فيه. فقال القوم بعد ذلك: لا نصدق لك بأن ما نسمعه كلام الله حتى نرى الله معاينة، فأحرقتهم نار من السماء وماتوا جميعا، وقام موسى رافعا يديه إلى السماء يدعو ويقول: يا إلهي اخترت من بني إسرائيل سبعين رجلا ليكونوا شهودي بقبول توبتهم فأرجع إليهم وليس معي منهم واحد فما الذي يقولون؟! فلم يزل موسى مشتغلا بالدعاء حتى ردّ الله أرواحهم وبطلت توبة بني إسرائيل من عبادة العجل. فقال: لا أقبل إلا أن يقتلوا أنفسهم وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) إلى النار الواقعة من السماء ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ أي ثم أحييناكم بعد حرقكم بالنار وبعد موتكم يوما وليلة وذلك لإظهار آثار القدرة، وليستوفوا بقية آجالهم وأرزاقهم ولو ماتوا بانقضاء آجالهم لم يحيوا إلى يوم القيامة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) أي لكي تشكروا إحيائي وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ أي جعلنا السحاب الرقيق يظلكم من حر الشمس أي وكان يسير بسيرهم وكانوا يسيرون ليلا ونهارا، وينزل عليهم بالليل عمود من نور يسيرون في ضوئه وثيابهم لا تتسخ ولا تبلى- وذلك في التيه- وهو واد بين الشام ومصر، وقدره تسعة فراسخ مكثوا فيه أربعين سنة متحيرين لا يهتدون إلى الخروج منه، وسبب ذلك مخالفتهم أمر الله تعالى بقتال الجبارين الذين كانوا بالشام حيث امتنعوا من القتال. وَأَنْزَلْنا في التيه عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وهو شيء كالصمغ كان يقع على الأشجار، طعمه كالشهد. وكان يقع على أشجارهم من الفجر إلى طلوع الشمس لكل إنسان صاع. وَالسَّلْوى فكان كل واحد منهم يأخذ ما يكفيه يوما وليلة، وإذا كان يوم الجمعة يأخذ كل واحد منهم ما يكفيه ليومين لأنه لم يكن ينزل يوم السبت، «والسلوى» وهو طائر ليس له ذنب ولا يطير إلا قليلا ويموت إذا سمع صوت الرعد، كما أن «الخطاف» يقتله البرد فيلهمه الله أن يسكن جزائر البحر التي لا يكون فيها مطر ولا رعد إلى انقضاء أوان المطر والرعد، فيخرج من الجزائر وينتشر في الأرض. وخاصيته أن أكل لحمه يلين القلوب القاسية. كُلُوا أي وقلنا لهم: كلوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ أي من مستلذات ما رزقناكموه ولا تدخروا لغد فادخروا فقطع الله ذلك عنهم ودوّد ما ادّخروه. وَما ظَلَمُونا أي وما نقصونا بما

стр. 20

ادخروا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧) أي يضرون، لنقص أنفسهم حظها من النعيم. وَإِذْ قُلْنَا لهم بعد خروجهم من التيه على لسان موسى أو على لسان يوشع ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ. روي أن موسى ﵇ سار بعد انقضاء الأربعين سنة بمن بقي من بني إسرائيل ففتح أريحا- بفتح الهمزة وكسر الراء- قرية الجبارين وهي بين القدس وحوران، وأقام فيها ما شاء الله، ثم قبض فيها، وقيل: إنه قبض في التيه ولما احتضر أخبرهم بأن يوشع بعده نبي وأن الله تعالى أمره بقتال الجبابرة، فسار بهم يوشع وقتل الجبابرة، وصار الشام كله لبني إسرائيل فَكُلُوا مِنْها أي تلك القرية حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً أي موسعا عليكم وَادْخُلُوا الْبابَ أي باب القرية. أي من أيّ باب كان من أبوابها السبعة، أو من باب يسمى «باب الحطة» ، أو «باب القبة» التي كانوا يصلون إليها، فإنهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى ﵇ سُجَّداً أي منحنين متواضعين كالراكع. وَقُولُوا حِطَّةٌ أي إن القوم أمروا بأن يدخلوا الباب على وجه الخضوع وأن يذكروا بلسانهم التماس حط الذنوب حتى يكونوا جامعين بين ندم القلب وخضوع الجوارح، والاستغفار باللسان. وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب. والمعنى حط عنا ذنوبنا حطة نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ. وقرأ نافع بالتذكير وابن عامر بالتأنيث على البناء للمجهول. والباقون بالنون المفتوحة وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بالطاعة في حسناتهم فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ أي أمر لهم، أي فدخلوا الباب زاحفين على أدبارهم قائلين حنطة على شعيرة استخفافا بأمر الله تعالى. فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أي غيروا الأمر رِجْزاً أي طاعونا مقدرا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩) أي بسبب فسقهم أي خروجهم عن الطاعة. روي أنه مات بالطاعون في ساعة واحدة أربعة وعشرون ألفا. فهذا الوباء غير الذي حلّ بهم في التيه وَاذكروا إِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ في التيه فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ وكانت العصا من آس الجنة، طولها عشرة أذرع على طول موسى، ولها شعبتان تتقدان في الظلمة نورا، حملها آدم معه من الجنة فتوارثها الأنبياء حتى وصلت إلى شعيب فأعطاها لموسى. وروي أن ذلك الحجر حجر طوري حمله معه وكان مربعا له أربعة جوانب، وكان ذراعا في ذراع، ينبع من كل وجه ثلاثة أعين، لكل سبط عين تسيل في جدول إلى ذلك السبط، وكانوا ستمائة ألف وسبعة. المعسكر اثنا عشرة ميلا. وقيل: كان حجرا أعطاه الله عليه اثني عشر ثديا كثدي المرأة يخرج من كل ثدي نهر إذا ضرب عصاه عليه. فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً أي نهرا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ أي سبط مَشْرَبَهُمْ أي موضع شربهم من نهرهم روي أنه كان لكل سبط عين من اثنتي عشرة عينا لا يشركه فيها غيره. وقلنا لهم: كُلُوا من المنّ والسلوى وَاشْرَبُوا من الأنهار

стр. 21

كلها مِنْ رِزْقِ اللَّهِ أي كلوا واشربوا من رزق الله الذي يأتيكم بلا تعب وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠) أي لا تتمادوا في الفساد في الأرض في حالة إفسادكم. ويقال: لا تمشوا في الأرض على خلاف أمر موسى. وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ أي على أكل طعام واحد وهو المن والسلوى فَادْعُ لَنا أي اسأل لأجلنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها أي من أطايبه التي تؤكل كالكرفس والكراث والنعناع وَقِثَّائِها وَفُومِها أي ثومها كما هو مروي عن ابن عباس ومجاهد وهو اختيار الكسائي، لأن الثوم بالثاء في حرف عبد الله بن مسعود وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أي موسى أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى أي أخس وهو الثوم والبصل بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ أي أشرف وهو المن والسلوى فإنه خير في اللذة والنفع وعدم الحاجة إلى السعي. اهْبِطُوا مِصْراً أي اخرجوا من هذا المكان إلى المكان الذي خرجتم منه فَإِنَّ لَكُمْ هناك ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أي جعلت على فروع بني إسرائيل المذلة بالجزية. وَالْمَسْكَنَةُ أي زي الفقر وَباؤُ بِغَضَبٍ أي استحقوا الغضب أي استحقوا الغضب أي اللعنة مِنَ اللَّهِ ذلِكَ أي الذلة والمسكنة واللعنة. بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ أي بسبب أنهم كانوا يجحدون على الاستمرار بمحمد ﷺ والقرآن، وآية الرجم التي في التوراة وبالإنجيل وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ أي ظلما. روي أن اليهود قتلت سبعين نبيا في أول النهار، ولم يغتموا حتى قاموا في آخر النهار يتسوقون مصالحهم، وقتلوا زكريا ويحيى وشعيبا وغيرهم من الأنبياء. ذلِكَ الغضب بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٦١) أي يتجاوزون الحد بقتل الأنبياء واستحلال المعاصي، وهذا الذل الذي أصابهم هو بسبب قتلهم عيسى في زعمهم. وقوله تعالى: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ [البقرة: ٦١] عدّه بعض العلماء من باب المعجزات، لأنه ﷺ أخبر عن ضرب الذلة والمسكنة عليهم وقد وقع الأمر كذلك فكان هذا إخبارا عن الغيب فيكون معجزا، وهذا الكلام إلى قوله: وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: ٦٢] معترض في خلال القصص المتعلقة بحكاية أحوال بني إسرائيل الذين كانوا في زمن موسى ﵇، لأن قتل الأنبياء إنما كان من فروعهم وذريتهم إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا أي الذين تهودوا وَالنَّصارى أي الذين تنصروا وَالصَّابِئِينَ أي الخارجين من دين إلى دين، وهم قوم من النصارى يحلقون وسط رؤوسهم ويقرءون الزبور ويعبدون الملائكة. يقولون: صبأت قلوبنا أي رجعت قلوبنا إلى الله. مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فيما بينهم وبين ربهم فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ بأن يدخلهم الجنة وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) حين يخاف الكفار من العقاب ويحزن المقصرون على تفويت الثواب. والمعنى: أن الذين آمنوا قبل بعثة محمد ﷺ في زمن الفترة بعيسى ﵇، مثل: قس بن ساعدة، وبحيرة الراهب، وحبيب النجار، وزيد بن عمرو بن نفيل،

стр. 22

وورقة بن نوفل، وسلمان الفارسي، وأبي ذر الغفاري، ووفد النجاشي والذين كانوا على الدين الباطل الذي لليهود والنصارى والصابئين كل من آمن منهم ببعث محمد ﷺ بالله واليوم الآخر وبمحمد فلهم أجرهم عند ربهم، أو المعنى إن الذين آمنوا باللسان دون القلب، وهم المنافقون واليهود والنصارى والصابئين كل من أتى منهم بالإيمان الحقيقي صار من المؤمنين عند الله، وهذا قول سفيان الثوري وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ أي إقراركم بقبول التوراة وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ أي رفعنا فوق رؤوسكم الجبل مقدار قامة كالظلة وكان فرسخا في فرسخ حتى أعطيتم الميثاق وقلنا: خُذُوا ما آتَيْناكُمْ أي اعملوا بما أعطيناكموه من الكتاب بِقُوَّةٍ أي بجد وَاذْكُرُوا ما فِيهِ من الثواب والعقاب واحفظوا ما فيه من الحلال والحرام لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) أي لكي تتقوا المعاصي ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ أي أعرضتم عن الوفاء بالميثاق مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي رفع الطور وإيتاء التوراة فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بتأخير العذاب وَرَحْمَتُهُ بإرسال محمد ﷺ إليكم لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٤) أي لصرتم من المغبونين بالعقوبة وبالانهماك في المعاصي وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ أي وبالله لقد عرفتم عقوبة الذين تجاوزوا الحد منكم يوم السبت في زمن داود ﵇، روي أنهم أمروا بأن يتمحضوا يوم السبت للعبادة ويتركوا الصيد، وهؤلاء القوم كانوا في زمن داود ﵇ وكانوا يسكنون بأيلة على ساحل البحر بين المدينة والشام، وهو مكان من البحر يجتمع إليه الحيتان من كل أرض في شهر من السنة حتى لا يرى الماء لكثرتها، وفي غير ذلك الشهر في كل سبت خاصة فحفروا حياضا عند البحر وشرعوا إليها الجداول فكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد، فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم، ثم إنهم أخذوا السمك وهم خائفون من العقوبة فلما طال الزمان استسنّ الأبناء بسنة الآباء فمشى إليهم طوائف من أهل المدينة الذين كرهوا الصيد يوم السبت ونهوهم. فلم ينتهوا، وقالوا: نحن في هذا العمل منذ أزمان فما زادنا الله به إلا خيرا. فقيل لهم: لا تغتروا فربما نزل بكم العذاب، فأصبح القوم قردة خاسئين فمكثوا كذلك ثلاثة أيام لم يأكلوا ولم يشربوا ولم يتوالدوا، ثم هلكوا وذلك قوله تعالى: فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا أي صيروا قِرَدَةً خاسِئِينَ (٦٥) أي ذليلين مبعدين عن الرحمة والشرف فَجَعَلْناها أي المسخة أو القردة أو قرية أصحاب السبت أو هذه الأمة نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها أي عقوبة رادعة للأمم التي في زمانها وبعدها إلى يوم القيامة أو لما قرب من تلك القرية وما تباعد عنها أو عقوبة لأجل ما تقدّم على هذه الأمة من ذنوبهم وما تأخر منها. وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦) أي لكل متق سمع تلك الواقعة فإنه يخاف إن فعل مثل فعلهم أن ينزل به مثل ما نزل بهم. والمراد بقوله تعالى: كونوا سرعة التكوين، وأنهم صاروا كذلك كما أراد الله بهم. وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ أي واذكروا وقت قول موسى ﵇ لأصولكم إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً.

стр. 23

روي عن ابن عباس وسائر المفسرين أن رجلا فقيرا في بني إسرائيل قتل ابن أخيه أو أخاه أو ابن عمه لكي يرثه، ثم رماه في مجمع الطريق، ثم شكا ذلك إلى موسى ﵇ فاجتهد موسى في تعرف القاتل فلما لم يظهر قالوا له: سل لنا ربك حتى يبينه، فسأله، فأوحى الله إليه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة فتعجبوا من ذلك، ثم شددوا على أنفسهم بالاستفهام حالا بعد حال، واستقصوا في طلب الوصف، فلما تعينت البقرة لم يجدوها بذلك النعت إلا عند إنسان معين، ولم يبعها إلا بأضعاف ثمنها، فاشتروها فذبحوها، وأمرهم موسى أن يأخذوا عضوا منها فيضربوا به القتيل ففعلوا فصار المقتول حيا وعين لهم قاتله، وهو الذي ابتدأ بالشكاية فقتلوه قودا. قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً أي أتستهزئ بنا يا موسى فإن سؤالنا عن أمر القتيل وأنت تأمرنا بذبح بقرة، وإنما قالوا ذلك لأنهم لم يعلموا أن الحكمة هي حياة القتيل بضربه ببعض البقرة وإخباره بقاتله. قالَ أي موسى: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٦٧) أي المستهزئين بالمؤمنين، لأن الهزء في أثناء تبليغ أمر الله تعالى جهل فما علموا أن الأمر بالذبح حق. قالُوا ادْعُ لَنا أي لأجلنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ أي ما سنها أصغيرة أو كبيرة. قالَ إِنَّهُ أي الله تعالى يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ أي كبيرة في السن وَلا بِكْرٌ أي صغيرة عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ أي وسط بين المسنة والفتية فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ (٦٨) به من ذبحها قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ تعالى يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها أي صاف لونها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) إليها بسبب حسنها وتعجبهم من شدة صفرتها لغرابتها وخروجها عن المعتاد. قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ أعاملة هي أم لا؟ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) إلى وصفها أو إلى القاتل قالَ إِنَّهُ تعالى يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ أي غير مذللة تُثِيرُ الْأَرْضَ أي تقبلها للزراعة وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ أي الزرع مُسَلَّمَةٌ من كل عيب لا شِيَةَ فِيها أي لا خلط في لونها. قال مجاهد: لا بياض فيها ولا سواد. قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ أي نطقت بالبيان المحقق ففتشوا عليها فوجدوها عند الفتى البار لأمه فاشتروها بملء جلدها بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (٧١) أي ما قاربوا أن يفعلوا حتى انتهت سؤالاتهم. ويقال: وما كادوا أن يذبحوها لأجل غلاء ثمنها أو لخوف الفضيحة في ظهور القاتل. روي أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له ابن طفل وله عجلة، فأتى بها إلى الغيضة. وقال: اللهم إني استودعتك هذه العجلة لابني حتى يكبر فكانت من أحسن البقر وأسمنها، فلما كبر الابن كان بارا لوالدته فكان يقسّم الليل أثلاثا يصلي ثلثا، وينام ثلثا، ويجلس عند رأس أمه ثلثا، فلما أصبح احتطب على ظهره فيبيع الحطب في السوق، ثم يتصدق بثلثه، ويأكل ثلثه ويعطي والدته ثلثه، ثم أمرته أمه أن يأخذ تلك العجلة من الغيضة. فلما أخذها قالت له أمه: إنك

стр. 24

فقير يشق عليك الاحتطاب بالنهار والقيام بالليل فبع هذه البقرة. فقال: بكم أبيعها؟ قالت: بثلاثة دنانير ولا تبع بغير مشورتي، وكان ثمن البقرة إذ ذاك ثلاثة دنانير فانطلق بها إلى السوق فبعث الله ملكا ليختبر الفتى كيف بره بوالدته، فقال: الملك له بكم تبيع هذه البقرة؟ فقال: بثلاثة دنانير بشرط رضى والدتي، فقال الملك: لك ستة دنانير ولا تستأذن أمك. فقال الفتى: لو أعطيتني وزنها ذهبا لم آخذها إلا برضا أمي، فردها إلى أمه وأخبرها بالثمن. فقالت: ارجع فبعها بستة دنانير على رضا مني، فانطلق بها إلى السوق وأتى الملك فقال: استأذنت أمك؟ فقال الفتى: إنها أمرتني أن لا أنقصها عن ستة دنانير على أن أستأذنها. فقال الملك: إني أعطيك اثني عشر دينارا على أن لا تستأذنها فأبى الفتى ورجع إلى أمه وأخبرها بذلك. فقالت: إن الذي يأتيك ملك في صورة آدمي ليختبرك فإذا أتاك فقل له: أتأمرنا أن نبيع هذه البقرة أم لا؟ ففعل فقال الملك له: اذهب إلى أمك وقل لها أمسكي هذه البقرة فإن موسى بن عمران يشتريها منك لقتيل يقتل في بني إسرائيل فلا تبيعيها إلا بملء مسكها ذهبا دنانير فأمسكتها وقدر الله تعالى على بني إسرائيل ذبح تلك البقرة بعينها مكافأة للفتى على بره بوالدته فضلا من الله تعالى وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً اسمه عاميل وقيل: نكار فَادَّارَأْتُمْ فِيها أي تخاصمتم في شأنها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ أي مظهر ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) من قتلها وهذه الجملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه وهما فادارأتم وقوله: فَقُلْنا اضْرِبُوهُ أي القتيل بِبَعْضِها أي بعضو من أعضاء البقرة قيل: بذنبها. وقيل: بلسانها، وقيل: بفخذها الأيمن ففعلوا ذلك فقام القتيل حيا بإذن الله تعالى، وأوداجه تشخب دما وقال: قتلني فلان ثم سقط ومات مكانه فقتل قاتله فحرم الميراث. وفي الحديث: «ما ورث قاتل بعد صاحب البقرة» . كَذلِكَ أي كما أحيا الله عاميل في الدنيا يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى في الآخرة من غير احتياج إلى آلة وَيُرِيكُمْ آياتِهِ أي يجعلكم مبصرين دلائل قدرته وإحيائه للميت لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣) أي لكي تعلموا أن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء نفوس كثيرة، فتصدقوا بالبعث بعد الموت ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ أيها اليهود فلم تقبل الحق مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي إحياء عاميل وإخباره بقاتله أو من بعد الأمور التي جرت على أجدادكم فَهِيَ كَالْحِجارَةِ في القساوة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً منها وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ. قال الحكماء: إن الأنهار إنما تنشأ عن أبخرة تجتمع في باطن الأرض فإن كان ظاهر الأرض رخوا انشقت تلك الأبخرة وانفصلت، وإن كان ظاهر الأرض حجريا اجتمعت تلك الأبخرة حتى تكثر كثرة عظيمة فتنشق الأرض وتسيل تلك المياه أنهارا وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ أي العيون الصغار التي هي دون الأنهار وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ أي يتدحرج من أعلى الجبل إلى أسفله مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ أي من انقياد أمر الله وقلوبكم أيها اليهود لا تتحرك من خوف الله، و «اللام» في «لما» لام الابتداء دخلت على اسم إن وهو ما بمعنى الذي والضمير منه ويشقق

стр. 25

ويهبط يعود عليه وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤) أي إن الله محافظ لأعمال القاسية قلوبهم حتى يجازيهم بها في الآخرة، وقرأ ابن كثير بالياء على الغيبة أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) أي أفتطمعون أيها النبي والمؤمنون أن يؤمن هؤلاء اليهود بواسطتكم ويستجيبوا لكم، والحال أن طائفة منهم وهم أحبارهم يسمعون كلام الله في التوراة، ثم يغيرونه من بعد المعنى الذي فهموه بعقولهم وهم يعلمون أنهم مفترون، وذلك كنعت محمد ﷺ فكانت صفته ﷺ في التوراة، أكحل العين، ربعة، جعد الشعر، حسن الوجه فكتبوا بدلها طويلا، أزرق العين سبط الشعر. وقال ابن عباس: والمعنى أفترجو يا أشرف الخلق أن تؤمن بك اليهود. والحال أن أسلافهم وهم السبعون المختارون للميقات الذين كانوا مع موسى يسمعون كلام الله بلا واسطة، ثم يغيرونه من بعد ما علموه يقينا وهم يعلمون أنهم يغيرونه، وذلك أنهم قالوا: سمعنا الله يقول في آخر كلامه: «إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا وإن شئتم أن لا تفعلوا فلا بأس» وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا أي إن منافقي أهل الكتاب كانوا إذا لقوا أصحاب سيدنا محمد ﷺ قالوا لهم: آمنا بالذي آمنتم به، ونشهد أن صاحبكم صادق، وأن قوله: حق ونجد نعته في كتابنا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ أي رجع الساكتون الذين لم ينافقوا إِلى بَعْضٍ آخر منهم وهو منافقوهم قالُوا أي الساكتون موبخين للمنافقين أَتُحَدِّثُونَهُمْ أي المؤمنين بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ أي بما بيّن الله لكم في التوراة من صفة النبي ﷺ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أي ليقيموا الحجة عليكم بما أنزل ربكم في كتابه في ترك اتباع محمد مع إقراركم بصدقه. وقوله تعالى: لِيُحَاجُّوكُمْ متعلق بالتحديث والمراد بهذا تشديد التوبيخ فإن التحديث بذلك لأجل هذا الغرض مما لا يكاد يصدر عن العاقل أي أتحدثونهم بذلك ليحتجوا عليكم بكتاب الله وحكمه، ويقال: عند الله كذا معناه في كتابه وحكمه أَفَلا تَعْقِلُونَ (٧٦) إن ذلك لا يليق بما أنتم عليه. أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ أي اللائمون أو المنافقون أو كلاهما اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٧) أي إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان وإخفاء ما فتح الله عليهم، وإظهار غيره فيرعووا عن ذلك. وَمِنْهُمْ أي اليهود أُمِّيُّونَ أي جهلة لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ أي لا يعرفونه بقراءة ولا كتابة وطريقتهم التقليد إِلَّا أَمانِيَّ أي إلّا ما هم عليه من أمانيهم في أن الله لا يؤاخذهم بخطاياهم، وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، ومما تحملهم أخبارهم على تمني قلوبهم من أن النار لا تمسهم إلا أياما معدودة، ومن أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا، وقال الأكثرون إلا بقدر ما يتلى عليهم فيسمعونه أو لا يقرءون إلا قراءة عارية عن معرفة المعنى وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨) أي ما هم يعرفون إلا بأن يذكر لهم تأويله فظنوه فَوَيْلٌ أي عذاب أليم أو مسيل صديد أهل جهنم أو شدة الشر لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا في الكتاب الذي جاء مِنْ عِنْدِ اللَّهِ

стр. 26

لِيَشْتَرُوا بِهِ أي ليأخذوا لأنفسهم بمقابلة الكتاب المحرف ثَمَناً قَلِيلًا أي عوضا يسيرا من الدنيا- وهم اليهود- غيّروا صفة النبي في التوراة وآية الرجم وغيرها ... فغيروا آية الرجم بالجلد والتحميم أي تسويد الوجه فَوَيْلٌ لَهُمْ أي فشدة العذاب لهم مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ أي فيما غيرت أيديهم وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩) أي يصيبون من الحرام والرشوة وَقالُوا أي اليهود لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً أي قليلة. قال مجاهد: إن اليهود كانت تقول: عمر الدنيا سبعة آلاف سنة فالله تعالى يعذبهم مكان ألف سنة يوما فكانوا يقولون: الله تعالى يعذبنا سبعة أيام. وحكى الأصمعي عن بعض اليهود أنهم عبدوا العجل سبعة أيام فكانوا يقولون: الله تعالى يعذبنا سبعة أيام. وذلك كما أخرجه الطبراني وغيره بسند حسن عن ابن عباس وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير من طرق ضعيفة عنه أنها أربعون يوما قُلْ لهم يا أشرف الخلق أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً أي خبرا فإن خبره تعالى أوكد من العهود المؤكدة منا بالقسم والنذر فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أي فإن الله تعالى منزّه عن الكذب في وعده ووعيده لأن الكذب صفة نقص والنقص على الله محال أَمْ تَقُولُونَ مفترين عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٠) وقوعه أي أم لم تتخذوا من الله عهدا بل تتقوّلون عليه تعالى بَلى تمسكم النار أبدا مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً أي كفرا وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ أي كبيرته بأن مات على الكفر فَأُولئِكَ أي أهل هذه الصفة أَصْحابُ النَّارِ أي ملازموها في الآخرة هُمْ فِيها خالِدُونَ (٨١) أي لا يخرجون منها. أما أصحاب الكبائر غير الكافرين فإنا نقطع بأنه تعالى يعفو عن بعض العصاة وعن بعض المعاصي، ولكنا نتوقف في حق كل أحد على التعيين أنه هل يعفو عنه أم لا؟ ونقطع بأنه تعالى إذا عذّب أحدا منهم مدة فإنه لا يعذبه أبدا بل يقطع عذابه، وهذا قول أكثر الصحابة والتابعين وأهل السنة والجماعة. وقرأ نافع «خطيئاته» بالجمع، والمراد بالخطيات أنواع الكفر المتجددة في كل وقت وَالَّذِينَ آمَنُوا بمحمد والقرآن وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فيما بينهم وبين ربهم أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٨٢) لا يموتون فيها ولا يخرجون منها وَإِذْ أَخَذْنا في التوراة مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ الذين كانوا في زمن موسى لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ أي لا تشركون به شيئا. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء على الغيبة، وقرأ عبد الله وأبيّ «لا تعبدوا» بصريح النهي وهذه قراءة شاذة. وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وهو متعلق بمحذوف أي وتحسنون أو أحسنوا بالبر بهما وإن كانا كافرين بأن لا يؤذيهما ألبتة، ويوصل إليهما من المنافع قدر ما يحتاجان إليه فيدخل فيه دعوتهما إلى الإيمان إن كانا كافرين، وأمرهما بالمعروف على سبيل الرفق إن كانا فاسقين وَذِي الْقُرْبى أي أحسنوا بالأقارب بصلة الرحم وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً.

стр. 27

وقرأ حمزة والكسائي بفتح الحاء والسين. وقرئ قراءة شاذة حسنا بضمتين وحسنى كبشرى، والقول الحسن هو الذي يحصل انتفاعهم به. وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ والمراد بالصلاة والزكاة ما فرض عليهم في ملتهم. فقبلتم ذلك الميثاق المذكور ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ أي أعرضتم عن الوفاء بالميثاق إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ أي آباءكم وهو من أقام اليهودية على طريقها قبل النسخ ويقال: إلا قليلا منكم وهم من أسلم كعبد الله بن سلام وأصحابه وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣) عن الطاعة كآبائكم وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ أي واذكروا يا أيها اليهود المعاصرون لمحمد ﷺ وقت أن أخذنا الميثاق على آبائكم في التوراة لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ أي لا يقتل بعضكم بعضا وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أي لا يخرج بعضكم بعضا من منازلكم يا بني قريظة والنضير ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ بوجوب المحافظة على الميثاق وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) أي تعلمون ذلك ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ أي هؤلاء الحاضرون بعد ذلك تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ أي يقتل بعضكم بعضا وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ أي من منازلهم ذلك الفريق تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ. قرأ عاصم وحمزة والكسائي بتخفيف الظاء. والباقون بالتشديد أي يعاون بعضكم بعضا بِالْإِثْمِ أي المعصية وَالْعُدْوانِ أي التجاوز في الظلم وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى أي أسارى أهل دينكم تُفادُوهُمْ بالمال أو غيره. أي وإن يقع ذلك الفريق الذي تخرجونه من دياره وقت الحرب حال كونه أسيرا في يد حلفائكم تفدوه. قرأ حمزة «أسرى» بفتح الهمزة وسكون السين مع الإمالة. وقرأ عاصم والكسائي «تفادوهم» بضم التاء وفتح الفاء. والباقون بفتح التاء وسكون الفاء. وَهُوَ أي الشأن مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ. قال السدي: إن الله تعالى أخذ على بني إسرائيل في التوراة الميثاق أن لا يقتل بعضهم بعضا ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه وأعتقوه. وكان قريظة والنضير أخوين كالأوس والخزرج، فافترقوا فكانت قريظة حلفاء الأوس، والنضير حلفاء الخزرج حين كان بينهما ما كان من العداوة، فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه فإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم منها، ثم إذا أسر رجل من الفريقين فدوه كما لو أسر واحد من النضير ووقع في يد الأوس افتدته قريظة منهم بالمال، وهكذا يقال في عكس ذلك فعيّرتهم العرب وقالت: كيف تقاتلونهم ثم تفدوهم. فيقولون: أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم ولكن نستحي أن تذل حلفاؤنا فذمهم الله تعالى بقوله: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ أي تفعلون بعض الواجبات وهو المفاداة وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ أي فلم تتركوا المحرم وهو القتال والإخراج والمعاونة فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ أي ذمّ عظيم وتحقير بالغ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فكان خزي قريظة القتل والسبي وقد قتل ﷺ منهم سبعمائة في يوم واحد، وخزي بني

стр. 28

النضير بالإجلاء إلى أذرعات وأريحا. وقيل: هو ضرب الجزية على النضير في الشام وعلى من بقي من قريظة الذين سكنوا خيبر. وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ أي عذاب جهنم لما أن معصيتهم أشد المعاصي وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) . قرأ ابن كثير ونافع وعاصم بتاء الخطاب في «يعملون» وأما في «يردون» فالسبعة بالغيبة فقط وأما بتاء الخطاب فشاذة وهذه الجملة زجر عظيم عن المعصية وبشارة عظيمة على الطاعة. أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا أي استبدلوها بِالْآخِرَةِ بأن اختاروا الكفر على الإيمان فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ لا بالانقطاع ولا بالقلة في كل وقت أو في بعض الأوقات وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦) فلا يدفع أحد هذا العذاب عنهم. وَلَقَدْ آتَيْنا أي أعطينا مُوسَى الْكِتابَ أي التوراة وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ أي أتبعناهم إياه مترتبين وهم يوشع وشمويل، وشمعون، وداود، وسليمان، وشعيا وأرميا، وعزير، وحزقيل، والياس، واليسع، ويونس، وزكريا، ويحيى وغيرهم وجميع الأنبياء بين موسى وعيسى على شريعة موسى. قيل: هم سبعون ألفا. وقيل: أربعة آلاف، ومدة ما بينهما ألف وتسعمائة سنة وخمسة وعشرون سنة وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ أي المعجزات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه- سواء كان كمهه خلقيا أو طارئا- وإبراء الأبرص، وكالإخبار بالمغيبات، وكالإنجيل. ثم عيسى بالسريانية أيشوع ومعناه: المبارك. ومريم بالسريانية بمعنى الخادم. وفي كتاب لسان العرب: هي المرأة التي تكره مخالطة الرجال. وَأَيَّدْناهُ قرأه ابن كثير بمد الهمزة وتخفيف الياء أي قويناه بِرُوحِ الْقُدُسِ وهو جبريل وهو الذي بشر مريم بولادتها وإنما ولد عيسى ﵇ من نفخة جبريل وهو الذي رباه في جميع الأحوال وكان يسير معه حيث سار، وكان معه حين صعد إلى السماء. أَفَكُلَّما جاءَكُمْ يا معشر اليهود رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ أي بما لا يوافق قلوبكم من الحق اسْتَكْبَرْتُمْ أي تعظمتم عن الإيمان به والاتباع له فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (٨٧) أي كذّبت طائفة محمدا ﷺ ، وعيسى ﵇، وقتل فريق يحيى وزكريا وَقالُوا أي اليهود: قُلُوبُنا غُلْفٌ أي مغشاة بأغطية عن قولك يا محمد، أو قلوبنا أوعية لكل علم وهي لا تعي علمك وكلامك بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ أي ليس عدم قبولهم للحق لخلل في قلوبهم ولكن الله أبعدهم عن رحمته بسبب كفرهم فأبطل استعدادهم عن القبول فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ (٨٨) أي لا يؤمنون إلا بالقليل مما كلفوا به لأنهم كانوا يؤمنون بالله، إلا أنهم كانوا يكفرون بالرسل. وقال قتادة والأصم وأبو مسلم: أي لا يؤمن منهم إلا القليل وذلك نظير قوله تعالى: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء: ١٥٥] وَلَمَّا جاءَهُمْ أي اليهود المعاصرين له ﷺ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وهو القرآن مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ أي موافق لكتابهم التوراة بالتوحيد

стр. 29

وصفة محمد ﷺ كذبوه وَكانُوا أي اليهود مِنْ قَبْلُ أي من قبل مبعث محمد ونزول القرآن يَسْتَفْتِحُونَ أي يسألون الفتح أي النصرة عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أي مشركي العرب أسد وغطفان ومزينة وجهينة وهم عدوهم يقولون: إذا دهمهم عدو: اللهم افتح علينا وانصرنا بالنبي الأمي. فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا من بعثة النبي ﷺ كَفَرُوا بِهِ حسدا وخوفا على الرياسة. وقال ابن عباس وقتادة والسدي: نزلت هذه الآية في شأن نبي قريظة والنضير، كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله ﷺ قبل بعثه يقولون لمخالفيهم عند القتال: هذا نبي قد قرب زمانه ينصرنا عليكم فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (٨٩) أي إبعاد الله من خيرات الآخرة عليهم بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ أي بئس الشيء شيئا اشتروا به أنفسهم، كفرهم بالقرآن المصدق للتوراة، أي إن هؤلاء اليهود لما اعتقدوا أنهم بما فعلوه خلصوا أنفسهم من العقاب وأوصلوها إلى الثواب فقد اشتروا أنفسهم به في زعمهم. وقال الأكثرون: الاشتراء هاهنا بمعنى البيع لأن المذموم لا يكون إلا لما كان حاصلا لهم، لا لما كان زائلا عنهم، والمعنى باعوا أنفسهم بكفرهم، لأن الذي حصلوه على منافع أنفسهم هو الكفر فصاروا بائعين أنفسهم بذلك، لكن لما كان الغرض بالبيع والشراء إبدال ملك بملك، صلح أن يوصف كل واحد من المتبادلين بأنه بائع ومشتر لوقوع هذا المعنى من كل واحد منهما. بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أي حسدا على أن ينزل الله النبوة بفضله على محمد وطلبا لما ليس لهم أي فإنهم ظنوا أن هذا الفضل العظيم بالنبوة المنتظرة يحصل في قومهم، فلما وجدوه في العرب حملهم ذلك على الحسد، وقد أجاز العلماء أن يكون بغيا مفعولا له ناصبه «أن يكفروا» ، وأن ينزل الله مفعولا له وناصبه «بغيا» ، فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ أي فاستحقوا لعنة بعد لعنة لأمور صدرت عنهم وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٩٠) أي يهانون بالعذاب الشديد بخلاف عذاب العاصي فإنه طهرة لذنوبه وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أي وإذا قال المؤمنون لليهود الموجودين في زمن نبينا: آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ أي بكل ما أنزل الله من الكتب الإلهية جميعا قالُوا في جواب هذا القيل: نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا أي بما أنزل على أنبيائنا من التوراة وكتب سائر الأنبياء الذين أتوا بتقرير شرع موسى ﵇ وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ فأخبر الله تعالى عنهم بأنهم يكفرون بما بعده وهو الإنجيل والقرآن وَهُوَ أي ما وراء ما أنزل على نبيهم من الإنجيل والقرآن الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ أي موافقا بالتوحيد لكتبهم قُلْ لهم يا أشرف الخلق إلزاما وبيانا لكفرهم بالتوراة التي ادعوا الإيمان بها فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١) والمعنى إن كنتم مؤمنين بالتوراة كما زعمتهم فلأي شيء كنتم تقتلون أنبياء الله من قبل لأن في التوراة تحريم القتل وذلك لأن التوراة دلّت على أن المعجزة تدل على الصدق، ودلّت على أن من كان صادقا في ادعاء النبوة فإن قتله كفر، وإذا كان الأمر كذلك كان السعي في قتل

стр. 30

زكريا ويحيى وعيسى كفرا! فلم سعيتم في ذلك إن صدقتم في ادعائكم كونكم مؤمنين بالتوراة؟ والمعنى أنهم لو آمنوا بالتوراة لما قتلوا الأنبياء فآل أمرهم إلى كفرهم بجميع ما أنزل الله تعالى لا بالبعض كما ادعوا. فإن قيل قوله تعالى: آمِنُوا خطاب لهؤلاء الموجودين. وقوله: فلم تقتلون حكاية فعل أسلافهم. فكيف وجه الجمع بينهما؟ قلنا: معناه إنكم بهذا التكذيب للإنجيل والقرآن خرجتم من الإيمان بما آمنتم كما خرج أسلافكم بقتل بعض الأنبياء عن الإيمان بالباقين وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ أي بالآيات التسع وهي: العصا واليد، والسنون، ونقص الثمرات، والدم، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، وفلق البحر ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ أي عبدتم العجل مِنْ بَعْدِهِ أي من بعد انطلاقه إلى الجبل وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٩٢) أي كافرون بعبادته وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ أي إقراركم وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ أي رفعنا فوق رؤوسكم الجبل حين امتنعتم من قبول التوراة وقلنا: خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ أي اعملوا بما أعطيناكم من الكتاب بجد وَاسْمَعُوا أي أطيعوا ما تؤمرون قالُوا سَمِعْنا قولك بآذاننا وَعَصَيْنا أمرك بقلوبنا وغيرها وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ أي وادخلوا في قلوبهم حب عبادة العجل بسبب كفرهم السابق الموجب لذلك قُلْ لهم يا أشرف الخلق بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ بما أنزل عليكم من التوراة قولهم سمعنا وعصينا وعبادتهم العجل إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣) بالتوراة كما زعمتم ف «إن» يجوز فيها الوجهان من كونها نافية وشرطية وجوابها محذوف تقديره فبئسما يأمركم. قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ أي نعيم الدار الآخرة عِنْدَ اللَّهِ وهو الجنة خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ أي خاصة بكم ليس لأحد سواكم فيها حق بأن صح قولكم لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ كأن تقولوا ليتنا نموت إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٤) في مقالتكم لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إليها وتمنى سرعة الوصول إلى النعيم وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أي لن يسألوا الموت أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أي بسبب ما عملوا من المعاصي الموجبة لدخول النار، كالكفر بالنبي ﷺ ، وبالقرآن، وكتحريف التوراة وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) أي الكافرين فيجازيهم وَلَتَجِدَنَّهُمْ أي والله لتجدن اليهود يا محمد أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ أي بقاء في الدنيا وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أي وأحرص من مشركي العرب المنكرين للبعث لعلمهم بأن مصيرهم النار دون المشركين لإنكارهم له. يَوَدُّ أي يتمنى أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ والمراد بألف سنة التكثير لا خصوص هذا العدد، وليس المراد بها قول الأعاجم: عش ألف سنة. «لو» مصدرية، وهي مع صلتها في تأويل مصدر مفعول «يود» وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ فاعل لمزحزح أي وما أحدهم بمن يبعده من النار تعميره ألف سنة وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٩٦) فيجازيهم به. قرأ السبعة بالياء التحتية ويعقوب من العشرة بالفوقية.

стр. 31

روي أن النبي ﷺ لما قدم المدينة أتاه عبد الله بن صوريا فقال: يا محمد، كيف نومك فقد أخبرنا عن نوم الذي يجيء في آخر الزمان؟ فقال ﷺ : «تنام عيناي ولا ينام قلبي» قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن الولد أمن الرجل يكون أم من المرأة؟ فقال: «أما العظام والعصب والعروق فمن الرجل، وأما اللحم والدم والظفر والشعر فمن المرأة» . فقال: صدقت، فما بال الرجل يشبه أعمامه دون أخواله، ويشبه أخواله دون أعمامه. فقال: «أيهما غلب ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له» . قال: صدقت، أخبرني أي الطعام حرّم إسرائيل على نفسه، وفي التوراة أن النبي الأمي يخبر عنه؟ فقال ﷺ : «أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضا شديدا فطال سقمه، فنذر الله نذرا لئن عافاه الله من سقمه ليحرمن على نفسه أحب الطعام والشراب وهو لحمان: الإبل وألبانها» . فقالوا: نعم، فقال له: بقيت خصلة واحدة إن قلتها آمنت بك أيّ ملك يأتيك بما تقول عن الله. قال: «جبريل» «١» قال: إن ذلك عدونا ينزل بالقتال والشدة، ورسولنا ميكائيل يأتي بالبشر والرخاء فلو كان هو الذي يأتيك آمنا بك، فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ لأنه ينزل القرآن على محمد فقد خلع ربقة الإنصاف فَإِنَّهُ أي جبريل نَزَّلَهُ أي القرآن عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ أي بأمره وخصّ القلب بالذكر لأنه خزانة الحفظ وبيت الرب مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أي لما قبل القرآن من الكتب الإلهية لأن الشرائع التي تشتمل عليها سائر الكتب كانت مقدرة بالأوقات ومنتهية في هذا الوقت فإن النسخ بيان انتهاء مدة العبادة وحينئذ لا يكون بين القرآن وسائر الكتب اختلاف في الشرائع وَهُدىً أي بيان ما وقع التكليف به من أعمال القلوب وأعمال الجوارح وَبُشْرى أي بيان ثواب تلك الأعمال لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (٩٨) وخصّ الله جبريل بالذكر ردا على اليهود في دعوى عداوته وضمّ إليه ميكائيل لأنه ملك الرزق الذي هو حياة الأجساد كما أن جبريل ملك الوحي الذي هو حياة القلوب والأرواح، وقدّم جبريل لشرفه لأن العلم أشرف من الأغذية، وقدّم الملائكة على الرسل كما قدّم الله على الجميع، لأن عداوة الرسل بسبب نزول الكتب ونزولها بتنزيل الملائكة وتنزيلهم لها بأمر الله فذكر الله ومن بعده على هذا الترتيب. «وجبريل» قرأ حمزة والكسائي بفتح الجيم والراء وهمزة بعد الراء مكسورة، وقرأ شعبة كذلك إلا أنه حذف الياء بعد الهمزة وكسر الراء. والباقون بكسر الجيم والراء من غير همز بعد الراء إلا أن ابن كثير فتح الجيم. «وميكائيل» قرأ أبو عمرو وحفص ميكال بغير همزة ولا ياء بين الألف واللام، وقرأ نافع بهمزة بعد الألف ولا ياء بعد الهمزة، والباقون بهمزة بعد الألف وياء.

стр. 32

قال ابن عباس: إن اليهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله ﷺ قبل مبعثه، فلما بعث من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه. فقال لهم معاذ بن جبل: يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك، وتخبروننا أنه مبعوث وتصفون لنا صفته فقال بعضهم: ما جاءنا بشيء من البينات، وما هو بالذي كنا نذكر لكم فأنزل الله تعالى هذه الآية: وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ يا أشرف الخلق آياتٍ بَيِّناتٍ أي آيات القرآن الذي لا يأتي بمثله الجن والإنس وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ (٩٩) وهم أهل الكتاب المحرفون لكتابهم الخارجون عن دينهم. قال ابن عباس: لما ذكرهم رسول الله ﷺ ما أخذ الله عليهم من العهود في محمد ﷺ أن يؤمنوا به. قال مالك بن الصيف: والله ما عهد إلينا في محمد عهدا فأنزل الله هذه الآية: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ أي أكفروا بالآيات وكلما عاهدوا الله عهدا كقولهم قبل مبعثه ﷺ لئن خرج النبي لنؤمنن به ولنخرجن المشركين من ديارهم وككونهم عاهدوا الله على أن لا يعينوا عليه ﷺ أحدا من المشركين ثم أعانوا عليه قريشا يوم الخندق نبذه فريق منهم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) أي لا يصدقون بك أبدا لحسدهم، وقيل: لا يصدقون بكتابهم لأنهم كانوا في قومهم كالمنافقين مع رسول الله ﷺ يظهرون لهم الإيمان بكتابهم ورسولهم ثم لا يعملون بمقتضاه وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هو محمد ﷺ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ من التوراة نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أي أعطوه وتمسكوا به كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) أي أنه كتاب الله أي فكفروا عنادا والكتاب مفعول ثان ل «أوتوا» وكتاب الله مفعول «نبذ» . وقال السدي: لما جاءهم محمد ﷺ خاصموه بالتوراة فاتفقت التوراة والقرآن فنبذوا التوراة لموافقة القرآن لها وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت فلم يوافق القرآن وَاتَّبَعُوا أي اليهود وهو معطوف على نبذ ما تَتْلُوا أي تكذيب الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ من السحر وكانت الشياطين دفنته تحت كرسيه لما نزع ملكه فلم يشعر لذلك سليمان، فلما مات استخرجوه وقالوا للناس: إنما ملككم سليمان بهذا فتعلموه، وأقبلوا على تعلمه ورفضوا كتب أنبيائهم، وفشت الملامة على سليمان فلم تزل هذه حالهم حتى بعث الله تعالى محمدا ﷺ وأنزل الله عليه براءة سليمان ومدة نزع ملكه أربعون يوما، وسبب ذلك أن إحدى زوجاته عبدت صنما أربعين يوما وهو لا يشعر بها فعاتبه الله تعالى بنزع ملكه أربعين يوما، وذلك أن ملكه كان في خاتمه وهو من الجنة، وكان إذا دخل الخلاء نزعه ووضعه عند زوجة له تسمى الأمينة ففعل ذلك يوما فجاء جني اسمه صخر، وتصوّر بصورة سليمان ودخل على الأمينة. وقال: أعطيني خاتمي فدفعته له فسخرت له الجن والإنس والطير والريح، وجلس على كرسي سليمان فجاء سليمان

стр. 33

للأمينة وطلب الخاتم فرأت صورته غير الصورة التي تعرفها منه. فقالت له: ما أنت سليمان وهو قد أخذ الخاتم. فلما تم الأربعون طار الجني من فوق الكرسي ومر على البحر وألقى الخاتم فيه فابتلعته سمكة فوقعت في يد سليمان فأخذه من بطنها ولبسه، ورجع له الملك فأمر الجن بإحضار صخر فأتوا به فحبسه في صخرة وسد عليه بالرصاص والحديد ورماها في قعر البحر. وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ أي ما كتب سليمان السحر وما عمل به لأن العمل بالسحر كفر في شريعته وأما في شرعنا فإن اعتقد فاعله حل استعماله كفر وإلا فلا. وأما تعلمه فإن كان ليعمل به فحرام أو ليتوقاه فمباح أو لا ولا فمكروه وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا أي كتبوا واستعملوا السحر. وقرأ «لكن» ابن عامر وحمزة والكسائي بتخفيف النون مع الكسر ورفع الشياطين يُعَلِّمُونَ أي الشياطين النَّاسَ السِّحْرَ ويقصدون به إضلالهم وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ عطف على السحر أي ويعلمونهم ما ألهماه من السحر. وقيل: عطف على ما «تتلو» واختار أبو مسلم أن «ما» في محل جر عطف على «ملك سليمان» . وذلك أن الملكين أنزلا لتعليم السحر امتحانا من الله للناس هل يتعلمونه أو لا كما امتحن قوم طالوت بالشرب من النهر. وقيل: إنما أنزلا لتعليمه للتمييز بينه وبين المعجزة لئلا يغتر به الناس لأن السحرة كثروا في ذلك الزمن واستنبطوا أبوابا غريبة من السحر وكانوا يدّعون النبوة فبعث الله تعالى هذين الملكين ليعلما الناس أبواب السحر حتى يتمكنوا من معارضة أولئك الكذابين وإظهار أمرهم على الناس بِبابِلَ وهو بلد في سواد العراق هارُوتَ وَمارُوتَ عطف بيان للملكين لأنهما ملكان نزلا من السماء كما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس. وقيل: «ما أنزل» نفي معطوف على قوله تعالى: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ كأنه تعالى قال: لم يكفر سليمان ولم ينزل على الملكين سحر لأن السحرة كانوا يسندون السحر إلى سليمان وزعموا أنه مما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت فكذبهم الله تعالى على ذلك. وقيل: إن الملكين هما جبريل وميكائيل أخرجه البخاري في تاريخه، وابن المنذر عن ابن عباس، وابن أبي حاتم عن عطية. وحينئذ يكون هاروت وماروت مرفوعين بدل من الشياطين بدل من البعض كما هو قراءة الزهري وعلى هذا كما قاله الحسن والضحّاك فهما علجان من بابل يعلمان السحر. وقرأ الحسن «على الملكين» بكسر اللام فهما داود وسليمان كما أخرجه ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن أبزي. وقيل: كانا رجلين صالحين من الملوك. وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ أي وما يعلم الملكان أحدا السحر حَتَّى يَقُولا أولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ أي امتحان من الله تعالى للناس فَلا تَكْفُرْ أي فلا تتعلم ولا تعمل به أي لا يصفان السحر لأحد إلا أن يقولا- يبذلا النصيحة له- فيقولان له: هذا الذي نصه لك وإن كان الغرض منه أن يتميز به الفرق بين السحر والمعجزة

стр. 34

ولكنه يمكنك أن تتوصل به إلى المفاسد والمعاصي فإياك بعد وقوفك عليه أن تستعمله فيما نهيت عنه أو تتوصل به إلى شيء من الأغراض العاجلة فَيَتَعَلَّمُونَ أي الأحد. والمراد به السحرة مِنْهُما أي الملكين أو السحر والمنزل على الملكين أو الفتنة والكفر ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ إما بأن يعتقد أن ذلك السحر مؤثر في هذا التفريق فيصير كافرا وإذا صار كافرا بانت منه امرأته فيحصل تفرق بينهما، وإما بالتمويه والحيل فيبغض كل منهما في الآخر. وَما هُمْ أي السحرة أو اليهود أو الشياطين بِضارِّينَ بِهِ أي باستعمال السحر مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي بإيجاد الله وإرادته وعلمه وَيَتَعَلَّمُونَ أي الشياطين واليهود والسحرة بعضهم من بعض ما يَضُرُّهُمْ في الآخرة وَلا يَنْفَعُهُمْ في الدنيا ولا في الآخرة وهو السحر وَلَقَدْ عَلِمُوا أي اليهود لَمَنِ اشْتَراهُ أي استبدل ما تتلوا الشياطين ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ أي في الجنة مِنْ خَلاقٍ أي نصيب أو ما له في النار من خلاص أي أن اليهود لما نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم وأقبلوا على التمسك بما تتلوا الشياطين فكأنهم قد اشتروا ذلك السحر بكتاب الله وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أي وبالله لبئس شيئا باعوا به حظ أنفسهم في الآخرة الكفر أو تعلم السحر لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) قبحه على اليقين وَلَوْ أَنَّهُمْ أي اليهود آمَنُوا بمحمد المشار إليه في قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [البقرة: ٨٩] إلخ. وبما أنزل إليه من الآيات المذكورة بقوله تعالى: وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ [البقرة: ٩٩] أو بالتوراة التي أريدت بقوله تعالى: نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ [البقرة: ١٠١] وَاتَّقَوْا بأن تابوا من اليهودية واستعمال السحر لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ أي لشيء من ثواب الله خير لهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣) ذلك يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا للنبي ﷺ راعِنا وكان المسلمون يقولون لرسول الله ﷺ : إذا تلا عليهم شيئا من العلم: راعنا يا رسول الله أي تأن بنا حتى نفهم كلامك واليهود كانت لهم كلمة عبرانية يتسابون بها فيما بينهم فلما سمعوا المؤمنين يقولون: راعنا، خاطبوا به النبي ﷺ وهم يعنون بها تلك المسبة ويضحكون فيما بينهم، فسمعها سعد بن معاذ منهم وكان يعرف لغتهم. فقال لليهود: يا أعداء الله عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده لئن سمعتها من أحد منكم يقولها لرسول الله ﷺ لأضربن عنقه، قالوا: أولستم تقولونها؟ فنهي المؤمنون عنها وأمروا بلفظة أخرى لئلا يجد اليهود بذلك سبيلا إلى شتم رسول الله ﷺ . وذلك قوله تعالى: وَقُولُوا انْظُرْنا أي انظر إلينا والمقصود منه أن المعلم إذا نظر إلى المتعلم كان إتيانه للكلام على نعت الأفهام أقوى، وقيل: لا تعجل علينا قاله ابن زيد وَاسْمَعُوا أي أحسنوا سماع ما يقوله النبي ﷺ بآذان واعية وأذهان حاضرة حتى لا تحتاجون إلى الاستعادة وَلِلْكافِرِينَ أي اليهود الذين سبوا رسول الله ﷺ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) هو النار ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وهم اليهود وَلَا الْمُشْرِكِينَ من العرب أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ

стр. 35

مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ أي ما يحب اليهود كعب بن الأشرف وأصحابه ومشركو العرب أبو جهل وأصحابه أن ينزل عليكم وحي من ربكم لأنهم يحسدونكم به وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ أي بوحيه مَنْ يَشاءُ أي من كان أهلا لذلك وهو محمد ﷺ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥) بالوحي على محمد ﷺ من غير علة ولما قال الكفار: إن محمدا يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه وما يقوله: إلا من تلقاء نفسه نزل قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها. قرأ ابن عامر «ننسخ» بضم النون الأولى وكسر السين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «ننسأ» بفتح النون الأولى والسين وبهمزة ساكنة بعد السين أي ما نبدل آية إما بأن نبدل حكمها فقط أو تلاوتها فقط أو نبدلهما معا، أو نتركها كما كانت فلا نبدلها، نأت بأنفع من المنسوخ وأخف في العمل بها، أو نأت بمثلها في الثواب والنفع والعمل أو يقال: ما نمحو من آية قد عمل بها، أو نؤخر نسخها فلا نرفع تلاوتها ولا نزيل حكمها، نأت بما هو أنفع للعباد في السهولة كنسخ وجوب مصابرة الواحد لعشرة من الأعداء بوجوب مصابرته لاثنين أو في كثرة الأجر كنسخ التخيير بين الصوم والفدية بتعيين الصوم أو نأت بمثلها في التكليف والثواب كنسخ وجوب استقبال صخرة بيت المقدس بوجوب استقبال الكعبة فهما متساويان في الأجر أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) وهذا تنبيه للنبي ﷺ وغيره على قدرته تعالى على تصريف المكلف تحت مشيئته وحكمه وحكمته وإنه لا دافع لما أراد ولا مانع لما اختار. أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وهذا هو التنبيه على أنه تعالى إنما حسن منه التكليف لمحض كونه مالكا للخلق مستوليا عليهم لا لثواب يحصل ولا لعقاب يندفع. وَما لَكُمْ يا معشر اليهود مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره مِنْ وَلِيٍّ أي قريب ينفعكم وَلا نَصِيرٍ (١٠٧) يمنع عنكم عذابه. وفرق بين الوليد والنصير بأن الولي قد يعجز عن النصرة والنصير قد يكون أجنبيا عن المنصور ولما قالت اليهود: يا محمد ائتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى موسى بالتوراة نزل قوله تعالى: أَمْ تُرِيدُونَ أي أتريدون أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ أي الرسول الذي جاءكم كَما سُئِلَ مُوسى أي سأله بنو إسرائيل رؤية الرب وغير ذلك مِنْ قَبْلُ أي من قبل هذا الرسول وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٠٨) أي ومن يختر الكفر على الإيمان أي بأن يأخذ الكفر بدل الإيمان فقد أخطأ الطريق المستوي أي الحق وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أي من أحبار اليهود كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب لَوْ يَرُدُّونَكُمْ يا عمار ويا حذيفة ويا معاذ بن جبل مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ بمحمد والقرآن كُفَّاراً أي تمنى كثير من اليهود أن يصيّروكم من بعد إيمانكم مرتدين.

стр. 36

روي أن فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس ونفرا من اليهود قالوا لحذيفة وعمّار بن ياسر بعد وقعة أحد: ألم تروا ما أصابكم ولو كنتم على الحق ما هزمتم! فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل ونحن أهدى منكم سبيلا، فقال عمّار: كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا: أمر شديد. قال: فإني قد عاهدت الله تعالى أني لا أكفر بمحمد ما عشت، فقالت اليهود: أما هذا فقد صبا. وقال حذيفة: أما أنا فقد رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا، وبالقرآن إماما، وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا. ثم أتيا رسول الله ﷺ وأخبراه بذلك فقال: «أصبتما خيرا وأفلحتما» . فنزلت هذه الآية: حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ في كتابهم أن محمدا هو الحق. وقالت صفية بنت حيي للنبي ﷺ : جاء أبي وعمي من عندك، فقال أبي لعمي: ما تقول فيه؟ قال: أقول إنه النبي الذي بشّر به موسى ﵇. قال: فما ترى؟ قال: أرى معاداته أيام الحياة فهذا حكم الحسد. فَاعْفُوا أي اتركوهم فلا تؤاخذوهم وَاصْفَحُوا أي أعرضوا عنهم فلا تلوموهم حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ فيهم أي بقتل بني قريظة وسبيهم، وإجلاء بني النضير وإذلالهم بضرب الجزية عليهم أو بإذنه في القتال إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) فهو يقدر على الانتقام منهم من القتل والإجلاء وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ والواجبتين عليكم ولما أمر الله المؤمنين بالعفو والصفح عن اليهود أمرهم بما فيه صلاح أنفسهم فقال: أقيموا الصلاة. وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ أي عمل صالح أي أيّ شيء من التطوعات تقدموه لمصلحة أنفسكم تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ أي تجدوا ثوابه مدخرا عند الله إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠) فلا يضيع عنده عمل وَقالُوا عطف على ود لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى أي قالت يهود المدينة: لن يدخل الجنة إلا اليهود ولا دين إلا دين اليهودية. وقالت نصارى نجران: لن يدخل الجنة إلا النصارى ولا دين إلا دين النصرانية. وقرأ أبيّ ابن كعب إلا من كان يهوديا أو نصرانيا أي قالوا ذلك لما تناظروا بين يدي النبي ﷺ تِلْكَ أي الأماني الباطلة وهي أمنيتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم وأمنيتهم أن يروا المؤمنين كفارا وأمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم أَمانِيُّهُمْ أي متمنياتهم على الله ما ليس في كتابهم قُلْ يا أشرف الخلق هاتُوا بُرْهانَكُمْ أي أحضروا حجتكم من كتابكم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١١١) في مقالتكم بَلى يدخل الجنة غيرهم مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ أي من أخلص نفسه لِلَّهِ لا يشرك به شيئا وَهُوَ مُحْسِنٌ في جميع أعماله فَلَهُ أَجْرُهُ الذي وعد له على عمله عِنْدَ رَبِّهِ أي في الجنة وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ في الدارين من لحوق مكروه وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢) من فوات مطلوب ولما قدم نصارى نجران على رسول الله ﷺ أتاهم أحبار اليهود فتخاصموا في الدين حتى ارتفعت أصواتهم، فقالت لهم اليهود: ما أنتم على شيء من الدين. وقالت النصارى لليهود: ما أنتم على شيء من الدين. أنزل الله تعالى هذه الآية وَقالَتِ الْيَهُودُ أي يهود المدينة لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ أي أمر يعتد به

стр. 37

من الدين. قاله رافع بن حرملة فكفر بعيسى والإنجيل وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ قاله رجل من أهل نجران فكفر بموسى والتوراة كما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس. وَهُمْ أي الفريقان يَتْلُونَ الْكِتابَ المنزّل عليهم ويقولون ما ليس فيه وكان حق كل منهم أن يقر بحقيقة دين خصمه بحسب ما ينطق به كتابه فإن في كتاب اليهود تصديق عيسى وفي كتاب النصارى تصديق موسى كَذلِكَ أي مثل ذلك الذي سمعت به قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ كتاب الله. قال السدي: هم العرب. وقال عطاء: هم أمم كانت قبل اليهود والنصارى كما أخرجهما ابن جرير مِثْلَ قَوْلِهِمْ بدل من كذلك بيان للكاف أي لأهل كل دين أنهم ليسوا على شيء يصح فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ من الدين يَخْتَلِفُونَ (١١٣) فيقسم لكل فريق منهم من العقاب الذي استحقه. وقال الحسن: أي فالله يكذبهم جميعا ويدخلهم النار وَمَنْ أَظْلَمُ أي لا أحد أظلم مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ بالصلاة والتسبيح وَسَعى أي عمل فِي خَرابِها بالهدم أو التعطيل بانقطاع الذكر أُولئِكَ المانعون الساعون في خرابها ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ أي ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا المساجد إلا بخشية وخضوع، وقيل: معنى هذه الجملة النهي عن تمكين الكفار من الدخول في المسجد. واختلف الأئمة في ذلك فجوزه أبو حنيفة مطلقا، ومنعه مالك مطلقا، وفرّق الشافعي بين المسجد الحرام وغيره، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنهم قريش كما قيل: إن هذه الآية نزلت في شأن مشركي العرب الذين منعوا رسول الله ﷺ عن الدعاء إلى الله بمكة وألجأوه إلى الهجرة فصاروا مانعين له ولأصحابه أن يذكروا الله في المسجد الحرام. وقد كان الصديق ﵁ كان له موضع صلاة فخربته قريش لما هاجر، ومن طريق الغنوي عن ابن عباس أنهم النصارى كما نقل عن ابن عباس أن طيطيوس بن اسبيانوس الرومي- ملك النصارى- وأصحابه غزوا بني إسرائيل وقتلوا مقاتلتهم وسبوا ذراريهم، وأحرقوا التوراة، وخربوا بيت المقدس، وقذفوا فيه الجيف وذبحوا فيه الخنازير، ولم يزل بيت المقدس خرابا حتى بناه المسلمون في زمن عمر ﵁. ومعنى هذه الآية حينئذ ولا أحد أظلم في كفره ممن خرب بيت المقدس لكيلا يذكر فيه اسمه بالتوحيد والأذان وعمل في خرابه من إلقاء الجيف فيه. أولئك- أي أهل الروم- ما كان لهم أمن في دخوله إلا مستخفين من المؤمنين مخافة القتل وهذا الحكم عام لكل من فعل ذلك في أي مسجد كان لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ أي هوان بالقتل والسبي وضرب الجزية عليهم وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١٤) وهو عذاب النار وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ أي له تعالى كل الأرض فإن منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام أو المسجد الأقصى فقد جعلت لكم الأرض مسجدا فَأَيْنَما تُوَلُّوا وجوهكم في الصلاة بأمره فَثَمَّ أي هناك وَجْهُ اللَّهِ أي قبلته كما قاله مجاهد. وقرئ بفتح التاء واللام

стр. 38

أي فأينما توجهوا إلى القبلة فثم مرضاة الله إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ برحمته يريد التوسعة على عباده عَلِيمٌ (١١٥) بمصالحهم وأعمالهم في الأماكن كلها أي إن الله تعالى أراد تحويل المؤمنين عن استقبال بيت المقدس إلى الكعبة فبيّن تعالى أن المشرق والمغرب وجميع الجهات مملوكة له تعالى، فأينما أمركم الله باستقباله فهو القبلة لأن القبلة ليست قبلة لذاتها بل إن الله تعالى جعلها قبلة، فإن جعل الكعبة قبلة فلا تنكروا ذلك لأنه تعالى يدبر عباده وكيف يريد. وقال ابن عباس: لما حولت القبلة عن بيت المقدس أنكر اليهود ذلك فنزلت هذه الآية ردا عليهم. وقال أبو مسلم: إن اليهود إنما استقبلوا بيت المقدس لأنهم اعتقدوا أن الله تعالى صعد السماء من الصخرة والنصارى إنما استقبلوا المشرق لأن عيسى ﵇ ولد هناك فرد الله عليهم بهذه الآية: وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ أي صنع وَلَداً. وقرأ ابن عامر «قالوا» بغير واو قبل القاف أي قالت اليهود: عزير ابن الله. وقالت النصارى: المسيح ابن الله. وقال مشركوا العرب: الملائكة بنات الله. فقال الله تعالى ردا عليهم: سُبْحانَهُ وهي كلمة تنزيه ينزه الله تعالى بها نفسه عما قالوه بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ والملكية تنافي الوالدية أي ليس الأمر كما زعموا بل هو خالق جميع الموجودات التي من جملتها عزير والمسيح والملائكة كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (١١٦) أي كل ما في السموات والأرض مطيعون له لا يستعصي شيء منهم على تكوينه ومشيئته فالطاعة هنا طاعة الإرادة لا طاعة العبادة بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي موجودهما بلا مثال وَإِذا قَضى أَمْراً أي إذا أراد إيجاد شيء فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧) أي أحدث فيحدث. وقوله «كن» تمثيل لسهولة حصول المقدورات بحسب تعلق مشيئته تعالى وتصوير لسرعة حدوثها من غير توقف كطاعة المأمور المطيع للآمر القوي المطاع، ولا يكون من المأمور الآباء. وقرأ ابن عامر «كن فيكون» بالنصب في كل القرآن إلا في موضعين في أول آل عمران في قوله تعالى: كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ [آل عمران: ٣] . وفي الأنعام في قوله تعالى: كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ [الأنعام: ٧٣] فإنه رفعها. وقرأ الكسائي بالنصب في النحل ويس، وبالرفع في سائر القرآن. والباقون بالرفع في كل القرآن. أما النصب فعلى جواب الأمر، وأما الرفع فإما على أنه خبر مبتدأ محذوف أي فهو يكون أو معطوف على «يقول» أو معطوف على «كن» من حيث المعنى كما هو قول الفارسي. وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ للنبي ﷺ وهم اليهود منهم رافع بن حرملة كما أخرجه جرير عن ابن عباس أو النصارى كما قاله مجاهد ووصفهم بعدم العلم لعدم علمهم بالتوحيد والنبوة كما ينبغي، أو هم كفار العرب كما أخرج عن قتادة لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أي هلا يكلمنا الله مشافهة من غير واسطة بالأمر والنهي كما يكلم الملائكة أو موسى وهو ينص على نبوتك وهذا منهم استكبار أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ أي فإن كان الله تعالى لا يفعل ذلك فلم لا يخصك بآية ومعجزة تأتينا- وهذا منهم إنكار في كون القرآن آية

стр. 39

ومعجزة لأنهم لو أقروا بكونه معجزة لاستحال أن يقولوا ذلك- ثم أجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله: كَذلِكَ أي مثل ذلك القول الشنيع الصادر عن العناد قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي من كفار الأمم الماضية لأنبيائهم مِثْلَ قَوْلِهِمْ في التشديد وطلب الآيات فقالوا: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [النساء: ١٥٣] وقالوا: لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ [البقرة: ٦١] وقالوا: اجْعَلْ لَنا إِلهاً [الأعراف: ١٣٨] وقالوا: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ [المائدة: ١١٢] . تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ أي توافقت قلوبهم مع آبائهم واستوت كلمتهم في الكفر والعناد قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ أي نزلناها بينة لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨) أي يطلبون اليقين. وحاصل هذا الجواب من الله تعالى أنا قد أيدنا قول محمد ﷺ بالمعجزات وبينا صحة قوله بالآيات وهي القرآن وسائر المعجزات فكان طلب هذه الزوائد من باب التعنت وإذا كان كذلك لم يجب إجابتها. إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً أي إنا أرسلناك ملتبسا بالقرآن والدين لتكون مبشرا لمن اتبعك واهتدى بدينك، ومنذرا لمن كفر بك وضل عن دينك، أو المعنى إنا أرسلناك صادقا حال كونك بشيرا لمن صدّقك بالثواب، ونذيرا لمن كذّبك بالعذاب وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (١١٩) . قرأ الجمهور برفع التاء واللام على الخبر أي ولست بمسؤول عنهم ما لهم لم يؤمنوا بما أنزل عليك بعد ما بلغت ما أرسلت به. وقرأ نافع بالجزم وفتح التاء على النهي أي لا تسأل عن حال كفار أهل الكتاب التي تكون لهم في القيامة ولا يمكنك في هذه الدار الاطلاع عليها وذلك إعلام بكمال شدة عقوبة الكفار فلا يستطيع السامع أن يسمع خبرها وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ أي لن ترضى عنك يهود المدينة ولو خليتهم وشأنهم حتى تتبع دينهم وقبلتهم، ولن ترضى عنك نصارى نجران ولو تركتهم ودينهم حتى تتبع ملتهم وقبلتهم قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى أي قل لهم يا أشرف الخلق ردا لقولهم لك لن ترضى عنك حتى تتبع ديننا إن دين الله هو الإسلام، وإن قبلة الله هي الكعبة وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ على سبيل التقدير أو المراد من هذا الخطاب أمته ﷺ أَهْواءَهُمْ أي أقوالهم التي هي أهواء النفس وهي المعبر عنها أولا بقوله تعالى: مِلَّتَهُمْ إذ هم الذين ينتسبون إليها. أما الشريعة الحقيقية من الله فقد غيروها تغييرا، أي والله لئن اتبعت ملتهم وقبلتهم بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ أي من الدين المعلوم صحته في أن دين الله هو الإسلام وقبلة الله هي الكعبة ما لَكَ مِنَ اللَّهِ أي من عذاب الله مِنْ وَلِيٍّ أي قريب ينفعك وَلا نَصِيرٍ (١٢٠) يمنعك منه. الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ عبد الله بن سلام وأصحابه وبحيرا الراهب، وأصحابه والنجاشي وأصحابه يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أي يقرءونه كما أنزل لا يغيرونه ولا يبدلون ما فيه من نعت رسول الله ﷺ ويتدبرون في معانيه ويخضعون عند تلاوته ويبينون أمره ونهيه لمن سألهم أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ أي بكتابهم، وبمتشابهه ويتوقفون فيما أشكل عليهم منه ويفوضونه

стр. 40

إلى الله تعالى ويعملون بمحكمه وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ أي بالكتاب المؤتى بأن يغيره فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٢١) حيث اشتروا الكفر بالإيمان. يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ومن جملة النعمة: التوراة وذكر النعمة إنما يكون بشكرها، وشكرها الإيمان بجميع ما فيها، ومن لازم الإيمان بها الإيمان بنبينا محمد ﷺ لأن نعت النبي من جملة ما فيها وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ بالإسلام عَلَى الْعالَمِينَ (١٢٢) أي الموجودين في زمانكم وَاتَّقُوا يَوْماً أي اخشوا عذاب يوم لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً من عذاب الله وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ أي فداء وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣) أي يمنعون مما يريد الله بهم، ثم ذكر الله تعالى قصة إبراهيم توبيخا لأهل الملل المخالفين، وذلك لأن إبراهيم يعترف بفضله جميع الطوائف قديما وحديثا، فالمشركون كانوا متشرفين بأنهم من أولاده. ومن ساكني حرمه، وخادمي بيته، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى كانوا متشرفين بأنهم من أولاده فحكى الله تعالى عن إبراهيم ﵇ أمورا توجب على المشركين واليهود والنصارى قبول قول محمد ﷺ والانقياد لشرعه، لأن ما أوجبه الله تعالى على إبراهيم جاء به محمد كأفعال الحج واستقبال الكعبة وفي ذلك حجة عليهم فقال تعالى: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ أي بأوامر ونواه. قيل: قال ابن عباس وقتادة: هي مناسك الحج كالإحرام والطواف والسعي والرمي. وقال ابن عباس: هي عشر خصال كانت فرضا في شرعه، وهي سنة في شرعنا: خمس في الرأس، وخمس في الجسد. أما التي في الرأس فالمضمضة والاستنشاق والسواك وقص الشارب وفرق الرأس أي فرق شعره إلى الجانب الأيمن والجانب الأيسر، وأما التي في البدن فالختان وحلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظفار والاستنجاء بالماء. وقرأ ابن عباس وأبو حيوة إبراهيم ربه برفع إبراهيم ونصب ربه، والمعنى أن إبراهيم دعا ربه بكلمات من الدعاء كفعل المختبر هل يجيبه الله تعالى إليهن أم لا؟ فَأَتَمَّهُنَّ أي قام بها حق القيام وأداها أحسن التأدية من غير تفريط قالَ تعالى له إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً أي قدوة في الدين إلى يوم القيامة. والذي يكون كذلك لا بدّ وأن يكون رسولا من عند الله مستقلا بالشرع وأن يكون نبيا إذ لم يبعث بعده نبي إلا كان من ذريته مأمورا باتباعه في الجملة. قالَ أي إبراهيم وَمِنْ ذُرِّيَّتِي أي واجعل من بعض أولادي أئمة يقتدى بهم في الدين. قالَ الله: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) أي لا يصيب عهدي بالإمامة والنبوة الكافرين. وكل عاص فإنه ظالم لنفسه. وقرأ قتادة والأعمش وأبو رجاء «الظالمون» رفعا بالفاعلية و «عهدي» مفعول به وفي هذا دليل على عصمة الأنبياء ﵈ من الكبائر مطلقا وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ أي جميع الحرم مَثابَةً لِلنَّاسِ أي مرجعا لهم فإنهم يثوبون إليه كل عام بأعيانهم أو بأمثالهم كما قاله الحسن. أو
следующие страницы →