← Тафсир

Тафсир · id 22769

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

نووي الجاوي

Полный текст (1 343 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

روي أن فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس ونفرا من اليهود قالوا لحذيفة وعمّار بن ياسر بعد وقعة أحد: ألم تروا ما أصابكم ولو كنتم على الحق ما هزمتم! فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل ونحن أهدى منكم سبيلا، فقال عمّار: كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا: أمر شديد. قال: فإني قد عاهدت الله تعالى أني لا أكفر بمحمد ما عشت، فقالت اليهود: أما هذا فقد صبا. وقال حذيفة: أما أنا فقد رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا، وبالقرآن إماما، وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا. ثم أتيا رسول الله ﷺ وأخبراه بذلك فقال: «أصبتما خيرا وأفلحتما» . فنزلت هذه الآية: حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ في كتابهم أن محمدا هو الحق. وقالت صفية بنت حيي للنبي ﷺ : جاء أبي وعمي من عندك، فقال أبي لعمي: ما تقول فيه؟ قال: أقول إنه النبي الذي بشّر به موسى ﵇. قال: فما ترى؟ قال: أرى معاداته أيام الحياة فهذا حكم الحسد. فَاعْفُوا أي اتركوهم فلا تؤاخذوهم وَاصْفَحُوا أي أعرضوا عنهم فلا تلوموهم حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ فيهم أي بقتل بني قريظة وسبيهم، وإجلاء بني النضير وإذلالهم بضرب الجزية عليهم أو بإذنه في القتال إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) فهو يقدر على الانتقام منهم من القتل والإجلاء وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ والواجبتين عليكم ولما أمر الله المؤمنين بالعفو والصفح عن اليهود أمرهم بما فيه صلاح أنفسهم فقال: أقيموا الصلاة. وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ أي عمل صالح أي أيّ شيء من التطوعات تقدموه لمصلحة أنفسكم تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ أي تجدوا ثوابه مدخرا عند الله إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠) فلا يضيع عنده عمل وَقالُوا عطف على ود لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى أي قالت يهود المدينة: لن يدخل الجنة إلا اليهود ولا دين إلا دين اليهودية. وقالت نصارى نجران: لن يدخل الجنة إلا النصارى ولا دين إلا دين النصرانية. وقرأ أبيّ ابن كعب إلا من كان يهوديا أو نصرانيا أي قالوا ذلك لما تناظروا بين يدي النبي ﷺ تِلْكَ أي الأماني الباطلة وهي أمنيتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم وأمنيتهم أن يروا المؤمنين كفارا وأمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم أَمانِيُّهُمْ أي متمنياتهم على الله ما ليس في كتابهم قُلْ يا أشرف الخلق هاتُوا بُرْهانَكُمْ أي أحضروا حجتكم من كتابكم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١١١) في مقالتكم بَلى يدخل الجنة غيرهم مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ أي من أخلص نفسه لِلَّهِ لا يشرك به شيئا وَهُوَ مُحْسِنٌ في جميع أعماله فَلَهُ أَجْرُهُ الذي وعد له على عمله عِنْدَ رَبِّهِ أي في الجنة وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ في الدارين من لحوق مكروه وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢) من فوات مطلوب ولما قدم نصارى نجران على رسول الله ﷺ أتاهم أحبار اليهود فتخاصموا في الدين حتى ارتفعت أصواتهم، فقالت لهم اليهود: ما أنتم على شيء من الدين. وقالت النصارى لليهود: ما أنتم على شيء من الدين. أنزل الله تعالى هذه الآية وَقالَتِ الْيَهُودُ أي يهود المدينة لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ أي أمر يعتد به

стр. 37

من الدين. قاله رافع بن حرملة فكفر بعيسى والإنجيل وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ قاله رجل من أهل نجران فكفر بموسى والتوراة كما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس. وَهُمْ أي الفريقان يَتْلُونَ الْكِتابَ المنزّل عليهم ويقولون ما ليس فيه وكان حق كل منهم أن يقر بحقيقة دين خصمه بحسب ما ينطق به كتابه فإن في كتاب اليهود تصديق عيسى وفي كتاب النصارى تصديق موسى كَذلِكَ أي مثل ذلك الذي سمعت به قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ كتاب الله. قال السدي: هم العرب. وقال عطاء: هم أمم كانت قبل اليهود والنصارى كما أخرجهما ابن جرير مِثْلَ قَوْلِهِمْ بدل من كذلك بيان للكاف أي لأهل كل دين أنهم ليسوا على شيء يصح فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ من الدين يَخْتَلِفُونَ (١١٣) فيقسم لكل فريق منهم من العقاب الذي استحقه. وقال الحسن: أي فالله يكذبهم جميعا ويدخلهم النار وَمَنْ أَظْلَمُ أي لا أحد أظلم مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ بالصلاة والتسبيح وَسَعى أي عمل فِي خَرابِها بالهدم أو التعطيل بانقطاع الذكر أُولئِكَ المانعون الساعون في خرابها ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ أي ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا المساجد إلا بخشية وخضوع، وقيل: معنى هذه الجملة النهي عن تمكين الكفار من الدخول في المسجد. واختلف الأئمة في ذلك فجوزه أبو حنيفة مطلقا، ومنعه مالك مطلقا، وفرّق الشافعي بين المسجد الحرام وغيره، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنهم قريش كما قيل: إن هذه الآية نزلت في شأن مشركي العرب الذين منعوا رسول الله ﷺ عن الدعاء إلى الله بمكة وألجأوه إلى الهجرة فصاروا مانعين له ولأصحابه أن يذكروا الله في المسجد الحرام. وقد كان الصديق ﵁ كان له موضع صلاة فخربته قريش لما هاجر، ومن طريق الغنوي عن ابن عباس أنهم النصارى كما نقل عن ابن عباس أن طيطيوس بن اسبيانوس الرومي- ملك النصارى- وأصحابه غزوا بني إسرائيل وقتلوا مقاتلتهم وسبوا ذراريهم، وأحرقوا التوراة، وخربوا بيت المقدس، وقذفوا فيه الجيف وذبحوا فيه الخنازير، ولم يزل بيت المقدس خرابا حتى بناه المسلمون في زمن عمر ﵁. ومعنى هذه الآية حينئذ ولا أحد أظلم في كفره ممن خرب بيت المقدس لكيلا يذكر فيه اسمه بالتوحيد والأذان وعمل في خرابه من إلقاء الجيف فيه. أولئك- أي أهل الروم- ما كان لهم أمن في دخوله إلا مستخفين من المؤمنين مخافة القتل وهذا الحكم عام لكل من فعل ذلك في أي مسجد كان لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ أي هوان بالقتل والسبي وضرب الجزية عليهم وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١٤) وهو عذاب النار وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ أي له تعالى كل الأرض فإن منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام أو المسجد الأقصى فقد جعلت لكم الأرض مسجدا فَأَيْنَما تُوَلُّوا وجوهكم في الصلاة بأمره فَثَمَّ أي هناك وَجْهُ اللَّهِ أي قبلته كما قاله مجاهد. وقرئ بفتح التاء واللام

стр. 38

أي فأينما توجهوا إلى القبلة فثم مرضاة الله إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ برحمته يريد التوسعة على عباده عَلِيمٌ (١١٥) بمصالحهم وأعمالهم في الأماكن كلها أي إن الله تعالى أراد تحويل المؤمنين عن استقبال بيت المقدس إلى الكعبة فبيّن تعالى أن المشرق والمغرب وجميع الجهات مملوكة له تعالى، فأينما أمركم الله باستقباله فهو القبلة لأن القبلة ليست قبلة لذاتها بل إن الله تعالى جعلها قبلة، فإن جعل الكعبة قبلة فلا تنكروا ذلك لأنه تعالى يدبر عباده وكيف يريد. وقال ابن عباس: لما حولت القبلة عن بيت المقدس أنكر اليهود ذلك فنزلت هذه الآية ردا عليهم. وقال أبو مسلم: إن اليهود إنما استقبلوا بيت المقدس لأنهم اعتقدوا أن الله تعالى صعد السماء من الصخرة والنصارى إنما استقبلوا المشرق لأن عيسى ﵇ ولد هناك فرد الله عليهم بهذه الآية: وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ أي صنع وَلَداً. وقرأ ابن عامر «قالوا» بغير واو قبل القاف أي قالت اليهود: عزير ابن الله. وقالت النصارى: المسيح ابن الله. وقال مشركوا العرب: الملائكة بنات الله. فقال الله تعالى ردا عليهم: سُبْحانَهُ وهي كلمة تنزيه ينزه الله تعالى بها نفسه عما قالوه بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ والملكية تنافي الوالدية أي ليس الأمر كما زعموا بل هو خالق جميع الموجودات التي من جملتها عزير والمسيح والملائكة كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (١١٦) أي كل ما في السموات والأرض مطيعون له لا يستعصي شيء منهم على تكوينه ومشيئته فالطاعة هنا طاعة الإرادة لا طاعة العبادة بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي موجودهما بلا مثال وَإِذا قَضى أَمْراً أي إذا أراد إيجاد شيء فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧) أي أحدث فيحدث. وقوله «كن» تمثيل لسهولة حصول المقدورات بحسب تعلق مشيئته تعالى وتصوير لسرعة حدوثها من غير توقف كطاعة المأمور المطيع للآمر القوي المطاع، ولا يكون من المأمور الآباء. وقرأ ابن عامر «كن فيكون» بالنصب في كل القرآن إلا في موضعين في أول آل عمران في قوله تعالى: كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ [آل عمران: ٣] . وفي الأنعام في قوله تعالى: كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ [الأنعام: ٧٣] فإنه رفعها. وقرأ الكسائي بالنصب في النحل ويس، وبالرفع في سائر القرآن. والباقون بالرفع في كل القرآن. أما النصب فعلى جواب الأمر، وأما الرفع فإما على أنه خبر مبتدأ محذوف أي فهو يكون أو معطوف على «يقول» أو معطوف على «كن» من حيث المعنى كما هو قول الفارسي. وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ للنبي ﷺ وهم اليهود منهم رافع بن حرملة كما أخرجه جرير عن ابن عباس أو النصارى كما قاله مجاهد ووصفهم بعدم العلم لعدم علمهم بالتوحيد والنبوة كما ينبغي، أو هم كفار العرب كما أخرج عن قتادة لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أي هلا يكلمنا الله مشافهة من غير واسطة بالأمر والنهي كما يكلم الملائكة أو موسى وهو ينص على نبوتك وهذا منهم استكبار أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ أي فإن كان الله تعالى لا يفعل ذلك فلم لا يخصك بآية ومعجزة تأتينا- وهذا منهم إنكار في كون القرآن آية

стр. 39

ومعجزة لأنهم لو أقروا بكونه معجزة لاستحال أن يقولوا ذلك- ثم أجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله: كَذلِكَ أي مثل ذلك القول الشنيع الصادر عن العناد قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي من كفار الأمم الماضية لأنبيائهم مِثْلَ قَوْلِهِمْ في التشديد وطلب الآيات فقالوا: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [النساء: ١٥٣] وقالوا: لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ [البقرة: ٦١] وقالوا: اجْعَلْ لَنا إِلهاً [الأعراف: ١٣٨] وقالوا: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ [المائدة: ١١٢] . تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ أي توافقت قلوبهم مع آبائهم واستوت كلمتهم في الكفر والعناد قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ أي نزلناها بينة لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨) أي يطلبون اليقين. وحاصل هذا الجواب من الله تعالى أنا قد أيدنا قول محمد ﷺ بالمعجزات وبينا صحة قوله بالآيات وهي القرآن وسائر المعجزات فكان طلب هذه الزوائد من باب التعنت وإذا كان كذلك لم يجب إجابتها. إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً أي إنا أرسلناك ملتبسا بالقرآن والدين لتكون مبشرا لمن اتبعك واهتدى بدينك، ومنذرا لمن كفر بك وضل عن دينك، أو المعنى إنا أرسلناك صادقا حال كونك بشيرا لمن صدّقك بالثواب، ونذيرا لمن كذّبك بالعذاب وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (١١٩) . قرأ الجمهور برفع التاء واللام على الخبر أي ولست بمسؤول عنهم ما لهم لم يؤمنوا بما أنزل عليك بعد ما بلغت ما أرسلت به. وقرأ نافع بالجزم وفتح التاء على النهي أي لا تسأل عن حال كفار أهل الكتاب التي تكون لهم في القيامة ولا يمكنك في هذه الدار الاطلاع عليها وذلك إعلام بكمال شدة عقوبة الكفار فلا يستطيع السامع أن يسمع خبرها وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ أي لن ترضى عنك يهود المدينة ولو خليتهم وشأنهم حتى تتبع دينهم وقبلتهم، ولن ترضى عنك نصارى نجران ولو تركتهم ودينهم حتى تتبع ملتهم وقبلتهم قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى أي قل لهم يا أشرف الخلق ردا لقولهم لك لن ترضى عنك حتى تتبع ديننا إن دين الله هو الإسلام، وإن قبلة الله هي الكعبة وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ على سبيل التقدير أو المراد من هذا الخطاب أمته ﷺ أَهْواءَهُمْ أي أقوالهم التي هي أهواء النفس وهي المعبر عنها أولا بقوله تعالى: مِلَّتَهُمْ إذ هم الذين ينتسبون إليها. أما الشريعة الحقيقية من الله فقد غيروها تغييرا، أي والله لئن اتبعت ملتهم وقبلتهم بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ أي من الدين المعلوم صحته في أن دين الله هو الإسلام وقبلة الله هي الكعبة ما لَكَ مِنَ اللَّهِ أي من عذاب الله مِنْ وَلِيٍّ أي قريب ينفعك وَلا نَصِيرٍ (١٢٠) يمنعك منه. الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ عبد الله بن سلام وأصحابه وبحيرا الراهب، وأصحابه والنجاشي وأصحابه يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أي يقرءونه كما أنزل لا يغيرونه ولا يبدلون ما فيه من نعت رسول الله ﷺ ويتدبرون في معانيه ويخضعون عند تلاوته ويبينون أمره ونهيه لمن سألهم أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ أي بكتابهم، وبمتشابهه ويتوقفون فيما أشكل عليهم منه ويفوضونه

стр. 40

إلى الله تعالى ويعملون بمحكمه وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ أي بالكتاب المؤتى بأن يغيره فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٢١) حيث اشتروا الكفر بالإيمان. يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ومن جملة النعمة: التوراة وذكر النعمة إنما يكون بشكرها، وشكرها الإيمان بجميع ما فيها، ومن لازم الإيمان بها الإيمان بنبينا محمد ﷺ لأن نعت النبي من جملة ما فيها وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ بالإسلام عَلَى الْعالَمِينَ (١٢٢) أي الموجودين في زمانكم وَاتَّقُوا يَوْماً أي اخشوا عذاب يوم لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً من عذاب الله وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ أي فداء وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣) أي يمنعون مما يريد الله بهم، ثم ذكر الله تعالى قصة إبراهيم توبيخا لأهل الملل المخالفين، وذلك لأن إبراهيم يعترف بفضله جميع الطوائف قديما وحديثا، فالمشركون كانوا متشرفين بأنهم من أولاده. ومن ساكني حرمه، وخادمي بيته، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى كانوا متشرفين بأنهم من أولاده فحكى الله تعالى عن إبراهيم ﵇ أمورا توجب على المشركين واليهود والنصارى قبول قول محمد ﷺ والانقياد لشرعه، لأن ما أوجبه الله تعالى على إبراهيم جاء به محمد كأفعال الحج واستقبال الكعبة وفي ذلك حجة عليهم فقال تعالى: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ أي بأوامر ونواه. قيل: قال ابن عباس وقتادة: هي مناسك الحج كالإحرام والطواف والسعي والرمي. وقال ابن عباس: هي عشر خصال كانت فرضا في شرعه، وهي سنة في شرعنا: خمس في الرأس، وخمس في الجسد. أما التي في الرأس فالمضمضة والاستنشاق والسواك وقص الشارب وفرق الرأس أي فرق شعره إلى الجانب الأيمن والجانب الأيسر، وأما التي في البدن فالختان وحلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظفار والاستنجاء بالماء. وقرأ ابن عباس وأبو حيوة إبراهيم ربه برفع إبراهيم ونصب ربه، والمعنى أن إبراهيم دعا ربه بكلمات من الدعاء كفعل المختبر هل يجيبه الله تعالى إليهن أم لا؟ فَأَتَمَّهُنَّ أي قام بها حق القيام وأداها أحسن التأدية من غير تفريط قالَ تعالى له إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً أي قدوة في الدين إلى يوم القيامة. والذي يكون كذلك لا بدّ وأن يكون رسولا من عند الله مستقلا بالشرع وأن يكون نبيا إذ لم يبعث بعده نبي إلا كان من ذريته مأمورا باتباعه في الجملة. قالَ أي إبراهيم وَمِنْ ذُرِّيَّتِي أي واجعل من بعض أولادي أئمة يقتدى بهم في الدين. قالَ الله: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) أي لا يصيب عهدي بالإمامة والنبوة الكافرين. وكل عاص فإنه ظالم لنفسه. وقرأ قتادة والأعمش وأبو رجاء «الظالمون» رفعا بالفاعلية و «عهدي» مفعول به وفي هذا دليل على عصمة الأنبياء ﵈ من الكبائر مطلقا وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ أي جميع الحرم مَثابَةً لِلنَّاسِ أي مرجعا لهم فإنهم يثوبون إليه كل عام بأعيانهم أو بأمثالهم كما قاله الحسن. أو

стр. 41

المراد لا ينصرف عنه أحد إلا وهو يتمنى العود إليه كما قاله ابن عباس ومجاهد. أو المعنى جعلنا الكعبة موضع ثواب يثابون بحجه واعتماره وَأَمْناً أي موضع أمن لمن يسكنه ويلجأ إليه من الأعداء والخسف والمسخ أو آمنا من حجه من عذاب الآخرة من حيث إن الحج يجب ما قبله وحمل بعضهم هذه الكلمة على الأمر على سبيل التأويل. والمعنى أن الله تعالى أمر الناس بأن يجعلوا ذلك الموضوع آمنا من الغارة والقتل فكان البيت محترما بحكم الله تعالى وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى. روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن إبراهيم ﵇ كان يبني البيت وإسماعيل يناوله الحجارة، ويقولان: ربنا نقبل منا إنك أنت السميع العليم فلما ارتفع البنيان وضعف إبراهيم عن وضع الحجارة قام على حجر وهو مقام إبراهيم ﵇. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم والكسائي و «اتخذوا» بكسر الخاء على صيغة الأمر. قال قتادة والسدي: أمروا أن يصلوا عنده وعلى هذا فهذه الجملة كلام اعترض في خلال ذكر قصة إبراهيم ﵇ فكأنه تعالى قال: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا- أنتم يا أمة محمد- من مقام إبراهيم مصلى. والتقدير أنا لما شرفناه ووصفناه بكونه مثابة للناس وأمنا فاتخذوه قبلة لأنفسكم. وقرأ نافع وابن عامر «واتخذوا» بفتح الخاء على صيغة الماضي فهو إخبار عن ولد إبراهيم إنهم اتخذوا من مقامه مصلى. وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أي أمرناهما أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ أي بأن أسساه على التقوى. وقيل: معناه عرّفا الناس أن بيتي طهرة لهم متى حجوه وزاروه وأقاموا فيه لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) جمع راكع وساجد. فالمراد بالطائفين: من يقصد البيت حاجا أو معتمرا فيطوف به. وبالعاكفين: من يقيم هناك ويجاور. وبالركع السجود: من يصلي هناك. قال عطاء: فإذا كان الشخص طائفا فهو من الطائفين، وإذا كان جالسا فهو من العاكفين، وإذا كان مصليا فهو من الركع السجود ثم إذا فسرنا الطائفين بالغرباء فحينئذ تدل الآية على أن الطواف للغرباء أفضل من الصلاة. روي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء أن الطواف لأهل الأمصار أفضل والصلاة لأهل مكة أفضل. وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا الحرم بَلَداً آمِناً أي كثيرا لخصب فإن الدنيا إذا طلبت ليتقوى بها على الدين كان ذلك من أعظم أركان الدين فإذا كان البلد آمنا وحصل فيه الخصب تفرغ أهله لطاعة الله تعالى وأيضا إن الخصب مما يدعو الإنسان إلى تلك البلدة فهو سبب اتصاله في الطاعة وَارْزُقْ أَهْلَهُ أي الحرم مِنَ الثَّمَراتِ وقد حصل في مكة الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد. روي أن الطائف كانت من مدائن الشام في أردن فلما دعا إبراهيم بهذا الدعاء أمر الله تعالى

стр. 42

جبريل ﵇ حتى قطعها من أصلها وأدارها حول البيت سبعا، ثم وضعها موضعها الآن فمنها أكثر ثمرات مكة مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ بدل من أهله بدل البعض خصهم سيدنا إبراهيم بالدعاء مراعاة لحسن الأدب وفي ذلك ترغيب لقومه في الإيمان. قالَ تعالى: وَمَنْ كَفَرَ أي أرزقه فَأُمَتِّعُهُ بالرزق قَلِيلًا أي مدة عمره. وقرأ ابن عباس بسكون الميم. ثُمَّ أَضْطَرُّهُ أي ألجئه في الآخرة إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) هي النار وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ أي وإذ يرفع إبراهيم وإسماعيل الجدران التي هي من البيت أي التي هي بعضه المستتر من الأرض. قيل: بنى إبراهيم البيت من خمسة أجبل: طور سيناء، وطور زيتا، ولبنان والجودي، وأسسه من حراء. وجاء جبريل ﵇ بالحجر الأسود من السماء وكان ياقوتة بيضاء من يواقيت الجنة فلما لمسته الحيض في الجاهلية اسود. يقولان: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا بناءنا بيتك إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ لدعائنا الْعَلِيمُ (١٢٧) بنياتنا في جميع أعمالنا رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ أي مخلصين لَكَ بالتوحيد والعبادة لا نعبد إلا إياك وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ أي واجعل بعض أولادنا جماعة مخلصة لك وَأَرِنا مَناسِكَنا أي علمنا سنن حجنا وَتُبْ عَلَيْنا أي تجاوز عن تقصيرنا والعبد وإن اجتهد في طاعة ربه فإنه لا ينفك عن التقصير من بعض الوجوه إما على سبيل السهو أو على سبيل ترك الأولى فكان هذا الدعاء لأجل ذلك إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ أي المتجاوز لمن تاب الرَّحِيمُ (١٢٨) به رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ أي في ذريتنا رَسُولًا مِنْهُمْ أي من أنفسهم وهو النبي ﷺ ولذلك قال: «أنا دعوة أبي إبراهيم» «١» . أخرجه أحمد من حديث العرباض بن سارية وغيره. يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ أي يذكرهم بالآيات ويدعوهم إليها ويحملهم على الإيمان بها وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ أي يأمرهم بتلاوة الكتاب ويعلمهم معاني الكتاب وحقائقه وَالْحِكْمَةَ قال الشافعي ﵁: الحكمة سنّة رسول الله ﷺ وهو قول قتادة. وَيُزَكِّيهِمْ أي يطهرهم من شركهم إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ أي القادر الذي لا يغلب الْحَكِيمُ (١٢٩) أي العالم الذي لا يجهل شيئا. هاهنا سؤال: ما الحكمة في ذكر إبراهيم مع محمد في باب الصلاة حيث يقال: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؟ فجوابه: أن إبراهيم دعا لمحمد بهذه الدعوة فأجرى الله ذكر إبراهيم على ألسنة أمة محمد إلى يوم القيامة أداء عن حق واجب على محمد لإبراهيم. والجواب الثاني: أن إبراهيم سأل ربه بقوله: «واجعل لي لسان صدق في الآخرين» أي أبق لي ثناء حسنا في أمة محمد ﷺ ، فأجابه الله تعالى فقرن بين ذكرهما إبقاء للثناء الحسن على إبراهيم في أمة محمد ﷺ .

стр. 43

والجواب الثالث: أن إبراهيم كان أبا الملة، ومحمدا كان أبا الرحمة. وفي قراءة ابن مسعود النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم، وقال ﷺ : «إنما أنا لكم مثل الوالد» «١» . أي في الرأفة والرحمة. فلما وجب لكل واحد منهما حق الأبوة من وجه قرن بين ذكرهما في باب الثناء والصلاة. والجواب الرابع: أن إبراهيم كان منادي الشريعة في الحج ومحمدا كان منادي الإيمان، فجمع الله تعالى بينهما في الذكر الجميل وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ أي لا يكره أحد ملة إبراهيم إلا من جهل نفسه وخسر نفسه كما قاله الحسن أي فلم يفكر في نفسه فيستدل بما يجده فيها من آثار الصنعة على وحدانية الله وعلى حكمته ثم يستدل بذلك على صحة نبوة محمد ﷺ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا أي اخترناه في الدنيا للرسالة من دون سائر الخليقة عرفناه الملة التي هي جامعة للتوحيد والعدل والشرائع وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) أي مع آبائه المرسلين في الجنة إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ عند استدلاله بالكواكب والقمر والشمس واطلاعه أمارات الحدوث فيها وذلك قبل النبوة وقبل البلوغ وذلك حين خرج من السرب أَسْلِمْ أي فزد في مقالتك وقل لا إله إلا الله. قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٣١) ويقال: قال له ربه حين دعا قومه إلى التوحيد أسلم أي أخلص دينك وعملك لله قال: أسلمت، أي أخلصت ديني وعملي لله رب العالمين. ويقال: قال له ربه حين ألقي في النار أسلم نفسك إليّ، قال: أسلمت نفسي لله رب العالمين، أي فوضت أمري إليه وقد حقق ذلك حيث لم يستغن بأحد من الملائكة حين ألقي في النار وَوَصَّى. وقرأ نافع وابن عامر «وأوصى» بهمزة مفتوحة قبل واو ساكنة بِها أي باتباع الملة إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وكانوا ثمانية إسماعيل وهو أول أولاده وأمه هاجر القبطية وإسحاق وأمه سارة، والبقية وهم: مدن، ومدين، ويقشان، وزمران، وأشبق، وشوح أمهم قنطوراء الكنعانية تزوجها إبراهيم بعد وفاة سارة. وَيَعْقُوبُ والأشهر أنه معطوف على إبراهيم، ويجوز كونه مبتدأ محذوف الخبر والمعنى أن يعقوب وصى كوصية إبراهيم. وقرئ بالنصب عطفا على نبيه، والمعنى وصى بها إبراهيم بنيه ونافلته يعقوب يا بَنِيَّ هو على إضمار القول عند البصريين ومتعلق بوصي عند الكوفيين لأنه في معنى القول إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى أي اختار لَكُمُ الدِّينَ أي

стр. 44

دين الإسلام الذي هو صفوة الأديان فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أي فاثبتوا على الإسلام حتى تموتوا مسلمين مخلصين له تعالى بالتوحيد والعبادة. روي أن اليهود قالوا لرسول ﷺ : ألست تعلم أن يعقوب أوصى بنيه باليهودية يوم مات فنزلت هذه الآية: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ أي أكنتم يا معشر اليهود حضراء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ بماذا أوصى بنيه باليهودية أو الإسلام أي حضره أسباب الموت إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي أي أيّ شيء تعبدونه بعد موتي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) أي مقرون بالعبادة والتوحيد تِلْكَ أي إبراهيم ويعقوب وبنوهما أُمَّةٌ أي جماعة قَدْ خَلَتْ أي مضت بالموت لَها أي لتلك الأمة ما كَسَبَتْ من الخير أي جزاؤه وَلَكُمْ أي يا معشر اليهود ما كَسَبْتُمْ أي جزاء ما كسبتموه من العمل وَلا تُسْئَلُونَ يوم القيامة عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤) كما لا يسألون عن عملكم. روي عن النبي ﷺ أنه قال: «يا صفية عمة محمد، يا فاطمة بنت محمد ائتوني يوم القيامة بأعمالكم لا بأنسابكم فإني لا أغني عنكم من الله شيئا» «١» . وقال: «ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه» «٢» . وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى أي قالت يهود المدينة للمؤمنين: كونوا هودا أي اتبعوا اليهودية، وقالت: نصارى نجران للمؤمنين: كونوا نصارى أي اتبعوا النصرانية تَهْتَدُوا من الضلالة قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ أي قل يا أشرف الخلق بل اتبعوا ملة إبراهيم أي بل نكون أهل ملة إبراهيم حَنِيفاً أي مستقيما مخالفا لليهود والنصارى منحرفا عنهما وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥) أي ما كان إبراهيم على دينهم وهذا أعلاه ببطلان دعواهم اتباعه ﵇ مع إشراكهم بقولهم: عزير بن الله والمسيح بن الله قُولُوا أيها المؤمنون لهؤلاء اليهود والنصارى الذين قالوا لكم ذلك آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وهو القرآن وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ من الصحف العشرة وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وهم بنو يعقوب وكانوا اثني عشر رجلا، وهم يوسف وبنيامين، وروبيل ويهوذا، وشمعون ولاوى ودان، ونفتالى وجادور بالون، ويشجر. ودان والصحف إنما أنزلت على إبراهيم لكن لما كانوا متعبدين بتلك الصحف كانوا داخلين تحت أحكامها فكانت منزلة إليهم أيضا كما أن القرآن منزل إلينا وَما أُوتِيَ مُوسى من التوراة

стр. 45

وَعِيسى من الإنجيل وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ من كتبهم والمعجزات لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ كدأب اليهود والنصارى آمنوا ببعض وكفروا ببعض بل نؤمن بجميعهم وَنَحْنُ لَهُ أي لله مُسْلِمُونَ (١٣٦) أي مخلصون فَإِنْ آمَنُوا أي اليهود والنصارى بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا أي فإن آمنوا بالتوراة من غير تصحيف وتحريف كما أنكم آمنتم بالقرآن من غير تصحيف وتحريف فقد اهتدوا لأنهم يتوصلون بذلك إلى معرفة نبوة محمد ﷺ . أو المعنى فإن صاروا مؤمنين بمثل ما به صرتم مؤمنين فقد اهتدوا من الضلالة بدين محمد وإبراهيم وَإِنْ تَوَلَّوْا أي أعرضوا عن الإيمان بالنبيين وكتبهم فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ أي فإنما هم مستقرون في خلاف عظيم بعيد من الحق فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ أي سيكفيك الله شقاقهم وقد أنجز الله تعالى وعده بقتل بني قريظة وسبيهم وإجلاء بني النضير وضرب الجزية عليهم وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) فيدرك ما يقولون وما يضمرون وقادر على عقوبتهم صِبْغَةَ اللَّهِ أي اطلبوا صبغة الله وهي دين الإسلام عبّر بها عن الدين لكونه تطهير للمؤمنين من أوضار الكفر وحلية تزينهم بآثارهم الجميلة ومتداخلا في قلوبهم كما أن شأن الصبغ بالنسبة إلى أي ثوب كذلك كما قيل: إنما سمي دين الله بصبغة الله لأن اليهود تصبغ أولادها يهودا، والنصارى تصبغ أولادها نصارى. بمعنى إنهم يلقنونهم فيصبغونهم بذلك لما يشربون في قلوبهم. فقال تعالى: صِبْغَةَ اللَّهِ أي اتبعوا دين الله. وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً أي لا صبغة أحسن من صبغته تعالى لأنه تعالى يصبغ عباده بالإيمان ويطهرهم به من أوساخ الكفر وَنَحْنُ لَهُ أي لله الذي أعطانا تلك النعمة الجليلة عابِدُونَ (١٣٨) شكرا لها ولسائر نعمه قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ أي في شأن الله أن اصطفى رسوله من العرب لا منكم وتقولون: لو أنزل الله على أحد لأنزل عليكم وترونكم أحق بالنبوة منا وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ فإنه أعلم بتدبير خلقه وبمن يصلح للرسالة وبمن لا يصلح لها فلا تعترضوا على ربكم فإن العبد ليس له أن يعترض على ربه بل يجب عليه تفويض الأمر بالكلية له وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ أي لا يرجع إلينا من أفعالكم ضرر وإنما مرادنا نصحكم وإرشادكم وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) في العبودية ولستم كذلك فنحن أولى بالاصطفاء أَمْ تَقُولُونَ. قرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالتاء على المخاطبة ف «أم» يحتمل أن تكون متصلة معادلة للهمزة والتقدير بأيّ الحجتين تتعلقون في أمرنا بالتوحيد أم باتباع دين الأنبياء، وأن تكون منقطعة مقدرة ببل والهمزة دالة على الانتقال من التوبيخ على المحاجة إلى التوبيخ على الافتراء على الأنبياء ﵈. وقرأه الباقون بالياء على صيغة الغيبة ف «أم» منقطعة غير داخلة تحت الأمر واردة من الله تعالى توبيخا لهم لا من جهة رسول الله ﷺ على نهج الالتفات. إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ أي أولاد يعقوب كانُوا قبل نزول التوراة والإنجيل هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ يا أشرف الخلق لهم: أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بدينهم أَمِ

стр. 46

اللَّهُ فإن الله أعلم وخبره أصدق وقد أخبر في التوراة والإنجيل وفي القرآن على لسان محمد ﷺ أنهم كانوا مسلمين مبرئين من اليهودية والنصرانية وَمَنْ أَظْلَمُ أي لا أحد أظلم مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً ثابتة عِنْدَهُ كائنة مِنَ اللَّهِ وهو شهادته تعالى لإبراهيم ﵇ بدين الإسلام والبراءة من اليهودية والنصرانية وهم اليهود وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) أي تكتمون من الشهادة تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١) هذا تكرير ليكون وعظا لليهود وزجرا لهم حتى لا يتكلموا على فضل الآباء فكل واحد يؤخذ بعمله سَيَقُولُ السُّفَهاءُ أي الجهال الذي خفت أحلامهم مِنَ النَّاسِ وهم اليهود كما قاله ابن عباس ومجاهد لإنكار النسخ وكراهة التوجه إلى الكعبة. والقائل منهم رفاعة بن قيس وقردم بن عمرو، وكعب بن الأشرف، ورافع بن حرملة والحجاج بن عمرو والربيع بن أبي الحقيق. وقيل: هم المنافقون كما قاله السدي لمجرد الاستهزاء والطعن. وقيل: هم مشركو العرب كما قاله ابن عباس والبراء بن عازب والحسن والأصم للطعن في الدين ما وَلَّاهُمْ أي أيّ شيء صرف المؤمنين عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها وهي بيت المقدس قُلْ لهم يا أشرف الخلق لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ أي الجهات كلها ملكا والخلق عبيده لا يختص به مكان وإنما العبرة بامتثال أمره لا بخصوص المكان يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) أي موصل إلى سعادة الدارين وقد هدانا إلى ذلك حيث أمرنا بالتوجه إلى بيت المقدس تارة وإلى الكعبة تارة أخرى وَكَذلِكَ أي كما هديناكم إلى قبلة هي أوسط القبل جَعَلْناكُمْ يا أمة محمد أُمَّةً وَسَطاً أي خيارا عدولا ممدوحين بالعلم والعمل لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ يوم القيامة أن رسلهم بلغتهم وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً أي يشهد بعدالتكم. روي أن الأمم يجحدون تبليغ الأنبياء فيطالب الله تعالى الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا وهو أعلم. فيقولون: أمة محمد يشهدون لنا فيؤتى بأمة محمد ﷺ فيشهدون فتقول الأمم الماضية: من أين عرفتم وأنتم بعدنا؟ فيقولون: علمنا ذلك بأخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق فيؤتى بمحمد ﷺ فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم وقيل: معنى قوله تعالى: ويكون الرسول عليكم شهيدا أنه ﷺ إذا ادعى على أمته أنه بلغهم تقبل منه هذه الدعوى ولا يطالب بشهيد يشهد له فسميت دعواه شهادة من حيث قبولها وعدم توقفها على شيء آخر وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ أي وما صيرنا لك القبلة الآن الجهة التي كنت عليها أولا وهي الكعبة إلا لنعاملهم معاملة من يمتحنهم ونعلم حينئذ من يتبع الرسول في التوجه إلى ما أمر به ممن يرتد عن دين الإسلام. وكان ﷺ يصلي إلى الكعبة فلما هاجر أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس تألفا لليهود فصلى إليها سبعة عشر شهرا

стр. 47

ثم حوّل إلى الكعبة وارتد قوم من المسلمين إلى اليهودية وقالوا: رجع محمد إلى دين آبائه وَإِنْ هي المخففة من الثقيلة أي وإنها كانَتْ أي التولية إلى الكعبة لَكَبِيرَةً أي شاقة على الناس إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ منهم وهم الثابتون على الإيمان وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ أي ثباتكم على الإيمان بل أعد لكم الثواب العظيم. وقيل: إيمانكم بالقبلة المنسوخة وصلاتكم إليها، أي فإن الله لا يضيع تصديقكم بوجوب تلك الصلاة إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ أي بالمؤمنين لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) فلا يدع صلاتهم إلى بيت المقدس. قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ ف «قد» للتكثير أي كثيرا نرى تصرف نظرك في جهة السماء انتظارا للوحي وذلك أن رسول الله ﷺ كان يترجى من ربه أن يحوله إلى الكعبة لأنها قبلة إبراهيم أبيه وأدعى للعرب إلى الإيمان لأنها مفخرة لهم، ولمخالفة اليهود فكان ينتظر نزول جبريل بالوحي بالتحويل فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها أي فلنحولنك في الصلاة إلى القبلة تحبها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها في قلبك فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي فاصرف جملة بدنك تلقاء الكعبة أي استقبل عينها بصدرك في الصلاة وإن كنت بعيدا عنها والمراد بالمسجد الحرام هنا الكعبة كما هو في أكثر الروايات. وقال آخرون: المراد بالمسجد الحرام جميع المسجد الحرام. وقال آخرون: والمراد به الحرم كله. روي عن ابن عباس أنه قال: البيت قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم والحرم قبلة لأهل المشرق والمغرب وهذا قول مالك وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ أي في أيّ موضع كنتم يا أمة محمد منه برّ أو بحر، مشرق أو مغرب فاصرفوا وجوهكم تلقاء المسجد الحرام الذي هو بمعنى الكعبة وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ هم أحبار اليهود وعلماء النصارى لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ أي التولي إلى الكعبة الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ لمعاينتهم لما هو مسطور في كتبهم من أنه ﷺ يصلي إلى القبلتين، ولكن يكتمونه وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) . قرأه ابن عامر وحمزة والكسائي بالتاء إما خطاب للمسلمين أي وما الله بساه عما تعملون أيها المسلمون من امتثال أمر القبلة، وإما خطاب لأهل الكتاب. أي وما الله بغافل عما تكتمون يا أهل الكتاب خبر الرسول وخبر القبلة. وقرأ الباقون بالياء على أنه راجع لهؤلاء وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ أي والله لئن جئت الذين أعطوا الكتاب اليهود والنصارى بكل حجة قطعية دالة على صدقك في أن تحولك بأمر من الله ما صلوا إلى قبلتك وما دخلوا في دينك وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ أي اليهود والنصارى وهذا بيان أن هذه القبلة لا تصير منسوخة وحسم أطماع أهل الكتاب. وقرئ بتابع قبلتهم بالإضافة وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ فلليهود بيت المقدس وللنصارى المشرق وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ أي الأمور التي

стр. 48

يحبونها منك مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ أي الوحي في أمر القبلة بأنك لا تعود إلى قبلتهم إِنَّكَ إِذاً أي إنك لو فعلت ذلك على سبيل تقدير المستحيل وقوعه لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥) لأنفسهم الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ أي أعطيناهم علم التوراة يَعْرِفُونَهُ أي رسول الله ﷺ معرفة جلية يميّزون بينه وبين غيره كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ لا تشتبه عليهم أبناؤهم وأبناء غيرهم. قال عمر بن الخطاب ﵁ لعبد الله بن سلام ﵁: كيف هذه المعرفة المذكورة في هذه الآية فقال عبد الله: يا عمر لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني، ومعرفتي بمحمد أشد من معرفتي بابني. فقال عمر: فكيف ذلك؟ فقال: أشهد أنه رسول الله حقا وقد نعته الله تعالى في كتابنا ولا أدري ما تصنع النساء، فقبّل عمر رأسه وقال: وفقك الله يا أبا سلام فقد صدقت وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ أي من أهل الكتاب لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ أي أمر محمد ﷺ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) أن صفة محمد مكتوبة في التوراة والإنجيل وأن كتمان الحق معصية الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ مبتدأ وخبر أي الحق الذي أنت عليه يا رسول الله كائن من ربك ويحتمل أن الحق خبر مبتدأ محذوف أي ما كتموه هو الحق، وقرأ علي ﵁ الحق من ربك بالنصب على أنه بدل من الأول أو مفعول ليعلمون فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧) أي الشاكين في أن علماء أهل الكتاب علموا صحة نبوّتك وشريعتك لِكُلٍّ وِجْهَةٌ. قال بعضهم: أي لكل قوم من المسلمين جهة من الكعبة يصلي إليها جنوبية أو شمالية، أو شرقية أو غربية. وقال آخرون: ولكل واحد من الرسل وأصحاب الشرائع جهة قبلة فقبلة المقربين العرش، وقبلة الروحانيين الكرسي، وقبلة الكروبيين البيت المعمور، وقبلة الأنبياء الذين قبلك حتى عيسى ﵇ بيت المقدس، وقبلتك الكعبة وهي قبلة إبراهيم هوَ أي الله موَلِّيها أي أمر بأن يستقبلها، في قراءة عبد الله بن عامر النخعي هو مولاها وهي قراءة ابن عباس وأبي جعفر محمد بن علي الباقر. والمعنى هو أي كل قوم مولى لتلك الجهة، وقرئ ولكل وجهة بالإضافة فاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أي فبادروا يا أمة محمد إلى الطاعات وقبول أوامرها أيْنَ ما تَكُونُوا أي في أيّ موضع تكونوا من بر أو بحر يأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً أي يجمعكم الله يوم القيامة فيجزيكم على الخيرات إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨) من جمعكم وغيره وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ أي من أيّ مكان خرجت إليه للسفر فَوَلِّ وَجْهَكَ عند صلاتك شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ أي هذا الأمر لَلْحَقُّ أي الثابت الموافق للحكمة مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) قرأه أبو عمرو بالياء على الغيبة وهو راجع للكفار أي من إنكار أمر القبلة والباقون بالتاء على الخطاب وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ في أسفارك ومغازيك من المنازل القريبة والبعيدة فَوَلِّ وَجْهَكَ في الصلاة شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي تلقاءه وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ من أقطار الأرض مقيمين أو مسافرين في بر أو بحر فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ في الصلاة من محالكم شَطْرَهُ أي المسجد

стр. 49

الحرام وكرر الله تعالى أمر التولي لشطر المسجد الحرام ثلاث مرات لتأكيد أمر القبلة، لأن النسخ من مظان الفتنة والشبهة مع أنه تعالى علّق بكل آية فائدة أما في الآية الأولى فبين أن أهل الكتاب يعلمون أن أمر نبوة محمد وأمر هذه القبلة حق لأنهم شاهدوا ذلك في التوراة والإنجيل، وأما في الآية الثانية فبين أنه تعالى يشهد أن ذلك حق وشهادة الله بكونه حقا مغايرا لعلم أهل الكتاب بكونه حقا، وأما في الآية الثالثة فبين أنه تعالى قطع حجة اليهود والمشركين، وذلك قوله تعالى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ أي اليهود والمشركين عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ أي مجادلة في التولي. والمعنى أن التولية عن الصخرة تدفع احتجاج اليهود بأن محمدا يجحد ديننا ويتبع قبلتنا، وذلك مدفوع بأن المنعوت في التوراة قبلته ﷺ الكعبة وتدفع احتجاج المشركين بأنه ﷺ يدّعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ أي إلا المعاندين منهم فإنهم يقولون ما تحول إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين قومه وحبا لبلده فَلا تَخْشَوْهُمْ أي فلا تخافوا مطاعنتهم في قبلتكم فإنهم لا يضرونكم وَاخْشَوْنِي أي احذروا عقابي فلا تخالفوا أمري وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ بالقبلة كما أتممت عليكم بالدين وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠) إلى الحق كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ أي من نسبكم وهو محمد ﷺ وهذا إما متعلق بما قبله أي ولأتم نعمتي عليكم في أمر القبلة كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول. وإما متعلق بما بعده أي كما ذكرتكم بالإرسال فاذكروني يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا أي يقرأ عليكم القرآن بالأمر والنهي وَيُزَكِّيكُمْ أي يطهركم من الذنوب بالتوحيد والصدقة وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ أي معاني القرآن وَالْحِكْمَةَ أي السنة وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) أي يعلمكم أخبار الأمم الماضية وقصص الأنبياء وأخبار الحوادث المستقبلة فَاذْكُرُونِي باللسان والقلب والجوارح فالصلاة مشتملة على الثلاثة. فالأول: كالتسبيح والتكبير. والثاني: كالخشوع وتدبر القراءة. والثالث: كالركوع والسجود. أَذْكُرْكُمْ بالإحسان والرحمة والنعمة في الدنيا والآخرة وَاشْكُرُوا لِي نعمتي بالطاعة وَلا تَكْفُرُونِ (١٥٢) أي لا تتركوا شكرها يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا على تمحيص الذنوب بِالصَّبْرِ على أداء فرائض الله وترك المعاصي وعلى المرازي وَالصَّلاةِ أي بكثرة صلاة التطوع في الليل والنهار إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣) بالنصر وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ كسائر الأموات بَلْ أَحْياءٌ أي بل هم كإحياء أهل الجنة في الجنة يرزقون من التحف وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ (١٥٤) بحياتهم وحالهم. قال ابن عباس: نزلت الآية في قتلى بدر وقتل من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلا: ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار. فالمهاجرون: عبيدة بن الحرث بن عبد المطلب وعمرو بن أبي وقاص، وذو الشمالين، وعمرو بن نفيلة، وعامر بن بكر، ومهجع بن عبد الله. والأنصار: سعيد بن خيثمة، وقيس بن عبد المنذر، وزيد بن الحرث، وتميم بن الهمام، ورافع بن

стр. 50

المعلى، وحارثة بن سراقة، ومعوذ بن عفراء، وعوف بن عفراء. وكان الناس يقولون: مات فلان ومات فلان، فنهى الله تعالى أن يقال فيهم إنهم ماتوا. وقال آخرون: إن الكفار والمنافقين قالوا: إن الناس يقتلون أنفسهم طلبا لمرضاة محمد من غير فائدة فنزلت تلك الآية وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ أي والله لنصيبنكم إصابة من يختبر أحوالكم أتصبرون على البلاء وتستسلمون للقضاء أم لا؟ بِشَيْءٍ أي بقليل مِنَ الْخَوْفِ من العدو وَالْجُوعِ في قحط السنين وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ بالهلاك وَالْأَنْفُسِ بالقتل والموت وَالثَّمَراتِ بالجوانح. قال الشافعي ﵁: الخوف: خوف الله، والجوع: صيام شهر رمضان، والنقص من الأموال: الزكاة والصدقات، والنقص من الأنفس: الأمراض، ومن الثمرات: موت الأولاد. وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الخطاب لرسول الله ﷺ أو لكل من يتأتى منه البشارة. الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا باللسان والقلب معا إِنَّا لِلَّهِ أي نحن عبيد الله وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (١٥٦) بعد الموت. قال أبو بكر الوراق: «إنا لله» إقرار منا بالملك له تعالى وإنا إليه راجعون إقرار على أنفسنا بالهلاك أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ أي مغفرة مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ أي لطف وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧) للاسترجاع حيث سلموا لقضاء الله تعالى إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ أي من علامات مواضع العبادات لله بالحج والعمرة. فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما أي فلا إثم عليه في أن يسعى بينهما سبعا. قال ابن عباس: كان على الصفا صنم اسمه أساف، وعلى المروة صنم آخر اسمه نائلة. وكان أهل الجاهلية يطوفون بهما ويتمسحون بهما فلما جاء الإسلام كره المسلمون الطواف بينهما لأجل الصنمين فأذن الله تعالى فيه وأخبر أنه من شعائر الله لا من شعائر الجاهلية وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً أي زاد على ما فرض الله عليه من حج أو عمرة حتى طاف بالصفا والمروة تطوعا فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ أي مجاز على الطاعة عَلِيمٌ (١٥٨) أي يعلم قدر الجزاء فلا يبخس المستحق حقه. إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ هي كل ما أنزله الله على الأنبياء وَالْهُدى أي ما يهدى في وجوب اتباعه ﷺ والإيمان به من الدلائل العقلية والنقلية مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ أي لبني إسرائيل فِي الْكِتابِ أي التوراة أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ أي يبعدهم من رحمته وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) أي يسألون الله أن يلعنهم ويقولون: اللهم العنهم، وهؤلاء دواب الأرض. كذا قال مجاهد أخرجه سعيد بن منصور وغيره. وقال قتادة والربيع هم الملائكة والمؤمنون أخرجه ابن جرير. إِلَّا الَّذِينَ تابُوا أي ندموا على ما فعلوا وَأَصْلَحُوا بالعزم على عدم العود وَبَيَّنُوا ما كتموه فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ أي أقبل توبتهم وَأَنَا التَّوَّابُ أي القابل لتوبة من تاب الرَّحِيمُ (١٦٠) أي المبالغ في نشر الرحمة لمن مات على التوبة إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالكتمان وغيره وَماتُوا وَهُمْ

стр. 51

كُفَّارٌ بالله ورسوله أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) حتى أهل دينهم فإنهم يوم القيامة يلعن بعضهم بعضا خالِدِينَ فِيها أي اللعنة لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ طرفة عين وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢) أي يؤجلون من العذاب فإذا استمهلوا لا يمهلون، وإذا استغاثوا لا يغاثون وَإِلهُكُمْ أي المستحق منكم العبادة إِلهٌ واحِدٌ أي فرد في الإلهية لا إِلهَ إِلَّا هُوَ أي لا معبود لنا موجود إلّا الإله الواحد الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) خبران آخران للمبتدأ، فالرحمن المبالغ في النعمة والرحيم كثير النعمة إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤) اعلم أنه تعالى لما حكم بالوحدانية ذكر ثمانية أنواع من الدلائل التي يمكن أن يستدل بها على وجوده تعالى وعلى براءته من الأنداد. النوع الأول: السموات والأرض والآيات في السماء هي: سمكها وارتفاعها بغير عمد ولا علاقة وما يرى فيها من الشمس والقمر والنجوم، والآيات في الأرض مدّها وبسطها على الماء، وما يرى فيها من الجبال والبحار والمعادن والجواهر والأنهار والأشجار، والثمار. النوع الثاني: الليل والنهار والآيات فيهما تعاقبهما بالمجيء والذهاب، واختلافهما في الطول والقصر، والزيادة والنقصان. والنور والظلمة وانتظام أحوال العباد في معاشهم بالراحة في الليل والسعي في الكسب في النهار. النوع الثالث: السفن والآيات فيها جريانها على وجه الماء وهي موقرة بالأثقال والرحال فلا ترسب، وجريانها بالريح مقبلة ومدبرة وتسخير البحر لحمل السفن مع قوة سلطان الماء، وهيجان البحر فلا ينجي منه إلا الله تعالى. النوع الرابع: ركوب السفن والحمل عليها في التجارة والآيات في ذلك أن الله تعالى لو لم يقو قلوب من يركب هذه السفن لما تمّ الغرض في تجاراتهم ومنافعهم، وأيضا فإن الله تعالى خصّ كل قطر من أقطار العالم بشيء معين فصار ذلك سببا يدعوهم إلى اقتحام الأخطار في الأسفار من ركوب السفن وجوف البحر وغير ذلك فالحامل ينتفع لأنه يربح والمحمول إليه ينتفع بما حمل إليه. النوع الخامس: نزول المطر من السماء والآيات في ذلك أن الله جعل الماء سببا لحياة جميع الموجودات من حيوان ونبات، وأنه ينزله عند الحاجة إليه بمقدار المنفعة وعند الاستسقاء وينزله بمكان دون مكان.

стр. 52

النوع السادس: انتشار كل دابة في الأرض والآيات في ذلك أن جنس الإنسان يرجع إلى أصل واحد وهو آدم مع ما فيهم من الاختلاف في الصور والأشكال والألوان والألسنة والطبائع والأخلاق والأوصاف إلى غير ذلك، ثم يقاس على بني آدم سائر الحيوان. النوع السابع: الريح والآيات فيه أنه جسم لطيف لا يمسك ولا يرى، وهو مع ذلك في غاية القوة بحيث يقلع الشجر والصخر ويخرب البنيان وهو مع ذلك حياة الوجود فلو أمسك طرفة عين لمات كل ذي روح وأنتن على ما وجه الأرض. النوع الثامن: السحاب والآيات في ذلك أن السحاب مع ما فيه من المياه العظيمة التي تسيل منها الأودية العظيمة يبقى معلقا بين السماء والأرض بلا علاقة تمسكه ولا دعامة تسنده. قال القاضي زكريا: إن السحاب من شجرة مثمرة في الجنة والمطر من بحر تحت العرش وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً أي ومن الكفار من يعبد من غير الله أوثانا يُحِبُّونَهُمْ حبا كائنا كَحُبِّ اللَّهِ أي كحبهم لله تعالى أي يسوّون بينه تعالى وبين الأصنام في الطاعة والتعظيم أو يحبون عبادتهم أصنامهم كحب المؤمنين إلى الله تعالى بالعبادة وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ من الكفار لأصنامهم فإن المؤمنين لا يتضرعون إلا إلى الله تعالى بخلاف المشركين فإنهم يعدلون إلى الله عند الحاجة وعند زوال الحاجة يرجعون إلى الأصنام. وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (١٦٥) . قرأ الجمهور ولو يرى بالياء المنقوطة من تحت مع فتح الهمزة من أن عند القراء السبع. والمعنى لو لم يعلم الذين أشركوا بالله شدة عذاب الله وقوته لما اتخذوا من دونه أندادا، وعلى قراءة بعض القراء غير السبع بكسر الهمزة من إن كان التقدير ولو يعلم الذين ظلموا بعبادة الأصنام عجزها حال مشاهدتها عذاب الله لقالوا: إن القوة لله. وقرأ نافع وابن عامر «ترى» بالتاء المنقوطة من فوق مع فتح الهمزة على الخطاب للرسول ﷺ أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب والمعنى ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب، ترى أن القوة لله جميعا ولو كسرت الهمزة كان المعنى ولو ترى الذين أشركوا إذ يرون العذاب لقلت: إن القوة لله جميعا. وقرأ ابن عامر يرون بضم الياء إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا أي القادة وهم الرؤساء من مشركي الإنس مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا أي السفلة وَرَأَوُا الْعَذابَ أي وقد رأى القادة والسفلة العذاب في الآخرة وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (١٦٦) أي تقطعت عنهم المواصلات والأرحام والأعمال والعهود والألفة بينهم أي أنكر القادة إضلال السفلة يوم القيامة حين يجمعهم الله وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا أي السفلة لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً أي ليت لنا رجعة إلى الدنيا فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ أي القادة هناك كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا اليوم كَذلِكَ أي كما أراهم

стр. 53

الله شدة عذابه يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ أي ندامات شديدة عَلَيْهِمْ أي على تفريطهم وَما هُمْ أي القادة والسفلة بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧) بعد دخولها يا أَيُّهَا النَّاسُ. قال ابن عباس: نزلت الآية في الذين حرموا على أنفسهم السوائب والوصائل والبحائر وهم قوم من ثقيف، وبني عامر بن صعصعة، وخزاعة، وبني مدلج كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ أي من الحرث والأنعام حَلالًا طَيِّباً أي مباحا بأن لا يكون متعلقا به حق الغير وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ أي لا تقتدوا طرق وساوس الشيطان في تحريم الحرث والأنعام إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) أي ظاهر العداوة عند ذوي البصيرة إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ أي القبيح من الذنوب التي لا حد فيها وَالْفَحْشاءِ أي المعاصي التي فيها حد وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (١٦٩) أي وبأن تفتروا على الله ما لا تعلمون أن الله تعالى حرم هذا وذاك وَإِذا قِيلَ لَهُمُ أي لمشركي العرب اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ من التوحيد وتحليل الطيبات قالُوا لا نتبعه بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أي ما وجدناهم عليه من عبادة الأصنام وتحريم الطيبات ونحو ذلك قال الله تعالى: أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ أي أيتبعونهم وإن كان آباؤهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً من الدين وَلا يَهْتَدُونَ (١٧٠) إلى الحق وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً أي وصفة الذين كفروا في اتباعهم آباءهم وتقليدهم لهم كصفة الراعي الذي يصوت على ما لا يسمع من البهائم فإنها لا تسمع إلا صوت الراعي من غير فهم لكلامه أصلا، فكما أن الكلام مع البهائم عبث عديم الفائدة فكذا التقليد. ويقال: مثل الذين كفروا في قلة عقلهم في عبادتهم للأوثان كمثل الراعي الذي يتكلم مع البهائم فكما يحكم على الراعي بقلة العقل فكذا هؤلاء صُمٌّ لأنهم لم يسمعوا الحق بُكْمٌ لأنهم لم يستجيبوا لما دعوا إليه عُمْيٌ لأنهم أعرضوا عن الدلائل فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٧١) أي لا يفقهون أمر الله ودعوة النبي ﷺ كما لا تفهم البهائم كلام الراعي يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ أي كلوا من حلالات ما أعطيناكم من الحرث والأنعام وَاشْكُرُوا لِلَّهِ على ما رزقكم من الطيبات إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) أي إن صح أنكم تخصونه بالعبادة وتقرون أنه تعالى هو المنعم لا غير فإن الشكر رأس العبادات إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ أي أكلها والانتفاع بها وهي التي ماتت على غير ذكاة أما السمك والجراد فهما خارجان عنهما باستثناء الشرع كخروج الطحال من الدم وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ أي جميع أجزائه وإنما خصّ اللحم لأنه المقصود بالأكل وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فما موصول وبه نائب الفاعل والباء بمعنى في مع حذف مضاف. والمعنى وما صيح في ذبحه لغير الله والكفار يرفعون الصوت لآلهتهم عند الذبح. وقال الربيع بن أنس وابن زيد: والمعنى وما ذكر عليه غير اسم الله وعلى هذا فغير الله نائب

стр. 54

الفاعل واللام صلة. قال العلماء: لو أن مسلما ذبح ذبيحة وقصد بذبحها التقرب إلى غير الله صار مرتدا وذبيحته ذبيحة مرتد فَمَنِ اضْطُرَّ أي أحوج إلى أكل ما ذكر بأنه أصابه جوع شديد ولم يجد حلالا يسدّ به الرمق أو أكره على تناول ذلك غَيْرَ باغٍ أي غير طالب للذة وَلا عادٍ أي متجاوز سد الجوعة كما نقل عن الحسن وقتادة والربيع، ومجاهد وابن زيد. وقيل: غير باغ على الوالي ولا عاد على المسلمين بقطع الطريق وعلى هذا لا يباح للعاصي بالسفر وهو ظاهر مذهب الشافعي وقول أحمد رحمهما الله فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ في أكل ما ذكر. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لمن أكل في حال الاضطرار رَحِيمٌ (١٧٣) حيث أباح في تناول قدر الحاجة إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ المشتمل على الأحكام من المحللات والمحرمات وعلى نعت محمد ﷺ وَيَشْتَرُونَ بِهِ أي بالكتمان ثَمَناً قَلِيلًا أي عوضا حقيرا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ أي إلا الحرام الذي هو سبب النار يوم القيامة وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ بكلام طيب يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ أي لا يطهرهم من دنس الذنوب وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٤) يخلص ألمه إلى قلوبهم أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ أي أولئك الكاتمون اختاروا ما تجب به النار على ما تجب به الجنة فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥) أي فما أجرأهم على النار ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ أي ذلك الوعيد معلوم لهم بسبب أن الله نزل الكتاب بالصدق أو ذلك العذاب بسبب أن الله نزل الكتاب ببيان الحق وهم قد حرفوا تأويله وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ بأن آمنوا ببعض كتب الله تعالى وكفروا ببعضها لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦) أي لفي خلاف بعيد عن الهدى لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ في الصلاة قِبَلَ الْمَشْرِقِ أي جهة الكعبة وَالْمَغْرِبِ أي جهة بيت المقدس. وقرأ حفص وحمزة بنصب «البر» على أنه خبر مقدم وَلكِنَّ الْبِرَّ ولكن الشخص البر مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ أي مع حب المال وهو أن يؤتيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر ذَوِي الْقُرْبى أي القرابة وَالْيَتامى أي المحاويج منهم وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ أي مار الطريق وَالسَّائِلِينَ أي الذين ألجأتهم الحاجة إلى السؤال وَفِي الرِّقابِ أي في المكاتبين. وقيل: في اشتراء الرقاب لإعتاقها وَأَقامَ الصَّلاةَ المفروضة منها وَآتَى الزَّكاةَ أي المفروضة وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ عطف على من آمن إِذا عاهَدُوا فيما بينهم وبين الله وفيما بينهم وبين الناس وَالصَّابِرِينَ مفعول لفعل محذوف كاذكر فِي الْبَأْساءِ أي الخوف والبلايا والشدائد وَالضَّرَّاءِ أي الأمراض والأوجاع والجوع وَحِينَ الْبَأْسِ أي وقت شدة القتال في سبيل الله أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا في الدين وطلب البر وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) عن الكفر.

стр. 55

تنبيه: قوله «ليس البر» هو اسم جامع لكل طاعة، ثم قوله: ولكن البر هو اسم فاعل والأصل برر بكسر الراء الأولى فلما أريد الإدغام نقلت كسرة الراء إلى الباء بعد سلب حركتها أو مصدر بمعنى اسم الفاعل الذي هو البار كما هو القراءة الشاذة، واختلف في المخاطب بهذه الآية. فقال بعضهم: المراد مخاطبة اليهود لما شددوا في الثبات على التوجه جهة بيت المقدس. فقال تعالى: ليس البر هذه الطريقة ولكن البر من آمن بالله. وقال بعضهم: بل المراد مخاطبة المؤمنين لما ظنوا أنهم قد نالوا البغية بالتوجه إلى الكعبة من حيث كانوا يحبون ذلك فخوطبوا بهذا الكلام. وقال بعضهم: بل هو خطاب للكل. وقال الله تعالى: إن صفة البر لا تحصل بمجرد استقبال المشرق والمغرب بل البر لا يحصل إلا عند مجموع أمور. أحدها: الإيمان بالله فأهل الكتاب أخلّوا بذلك فإن اليهود قالوا بالتجسيم ووصفوا الله تعالى بالبخل، وقالوا عزير ابن الله. وأن النصارى قالوا: المسيح ابن الله. وثانيها: الإيمان باليوم الآخر، فاليهود أخلّوا بهذا الإيمان حيث قالوا: لن تمسنا النار إلا أياما معدودة والنصارى أنكروا المعاد الجسماني. وثالثها: الإيمان بالملائكة، فاليهود أخلّوا بذلك حيث أظهروا عداوة جبريل ﵇. ورابعها: الإيمان بكتب الله، فاليهود والنصارى قد أخلّوا بذلك حيث لم يقبلوا القرآن. وخامسها: الإيمان بالنبيين، واليهود أخلّوا بذلك حيث قتلوا الأنبياء وطعنوا في نبوة محمد ﷺ . وسادسها: بذل الأموال على وفق أمر الله تعالى، واليهود أخلّوا بذلك لأنهم يلقون الشبهات لطلب المال القليل. وسابعها: إقامة الصلوات والزكوات، فاليهود كانوا يمنعون الناس منهما. وثامنها: الوفاء بالعهد، واليهود نقضوا العهد يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ أي فرض عليكم المماثلة وصفا وفعلا فِي الْقَتْلى أي بسبب قتل القتلى عند مطالبة الولي بالقصاص الْحُرُّ بِالْحُرِّ أي الحر يقتل بقتل الحر لا بقتل العبد وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وبالحر من باب أولى وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى وبيّنت الأحاديث أنه يقتل أحد النوعين الذكر والأنثى بالآخر ويعتبر أن لا يفضل القاتل القتيل بالدين والأصلية والحرية. فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ أي فمن سهل له من أولياء الدم من أخيه الذي هو القاتل شيء من المال فعلى ولي الدم مطالبة ذلك المال من ذلك القاتل من غير تشديد بالمطالبة، وعلى القاتل أداء الدية إلى ولي الدم من غير

стр. 56

مماطلة وبخس بل على بشر وطلاقة، وقول جميل ومعنى هذه الآية إن الله تعالى حثّ الأولياء إذا دعوا إلى الصلح من الدم على الدية كلها أو بعضها أن يرضوا به ويعفو عن القود. ذلِكَ أي الحكم من جواز القصاص والعفو عنه على الدية تَخْفِيفٌ في حقكم مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ للقاتل من القتل لأن العفو وأخذ الدية محرمان على اليهود بل فرض عليهم القصاص وحده والقصاص والدية محرمان على النصارى بل فرض عليهم العفو على الإطلاق وفي ذلك تضييق على كل من الوارث والقاتل، وهذه الأمة مخيّرة بين الثلاث: القصاص، والدية، والعفو تيسيرا عليهم فَمَنِ اعْتَدى أي جاوز الحد بَعْدَ ذلِكَ أي بعد بيان كيفية القصاص والدية فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) أي شديد الألم في الآخرة وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ أي ولكم في مشروعية القصاص حياة لأن من أراد قتل الشخص إذا علم القصاص ارتدع عن القتل فيتسبب لحياة نفسين ولأن الجماعة يقتلون بالواحد فتنتشر الفتنة بينهم فإذا اقتص من القاتل سلم الباقون فيكون ذلك سببا لحياتهم يا أُولِي الْأَلْبابِ أي ذوي العقول الخالية من الهوى لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩) أي لكي تتقوا المساهمة في أمره وترك المحافظة عليه. كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ أي فرض عليكم الوصية للوالدين والأولاد كما قاله عبد الرحمن بن زيد أو الرحم غير الوالدين، كما قاله ابن عباس ومجاهد بالعدل بحسب استحقاقهم فلا يفضل الغني ولا يتجاوز الثلث إذا ظهرت على أحدكم أمارات الموت كالمرض المخوف إن ترك مالا. قال الأصم: إنهم كانوا يوصون للأبعدين طلبا للفخر والشرف ويتركون الأقارب في الفقر والمسكنة فأوجب الله تعالى في أول الإسلام الوصية لهؤلاء منعا للقوم عمّا كانوا اعتادوه حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) أي حق ذلك حقا على الموحدين فَمَنْ بَدَّلَهُ أي الوصية من وصي وشاهد إما بإنكار الوصية من أصلها أو بالنقص فيها أو بتبديل صفتها أو غير ذلك بَعْدَ ما سَمِعَهُ أي بعد علم الوصية فَإِنَّما إِثْمُهُ أي التبديل عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ أي الوصية لا على الميت لأنهم خانوا وخالفوا حكم الشرع إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لوصية الميت عَلِيمٌ (١٨١) بالمبدل فيجازي الميت بالخير والمبدل بالشر فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ قرأه شعبة وحمزة والكسائي بفتح الواو وتشديد الصاد أي من علم من ميت جَنَفاً أي ميلا عن الحق بالخطإ في الوصية أَوْ إِثْماً أي عمدا في الميل في الوصية فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ أي فعل ما فيه الصلاح بين الوصي والموصى لهم برده إلى الثلث والعدل فَلا إِثْمَ أي على من علم ذلك في هذا الصلح وإن كان فيه تبديل لأنه تبديل باطل بحق بخلاف الأول عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ للميت إن جار وأخطأ للوصي رَحِيمٌ (١٨٢) للوصي حيث رخص عليه الرد إلى الثلث والعدل. ومعنى الآية بأن الميت إذا أخطأ في وصيته أو جار فيها متعمدا فلا إثم على من علم ذلك أن يغيّره ويرده إلى الصلاح بعد موته وهذا قول ابن عباس وقتادة والربيع. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ من الأنبياء عليهم

стр. 57

الصلاة والسلام والأمم من لدن آدم ﵇ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أي تتقون الله بصومكم وترككم للشهوات فالرغبة في المطعوم والمنكوح أشد من الرغبة في غيرهما والاتقاء عنهما أشق فإذا سهل عليكم اتقاء الله بتركهما كان اتقاء الله بترك غيرهما أسهل وأخف أو المعنى لعلكم تتقون ترك المحافظة على الصوم بسبب عظم درجاته أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ أي في أيام مقدرات بعدد معلوم ثلاثين يوما وهي رمضان فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً مرضا يضره الصوم ولو في أثناء اليوم أَوْ عَلى سَفَرٍ أي مستقرا على سفر قصر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ أي فعليه إن أفطر صوم عدة أيام المرض والسفر أي بقدر ما أفطر من رمضان ولو مفرقا. وعن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال: إن الله تعالى لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه إن شئت فواتر وإن شئت ففرّق. وروي أن رجلا قال للنبي ﷺ علي أيام من رمضان أفيجزيني أن أقضيها متفرقة؟ فقال له: «أرأيت لو كان عليك دين فقضيته الدرهم والدرهمين أما كان يجزيك؟» قال: نعم. قال: «فالله أحق أن يعفو ويصفح» «١» . وعن عائشة أن حمزة الأسلمي سأل النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله هل أصوم على السفر؟ فقال ﷺ : «صم إن شئت وأفطر إن شئت» «٢» . وروى الشافعي أن عطاء قال لابن عباس أقصر إلى عرفة؟ فقال: لا، فقال: إلى مر الظهران؟ فقال: لا، لكن اقصر إلى جدة وعسفان والطائف. قال مالك: بين مكة وجدة وعسفان أربعة برد. وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ أي وعلى المطيقين للصيام إن أفطروا فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ أي قدر ما يأكله في يوم وهو مد من غالب قوت بلده. وقرأ نافع وابن عامر بإضافة فدية وجمع مساكين. قال ابن عمر وسلمة بن الأكوع وغيرهما: إن هذه الآية منسوخة وذلك أنهم كانوا في صدر الإسلام مخيّرين بين الصيام والفدية، وإنما خيّرهم الله تعالى بينهما لأنهم كانوا لم يتعودوا الصيام فاشتد عليهم فرخص الله لهم في الإفطار. وقيل: إن هذه الآية نزلت في حق الشيخ

стр. 58

الهرم. والمعنى وعلى الذين يقدرون على الصوم مع المشقة فدية. فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً كأن زاد في الفدية على القدر الواجب أو صام مع إخراج الفدية فَهُوَ أي التطوع خَيْرٌ لَهُ بالثواب وَأَنْ تَصُومُوا أيها المرخصون لكم في الإفطار من المرضى والمسافرين والذين يقدرون على الصوم مع المشقة خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) ما في الصوم من الفضيلة ومن المعاني المورثة للتقوى وبراءة الذمة فإن العبادة كلما كانت أشق كانت أكثر ثوابا شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ أي إن جبريل نزل بالقرآن جملة واحدة في ليلة القدر وكانت ليلة أربع وعشرين من رمضان من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا فأملاه جبريل على السفر فكتبوه في صحف وكانت تلك الصحف في محل من تلك السماء يسمى بيت العزة، ثم نزل جبريل بالقرآن على رسول الله ﷺ نجوما في ثلاث وعشرين سنة مدة النبوة بحسب الحاجة يوما بيوم آية وآيتين وثلاثا وسورة. هُدىً لِلنَّاسِ أي بيانا للناس من الضلالة وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى أي واضحات من أمر الدين فالهدى الأول محمود على أصول الدين، والهدى الثاني على فروع الدين وَالْفُرْقانِ أي من الفرق بين الحق والباطل وبين الحلال والحرام. فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ أي من شهد منكم أول الشهر في الحضر فليصم كل الشهر. وشهود الشهر إما بالرؤية، وإما بالسماع فإذا رأى إنسان هلال رمضان وقد انفرد بتلك الرؤية ورد الإمام شهادته لزمه أن يصوم لأنه قد حصل شهود الشهر في حقه فوجب عليه الصوم، وإذا شهد عدلان على رؤية الهلال حكم به في الصوم والفطر جميعا، وإذا شهد عدل واحد على رؤية هلال شوال لا يحكم به أما إذا شهد على هلال رمضان فيحكم به احتياطا لأمر الصوم، أي يقبل قول الواحد في إثبات العبادة ولا يقبل في الخروج منها إلا قول الاثنين لكي يصوموا ولا يفطروا احتياطا وَمَنْ كانَ مَرِيضاً في شهر رمضان وإن كان مقيما أَوْ عَلى سَفَرٍ أي متلبسا بالسفر وقت طلوع الفجر وإن كان صحيحا فَعِدَّةٌ أي فعليه عدة مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ أي فليصم منها بقدر ما أفطر يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ أي رخصة الإفطار في السفر وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ أي لم يرد أن يوجد لكم العسر في الصوم في السفر. وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ أي لكي تصوموا في الحضر عدة ما أفطرتم في السفر. وقرأ أبو بكر عن عاصم بفتح الكاف وتشديد الميم وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عند انقضاء الصوم عَلى ما هَداكُمْ إلى هذه الطاعة. قال ابن عباس: حقّ على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا. وقال الشافعي: وأحب إظهار التكبير في العيدين، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق، وأبو يوسف، ومحمد. وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥) الله على رخصته. قال الفراء: قوله تعالى: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ علة للأمر بمراعاة العدة. وقوله تعالى: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ علة ما علمكم الله من كيفية القضاء. وقوله تعالى: وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ علة التسهيل وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي أي عن قربي وبعدي

стр. 59

فَإِنِّي قَرِيبٌ أي فقل لهم يا أشرف الخلق: إني قريب منهم بالعلم والإجابة أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ. قيل: المراد من الدعاء التوبة عن الذنوب لأن التائب يدعو الله تعالى عند التوبة، وإجابة الدعاء: هو قبول التوبة، وقيل: المراد من الدعاء العبادة. قال ﷺ : «الدعاء هو العبادة» . «١» ومما يدل على ذلك قوله تعالى: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ [غافر: ٦٠] . وقرأ أبو عمرو وقالون عن نافع «الداعي إذا دعاني» بإثبات الياء فيهما في الوصل. والباقون بحذفها على الوصل في الأولى وعلى التخفيف في الثانية فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي أي فلينقادوا لي وليستسلموا لي وَلْيُؤْمِنُوا بِي وهذا الترتيب يدل على أن العبد لا يصل إلى نور الإيمان وقوته إلا بتقدم الطاعات والعبادات لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦) أي يهتدون لمصالح دينهم ودنياهم إذا استجابوا لي وآمنوا بي وسبب نزول هذه الآية قيل: إن أعرابيا جاء إلى النبي ﷺ فقال: أقريب ربنا فندعوه سرا أم بعيد فندعوه جهرا؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروي عن قتادة وغيره: أن الصحابة قالوا: كيف تدعو ربنا يا نبي الله أي أبالمناجاة أو بالمناداة؟ فأنزل الله هذه الآية. وقال عطاء وغيره: إنهم سألوا في أي ساعة ندعو الله فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال الحسن: سأل أصحاب النبي ﷺ فقالوا: أين ربنا؟. وقال ابن عباس: إن يهود أهل المدينة قالوا: يا محمد كيف يسمع ربك دعاءنا؟ فنزلت هذه الآية. أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ أي المجامعة مع نسائكم. قال المفسرون: كان في أول شريعة محمد ﷺ إذا أفطر الصائم حلّ له الأكل والشرب والوقاع بشرط أن لا ينام، ولا يصلي العشاء الأخيرة. فإذا فعل أحدهما بأن نام أو صلى العشاء حرّم عليه هذه الأشياء إلى الليلة القابلة. فواقع عمر بن الخطاب أهله بعد صلاة العشاء فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه فأتى النبي ﷺ واعتذر إليه، فقام رجال واعترفوا بالجماع بعد العشاء فنزلت هذه الآية ناسخة لتلك الشريعة: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ هذا مبين لسبب إحلال الوقاع وهو صعوبة اجتنابهن وستر أحدهما الآخر عن الفجور. عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ أي تظلمونها لأنكم تسرون بالمعصية في الجماع بعد صلاة العتمة والأكل بعد النوم فَتابَ عَلَيْكُمْ أي قبل توبتكم وَعَفا عَنْكُمْ أي محا ذنوبكم ولم يعاقبكم في الخيانة فَالْآنَ أي حين أحل لكم بَاشِرُوهُنَّ أي جامعوهن وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ أي اطلبوا ما وضع الله لكم بالنكاح من التناسل وقصد العفة أي لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها وقيل: هذا نهي عن العزل.

стр. 60

قال الشافعي: لا يعزل الرجل عن الحرة إلا بإذنها، ولا بأس أن يعزل عن الأمة، وقيل: معنى ذلك ابتغوا هذه المباشرة من الزوجة والمملوكة فإن ذلك هو الذي كتب الله لكم أي قسم الله لكم وَكُلُوا وَاشْرَبُوا من حين يدخل الليل حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ أي حتى يتبين لكم بياض النهار من سواد الليل حال كون الخيط الأبيض بعضا مِنَ الْفَجْرِ الصادق وسمى الصبح الصادق فجرا لأنه يتفجر منه النور ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ أي إلى دخوله بغروب الشمس نزلت هذه الآية في شأن صرمة بن مالك بن عدي وذلك أنه كان يعمل في أرض له وهو صائم فلما أمسى رجع إلى أهله فقال: هل عندك طعام؟ فقالت: لا، وأخذت تصنع له طعاما فأخذه النوم من التعب فأيقظته فكره أن يأكل خوفا من الله فأصبح صائما مجهودا في عمله فلم ينتصف النهار حتى غشي عليه فلما أفاق أتى النبي ﷺ وأخبره بما وقع فأنزل الله هذه الآية. وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ أي لا تجامعوهن ليلا ونهارا وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ أي ماكثون فِي الْمَساجِدِ بنية الاعتكاف للتقرب إلى الله تعالى تِلْكَ أي المباشرة حُدُودُ اللَّهِ أي معصية الله فَلا تَقْرَبُوها أي فلا تقربوا المعصية واتركوا مباشرة النساء ليلا ونهارا حتى تفرغوا من الاعتكاف كَذلِكَ أي هكذا يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ أي أمره ونهيه لِلنَّاسِ أو المعنى كما بيّن الله ما أمركم به ونهاكم عنه كذلك يبين سائر أدلته على دينه لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧) أي لكي يتقوا معصية الله نزلت هذه الآية في حق نفر من أصحاب النبي ﷺ علي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر وغيرهما، فكانوا معتكفين في المسجد فيأتون إلى أهاليهم إذا احتاجوا، ويجامعون نساءهم، ويغتسلون فيرجعون إلى المسجد فنهاهم الله عن ذلك وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ أي لا يأخذ بعضكم مال بعض بالطريق الحرام شرعا وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ أي ولا تدخلوا بالأموال إلى الحكام لتأخذوا جملة من أموال الناس متلبسين بالإثم أي بالحلف الكاذب وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨) أنكم مبطلون. فالإقدام على القبيح مع العلم بقبحه أقبح، وصاحبه بالتوبيخ أحق. روي أن عبدان بن الأسوع الحضرمي ادعى على امرئ القيس الكندي قطعة أرض ولم يكن له بيّنة، فحكم رسول الله ﷺ بأن يحلف امرؤ القيس، فهمّ بالحلف. فقرأ عليه رسول الله ﷺ : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا [آل عمران: ٧٧] الآية. فارتدع عن اليمين وأقر بالحق وسلّم الأرض إلى عبدان فنزلت هذه الآية. وروي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: اختصم رجلان إلى النبي ﷺ عالم بالخصومة وجاهل بها، فقضى رسول الله ﷺ للعالم. فقال من قضي عليه: يا رسول الله والذي لا إله إلا هو إني محق، فقال: «إن شئت أعاوده» فعاوده، فقضى للعالم. فقال المقضي عليه مثل ما قال أولا.

стр. 61

ثم عاوده ثالثا ثم قال ﷺ : «من اقتطع حق امرئ مسلم بخصومته فإنما اقتطع قطعة من النار» . فقال العالم المقضي له: يا رسول الله إن الحق حقه. فقال ﷺ : «من اقتطع بخصومته وجد له حق غيره فليتبوأ مقعده من النار» «١» . ومعنى «اقتطع» أي أخذ وسأل معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقا ثم يزيد حتى يمتلئ نورا، ثم لا يزل ينقص حتى يعود دقيقا كما بدأ ولا يكون على حالة واحدة كالشمس؟ فنزل قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ أي عن فائدة اختلاف الأهلة بالزيادة والنقصان لماذا قُلْ يا أشرف الخلق هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ أي هي علامات لأغراض الناس الدينية والدنيوية وللحج كعدة نسائهم وأيام حيضهن ومدة حملهن وصيامهم وإفطارهم وقضاء دينهم وأوقات زرعهم ومتاجرهم، ودخول وقت الحج وخروجه، ثم نزل في شأن نفر من أصحاب النبي ﷺ كنانة وخزاعة كانوا يدخلون بيوتهم في الإحرام من خلفها أو من سطحها كما فعلوا في الجاهلية قوله تعالى: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها في الإحرام وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى محارمه تعالى كالصيد وتوكل على الله تعالى في جميع أموره وَأْتُوا الْبُيُوتَ أي ادخلوها مِنْ أَبْوابِها في الإحرام كغيره وَاتَّقُوا اللَّهَ في تغيير الأحكام أو في جميع أموركم لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩) لكي تفوزوا بالخير في الدين والدنيا أو لكي تنجوا من السخط والعذاب وَقاتِلُوا أي جاهدوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي في طاعته وطلب رضوانه في الحل والحرم. الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ أي يبدءونكم بالقتال من الكفار وَلا تَعْتَدُوا عليهم بابتداء القتال في الحرم إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) أي لا يريد الخير للمتجاوزين الحد. وَاقْتُلُوهُمْ إن بدءوكم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ أي وجدتموهم في الحل والحرم وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ أي من مكة وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ أي والمحنة التي يفتتن بها الإنسان كالإخراج من الوطن أصعب من القتل لدوام تعبها وبقاء تألم النفس بها، وقيل: وشركهم بالله وعبادة الأوثان في الحرم وصدّهم لكم عنه أشر من قتلكم إياهم فيه وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي لا تبدأوهم بالقتل في الحرم حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ أي الحرم بالابتداء فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فيه بالابتداء فَاقْتُلُوهُمْ فيه ولا تبالوا بقتالهم فيه لأنهم الذين هتكوا حرمته فاستحقوا أشد العذاب. قرأ حمزة والكسائي «ولا تقتلوهم» ، «حتى يقتلوكم» ، «فإن قتلوكم» كله بغير ألف. كَذلِكَ أي مثل هذا الجزاء الواقع منكم بالقتل والإخراج جَزاءُ الْكافِرِينَ (١٩١) يفعل بهم مثل ما

стр. 62

فعلوا فَإِنِ انْتَهَوْا عن الكفر فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لهم ما قد سلف رَحِيمٌ (١٩٢) بهم وَقاتِلُوهُمْ بالابتداء منهم في الحل والحرم حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ أي كي لا توجد فتنة عن دينكم، أي وقد كانت فتنتهم أنهم كانوا يؤذون أصحاب النبيّ ﷺ بمكة حتى ذهبوا إلى الحبشة، ثم واظبوا على ذلك الإيذاء حتى ذهبوا إلى المدينة وكان غرضهم من إثارة ذلك الفتنة أن يتركوا دينهم ويرجعوا كفارا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. والمعنى قاتلوهم حتى تعلوا عليهم فلا يفتنوكم عن دينكم فلا تقعوا في الشرك وَيَكُونَ الدِّينُ أي وكي يوجد الإسلام والعبادة لِلَّهِ وحده لا يعبدون في الحرم سواه فَإِنِ انْتَهَوْا عن قتالكم في الحرم فَلا عُدْوانَ أي فلا سبيل لكم بالقتل إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣) أي المبتدئين بالقتل، أو المعنى فإن انتهوا عن الأمر الذي يوجب قتالهم وهو إما كفرهم أو قتالهم فلا قتل إلا على الذين لا ينتهون عن الكفر فإنهم بإصرارهم على كفرهم ظالمون أنفسهم الشَّهْرُ الْحَرامُ الذي دخلت يا محمد فيه لقضاء العمرة وهو ذو القعدة من السنة السابعة مقابل بِالشَّهْرِ الْحَرامِ الذي صدوك عن دخول مكة وهو ذو القعدة من السنة السادسة. أي من استحل دمكم من المشركين في الشهر الحرام فاستحلوه فيه. وَالْحُرُماتُ أي الشهر الحرام والبلد الحرام وحرمة الإحرام قِصاصٌ أي يجري فيها بدل فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ بالقتال في الحرم أو الإحرام أو الشهر الحرام فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ أي فجازوه بمثل ما اعتدى عليكم به وَاتَّقُوا اللَّهَ أي اخشوه بالابتداء وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤) بالنصرة والحفظ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي في طاعة الله لقضاء العمرة وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ أي ولا تلقوا أنفسكم إلى الهلاك بمنع النفقة في سبيل الله أو بالإسراف في النفقة أو بتضييع وجه المعاش وَأَحْسِنُوا في الإنفاق على من تلزمكم مؤنته بأن يكون ذلك الإنفاق وسطا فلا تسرفوا ولا تقتروا. ويقال: وأحسنوا الظن في الله إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) أي يريد بهم الخير ويثيبهم نزلت الآيات من قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة: ١٩٠] إلى هاهنا في حق المحرمين مع النبي ﷺ لقضاء العمرة بعد عام الحديبية لأنهم خافوا أن يقاتلهم الكفار في الحرم والإحرام أو الشهر الحرام وكرهوا ذلك لأن القتال في ذلك الوقت كان محرما في تلك الأحوال الثلاثة. وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ أي افعلوا الحج والعمرة على نعت التمام بأركانهما وشروطهما لله بأن تخلصوهما للعبادة ولا تخلطوهما بشيء من التجارة والأغراض الدنيوية فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ أي منعتم عن إتمامهما بعدو فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ أي فعليكم إذا أردتم التحلل ما تيسّر من الهدي من بدنة أو بقرة، أو شاة لترك الحرم، واذبحوها حيث أحصرتم في حل أو حرم وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ أي وقت مجيء ذبحه وهو مكان الإحصار عند الشافعي لكن يندب إرساله إلى الحرم خروجا من خلاف أبي حنيفة، فإذا ذبحتم فاحلقوا. ويجب نية التحلل عند الذبح والحلق وبهما يحصل الخروج من النسك.

стр. 63

قال الشافعي: كل ما وجب على المحرم في ماله لا يجزئ إلا في الحرم لمساكين أهله إلا في نوعين: أحدهما: من ساق هديا فعطب في طريقه فيذبحه ويخلي بينه وبين المساكين. وثانيهما: دم المحصر بالعدو فإنه يذبح حيث حبس لأن هذا الدم إنما وجب لإزالة الخوف، وزوال الخوف إنما يحصل إذا قدر عليه حيث أحصر فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً في بدنه محتاجا إلى المداواة واستعمال الطيب واللباس أَوْ كان بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ أي ألم في رأسه بسبب القمل والصيبان أو بسبب الصداع، أو كان عنده خوف من حدوث مرض أو ألم واحتاج إلى الحلق أبيح له ذلك، بشرط بذل الفدية كما قال تعالى: فَفِدْيَةٌ أي فعليه فدية مِنْ صِيامٍ في ثلاثة أيام أَوْ صَدَقَةٍ بثلاثة آصع من غالب قوت مكة على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع أَوْ نُسُكٍ أي ذبح شاة فَإِذا أَمِنْتُمْ من العدو فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ أي فمن تلذذ بمحظورات الإحرام كالطيب واللباس والنساء بسبب إتيانه بالعمرة إلى الإحرام بالحج فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ أي فعليه ما تيسر من الدم للجبران بخمسة شروط: الأول: أن يقدم العمرة على الحج. الثاني: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج. الثالث: أن يحج في هذه السنة. الرابع: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام. الخامس: أن يحرم بالحج من جوف مكة بعد الفراغ من العمرة ووقت وجوب هذا الدم بعد ما أحرم بالحج، ويستحب أن يذبح يوم النحر ويجوز تقديم الذبح على الإحرام بالحج بعد الفراغ من العمرة، لأن دم التمتع عندنا دم جبران كسائر دماء الجبرانات. وعند أبي حنيفة هو دم نسك كدم الأضحية فيختص بيوم النحر فلا يجوز عنده الذبح قبله فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ أي فمن لم يجد الهدي لفقده أو فقد ثمنه فعليه صيام ثلاثة أيام في حال اشتغاله بإحرام الحج في أيام الاشتغال بأعمال الحج بعد الإحرام وقبل التحلل وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ إلى أهليكم ووطنكم مكة أو غيرها. وقرأ ابن أبي عبلة سبعة بالنصب عطفا على محل ثلاثة أيام تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ في البدل عن الهدي قائمة مقامه. ذلِكَ أي لزوم الهدي وبدله على التمتع لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وهو من كان من الحرم على مسافة القصر عند الشافعي، ومن كان مسكنه وراء الميقات عند أبي حنيفة وأهل الحل عند طاوس وغير أهل مكة عند مالك. وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما

стр. 64

فرض عليكم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٩٦) لمن تهاون بحدوده الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ أي أشهر الحج معروفات بين الناس وهي شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة إلى طلوع فجر يوم النحر عند الشافعي. فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ أي فمن أوجب الحج على نفسه بالإحرام فيهن فلا جماع ولا خروج عن حدود الشرع بارتكاب المحظورات ولا خصام مع الخدم والرفقة وغيرهما في أيام الحج. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «فلا رفث ولا فسوق» بالرفع والتنوين، ولا جدال بالنصب. والباقون قرءوا الكل بالنصب. والمعنى على هذا لا يكونن رفث ولا فسوق، ولا خلاف في الحج وذلك أن قريشا كانت تخالف سائر العرب فتقف بالمشعر الحرام فارتفع الخلاف بأن أمروا بأن يقفوا بعرفات كسائر العرب، واستدل على أن المنهي عنه هو الرفث والفسوق دون الجدال بقوله ﷺ : «من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج كهيئة يوم ولدته أمه» «١» . فإنه ﷺ لم يذكر الجدال وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ كصدقة وكترك المنهي يَعْلَمْهُ اللَّهُ أي يقبله أو يجزي به خير جزاء وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى أي تزودوا من التقوى لمعادكم فإنها خير زاد وهي فعل الواجبات وترك المحظورات. ويقال: وتزودوا ما تعيشون به لسفركم في الدنيا فإن خير الزاد ما تكفون به وجوهكم عن السؤال وأنفسكم عن الظلم وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (١٩٧) أي ذوي العقول. لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ أي ليس عليكم حرج في أن تطلبوا رزقا من ربكم بالتجارة في الحج فَإِذا أَفَضْتُمْ أي رجعتم مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ بالتلبية والتسبيح والتحميد والتهليل عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وهو جبل يقف عليه الإمام وسمي «قزح» وهو آخر حد المزدلفة. وقال بعضهم: المشعر الحرام هو المزدلفة، لأن الذكر المأمور به عنده يحصل عقب الإفاضة من عرفات وما ذاك إلا بالمبيت بالمزدلفة وَاذْكُرُوهُ أي الله كَما هَداكُمْ أي لأجل هدايته إياكم لمعالم دينه وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) أي وإنكم كنتم من قبل الهدي لمن الجاهلين بالإيمان والطاعة ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ أي ثم ارجعوا من المزدلفة إلى منى قبل طلوع الشمس للرمي والنحر، كما رجع منها إبراهيم وإسماعيل في ذلك الوقت على ما جاء به الرسول ﷺ ، وكان العرب الذين وقفوا بالمزدلفة يرجعون إلى منى بعد

стр. 65

طلوع الشمس وهذا كما اختاره الضحّاك. وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ باللسان مع التوبة بالقلب وهو أن يندم على كل تقصير منه في طاعة الله ويعزم على أن لا يقصر فيما بعد ويقصد بذلك تحصيل مرضاة الله تعالى إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لذنوب المستغفر رَحِيمٌ (١٩٩) أي منعم عليه فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ وكان العرب بعد الفراغ من الحج يقفون بمنى بين المسجد والجبل، فيبالغون في الثناء على آبائهم في ذكر مناقبهم وفضائلهم، فقال الله تعالى هذه الآية. فالمعنى فإذا فرغتم من عبادتكم المتعلقة بالحج كأن رميتم جمرة العقبة وطفتم واستقررتم بمنى فابذلوا جهدكم في الثناء على الله وذكر نعمائه كما بذلتم جهدكم في الثناء على آبائكم في الجاهلية. أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً أي بل أكثر ذكرا من ذكر آبائكم لأن صفات الكمال لله تعالى غير متناهية فَمِنَ النَّاسِ أي المشركين أو المؤمنين مَنْ يَقُولُ في الموقف رَبَّنا آتِنا أي أعطنا فِي الدُّنْيا إبلا وبقرا وغنما وعبيدا، أو إماء ومالا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (٢٠٠) أي من نصيب في الجنة بحجه. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً أي علما وعبادة وعصمة من الذنوب وشهادة وغنيمة وصحة، وكفافا وتوفيقا للخير وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً أي جنة ونعيمها وَقِنا عَذابَ النَّارِ (٢٠١) أي ادفع عنا العذاب أُولئِكَ أي أهل هذه الصفة لَهُمْ نَصِيبٌ أي حظ وافر في الجنة مِمَّا كَسَبُوا أي من حجهم وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٢٠٢) أي سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم وعالم بجملة سؤالات السائلين. وَاذْكُرُوا اللَّهَ أي بالتكبير والتهليل والتمجيد فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ أي في أيام التشريق الثلاثة فَمَنْ تَعَجَّلَ برجوعه إلى أهله فِي يَوْمَيْنِ بعد يوم النحر فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ بتعجيله وَمَنْ تَأَخَّرَ إلى اليوم الثالث حتى رمى فيه قبل الزوال أو بعده فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ بتأخره فهم مخيّرون في ذلك لِمَنِ اتَّقى أي ونفي الإثم لمن اتقى الله في حجه لأنه المتشفع بحجه دون من سواه وَاتَّقُوا اللَّهَ أي احذروا الإخلال بما ذكر من الأحكام وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣) أي للجزاء على أعمالكم بعد البعث. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أي ومن الناس يعظم في قلبك كلامه عند ما يتكلم لطلب مصالح الدنيا وهو الأخنس بن شريق الثقفي واسمه أبيّ كان منافقا حسن العلانية خبيث الباطن. وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ فإن الأخنس هذا أقبل إلى النبيّ ﷺ وأظهر الإسلام وحلف بالله أنه يحبه ويتابعه في السر، ويحتمل أنه يقول فالله يشهد بأن الأمر كما قلت فهذا استشهاد بالله وليس بيمين. وقرأ ابن محيص يشهد الله بفتح الياء والهاء. والمعنى يعلم الله من قلبه خلاف ما أظهره وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (٢٠٤) . قال قتادة شديد القسوة في معصية الله جدل بالباطل عالم اللسان جاهل العمل. وقال السدي: أعوج الخصام. وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها أي وإذا انصرف من عندك اجتهد في إيقاع القتال بأن يوقع الاختلاف بين الناس ويفرق كلمتهم ويؤدي إلى أنه يتبرأ بعضهم

стр. 66

من بعض فيقطع الأرحام ويسفك الدماء وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ أي الزرع بالإحراق وَالنَّسْلَ أي الحيوان بالقتل، فإن الأخنس لما انصرف من بدر مر ببني زهرة وكان بينه وبين ثقيف خصومة فبيتهم ليلا، فأحرق زرعهم وأهلك مواشيهم. وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (٢٠٥) أي لا يرضى به وَإِذا قِيلَ لَهُ أي لذلك الإنسان اتَّقِ اللَّهَ في فعلك أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ أي لزمه التكبر الحاصل بالإثم الذي في قلبه. فإن التكبر إنما حصل بسبب ما في قلبه من الكفر والجهل وعدم النظر في الدلائل فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ أي كافيه جهنم جزاء له وعذابا وَلَبِئْسَ الْمِهادُ (٢٠٦) أي لبئس المستقر هي. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي أي يشتري نَفْسَهُ بماله ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ. روي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في صهيب بن سنان مولى عبد الله بن جدعان، وفي عمار بن ياسر، وفي سمية أمه وفي ياسر أبيه، وفي بلال مولى أبي بكر، وفي خباب بن الإرث، وفي أبي ذر، وفي عابس مولى حويطب أخذهم المشركون فعذبوهم. فأما صهيب فقال لأهل مكة: إني شيخ كبير ولي مال ومتاع وأنا أعطيكم مالي ومتاعي وأشتري منكم ديني. فرضوا منه بذلك وخلوا سبيله فانصرف إلى المدينة فنزلت هذه الآية. وعند دخول صهيب المدينة لقيه أبو بكر ﵁ فقال: ربح بيعك يا أبا يحيى. فقال: وما ذاك؟ فقال: أنزل الله فيك قرآنا، وقرأ عليه هذه الآية. وأما خباب بن الأرت وأبو ذر فقد فرّا وأتيا المدينة، وأما سمية فربطت بين بعيرين ثم قتلت وقتل ياسر، وأما الباقون فأعطوا بسبب العذاب بعض ما أراد المشركون فتركوا وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٢٠٧) الذين قتلوا في مكة أبي عمار وأمه وغيرهما لأنه تعالى أرشدهم لما فيه رضاه. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً نزلت هذه الآية في شأن طائفة من مسلمي أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه، وذلك لأنهم حين آمنوا بالنبي ﷺ أقاموا بعده على تعظيم شرائع موسى، فعظموا السبت وكرهوا لحوم الإبل وألبانها وكانوا يقولون: ترك هذه الأشياء مباح في الإسلام وواجب في التوراة فنحن نتركها احتياطا فكره الله تعالى ذلك منهم وأمرهم أن يدخلوا في السلم كافة ولا يتمسكوا بشيء من أحكام التوراة اعتقادا له وعملا به لأنها صارت منسوخة. وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ أي لا تتبعوا طرق تزيين الشيطان بتفريق الأحكام بالعمل ببعضها الموافق لشريعة موسى وعدم العمل بالبعض الآخر المخالف لها إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) أي ظاهر العداوة فَإِنْ زَلَلْتُمْ أي إن انحرفتم عن الطريق الذي أمرتم به مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ أي الدلائل العقلية والنقلية كالمعجزة الدالة على الصدق وكالبيان الحاصل بالقرآن والسنة فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ أي قوي بالنقمة لمن لا يتابع رسوله فلا يمنعه مانع عنكم ولا يفوته ما يريده منكم حَكِيمٌ (٢٠٩) أي عالم بعواقب الأمور هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ أي ما ينظر أهل مكة إلا أن يأتيهم الله بلا كيف يوم القيامة والملائكة في ظل من الغمام فقوله: فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ مقدم ومؤخر،

стр. 67

فنزول الغمام علامة لظهور أشد الأهوال في القيامة. قال تعالى: يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا [الفرقان: ٢٥] وَقُضِيَ الْأَمْرُ أي تمّ فصل القضاء بين الخلائق وأخذ الحقوق لأربابها وإنزال كل أحد من المكلفين منزلته في الجنة والنار وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠) أي إنّ الله تعالى ملك عباده في الدنيا كثيرا من أمور خلقه فإذا صاروا إلى الآخرة فلا مالك للحكم في العباد سواه. كما قال تعالى: وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار: ١٩] . قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم «ترجع» بالبناء للمجهول على معنى ترد. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي «ترجع» بالبناء للفاعل أي تصير كقوله تعالى: أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [الشورى: ٥٣] . قال فخر الدين محمد الرازي: والأوضح عندي أن قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة: ٢٠٨] إنما نزلت في حق اليهود والمعنى يا أيّها الذين آمنوا بالكتاب المتقدم أكملوا طاعتكم في الإيمان بأن تؤمنوا بجميع أنبياء الله وكتبه فادخلوها بإيمانكم بمحمد ﷺ وبكتابه في الإسلام عن التمام، ولا تتبعوا الشهوات التي تتمسكون بها في بقاء تلك الشريعة وعلى هذا التقدير. فقوله تعالى: فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة: ٢٠٩] يكون خطابا مع اليهود وحينئذ يكون قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ [البقرة: ٢١٠] حكاية عن اليهود والمعنى أنهم لا يقبلون دينك إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة، ألا ترى أنهم فعلوا مع موسى مثل ذلك فقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، وإذا كان هذا حكاية عن حال اليهود لم يمنع إجراء الآية على ظاهرها، وذلك لأن اليهود كانوا على مذهب التشبيه وكانوا يجوّزون على الله المجيء والذهاب، وكانوا يقولون: إنه تعالى تجلّى لموسى ﵇ على الطور في ظلل من الغمام وطلبوا مثل ذلك في زمان محمد ﷺ وعلى هذا التقدير يكون هذا الكلام حكاية عن معتقد اليهود القائلين بالتشبيه فلا يحتاج إلى التأويل ولا إلى حمل اللفظ على المجاز وذكر الله تعالى بعد ذلك ما يجري مجرى التهديد بقوله تعالى: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [البقرة: ٢١٠] . سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ قل يا أشرف الخلق لأولاد يعقوب الحاضرين منهم توبيخا: كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ أي معجزات موسى ﵇، كفلق البحر وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى ونتق الجبل، وتكليم الله تعالى لموسى ﵇ من السحاب، وإنزال التوراة عليهم فبدلوا مقتضاها وهو الإيمان بها بالكفر فاستوجبوا العقاب من الله تعالى فإنكم لو زللتم عن آيات الله تعالى لوقعتم في العذاب كما وقع أسلافكم. أو المعنى سل يا أشرف الخلق هؤلاء الحاضرين من بني إسرائيل تنبيها لهم على ضلالتهم كم آتيناهم من حجة بينة لمحمد ﷺ يعلم بها صدقه وصحة شريعته وكفروا بها. وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ أي ومن يغيّر آيات الله الباهرة الدالة على نبوة محمد ﷺ بالكفر من بعد ما عرفها. أو المعنى ومن يغير دين الله وكتابه بالكفر من بعد ما جاء

стр. 68

محمد به فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢١١) لمن كفر به. زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا أي حسن ما في الحياة الدنيا من سعة المعيشة لكفار مكة أبي جهل ورؤساء قريش وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا أي يسخرون على فقراء المؤمنين كعبد الله بن مسعود، وعمّار، وخباب، وسالم مولى أبي حذيفة، وعامر بن فهيرة، وأبي عبيدة بن الجراح، وسلمان، وبلال، وصهيب بضيق المعيشة وَالَّذِينَ اتَّقَوْا عن الدنيا الشاغلة عن الله تعالى فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ لأن المؤمنين في عليين والكافرين في سجّين ولأنهم في أوج الكرامة وهم في حضيض المذلة، ولأن سخرية المؤمنين بالكفار يوم القيامة فوق سخرية الكافرين بالمؤمنين في الدنيا وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ في الدنيا من كافر ومؤمن بِغَيْرِ حِسابٍ (٢١٢) أي بغير تكلف من المرزوق ومن حيث لا يحتسب وقد أغنى الله المؤمنين بما أفاء عليهم من أموال صناديد قريش ورؤساء اليهود حتى ملكوا كنوز كسرى وقيصر. كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً قائمة على الحق ثم اختلفوا بسبب الحسد والتنازع في طلب الدنيا فإن الناس وهم آدم وأولاده من الذكور والإناث كانوا أمة واحدة على الحق ثم اختلفوا بعد ذلك فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ بالجنة لمن آمن بالله وَمُنْذِرِينَ بالنار لمن لم يؤمن بالله وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ أي ليحكم الكتاب في الحق الذي اختلف الناس في ذلك الحق. فالكتاب حاكم والمختلف فيه وهو الحق محكوم عليه. وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ أي الحق إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ أي أعطوا الكتاب مع أن المقصود من إنزال الكتاب أن لا يختلفوا وأن يرفعوا المنازعة في الدين مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ أي الدلائل العقلية التي نصبها الله تعالى على إثبات الأصول التي لا يمكن القول بالنبوة إلا بعد ثبوتها بَغْياً بَيْنَهُمْ أي حسدا منهم أي أن الدلائل إما سمعية وإما عقلية، أما السمعية فقد حصلت بإيتاء الكتاب، وأما العقلية فقد حصلت بالبينات المتقدمة على إيتاء الكتاب فبعد ذلك لم يبق في العدول عن الحق علة فلو حصل العدول لم يكن ذلك إلا بحسب الحسد والحرص على طلب الدنيا فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ أي فهدى الله الذين آمنوا- للحق الذي اختلف فيه- من اختلف بعلمه وبإرادته وبكرامته. قال ابن زيد: اختلفوا في القبلة، فصلّت اليهود إلى بيت المقدس، والنصارى إلى المشرق، فهدانا الله للكعبة. واختلفوا في الصيام، فهدانا الله لشهر رمضان. واختلفوا في إبراهيم، فقالت اليهود: كان يهوديا. وقالت النصارى: كان نصرانيا. فقلنا: إنه كان حنيفا مسلما. واختلفوا في عيسى فاليهود فرطوا حيث أنكروا نبوته ورسالته، والنصارى أفرطوا حيث جعلوه إلها. وقلنا قولا عدلا وهو إنه عبد الله ورسوله. وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣) أي طريق حق لا يضل سالكه. ويقال: والله يثبّت من يشاء على دين قائم يرضيه أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ.

стр. 69

قال ابن عباس: لما دخل رسول الله ﷺ المدينة اشتد الضرر عليهم لأنهم خرجوا بلا مال وتركوا ديارهم وأموالهم في أيدي المشركين، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى هذه الآية تطييبا لقلوبهم. وقال قتادة والسدي: نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والحزن. وقيل: نزلت في حرب أحد، لما قال عبد الله بن أبيّ لأصحاب محمد ﷺ إلى متى تقتلون أنفسكم وترجون الباطل ولو كان محمد نبيا لما سلط الله عليكم الأسر والقتل ومعنى الآية أظننتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة بمجرد الإيمان بي وتصديق رسولي دون أن تعبدوا الله بكل ما كلفكم به وابتلاكم بالصبر عليه ودون أن ينالكم أذى الكفار، والفقر، ومقاساة الأهوال في مجاهدة العدو كما كان كذلك من قبلكم من المؤمنين. وهو المراد من قوله تعالى: وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ أي والحال لم يأتكم شبه محنة المؤمنين الذين مضوا من قبلكم ثم بيّن الله ذلك الشبه مستهم البأساء والضراء. فالبأساء: تضييق جهات الخير والمنفعة. والضراء: انفتاح جهات الشر والآفات والألم. ومعنى زلزلوا أي حركوا بأنواع البلايا والرزايا، ومعنى حتى يقول الرسول لأن الرسل ﵈ يكونون في غاية الثبات والصبر وضبط النفس عند نزول البلاء، فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا كان ذلك هو الغاية القصوى في الشدة فلما بلغت بهم الشدة إلى هذه الدرجة العظيمة قيل لهم: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤) إجابة لهم من الله أو من قوم منهم والأحسن أن يقال: فالذين آمنوا قالوا: متى نصر الله؟ ثم رسولهم قال: ألا إن نصر الله قريب. وروى الكلبي عن ابن عباس: أن الآية نزلت في عمرو بن الجموح- وكان شيخا كبيرا هرما- وهو الذي قتل يوم أحد وعنده مال عظيم فقال: ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟ فنزلت هذه الآية يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ أي أيّ شيء مصرف المال قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ أي مال فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى أي المحتاجين منهم وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ فالإنفاق على الوالدين واجب عند عجزهما عن الكسب والملك، والإنفاق على الأقربين- وهم الأولاد وأولاد الأولاد- قد يلزم عند فقد الملك، فحينئذ الواجب فيما ذكر قدر الكفاية وقد يكون على صلة الرحم. والإنفاق على اليتامى والمساكين والمارين في السبيل إما من جهة الزكاة أو من جهة صدقة التطوع. فالمراد بهذه الآية: من أحب التقرب إلى الله تعالى في باب النفقة فالأولى له أن ينفقه في هذه الجهات فيقدم الأولى فالأولى في صدقة التطوع. وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ أي من سائر وجوه البر والطاعة فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥) أي فيجازيكم عليه ويوفى ثوابه. كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أي فرض عليكم قتال الكفرة في أوقات النفير العام مع النبيّ ﷺ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ أي والحال أن القتال مكروه لكم طبعا للمشقة على النفس وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً كالجهاد في سبيل الله وَهُوَ

стр. 70

خَيْرٌ لَكُمْ لما تصيبون الشهادة والغنيمة والأجر وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً كالجلوس عن الجهاد وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ لأنكم لا تصيبون الشهادة ولا الغنيمة ولا الأجر وَاللَّهُ يَعْلَمُ أن الجهاد خير لكم فلذلك يأمركم به وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢١٦) ذلك ولذلك تكرهونه. أو المعنى والله يعلم ما هو خير وشر لكم وأنتم لا تعلمونهما فلا تتبعوا في ذلك رأيكم وامتثلوا أمره تعالى نزلت تلك الآية في حق سعد بن أبي وقاص، والمقداد بن الأسود وأصحابهما يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ. روى أكثر المفسرين عن ابن عباس أنه قال: إن رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن جحش الأسدي وهو ابن عمته قبل قتال بدر بشهرين وبعد سبعة عشر شهرا من مجيئه المدينة في ثمانية رهط وكتب له كتابا وعهدا ودفعه إليه وأمره أن يفتحه بعد منزلتين ويقرأه على أصحابه ويعمل بما فيه فإذا فيه: أما بعد، فسر على بركة الله تعالى بمن اتّبعك حتى تنزل بطن نخل فترصد بها عير قريش لعلك أن تأتينا منه بخير. فقال عبد الله: سمعا وطاعة لأمره، فقال لأصحابه: من أحب منكم الشهادة فلينطلق معي فإني ماض لأمره. ومن أحب التخلف فليتخلف. فمضى حتى بلغ بطن نخل بين مكة والطائف فمر عليهم عمرو بن عبد الله الحضرمي وثلاثة معه فلما رأوا أصحاب رسول الله ﷺ حلقوا رأس واحد منهم وأوهموا بذلك أنهم قوم عمار، ثم أتى واقد بن عبد الله الحنظلي وهو أحد من كان مع عبد الله بن جحش ورمى عمرو بن الحضرمي فقتله، وأسروا اثنين، وساقوا العير بما فيه من تجارة الطائف حتى قدموا على رسول الله ﷺ فضجت قريش، وقالوا: قد استحل محمد الشهر الحرام شهر يأمن فيه الخائف فيسفك فيه الدماء والمسلمون أيضا قد تعجبوا من ذلك فقال ﷺ : «إني ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام» . وقال عبد الله بن جحش: يا رسول الله إنا قتلنا ابن الحضرمي ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أفي رجب أصبناه أم في جمادى، فوقف رسول الله ﷺ العير والأسارى فنزلت هذه الآية فأخذ رسول الله ﷺ الغنيمة وعلى هذا التقدير، فالأظهر أن هذا السؤال إنما صدر عن المسلمين قُلْ في جوابهم سَبِيلِ اللَّهِ أي الشهر الحرام وهو رجب كَبِيرٌ أي عظيم وزرا وقد تم الكلام هاهنا والوقف هنا تام وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ أي ولكن منع الناس عن دين الله وطاعته وكفر بالله ومنع الناس عن مكة وإخراج أهله وهم النبيّ ﷺ والمؤمنون من مكة أعظم وزرا عند الله من قتل عمرو بن الحضرمي في رجب خطأ مع أنه يجوز أن يكون ذلك القتل واقعا في جمادى الآخرة وَالْفِتْنَةُ أي ما فعلوا الفتنة عن دين المسلمين تارة بإلقاء الشبهة في قلوبهم وتارة بالتعذيب كفعلهم ببلال وصهيب وعمار بن ياسر أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ أي أفظع من قتل عمرو بن الحضرمي. روي أنه لما نزلت هذه الآية كتب عبد الله بن جحش إلى مؤمني مكة إذا عيركم المشركون

стр. 71

بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم بالكفر وإخراج رسول الله ﷺ من مكة ومنع المؤمنين عن البيت الحرام وَلا يَزالُونَ أي أهل مكة الكفرة يُقاتِلُونَكُمْ أيها المؤمنون حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ أي كي يردوكم عن دينكم الحق إلى دينهم الباطل إِنِ اسْتَطاعُوا وهذا استبعاد لاستطاعتهم وإشارة إلى ثبات المسلمين في دينهم وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ بأن لم يرجع إلى الإسلام فَأُولئِكَ المصرون على لارتداد إلى حين الموت حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ الحسنة التي عملوها في حالة الإسلام فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فحبوط الأعمال في الدنيا هو أنه يقتل عند الظفر به ويقاتل إلى أن يظفر به ولا يستحق من المؤمنين نصرا ولا ثناء حسنا وتبين زوجته منه ولا يستحق الميراث من كل أحد. وحبوط أعمالهم في الآخرة أن الردة تبطل استحقاقهم للثواب الذي استحقوه بأعمالهم السالفة أما لو رجع المرتد إلى الإسلام عادت أعماله الصالحة مجردة عن الثواب فلا يكلف بإعادتها وهذا هو المعتمد في مذهب الشافعي وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ أي ملازموها هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢١٧) أي مقيمون لا يخرجون ولا يموتون. وروي أن عبد الله بن جحش قال: يا رسول الله هب أنه لا عقاب علينا فيما فعلنا فهل نطمع منه أجرا وثوابا؟ فنزلت هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بالله ورسوله وَالَّذِينَ هاجَرُوا أي فارقوا أوطانهم وعشائرهم من مكة إلى المدينة وَجاهَدُوا أي بذلوا جهدهم في قتل العدو كقتل عمرو بن الحضرمي الكافر فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي لإعلاء دين الله أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ أي يطمعون في ثواب الله أو ينالون جنة الله وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨) فيحقق لهم رجاءهم إذا ماتوا على الإيمان والعمل الصالح. يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ أي عن تناولهما قُلْ فِيهِما أي في تعاطيهما إِثْمٌ كَبِيرٌ أي عظيم بعد التحريم لما يحصل بسببهما من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش وإتلاف للأموال ولأن الخمر مسلبة للعقول التي هي قطب الدين والدنيا. وقرأ حمزة والكسائي كثير بالثاء المثلثة وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ قبل التحريم بالتجارة فيها وباللذة والفرح وتصفية اللون وحمل البخيل على الكرم وزوال الهمّ وهضم الطعام، وتقوية الباءة وتشجيع الجبان في شرب الخمر، وإصابة المال بلا كد في القمار، أي المغالبة بأخذ المال في أنواع اللعب وَإِثْمُهُما بعد التحريم أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما قبل التحريم. وقرئ أقرب من نفعهما. قال المفسرون: نزلت في الخمر أربع آيات نزل بمكة قوله تعالى: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً [النحل: ٦٧] وكان المسلمون يشربونها وهي حلال لهم ثم إن عمر ومعاذا ونفرا من الصحابة منهم سيدنا حمزة بن عبد المطلب وبعض الأنصار قالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر والميسر فإنهما مذهبة للعقل مسلبة للمال فنزل فيهما قوله تعالى: قُلْ

стр. 72

فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ فشربها قوم وتركها آخرون ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناسا منهم فشربوا وسكروا فقام بعضهم يصلي إماما فقرأ: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون بحذف لا، فنزلت: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى فقلّ من شربها، ثم اجتمع قوم من الأنصار وفيهم سعد بن أبي وقاص فلما سكروا وافتخروا وتناشدوا الأشعار حتى أنشد سعد شعرا فيه هجاء للأنصار فضربه أنصاري بلحى بعير فشجه شجة موضحة فشكا إلى رسول الله ﷺ فقال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزل: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إلى قوله فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: ٩٠] . فقال عمر: انتهينا يا رب. وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ أي أيّ قدر ينفقونه نزلت هذه الآية في شأن عمرو بن الجموح سأل النبي ﷺ ماذا نتصدق من أموالنا؟ وقيل: السائل معاذ بن جبل وثعلبة. وقال الرازي: كان الناس لما رأوا الله ورسوله يحضان على الإنفاق ويدلان على عظيم ثوابه سألوا عن مقدار ما كلفوا به هل هو كل المال أو بعضه؟ فأعلمهم الله تعالى أن العفو أي الفاضل عن الكفاية مقبول قُلِ الْعَفْوَ أي ما سهل مما يكون فاضلا عن حاجة الإنسان في نفسه وعياله ومن تلزمه مؤونتهم كَذلِكَ أي كما بيّن الله لكم قدر المنفق وحكم الخمر والميسر بأن فيهما منافع في الدنيا ومضار في الآخرة يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ الدالة على الأحكام الشرعية لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيا أنها فانية وَالْآخِرَةِ أنها باقية، فإذا تفكرتم في أحوال الدنيا والآخرة علمتم أنه لا بدّ من ترجيح الآخرة على الدنيا وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى كان أهل الجاهلية قد اعتادوا الانتفاع بأموال اليتامى وربما تزوجوا باليتيمة طمعا في مالها ثم إن الله تعالى أنزل قوله: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً [النساء: ١٠] وقوله: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الأنعام: ١٥٢] فعند ذلك ترك القوم مخالطة اليتامى والمقاربة من أموالهم والقيام بأمورهم فاختلّت مصالح اليتامى وساءت معيشتهم فثقل ذلك على الناس فقال عبد الله ابن رواحة، وقيل: ثابت بن رفاعة الأنصاري: يا رسول الله ما لكلنا منازل تسكنها الأيتام، ولا كلنا يجد طعاما وشرابا يردهما لليتيم فهل يجوز مخالطة اليتامى بالطعام والشراب والمسكن أم لا؟ فنزلت هذه الآية: قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ أي قل يا أشرف الخلق إصلاح أموالهم من غير أخذ أجرة خير لكم من ترك مخالطتهم وأعظم أجرا لكم وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ أي وإن تخالطوهم بما لا يتضمن إفساد أموالهم فذلك جائز لأنهم إخوانكم في الدين وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ أي يعرف المفسد لأموالهم بالمخالطة من المصلح لها وقيل: يعلم ضمائر من أراد الإفساد والطمع في أموالهم بالنكاح ممن أراد الإصلاح وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ أي لكلفكم ما يشتد عليكم أو لضيق الأمر عليكم في مخالطتهم إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ أي غالب على أمره قوي بالنقمة لمفسد مال اليتيم حَكِيمٌ (٢٢٠) يحكم بما تقتضيه الحكمة الداعية إلى بناء التكليف على أساس طاقة البشر وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ أي

стр. 73

ولا تتزوجوا المشركات بالله إلى أن يؤمن بالله بأن يقررن بالشهادة ويلتزمن أحكام الإسلام هذا مقصور على غير الكتابيات لما روي عن جابر بن عبيد الله عن رسول الله ﷺ أنه قال: «نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا» «١» . وروى عبد الرحمن بن عوف أنه ﷺ قال في حق المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم» «٢» . وسبب نزول هذه الآية ما روي أن النبيّ ﷺ بعث مرثد بن أبي مرثد الغنوي إلى مكة ليخرج منها ناسا من المسلمين سرا، فعند قدومه جاءته امرأة مشركة اسمها عناق فالتمست الخلوة فقال: ويحك إن الإسلام حال بيني وبينك! فقالت: هل لك أن تتزوج بي؟ فقال: نعم، ثم وعدها أن يأذن الرسول ﷺ فلما انصرف إلى رسول الله ﷺ عرفه ما جرى في أمر عناق وسأله هل يحل له التزوج بها فأنزل الله تعالى هذه الآية: وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ أي لنكاح أمة مؤمنة خير من نكاح مشركة ولو أعجبتكم تلك المشركة بحسنها أو بمالها أو بحريتها أو بنسبها. قال السدي: نزلت هذه الآية في حق عبد الله بن رواحة، كان له أمة فأعتقها وتزوج بها فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا: أتنكح أمة!؟ وعرضوا عليه حرة مشركة فأنزل الله تعالى تلك الآية. وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا أي ولا تزوجوا الكفار ولو كانوا أهل كتاب المؤمنات حتى يؤمنوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ أي تزويجكم لعبد مؤمن خير من تزويجكم لمشرك وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ذلك المشرك لماله وجماله وقوته وحريته أُولئِكَ المشركات والمشركون يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ أي إلى ما يؤدي إلى النار فإن الزوجية مظنة المحبة وذلك يوجب الموافقة في الأغراض وربما يؤدي ذلك إلى انتقال الدين بسبب موافقة المحبوب وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بتبيان هذه الأحكام من الإباحة والتحريم فإن من تمسك بها استحق الجنة والمغفرة بِإِذْنِهِ أي بتيسيره تعالى وتوفيقه للعمل الذي يستحق به الجنة والمغفرة. وقرأ الحسن «والمغفرة بإذنه» بالرفع أي والمغفرة حاصلة بتيسير الله تعالى. وَيُبَيِّنُ آياتِهِ أي أمره ونهيه في التزويج والتزويج لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١) قبح المنهي عنه وحسن المدعو إليه. وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ أي الحيض والسائل عن ذلك ثابت الدحداح الأنصاري، وقيل: عباد بن بشر وأسيد بن الحضير، لأن أهل الجاهلية كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها، ولم يجالسوها على فرش ولم يساكنوها في بيت كفعل اليهود والمجوس. وأما

стр. 74

النصارى كانوا يجامعونهن ولا يبالون بالحيض. قُلْ يا أشرف الخلق: هُوَ أي الحيض أَذىً أي قذر الرائحة المنكرة التي فيه واللون الفاسد وللحدة القوية التي فيه كما قال ﷺ : «دم الحيض هو الأسود المحتدم» «١» أي المحترق من شدة حرارته فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ أي في موضع الحيض وَلا تَقْرَبُوهُنَّ أي لا تجامعوهن حَتَّى يَطْهُرْنَ وهذا تأكيد لحكم الاعتزال. قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص، ويعقوب الحضرمي «حتى يطهرن» بسكون الطاء وضم الهاء بمعنى: حتى يزول عنهن الدم. وقرأ شعبة وحمزة والكسائي بتشديد الطاء والهاء بمعنى يغتسلن فَإِذا تَطَهَّرْنَ أي اغتسلن أو تيممن عند تعذر استعمال الماء فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أي فجامعوهن في موضع أمركم الله به وهو القبل. وقال الأصم والزجاج: أي فأتوهن من حيث يحل لكم غشيانهن وذلك بأن لا يكنّ صائمات ولا معتكفات ولا محرمات بالنسك، وفهم من هذا الشرط أنه يشترط بعد انقطاع الحيض الاغتسال لأنه قد صار المجموع غاية وذلك بمنزلة قولك: لا تكلم فلانا حتى يدخل الدار فإذا طابت نفسه بعد الدخول فكلمه فإنه يجب أن يتعلق إباحة كلامك بالأمرين جميعا، واتفق مالك والأوزاعي والثوري والشافعي: أنه إذا انقطع حيض المرأة لا يحل للزوج مجامعتها إلا بعد أن تغتسل من الحيض، والمشهور عن أبي حنيفة: أنها إن رأت الطهر دون عشرة أيام لم يقربها زوجها، وإن رأته لعشرة أيام جاز أن يقربها قبل الاغتسال. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ بالندم على ما مضى من الذنب والترك في الحاضر والعزم على أن لا يفعل مثله في المستقبل وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) أي المتنزهين عن المعاصي من إتيان النساء في زمان الحيض والإتيان في الأدبار. وقيل: يحب المستنجين بالماء نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ أي فروج نسائكم مزرعة لأولادكم فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أي مزرعتكم أَنَّى شِئْتُمْ أي من أيّ جهة شئتم، أي فالمراد من هذه الآية أن الرجل مخيّر بين أن يأتي زوجته من قبلها في قبلها وبين أن يأتيها من دبرها في قبلها لأن سبب نزول هذه الآية ما روي أن اليهود قالوا: من جامع امرأته في قبلها من دبرها كان ولدها أحول مخبلا، وزعموا أن ذلك في التوراة فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «كذبت اليهود» «٢» . وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ من الأعمال الصالحة كالتسمية عند الجماع وطلب الولد. روي أن النبيّ ﷺ قال: «من قال بسم الله عند الجماع فأتاه ولد فله حسنات بعدد أنفاس ذلك الولد وعدد عقبه إلى

стр. 75

يوم القيامة» «١» . أي قدّموا ما يدخر لكم من الثواب ولا تكونوا في قيد قضاء الشهوة وَاتَّقُوا اللَّهَ في أدبار النساء ومجامعتهن في الحيض وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ أي الله بالبعث فتزودوا ما تنتفعون به فإنه تعالى يجزيكم بأعمالكم وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣) خاصة بالثواب والكرامة وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ أي ولا تجعلوا ذكر الله مانعا بسبب إيمانكم من أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس. قال ابن عباس: ارجعوا إلى ما هو خير لكم وكفّروا يمينكم. نزلت هذه الآية في شأن عبد الله ابن رواحة فإنه حلف بالله أن لا يحسن إلى أخته وختنه- أي زوج أخته بشير بن النعمان- ولا يكلمهما ولا يصلح بينهما فكان إذا قيل له في الصلح يقول: قد حلفت بالله أن لا أفعل فلا يحل لي أن لا أبرّ في يميني. وَاللَّهُ سَمِيعٌ بيمينكم بترك الإحسان عَلِيمٌ (٢٢٤) بنياتكم وبكفارة اليمين لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ قال الشافعي ﵁: إن اللغو قول العرب لا والله، وبلى والله في الشراء والبيع وغير ذلك مما يؤكدون به كلامهم ولا يخطر ببالهم الحلف، ولو قيل لواحد منهم: سمعتك اليوم تحلف في المسجد الحرام ألف مرة لأنكر ذلك، ولعله قال: لا والله ألف مرة. وقال أبو حنيفة: إن اللغو هو أن يحلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن، فالشافعي لا يوجب الكفارة في المسألة الأولى ويوجبها في الثانية. وأبو حنيفة يحكم بالضد من ذلك. وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ أي قصدته من الإيمان بجد وربطت به فحنثتم فإذا حلف على شيء بالجد في أنه كان حاصلا ثم ظهر أنه لم يحصل فقد قصد بذلك اليمين تصديق قول نفسه وربط قلبه بذلك فلم يكن ذلك لغوا بل كان حاصلا بكسب القلب وَاللَّهُ غَفُورٌ حيث لم يؤاخذكم باللغو مع كونه ناشئا من عدم الاحتياط حَلِيمٌ (٢٢٥) حيث لم يعجل بالمؤاخذة على يمين الجد لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أي للذين يحلفون أن لا يجامعوهن مطلقا أو مدة تزيد على أربعة أشهر انتظارا أربعة أشهر فَإِنْ فاؤُ أي رجعوا عن اليمين بالحنث بأن جامعوا قبل أربعة أشهر فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ليمينهم إن تابوا بفعل الكفارة رَحِيمٌ (٢٢٦) حيث بين كفارتهم وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ أي إن حققوا الطلاق وبروا يمينهم فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ليمينهم عَلِيمٌ (٢٢٧) بعزمهم فليس لهم بعد التربص إلا الفيئة أو الطلاق. فإن بر المولى يمينه وترك مجامعة امرأته حتى تجاوز أربعة أشهر بانت منه امرأته بتطليقة واحدة، وإن جامعها قبل ذلك فعليه كفارة اليمين كما قاله ابن عباس وَالْمُطَلَّقاتُ أي ذوات الأقراء من الحرائر المدخول
следующие страницы →