← Тафсир

Тафсир · id 22769

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

نووي الجاوي

Полный текст (1 343 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

موصوفا بهذه الصفات. قيل: نزلت هذه الآية في النضر وأبيه الحرث، وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ أي مقام حضرة ربه وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) أي عن الميل إلى الحرام الذي يشتهيه فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (٤١) له، قيل: نزلت الآيتان في أبي عزيز بن عمير، ومصعب بن عمير، وقد قتل مصعب أخاه أبا عزيز يوم أحد، ووقى رسول الله ﷺ بنفسه حتى استشهد ﵁. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: فَأَمَّا مَنْ طَغى فهو أخو مصعب بن عمير، أسر يوم بدر وأخذته الأنصار، فقالوا: من أنت؟ قال: أنا أخو مصعب بن عمير فلم يشدوه في الوثاق وأكرموه وبيّتوه عندهم، فلما أصبحوا حدثوا مصعب بن عمير حديثه فقال: ما هو بأخ له، شدوا أسيركم فإن أمه أكثر أهل البطحاء حليا ومالا، فأوثقوه حتى تبعث أمه فداءه وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ فمصعب بن عمير، وقى رسول الله ﷺ بنفسه يوم أحد حين تفرق الناس عنه حتى نفذت المشاقص في جوفه، فلما رآه رسول الله ﷺ متشحطا في دمه قال ﷺ : «عند الله أحتسبك» ، وقال ﷺ لأصحابه: «لقد رأيته وعليه بردان ما تعرف قيمتهما وإن شراك نعله من ذهب» «١» . يَسْئَلُونَكَ يا أشرف الخلق عَنِ السَّاعَةِ على سبيل الاستهزاء حين سمع المشركون وصفها بالأوصاف الهائلة مثل طامة وصاخة، وقارعة: أَيَّانَ مُرْساها (٤٢) أي متى إقامتها، أي في أيّ وقت يوجدها الله تعالى، فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) أي في أيّ شيء أنت من أن تذكر وقتها لهم إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (٤٤) ، أي إلى ربك يرجع منتهى علمها لم يؤته أحدا من خلقه، إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (٤٥) أي إنما أنت مخوف من يخاف هولها، فالإنذار لا يتوقف على علم المنذر بوقت قيامها. وقرأ عمر بن عبد العزيز، وأبو جعفر، وطلحة، وابن محيصن «منذر» بالتنوين، وهو الأصل وحذف التنوين للتخفيف، وكلاهما يصلح للحال والاستقبال، فإذا أريد الماضي فلا يجوز إلا الإضافة، كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (٤٦) . وهذا إما تأكيد لما يدل عليه الإنذار من سرعة مجيء المنذر به، أي كأن كفار قريش يوم يعاينون الساعة لم يلبثوا بعد الإنذار بها إلا عشية يوم واحد أو ضحاه، وإما رد لما أدمجوه في سؤالهم فإنهم كانوا يسألون عن الساعة بطريق الاستبطاء مستعجلين بها، ويقولون: متى هذا الوعد؟ فالمعنى: كأنهم يوم يرون قيام الساعة لم يلبثوا بعد الوعيد بها إلا عشية هي من الزوال إلى الغروب، أو ضحى يومها واعتبار كون اللبث بعد الإنذار أو بعد الوعيد تحقيقا للإنذار وردا لاستبطائهم.

стр. 1262

سورة عبس وتسمى سورة الأعمى، وسورة السفرة. مكية، إحدى وأربعون آية، مائة وثلاث وثلاثون كلمة، خمسمائة وثلاثة وثلاثون حرفا عَبَسَ أي كلح النبي وجهه. وقرئ بالتشديد للمبالغة، وَتَوَلَّى (١) أي أعرض بوجهه لأجل أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) اسمه عبد الله ابن أم مكتوم، وهو عبد الله بن شريح بن مالك الفهري، وأم مكتوم كانت أم أبيه، واسمها عاتكة بنت عامر المخزومي، وهو ابن خالة خديجة بنت خويلد، أسلم قديما بمكة، أتى رسول الله ﷺ وعنده صناديد قريش: عتبة، وشيبة- ابنا ربيعة- وأبو جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم فقال له: يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله، وكرر ذلك، فكره رسول الله ﷺ قطعه لكلامه، وعبس، وأعرض عنه، فنزلت هذه الآية، فكان رسول الله ﷺ يكرمه ويقول إذ رآه: «مرحبا بمن عاتبني فيه ربي» ويقول له: «هل لك من حاجة؟» «١» وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤) أي أيّ شيء يجعلك يا أشرف الخلق داريا بحال هذا الأعمى حتى تعرض عنه، لعله يتطهر بما يقتبس منك من الإثم، أو يتعظ، فتنفعه موعظتك، إن لم يبلغ درجة التطهر التام. وقرأ عاصم بنصب «فتنفعه» على جواب «لعل» ، أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) عن الإيمان والقرآن بماله من المال فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) أي تقبل عليه بوجهك وتميل إلى كلامه. وقرأ نافع وابن كثير بتشديد الضاد وقرأ أبو جعفر بضم التاء، أي فأنت يدعوك داع إلى التصدي له من الحرص على إسلامه وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) و «ما» إما نافية، والجملة حال من ضمير «تصدى» ، أي والحال أنه ليس عليك بأس في عدم تطهره من الشرك بالإسلام، وإما استفهامية للإنكار أي وأيّ شيء عليك في كونه لا يتطهر من دنس الكفر، وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨)

стр. 1263

أي حال كونه يسرع في طلب الخير وَهُوَ يَخْشى (٩) من الله، أي وهو مسلم فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) أي تتشاغل بصناديد قريش. وقرأ طلحة بن مصرف «تتلهى» . وقرأ أبو جعفر «تلهى» ، أي يلهيك شأن الصناديد كَلَّا أي لا تفعل مثل ذلك، أي وذلك محمول على ترك الأولى إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) أي إن القرآن موعظة فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) أي فمن رغب في القرآن اتعظ به، ومن لم يرده فلا حاجة إلى الاهتمام بأمره فِي صُحُفٍ أي ذلك القرآن مثبت في صحف منتسخة من اللوح المحفوظ مُكَرَّمَةٍ (١٣) عند الله تعالى، مَرْفُوعَةٍ في السماء السابعة، مُطَهَّرَةٍ (١٤) أي منزهة عن مساس أيدي الشياطين، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) أي ملائكة يكشفون الوحي بين الله ورسله، أو يكتبون الكتب ناقلين من اللوح المحفوظ كِرامٍ أي عند الله تعالى بَرَرَةٍ (١٦) أي صادقين لله في أعمالهم. وقال القرطبي: إن المراد بما في قوله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة: ٧٩] هؤلاء السفرة الكرام البررة، وقوله: بِأَيْدِي متعلق ب «مطهرة» . قال القفال: لما لم يمس الصحف إلا الملائكة المطهرون أضيف التطهر إليها لطهارة من يمسها. قُتِلَ الْإِنْسانُ أي لعن الكافر ما أَكْفَرَهُ (١٧) أي أيّ شيء أكفره، وهو تعجب من إفراطه في الكفران، والتعجب بالنسبة للمخلوقين، والمعنى: اعجبوا من كفر الإنسان بجميع ما ذكرناه بعد هذا، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) وهذا استفهام تقرير في التحقير، أي فليتفكر الإنسان في نفسه من أيّ شيء خلقه الله، ثم بيّن الله له فقال: مِنْ نُطْفَةٍ أي ماء حقير، خَلَقَهُ فمن كان أصله مثل هذا الشيء الحقير، فالتكبر لا يكون لائقا به فَقَدَّرَهُ (١٩) أي فهيأه لما يصلح له ويليق به من الأعضاء، أو فقدره أطوارا نطفة، ثم علقة إلى أن تم خلقه، ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) أي ثم سهل الله خروجه من بطن أمه وكان رأس المولود في بطن أمه، من فوق ورجلاه من تحت، فإذا جاء وقت الخروج انقلب، فخروجه حيا من ذلك المنفذ الضيق من أعجب العجائب، أو ثم بين طريق الخير والشر التي تتعلق بالدنيا، والتي تتعلق بالدين، ثُمَّ أَماتَهُ بعد ذلك، فَأَقْبَرَهُ (٢١) أي جعله الله ذا قبر يوارى فيه تكرمة له، ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) أي بعثه من القبر كَلَّا، أي لا تتكبر، ولا تصر على إنكار التوحيد، وعلى إنكار البعث، أو حقا يا محمد لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (٢٣) ، أي لم يعمل الإنسان الكافر بما أمره الله به من التأمل في دلائل الله والتدبر في عجائب خلقه وبينات حكمته، فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٢٤) الذي جعله الله سببا لحياته كيف دبر الله أمره، أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ أي الغيث على الأرض، صَبًّا (٢٥) . قرأ عاصم وحمزة والكسائي «أنا» بفتح الهمزة على أنه بدل اشتمال من طعامه، لأن الماء سبب لحدوث الطعام، فهو مشتمل عليه. والباقون بالكسر على الاستئناف. وقرئ «إني» بالإمالة، أي كيف صببنا الماء صبا عجيبا! ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ بالنبات شَقًّا (٢٦) بديعا لائقا به فَأَنْبَتْنا فِيها أي الأرض حَبًّا (٢٧) ، وهو كل ما حصد من نحو الحنطة والشعير وغيرهما،

стр. 1264

وَعِنَباً وهو غذاء من وجه وفاكهة من وجه، وَقَضْباً (٢٨) . قيل: هو كل ما يقطع من البقول. وقال الحسن: هو العلف للدواب. وقال ابن عباس: هو الرطب فإنه يقطع من النخل، وَزَيْتُوناً وفيه إصلاح المزاج، وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدائِقَ غُلْباً (٣٠) أي بساتين ملتفة الأشجار، أو طوال الأشجار، وَفاكِهَةً وهي ما تأكله الناس من ثمار الأشجار، وَأَبًّا (٣١) وهو ما تأكله الدواب من الكلأ، مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٢) أي فعل الله ذلك تمتيعا لكم ولمواشيكم، فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) أي صيحة النفخة الثانية التي تصم الآذان لشدتها، يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) و «يوم» إما منصوب بأعني تفسيرا ل «الصّاخة» ، أو بدل منها مبني على الفتح بالإضافة إلى الفعل على رأي الكوفيين، أي يعرض عن أخيه وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) وفائدة هذا الترتيب كأنه قيل يوم يعرض المرء عن أخيه، بل عن أبويه اللذين هما أقرب من الأخ، بل عن الزوجة والولد اللذين تعلق القلب بهما أشد من تعلقه بالأبوين، وجواب «إذا» محذوف تقديره: اشتغل كل امرئ بحال نفسه، ويدل عليه قوله تعالى: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ أي يوم إذ تكون هذه الداهية شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) ، أي شغل يكفيه في الاهتمام به، أو عمل يصرفه عن قرابته كما قاله ابن قتيبة. وقرئ «يعنيه» بالياء المفتوحة والعين المهملة، أي يهمه، أي يوقعه في الهم، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) أي مضيئة من صلاة الليل- كما قاله ابن عباس- أو من آثار الوضوء- كما قاله الضحاك- أو بسبب الخلاص من علائق الدنيا والاتصال بالرحمة ومنازل الرضوان- كما قاله الرازي- ضاحِكَةٌ أي معجبة بكرامة الله أو مسرورة بالفراغ من الحساب، مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) أي فرحة بما تشاهد من النعيم الدائم والثواب الجسيم، وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) أي كدورة تَرْهَقُها أي تدركها عن قرب، قَتَرَةٌ (٤١) أي سواد كالدخان أُولئِكَ أي أصحاب هذه الوجوه هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢) أي الجامعون بين الكفر بالله والكذب على الله.

стр. 1265

سورة التكوير مكية، تسع وعشرون آية، مائة وأربع كلمات وخمسمائة وثلاثة وثلاثون حرفا إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) أي لفت أي صارت مختفية عن الأعين. وقيل: أي رميت عن الفلك. وعن ابن عباس ﵄ «تكويرها» إدخالها في العرش، وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) ، أي تساقطت على وجه الأرض. وعن ابن عباس ﵄: إن النجوم قناديل معلقة بين السماء والأرض بسلاسل من نور بأيدي ملائكة من نور، فإذا مات من في السموات ومن في الأرض تساقطت من أيديهم. وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣) عن وجه الأرض بالرجفة، وَإِذَا الْعِشارُ أي النوق الحوامل التي هي أنفس ما يكون عند أهلها، عُطِّلَتْ (٤) أي تركت من غير راع لاشتغال أربابها بأنفسهم. وقيل: أي وإذا السحب تعطلت عن الماء. وقرئ «عطلت» بالتخفيف، وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) أي جمعت من كل جانب لا للقصاص. وقيل: بعثت للقصاص إظهارا للعدل. قال قتادة: يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص، فإذا قضي بينها ردت ترابا فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم وإعجاب بصورته كالطاوس ونحوه. وقرئ «حشرت» بالتشديد، وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦) أي ملئت من الماء، فيفيض بعضها إلى بعض، فتصير شيئا واحدا، ثم تيبس البحار من الماء، ثم تقلب نارا. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتخفيف الجيم، وهذه العلامات الستة يمكن وقوعها في أول زمان تخريب الدنيا. أما الستة الباقية فإنها مختصة بالقيامة وهي ما ذكر بقوله تعالى: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) أي ردت الأرواح إلى أجسادها. وقال ابن عباس: زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين، وقرنت نفوس الكافرين بالشياطين. وقال الزجاج: قرنت النفوس بأعمالها، وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) أي وإذا البنت المدفونة حية سئلت تبكيتا لمن دفنها في القبر وهي حية بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) ، أي هي وذلك كأن قيل

стр. 1266

للموءودة إن القتل لا يجوز إلا لذنب عظيم، فما ذنبك أيتها البنت، فكان جوابها: إني قتلت بغير ذنب، فيفتضح القاتل. وقرئ «قتلت» بكسر التاء للمخاطبة مع قراءة «سئلت» بقراءة الجمهور. وقرئ «سألت» بالبناء للفاعل، أي خاصمت أباها، أو سألت الله تعالى. وهذه القراءة مع قراءة «قتلت» بضم التاء للمتكلم، وبسكونها على التأنيث فالقراءات الشاذة ثلاثة، وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) أي وإذا صحف الأعمال فرقت بين أصحابها عند الحساب، وتطايرت في الأكف. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بتخفيف الشين. والباقون بتشديدها، وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١) أي أزيلت عما فوقها، وهي الجنة وعرش الله. وقرأ ابن مسعود «قشطت» ، وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) أي أوقدت إيقادا شديدا. وقرأ نافع وابن ذكوان وعاصم بتشديد العين. والباقون بتخفيفها وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) ، أي قربت من المتقين. وقال عبد الله بن زيد: أي زينت عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (١٤) أي ما قدمت من خير أو شر فإن الأعمال لما عملتها النفس فكأنها أحضرتها في الموقف، فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) «لا» زائدة، أي فأقسم بالكواكب الرواجع من آخر الفلك إلى أوله التي تجري مع الشمس والقمر التي تختفي تحت ضوء الشمس. وهي هذه الأنجم الخمسة: بهرام، وزحل، وعطارد، والزهرة، والمشتري، ليس في الكواكب شيء يقطع المجرة غيرها، كما أخرجه ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب. وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) ، أي ذهب، وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨) أي أضاء إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) أي إن هذا الذي أخبركم به محمد من أمر الساعة على ما ذكر في هذه السورة ليس بكهانة، ولا ظن، ولا افتعال، إنما هو قول جبريل أتاه به وحيا من عند الله تعالى أو أن القرآن لقول جبريل نزل به إلى محمد من جهة الله تعالى، فهو رسول الله إلى الأنبياء، وهو كريم لأنه يعطي أفضل العطايا وهو الهداية ذِي قُوَّةٍ أي شدة. روي أنه ﷺ قال لجبريل: «ذكر الله قوتك فماذا بلغت؟» قال: رفعت قريات قوم لوط الأربع على قوادم جناحي حتى إذ سمع أهل السماء نباح الكلاب وأصوات الدجاج قلبتها . وذكر مقاتل أن الأبيض- وهو شيطان- قصد أن يفتن النبي ﷺ فدفعه جبريل دفعة رفيقة وقع بها من مكة إلى أقصى الهند، عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) أي ذي جاه عند الله تعالى، فإنه يعطي ما يسأل، وهذه العندية عندية إكرام وتشريف، لا عندية مكان وجهة، مُطاعٍ ثَمَّ أي في السموات فتطيعه الملائكة، فإنهم يصدرون عن أمره، ويرجعون إلى رأيه أَمِينٍ (٢١) على وحي الله ورسالته، قد عصمه الله من الخيانة والزلل، وَما صاحِبُكُمْ أي نبيكم محمد يا معشر قريش بِمَجْنُونٍ (٢٢) ، كما زعمتم. والمقصود: من عدّ فضائل جبريل واقتصار النبي ﷺ على نفي الجنون ردّ قول الكفرة في حقه ﷺ ، إنما يعلمه بشر افترى على الله كذبا، أم به جنة لا الموازنة بينهما ولا تفضيل جبريل على النبي، ثم إنك إذا أمعنت النظر وقفت على أن إجراء تلك الصفات على جبريل في هذا

стр. 1267

المقام ادماج لتعظيم رسول الله ﷺ ، وأنه ﷺ بلغ من علو المنزلة عند الله تعالى بجعل السفير بينه وبينه تعالى، مثل هذا الملك المقرب، فهذه الصفات التي لجبريل رفع منزلة له ﷺ ، وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) أي وبالله لقد رأى رسول الله جبريل عليهما الصلاة والسلام بمطلع الشمس الأعلى على صورته التي خلق عليها، وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالظاء المشالة أي وما محمد بمتهم في القرآن، بل هو ثقة فيما يؤدى عن الله تعالى. وقرأ الباقون بالضاد أي وما محمد ببخيل بالقرآن، بل يخبر بما في القرآن من أخبار الغيب، ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ما عنده حتى يأخذ عليه حلوانا، وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (٢٥) أي وما القرآن بقول مسترق للسمع اسمه مرمى، فيلقيه على محمد، وهذا نفي لقول أهل مكة، إن هذا القرآن يجيء به شيطان فيلقيه على لسان محمد وأنه كهانة وسحر، فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) أي فمن أيّ طريق تسلكون في إنكاركم القرآن أمن نسبته للجنون أو الكهانة، أو السحر، أو الشعر، وهذا استضلال لهم كما يقال لتارك الجادة اعتسافا أين تذهب؟ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) ، أي ما القرآن إلا عظة للإنس والجن، لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) أي لمن شاء منكم الاستقامة بتحري الحق وملازمة الصواب، فإن القرآن إنما ينتفع به من شاء أن يستقيم، وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩) ، أي إلا أن يشاء الله أن يعطيه تلك المشيئة، ففعل الاستقامة موقوف على إرادة الاستقامة، وهذه الإرادة موقوفة الحصول على أن يريد الله أن يعطيه تلك الإرادة، فأفعال العباد في طرفي ثبوتها وانتفائها موقوفة على مشيئة الله.

стр. 1268

سورة الانفطار مكية، تسع عشرة آية، ثمانون كلمة، ثلاثمائة وسبعة وعشرون حرفا إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) أي انشقت لنزول الملائكة، وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) أي تساقطت متفرقة على وجه الأرض، وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (٣) أي فتح بعضها إلى بعض، فاختلط العذب بالأجاج، وصارت البحار بحرا واحدا. وقرأ مجاهد «فجرت» على البناء للفاعل والتخفيف، أي تجاوز بعضها إلى بعض. وقرأ مجاهد أيضا، والربيع بن خثيم، والزعفراني والثوري «فجرت» مبنيا للمفعول ومخففا، أي غير بعضها ببعض لزوال البرزخ، وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) أي قلب أسفلها أعلاها وأخرج ما فيها من الموتى أحياء عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ أي أدت من طاعة، وَأَخَّرَتْ (٥) أي ضيعت، وذلك عند نشر الصحف. يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) أي ما الذي خدعك وسوّل لك الباطل، حتى تركت الواجبات، وأتيت بالمحرمات. وقرأ سعيد بن جبير والأعمش «ما أغرّك» رباعيا، فاحتمل أن تكون «ما» استفهامية، وأن تكون تعجبية، أي أيّ شيء جعلك آمنا من عقاب ربك، أو شيء عظيم يتعجب منه أدخلك في غرة، أي أمن من العذاب؟ الَّذِي خَلَقَكَ نسمة من نطفة فَسَوَّاكَ أي جعلك سالم الأعضاء مهيأة لمنافعها فَعَدَلَكَ (٧) . وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتخفيف الدال أي عدل بعض أعضائك ببعض حتى اعتدلت- كما قاله أبو علي الفارسي- أو فصرفك إلى أي صورة شاء. وقرأ الباقون بالتشديد أي صيّرك متناسب الأعضاء، فلم يجعل إحدى اليدين أطول، ولا إحدى العينين أوسع. وقال عطاء عن ابن عباس: أي جعلك معتدل القامة حسن الصورة، لا كالبهيمة المنحنية فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (٨) و «ما» زائدة، و «شاء» صفة ل «صورة» ، و «ركبك» بيان لقوله تعالى: فَعَدَلَكَ أي وضعك في صورة اقتضتها مشيئته من حسن وقبح، وطول، وقصر، وذكورة، وأنوثة كَلَّا، أي ارتدعوا عن الاغترار بكرم الله، وإنكم لا ترتدعون عن ذلك، بَلْ

стр. 1269

تُكَذِّبُونَ يا معشر قريش بِالدِّينِ (٩) ، أي بالجزاء على الأعمال، وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) حال من فاعل تكذبون، أي تكذبون بالجزاء والحال أن عليكم من قبلنا لحافظين لأعمالكم، كِراماً عندنا كاتِبِينَ (١١) لهذه الأعمال في الصحف، كما تكتب الشهود منكم العهود ليقع الجزاء على غاية التقويم، يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (١٢) من الأفعال، قليلا وكثيرا، ويضبطونه نقيرا وقطميرا لتجازوا بذلك، إِنَّ الْأَبْرارَ أي الصادقين في إيمانهم لَفِي نَعِيمٍ (١٣) ، أي لفي جنة دائم نعيمها، وَإِنَّ الْفُجَّارَ أي الكافرين المكذبين بيوم الدين لَفِي جَحِيمٍ (١٤) أي في نار عظيمة، يَصْلَوْنَها أي يدخلونها يَوْمَ الدِّينِ (١٥) أي يوم الحساب، وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (١٦) طرفة عين حتى قبل الدخول فيها فإنهم يجدون سمومها في قبورهم كما قال النبي ﷺ : «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران» «١» . وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) أي أيّ شيء عجيب هو في الهول والفظاعة جعلك داريا يوم الدين، و «ما» الاستفهامية خبر ل «يوم الدين» ، فإن مدار الإفادة هو الخبر، يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً. قرأ ابن كثير وأبو عمرو برفع «يوم» وقرأ أبو عمرو في رواية «يوم» مرفوعا منونا على جعل الجملة بعده نعتا له، والعائد محذوف أي لا تملك فيه. وقرأ الباقون يوم بالفتح، وهي إما فتحة إعراب بإضمار اذكر، أو فتحة بناء وإنما بني لإضافته للفعل، وإن كان معربا على رأي الكوفيين ويكون خبرا لمبتدأ مضمر. وقال أبو علي: إن اليوم لما جرى في أكثر الأمر ظرفا فاترك على حالة الأكثرية، ومما يقوى النصب قوله تعالى: وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ [القارعة: ٢، ٣] وقوله تعالى: يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [الذاريات: ١٢، ١٣] . قال الواحدي: والمعنى أن الله تعالى لم يملك في ذلك اليوم أحدا شيئا من الأمور كما ملكهم في دار الدنيا، وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩) . قال الواسطي: قوله: يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً إشارة إلى فناء غير الله تعالى وهناك تذهب الرسالات والكلمات. وقوله: وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ إشارة إلى أن البقاء لله والأمر كذلك في الأزل، وفي اليوم وفي الآخرة، ولم يتغير من حال إلى حال فالتفاوت عائد إلى أحوال الناظر لا إلى أحوال المنظور إليه، فالكاملون لا تتفاوت أحوالهم بحسب تفاوت الأوقات.

стр. 1270

سورة التطفيف وتسمى سورة المطففين، نزلت بين مكة والمدينة في مهاجرته ﷺ إلى المدينة فاستتمت بالمدينة، هي ست وثلاثون آية، مائة وتسع وتسعون كلمة، سبعمائة وثمانون حرفا وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) أي شدة العذاب للناقصين في المكيال والميزان بالشيء القليل على سبيل الخفية. روي أن رسول الله ﷺ قدم المدينة، وكان أهلها من أخبث الناس كيلا، فنزلت هذه الآية، فأحسنوا الكيل بعد ذلك. بواحد ويعطي بآخر فنزلت: الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) أي إذا اكتالوا من الناس مكيلهم بحكم الشراء ونحوه، يأخذونه وافيا وافرا حسب ما أرادوا بأي وجه تيسر من وجوه الحيل، وكانوا يفعلونه بكبس المكيل وتحريك المكيال، والاحتيال في ملئه. وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) ، أي وإذا كالوا مكيلهم أو وزنوا موزونهم للبيع ونحوه ينقصون في الكيل والوزن. ويروى عن عيسى بن عمر وحمزة أنهما كانا يجعلان الضميرين توكيدا لما في كالوا ووزنوا، ويقفان عند الواوين وقيفة يبينان بها ما أرادوا، أي إذا كالوا هم لغيرهم، أو وزنوا هم لغيرهم ينقصون، وإثبات الألف قبل هم لو لم يكن معتادا في زمان الصحابة لمنع من إثباتها في سائر الأعصار، أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أي ألا يوقن أولئك المطففون بالكيل والوزن أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) أي شديد هوله، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ من قبورهم لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦) ، أي لحكمه. روي عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه» . وقرئ «يوم» بالنصب والجر، فالنصب منصوب بقوله تعالى: مَبْعُوثُونَ، أو بإضمار أعني والجر بدل من «يوم عظيم» ، أو هو حالة النصب مبني على الفتح لإضافته إلى الفعل وإن كان مضارعا كما هو رأي الكوفيين، فهو مرفوع المحل خبرا لمبتدأ مضمر، أو مجرور المحل بدلا من «يوم

стр. 1271

عظيم» ويؤيده القراءة بالرفع والجر كَلَّا أي ارتدعوا عن التطفيف والغفلة عن ذكر البعث، وعلى هذا المعنى يوقف على «كلا» أو «كلا» بمعنى حقا فلا يوقف عليه، وكذا جميع ما يأتي من «كلا» في هذه السورة إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) ، أي إن كتابة أعمال الكفار لفي سجين، وهو موضع في الأرض السابعة السفلى، وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ (٨) وهذا تعظيم لأمر سجين، كِتابٌ مَرْقُومٌ (٩) أي إن كتاب الفجار كتاب معلم فيعلم من رآه أنه لا خير فيه، وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) أي الجزاء، وَما يُكَذِّبُ بِهِ أي بذلك اليوم إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أي متجاوز عن المنهج الحق، أَثِيمٍ (١٢) أي مبالغ في ارتكاب الإثم إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا أي القرآن قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) ، أي هذه إخبار الأولين فإن محمدا أخذ عنهم لا من الله تعالى فينكر النبوة، كَلَّا أي حقا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) أي ليس الأمر كما يقوله الكافر من أن ذلك أساطير الأولين، بل غطى على قلوبهم أفعالهم الماضية من الكفر والمعاصي قال ﷺ : «إن العبد كلما أذنب ذنبا حصل في قلبه نكتة سوداء حتى يسود قلبه» «١» . كَلَّا أي حقا يا محمد إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) أي إن المكذبين بيوم الدين لممنوعون يوم القيامة عن النظر إلى ربهم، والمؤمنون لا يحجبون عن النظر إلى ربهم، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ (١٦) أي لداخلو النار العظيمة، ثُمَّ إذا دخلوها يُقالُ لهم من جهة الزبانية هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧) أي هذا العذاب هو الذي كنتم تكذبون به في الدنيا، والآن قد عاينتموه فذوقوه، كَلَّا أي لا تكذبوا البعث وكتاب الله أو حقا، إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) أي إن كتابة أعمال الصادقين في إيمانهم لفي عليين، وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ (١٩) وهذا تنبيه له ﷺ على أنه معلوم له، كِتابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) أي إن كتاب أعمالهم موضوع في عليين مكتوب في لوح من زبرجد أخضر، معلق تحت عرش الرحمن، يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) أي يشهد الملائكة المقربون ذلك الكتاب إذا صعد به إلى عليين كرامة للمؤمنين، أو يشهدون بما فيه يوم القيامة لتعظيمه، إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) أي في جنة دائم نعيمها عَلَى الْأَرائِكِ أي الأسرة في الحجال، يَنْظُرُونَ (٢٣) إلى ما شاءوا مدّ أعينهم إليه من أنواع النعيم والعذاب للكفار، تَعْرِفُ يا من يتأتى منك المعرفة فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) أي بهجة التنعم ورونقه من النور والضحك. وقرأ أبو جعفر وابن أبي إسحاق، وشيبة، وطلحة، ويعقوب، والزعفراني تعرف مبنيا للمفعول ورفع نضرة وعلي بن زيد كذلك إلا أنه قرأ «يعرف» بالياء التحتية، يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ أي شراب خالص مَخْتُومٍ (٢٥) ، أي يختم رأس قارورة ذلك الرحيق أوله ختام أي عاقبة

стр. 1272

خِتامُهُ مِسْكٌ أي الذي يختم به رأس الإناء هو المسك، أو عاقبته المسك أي يختم له برائحة المسك. وقرأ الكسائي «خاتمه» بفتح التاء بعد الألف. وروي عنه أيضا كسر التاء، والمعنى: خاتم رائحة ذلك الشراب مسك، وَفِي ذلِكَ أي الرحيق فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (٢٦) أي فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله تعالى، وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) أي وما يمزج به ذلك الرحيق من ماء تسنيم. سميت هذه العين بالتسنيم لأنها أرفع شراب في الجنة، أو لأنها تأتيهم من فوق عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨) ، وهم أفضل أهل الجنة، كما أن التسنيم هو أفضل أنهار الجنة. قال ابن عباس: أشرف شراب أهل الجنة هو تسنيم، لأنه يشربه المقربون صرفا ويمزج لأصحاب اليمين، إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) أي إن أكابر المشركين كأبي جهل، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل السهمي، كانوا يضحكون من أجل فقراء المؤمنين كعمار، وصهيب، وبلال، وخباب، وَإِذا مَرُّوا أي فقراء المؤمنين يأتون إلى رسول الله ﷺ بِهِمْ ، أي بالمشركين وهم في أنديتهم يَتَغامَزُونَ (٣٠) ، أي يشيرون إليهم بالأعين استهزاء، ويعيبونهم ويقولون: انظروا إلى هؤلاء يتعبون أنفسهم ويحرمونها لذاتها، ويخاطرون بأنفسهم في طلب ثواب لا يتيقنونه. قيل: جاء علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون، وضحكوا، وتغامزوا، ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا: رأينا اليوم الأصلع، فضحكوا منه، فنزلت هذه الآية قبل أن يصل علي إلى رسول الله ﷺ ، وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) أي وإذا رجع الكفار من مجالسهم إلى أهلهم رجعوا معجبين بما هم عليه من الشرك والتنعم بالدنيا، أو ملتذين بذكر المسلمين بالسوء. وقرأ عاصم في رواية حفص عنه «فكهين» بغير ألف في هذا الموضع وحده والباقون بالألف، وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (٣٣) أي وإذا رأى المجرمون المؤمنين أينما كانوا قالوا: إن هؤلاء المؤمنين على ضلال في تركهم التنعم الحاضر بسبب طلب ثواب لا يدري هل له وجود أم لا؟ والحال أن الله تعالى لم يبعث هؤلاء الكفار رقباء على المؤمنين يحفظون عليهم أحوالهم بل إنما أمروا بإصلاح أنفسهم، فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) أي فيوم القيامة يضحك المؤمنون على الكفار حين يرونهم مغلولين أذلاء عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) ، وهذا حال من فاعل «يضحكون» ، أي يضحك المؤمنون على الكفار ناظرين حال كونهم على سرر الحجال إليهم وإلى ما هم فيه من الهوان والصغار بعد العزة والكبر، هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) ؟ وهذا على سبيل التهكم، والمعنى: كأنه تعالى يقول للمؤمنين: هل جازينا الكفار على عملهم الذي كان من جملته ضحكهم بكم واستهزاؤهم بشريعتكم كما جازيناكم على أعمالكم الصالحة فيكون هذا القول زائدا في سرورهم.

стр. 1273

سورة الانشقاق مكية، خمس وعشرون آية، مائة وتسع كلمات، سبعمائة وثلاثون حرفا إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) من المجرة بالغمام، والمجرة: هي البياض المعترض في السماء وَأَذِنَتْ لِرَبِّها أي انقادت لتأثير قدرته، وَحُقَّتْ (٢) أي وهي حقيقة بأن تنقاد، وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) مد الأديم العكاظي وزيدت في سعتها، وَأَلْقَتْ ما فِيها أي رمت بما في جوفها من الموتى والكنوز، وَتَخَلَّتْ (٤) أي وخلت غاية الخلو حتى لم يبق في باطنها شيء، وَأَذِنَتْ لِرَبِّها أي انقادت له في الإلقاء والتخلي، وَحُقَّتْ (٥) أي وهي حقيقة بذلك وقوله تعالى: وَأَذِنَتْ لِرَبِّها يدل على نفوذ القدرة في شق السماء وبسط الأرض، وإخلاء ما فيها من غير ممانعة أصلا، وجواب «إذا» محذوف تقديره: علمت نفس عملها، أو ليذهب الوهم إلى كل شيء، وإن جعلت غير شرطية فهو منصوب باذكر مقدرا. يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (٦) أي يا ابن آدم إنك متعب النفس في العمل في دنياك تعبا حتى ترجع به إلى ربك في الآخرة فملاق ذلك العمل خيرا كان أو شرا في الكتاب الذي فيه بيانه، فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (٩) أي فأما من أعطى كتاب عمله الذي كتبه الملائكة بيمينه من أمامه، فسوف يحاسب حسابا هينا، وهو العرض ويرجع إلى عشيرته المؤمنين مبتهجا بحاله قائلا: هاؤم اقرؤا كتابي. وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً (١١) أي وأما من أعطي كتاب عمله بشماله من وراء ظهره فسوف يتمنى الهلاك ويناديه بقوله: يا ثبوراه تعال وهذا أوانك وَيَصْلى سَعِيراً (١٢) ، أي ويدخل نارا وقودا. وقرأ أبو عمرو وعاصم بفتح الياء وسكون الصاد وتخفيف اللام. وقيل: قرأ عاصم وحمزة وأبو عمرو بضم الياء وسكون الصاد. والباقون بضم الياء وفتح الصاد وتشديد اللام، إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ أي فيما بين عشيرته في الدنيا مَسْرُوراً (١٣) بما هو عليه من الكفر بالله والتكذيب بالبعث يضحك ممن آمن بالله وصدق بالحساب. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» «١» . إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) أي إنه ظن أنه لن يرجع في الآخرة إلى خلاف ما

стр. 1274

هو عليه في الدنيا من السرور والتنعم بَلى إن الله تعالى يبدل سروره بغم لا ينقطع وتنعمه ببلاء لا يزول، إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً (١٥) أي إن ربه كان عالما بما يعمله من الكفر والمعاصي فلم يهمله بأن لا يعاقبه على سوء أعماله. وقيل: نزلت هاتان الآيتان في أبي سلمة بن عبد الأسد وأخيه الأسود، فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وهو حمرة المغرب بعد غروب الشمس، وهي الأثر الباقي في الأفق من الشمس والفاء في جواب شرط مقدر، و «لا» زائدة أو نفي وهو رد لكلام قبل القسم، أي إذا عرفت هذا فلا تظن عدم الرجوع إلى الله في الآخرة، وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) أي جمع فإذا ستر الليل بظلمته الجبال والبحار والأشجار والحيوانات فقد جمعها وحملها، وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) أي تكامل وذلك في ثلاث ليال: ليلة ثلاثة عشر، وليلة أربعة عشر، وليلة خمسة عشر. لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (١٩) أي لتحولن يا أيها الإنسان حالا بعد حال، وذلك من حين خلقهم الله إلى أن يموتوا ومن حين موتهم إلى أن يدخلوا الجنة، أو النار. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بفتح الباء الموحدة على خطاب الإنسان في «يا أيها الإنسان» . والمعنى: كخطاب الجنس في قراءة العامة أو على خطاب الرسول، والمعنى: لتصعدن يا أشرف الرسل طبقا مجاوزا لطبق في ليلة المعراج أي من سماء إلى سماء، أو لتركبن حال ظفر وغلبة بعد حال خوف وشدة. وقرئ بكسر الباء على خطاب النفس، أي لتركبن أيها النفس طريقة أمة من الناس بعد أمة. وقرئ «ليركبن» بالياء على المغايبة، وفتح الباء، أي ليركبن هذا المكذب بيوم الدين حالا بعد حال من حين يموت إلى أن يدخل النار، فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) أي إذا كان حالهم كما ذكر فأي شيء ثبت لكفار مكة حال كونهم غير مؤمنين ويقال: فأيّ شيء لبني عبد ياليل الثقفي يمنعهم من الإيمان، وكانوا ثلاثة مسعود، وحبيب، وربيعة. فأسلم منهم بعد ذلك حبيب وربيعة. وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١) أي لا يخضعون بأن يؤمنوا به، ولا يسجدون لتلاوته عند آيات مخصوصة. روي أن النبي ﷺ قرأ ذات يوم وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [العلق: ١٩] . فسجد هو ومن معه من المؤمنين، وقريش تصفق فوق رؤوسهم وتصفر، فنزلت هذه الآية، واحتج أبو حنيفة بهذه على وجوب السجدة. وعن الحسن هي غير واجبة، بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) بالقرآن الناطق بأحوال القيامة، ولذلك لا يخضعون عند تلاوته إما للحسد وإما لتقليد الأسلاف، وإما لخوف فوت مناصب الدنيا ومنافعها، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (٢٣) أي بما يضمرون في قلوبهم من التكذيب، فهو مجازيهم عليه في الدنيا والآخرة، فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي أخبر يا أشرف الخلق من لا يؤمن بعذاب مؤلم إلا من تاب منهم لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥) ، أي غير منقوص، ولا مكدر ولا مقطوع ويقال: غير منقوص حسناتهم بعد الهرم والموت.

стр. 1275

سورة البروج مكية، ثنتان وعشرون آية، مائة وتسع كلمات، أربعمائة وثمانية وخمسون حرفا وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) أي ذات المحال الاثني عشر، والطرق التي تسير فيها الكواكب السبعة وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) ، وهو يوم القيامة فإن الله تعالى وعد أهل السماء وأهل الأرض أن يجتمعوا فيه، وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) فالشاهد من يحضر في ذلك اليوم من الخلائق، والمشهود ما في ذلك اليوم من العجائب. قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) وهذا دليل جواب قسم محذوف، والتقدير: أقسم بهذه الأشياء إن كفار مكة ملعونون كما لعن أصحاب الأخدود، وقيل: إن الجواب قوله تعالى: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [البروج: ١٢] . والأخدود شق مستطيل في الأرض كالنهر، وذكر أن طوله أربعون ذراعا وعرضه اثنا عشر ذراعا. وأصحاب الأخدود هم أناس كانوا بمدارع اليمن كما قاله قتادة عن علي، أو هم الحبشة كما قاله الحسن عن علي أيضا. النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) من النفط، والزفت، والحطب. وقرئ بضم الواو بمعنى الاتقاد وقوله: «النار» بدل اشتمال من الأخدود، ثم إن أصحاب الأخدود إما الجبابرة الذين قتلوا المؤمنين، فحينئذ إن قوله تعالى: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ إما خبر فالمعنى: أن أولئك القاتلين قتلوا بالنار على القول بأن الجبابرة لما أرادوا قتل المؤمنين بالنار عادت النار عليهم فقتلتهم فهم في تلك الحالة كانوا ملعونين، فالمعنى: أنهم خسروا الدنيا والآخرة، أو دعاء عليهم أي لعن أصحاب الأخدود، وإما المؤمنون المقتولون بالإحراق بالنار. فيكون قوله تعالى: لعن أصحاب الأخدود خبرا لا دعاء. إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦) ظرف ل «قتل» أي لعنوا حين كانوا جالسين على شفير النار يعذبون المؤمنين، فإن النار ارتفعت إليهم فهلكوا، أو يقال لعنوا إذ المؤمنون مطرحون على النار، وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) أي وهؤلاء الكفار مع ما يفعلون بالمؤمنين من الإحراق بالنار حضور لم تحصل في قلوبهم، شفقة ولا رأفة لغاية قسوة قلوبهم والوقف هنا تام إن جعل جواب القسم قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ بتقدير لقد وجائزا لطول الكلام إن جعل جواب القسم إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [البروج: ١٢] . روى مسلم عن صهيب أن رسول الله ﷺ قال: «كان الملك فيمن قبلكم ساحر فلما كبر قال

стр. 1276

للملك: إني قد كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر فبعث إليه غلاما ليعلمه، وكان في سلوك طريقه راهب فسمع كلامه فأعجبه فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب فقعد إليه فإذا أتى الساحر ضربه وإذا رجع من عند الساحر قعد إلى الراهب وسمع كلامه فإذا أتى أهله ضربوه فشكى ذلك إلى الراهب فقال: إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر، ثم رأى الغلام في طريقه ذات يوم حية قد حبست الناس فأخذ حجرا وقال: اللهم إن كان الراهب أحب إليك من الساحر فقوني على قتل هذه الحية بواسطة رمي الحجر إليها، ثم رمى الحجر فقتلها، ومضى الناس فاشتغل بطريقة الراهب، ثم صار إلى حيث يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء فسمع جليس للملك وكان قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة فقال: هذا لك إن شفيتني، فقال: إني لا أشفي أحد إنما يشفي الله تعالى، فإن آمنت بالله دعوت الله فشفاك، فآمن بالله فشفاه الله تعالى، فأتى الملك فجلس كما كان يجلس، فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ فقال: ربي قال: أولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله، فغضب فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب، فأحضر الراهب، فقال له: ارجع عن دينك، فأبى فقد بالمنشار من مفرق رأسه حتى وقع شقاه، ثم جيء بجليس الملك، فقال له: ارجع عن دينك فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جيء بالغلام، فقال له: ارجع عن دينك، فأبى، فقال لأصحابه: اذهبوا به فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته فاطرحوه إن لم يرجع عن دينه، فذهبوا به وصعدوا به الجبل، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل، فسقطوا وهلكوا ونجا ومشى إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك، فقال: كفانيهم الله، فقال لأصحابه اذهبوا به إلى البحر فاحملوه في قرقورة «١» فتوسطوا به البحر فاقذفوه إن لم يرجع عن دينه، فذهبوا به فلججوا به ليغرقوه فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا ونجا ومشى إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك فقال: كفانيهم الله، فقال للملك: لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد وتصلبني على جذع وتأخذ سهما من كنانتي، وتقول: باسم الله رب هذا الغلام، ثم ترميني به ففعل الملك ذلك فرماه بالسهم فوقع في صدغه فوضع يده عليه، ومات، فقال الناس آمنا برب هذا الغلام، فقيل للملك: نزل بك ما كنت تحذره، فأمر بأخاديد في أفواه السكك، وأوقدت فيها النيران فمن لم يرجع منهم عن دينه طرحه فيها حتى جاءت امرأة معها صبي فتقاعست أن تقع فيها، فقال الصبي: يا أماه، اصبري فإنك على الحق فاقتحمت» «٢» . وعن ابن عباس قال: كان بنجران بلد باليمن ملك من ملوك

стр. 1277

حمير يقال له يوسف ذو نواس بن شرجيل في الفترة قبل أن يولد النبي ﷺ بسبعين سنة، وكان في بلاده غلام يقال له عبد الله بن تامر، وكان أبوه سلمه إلى معلم يعلمه السحر فكره ذلك الغلام ولم يجد بدا من طاعة أبيه، فجعل يتردد إلى المعلم، وكان في طريقه راهب حسن الصوت، فأعجبه ذلك، فقعد إليه، وسمع كلامه ذاهبا، وراجعا فدعا الناس إلى دين عيسى ﵇، فأجابوه فسار إليه ذو نواس اليهودي بجنود من حمير فخيره بين النار واليهودية، فأبى إلى أن قال الغلام للملك: إنك لا تقدر على قتلي إلا أن تفعل ما أقول، قال: فكيف أقتلك؟ قال: تجمع أهل مملكتك وأنت على سريرك فترميني بسهم على اسم إلهي، ففعل الملك، فقتله، فقال الناس: لا إله إلا إله عبد الله بن تامر لا دين إلا دينه، فغضب الملك وأغلق باب المدينة وأخذ أفواه السكك وجعله أخدودا وملأه نارا فمن رجع عن الإسلام تركه، ومن قال ديني دين عبد الله بن تامر ألقاه في الأخدود وأحرقه، وكان في مملكته امرأة فأسلمت ولها أولاد ثلاثة أحدهم رضيع فقال لها الملك: ارجعي عن دينك وإلا ألقيتك وأولادك في النار، فأبت فأخذ ابنها الأكبر فألقاه في النار ثم قال لها: ارجعي فأبت، فأخذوا الصبي منها ليلقوه في النار فهمت المرأة بالرجوع فقال لها الملك: ارجعي عن دينك وإلا ألقيتك وأولادك في النار، فأبت أخذ ابنها الأكبر فألقاه في النار ثم قال لها: ارجعي فأبت، فأخذوا الصبي منها ليلقوه في النار فهمت المرأة بالرجوع فقال لها الصبي: يا أماه لا ترجعي عن الإسلام فإنك على الحق، ولا بأس عليك فألقى الصبي في النار وألقيت أمه عقبه. وعن وهب بن منبه: أحرق منهم اثني عشر ألفا في الأخاديد، ثم غلب أرياط على اليمن فخرج ذو نواس هاربا واقتحم البحر بفرسه، فغرق. وقال محمد ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر: إن خربة احترقت في زمن عمر، فوجدوا عبد الله بن تامر واضعا يده على ضربة في رأسه إذا أميطت يده عنها أنبعت دما وإذا تركت رجعت إلى مكانها، وفي يده خاتم من حديد فيه ربي الله فبلغ ذلك عمر، فكتب أن أعيدوا عليه الذي وجدتم عليه. وروي عن علي أنه قال: حين اختلفوا في أحكام المجوس: هم أهل كتاب، وكانوا متمسكين بكتابهم، وكانت الخمر قد أحلت لهم، فتناولها بعض ملوكهم، فسكر، فوقع على أخته فلما صحا ندم وطلب المخرج، فقالت له: المخرج أن تخطب الناس فتقول يا أيها الناس إن الله تعالى قد أحل لكم نكاح الأخوات، ثم تخطبهم بعد ذلك فتقول: إن الله قد حرمه، فخطب فلم يقبلوا منه ذلك، فقالت: أبسط فيهم السوط، ففعل فلم يقبلوا، فقالت: أبسط فيهم السيف ففعل، فلم يقبلوا، فأمرته بالأخاديد وإيقاد النيران وطرح من أبى فيها. فهم الذين أرادهم الله تعالى بقوله تعالى: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ ، وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا أي وما عابوا من المؤمنين إلا إيمانهم بِاللَّهِ الْعَزِيزِ أي القادر الذي لا يغلب، والقاهر الذي لا يدفع الْحَمِيدِ (٨) أي الذي يستحق الثناء على ألسنة عباده المؤمنين الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وخزائن المطر، والنبات وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩) وهذا وعد عظيم للمطيعين ووعيد شديد للمجرمين إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ أي إن الذين أحرقوهم بالنار كما قاله

стр. 1278

ابن عباس، ومقاتل أو أن الذين محنوهم في دينهم بالأذية والتعذيب ليرجعوا عنه، ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا عن كفرهم وفتنتهم فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (١٠) أي فلهم في الآخرة عذاب بسبب كفرهم، وعذاب زائد على عذاب الكفر بسبب إحراق المؤمنين بالنار، أو عذاب برد، وعذاب إحراق، أو فلهم في الآخرة عذاب جهنم، وفي الدنيا عذاب الحريق حيث ارتفعت عليهم نار الأخدود فاحترقوا بها، وكان هؤلاء قوما من نجران، وقيل: من أهل الموصل، وكان ملكهم يسمى يوسف، ويقال له ذو نواس إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ من المفتونين وغيرهم لَهُمْ بسبب الإيمان والعمل الصالح جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يتلذذون ببردها ويزول عنهم برؤية ذلك مع رؤية الأشجار جميع الأحزان والمضار ذلِكَ أي حيازتهم للجنات الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) وهو رضا الله تعالى إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ أي أن أخذه بالعذاب لمن لا يؤمن به لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) أي أنه تعالى يخلق خلقه، ثم يفنيهم، ثم يعيدهم أحياء ليجازيهم في القيامة، فذلك الإمهال لهذا السبب لا لأجل الإهمال ومن كان قادرا على الإيجاد والإعادة كان بطشه في غاية الشدة، وَهُوَ الْغَفُورُ لمن تاب من الكفر الْوَدُودُ (١٤) أي المحب لمن أطاع. ذُو الْعَرْشِ أي خالقه ومالكه. وقرئ «ذي العرش» على أنه صفة لربك. الْمَجِيدُ (١٥) قرأ حمزة، والكسائي بالجر على أنه صفة للعرش أو لربك، والباقون بالرفع على أنه خبر بعد خبر. قال العلماء: إن مجد الله عظمته بحسب الجود الذاتي، وكمال القدرة، والعلم، والحكمة، ومجد العرش: علوه في الجهة، وعظمة مقداره، وحسن صورته، وتركيبه. فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٦) يدخل أولياءه الجنة لا يمنعه منه مانع، ويدخل أعداءه النار لا ينصرهم منه ناصر، ويمهل العصاة على ما يشاء إلى أن يجازيهم، ويعاجل بعضهم بالعقوبة إذا شاء، ويعذب من شاء منهم في الدنيا وفي الآخرة يفعل من هذه الأشياء، ومن غيرها ما يريد على ما يراه لا يعترض عليه معترض، ولا يغلبه غالب. قال الرازي: «فعال» خبر مبتدأ محذوف وقال الطبري: رفع «فعال» وهو نكرة محضة على وجه الإتباع لإعراب «الغفور الودود» . هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) أي قد أتاك يا أشرف الرسل خبر الجموع فرعون وقومه، وثمود، وعرفت ما فعلوا من الكفر والضلال، وما فعل بهم من العذاب، والنكال، فأنذر قومك أن يصيبهم مثل ما أصاب أمثالهم، «وفرعون» ، «وثمود» بدل من «الجنود» فذكر الله تعالى من المتقدمين ثمود ومن المتأخرين فرعون لأن ثمود كانوا في بلاد العرب، وقصتهم عندهم مشهورة، وأمر فرعون كان مشهورا عند أهل الكتاب وغيرهم فدل بهما على أمثالهما بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) أي ليست جناية قومك مجرد عدم الاتعاظ بما سمعوا من حديث أولئك، بل هم مع ذلك في تكذيب شديد للقرآن الناطق بذلك في أنه قرآن من عند الله تعالى مع ظهور حاله بالبينات الباهرة، والحال أن الله تعالى قادر على

стр. 1279

إهلاكهم ومعاجلتهم بالعذاب على تكذيبهم بالقرآن والنبوة وهم في قبضته تعالى كالمحاط إذا أحيط به من ورائه فسد عليه مسلكه فلا يجد مهربا، بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢) أي ليس الأمر كما قالوا، بل هذا القرآن الذي يقرؤه محمد كتاب شريف عالي الطبقة فيما بين الكتب الإلهية في النظم والمعنى مكتوب في لوح محفوظ من وصول الشياطين إليه، ومن التحريف. وقرأ نافع «محفوظ» بالرفع على أنه نعت ل «قرآن» ، والباقون بالجر على أنه نعت ل «لوح» ، وقرئ «قرآن مجيد» بالإضافة أي قرآن رب مجيد، وقرأ يحيى بن يعمر، وابن السميقع «في لوح» بضم اللام وهو الهواء الذي فوق السماء السابعة الذي فيه اللوح بفتح اللام، وهو عن يمين العرش مكتوب في صدره لا إله إلا الله وحده دينه الإسلام، ومحمد عبده ورسوله، فمن آمن بالله، وصدق بوعده، واتبع رسله أدخله جنته، وكونه محفوظا إما محفوظ عن أن يمسه إلا المطهرون، أو عن اطلاع الخلق عليه سوى الملائكة المقربين، أو عن أن يجري عليه تغيير وتبديل، فلما حكم فيه بسعادة قوم وشقاوة قوم وبتأذي قوم من قوم امتنع تغيره وتبدله فوجب الرضا به.

стр. 1280

سورة الطارق مكية، سبع عشرة آية، اثنتان وسبعون كلمة، مائتان وواحد وسبعون حرفا وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ (١) أي الظاهر في الليل وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (٢) أي وأي شيء أعلمك يا أشرف الرسل ما الطارق قال سفيان بن عيينة: كل شيء في القرآن ما أدراك فقد أخبر الله الرسول به، وكل شيء فيه وما يدريك لم يخبره به النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) خبر مبتدأ محذوف والجملة استئناف وقع جوابا عن استفهام أي هو النجم المضيء في الغاية كأنه يثقب الأفلاك بضوئه، وينفذ فيها قيل: هو النجم الذي يقال له كوكب الصبح، وهو النجم الذي يهتدى به في ظلمات البر والبحر، ويوقف به على أوقات الأمطار، أو هو جنس الشهب الذي يرجم بها، ووصف النجم بكونه طارقا لأنه يبدو بالليل أو لأنه يطرق الجني أن يصكه، وقال محمد بن الحسين، والفراء: إنه زحل لأنه يثقب بنوره سمك سبع سموات، وقال ابن زيد: هو الثريا، وقال ابن عباس: هو الجدي، وقال علي: هو نجم في السماء السابعة لا يسكنها غيره من النجوم، فإذا أخذت النجوم أمكنتها من السماء هبط فكان معها، ثم يرجع إلى مكانه من السماء السابعة، وهو زحل، فهو طارق حين ينزل وحين يصعد، وقال آخرون: إنه الشهب التي يرجم بها الشياطين لقوله تعالى: فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ [الصافات: ١٠] روي أن أبا طالب أتى النبي ﷺ بخبز ولبن، فبينما هو جالس يأكل إذ انحط نجم فامتلأت الأرض نورا ففزع أبو طالب، وقال: أي شيء هذا؟ فقال رسول الله ﷺ : «هذا نجم رمي به وهو آية من آيات الله» فعجب أبو طالب، فنزلت هذه السورة إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (٤) ، وهذا جواب للقسم، و «إن» نافية و «لما» بمعنى إلا، أي ما كل نفس إلا عليها رقيب، وهو الله تعالى وهذا بالتشديد على قراءة عاصم، وحمزة، وابن عامر، والنخعي أما على قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، ونافع، والكسائي، وهي بتخفيف الميم ف «إن» مخففة من الثقيلة واللام في «لما» مخلصة من «إن» النافية وما صلة أي إن الشأن كل نفس برة أو فاجرة لعليها من يحصي عليها ما تكسب من خير وشر وهم الملائكة. فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ أبو طالب وغيره مِمَّ خُلِقَ (٥) أي من أي شيء خلق نفسه خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) ، وهو استئناف وقع جوابا عن استفهام أي خلق الإنسان من ماء ذي سيلان بسرعة في رحم المرأة يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧)

стр. 1281

أي من صلب ماء الرجل، ومن عظام صدر المرأة، وقال الحسن: يخرج من صلب الرجل وترائبه، ومن صلب المرأة وترائبها، وحكى القرطبي أن ماء الرجل ينزل من الدماغ، ثم يتجمع في الأنثيين إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (٨) أي إن الذي خلق الإنسان ابتداء قادر على رده حيا بعد موته. يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (٩) أي يظهر ما أخفي من الأعمال، وما أسر في القلوب من العقائد، والنيات، وهو يوم القيامة. قال ابن عمر ﵄: يبدي الله يوم القيامة كل سر فيكون زينا في الوجوه وشينا في الوجوه هذا إن أريد برجعه نشر الإنسان يوم القيامة، ف «يوم» ظرف نرجعه فلا يوقف على قوله تعالى: لَقادِرٌ وإن أريد برجعه رد الماء إلى الإحليل كما قاله مجاهد، أو إلى الصلب كما قاله عكرمة، والضحاك، أورد الإنسان ماء كما كان قبل كما قاله الضحاك أيضا ف «يوم» منصوب بمضمر أي واذكر «يوم» فالوقف على «لقادر» كاف كالوقف على «السرائر» إلا إذا جرينا على قول الرازي: إن «يوم» منصوب بقوله: فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ فلا وقف على السرائر فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ (١٠) أي فما للإنسان شيء من قوة يدفع به عن نفسه ما جاء من عذاب الله، ولا أحد من الأنصار ينصره في دفعه، وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) أي ذات المطر بعد المطر حينا بعد حين، وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢) أي ذات النبات لأن الأرض تنصدع بالنبات كما قاله الليث. إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) أي إن ما أخبرتكم به من قدرتي على إحيائكم في اليوم الذي تبلى سرائركم فيه لقول حق، وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) أي ليس ذلك الخبر بالباطل وهذا كما قاله القفال، لكن أكثر المفسرين قالوا: أي أن القرآن الذي أخبر بمبدأ حال الإنسان ومعاده لقول مبين، حق، وقاطع شر، وليس في شيء منه لعب، بل كله جد محض فمن حقه أن يهتدي به الغواة وتخضع له رقاب العتاة. إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (١٥) أي إن أهل مكة يمكرون في إبطال أمر القرآن وإطفاء نوره، وَأَكِيدُ كَيْداً (١٦) أي أقابلهم بكيد قوي لا يمكن رده حيث أمهلهم على كفرهم حتى آخذهم على غرة فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أي لا تستعجل يا أشرف الخلق بالدعاء عليهم بإهلاكهم أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (١٧) أي أمهلهم على مهلة قريبة إلى يوم القيامة أو أمهلهم إمهالا قليلا إلى يوم بدر ف «رويدا» إما مصدر مؤكد لمعنى العامل، أو نعت لمصدره المحذوف.

стр. 1282

سورة الأعلى مكية، تسع عشرة آية، اثنتان وسبعون كلمة، مائتان وأربعة وثمانون حرفا سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) أي نزه اسمه تعالى عن الإلحاد فيه بالتأويلات الزائغة، وعن إطلاقه على غيره بوجه يشعر بتشاركهما فيه، فلا يجوز تفسير أسمائه تعالى بما لا يصح ثبوته في حقه تعالى نحو أن يفسر الأعلى بالعلو في المكان، والاستواء بالاستقرار، بل يفسر العلو بالقهر والاقتدار، والاستواء بالاستيلاء، ولا يجوز أن يذكر العبد ربه إلا بالأسماء التي ورد الإذن بها من الشرع قال الواحدي: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ أي نزه الاسم من السوء ومعنى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ نزه الله تعالى بذكر اسمه الدال على تنزيهه تعالى وعلوه عما يقول المبطلون، ومعنى الأعلى أن جلال كبريائه أعلى من معارفنا وإدراكاتنا وأصناف آلائه ونعمائه أعلا من حمدنا وشكرنا، وأنواع حقوقه أعلى من طاعاتنا وأعمالنا. وقرأ علي، وابن عمر «سبحان ربي الأعلى» الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) أي الذي خلق كل ذي روح فكمل خلقه باليدين، والرجلين، والعينين، والأذنين، وسائر الأعضاء، وَالَّذِي قَدَّرَ قرأه الجمهور مشددا أي أوقع تقديره في كل شيء، فقدر خلقه حسنا أو دميما، طويلا أو قصيرا، وقدر أرزاقهم وآجالهم، وقرأه الكسائي على التخفيف أي تصرف في خلقه كيف أراد فَهَدى (٣) أي لمنافع الخلق ومصالحه فألهم كيف يأتي الذكر الأنثى، ويروى أن الأفعى إذا بلغت ألف سنة عميت، وقد ألهمها الله تعالى أن تحك عينها بورق الرازيانج فيرد الله إليها بصرها، ويروى أن التمساح لا يكون له دبر وإنما يخرج فضلات ما يأكله من فمه حيث قيض الله له طائرا قدر غذاءه من ذلك فإذا رآه التمساح يفتح فمه فيدخله الطائر فيأكل ما فيه، وقد خلق الله تعالى له من فوق منقاره ومن تحته قرنين لئلا يطبق عليه التمساح فمه وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤) أي أنبت النبات والزروع، وقال ابن عباس: أي الكلأ الأخضر فَجَعَلَهُ بعد خضرته غُثاءً أَحْوى (٥) أي درينا أسود بأن ألصق السيل أجزاء كدورة به فيسود سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) أي نجعلك قارئا للقرآن فتقرؤه فلا تنسى أي إنّا نشرح صدرك ونقوي خاطرك حتى تحفظ القرآن حفظا لا تنساه. قال مجاهد، ومقاتل، والكلبي: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه القرآن أكثر تحريك لسانه مخافة أن ينسى، وكان جبريل لا يفرغ من آخر الوحي. فقال تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى أي سنعلمك

стр. 1283

هذا القرآن حتى تحفظه إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ أن ينسى النبي شيئا من القرآن، وهذا الاستثناء بيان أنه تعالى لو أراد أن يصير النبي ناسيا لذلك لقدر عليه، وبالجملة ففائدة هذا الاستثناء أن الله تعالى يعرفه قدرة الله حتى يعلم أن عدم النسيان من فضل الله لا من قوته ﷺ ، وقال الزجاج: أي إلا ما شاء الله أن ينسى فإنه ينسى ثم يتذكر بعد ذلك فلا ينسى، نسيانا كليا دائما، وقال مقاتل: إلا ما شاء الله أن ينسيه فيكون المعنى إلا ما شاء الله أن تنساه على الأوقات كلها، فيأمرك أن لا تقرأه ولا تصلي به فيصير ذلك سببا لنسيانه وزواله من الصدور. إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (٧) أي أنه تعالى عالم بجهرك في القراءة مع قراءة جبريل ﵇، وعالم بالسر الذي في قلبك وهو أنك تخاف النسيان فلا تخف فأنا أكفيك ما تخافه، وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (٨) أي نوفقك للطريقة اليسرى في كل أبواب من باب الدين علما وتعليما واهتداء وهداية، فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩) أي عظ يا أشرف الرسل الناس بالقرآن واهدهم إلى ما فيه من الأحكام الشرعية كما كنت تفعله إن نفعت الموعظة، فالتذكير العام واجب في أول الأمر، فأما التكرير فإنما يجب عند رجاء حصول المقصود، فلهذا المعنى قيد التذكير بهذا الشرط وقيل «إن» بمعنى إذ كقوله تعالى: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، [آل عمران: ١٣٩] سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (١٠) وهو من قطع بصحة المعاد، ومن جوز وجوده بخلاف من أصر على إنكاره وقطع بأنه لا يكون. قيل: نزلت هذه الآية في عثمان بن عفان، وقيل: نزلت في ابن أم مكتوم، يَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) أي ويتباعد عن الموعظة بالقرآن الأشقى، وهو المعاند الذي لا يلتفت إلى الدعوة ولا يصغي إليها فالفرق ثلاثة: العارف بصحة المعاد، والمتوقف فيه، والمعاند. فالعارف هو السعيد، والمتوقف له بعض الشقاء، والمعاند هو الأشقى، قيل: نزلت هذه الآية في الوليد، وعتبة، وأبي الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى (١٢) أي الذي يدخل الطبقة السفلى من طبقات النار، ثُمَّ بعد دخوله النار لا يَمُوتُ فِيها حتى يستريح وَلا يَحْيى (١٣) حياة تنفعه قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) أي تطهر من دنس الشرك، كما قال ابن عباس أي من قال: لا إله إلا الله، وقال الزجاج: أي من تكثر من التقوى، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ بقلبه ولسانه فَصَلَّى (١٥) فمراتب أعمال المكلف ثلاثة: إزالة العقائد الفاسدة عن القلب، واستحضار معرفة الله تعالى بذاته وصفاته وأسمائه، والاشتغال بخدمته، وقال بعضهم أي قد فاز من تصدق بصدقة الفطر قبل خروجه إلى المصلى، وكبر الله تعالى، ثم صلى صلاة العيد مع الإيمان فأثنى الله على من فعل ذلك، وإن لم يكن في مكة عيد ولا زكاة فطر لأن ذلك في علم الله سيكون، بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦) أي أنتم يا كفار مكة لا تفعلون ذلك، بل أنتم ترضون اللذات الفانية وتطمئنون بها وتعرضون عن الآخرة بالكلية، أو أنتم أيها المسلمون لا تكثرون من التقوى، بل تستكثرون من الدنيا الدنية على الاستكثار من الثواب، وقرأ أبو عمرو «يؤثرون» بالياء أي الأشقون، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٧) أي والحال أن الآخرة خير في نفسها وأدوم لأنها مشتملة على السعادة الجسمانية والروحانية ولذاتها خالصة عن الغائلة إِنَّ هذا أي قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ، لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) أي لثابت معناه فيها صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى (١٩) .

стр. 1284

سورة الغاشية مكية، ست وعشرون آية، اثنتان وتسعون كلمة، ثلاثمائة وأحد وثمانون حرفا هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١) أي خبر القيامة التي تغشى الناس جميعا من الأولين والآخرين بشدائدها، و «هل» استفهام أريد به التعجب مما في ذلك الحديث، والتشويق إلى استماعه وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ أي يوم إذ غشيت خاشِعَةٌ (٢) أي ذليلة بالعذاب عامِلَةٌ أعمالا شاقة ناصِبَةٌ (٣) أي ذات تعب فيها، وهي جر السلاسل، والأغلال، وخوضهم في النار خوض الإبل في الوحل، وصعودهم في تلال النار وهبوطهم في وهادها وهم الرهبان وأصحاب الصوامع كما قاله ابن عباس، أو هم الخوارج كما قاله علي تَصْلى ناراً حامِيَةً (٤) أي تدخل نارا متناهية في الحر. وقرأ أبو عمرو، وعاصم بضم التاء الفوقية وقوله تعالى: وُجُوهٌ مبتدأ وخاشِعَةٌ وما بعده خبره، وقيل خبره «تصلى» وما قبله صفات ل «وجوه» ولا يوقف قبل الخبر، وقرئ «عاملة» ناصبة على الشتم تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) أي متناهية في الحر لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) وهو ما يبس من الشبرق وهو نبت يكون في طريق مكة إذا كان رطبا تأكل منه الإبل، وإذا يبس صار كأظفار الهرة، وهو سم قاتل، وهذا طعام لبعض أهل النار، والزقوم، والغسلين لآخرين لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) أي غير مسمن وغير مشبع لأنه ليس من جنس ضريع الدنيا. روي أن كفار قريش قالت: إن الضريع لتسمن عليه إبلنا فنزلت هذه الآية، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) أي ذات حسن وجمال لِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩) أي لثواب عملها الذي عملته في الدنيا راضية حين رأت ذلك الثواب حتى لا تريد أكثر منه فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠) مكانا ومنقبة لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١) . قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وحفص بفتح التاء ونصب «لاغية» أي لا تسمع أنت يا أكرم الرسل، أو يا مخاطب، أو لا تسمع الوجوه في الجنة كلمة ذات لغو، فإنما يتكلمون بالحكمة، وحمد الله على النعم، وقرأ نافع بضم التاء الفوقية ورفع «لاغية» ، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بضم الياء التحتية ورفع «لاغية» ، وقرأ المفضل، والجحدري بفتح الياء التحتية ونصب «لاغية» أي لا يسمع فيها أحد يمينا لا برة ولا فاجرة فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (١٢) أي في الجنة عين شراب جارية على

стр. 1285

وجه الأرض في غير أخدود، وتجري لهم كما أرادوا. فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) في الهواء لأجل أن يرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما أعطاه ربه في الجنة من النعيم، والملك. قال ابن عباس: هي سرر ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت مرتفعة في السماء وَأَكْوابٌ أي كيزان مَوْضُوعَةٌ (١٤) بين أيديهم لاستحسانهم إياها بسبب كونها من ذهب، أو فضة، أو من جوهر وتلذذهم بالشراب منها وَنَمارِقُ أي وسائد مَصْفُوفَةٌ (١٥) بعضها إلى جانب بعض أينما أراد أن يجلس جلس على واحدة واستند إلى أخرى وَزَرابِيُّ أي بسط فاخرة مَبْثُوثَةٌ (١٦) أي منشورة مفرقة في المجالس، فلما أخبرهم النبي ﷺ بذلك قال كفار مكة: ائتنا بآية بأن الله أرسلك إلينا رسولا فقال الله تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) أي أينكر كفار مكة البعث، ويستبعدون وقوعه من قدرة الله فلا ينظرون إلى الإبل نظر اعتبار كيف خلقت بشدة قوتها، وعجيب هيئتها، وصبرها على الجوع، والعطش، واحتمال المداومة على السير، وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) فوق الأرض بلا عماد ولا إمساك وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) نصبا رضيا على الأرض لا يتزلزل وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) أي بسطت على الماء. وقرئ «سطحت» مشددا، وقرأ علي ﵁ وكرم وجهه «خلقت» و «رفعت» و «نصبت» و «سطحت» على البناء للفاعل وبتاء المتكلم، فَذَكِّرْ أي فاقتصر على التذكير والحمل على النظر في هذه الأدلة إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) فلا بأس عليك في أن لا ينظروا بالاعتبار ولا يتذكروا بالافتكار إنما عليك البلاغ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) أي لست يا أشرف الخلق بمتسلط عليهم بأن تجبرهم على الإيمان، وقرأ هشام بالسين، وحمزة بإشمام الصاد كالزاي، والباقون بالصاد الخالصة، وقرئ بفتح الطاء إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) ، وفي هذا الاستثناء قولان: أحدهما: إنه استثناء حقيقي وفي هذا احتمالان: إما أن يكون مستثنى من المفعول أي فذكر عبادي إلا من أعرض عن الإيمان وكفر بالقرآن فاستحق العذاب الأكبر، وإما أن يكون مستثنى من الضمير في «عليهم» أي لست عليهم بمسيطر إلا على من انقطع طمعك من إيمانه وتولى عنك وكفر بالله، فإن لله القهر، وسيأمرك بقتالهم، فإن جهاد الكفار وقتلهم تسليط، فكأنه تعالى أوعدهم بالجهاد في الدنيا وبعذاب النار في الآخرة. ثانيهما: إن هذا الاستثناء منقطع عما قبله والتقدير لست بمستول عليهم، لكن من تولى منهم فإن الله تعالى يعذبه العذاب الأكبر الذي هو عذاب جهنم، وعلامة كون الاستثناء منقطعا حسن دخول «أن» في المستثنى به وإذا كان الاستثناء متصلا لم يحسن ذلك ألا ترى أنك تقول: عندي مائتان إلا درهما، فلا يحسن عليه دخول أن، وهاهنا يحسن دخول أن فإنك تقول إلا أن من تولى وكفر، فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) وسمي العذاب بالأكبر لأنه قد بلغ حد عذاب

стр. 1286

الكفر، فإن ما عداه من عذاب الفسق دونه، وقرئ «ألا من تولى» بفتح الهمزة على التنبيه، وهذا مما يقوي القول بأن الاستثناء منقطع، وفي قراءة ابن مسعود «فإنه يعذبه الله» . إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) أي رجوعهم بالموت والبعث لا إلى أحد سوانا قرأ أبو جعفر المدني بتشديد الياء، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٢٦) في المحشر على النقير والقمطير لا على غيرنا، والحساب واجب عليه تعالى بحكم الوعد الذي يمتنع الخلف فيه، وفي الحكمة فإنه تعالى لو لم ينتقم للمظلوم من الظالم لكان ذلك شبيها بكونه تعالى راضيا بذلك الظلم تعالى الله تعالى عنه، وذكر تعالى هذه الآية ليزيل بها عن قلب النبي ﷺ حزنه على كفرهم.

стр. 1287

سورة الفجر مكية، تسع وعشرون آية، مائة وتسع وثلاثون كلمة، خمسمائة وسبعة وتسعون حرفا وَالْفَجْرِ (١) وهو صبح النهار أقسم الله به لحصول انتشار الناس وسائر الحيوانات به في طلب الرزق، فهو مشاكل لنشور الموتى من قبورهم وفيه عبرة لمن تأمل، وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) من أول ذي الحجة وفي الخبر: «ما من أيام العمل الصالح فيها أفضل من أيام العشر» «١» ، وذلك لأنها أيام الاشتغال بالحج في الجملة، وقرئ و «ليال عشر» بالإضافة على أن المراد بالعشر الأيام، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) فالشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة، وقد روي أن النبي ﷺ فسرهما بيوم النحر، ويوم عرفة، وقال أبو بكر الوراق «الشفع» صفات الخلق كالعلم والجهل، والقدرة، والعجز، والبصر، والعمى، والحياة، والموت، والوتر صفات الله تعالى وهي وجود بلا عدم، حياة بلا موت، علم بلا جهل، قدرة بلا عجز، عز بلا ذل، وقال مقاتل: «الشفع» : هو الليالي والأيام، و «الوتر» هو اليوم الذي لا ليل بعده، وهو يوم القيامة، وقرأ حمزة والكسائي «والوتر» بكسر الواو، والباقون بفتحها، والكسر قراءة الحسن، والأعمش، وابن عباس، وهي لغة تميم، والفتح قراءة أهل المدينة، وهي لغة حجازية، وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤) أي يذهب وهي ليلة المزدلفة، فإنه يذهب ويجيء فيه الناس، وقال مقاتل: أي إذا يسار في ذلك الليل وهي ليلة المزدلفة، وقرأ نافع: وأبو عمرو بحذف ياء يسر وقفا وبإثباتها وصلا، وأثبتها ابن كثير في الحالين، وحذفها الباقون في الحالين لسقوطها في خط المصحف الكريم، وقرئ «يسر» بالتنوين كما قرئ به «والفجر» «والوتر» وهو التنوين الذي يقع بدلا من حرف الإطلاق هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أي هل في هذه الأشياء المذكورة مقسم به لذي عقل، والمراد من هذا الاستفهام التأكيد والتحقيق والمعنى: أن من كان ذا لب علم أن ما أقسم الله تعالى بهذه الأشياء فيه عجائب ودلائل على التوحيد والربوبية، فهو حقيق بأن يقسم به لدلالته على خالقه، وجواب القسم محذوف لدلالة المعنى عليه أي لنجازين كل أحد بما عمل بدليل تعديد ما فعل بالقرون الخالية، فالوقف هنا تام

стр. 1288

كما قاله أبو حاتم وغيره، وقال ابن الأنباري: جواب القسم قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ أي وإنما أجازوا الوقف هنا لطول الكلام، لكن ينبغي حينئذ أن يقال وقف صالح أو نحوه لا تام للفصل بين القسم وجوابه أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) أي ألم تعلم يا أشرف الخلق علما يقينا كيف أهلك الله قوم هود عند التكذيب إِرَمَ عطف بيان ل «عاد» للإعلام بأنهم عاد الأولى القديمة إن جعلنا إرم اسما للقبيلة بتقدير مضاف أي سبط إرم فإرم جد عاد فإن عادا هو ابن عوص بن إرم ابن سام بن نوح ﵇ وإن جعلناه اسم البلدة كان التقدير بعاد أهل إرم ويدل عليه قراءة ابن الزبير «بعاد إرم» على الإضافة وقرأ الحسن «بعاد إرم» مفتوحتين ذاتِ الْعِمادِ (٧) أي ذات الأساطين من ذهب وفضة أي ذات القدود الطوال الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها أي مثل تلك المدينة في الحسن، والجمال، أو مثل عاد في عظم الجثة وشدة القوة فِي الْبِلادِ (٨) أي في جميع بلاد الدنيا. وقرأ ابن الزبير و «لم يخلق مثلها» بالبناء للفاعل أي لم يخلق الله مثل إرم مدينة شداد. روي أنه كان لعاد ابنان شداد، وشديد فملكا بعده وقهرا البلاد والعباد، ثم مات شديد وخلص الملك لشداد فملك الدنيا ودانت له الدنيا، وكان يحب قراءة الكتب القديمة فسمع بذكر الجنة وصفتها ودعته نفسه إلى بناء مثلها عتوا على الله تعالى فبنى مدينة إرم في بعض صحاري عدن في ثلاثمائة سنة، وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب، والفضة، وأساطينها من الزبرجد، والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة، فروى وهب بن منبه عن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له شردت فبينما هو يسير في صحارى عدن إذ وقع على مدينة في تلك الفلوات عليها حصن وحول الحصن قصور كثيرة فلما دنا منها ظن أن فيها أحدا يسأله عن إبله فلم ير خارجا ولا داخلا فنزل عن دابته وعقلها وسل سيفه ودخل من باب المدينة، فإذا هو ببابين عظيمين وهما مرصعان بالياقوت الأحمر فلما رأى ذلك دهش ففتح الباب ودخل، فإذا هو بمدينة لم ير أحد مثلها وإذا فيها قصور في كل قصر منها غرف وفوق الغرف غرف مبنية بالذهب والفضة وأحجار اللؤلؤ والياقوت، وإذا أبواب تلك القصور مثل مصاريع باب المدينة يقابل بعضها بعضا وهي مفروشة كلها باللؤلؤ وبنادق المسك والزعفران فلما عاين ذلك، ولم ير أحدا هاله ذلك، ثم نظر إلى الأزقة فإذا في تلك الأزقة أشجار مثمرة وتحت تلك الأشجار أنهار يجري ماؤها في قنوات من فضة، فقال الرجل في نفسه: هذه الجنة وحمل معه من لؤلؤها ومن بنادق مسكها وزعفرانها، ورجع إلى اليمن وأظهر ما كان معه وحدث بما رأى، فبلغ ذلك معاوية فأرسل إليه فقدم عليه فسأله عن ذلك فقص عليه ما رأى فأرسل معاوية إلى كعب الأحبار فلما أتاه وقال له: يا أبا إسحاق هل في الدنيا مدينة من ذهب وفضة قال: نعم هي إرم ذات العماد بناها شداد ابن عاد، قال: فحدثني حديثها، فقال: لما أراد شداد بن عاد عملها أمر عليها مائة قهرمان مع كل قهرمان ألف

стр. 1289

من الأعوان، وكتب إلى ملوك الأرض أن يمدوهم بما في بلادهم من الجواهر فخرجت القهارمة يسيرون في الأرض ليجدوا أرضا موافقة فوقفوا على صخرة نقية من التلال وإذا فيها عيون ماء ومروج فقالوا: هذه الأرض التي أمر الملك أن يبني فيها، فوضعوا أساسها من الجزع اليماني وأقاموا في بنائها ثلاثمائة سنة، وكان عمر شداد تسعمائة سنة فلما أتوه وقد فرغوا منها قال: انطلقوا فاجعلوا حصنا أي سوار واجعلوا حوله ألف قصر وعند كل قصر ألف علم ليكون في كل قصر وزير من وزرائي، ففعلوا وأمر الملك وزراءه وهم ألف وزير أن يتهيئوا للنقلة إلى إرم ذات العماد، وكان الملك وأهله في جهازهم عشر سنين، ثم ساروا إليها فلما كانوا من المدينة على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليه وعلى من كان معه صيحة من السماء فأهلكتهم جميعا، ولم يبق منهم أحد، ثم قال كعب: وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عنقه خال يخرج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر عبد الله بن قلابة، فقال: هذا والله هو ذلك الرجل، وَثَمُودَ أي وكيف أهلك الله قوم صالح، وثمود قبيلة مشهورة سميت باسم جدهم ثمود أخي جديس، وهما ابنا عامر بن إرم بن سام بن نوح ﵇، وكانوا يسكنون الحجر بين الحجاز وتبوك يعبدون الأصنام كعاد الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩) أي الذين نقبوا صخر الجبال فاتخذوا فيها بيوتا بوادي القرى، وهو موضع بقرب المدينة قيل: هم أول من نحت الجبال والصخور والرخام وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة، وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) سمي بذلك لأنه كان يعذب الناس ويشهدهم بأربعة أوتاد مطروحين على الأرض إلى أن يموتوا، وقيل: لكثرة جنوده وخيامهم التي ينصبونها في منازلهم، وقال ابن عباس أي ذي الجنود والعساكر التي تشد ملكه الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) والموصول منصوب على الذم أو مرفوع كذلك أي الذين تجبر كل واحد من عاد، وثمود، وفرعون في بلادهم على أنبياء الله والمؤمنين فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) بالقتل وعبادة الأوثان وسائر المعاصي فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) أي فأنزل الله إنزالا شديدا عقب طغيانهم وفسادهم على كل طائفة من أولئك الطوائف جزء عذاب فأهلك عادا بالريح، وثمود بالصيحة، وفرعون بالغرق، وذكر السوط إشارة إلى أن ما أنزله الله بهم في الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعد لهم في الآخرة كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به إِنَّ رَبَّكَ يا أشرف الخلق لَبِالْمِرْصادِ (١٤) أي لفي الطريق عليه تعالى ممر سائر الخلق كما قاله ابن عباس أو إن إليه المصير كما قاله الفراء وهذا عام للمؤمنين والكافرين فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ أي إذا امتحنه ربه بالنعمة فَأَكْرَمَهُ بالمال والجاه والولد وَنَعَّمَهُ أي وسع عليه معيشته فَيَقُولُ رَبِّي أي فضلني بما أعطاني وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ أي وأما هو إذا اختبره ربه بالفقر فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ أي فضيق عليه معيشته فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (١٦) قوله تعالى: فأما الإنسان متصل من حيث المعنى بقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ فكأنه قيل: إن

стр. 1290

الله لا يريد من الإنسان إلا الطاعة التي تنفعه في الآخرة، فإنه يراقب أحواله ويجازيه بأعماله خيرا وشرا في الآخرة، فأما الإنسان فلا يريد إلا الدنيا ولذاتها فإن وجد الراحة في الدنيا يقول: ربي أكرمني، وإن لم يجدها يقول: ربي أهانني وأما هنا لمجرد التأكيد لا لتفصيل المجمل مع التأكيد، و «الإنسان» مبتدأ خبره «فيقول» والظرف وهو «إذا» منصوب بالخبر لأن الظرف في نية التأخير ودخول الفاء في الخبر لما في أما من معنى الشرط، وما زائدة، والفاء في قوله تعالى: فَأَكْرَمَهُ تفسيرية، والوقف في «أكرمن» مفهوم وفي «أهانن» حسن. وقال أبو عمرو والوقف فيهما كاف، وقيل: تام، وقال الكلبي: إن المراد من الإنسان أبي بن خلف، وقال مقاتل، وابن جرير: نزلت هذه الآية في أمية بن خلف وروي عن ابن عباس أن المراد بالإنسان عتبة بن ربيعة، وأبو حذيفة بن المغيرة، وقيل: إنه كافر جاحد ليوم الجزاء. وقرأ نافع «أكرمن» و «أهانن» بإثبات الياء فيهما وصلا وحذفها وقفا، وقرأهما البزي عن ابن كثير بإثباتها في الحالين، وعن أبي عمرو: إن الحذف في الوصل أعدل، والباقون بالحذف في الحالين، وقرأ ابن عامر «فقدر عليه رزقه» بتشديد الدال أي جعله على مقدار البلغة كَلَّا رد على من ظن ذلك المذكور، والمعنى: ليس إكرامي بالمال والغنى، بالفقر، وقلة المال، ولكن إكرامي بالمعرفة والتوفيق وإهانتي بالنكرة والخذلان، والوقف هنا حسن وهو أحسن من الوقف على «أهانن» ، بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) أي قل يا محمد لهم: بل لكم أحوال أشد شرا من ذلك القول، وهو أن الله تعالى يكرمكم بكثرة المال فلا تؤدون ما يلزمكم فيه، فإنكم لا تحسنون إلى اليتيم ولا تعرفون حقه، وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) بحذف إحدى التاءين، وهو قراءة الكوفيين أي لا يحض بعضكم بعضا على إطعام المسكين، وقرئ «ولا تحضوا» أي لا تأمرون بإطعامه، وفي قراءة ابن مسعود «ولا تحاضون» بضم التاء أي لا يحض كل واحد منكم صاحبه، وهذا إشارة إلى ترك بر اليتيم. وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) أي وتأكلون تراث اليتامى أكلا جامعا فإنكم تجمعون نصيبهم إلى نصيبكم، وهذا إشارة إلى دفع اليتيم عن حقه الثابت له في الميراث، وأكل ماله. وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) أي كثيرا وهذا إشارة إلى أخذ مال اليتيم منه، وقرأ أبو عمرو يكرمون وما بعده بالياء التحتية كَلَّا أي لا ينبغي أن يكون الأمر هكذا في الحرص على الدنيا حتى إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) أي إذا انكسر كل شيء على وجه الأرض من جبل، وشجر، وبناء حين زلزلت فلم يبق على ظهرها شيء حتى صارت ملساء، وَجاءَ رَبُّكَ أي جاء ظهوره وقهره أي حصل تجليه تعالى على الخلائق أي زالت الشبهة، وارتفعت الشكوك وظهر سلطان قهره، وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) أي وتنزل ملائكة كل سماء فيصطفون صفا بعد صف بحسب مراتبهم محدقين بالجن والإنس فيكونون سبعة صفوف، وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ مزمومة بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها إلى

стр. 1291

المحشر ويكشف عنها حتى رآها الخلق، وعلم الكافر أن مصيره إليها يَوْمَئِذٍ بدل من «إذا دكت» . يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما فرط فيه ويتعظ الكافر، فيقول: يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا، وهذا جواب «إذا» ، وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (٢٣) أي ومن أين له العظة وقد فاته أوانها يَقُولُ أي الإنسان الكافر يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤) فيا للتنبيه أي ليتني قدمت عملا يوجب نجاتي من النار حتى أكون من الأحياء، فَيَوْمَئِذٍ أي يوم إذ يقول الإنسان ذلك لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) أي لا يعذب أحد من الزبانية مثل تعذيب الكافر، وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) أي ولا يوثق أحد من الزبانية بالسلاسل والأغلال مثل إيثاق الكافر لتناهيه في كفره وفساده. وقرأ الكسائي «لا يعذب ولا يوثق» بفتح الذال والثاء أي لا يعذب أحد مثل عذاب الكافر ولا يوثق أحد بالسلاسل والأغلال مثل وثاق الكافر. يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) بذكر الله وطاعته، وقرأ أبي بن كعب «يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة» وهي التي لا يستفزها خوف ولا حزن وهذه الخاصة قد تحصل عند الموت عند سماع البشارة من الملائكة وتحصل عند البعث وعند دخول الجنة بلا شك أي يقول الله للمؤمن إكراما له أو على لسان ملك يا أيتها النفس المطمئنة ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ أي إلى ثواب ربك راضِيَةً بما أوتيت من النعيم المقيم مَرْضِيَّةً (٢٨) عند الله في الأعمال التي عملتها في الدنيا، فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) أي في زمرة عبادي الصالحين المختصين بي، وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠) معهم، وقرئ «فادخلي في عبدي» وقرئ في «جسد عبدي» وهذا يؤيد كون الخطاب عند البعث. قيل: نزلت هذه الآية في حمزة بن عبد المطلب، وروى الضحاك أنها نزلت في عثمان حين وقف بئر رومة، وقيل نزلت في خبيب بن عبد الذي صلبه أهل مكة وجعلوا وجهه إلى المدينة، فقال: اللهم إن كان لي عندك خير فحول وجهي نحو قبلتك فحول الله وجهه نحوها فلم يستطع أحد أن يحوله والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

стр. 1292

سورة البلد مكية، هي عشرون آية، اثنتان وثمانون كلمة، ثلاثمائة وعشرون حرفا لا قال الأخفش هي مزيدة أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وهو مكة وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢) أي أنت نازل في هذا البلد، أو أنت في حل مما صنعت في هذا البلد، فإن الله فتح مكة عليه ﷺ وما فتحت على أحد قبله، ولا أحلت له فأحل ﷺ فيها ما شاء وحرم ما شاء. قتل عبد الله بن خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة، ومقيس بن صبابة وغيرهما وحرم دار أبي سفيان، ثم قال: إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام إلى أن تقوم الساعة لم تحل لأحد قبلي، ولن تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار فلا يعضد شجرها، ولا يختلي خلاها، ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد، فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقيوننا وقبورنا وبيوتنا، فقال ﷺ إلا الإذخر وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (٣) فالوالد آدم وما ولد بنوه، وقيل كل والد وولده لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤) أي في اعتدال القامة، أو في تعب فإنه لا يزال يقاسي فنون الشدائد من وقت نفخ الروح إلى حين نزعها، وما وراءه، وليس في هذه الدنيا لذة ألبتة فالذي يظن الإنسان أنه لذة فهو خلاص عن الألم، وما يتخيل من اللذة عند الأكل فهو خلاص عن ألم الجوع، وما يتخيل من اللذة عند اللبس، فهو خلاص عن ألم الحر والبرد، فليس للإنسان إلا ألم، أو خلاص عن ألم، فإذا لا بد بعد هذه الدار من دار أخرى لتكون تلك الدار دار اللذات والسعادات والكرامات أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) أي أيحسب الإنسان بقوته أنه لن يقدر على بعثه ومجازاته، أو على تغيير أحواله أحد وهو الله تعالى يَقُولُ أي الإنسان كلدة بن أسيد أو الوليد بن المغيرة أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً (٦) أي أنفقت مالا كثيرا في عداوة محمد ﵊، فلم ينفعني ذلك شيئا. وقرأ أبو جعفر بتشديد الباء مفتوحة، وقرأ مجاهد وحميد بضم الباء واللام مخففا، والباقون بضم اللام وكسرها وفتح الباء مخففا، أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أي أيحسب هذا الإنسان أنه لم يره أحد، وهو الله تعالى حين كان ينفق وأنه تعالى لا يسأله عن إنفاقه ولا يجازيه

стр. 1293

عليه. أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) ينظر بهما وَلِساناً ينطق به وَشَفَتَيْنِ (٩) يستر بهما فاه وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) أي بيّنا له الطريقين: طريق الخير، والشر، أو دللناه على الثديين لأنهما كالطريقين لحياة الولد ورزقه، فإن الله تعالى هدى الطفل الصغير إلى الثديين حتى ارتضعهما فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) أي فهلا تلبس من أنفق ماله بمجاهدة النفس والهوى والشيطان في أعمال البر، أو فلم يشكر تلك النعم الجليلة بتحصيل الأعمال الصالحة، وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) أي أي شيء أعلمك ما الدخول في صعاب الطريق فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أي هي إعتاق رقبة، أو إعطاء مكاتب ما يصرفه إلى جهة فكاك نفسه، أو تخليص شخص من قود، أو غرم، أو فك المرء رقبة نفسه باجتناب المعاصي وفعل الطاعات التي يصير بها إلى الجنة ويتخلص بها من النار، فهذه هي الحرية الكبرى أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) أي مجاعة يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ (١٥) أي ذا قرابة أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ (١٦) أي ذا افتقار كأنه لصق بالتراب من ضره، فليس فوقه ما يستره، ولا تحته ما يفرشه. قرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وحمزة بصيغة المصدر في «فك» و «إطعام» وهو خبر مبتدأ محذوف، والباقون بصيغة الفعل فيهما على الإبدال من «اقتحم» المنفي بلا كأنه قيل: فلا فك رقبة ولا أطعم فلا مكررة في المعنى، فلا يقال: إن لا لا تدخل على الماضي إلا مكررة، ثُمَّ كانَ أي مكتسب الطاعات داخل الأمور الصعاب مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ أي أوصى بعضهم بعضا بالصبر على أداء الطاعات وعلى المرازي، وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أي بالرحمة على عباده فقوله: وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ إشارة إلى التعظيم لأمر الله وقوله: وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ إشارة إلى الشفقة على خلق الله ومدار أمر الطاعات ليس إلا على هذين الأصلين فإن الأصل في التصوف أمران صدق مع الحق، وخلق مع الخلق أُولئِكَ أي الموصوفون بتلك الصفة أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) أي الجانب الذي فيه البركة والنجاة من كل هلكة، وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا أي بما نصبناه دليلا على الحق من كتاب وحجة هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) أي الخصلة المكسبة للحرمان عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠) أي مطبقة فلا يخرجون منها أبدا. قرأ أبو عمرو، وحفص، وحمزة بالهمزة، والباقون بواو ساكنة.

стр. 1294

سورة الشمس مكية، خمس عشرة آية، أربع وخمسون كلمة، مائتان وسبعة وأربعون حرفا وَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) أي ضوئها إذا ارتفعت وقام سلطانها، وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢) أي تبع الشمس بأن طلع بعد غروبها وذلك في النصف الأول من الشهر، وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها (٣) أي إذا أظهر الشمس فإنها تنكشف عند انبساط النهار فكأنه أظهرها مع أنها هي التي تبسطه، وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤) أي يغطي ضوء الشمس بظلمته وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) أي والذي خلقها وهو الله تعالى أقسم بنفسه، وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) أي بسطها على الماء، وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) أي وجسد كثير والذي أنشأها متناسبة الأعضاء، أو وقوة مدبرة، والذي أعطاها قوى كثيرة كالقوة السامعة، والباصرة، والمفكرة، والمذكرة فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) أي أفهمها حالاهما من الحسن والقبيح، وقيل: ألهم الله الكافر فجوره، وألهم المؤمن المتقي تقواه. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) أي قد أدرك من طهر نفسه من الذنوب مطلوبه بفعل الطاعة ومجانية المعصية، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (١٠) أي وقد خسر من أخفى نفسه في المعاصي حتى انغمس فيها كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (١١) أي فعلت ثمود تكذيب الرسول بسبب مجاوزتها الحد في العصيان، أو كذبت ثمود بعذابها أي لم يصدقوا رسولهم فيما أنذرهم به العذاب فالطغوى على هذا اسم للعذاب الذي أهلكوا به إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (١٢) أي حين قام أشقى ثمود، وهو قدار بن سالف ومصدع بن دهو لعقر الناقة برضاهم، فَقالَ لَهُمْ أي لثمود رَسُولُ اللَّهِ صالح لما عرف منهم أنهم قد عزموا على عقر الناقة ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها (١٣) أي ذروا عقر الناقة التي هي آية الله الدالة على توحيده وعلى نبوتي واحذروا شربها فلا تمنعوها عنه في نوبتها، فَكَذَّبُوهُ أي رسول الله صالحا في وعيده بالعذاب، فَعَقَرُوها قال الفراء: عقر الناقة اثنان، وقال قتادة: ذكر لنا إن قدار أبى أن يعقرها حتى بايعه صغيرهم وكبيرهم ذكرهم وأنثاهم، فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ أي أهلكهم ربهم بِذَنْبِهِمْ أي بسبب قتلهم الناقة وتكذيبهم صالحا ﵇، فَسَوَّاها (١٤) أي سوى هذه الطائفة في إنزال العذاب بهم صغيرهم، وكبيرهم، ووضيعهم، وشريفهم، وذكرهم، وأنثاهم. وقرأ ابن الزبير «فدهدم» بهاء بين الدالين، وَلا يَخافُ عُقْباها (١٥) أي ولا يخاف الله عاقبة

стр. 1295

هذه الفعلة كما تخاف الملوك عاقبة ما تفعله، وهذه إشارة إلى أنهم أذلاء عند الله تعالى، وقيل: لا يخاف رسول الله صالح عقبى هذه العقوبة ولا يخشى ضررا يعود عليه من عذابهم، وقيل: قام الأشقى لعقر الناقة والحال أنه غير خائف عاقبة هذه الفعلة الشنعاء أي فهو كالآمن من نزول الهلاك به وبقومه، ففعل مع هذا الخوف الشديد فعل من لا يخاف ألبتة فنسب في ذلك إلى الحمق. وقرأ نافع، وابن عامر «فلا يخاف» بالفاء، والباقون بالواو، وهي للحال، أو للاستئناف الإخباري، وقرئ «ولم يخف» وهو مروي عن النبي ﷺ .

стр. 1296

سورة والليل مكية، إحدى وعشرون آية، إحدى وسبعون كلمة، ثلاثمائة وعشرون حرفا، قال القفال ﵀: نزلت هذه السورة في أبي بكر وإنفاقه على المسلمين وفي أمية ابن خلف وبخله وكفره بالله، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) أي حين يغشى الشمس وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (٢) أي ظهر بزوال ظلمة الليل وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) أي والذي خلق صنفي الذكر والأنثى من كل ما له توالد. قرأ النبي ﷺ «والذكر والأنثى» ، وقرأ ابن مسعود «والذي خلق الذكر والأنثى» ، وعن الكسائي «وما خلق الذكر» بالجر والمعنى: وما خلقه الله تعالى أي ومخلوق الله، ثم يجعل الذكر بدلا منه أي ومخلوق الله الذكر والأنثى. إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) أي أن عملكم لمختلف في الجزاء لأن بعضه ضلال يوجب النيران وبعضه هدى يوجب الجنان، فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) أي فأما من أعطى من ماله في سبيل الله واجتنب المحارم وصدق بالشرائع فسنهيئه للخصلة التي تؤدي إلى راحة، كدخول الجنة، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) أي وأما من بخل بماله فلم يبذله في سبيل الخير واستغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة، وكذب بعدة الله من الخلف الحسن، فسنهيئه للخصلة المؤدية إلى الشدة كدخول النار، وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى (١١) أي ولا ينفعه ماله الذي جمعه في الدنيا إذا مات، أو أي شيء ينفعه ماله الذي بخل به، ولم يصحبه معه إلى آخرته إذا سقط في حفرة قبر أو في جهنم. إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢) أي إن الذي يجب علينا في الحكمة إذ خلقنا الخلق للعبادة أن نبين لهم وجوه التعبد فقد فعلنا ما كان فعله واجبا علينا في الحكمة، وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣) أي إن لنا ملك الدارين نعطي من نشاء ما نشاء فمن طلبهما من غيرنا فقد أخطأ الطريق فليطلب سعادتهما منا فَأَنْذَرْتُكُمْ أي خوفتكم يا أهل مكة ناراً تَلَظَّى (١٤) أي تتوقد. وقرئ شاذا بالتاءين لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) أي لا يدخلها دخولا لازما مؤبدا إلا الكافر الذي هو شقي لأنه كذب بآيات الله، وأعرض عن طاعة الله. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في أمية بن خلف، وأمثاله الذين كذبوا محمدا والأنبياء قبله وَسَيُجَنَّبُهَا

стр. 1297

الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) أي وسيبعد عنها المبالغ في اتقاء المعاصي الذي يعطي ماله ويصرفه في وجوه الحسنات طالبا أن يكون ناميا عند الله تعالى لا يريد بذلك رياء ولا سمعة، وروى الضحاك عن ابن عباس: عذب المشركون بلال بن رباح واسم أمه حمامة، وبلال يقول: أحد أحد، فمر النبي ﷺ فقال: «أحد ينجيك» ، ثم قال النبي ﷺ لأبي بكر: «يا أبا بكر إن بلالا يعذب في الله» «١» فعرف أبو بكر ما يريده رسول الله ﷺ ، فانصرف إلى منزله فأخذ رطلا من ذهب ومضى به إلى أمية بن خلف، فقال له: أتبيعني بلالا قال: نعم، فاشتراه، فأعتقه، فقال المشركون ما فعل ذلك أبو بكر ببلال إلا ليد كانت لبلال عنده فأنزل الله تعالى قوله: وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ أي الأتقى مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) أي لم يفعل أبو بكر ذلك مجازاة لأحد بيد كانت له عنده، لكن فعله ابتغاء وجه الله تعالى. وقرأ يحيى بن وثاب برفع «الابتغاء» على البدل من محل «نعمة» ، فإنه رفع إما على الفاعلية، أو على الابتداء و «من» مزيدة، ويجوز أن يكون مفعولا له لأن المعنى لا يؤتي ماله إلا ابتغاء وجه ربه لا لمكافأة نعمة، وَلَسَوْفَ يَرْضى (٢١) أي ما أنفق أبو بكر إلا لطلب رضوان الله، وبالله لسوف يرضى الله عنه، ولم يكن للنبي ولا لغيره عليه نعمة دنيوية، بل كان أبو بكر هو الذي ينفق على رسول الله، وإنما كان للنبي عليه نعمة الهداية إلى الدين إلا أن هذه نعمة لا يجزى الإنسان بها قال ابن الزبير: كان أبو بكر يشتري الضعفة من العبيد فيعتقهم، فقال له أبوه: يا بني لو كنت تشتري من يمنع ظهرك، فقال: منع ظهري أريد، فأنزل الله تعالى: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى إلى آخر السورة، وقرئ «يرضى» مبنيا للمفعول.

стр. 1298

سورة الضحى مكية، إحدى عشرة آية، أربعون كلمة، مائة وسبعون حرفا وَالضُّحى (١) وهو أول النهار حين ترفع الشمس وتلقي شعاعها وتخصيصه بالإقسام به لأنه الساعة التي كلم الله موسى فيها، وألقي السحرة فيها سجدا وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) أي أظلم واسود، ونقل عن قتادة، ومقاتل، وجعفر الصادق أن المراد بالضحى هو الضحى الذي كلم الله تعالى فيه موسى ﵇، وبالليل ليلة المعراج، وقيل: إنما ذكر ساعة من النهار، وذكر الليل بكليته لأن النهار وقت السرور، والراحة، والليل وقت الوحشة، والغم، فهو إشارة إلى أن هموم الدنيا أدوم من سرورها، فإن الضحى ساعة والليل ساعات ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ أي ما قطعك ربك قطع المودع، والمفارق. وقرأ عروة بن الزبير، وابنه هشام، وابن أبي عبلة بتخفيف الدال أي ما تركك ربك يا أشرف الرسل منذ أوحى إليك تركا تحصل به فرقة كفرقة المودع وَما قَلى (٣) أي ما أبغضك ربك منذ أحبك. روى البخاري عن جندب بن سفيان قال: اشتكى رسول الله ﷺ ليلتين أو ثلاثا، فجاءت أم جمل امرأة أبي لهب فقالت: يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث، فنزلت هذه الآية، وروي أن خولة كانت تخدم النبي ﷺ فقالت: إن جروا دخل البيت فدخل تحت السرير، فمات فمكث النبي ﷺ أياما لا ينزل عليه الوحي، فقال ﷺ : «يا خولة ما حدث في بيتي إن جبريل ﵇ لا يأتيني» «١» . قالت خولة: فكنست فأهويت بالمكنسة تحت السرير فإذا جرو ميت فأخذته فألقيته خلف الجدار فجاء نبي الله ﷺ ترعد لحياه، وكان إذا نزل عليه الوحي استقبلته الرعدة، فقال: «يا خولة دثريني» «٢» . فأنزل الله تعالى هذه السورة ولما نزل جبريل ﵇ سأله النبي ﷺ عن التأخر فقال: أما علمت أنّا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة ، وروي أن الوحي تأخر عن رسول الله ﷺ أياما لزجره سائلا ملحا، فقال

стр. 1299

المشركون: إن محمدا ودعه ربه وقلاه فنزلت، وروي أن سبب احتباس جبريل ﵇ لأنه كان فيهم من لا يقلم الأظفار وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) أي وللأحوال الآتية خير لك من الماضية كأنه تعالى وعده بأنه سيزيد كل يوم عزا إلى عز، ومنصبا إلى منصب، فيقول: لا تظن أني قليتك، بل إني أزيدك منصبا وجلالا، ثم إن هذا التشريف وإن كان عظيما إلا أن مالك عند الله في الآخرة خير وأعظم، أو وللآخرة خير لك من الدنيا لأن الكفار في الدنيا يطعنون فيك، أما في الآخرة فأجعل أمتك شهداء على الأمم، وأجعلك شهيدا على الأنبياء، ثم أجعل ذاتي شهيدا لك كما قال تعالى: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [الفتح: ٢٨، ٢٩] وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ من خيرات الدنيا والآخرة فَتَرْضى (٥) . روي عن علي بن أبي طالب، وابن عباس أن هذا هو الشفاعة في الأمة كما يروى أنه ﷺ لما نزلت هذه الآية قال: إذا لا أرضى وواحد من أمتي في النار ، وعن جعفر الصادق ﵁ أنه قال: رضي جدي أن لا يدخل النار موحد، وهذا أيضا وعده تعالى رسوله على أحوال الدنيا، فهو إشارة إلى ما أعطاه الله تعالى من الظفر بأعدائه يوم بدر، ويوم فتح مكة، ودخول الناس في الدين أفواجا، والغلبة على قريظة، والنضير وإجلائهم وبث عساكره في بلاد العرب، وما فتح على خلفائه الراشدين في أقطار الأرض من المدائن، وما هدم بأيديهم من ممالك الجبابرة، وما وهبهم من كنوز الأكاسرة، وما قذف في أهل الشرق والغرب من الرعب، وتهيب الإسلام وفشو الدعوة أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) بمد الهمزة أي ضمك إلى من يكفلك، وقرأ أبو الأشهب «فأوى» ثلاثيا أي فرحمك، روي أن عبد الله بن عبد المطلب توفي وهو ﷺ جنين قد أتت عليه ستة أشهر، ثم ولد رسول الله فكان مع عبد المطلب، ومع أمه آمنة، فماتت وهو ابن ست سنين فكان مع جده، ثم مات بعد آمنة بسنتين ورسول الله ابن ثمان سنين، وكان عبد المطلب يوصي أبا طالب به فكان هو الذي يكفل رسول الله بعد جده إلى أن بعثه الله للنبوة، فقام بنصرته ﷺ ، ثم توفي أبو طالب فذكره الله هذه النعمة روي أن أبا طالب قال يوما لأخيه العباس: ألا أخبرك عن محمد بما رأيت منه، فقال: بلى، فقال: إني ضممته إلي فكنت لا أفارقه ساعة من ليل ولا نهار ولا أأتمن عليه أحدا حتى إني كنت أنومه في فراشي، فأمرته ليلة أن يخلع ثيابه وينام معي فرأيت الكراهة في وجهه، لكنه كره أن يخالفني، وقال: «يا عماه اصرف بوجهك عني حتى أخلع ثيابي إذ لا ينبغي لأحد أن ينظر إلى جسدي» ، فتعجبت من قوله وصرفت بصري حتى دخل الفراش فلما دخلت معه في الفراش إذ بيني وبينه ثوب في غاية اللين وطيب الرائحة كأنه غمس في المسك، فجهدت لأنظر إلى جسده فما كنت أرى شيئا وكنت أفتقده من فراشي مرارا فإذا قمت لأطلبه ناداني ها أنا يا عم فأرجع ولقد كنت أسمع منه مرارا كلاما يعجبني، وذلك عند مضي بعض الليل وكان يقول في أول الطعام: «باسم الله الأحد» ، فإذا فرغ من طعامه قال: «الحمد لله» ، فتعجبت

стр. 1300

منه، ثم لم أر منه كذبة، ولا ضحكا، ولا جاهلية، ولا وقف مع صبيان يلعبون وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (٧) أي وجدك خاليا من الشريعة فهداك بإنزالها إليك، وقيل: وجدك ضالا عن عبد المطلب فردك إليه، كما روي أنه ﷺ قال: «ضللت عن جدي عبد المطلب، وأنا صبي ضائع كاد الجوع يقتلني، فهداني الله» وروي عن ابن عباس أن النبي ﷺ ضل في شعاب مكة وهو صبي فتعلق عبد المطلب بأستار الكعبة وقال: يا رب رد ولدي محمدا ... اردده رب واصطنع عندي يدا فما زال يردد هذا عند البيت حتى أتاه أبو جهل على ناقة ومحمد بين يديه، وهو يقول: لا تدري ماذا ترى من ابنك، فقال عبد المطلب ولم قال: إني أنخت الناقة وأركبته من خلفي فأبت الناقة أن تقوم، فلما أركبته أمامي قامت الناقة، وكانت تقول: يا أحمق هو الإمام فكيف يقوم خلف المقتدي، وقال ابن عباس: رده الله إلى جده بيد عدوه كما فعل بموسى حين حفظه على يد عدوه، وَوَجَدَكَ عائِلًا أي فقيرا كما روي أن في مصحف عبد الله «ووجدك عديما» ، وقرأ اليماني «عيلا» بكسر الياء المشددة كسيد، فَأَغْنى (٨) أي أغناك بالقناعة، فصرت بحال يستوي عندك الحجر والذهب لا تجد في قلبك سوى ربك، وقيل أغناك بمال أبي بكر وبهيبة عمر. روي أن عمر قال حين أسلم والأصحاب كانوا يعبدون الله سرّا: يا رسول الله ابرز أنعبد نحن اللات جهرا ونعبد الله سرا، فقال ﷺ : «حتى تكثر الأصحاب» فقال: حسبك الله وأنا، فقال تعالى: حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ٦٤] وقيل أغناه الله تعالى بتربية أبي طالب، ولما اختلت أحوال أبي طالب أغناه بمال خديجة، ولما اختل ذلك أغناه بمال أبي بكر، ولما اختل ذلك أمره بالهجرة، وأغناه بإعانة الأنصار، ثم أمره بالجهاد وأغناه بالغنائم، ثم قال ﷺ : «جعل رزقي تحت ظل رمحي» فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) أي لا تحتقر اليتيم فقد كنت يتيما كما قاله مجاهد، أو فلا تغلبه على ماله، وقرئ «فلا تكهر» أي فلا تعبس وجهك إليه، وروي أن هذه الآية نزلت حين صاح النبي ﷺ على ولد خديجة وإذا كان هذا العتاب بمجرد الصياح أو العبوسة في الوجه، فكيف إذا أذل التيم أو أكل ماله؟ وروي أن موسى ﵇ قال: إلهي بما نلت ما نلت قال الله تعالى: «أتذكر حيث هربت منك السخلة فلما قدرت عليها قلت أتعبت نفسك، ثم حملتها فلهذا السبب جعلتك وليا على الخلق، فلما نال موسى ﵇ النبوة بالإحسان إلى الشاة فكيف بالإحسان إلى اليتيم، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) أي لا تغلظ له القول، بل رده ردا لينا برفق والمراد من السائل. مطلق السائل. روي أنه ﷺ كان جالسا فجاء عثمان بتمر فوضعه بين يديه، فأراد أن يأكل فوقف سائل بالباب فقال: رحم الله عبدا يرحمنا فأمر بدفعه إلى السائل فكره عثمان ذلك وأراد أن يأكله النبي ﷺ ، فخرج واشتراه من السائل، ثم رجع السائل وكان النبي يعطيه ففعل
следующие страницы →