سورة والليل
مكية، إحدى وعشرون آية، إحدى وسبعون كلمة، ثلاثمائة وعشرون حرفا، قال القفال ﵀: نزلت هذه السورة في أبي بكر وإنفاقه على المسلمين وفي أمية ابن خلف وبخله وكفره بالله، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب
وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) أي حين يغشى الشمس وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (٢) أي ظهر بزوال ظلمة الليل وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) أي والذي خلق صنفي الذكر والأنثى من كل ما له توالد. قرأ النبي ﷺ «والذكر والأنثى» ، وقرأ ابن مسعود «والذي خلق الذكر والأنثى» ، وعن الكسائي «وما خلق الذكر» بالجر والمعنى: وما خلقه الله تعالى أي ومخلوق الله، ثم يجعل الذكر بدلا منه أي ومخلوق الله الذكر والأنثى. إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) أي أن عملكم لمختلف في الجزاء لأن بعضه ضلال يوجب النيران وبعضه هدى يوجب الجنان، فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) أي فأما من أعطى من ماله في سبيل الله واجتنب المحارم وصدق بالشرائع فسنهيئه للخصلة التي تؤدي إلى راحة، كدخول الجنة، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) أي وأما من بخل بماله فلم يبذله في سبيل الخير واستغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة، وكذب بعدة الله من الخلف الحسن، فسنهيئه للخصلة المؤدية إلى الشدة كدخول النار،
وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى (١١) أي ولا ينفعه ماله الذي جمعه في الدنيا إذا مات، أو أي شيء ينفعه ماله الذي بخل به، ولم يصحبه معه إلى آخرته إذا سقط في حفرة قبر أو في جهنم. إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢) أي إن الذي يجب علينا في الحكمة إذ خلقنا الخلق للعبادة أن نبين لهم وجوه التعبد فقد فعلنا ما كان فعله واجبا علينا في الحكمة، وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣) أي إن لنا ملك الدارين نعطي من نشاء ما نشاء فمن طلبهما من غيرنا فقد أخطأ الطريق فليطلب سعادتهما منا فَأَنْذَرْتُكُمْ أي خوفتكم يا أهل مكة ناراً
تَلَظَّى
(١٤) أي تتوقد.
وقرئ شاذا بالتاءين لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) أي لا يدخلها دخولا لازما مؤبدا إلا الكافر الذي هو شقي لأنه كذب بآيات الله، وأعرض عن طاعة الله. قال ابن عباس:
نزلت هذه الآية في أمية بن خلف، وأمثاله الذين كذبوا محمدا والأنبياء قبله وَسَيُجَنَّبُهَا
стр. 1297
الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى
(١٨) أي وسيبعد عنها المبالغ في اتقاء المعاصي الذي يعطي ماله ويصرفه في وجوه الحسنات طالبا أن يكون ناميا عند الله تعالى لا يريد بذلك رياء ولا سمعة،
وروى الضحاك عن ابن عباس: عذب المشركون بلال بن رباح واسم أمه حمامة، وبلال يقول:
أحد أحد، فمر النبي ﷺ فقال: «أحد ينجيك» ، ثم قال النبي ﷺ لأبي بكر: «يا أبا بكر إن بلالا يعذب في الله» «١» فعرف أبو بكر ما يريده رسول الله ﷺ ، فانصرف إلى منزله فأخذ رطلا من ذهب ومضى به إلى أمية بن خلف، فقال له: أتبيعني بلالا قال: نعم، فاشتراه، فأعتقه، فقال المشركون ما فعل ذلك أبو بكر ببلال إلا ليد كانت لبلال عنده فأنزل الله تعالى قوله:
وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ أي الأتقى مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) أي لم يفعل أبو بكر ذلك مجازاة لأحد بيد كانت له عنده، لكن فعله ابتغاء وجه الله تعالى.
وقرأ يحيى بن وثاب برفع «الابتغاء» على البدل من محل «نعمة» ، فإنه رفع إما على الفاعلية، أو على الابتداء و «من» مزيدة، ويجوز أن يكون مفعولا له لأن المعنى لا يؤتي ماله إلا ابتغاء وجه ربه لا لمكافأة نعمة،
وَلَسَوْفَ يَرْضى (٢١) أي ما أنفق أبو بكر إلا لطلب رضوان الله، وبالله لسوف يرضى الله عنه، ولم يكن للنبي ولا لغيره عليه نعمة دنيوية، بل كان أبو بكر هو الذي ينفق على رسول الله، وإنما كان للنبي عليه نعمة الهداية إلى الدين إلا أن هذه نعمة لا يجزى الإنسان بها قال ابن الزبير: كان أبو بكر يشتري الضعفة من العبيد فيعتقهم، فقال له أبوه: يا بني لو كنت تشتري من يمنع ظهرك، فقال: منع ظهري أريد، فأنزل الله تعالى: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى إلى آخر السورة، وقرئ «يرضى» مبنيا للمفعول.
стр. 1298
سورة الضحى
مكية، إحدى عشرة آية، أربعون كلمة، مائة وسبعون حرفا
وَالضُّحى (١) وهو أول النهار حين ترفع الشمس وتلقي شعاعها وتخصيصه بالإقسام به لأنه الساعة التي كلم الله موسى فيها، وألقي السحرة فيها سجدا وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) أي أظلم واسود، ونقل عن قتادة، ومقاتل، وجعفر الصادق أن المراد بالضحى هو الضحى الذي كلم الله تعالى فيه موسى ﵇، وبالليل ليلة المعراج، وقيل: إنما ذكر ساعة من النهار، وذكر الليل بكليته لأن النهار وقت السرور، والراحة، والليل وقت الوحشة، والغم، فهو إشارة إلى أن هموم الدنيا أدوم من سرورها، فإن الضحى ساعة والليل ساعات ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ أي ما قطعك ربك قطع المودع، والمفارق.
وقرأ عروة بن الزبير، وابنه هشام، وابن أبي عبلة بتخفيف الدال أي ما تركك ربك يا أشرف الرسل منذ أوحى إليك تركا تحصل به فرقة كفرقة المودع وَما قَلى (٣) أي ما أبغضك ربك منذ أحبك. روى البخاري عن جندب بن سفيان قال: اشتكى رسول الله ﷺ ليلتين أو ثلاثا، فجاءت أم جمل امرأة أبي لهب فقالت: يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث، فنزلت هذه الآية،
وروي أن خولة كانت تخدم النبي ﷺ فقالت: إن جروا دخل البيت فدخل تحت السرير، فمات فمكث النبي ﷺ أياما لا ينزل عليه الوحي، فقال ﷺ : «يا خولة ما حدث في بيتي إن جبريل ﵇ لا يأتيني» «١» . قالت خولة: فكنست فأهويت بالمكنسة تحت السرير فإذا جرو ميت فأخذته فألقيته خلف الجدار فجاء نبي الله ﷺ ترعد لحياه، وكان إذا نزل عليه الوحي استقبلته الرعدة، فقال: «يا خولة دثريني» «٢» . فأنزل الله تعالى هذه السورة ولما نزل جبريل ﵇ سأله النبي ﷺ عن التأخر فقال: أما علمت أنّا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة
، وروي أن الوحي تأخر عن رسول الله ﷺ أياما لزجره سائلا ملحا، فقال
стр. 1299
المشركون: إن محمدا ودعه ربه وقلاه فنزلت، وروي أن سبب احتباس جبريل ﵇ لأنه كان فيهم من لا يقلم الأظفار وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) أي وللأحوال الآتية خير لك من الماضية كأنه تعالى وعده بأنه سيزيد كل يوم عزا إلى عز، ومنصبا إلى منصب، فيقول: لا تظن أني قليتك، بل إني أزيدك منصبا وجلالا، ثم إن هذا التشريف وإن كان عظيما إلا أن مالك عند الله في الآخرة خير وأعظم، أو وللآخرة خير لك من الدنيا لأن الكفار في الدنيا يطعنون فيك، أما في الآخرة فأجعل أمتك شهداء على الأمم، وأجعلك شهيدا على الأنبياء، ثم أجعل ذاتي شهيدا لك كما قال تعالى: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [الفتح: ٢٨، ٢٩] وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ من خيرات الدنيا والآخرة فَتَرْضى (٥) .
روي عن علي بن أبي طالب، وابن عباس أن هذا هو الشفاعة في الأمة
كما
يروى أنه ﷺ لما نزلت هذه الآية قال: إذا لا أرضى وواحد من أمتي في النار
،
وعن جعفر الصادق ﵁ أنه قال: رضي جدي أن لا يدخل النار موحد،
وهذا أيضا وعده تعالى رسوله على أحوال الدنيا، فهو إشارة إلى ما أعطاه الله تعالى من الظفر بأعدائه يوم بدر، ويوم فتح مكة، ودخول الناس في الدين أفواجا، والغلبة على قريظة، والنضير وإجلائهم وبث عساكره في بلاد العرب، وما فتح على خلفائه الراشدين في أقطار الأرض من المدائن، وما هدم بأيديهم من ممالك الجبابرة، وما وهبهم من كنوز الأكاسرة، وما قذف في أهل الشرق والغرب من الرعب، وتهيب الإسلام وفشو الدعوة أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) بمد الهمزة أي ضمك إلى من يكفلك، وقرأ أبو الأشهب «فأوى» ثلاثيا أي فرحمك، روي أن عبد الله بن عبد المطلب توفي وهو ﷺ جنين قد أتت عليه ستة أشهر، ثم ولد رسول الله فكان مع عبد المطلب، ومع أمه آمنة، فماتت وهو ابن ست سنين فكان مع جده، ثم مات بعد آمنة بسنتين ورسول الله ابن ثمان سنين، وكان عبد المطلب يوصي أبا طالب به فكان هو الذي يكفل رسول الله بعد جده إلى أن بعثه الله للنبوة، فقام بنصرته ﷺ ، ثم توفي أبو طالب فذكره الله هذه النعمة
روي أن أبا طالب قال يوما لأخيه العباس: ألا أخبرك عن محمد بما رأيت منه، فقال: بلى، فقال: إني ضممته إلي فكنت لا أفارقه ساعة من ليل ولا نهار ولا أأتمن عليه أحدا حتى إني كنت أنومه في فراشي، فأمرته ليلة أن يخلع ثيابه وينام معي فرأيت الكراهة في وجهه، لكنه كره أن يخالفني، وقال: «يا عماه اصرف بوجهك عني حتى أخلع ثيابي إذ لا ينبغي لأحد أن ينظر إلى جسدي» ، فتعجبت من قوله وصرفت بصري حتى دخل الفراش فلما دخلت معه في الفراش إذ بيني وبينه ثوب في غاية اللين وطيب الرائحة كأنه غمس في المسك، فجهدت لأنظر إلى جسده فما كنت أرى شيئا وكنت أفتقده من فراشي مرارا فإذا قمت لأطلبه ناداني ها أنا يا عم فأرجع ولقد كنت أسمع منه مرارا كلاما يعجبني، وذلك عند مضي بعض الليل
وكان يقول في أول الطعام: «باسم الله الأحد» ، فإذا فرغ من طعامه قال: «الحمد لله» ، فتعجبت
стр. 1300
منه، ثم لم أر منه كذبة، ولا ضحكا، ولا جاهلية، ولا وقف مع صبيان يلعبون
وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (٧) أي وجدك خاليا من الشريعة فهداك بإنزالها إليك، وقيل: وجدك ضالا عن عبد المطلب فردك إليه، كما
روي أنه ﷺ قال: «ضللت عن جدي عبد المطلب، وأنا صبي ضائع كاد الجوع يقتلني، فهداني الله»
وروي عن ابن عباس أن النبي ﷺ ضل في شعاب مكة وهو صبي فتعلق عبد المطلب بأستار الكعبة وقال:
يا رب رد ولدي محمدا ... اردده رب واصطنع عندي يدا
فما زال يردد هذا عند البيت حتى أتاه أبو جهل على ناقة ومحمد بين يديه، وهو يقول: لا تدري ماذا ترى من ابنك، فقال عبد المطلب ولم قال: إني أنخت الناقة وأركبته من خلفي فأبت الناقة أن تقوم، فلما أركبته أمامي قامت الناقة، وكانت تقول: يا أحمق هو الإمام فكيف يقوم خلف المقتدي، وقال ابن عباس: رده الله إلى جده بيد عدوه كما فعل بموسى حين حفظه على يد عدوه، وَوَجَدَكَ عائِلًا أي فقيرا كما روي أن في مصحف عبد الله «ووجدك عديما» ، وقرأ اليماني «عيلا» بكسر الياء المشددة كسيد، فَأَغْنى (٨) أي أغناك بالقناعة، فصرت بحال يستوي عندك الحجر والذهب لا تجد في قلبك سوى ربك، وقيل أغناك بمال أبي بكر وبهيبة عمر.
روي أن عمر قال حين أسلم والأصحاب كانوا يعبدون الله سرّا: يا رسول الله ابرز أنعبد نحن اللات جهرا ونعبد الله سرا، فقال ﷺ : «حتى تكثر الأصحاب» فقال: حسبك الله وأنا، فقال تعالى:
حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
[الأنفال: ٦٤] وقيل أغناه الله تعالى بتربية أبي طالب، ولما اختلت أحوال أبي طالب أغناه بمال خديجة، ولما اختل ذلك أغناه بمال أبي بكر، ولما اختل ذلك أمره بالهجرة، وأغناه بإعانة الأنصار، ثم أمره بالجهاد وأغناه بالغنائم، ثم
قال ﷺ : «جعل رزقي تحت ظل رمحي»
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) أي لا تحتقر اليتيم فقد كنت يتيما كما قاله مجاهد، أو فلا تغلبه على ماله، وقرئ «فلا تكهر» أي فلا تعبس وجهك إليه، وروي أن هذه الآية نزلت حين صاح النبي ﷺ على ولد خديجة وإذا كان هذا العتاب بمجرد الصياح أو العبوسة في الوجه، فكيف إذا أذل التيم أو أكل ماله؟ وروي أن موسى ﵇ قال: إلهي بما نلت ما نلت قال الله تعالى: «أتذكر حيث هربت منك السخلة فلما قدرت عليها قلت أتعبت نفسك، ثم حملتها فلهذا السبب جعلتك وليا على الخلق، فلما نال موسى ﵇ النبوة بالإحسان إلى الشاة فكيف بالإحسان إلى اليتيم، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) أي لا تغلظ له القول، بل رده ردا لينا برفق والمراد من السائل. مطلق السائل.
روي أنه ﷺ كان جالسا فجاء عثمان بتمر فوضعه بين يديه، فأراد أن يأكل فوقف سائل بالباب فقال: رحم الله عبدا يرحمنا فأمر بدفعه إلى السائل فكره عثمان ذلك وأراد أن يأكله النبي ﷺ ، فخرج واشتراه من السائل، ثم رجع السائل وكان النبي يعطيه ففعل
стр. 1301
ذلك ثلاث مرات، فقال له النبي ﷺ أسائل أنت أم بائع فنزل
وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ واختار الحسن أن المراد من السائل من يسأل العلم،
وروى الزمخشري أن النبي ﷺ قال: «إذا رددت السائل ثلاثا فلم يرجع فلا عليك أن تزبره»
«١»
وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١) قال مجاهد: تلك النعمة هي القرآن فالتحديث به أن يقرأه ويقرئ غيره، وروي عنه أيضا أن تلك النعمة هي النبوة أي بلّغ ما أنزل إليك من ربك،
وروي عن الحسين بن علي ﵄ أنه قال: إذا عملت خيرا فحدث به إخوانك ليقتدوا بك إلا أن هذا إنما يحسن إذا لم يتضمن رياء، وظن أن غيره يقتدي به،
وروي أن شخصا كان جالسا عند النبي ﷺ فرآه رث الثياب فقال ﷺ : «ألك مال» قال:
نعم، فقال له ﷺ : «إذا آتاك الله مالا فلير أثره عليك»
وروي أنه ﷺ قال: «إن الله جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر النعمة على عبده»
«٢» .
стр. 1302
سورة ألم نشرح
مكية، ثمان آيات، وتسع وعشرون كلمة، ومائة وثلاثة أحرف
يروى عن طاوس وعمر بن عبد العزيز كانا يقولان: هذه السورة وسورة الضحى سورة واحدة، وكان يقرءانهما في الركعة الواحدة وما كانا يفصلان بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم. قال الجمل: ولما ذكر الله تعالى بعض النعم عليه ﷺ بقوله تعالى: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ [الضحى: ٣] إلخ أتبعه بما هو كالتتمة له وهو شرح الصدور فقال: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) قال في نور المقياس:
أَنْقَضَ ظَهْرَكَ
(٣) أي خففنا عنك أعباء النبوة التي تثقل ظهرك من القيام بأمرها والمحافظة على حقوقها بأن يسرها الله عليه ﷺ حتى تيسرت له، وقيل عصمناك عن الوزر الذي يثقل ظهرك، وقيل: لئن كان نزول السورة بعد موت أبي طالب وخديجة فلقد كان فراقهما عليه ﷺ وزرا عظيما، فوضع عنه الوزر برفعه إلى السماء حتى لقيه كل ملك وحياه فارتفع له الذكر فلذلك قال تعالى: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) أي رفع ذكره حيث قرن اسمه باسم الله تعالى في
стр. 1303
كلمة الشهادة والأذان والإقامة، وجعل طاعته من طاعته تعالى وصلى عليه هو وملائكته، وأمر المؤمنين بالصلاة عليه وسمي رسول الله، ونبي الله ولو أن رجلا عبد الله تعالى وصدق بالجنة والنار وكل شيء ولم يشهد أن محمدا رسول الله لم ينتفع بشيء وكان كافرا، فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٦) ف «أل» في «العسر» الأول للعهد الحضوري وفي الثاني للعهد الذكري فالعسر واحد وهو العسر الذي كانوا فيه، فهو هو وتنكير «يسرا» للتفخيم كأنه قيل: إن مع العسر يسرا عظيما ويسرا كاملا فتناول يسر الدارين ولذلك
قال ﷺ : «والذي نفسي بيده لو كان العسر في جحر ضب لتبعه اليسر حتى يخرجه لن يغلب عسر يسرين»
فقوله تعالى: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً تكرير للتأكيد أو عدة مستأنفة بأن العسر مشفوع بيسر آخر، وفي مصحف ابن مسعود جملة واحدة مرة واحدة قال الرازي: والمراد من اليسرين
في قوله ﷺ : «لن يغلب عسر يسرين»
يسر الدنيا ويسر الآخرة وهما استفتاح البلاد، وثواب الجنة وهذه الآية تثبيت لما قبلها، ووعد كريم بتيسير كل عسير له ﷺ وللمؤمنين كأنه قيل خولناك ما خولناك من جلائل النعم فكن على ثقة بفضل الله تعالى ولطفه فإن مع العسر يسرا كثيرا، فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) أي فإذا فرغت من عبادة فأتبعها بعبادة أخرى بأن تواصل بين بعض العبادات وبعض وأن لا تخلي وقتا من أوقاتك منها. قال قتادة والضحاك ومقاتل: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة فاتعب في الدعاء وارغب إلى ربك في المسألة يعطك، وقال الشعبي: إذا فرغت من التشهد فادع لدنياك وآخرتك، وقال مجاهد: إذا فرغت من أمر دنياك فاتعب وصل، وقال عبد الله بن مسعود: إذا فرغت من الفرائض فاتعب في قيام الليل، وقال ابن حبان عن الكلبي: إذا فرغت من تبليغ الرسالة فاتعب واستغفر لذنبك وللمؤمنين، وقال علي بن أبي طلحة: إذا كنت صحيحا فاجعل فراغك تعبا في العبادة، قال عمر بن الخطاب ﵁: إني أكره أن أرى أحدكم فارغا لا في عمل الدنيا ولا في عمل الآخرة، وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨) أي إلى ربك فارفع حوائجك واجعل رغبتك إليه خصوصا ولا تسأل إلا فضله متوكلا عليه، وقرئ «فرغب» أي رغب الناس إلى طلب ما عنده تعالى.
стр. 1304
سورة التين
مكية، ثمان آيات، أربع وثلاثون كلمة، مائة وخمسون حرفا
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) هما ثمران معلومات أقسم الله بهما لما فيهما من المصالح والمنافع، فإن التين فاكهة طيبة لا عجم له وغذاء لطيف سريع الهضم ودواء كثير النفع يلين الطبع ويحلل البلغم، ويسمن البدن، ويفتح سدد الكبد والطحال، ويقطع البواسير والزيتون فاكهة وآدام ودواء، وقال ابن زيد: التين مسجد دمشق والزيتون مسجد بيت المقدس، وقال محمد بن كعب: التين مسجد أصحاب أهل الكهف، والزيتون مسجد إيليا، وعن ابن عباس: التين مسجد نوح المبني على الجودي، والزيتون مسجد بيت المقدس، وقال الضحاك: التين المسجد الحرام، والزيتون المسجد الأقصى، وعن الربيع: هما جبلان بين همذان وحلوان، وقال كعب: التين دمشق والزيتون بيت المقدس، وقال شهر بن حوشب: التين الكوفة والزيتون الشام، وَطُورِ سِينِينَ (٢) وهو جبل ثبير وهو جبل بمدين الذي كلم الله عليه موسى ﵇، وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) وهو مكة فهو أمين من أن يهاج فيه على من دخل فيه. لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) أي كائنا في أحسن ما يكون من تعديل صوره ومعنى فإنه تعالى خلقه مستوي القامة متناسب الأعضاء متصفا بأكمل عقل، وفهم، وعلم، وأدب إذا تكامل شبابه، ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) أي حال كونه أسفل سافلين أي حيث لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلا لضعف بدنه وسمعه وبصره وعقله، فلا يكتب له وقتئذ حسنة أو رددناه مكانا أسفل سافلين، وهو النار، وقرأ عبد الله أسفل «السافلين» معرفا، والسافلون هم الضعفاء والزمنى والصغار فالشيخ الكبير أسفل من هؤلاء جميعا إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) وهذا الاستثناء على القول الأول منقطع، والمعنى: ثم رددناه أسفل ممن سفل بعد ذلك التحسين في أحسن الصورة حيث نكسناه في خلقه فقوس ظهره وضعف بصره، وسمعه، ولكن الذين كانوا صالحين من الهرمى فلهم ثواب دائم أو فلهم أجر غير ممنون به عليهم، أما على القول الثاني فهو متصل من ضمير رددناه فإنه في معنى الجمع
стр. 1305
والمعنى: ثم رددناه أسفل ممن سفل أي أقبح من كل قبيح صورة وأسفل من كل سافل من أهل الدركات، وهم أهل النار إلا الذين كانوا صالحين فلا نردهم أسفل سافلين.
فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) و «ما» اسم استفهام على وجه الإنكار والتعجب والخطاب للإنسان على طريقة الالتفات أي فما الذي يحملك أيها الإنسان على التكذيب بالبعث بعد ظهور هذه الدلالة الناطقة بالجزاء، أي فإن خلق الإنسان من النطفة وتقويمه بشرا سويا وتحويله من حال إلى حال كمالا ونقصانا من أوضح الدلائل على قدرة الله تعالى على البعث والجزاء فمن شاهد تلك الحالة، ثم بقي مصرا على إنكار الحشر فلا شيء أعجب منه وقيل الخطاب للرسول، و «ما» إما اسم استفهام أو بمعنى من أي، فأي شيء يجعلك كاذبا بسبب إنكار الكافر الحساب بعد هذه الدلائل، أو فمن يكذبك بالحساب يا أيها الرسول بعد ظهور هذه الدلائل أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨) يحكم على الكفار بما يستحقونه من العذاب، أو أليس الذي فعل ما ذكر بأتقن الحاكمين صنعا في كل ما خلق حتى يتوهم عدم الإعادة والجزاء، فإن عدم إمكانهما يقدح في القدرة وعدم وقوعهما يقدح في الحكمة، كما قال تعالى: وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا «١» [ص: ٢٧]
وفي الحديث: «من قرأ والتين إلى آخرها فليقل:
بلى وأنا على ذلك من الشاهدين»
أي سواء كان في الصلاة أو خارجها.
стр. 1306
سورة العلق
وتسمى سورة القلم، وسورة اقرأ، مكية، تسع عشرة آية، اثنتان وسبعون كلمة، مائتان وسبعون حرفا
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ أي اقرأ القرآن مفتتحا باسم ربك أي قل باسم الله، ثم اقرأ القرآن الَّذِي خَلَقَ (١) كل شيء خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) أي من دم جامد اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) أي امض لما أمرت به، والحال أن ربك الذي أمرك بالقراءة هو الأكرم الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) أي علم الإنسان الخط بالقلم، وعلم ينصب مفعولين وقال قتادة: القلم نعمة من الله تعالى ولولا ذلك لم يقم دين، ولم يصلح عيش.
روى عبد الله ابن عمرو قال: «قلت يا رسول الله أأكتب ما أسمع منك من الحديث قال: «نعم فاكتب فإن الله تعالى علم بالقلم»
وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تسكنوا نساءكم الغرف ولا تعلموهن الكتابة»
أي حذرا من تطلعهن إلى الرجال، وحذرا من الفتنة لأنهن قد يكتبن لمن يهوين عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) أي علمه بالقلم وبدونه من الأمور الجلية والخفية ما لم يخطر بباله كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) أي حقا يا محمد إن الكافر يتكبر على ربه لأن رأى نفسه مستغنيا عن الله بالمال نزلت الآيات من هاهنا إلى آخر السورة في أبي جهل. روي أن أبا جهل قال لرسول الله ﷺ : أتزعم أن من استغنى طغى فاجعل لنا جبال مكة فضة وذهبا لعلنا نأخذ منها فنطغى فندع ديننا ونتبع دينك، فنزل عليه جبريل ﵇ فقال: يا محمد إن شئت فعلنا ذلك، ثم إن لم يؤمنوا فعلنا بهم ما فعلنا بأصحاب المائدة فكف رسول الله ﷺ عن الدعاء إبقاء عليهم. إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى
(٨) أي إن إلى مالك أمرك رجوع الكل بالموت والبعث، فسترى حينئذ عاقبة تمردك أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلَّى (١٠) و «أرأيت» لحمل المخاطب وهو النبي على التعجب وهي تتعدى إلى مفعولين لأنها بمعنى أخبرني فالمفعول الأول «الذي» والمفعول الثاني محذوف وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد «أرأيت» الثالثة أي أخبرني يا محمد الناهي من يصلي ألم يعلم أن الله يطلع على أحواله فيجازيه بها حتى اجترأ على ما فعل. روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل في ملأ من طغاة قريش: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم، فقالوا: نعم قال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن
стр. 1307
على رقبته ولأعفرن وجهه في التراب، قال: فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي ليطأ على رقبته فنكص على عقبيه وهو يتقي بيديه فقالوا له: ما لك يا أبا الحكم، فقال: إن بيني وبينه لخندقا من نار وهولا وأجنحة فأنزل الله هذه الآية:
أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢) ومفعولا «أرأيت» محذوفان حذف الأول لدلالة المفعول الأول من «أرأيت» الأولى عليه وحذف الثاني لدلالة مفعول «أرأيت» الثالثة عليه وأو بمعنى الواو، والمعنى: أخبرني يا محمد ذلك الناهي إن صار على الهدى وأمر بالتقوى أما كان ذلك خيرا له من الكفر بالله والنهي عن خدمته كأنه تعالى يقول: تلهف يا مخاطب عليه كيف فوت على نفسه المراتب العالية، وقنع بالمراتب الدنيئة، وهو رجل عاقل ذو ثروة لا يليق به ذلك أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (١٤) والجملة الاستفهامية تكون في موضع المفعول الثاني ل «أرأيت» ومفعولها الأول محذوف وهو ضمير يعود إلى الموصول، أو اسم إشارة يشار به إليه أي أرأيته يا محمد إن كذب هذا الكافر بتلك الدلائل الواضحة وأعرض عن خدمة خالقه ألم يعلم يعقله أن الله يرى منه هذه الأعمال القبيحة أفلا ينزجر عنها كَلَّا أي لن يصل أبو جهل إلى ما يقول: إنه يقتل محمدا أو يطأ عنقه، بل تلميذ محمد هو الذي يقتله ويطأ صدره، وهو عبد الله بن مسعود لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ أي والله لئن لم ينته أبو جهل عن أذى النبي ﷺ ، لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) أي لنأخذن الناصية ولنجرن بها إلى النار في الآخرة أو لنقبضن على الناصية في الدنيا روي أن أبا جهل لما قال: إن رأيته يصلي لأطأن عنقه، فأنزل الله تعالى هذه السورة، وأمره جبريل ﵇ بأن يقرأها على أبي جهل ويخر لله ساجدا في آخرها ففعل فعدا إليه أبو جهل ليطأ عنقه فلما دنا منه نكص على عقبيه راجعا فقيل له: ما لك قال: إن بيني وبينه فحلا فاغرا فاه لو مشيت إليه لا لتقمني،
وقال النبي ﷺ : «لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا»
«١»
وروي أنه لما نزلت سورة الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ قال ﷺ لأصحابه: «من يقرؤها منكم على رؤساء قريش» فقام ابن مسعود وقال: أنا يا رسول الله، ثم إنه وصل إليهم فرآهم مجتمعين حول الكعبة فافتتح قراءة السورة، فقام أبو جهل فلطمه فشق أذنه وأدماه فانصرف وعينه تدمع فلما رآه النبي ﷺ رق قلبه وأطرق رأسه مغموما، فإذا جبريل ﵇ يجيء ضاحكا مستبشرا فقال ﷺ : «يا جبريل تضحك وابن مسعود يبكي» فقال: ستعلم فلما ظفر المسلمون يوم بدر التمس ابن مسعود أن يكون له حظ في الجهاد، فقال ﷺ له: «خذ رمحك والتمس في الجرحى من كان به رمق فاقتله فإنك تنال ثواب المجاهدين» فأخذ يطالع القتلى فإذا أبو جهل مصروع يخور فخاف أن يكون به قوة فيؤذيه فوضع الرمح على منخره من بعيد فطعنه فلما عرف عجزه ارتقى إلى صدره بحيلة، فلما رآه أبو جهل قال: يا رويعي الغنم لقد ارتقيت مرتقى صعبا،
стр. 1308
فقال ابن مسعود: الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، فقال له أبو جهل: بلغ صاحبك أنه لم يكن أحد أبغض إلي منه في حياتي، ولا أحد أبغض إلي منه في حال مماتي ثم قال لابن مسعود: اقطع رأسي بسيفي هذا لأنه أحدّ فلما قطع رأسه لم يقدر على حمله فلما لم يطقه شق أذنه وجعل الخيط فيه وجعل يجره إلى رسول الله ﷺ وجبريل بين يديه يضحك، ويقول يا محمد: أذن بأذن، لكن الرأس هاهنا مع الأذن.
وقرئ «لنسفعن» بالنون المشددة فالفاعل لهذا الفعل هو الله والملائكة، وقرأ ابن مسعود لأسفعن أي يقول الله: يا محمد أنا الذي أتولى إهانة أبي جهل ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ في قولها خاطِئَةٍ (١٦) في فعلها لأن صاحبها متمرد على الله تعالى لأنه كان كاذبا على الله تعالى في قوله:
إنه تعالى لم يرسل محمدا وكاذبا على رسوله في قوله: إن محمدا ساحر، أو كذاب، أو ليس بنبي، و «ناصية» بدل من الناصية، وقرئ «ناصية» بالرفع والتقدير هي ناصية، وقرئ ناصية بالنصب وكلاهما على الشتم، فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) أي أهل مجلسه الذين يجتمعون فيه للتشاور، أو لأنه مجلس العطاء والجود سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) هم الملائكة الغلاظ الشداد كما قاله الزجاج.
قال ابن عباس: كان النبي ﷺ يصلي فجاء أبو جهل فقال: ألم أنهك عن هذا فزبره النبي ﷺ ، فقال أبو جهل: والله إنك لتعلم بأني أكثر أهل الوادي ناديا فأنزل الله تعالى فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله فكأنه تعالى لما عرفه أنه مخلوق من علق فلا يليق به التكبر، فهو عند ذلك ازداد تعززا بماله ورئاسته في مكة، ويروى أنه قال: ليس بمكة أكرم مني، وروي أن النبي ﷺ لما قرأ هذه السورة وبلغ إلى قوله تعالى: لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ قال أبو جهل: أنا أدعو قومي حتى يمنعوا عني ربك. قال الله تعالى: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ فلما ذكر الزبانية رجع فزعا فقيل له: خشيت منه قال: لا، ولكن رأيت عنده فارسا وهددني بالزبانية فلا أدري الزبانية، ومال إلى الفارس فخشيت منه، وقيل: كان جبريل وميكائيل ﵉ على كتفيه ﷺ في صورة الأسد قال ابن عباس ﵄: والله لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته معاينة، وقرئ «ستدعى الزبانية» على المجهول أي ليجروه إلى النار كَلَّا أي لن يصل أبو جهل إلى ما يتصلف به من أنه يدعو قومه لا تُطِعْهُ أي أبا جهل فيما يأمرك به من ترك الصلاة، بل دم على ما أنت عليه من مخالفته وَاسْجُدْ أي صل وتوفر على عبادة الله تعالى فعلا وإبلاغا، وقلل فكرك في هذا العدو، فإن الله مقويك وناصرك وَاقْتَرِبْ (١٩) أي ابتغ بسجودك قرب المنزلة من ربك.
стр. 1309
سورة القدر
مدنية، قال الواحدي: إنها أول سورة نزلت بالمدينة، خمس آيات، ولاثون كلمة، مائة وأحد وعشرون حرفا
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) أي إنا أنزلنا القرآن جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ على كتبة ملائكة سماء الدنيا إلى بيت العزة منها، ثم نجمته السفرة على جبريل فكان جبريل ينزله على رسول الله ﷺ نجوما في ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع، والحاجة إليه ومعنى القدر التقدير، وسميت ليلة القدر بذلك لأن الله تعالى يقدر فيها ما يشاء من أمره إلى مثلها من السنة القابلة من أمر الموت، والأجل، والرزق وغير ذلك، ويسلمه إلى مدبرات الأمور وهم أربعة من الملائكة: إسرافيل، وميكائيل، وعزرائيل، وجبريل ﵈، والجمهور على أنها مختصة برمضان واختلفوا في تعيينها، وقال بعضهم: إنها ليلة السابع والعشرين
لأن فيها أمارات ضعيفة منها: ما روي أن عمر سأل الصحابة عن ليلة القدر، ثم قال لابن عباس: غص يا غواص، فقال زيد بن ثابت: أحضرت أولاد المهاجرين، وما أحضرت أولادنا فقال عمر: لعلك تقول إن هذا غلام، ولكن عنده ما ليس عندكم، فقال ابن عباس: أحب الإعداد إلى الله تعالى الوتر وأحب الوتر إليه السبعة فذكر السموات السبع، والأرضين السبع، والأسبوع، ودركات النار، وعدد الطواف، والأعضاء السبعة فدل ذلك العدد على أنها السابعة والعشرون ومنها قول ابن عباس: إن هذه السورة ثلاثون كلمة، وقوله تعالى: هِيَ هو سابع وعشرون ومنها ما نقل عن ابن عباس أنه قال: ليلة القدر تسعة أحرف وهو مذكور ثلاث مرات فتكون الجملة سبعة وعشرين، ومنها ما روي أنه كان لعثمان بن أبي العاص عبد فقال: يا مولاي إن البحر يعذب ماؤه ليلة من الشهر، قال: إذا كانت تلك الليلة فاعلمني فإذا هي السابعة والعشرون، وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) أي ما غاية فضلها ومنتهى علو قدرها، ثم بين الله فضلها من ثلاثة أوجه، أو أربعة بقوله تعالى: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) وهي ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر أي إن العبادة فيها خير من العبادة في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر. قال مجاهد: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح، ثم يجاهد حتى يمسي فعل ذلك ألف شهر فتعجب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
стр. 1310
والمسلمون من ذلك، فأنزل الله هذه الآية أي ليلة القدر لأمتك خير من ألف شهر لذلك الإسرائيلي الذي حمل السلاح ألف شهر، وقيل كان ملك سليمان خمسمائة شهر، وملك ذي القرنين خمسمائة شهر، فجعل الله تعالى العمل في هذه الليلة لمن أدركها خيرا من ملكهما، وقال الحسن بن علي ﵄: إن رسول الله ﷺ رأى في منامه إن بني أمية يطئون منبره ﷺ واحدا بعد واحد، وفي رواية ينزون على منبره نزو القردة، فشق ذلك عليه ﷺ فأنزل الله هذه السورة، ثم قال القاسم بن فضل: فحسبنا ملك بني أمية فإذا هو ألف شهر فكأن الله تعالى يقول:
أعطيتك يا أشرف الخلق ليلة هي في السعادات الدينية أفضل من السعادات الدنيوية في أيام ملك بني أمية، ومن المعلوم أن الطاعة في ألف شهر أشق من الطاعة في ليلة واحدة لكن الفعل الواحد قد يختلف حاله في الحسن والقبح بسبب اختلاف الوجوه. ألا ترى أن صلاة الجماعة تفضل على صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة مع أن صلاة الجماعة قد تنقص صورة فإن المسبوق سقطت عنه ركعة واحدة وأيضا فأنت إذا قلت لمن يرجم بالزنا هذا زان فلا بأس، ولو قلته للنصراني فهو قذف يوجب التعزير ولو قلته للمحصن فهو قذف يوجب الحد، ولو قلته في حق عائشة كان ذلك القول كفرا، ثم القائل بقوله: هذا زان قد ظن أن هذه اللفظة سهلة مع أنها أثقل من الجبال، فثبت بهذا أن الأفعال تختلف آثارها في الثواب والعقاب لاختلاف وجوهها فلا يبعد أن تكون الطاعة القليلة في الصورة مساوية في الثواب للطاعات الكثيرة. تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) روي أنه إذا كان ليلة القدر تنزل الملائكة، وهم سكان سدرة المنتهى، وجبريل ومعه أربعة ألوية فينصب لواء على قبر النبي ﷺ ، ولواء على ظهر بيت المقدس، ولواء على ظهر المسجد الحرام، ولواء على ظهر طور سيناء ولا يدع بيتا فيه مؤمن أو مؤمنة إلا دخله وسلم عليه يقول: يا مؤمن أو يا مؤمنة السلام يقرئكم السلام إلا على مدمن خمر، وقاطع رحم، وآكل لحم خنزير، وقوله: بإذن ربهم متعلق ب «تنزّل» أو بمحذوف هو حال من فاعله أي متلبسين بأمر ربهم فإنهم لا يتصرفون تصرفا ما إلا بأمره، وقوله: «من كل أمر» متعلق ب «تنزّل» أي تنزل أولئك في تلك الليلة من أجل كل أمر قضاه الله تعالى لتلك السنة إلى عام قابل، فكل واحد منهم نزل لأمر آخر.
عن النبي ﷺ إنه قال: «إن الله يقدر المقادير في ليلة البراءة»
أي وهو نصف شعبان فإذا كان ليلة القدر يسلمها إلى أربابها، وقرئ «من كل امرئ» أي من أجل كل إنسان فإن الملائكة يرون في الأرض أنواع الطاعات التي لم يروها في عالم السموات. سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥) ف «سلام» خبر مقدم و «هي» مبتدأ مؤخر أي تلك الليلة سالمة عن الرياح والأذى والصواعق، ومن كل آفة كما قاله أبو مسلم، وابن عباس و «حتى» متعلق ب «تنزّل» أي أن الملائكة ينزلون فوجا فوجا من ابتداء الليل إلى طلوع الفجر فترادف النزول لكثرة سلامهم على أهل الصوم
стр. 1311
والصلاة من أمة محمد ﷺ تلك الليلة، وقيل: إن «حتى» متعلق ب «سلام» بناء على إن الفصل بين المصدر ومعموله بالمبتدأ مغتفر في الجار والمجرور أي إن ليلة القدر سلام إلى طلوع الفجر أي تسليم الملائكة على المطيعين، ويقال: إن ليلة القدر من أولها إلى طلوع الفجر سالمة من التفاوت والنقصان، فإن العبادة في كل جزء من أجزاء أوقاتها خير من ألف شهر، فليست ليلة القدر كسائر الليالي في أنه يستحب للفرض الثلث الأول وللتطوع النصف وللدعاء السحر، بل هي متساوية الأوقات، وقيل: إن الوقف عند قوله تعالى: سَلامٌ فقوله تعالى: من كل أمر متعلق به وقوله: سَلامٌ خبر بعد خبر كقوله: تَنَزَّلُ وقوله تعالى: هِيَ مبتدأ وخبره ما بعده، والمعنى كما قاله ابن عباس: ليلة القدر سلامة من كل أمر مخوف، ومن كل شرور، وفضلها مستمر إلى طلوع الفجر، وقرأ الكسائي «مطلع» بكسر اللام.
стр. 1312
سورة البيّنة
وتسمى سورة لم يكن وسورة القيمة، وسورة البرية، وسورة منفكين، مدنية، ثمان آيات، أربع وتسعون كلمة، ثلاثمائة وتسعون حرفا
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أي اليهود والنصارى وَالْمُشْرِكِينَ أي عبدة الأصنام مُنْفَكِّينَ عن كفرهم حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) وهي الرسول وسمي بالبينة لأن مجموع الأخلاق الحاصلة فيه كان بالغا إلى حد كمال الإعجاز أي أن الكفار من الفريقين كانوا يقولون قبل مبعث محمد ﷺ لا ننفك عما نحن عليه من ديننا ولا نتركه حتى يبعث النبي الموعود الذي هو مكتوب في التوراة، والإنجيل وهو محمد ﵇ فحكى الله تعالى ما كانوا يعدون اجتماع الكلمة، والاتفاق على الحق إذا جاءهم الرسول، ثم ما أقرهم على الكفر إلا مجيء الرسول، وقيل: إن تقدير الآية لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم وإلى أن جاءتهم البينة أي التي كانت ذاته بينة على نبوته، وقيل: المعنى لم يكن الذين كفروا منفكين عن ذكر محمد بالمناقب والفضائل حتى أتاهم بيان ما سبق ذكره في التوراة والإنجيل على لسان موسى وعيسى من صفات محمد ﷺ .
وقرئ «والمشركون» عطفا على الموصول رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ بالرفع بدل كل من كل من البينة، وقرأ عبد الله «رسولا» بالنصب حالا من «البينة» يَتْلُوا صُحُفاً أي كتبا مُطَهَّرَةً (٢) أي منزهة عن الباطل فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) أي في تلك الكتب أحكام مستقيمة تبين الحق من الباطل، وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) أي وما اختلفوا في وقت من الأوقات إلا من بعد ما جاءتهم الحجة الواضحة الدالة على أن رسول الله ﷺ هو الموعود في كتابهم دلالة جلية، وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ و «الواو» للحال و «اللام» بمعنى الباء أي والحال أن هؤلاء الكفار ما أمروا في التوراة، والإنجيل إلا بأن يعبدوا الله جاعلين عبادتهم خالصة له تعالى لا يريدون رياء ولا سمعة، وقرأ عبد الله «إلا أن يعبدوا الله» بإبدال «اللام» ب «أن» حُنَفاءَ أي مائلين عن جميع العقائد الزائغة إلى الإسلام، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) أي وذلك المذكور من عبادة الله بالإخلاص وإقام الصلاة، وإعطاء الزكاة دين المستقيم و «الهاء» هاهنا قافية السورة، وقرئ الدين القيمة إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ
стр. 1313
وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها
وبدأ الله بأهل الكتاب لأنهم كانوا يطعنون في نبوته ﷺ فجنايتهم أعظم لأنهم أنكروا مع العلم به وأيضا إنه ﷺ كان يقدم حق الله على حق نفسه فكأنه تعالى قال له: كما قدمت حقي على حقك فأنا أقدم حقك على حق نفسي فمن ترك الصلاة طول عمره لا يكفر ومن طعن في شعرة من شعراتك يكفر فأهل الكتاب طعنوا في الرسول والمشركون طعنوا في الله أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) أي الخليقة فهم شر من السراق لأنهم سرقوا من كتاب الله صفة محمد ﷺ وشر من قطاع الطريق لأنهم قطعوا طريق الحق على الخلق وشر من الجهال الأجلاف لأن الكبر مع العلم يكون كفر عناد فيكون أقبح إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) قرأ نافع، وابن ذكوان «البريئة» بالهمز في الموضعين، والباقون بياء مشددة جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ معدن النبيين والمقربين تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي الأربعة وهي الخمر، والماء، والعسل، واللبن خالِدِينَ فِيها أَبَداً و «خالدين» حال من مقدر فعامله
محذوف أي دخلوها، ولا يجوز أن يكون حالا من «هم» في جزاؤهم لئلا يلزم الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي وقوله: عِنْدَ رَبِّهِمْ حال من «جزاؤهم» أو ظرف له و «أبدا» منصوب ب «خالدين» .
لطيفة: قال بعض الفقهاء: لو قال لفلان: علي كذا فهو إقرار بالدين، ولو قال: لا شيء لي على فلان، فهذا يختص بالديون، وله أن يدعي الوديعة، ولو قال: لا شيء لي عند فلان انصرف إلى الوديعة دون الدين، ولو قال: لا شيء لي قبل فلان انصرف إلى الدين والوديعة معا إذا عرفت هذا، فقوله: عِنْدَ رَبِّهِمْ يفيد انه وديعة والوديعة عين، وهو أشرف من الدين ﵃ بأن يعظمهم ويمدحهم فإن الرضا عن العامل غير الرضا بعمله، وَرَضُوا عَنْهُ أي فرحوا بما جازاهم من الثواب وبما أعطاهم من أنواع الكرامات. ذلِكَ أي المذكور من الجزاء والرضوان لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨) وصاحب الخشية هو العالم بشئون الله تعالى، فإن الخشية مناط لجميع الكمالات العلمية والعملية المستتبعة للسعادة الدينية والدنيوية.
стр. 1314
سورة الزلزلة
مدنية، تسع آيات، خمس وثلاثون كلمة، مائة وتسعة وأربعون حرفا
إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) أي إذا تحركت الأرض حركة شديدة فانكسر ما عليها من الشجر والجبال والبنيان، وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) أي أحمالها من الأموال، أو الأموات، ثم إن كان المراد من هذه الزلزلة الزلزلة الأولى فالمعنى: أخرجت الأرض الكنوز في زمن بعد عيسى، أو عند النفخة الأولى، فيمتلئ ظهر الأرض ذهبا ولا يلتفت أحد إليه، فكأن الذهب يصيح ويقول: إما كنت تخرب دينك ودنياك لأجلي، وإن كان المراد منها الزلزلة الثانية عند النفخة الثانية، فالمعنى: أخرجت الأرض الموتى أحياء كالخروج من الأم وقت الولادة، أو لفظتهم ميتين كما دفنوا، ثم يحييهم الله تعالى، وذلك على الخلاف بين العلماء، وَقالَ الْإِنْسانُ أي الكافر بطريق التعجب والمؤمن بطريق الاستعظام ما لَها (٣) أي أي شيء ثبت للأرض تزلزلت بهذه الزلزلة الشديدة ولفظت ما في بطنها يَوْمَئِذٍ أي يوم إذ كان ما ذكر، وهو بدل من إذا تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤) جواب إذا.
وقرأ ابن مسعود «تنبئ أخبارها» ، وقرأ سعيد بن جبير «تنبي» بسكون النون بأن يجعل الله الأرض عاقلا ناطقا، ويعرفها جميع ما عمل أهلها فحينئذ تشهد لمن أطاع وعلى من عصى بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) و «الباء» إما سببية متعلق ب «تحدّث» أي تحدث الأرض أخبارها بسبب أمره تعالى إياها بالتحديث بأخبارها، وإما تعدية ل «تحدّث» فتكون هذه الجملة بدلا من «أخبارها» فالمعنى: تحدث الأرض بأخبارها بأن ربك أذن لها في الكلام يَوْمَئِذٍ منصوب ب «يصدر» أي يوم إذ يقع ما ذكر يَصْدُرُ النَّاسُ من قبورهم إلى موقف الحساب أَشْتاتاً أي فرقا فرقا فريق يذهب إلى الموقف راكبا مع الثياب الحسنة أبيض الوجه والمنادي بين يديه ينادي هذا ولي الله، وفريق يذهب إليه حافيا عاريا مع السلاسل والأغلال أسود الوجه والمنادي ينادي بين يديه هذا عدو الله. لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (٦) بضم الياء أي ليريهم الله تعالى أعمالهم مكتوبة في الصحائف وهي توضع بين أيديهم والمرئي هو الكتاب، وقرئ «ليروا» بفتح الياء، وهو مروي عن النبي ﷺ ، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ أي وزن نملة صغيرة خَيْراً يَرَهُ (٧) قال أحمد بن
стр. 1315
كعب القرظي: فمن يعمل مثقال ذرة من خير وهو كافر فإنه يرى ثواب ذلك في الدنيا حتى يلقى الآخرة، وليس له فيها شيء، ومن يعمل مثقال ذرة من شر من مؤمن يرى عقوبته في الدنيا في نفسه، وماله، وأهله، وولده حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله تعالى شر، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ أي ميزان أصغر النمل شَرًّا يَرَهُ (٨) قال ابن عباس: ليس من مؤمن، ولا كافر عمل خيرا، أو شرا إلا أراه الله إياه، فأما المؤمن فيغفر الله سيئاته، ويثيبه بحسناته، وأما الكافر فترد حسناته ويعذب بسيئاته، وقوله تعالى: خَيْراً وشَرًّا منصوبان على التمييز من «مثقال» أو على البدل من «مثقال» ، و «يره» جواب الشرط مجزوم بحذف الألف، وقرأ ابن عباس، والحسين بن علي، وزيد بن علي، وكذا عاصم في رواية «يره» مبنيا للمفعول، وقرأ عكرمة «يراه» بالألف.
стр. 1316
سورة والعاديات
مكية، إحدى عشرة آية، أربعون كلمة، مائة وثلاثة وستون حرفا
وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) أي والخيل الجارية بشدة في الغزو تصوت أنفاسهن من الجري، والضبح صوت يسمع من صدور الخيل عند شدة الجري، وليس بصهيل، ولا حمحمة، بل هو صوت نفس، وقال علي ﵁ وكرم وجهه: أي وإبل الحاج الجارية من عرفة إلى مزدلفة، ومن مزدلفة إلى منى تمد أعضاءها في سيرها، و «ضبحا» حال بمعنى اسم الفاعل، فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) أي فالخيل التي تطأ الخصي صاكات بحوافرها ما يخرج النار كنار حباحب وهو رجل من العرب أبخل الناس الذي في العساكر لا يوقد نارا حتى ينام الناس، ثم يوقدها فإذا انتبه أحد أطفأها لئلا ينتفع بها أحد فشبهت هذه النار التي تنقدح من حوافر الخيل بتلك النار التي لم يكن فيها نفع، أو يقال فالجماعة الذين يركبون الإبل وهم الحجيج الموقدون نيرانهم بالمزدلفة، فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) أي فالجماعة الذين يركبون الخيل الذين يهجمون على الأعداء للنهب، أو للقتل في وقت صبح لير، وإما يأتون وما يذرون، أو فالجماعة الذين يندفعون من جمع إلى منى ركبانا بإسراع السير صبيحة يوم النحر فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (٥) أي فهيجن في وقت الصبح، أو بالجري غبارا، أو فهيجن في المغار صباحا، فتوسطن في ذلك الوقت أو بالغبار جمعا من جموع الأعداء.
وقرأ أبو حيوة «فأثرن» بالتشديد أي أظهرن بجريهن غبارا وقرئ «فوسطن» بالتشديد أي جعلن جمع الأعداء في ذلك الوقت، أو في ذلك المكان، أو بجريهن، أو بالغبار في الوسط، أو قطعن جمع الأعداء نصفين. روي أنه ﷺ بعث خيلا فمضى شهر لم يأته منهم خبر، فنزلت هذه الآيات، وعن محمد بن كعب قال: النقع ما بين مزدلفة ومنى الجمع مزدلفة، فالمعنى: فتحركن وقت الصبح أو بالجري في وادي محسر فصرن بجريهن وسط مزدلفة، أو يكون المعنى: فأظهرن في ذلك الوقت أو في جريهن صباحا بالتلبية فجعلن مزدلفة بجريهن في الوسط ويتأكد حمل الآيات على الإبل، أو مع خيول الحجاج بما
روى أبي في فضل هذه السورة مرفوعا: «من قرأها أعطي من الأجر بعدد من بات بالمزدلفة وشهد جمعا»
إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) أي إن طبع
стр. 1317
جنس الإنسان لكفور بنعمة ربه كما قاله ابن عباس وغيره، وهذا بلسان ربيعة ومضر أو لربه لوّام فيعد المصائب، والمحن، وينسى النعم، والراحات كما قاله الحسن، ويقال: عاص بربه بلسان حضرموت، ويقال: بخيل بلسان بني مالك بن كنانة، وقيل: المراد بالإنسان الكافر كما قال ابن عباس: إن هذه الآية نزلت في قرط بن عبد الله بن عمرو بن نوفل القرشي، وقيل: في أبي حباحب أي وهما كافران وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) أي وإن الرب تعالى على ذلك الصنع لشهيد حافظ، وَإِنَّهُ أي الإنسان لِحُبِّ الْخَيْرِ أي المال لَشَدِيدٌ (٨) أي قوي ولطلبه مطيق أو إن الإنسان وهو قرط أو أبو حباحب لأجل حب المال لبخيل ممسك، أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) أي أفلا يعلم الإنسان قرط، أو أبو حباحب في الدنيا أنه تعالى يجازيه إذا أخرج ما في القبور من الأموات، والعامل في «إذا» ما دل عليه قوله تعالى: إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ومعنى علم الله بهم يوم القيامة مجازاته لهم، وأتى ب «ما» لأن غير المكلفين الذين في الأرض أكثر، وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) أي بين ما في القلوب من الكفر، والإيمان، والبخل والسخاوة.
وقرئ «حصل» مبنيا للفاعل ومخففا أي ظهر ما في القلوب من الأسرار الخفية.
إِنَّ رَبَّهُمْ أي الإنسان بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١) وقوله تعالى: بِهِمْ ويَوْمَئِذٍ متعلقان ب «خبير» وجمع الضمير العائد إلى الإنسان اعتبارا بمعناه لأنه اسم جنس أي أفلا يعلم
الإنسان أن ربهم عالم بهم يجازيهم في يوم البعث فلا حاكم يروج حكمه، ولا عالم تروج فتواه يومئذ إلا هو، وقرأ أبو السمال «أن ربهم بهم يومئذ خبير» بفتح همزة «أن» وإسقاط اللام من «لخبير» .
سورة القارعة
مكية، عشر آيات، ست وثلاثون كلمة، مائة واثنان وخمسون حرفا
الْقارِعَةُ (١) أي الصيحة التي تقرع القلوب مَا الْقارِعَةُ (٢) أي أي شيء عجيب هي في الفخامة والفظاعة، وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣) أي وأي شيء أعلمك يا أشرف الرسل ما شأن القارعة. يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ و «يوم» مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف وحركته الفتح لإضافته إلى الفعل وإن كان مضارعا كما هو رأي الكوفيين أي هي يوم يكون الناس فيه
стр. 1318
كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤) أي المفرق فالله تعالى شبه الناس في وقت البعث بالفراش المنشور في الكثرة، والتطاير إلى الداعي لأنهم لما بعثوا يموج بعضهم في بعض كالفراش، وهو الحيوان الذي يتهافت في النار وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) أي وتصير الجبال كالصوف الذي ينفش باليد في تفرق أجزائها وتطايرها في الجو، فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) أي فمن ترجحت مقادير حسناته، فهو في عيشة ذات رضا يرضاها صاحبها أي فهو في الجنة بغير حساب أما من استوت حسناته وسيئاته فيحاسب حسابا يسيرا، وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) أي وأما من طاشت حسناته فترجحت السيئات على الحسنات فأم رأسه نازلة في النار أي فيهوى في النار على هامته، ثم إن كان مؤمنا فإما أن يعذب بقدر ذنوبه، ثم يخرج منها إلى الجنة، وإما أن يشفع فيه، وإن كان كافرا فيخلد في النار. وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) أي وأي شيء أعلمك يا أكرم الرسل ما هاويه والهاء للسكت.
وقرأ حمزة في الوصل بغير هاء ووقف بها، والباقون بإثباتها وصلا ووقفا لأنها ثابتة في المصحف نارٌ حامِيَةٌ (١١) أي هي نار متناهية حرها فسائر النيران بالنسبة إليها كأنها ليست حارة نعوذ بالله منها ومن جميع أنواع العذاب.
سورة التكاثر
مكية، ثمان آيات، ثمان وعشرون كلمة، مائة وعشرون حرفا
أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) أي شغلكم التغالب بالمناقب وبكثرة المال وعدد الرجال والتباهي بذلك عن التدبير في أمر القارعة والاستعداد لها قبل الموت.
روي أن بني عبد مناف وبني سهم تفاخروا بالأشراف في الإسلام، فقال كل من الفريقين: نحن أكثر منكم سيدا، وأعز عزيزا، وأعظم نفرا، فكثرهم بنو عبد مناف، فقال بنو سهم: إن البغي أفنانا في الجاهلية، فعدوا أحياءنا، وأحياءكم، وأمواتنا، وأمواتكم ففعلوا فكثرهم بنو سهم فنزلت فيهم هذه السورة. وروى مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه أنه ﷺ كان يقرأ أَلْهاكُمُ وقال ابن آدم يقول:
«مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت» .
وقرئ «أألهاكم» على الاستفهام التقريري حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) أي حتى أتاكم الموت
стр. 1319
فصرتم في المقابر زوارا تسيرون عنها إلى مكان الحساب. يقال لمن مات: قد زار قبره، وإنما يقال ذلك لأنه لا بد له من انتقال عنها إلى منزله من جنة أو نار. كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) أي حقا سوف تعلمون عند الموت حين يقال لكم لا بشرى وفي وقت سؤال القبر، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) عند النشور حين ينادي المنادي فلان شقي شقاوة لا سعادة بعدها أبدا، وحين يقال وامتازوا اليوم. كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) وجواب لَوْ محذوف أي حقا لو علمتم لأي أمر خلقتم لاشتغلتم به وما تفاخرتم في الدنيا، ويقال: إن المعنى لو تعلمون علم الموت وما يلقى الإنسان معه وبعده في القبر وفي الآخرة لم يلهكم التفاخر عن ذكر الله. لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) وهذا جواب قسم محذوف أي والله لترون عذاب الجحيم فإنها يراها المؤمنون أيضا فكان الوعيد في رؤية عذابها لا في رؤية نفسها.
وقرأ ابن عامر، والكسائي بضم التاء أي أنهم يحشرون إلى الجحيم فيرونها، ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) أي ثم لترون نفس الجحيم بعين اليقين فإنهم في المرة الأولى رأوا لهبا لا غير، وفي المرة الثانية رأوا نفس الحفرة وكيفية السقوط فيها وما فيها من الحيوانات المؤذية، ولا شك أن هذه الرؤية أجلى، والحكمة في النقل من العلم الأخفى إلى الأجلى، التقريع على ترك النظر لأنهم كانوا يقتصرون على الظن ولا يطلبون الزيادة، ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ أي يوم رؤية الجحيم عَنِ النَّعِيمِ (٨) في الدنيا فسؤال المؤمن سؤال تشريف وتبشير بأن يجمع له بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة لأنه شكر النعم، وسؤال الكافر توبيخ وتقريع لأنه ترك الشكر حيث قابل نعيم الدنيا بالكفر والعصيان،
وروى الحاكم في الحديث: «ألا يستطيع أحدكم أن يقرأ ألف آية في كل يوم» قالوا: ومن يستطيع أن يقرأ ألف آية قال: «أو ما يستطيع أحدكم أن يقرأ ألهاكم التكاثر»
«١» .
سورة والعصر
مكية، ثلاث آيات، أربع عشرة كلمة، ثمانية وستون حرفا
وَالْعَصْرِ (١) أي الدهر أقسم الله به لأنه مشتمل على الأعاجيب لأنه يحصل فيه السراء، والضراء، والصحة، والسقم، والغنى، والفقر، بل فيه ما هو أعجب من كل عجيب، أو هو
стр. 1320
العشي أقسم تعالى بالعصر كما أقسم بالضحى، فإن كل عشية تشبه تخريب الدنيا بالموت وكل بكرة تشبه القيامة يخرجون من القبور وتصير الأموات أحياء، وقال الحسن: إنما أقسم الله بهذا الوقت تنبيها على أن الأسواق قد دنا وقت انتهائها، وقرب وقت انتهاء التجارة فيها، أو هو صلاة العصر أقسم الله بها لفضلها.
روي أن امرأة كانت تصيح في سكك المدينة وتقول: دلوني على النبي ﷺ فرآها رسول الله ﷺ فسألها ماذا حدث فيك قالت: يا رسول الله إن زوجي غاب عني فزنيت فجاءني ولد من الزنا، فألقيت الولد في دن من الخل حتى مات، ثم بعنا ذلك الخل فهل لي من توبة، فقال ﷺ :
«أما الزنا فعليك الرجم، وأما قتل الولد فجزاؤه جهنم، وأما بيع الخل فقد ارتكبت كبيرا، لكن ظننت أنك تركت صلاة العصر»
ففي هذا الحديث إشارة إلى تفخيم أمر هذه الصلاة.
إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) أي لفي غبن في مساعيهم وصرف أعمارهم في مباغيهم أو في نقصان عمله بعد الهرم والموت إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فإنهم في تجارة لن تبور حيث استبدلوا الباقيات الصالحات بالغاديات الرائحات، وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ أي تحاثوا بكل ما حكم الشرع بصحته من علم وعمل وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣) أي تحاثوا بالصبر على أداء فرائض الله واجتناب معاصيه وعلى المرازي.
سورة الهمزة
مكية، تسع آيات، أربع وثمانون كلمة، مائة وإحدى وستون حرفا
وَيْلٌ أي شدة عذاب أو واد في جهنم من قيح ودم لِكُلِّ هُمَزَةٍ أي مغتاب للناس من خلفهم لُمَزَةٍ (١) أي طعان في وجوههم نزلت هذه الآية في أخنس بن شريق، فإنه كان يلمز الناس ويغتابهم وخاصة رسول الله ﷺ كما قاله عطاء، والكلبي، والسدي، أو في الوليد بن المغيرة كان يغتاب النبي ﷺ من ورائه، ويطعن عليه في وجهه كما قاله مقاتل وجريج، أو في أبي بن خلف كما قاله عثمان بن عمر أو في أمية بن خلف كما قاله محمد بن إسحاق، أو في جميل بن فلال كما قاله مجاهد الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ (٢) أي أحصاه، وقال الأخفش أي جعله ذخيرة لحوادث الدهر. وقال الضحاك أي أعد ماله لمن يرثه من أولاده، وقيل: أي فاخر بكثرة عدد.
стр. 1321
وقرأ حمزة، والكسائي، وابن عامر جمع بتشديد الميم على التكثير، وقرأ الحسن، والكلبي و «عدده» بتخفيف الدال وهو معطوف على مالا أي وجمع المال، وعدد ذلك المال، أو وجمع عدد نفسه من أقاربه وعشيرته الذين ينصرونه، وقيل: هو فعل ماض بفك الإدغام يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) أي يظن الكافر أن ماله جعله خالدا في الدنيا لا يموت لطول أمله ولفرط غفلته، ويعتقد أنه إن نقص ماله يموت لبخله.
قال الحسن: ما رأيت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه كالموت، وقيل يظن أن المال يخلد صاحبه في الدنيا بالذكر الجميل وفي الآخرة في النعيم المقيم، وهذا تعريض بالعمل الصالح. كَلَّا أي ليس الأمر كما يظن أن المال يخلده، بل العلم، والصلاح وعلى هذا يجوز الوقف هنا أو بمعنى حقا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) أي والله ليطرحن في النار التي تحطم كل من وقع فيها أي تكسره.
وقرئ «لينبذان» بالمثنى أي هو وماله، وقرئ «لينبذن» بضم الذال أي هو وأنصاره وذلك لأن شأنه كسر أعراض الناس فإن الجزاء من جنس العمل، وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) التي هي جزاء الهمزة اللمزة نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) أي التي لا تخمد أبدا بقدرته تعالى الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) أي التي تعلو وسائط القلوب، فإنها محل العقائد الزائغة ومنشأ الأعمال السيئة إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) أي مطبقة أو مغلقة فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩) أي حال كونهم موثقين في عمد ممددة مثل المقاطر التي تقطر فيها اللصوص اللهم أجرنا منها يا أكرم الأكرمين، والعمود كل مستطيل من خشب، أو حديد.
وقرأ حمزة، والكسائي، وشعبة «عمد» بضمتين جمع عمود أو عماد. وروي عن أبي عمر والضم والسكون، وقرأ الباقون بفتحتين وهو على القراءتين جمع كثرة لعمود.
стр. 1322
سورة الفيل
مكية، خمس آيات، ثلاث وعشرون كلمة، ستة وتسعون حرفا
أَلَمْ تَرَ أي ألم تخبر يا أشرف الخلق، أو ألم تعلم علما رصينا باستماع الأخبار المتواترة ومعاينة الآثار الظاهرة كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) قال قتادة: إن قائد الجيش اسمه أبرهة الأشرم من الحبشة، فقال سعيد بن جبير: هو أبو الكيشوم أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) والهمزة للتقرير أي قد جعل ربك كيدهم في تخريب الكعبة في إبطال بأن دمرهم أشنع تدمير، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ (٣) أي طوائف.
روى ابن سيرين عن ابن عباس قال: كانت تلك الطير طيرا لها خراطيم كخراطيم الفيل، وأكف كأكف الكلاب، وروى عطاء عنه قال: طير سود جاءت من قبل البحر فوجا فوجا، وقيل:
كانت بلقاء كالخطاطيف كما قالته عائشة، وقال سعيد بن جبير: كانت طيرا من السماء لم ير قبلها ولا بعدها مثلها.
وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
إنها طير بين السماء والأرض تعشش وتفرخ
تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) أي طين متحجر مصنوع للعذاب، وقيل بحجارة من جهنم فإن سجين اسم من أسماء جهنم، فأبدلت النون باللام فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥) أي كورق زرع أكلته الدود، روي أن أبرهة بن الصباح الأشرم ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي بنى كنيسة بصنعاء وسماها القليس، وأراد أن يصرف ليها الحاج، فخرج من بني كنانة رجل وتغوط فيها ليلا فأغضبه ذلك فحلف ليهدمنّ الكعبة فخرج مع جيشه، ومعه فيل اسمه محمود كان قويا عظيما واثنا عشر فيلا غيره فلما بلغ قريبا من مكة وهو المغمس وهو في أرض الحل قريب من عرفة خرج إليه عبد المطلب وعرض عليه ثلث أموال تهامة ليرجع، فأبى وعبأ جيشه وقدم الفيل محمودا فكانوا كلما وجهوه إلى جهة الحرم برك ولم يبرح، وإذا وجهوه إلى غيرها من الجهات هرول، ثم رجع عبد المطلب وأتى البيت وأخذ بحلقته وهو يقول:
لا هم إن المرأ يمنع حله فامنع حلالك
стр. 1323
وانصر على آل الصليب وعابديه اليوم آلك
لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم عدوا محالك
إن كنت تاركهم وكعبتنا فأمر ما بدا لك ويقول أيضا:
يا رب لا أرجو لهم سواكا ... يا رب فامنع عنهم حماكا
إن عدو البيت من عاداكا ... امنعهم أن يخربوا قراكا
فالتفت وهو يدعو فإذا هو بطير من نحو اليمن، فقال: والله إنها لطير غريبة ليست بنجدية ولا تهامية، وكان مع كل طائر حجر في منقاره وحجران في رجليه أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة فكان الحجر يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره وعلى كل حجر اسم من يقع عليه ففروا فهلكوا، ودوى أبرهة فتساقطت أنامله وأعضاؤه وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه وانفلت وزيره أبو يكسوم وطائر يحلق فوقه حتى بلغ النجاشي فقص عليه القصة فلما أتمها وقع عليه الحجر وخر ميتا بين يديه، وهذه القصة وقعت في السنة التي ولد فيها رسول الله ﷺ .
стр. 1324
سورة قريش
مكية، أربع آيات، سبع عشرة كلمة، ثلاثة وسبعون حرفا
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) واللام إما متعلقة بالسورة التي قبل هذه السورة، وإما متعلقة بالآية التي بعد هذه اللام، وإما متعلقة بمحذوف فعلى الأول، فإن التقدير فجعلهم كعصف مأكول لحب قريش إلخ أي أهلك الله أصحاب الفيل لتبقى قريش وما قد ألفوا من رحلة الشتاء والصيف.
روي أن عمر ﵁ قرأ في صلاة المغرب في الركعة الأولى والتين، وفي الثانية ألم تر، ولإيلاف قريش معا من غير فصل بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم وإن أبي بن كعب جعلهما في مصحفه سورة واحدة، وعلى الثاني فالتقدير فليعبدوا رب هذا البيت الذي قصده أصحاب الفيل، ثم إن رب البيت دفعهم عن مقصودهم لأجل إيلاف قريش ونفعهم أي ليجعلوا عبادتهم شكرا لهذه النعمة، وعلى الثالث فإن هذه اللام لام التعجب فكأن المعنى: أعجبوا لإيلاف قريش، وذلك لأنهم كل يوم يزدادون غيا وانغماسا في عبادة الأوثان، والله تعالى يؤلف شملهم ويدفع الآفات عنهم وينظم أسباب معايشهم وذلك لا شك أنه في غاية التعجب من عظيم حلم الله وكرمه. إِيلافِهِمْ بدل من إيلاف الأول لأن المبدل منه مطلق والبدل مقيد بالمفعول به، أو توكيد لفظي ف «رحلة» مفعول لإيلاف الأول.
وقرأ ابن عامر «لإلاف» قريش بغير ياء بعد الهمزة، والباقون بياء بعدها، وأجمع الكل على إثبات الياء في الثاني أي لمؤالفتهم. قال ابن عادل: ومن غريب ما اتفق في
هذين الحرفين أن القراء اختلفوا في سقوط الياء وثبوتها في الأول مع اتفاق المصاحف على إثباتها خطا، واتفقوا على إثبات الياء في الثاني مع اتفاق المصاحف على سقوطها منه خطا، فهذا أدل دليل على أن القراء متبعون الأثر والرواية لا مجرد الخط، وقرأ أبو جعفر «لإلف قريش إلفهم» بكسر الهمزة وسكون اللام بزنة حمل وعن ابن عامر «الافهم» بزنة كتابهم كما روي عن ابن كثير أيضا وروي عن ابن عامر أيضا، كما روي عن عكرمة «ليلاف» قريش بياء ساكنة بعد اللام، وقرأ عكرمة «ليألف» قريش فعلا مضارعا وعنه أيضا «ليألف» على الأمر رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (٢) أي انتقالهما أي كانت لقريش رحلتان رحلة بالشتاء إلى اليمن لأنها أدفأ وبالصيف إلى الشام فكانت أشراف أهل
стр. 1325
مكة يرتحلون للتجارة هاتين الرحلتين، ويأتون لأهل بلدهم ما يحتاجون إليه من الأطعمة والثياب، وإنما كانوا يربحون في أسفارهم لأن ملوك النواحي كانوا يعظمون أهل مكة، ويقولون هؤلاء جيران بيت الله، وسكان حرمه، وولاة الكعبة حتى إنهم كانوا يسمون أهل مكة أهل الله، فلو تم للحبشة ما عزموا عليه من هدم الكعبة لزال عنهم هذا العز ولبطلت تلك المزايا من التعظيم والاحترام، ولصار سكان مكة كسكان سائر النواحي يتخطفون من كل جانب ويتعرض لهم في نفوسهم وأموالهم، فلما أهلك الله أصحاب الفيل ازدادت قيمة أهل مكة في القلوب وازداد تعظيم ملوك الأطراف لهم، فازدادت تلك المنافع والمتاجر حتى كان فقيرهم كغنيهم، فجاء الإسلام وهم على ذلك فلهذا قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ [الفيل: ١] لِإِيلافِ قُرَيْشٍ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ هذا وتعلق أول هذه السورة بما قبلها من قوله تعالى: فَعَلَ رَبُّكَ أو من قوله تعالى: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ [الفيل: ٥] ليس بحجة على أنهما سورة واحدة لأن القرآن كله كالسورة الواحدة، وكالآية الواحدة يصدق بعضها بعضا، ويبين بعضها معنى بعض ألا ترى أن قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ [القدر: ١] متعلق بما قبله من ذكر القرآن وأما قراءة سيدنا عمر ﵁ فإنها لا تدل على أنهما سورة واحدة لأن الإمام قد يقرأ سورتين في ركعة واحدة، وقيل: إن المراد رحلة الناس إلى أهل مكة فرحلة الشتاء والصيف عمرة رجب وحج ذي الحجة لأنه كان أحدهما شتاء والآخر صيفا، وموسم منافع مكة يكون بهما ولو كان ثمّ لأصحاب الفيل ما أرادوا لتعطلت هذه المنفعة.
وقرئ «رحلة» بضم الراء وهي الجهة التي يرحل إليها، لْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ
(٣) قال الخليل وسيبويه: إن اللام في «لإيلاف» متعلقة بقوله: لْيَعْبُدُوا
ودخول الفاء فيه لما في الكلام من معنى الشرط وذلك لأن نعم الله عليهم لا تحصى، فكأنه قيل: إن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة وهي إيلافهم رحلتي الشتاء والصيف والمعنى لجعلهم محبين لهما مسترزقين بهما لتيسيرهما عليهم فليعبدوه تعالى الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ أي من بعد جوع بحمل الميرة إليهم من البلاد في البر والبحر بواسطة كونهم جيران البيت وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤) أي من خوف دخول العدو عليهم، ومن خوف زحمة أصحاب الفيل، أو خوف التخطف في بلدهم ومسايرهم، وقال الضحاك والربيع: أي آمنهم من خوف الجذام فلا يصيبهم ببلدتهم جذام، وقيل: آمنهم من خوف الضلال بالإسلام، فقد كانوا في الكفر يتفكرون فيعلمون أن الدين الذي هم عليه ليس بشيء إلا أنهم ما كانوا يعرفون الدين الذي يجب على العاقل أن يتمسك به فكانت نعمة الأمانة دينية فلا تحصل إلا لمن كان تقيا أما نعمة الدنيا فهي تصل إلى البر والفاجر والصالح والطالح.
стр. 1326
سورة الماعون
وتسمى سورة الدين، وسورة أرأيت، مكية ومدنية، سبع آيات، خمس وعشرون كلمة، مائة وثلاثة وعشرون حرفا
أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فرأى إما بصرية فالمعنى أأبصرت المكذب بالجزاء، أو بالإسلام أو هل عرفته، وإما بمعنى أخبرني الذي يكذب بالحساب من هو، ويدل على هذا قراءة عبد الله بن مسعود أرأيتك بزيادة حرف الخطاب والكاف لا تلحق البصرية، وقرأ نافع بتسهيل الهمزة بعد الراء ولورش إبدالها ألفا، وأسقطها الكسائي ولم يصح عن العرب «ريت» ، ولكن لما كان حرف الاستفهام في أول الكلام سهل حذف الهمزة فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) والفاء جواب شرط محذوف أي إن أردت أن تعرف المكذب بالحساب فذلك الذي يدفع اليتيم بعنف عن حقه.
وقرئ «يدع اليتيم» أي يتركه ولا يدعوه أي يدعو جميع الأجانب ويترك اليتيم أي يترك المواساة معه، وإن لم تكن المواساة واجبة وقد يذم المرء بترك النوافل، وقرئ «يدعو اليتيم» أي يدعوه رياء، ثم لا يطعمه، وإنما يدعوه استخداما أو قهرا، وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣) أي ولا يحث أهله وغيرهم من الموسرين على صدقة المساكين.
قال ابن جريج: نزلت هذه الآية في أبي سفيان كان ينحر جزورين في كل أسبوع فأتاه يتيم فسأله لحما فقرعه بعصاه، وقال مقاتل: نزلت في العاص بن وائل السهمي، وكان من صفته الجمع بين التكذيب بيوم القيامة والإتيان بالأفعال القبيحة، وحكى الماوردي أنها نزلت في أبي جهل.
روي أنه كان وصيا ليتيم فجاءه وهو عريان يسأله شيئا من مال نفسه فدفعه ولم يعبأ به فأيس الصبي، فقال له أكابر قريش: قل لمحمد يشفع لك وكان غرضهم الاستهزاء، ولم يعرف اليتيم ذلك فجاء إلى النبي ﷺ والتمس منه ذلك وهو ﷺ ما كان يرد محتاجا فذهب معه إلى أبي جهل فرحب به وبذل المال لليتيم فعيره قريش، فقالوا: صبوت، فقال: لا والله ما صبوت، لكن رأيت عن يمينه وعن يساره حربة خفت إن لم أجبه يطعنها فيّ.
стр. 1327
وقال السدي: نزلت في الوليد بن المغيرة وقال الضحاك: نزلت في عمرو بن عائذ المخزومي، وقال عطاء عن ابن عباس نزلت في رجل من المنافقين فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) والنسيان عن الصلاة، هو أن يبقى الإنسان ناسيا لذكر الله في جميع أجزاء الصلاة وهذا لا يصدر إلا عن المنافق الذي يعتقد أنه لا فائدة في الصلاة أما المسلم الذي يعتقد أن فيها فائدة دينية يمتنع أن لا يتذكر أمر الدين والثواب والعقاب في شيء من أجزاء الصلاة. بلى، قد يحصل له السهو في الصلاة بمعنى أنه يصير ساهيا في بعض أجزاء الصلاة فثبت أن السهو في الصلاة من أفعال المؤمن، والسهو عن الصلاة من أفعال الكافر. الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (٦) بصلاتهم فإذا فاتتهم مع الناس تركوها بالمرة، والمرائي من يظهر الأعمال عند الناس مع زيادة الخشوع ليعتقد فيه من يراه أنه من أهل الدين والصلاح أما من يظهر النوافل ليقتدى به ويأمن على نفسه من الرياء فلا بأس بذلك وليس بمراء، وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧) أي ويمنعون الناس الزكاة أو يمنعون الطالبين منافع البيت كالفأس، والقدوم، والإبرة، والقدر، والقصعة، والمغرفة، والمقدحة، والغربال، والدلو، والملح، والماء، والنار.
стр. 1328
سورة الكوثر
وتسمى سورة النحر، مكية، ثلاث آيات، عشر كلمات، اثنان وأربعون حرفا
إِنَّا أَعْطَيْناكَ. وقرئ «أنطيناك» يا أشرف الخلق: الْكَوْثَرَ (١) أي الخير المفرط في الكثرة من شرف النبوة الجامعة لخيري الدارين، فإن كتاب محمد هو الكتاب المهيمن على كتاب آدم وصحف إبراهيم وموسى، وتحديه بالقرآن، وذلك أعلاه كما تحدى آدم بالأسماء.
وروي أن النبي ﷺ كان على شط ماء ومعه عكرمة بن أبي جهل فقال: لئن كنت صادقا، فادع ذلك الحجر الذي هو في الجانب الآخر فليسبح ولا يغرق، فأشار الرسول إليه، فانقلع الحجر الذي أشار إليه من مكانه وعام حتى صار بين يدي الرسول وسلم عليه، وشهد له بالرسالة فقال له النبي ﷺ : «يكفيك هذا؟» قال: حتى يرجع إلى مكانه، فأمره النبي ﷺ ، فرجع إلى مكانه، وهذا أعظم من إمساك سفينة نوح على الماء
. وعن محمد بن حاطب قال: كنت طفلا، فانصب القدر علي من النار، فاحترق جلدي كله فحملتني أمي إلى الرسول ﷺ وقالت: هذا ابن حاطب احترق كما ترى، فتفل رسول الله ﷺ على جلدي ومسح بيده على المحترق منه وقال:
أذهب البأس رب الناس، فصرت صحيحا لا بأس بي، وذلك أعظم من جعل النار بردا وسلاما على إبراهيم، وأكرم الله محمدا، ففلق له القمر فوق السماء، وفجر له أصابعه عيونا وكان الغمام يظله، وأعطاه الله القرآن الذي وصل نوره إلى الشرق والغرب، ولما أراد أبو جهل أن يرميه بالحجر رأى على كتفه ثعبانين، فانصرف مرعوبا كما
أكرم الله موسى، ففلق له البحر في الأرض، وفجر له الماء من الحجر، وظلل عليه الغمام وأكرمه باليد البيضاء، وقلب عصا موسى ثعبانا وسبحت الأحجار في يد الرسول وأصحابه، وكان هو لما مسح الشاة الجرباء درت وأكرمه الله بالبراق، كما سبحت الجبال مع داود، وإذا مسح الحديد لان وأكرمه الله بالطير المحشورة، وأضاف الرسول اليهود بالشاة المسمومة، فلما وضع اللقمة في فيه أخبرته، وروي أن امرأة معاذ بن عفراء أتته وكانت برصاء، وشكت ذلك إلى الرسول فمسح عليها رسول الله بغصن، فأذهب الله عنها البرص، وحين سقطت حدقة الرجل يوم أحد فرفعها وجاء بها إلى الرسول فردها إلى مكانها، وعرف ما أخفاه عمه مع أم الفضل، فأخبره، فأسلم العباس لذلك، كما أكرم الله
стр. 1329
عيسى ﵇ بإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، ومعرفة ما يخفيه الناس في بيوتهم وحين نام رسول الله ورأسه في حجر علي فانتبه وقد غربت الشمس فردها وصلى وردها مرة أخرى لعلي، فصلى العصر في وقته.
وروي أن طيرا فجع بولده، فجعل يرفرف على رأسه ﷺ ويكلمه فقال: «أيكم فجع هذه بولدها؟» فقال رجل: أنا، فقال: «اردد إليها ولدها»
«١» . وأكرمه الله بالمسير إلى بيت المقدس في ساعة، وكان يرسل حماره يعفورا إلى من يريده، فيجيء به وأرسل معاذا إلى بعض النواحي، فلما وصل إلى المفازة فإذا أسد جاثم فهاله ذلك ولم يستجز أن يرجع، فتقدم وقال: أنا رسول رسول الله، فانصرف وانقاد الجن له ﷺ ، وحين جاء الأعرابي بالضب وقال: لا أؤمن بك حتى يؤمن بك هذا الضب، فتكلم الضب معترفا برسالته، وحين كفل الظبية حين أرسلها الأعرابي رجعت تعدو حتى أخرجته من الكفالة، كما رد الله لسليمان الشمس مرة، وعلم منطق الطير، وأكرمه الله بمسيره غدوة مسيرة شهر، وانقاد الجن له، فلما كانت رسالته ﷺ كذلك جاز أن يسميها الله تعالى كوثرا فقال: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ.
قال: عطاء الكوثر حوض النبي ﷺ في الموقف والمستفيض عند السلف والخلف أنه نهر في الجنة.
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب، ومجراه على الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج»
. وفي رواية أنس أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل فيه طيور خضر، لها أعناق كأعناق البخت من أكل من ذلك الطير، وشرب من ذلك الماء فاز بالرضوان.
وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «دخلت الجنة فإذا أنا بنهر يجري بياضه بياض اللبن، وأحلى من العسل، وحافتاه خيام الدر، فضربت بيدي إلى مجرى الماء فإذا الثرى مسك أذفر فقلت لجبريل: ما هذا؟ قال: الكوثر الذي أعطاكه الله تعالى»
«٢» . فَصَلِّ لِرَبِّكَ أي فدم على الصلاة خالصا لوجه ربك الذي أفاض عليك
стр. 1330
هذه النعمة الجليلة خلاف الساهين عنها المرائين فيها أداء لحقوق شكرها، فإن الصلاة جامعة لجميع أقسام الشكر، وَانْحَرْ (٢) أي استقبل القبلة بنحرك كما قاله ابن عباس، والفراء، والكلبي، وأبو الأحوص كأنه تعالى يقول: الكعبة بيتي، وهي قبلة صلاتك، وقلبك قبلة رحمتي، ونظر عنايتي، فلتكن القبلتان متناحرتين أي متقابلتين، إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) أي إن مبغضك هو المنقطع عن كل خير، وهو أبو جهل كما قاله ابن عباس.
روي أن أبا جهل اتخذ ضيافة لقوم، ثم إنه وصف رسول الله بالأبتر، ثم قال: قوموا حتى نذهب إلى محمد وأصارعه وأجعله ذليلا حقيرا، فلما وصلوا إلى دار خديجة، وتوافقوا على ذلك، أخرجت خديجة بساطا، فلما تصارعا جعل أبو جهل يجتهد في أن يصرعه وبقي ﷺ واقفا كالجبل، ثم بعد ذلك رماه النبي ﷺ على أقبح وجه، فلما رجع أخذه باليد اليسرى، فصرعه على الأرض مرة أخرى، ووضع قدمه على صدره، أو هو أبو لهب كما قاله عطاء فإنه ﷺ لما شافهه بقوله: تبا لك، كان أبو لهب يقول في غيبته أنه ﷺ أبتر، فنزلت هذه الآية أو هو العاص بن وائل السهمي، كما قاله عكرمة.
روي أن العاص بن وائل كان يقول: إن محمدا أبتر لا ابن له يقوم مقامه بعده، فإذا مات انقطع ذكره واسترحتم منه، وكان قد مات ابنه عبد الله من خديجة، وهذا قول ابن عباس ومقاتل والكلبي، وعامة أهل التفسير، أو هو عقبة بن أبي معيط، كما قاله شمر بن عطية، فإنه هو الذي كان يقول ذلك، ووصف الله تعالى العدو بكونه شانئا، إشارة إلى وعده تعالى لرسوله بقهر العدو كأنه تعالى يقول: هذا الذي يبغضك لا يقدر على شيء آخر سوى أنه يبغضك، فيحترق قلبه غيظا وحسدا.
стр. 1331
سورة الكافرون
وتسمى أيضا سورة المنابذة، أو المعابدة، وسورة الإخلاص، أي إخلاص العبادة، وسورة المقشقشة، أي المبرئة من النفاق. ست آيات وستة وعشرون كلمة، أربعة وسبعون حرفا
قُلْ يا أشرف الرسل: يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) .
روي أن الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب، وأمية بن خلف قالوا لرسول الله ﷺ : يا محمد هلم حتى نعبد إلهك مدة، وتعبد آلهتنا مدة، فيحصل الصلح بيننا وبينك، وتزول العداوة من بيننا، فإن كان أمرك رشيدا أخذنا منه حظا، وإن كان أمرنا رشيدا أخذت منه حظا، فنزلت هذه السورة فلما نزلت وقرأها على رؤوسهم شتموه وأيسوا منه، لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) أي لا أعبد الذي تعبدونه في المستقبل والمعنى: لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه مني من عبادة آلهتكم من دون الله من الأوثان، وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) أي ولا أنتم عابدون في المستقبل عبادتي، أي مثل عبادتي، أي ولا أنتم فاعلون في المستقبل ما أطلبه منكم من عبادة إلهي وهو الله الواحد، وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤) أي وما كنت قط عابدا فيما مضى الذين عبدتم فيه، أي لم يعتد مني عبادة صنم في الجاهلية، فكيف ترجى مني في الإسلام وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) ، أي وما عبدتم في وقت من الأوقات مثل عبادتي، وإنما أخبر ﷺ أولا عن الاستقبال، لأنه هو الذي دعوه إليه، فهو الأهم، فبدأ به، أما حكايته ﷺ عن نفسه فلئلا يتوهم الجاهل أنه ﷺ يعبد الأوثان سرا، خوفا منها، أو طمعا إليها، وأما نفيه ﷺ عبادتهم، فلأن فعل الكافر ليس بعبادة أصلا، وإن كان يعبد الله في بعض الأحوال وإنما قال: ما أَعْبُدُ في الرابعة ولم يقل: ما عبدت ليوافق ما عَبَدْتُّمْ في الثالثة، لأن عبادته ﷺ قبل البعثة لم تظهر لأحد بخلافها بعدها أما عبادة الكافر قبل البعثة وبعدها فظاهرة عند الناس، لَكُمْ دِينُكُمْ وهذا تثبيت لقوله
تعالى: لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ولقوله تعالى: وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ، وَلِيَ دِينِ (٦) وهذا تقرير لقوله تعالى: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ والمعنى: إن دينكم الذي هو الإشراك مقصور لكم، وإن ديني الذي هو التوحيد مقصور لي، كأنه ﷺ يقول: إني نبي مبعوث
стр. 1332
الشرك. وقيل: معنى الآية لكم حسابكم ولي حسابي، ولا يرجع إلى كل واحد منا من عمل صاحبه أثر ألبتة وقيل لكم: العقوبة من ربي ولي العقوبة من أصنامكم، لكن أصنامكم جمادات، فأنا لا أخشى عقوبة الأصنام. وقيل لكم: عادتكم المأخوذة من أسلافكم والشياطين حتى تلقوا الشياطين والنار ولي عادتي المأخوذة من الملائكة والوحي حتى ألقى الملائكة والجنة.
وقرأ نافع وهشام وحفص بفتح ياء «ولي» وحذف ياء الإضافة من «دين» وقفا ووصلا السبعة. وجمهور القراء وأثبتها في الحالين سلام ويعقوب.
سورة النصر
وتسمى سورة التوديع لما فيها من الدلالة على توديع الدنيا وهي آخر سورة نزلت- قاله ابن عباس- مدنية، هي ثلاث آيات وثلاث، عشرون كلمة، تسعة وسبعون حرفا
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ إن كان نزول هذه السورة قبل فتح مكة، ف «إذا» ظرف مستقبل جوابه فسبح، فإن كان النزول بعد الفتح ف «إذا» بمعنى إذ التي للماضي، فهي على هذا متعلقة بمقدر، أي أكمل الله الأمر وأتم النعمة إذ حصل إعانة الله تعالى على عدوك، وَالْفَتْحُ (١) أي فتح مكة، وهو الفتح الذي يقال له: فتح الفتوح، وكان لعشر مضين من شهر رمضان سنة ثمان،
فقد خرج رسول الله ﷺ من المدينة ومعه عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار، وطوائف العرب إلى أن نزل بمر الظهران، وقدم العباس وأبو سفيان إليه، فاستأذنا، فأذن لعمه خاصة، فقال أبو سفيان: إما أن تأذن لي، وإلا أذهب بولدي إلى المفازة، فنموت جوعا وعطشا، فرق قلبه، فأذن له وقال له: «ألم يأن أن تسلم وتوحد؟» فقال: أظن أنه واحد ولو كان هاهنا غير الله لنصرنا، فقال:
«ألم يأن أن تعرف أني رسوله؟» فقال: إن لي شكا في ذلك، فقال العباس: أسلم قبل أن يقتلك عمر فقال: وماذا أصنع بالعزى؟ فقال عمر: لولا أنك بين يدي رسول الله لضربت عنقك، فقال:
يا محمد، أليس الأولى أن تترك هؤلاء الأوباش، وتصالح قومك وعشيرتك، فسكان مكة عشيرتك وأقاربك وتعرضهم للشن والغارة، فقال ﷺ : «هؤلاء نصروني وأعانوني وذبوا عن حريمي، وأهل مكة أخرجوني وظلموني فإن هم أسروا فبسوء صنيعهم» . وأمر العباس بأن يذهب به ويوقفه على المرصاد ليطالع العسكر، ثم تقدم أبو سفيان ودخل مكة وقال: إن محمدا جاء
стр. 1333
بعسكر لا يطيقه أحد ولما سمع أبو سفيان أذان القوم للفجر وكانوا عشرة آلاف فزع من ذلك فزعا شديدا، وسأل العباس، فأخبره بأمر الصلاة، ودخل رسول الله ﷺ مكة على راحلته ولحيته على قربوس سرجه، كالساجد تواضعا وشكرا، ثم التمس أبو سفيان الأمان فقال: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» . فقال: ومن تسع داري فقال: «ومن دخل المسجد فهو آمن» فقال: ومن يسع المسجد فقال: «من ألقى سلاحه فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن» ، ثم وقف رسول الله ﷺ على باب المسجد وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده» ثم قال: «يا أهل مكة ما ترون أني فاعل بكم» ، فقالوا: خيرا، أخ كريم، وابن أخ كريم فقال: «اذهبوا، فأنتم الطلقاء»
«١» ، فأعتقهم رسول الله ﷺ وقد كان الله تعالى أمكنه من رقابهم عنوة، وكانوا له فيئا، فلذلك سمي أهل مكة الطلقاء، ثم بايعوه على الإسلام، وأقام ﷺ في مكة خمس عشرة ليلة، ثم خرج إلى هوازن.
وقرئ «فتح الله» و «النصر» . وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً (٢) ، أي وأبصرت الناس يدخلون في ملة الإسلام جماعات كثيفة كأهل مكة، والطائف، واليمن، وهوازن، وسائر قبائل العرب، وكانوا قبل ذلك فيه واحدا واحدا، واثنين اثنين. وقرئ «يدخلون» على البناء للمفعول فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ. أي فقل سبحان الله حامدا له، وَاسْتَغْفِرْهُ أي واطلب غفرانه هضما لنفسك واستقصارا لعملك، واستعظاما، لحقوق الله، واستدراكا لما فرط منك من ترك الأولى، وكأنه تعالى يقول: إذا جاء نصر الله إياك والمؤمنين، والفتح، ودخول الناس في دينك فاشتغل أنت بالتسبيح والحمد والاستغفار إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً (٣) أي إنه تعالى يكثر قبول التوبة لكثير من التائبين، والتوبة اسم للرجوع والندم، والإنسان قد يقول: أستغفر الله وليس بتائب، فيكون كاذبا وكان تقدير الكلام: واستغفره بالتوبة، وفي هذا تنبيه على أن خواتيم الأعمال يجب أن تكون بالتوبة والاستغفار، وكذا خواتيم الأعمار.
وروي أنه ﷺ لم يجلس مجلسا إلا ختمه بالاستغفار.
وعن عائشة: كان نبي الله في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد، ولا يذهب، ولا يجيء إلا قال: «سبحان الله وبحمده» فقلت: يا رسول الله إنك تكثر من قول سبحان الله وبحمده؟ قال: «إني أمرت بها» وقرأ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ.
وعن ابن مسعود لما نزلت هذه السورة كان ﷺ يكثر أن يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الغفور»
«٢» .
стр. 1334
قال مقاتل: لما نزلت هذه السورة قرأها النبي ﷺ على أصحابه، وفيهم أبو بكر وعمر، وسعد بن أبي وقاص والعباس، ففرحوا، واستبشروا، وبكى العباس فقال له النبي ﷺ : «ما يبكيك يا عم» قال: نعيت إليك نفسك، أي أخبرت بموتك قال: «إنه كما قلت» ، فعاش بعدها ستين يوما ما رؤي فيها ضاحكا مستبشرا
، وعن ابن عمر نزلت هذه السورة بمنى في حجة الوداع، ثم نزل الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة: ٣] فعاش النبي ﷺ بعدها ثمانين يوما، ثم نزلت آية الكلالة، فعاش بعدها خمسين يوما، ثم نزل لقد جاءكم رسول من أنفسكم، فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوما، ثم نزل وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة:
٢٨١] فعاش بعدها أحدا وعشرين يوما، وقيل: أحد عشر يوما، وقيل: سبعة أيام والله أعلم، وتوفي ﷺ في ربيع الأول لاثني عشر خلت منه من هجرته إلى المدينة والهجرة، كانت لاثني عشر خلت من ربيع الأول كما أن مولده كذلك على المشهور.
стр. 1335
سورة أبي لهب
وتسمى سورة تبت، مكية، خمس آيات، ثلاث وعشرون كلمة، سبعة وسبعون حرفا
تَبَّتْ أي هلكت يَدا أَبِي لَهَبٍ هو عبد العزى بن عبد المطلب، وَتَبَّ (١) أي هلك هو، فالأولى: مشت تمشية الدعاء عليه. والثانية: أخرجت مخرج الخبر، أي وقد حصل الهلاك عليه، فهذه الجملة على هذا على تقدير: قد، ويؤيده قراءة ابن مسعود وقد تب بالتصريح بقد، وقيل: كل واحد من الجملتين أخبار ولكن أريد بالجملة الأولى هلاك عمله، وبالثانية هلاك نفسه، فإن المرء إنما يسعى لمصلحة نفسه وعمله، فأخبر الله تعالى أنه محروم من الأمرين.
روي أن رسول الله ﷺ صعد الصفا ذات يوم وقال: «يا صباحاه» فاجتمعت إليه قريش فقالوا: ما لك؟ قال: «أرأيتم إن أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أما كنتم تصدقونني؟» قالوا: بلى، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد»
«١» ، فقال: عند ذلك أبو لهب: تبا لك ألهذا دعوتنا! فنزلت هذه السورة.
وروي أنه قال: فما لي إن أسلمت؟ فقال: «ما للمسلمين» فقال: أفلا أفضل عليهم؟ فقال النبي ﷺ : «بماذا تفضل؟» فقال: تبا لهذا الدين أستوي فيه أنا وغيري.
روي أنه ﷺ لما دعاه نهارا فأبى، فلما جن الليل ذهب إلى داره مستنا بسنة نوح ليدعوه ليلا كما دعاه نهارا فلما دخل عليه قال له: جئتني معتذرا، فجلس النبي ﷺ أمامه كالمحتاج وجعل يدعوه إلى الإسلام وقال: «إن كان يمنعك العار فأجبني في هذا الوقت واسكت» . فقال: لا أؤمن بك حتى يؤمن بك هذا الجدي. فقال ﷺ للجدي: «من أنا؟» «٢» فقال: رسول الله. وأطلق لسانه يثني عليه ﷺ ، فاستولى الحسد على أبي لهب، فأخذ بيدي الجدي ومزقه وقال: تبا لك أثر فيك السحر! فقال الجدي: بل تبا لك. فنزلت هذه السورة على وفق ذلك تبت يدا أبي لهب لتمزيقه