← Тафсир

Тафсир · id 22769

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

نووي الجاوي

Полный текст (1 343 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وسعهم وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ وهو دين الإسلام أو بكتابه وهو القرآن جَمِيعاً أي مجتمعين في الاعتصام لقوله ﷺ : «القرآن حبل الله المتين لا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد، من قال به صدق ومن عمل به رشد، ومن اعتصم به هدي إلى صراط مستقيم» «١» . وَلا تَفَرَّقُوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم لأن الحق لا يكون إلا واحدا وما عداه يكون ضلالا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ نعمة دنيوية وأخروية إِذْ كُنْتُمْ في الجاهلية أَعْداءً يبغض بعضكم بعضا ويحارب بعضكم بعضا فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ أي قذف الله فيها المحبة بتوفيقكم للإسلام فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ أي فصرتم بدينه الإسلام إِخْواناً في الدين وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ أي على طرفها، أي وكنتم قريبين من الوقوع في نار جهنم لكفركم إذ لو أدرككم الموت على تلك الحالة لوقعتم فيها. فليس بين الحياة والموت المستلزم للوقوع في الحفرة إلا ما بين طرف الشيء الذي هو مثل الحياة، وبين ذلك الشيء الذي هو مثل الموت فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها أي فأنجاكم من تلك الحفرة بأن هداكم للإسلام كَذلِكَ أي مثل البيان المذكور يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) أي لكي تهتدوا من الضلالة وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ أي ولتوجد منكم جماعة يقتدي بها فرق الناس يَدْعُونَ الناس إِلَى الْخَيْرِ فأفضل الدعوة هي دعوة إلى إثبات ذات الله وصفاته وتقديسه عن مشابهة الممكنات وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ والآمر بالمعروف تابع للمأمور به إن كان واجبا فواجب، وإن كان مندوبا فمندوب وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ فالنهي عن الحرام واجب كله لأن تركه واجب وهذه الأمور من فروض الكفايات- لأنها لا تليق إلا من العالم بالحال- وسياسة الناس حتى لا يوقع المأمور أو المنهي في زيادة الفجور فإن الجاهل ربما دعا إلى الباطل وأمر بالمنكر، ونهى عن المعروف وقد يغلظ في موضع اللين ويلين في موضع الغلظة وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) أي المختصون بكمال الفلاح. روي أنه ﷺ قال: «من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه «٢» . وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا أي تفرقوا بالعداوة واختلفوا في الدين، أو تفرقوا بأبدانهم بأن صار كل واحد من أولئك الأحبار رئيسا في بلد، ثم اختلفوا بأن صار كل واحد منهم يدعي أنه على الحق، وأن صاحبه على الباطل. قال الفخر الرازي: إنك إذا أنصفت علمت أن أكثر علماء هذا الزمان صاروا موصوفين بهذه الصفة. فنسأل الله العفو والرحمة

стр. 142

مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ أي الآيات الواضحة المبينة للحق الموجبة للاتفاق عليه واتحاد الكلمة وَأُولئِكَ الذين تفرقوا لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) في الآخرة بسبب تفرقهم يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ أي يوم تظهر بهجة السرور على قوم وسموا ببياض الوجه والصحيفة، وإشراق البشرة. وسعى النور أمامهم ويمينهم. ويوم تظهر كآبة الخوف والحزن على قوم وسموا بسواد اللون والصحيفة، وإحاطة الظلمة بهم من كل جانب. وقرئ «تبياض» و «تسواد» فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ فيلقون في النار وتقول لهم الزبانية. أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ أي بعد ما ظهر لكم ما يوجب الإيمان وهو الدلائل التي نصبها الله تعالى على التوحيد والنبوة. وقال عكرمة والأصم والزجاج: أي أكفرتم يا أهل الكتاب بعد بعثة محمد ﷺ بعد إيمانكم به قبل مبعثه فَذُوقُوا الْعَذابَ والأمر بذوق العذاب على طريقة الإهانة بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) أي بسبب كفركم وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ أي في جنة الله وعبّر عنها بالرحمة تنبيها على أن المؤمن وإن استغرق عمره في طاعة الله فإنه لا يدخل الجنة إلا برحمته تعالى. وقرئ «ابياضّت» ، كما قرئ «اسوادّت» هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٠٧) أي لا يظعنون عنها ولا يموتون تِلْكَ أي الآيات المشتملة على تنعيم الأبرار وتعذيب الكفار آياتُ اللَّهِ أي دلائل الله نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ أي بالمعنى الحق أو متلبسة بالعدل من أجزاء المحسن والمسيء بما يستوجبانه وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ (١٠٨) أي ما يريد الله فردا من أفراد الظلم لفرد من أفراد العالمين في وقت من الأوقات فضلا عن أن يفعله. وأما ظلم بعضهم بعضا فواقع كثيرا، وكل واقع فهو بإرادته تعالى وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وخلقا إحياء وإماتة وإثابة وتعذيبا وَإِلَى اللَّهِ أي إلى حكمه تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩) فيجازي كلا منهم كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ أي أظهرت للناس حتى تميّزت وعرفت وفصل بينها وبين غيرها تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ أي بالتوحيد واتباع محمد ﷺ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ أي عن الشرك ومخالفة الرسول وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ إيمانا متعلقا بكل ما يجب أن يؤمن به من رسول وكتاب وحساب وجزاء. وقال قتادة: هم أمة محمد ﷺ لم يؤمر نبي قبله بالقتال فهم يقاتلون الكفار فيدخلونهم في الإسلام فهم خير أمة للناس وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ أي اليهود والنصارى إيمانا كاملا كإيمانكم لَكانَ أي ذلك الإيمان خَيْراً لَهُمْ فإنهم آثروا دينهم على دين الإسلام حبا للرياسة واستتباع العوام ولو آمنوا لحصلت لهم هذه الزيادة في الدنيا مع الثواب العظيم في الآخرة فكان ذلك خيرا لهم مما قنعوا به. مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ كعبد الله بن سلام وأصحابه من اليهود والنجاشي ورهطة من النصارى. وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (١١٠) في أديانهم فيكونون مردودين عند الطوائف كلهم لأن المسلمين لا يقبلونهم لكفرهم، والكفار لا يقبلونهم لكونهم فاسقين فيما بينهم فليسوا ممن يجب الاقتداء بهم ألبتة عند أحد من العقلاء لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً أي لن يضركم

стр. 143

اليهود ضررا ألبتة إلا ضررا يسيرا- وهو أذى- أي ليس على المسلمين من اليهود ضرر وإنما منتهى أمرهم أن يؤذوكم باللسان، إما بالطعن في محمد وعيسى ﵉ وإما بإظهار كلمة الكفر كقولهم: عزير ابن الله، وإما بتحريف نصوص التوراة، وإما بإلقاء الشبه في الأسماع، وإما بتخويف الضعفة من المسلمين وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ أي ينهزموا من غير أن يضروكم بقتل أو أسر ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١١١) أي ثم أخبركم أنهم بعد صيرورتهم منهزمين لا يحصل لهم شوكة ولا قوة ولا يجدون النصر قط بل يبقون في الذلة أبدا كما قال تعالى: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أي جعلت عليهم الذلة أن يحاربوا ويقتلوا وتغنم أموالهم وتسبى ذراريهم وتملك أراضيهم أَيْنَ ما ثُقِفُوا أي صودفوا فلا يقدرون أن يقوموا مع المؤمنين إِلَّا أن يعتصموا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ أي المؤمنين فالأمان الحاصل للذمي قسمان: أحدهما: الذي نص الله عليه وهو أخذ الجزية. وثانيهما: الذي فوض الله إلى رأي الإمام فيزيد فيه تارة وينقص بحسب الاجتهاد. فالأول: هو المسمى بحبل الله. والثاني: هو المسمى بحبل المؤمنين. وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ أي داموا في غضب الله أو استوجبوا لعنة الله وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ أي جعل عليهم زي الفقر. واليهود في غالب الأحوال مساكين تحت أيدي المسلمين والنصارى ذلِكَ أي لزوم الذلة والمسكنة والمكث في اللعنة بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ الناطقة بنبوة محمد ﷺ حتى يحرفونها بسائر الآيات القرآنية وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ أي بلا جرم. فإن الذين قتلوا الأنبياء أسلافهم، وهؤلاء المتأخرون كانوا راضين بفعل أسلافهم فنسب إليهم كما أن التحريف من أفعال أحبارهم ينسب إلى كل من يتبعهم ذلِكَ أي الكفر والقتل بِما عَصَوْا في السبت وَكانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢) أي يتجاوزون حدود الله باستحلال المحارم. قال أرباب المعاملات مع الله: من ابتلي بترك الآداب وقع في ترك السنن، ومن ابتلي بترك السنن وقع في ترك الفريضة، ومن ابتلي بترك الفريضة وقع في استحقار الشريعة، ومن ابتلي بذلك وقع في الكفر لَيْسُوا أي جميع أهل الكتاب سَواءً أي فليس من آمن منهم كمن لم يؤمن مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ أي جماعة عدل مهتدية بتوحيد الله وهم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد ومن أسلم معهم من اليهود كما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: هم عبد الله بن سلام وأخوه ثعلبة بن سلام وسعية وميس وأسيد وأسدهما ابنا كعب. قال ابن عباس ﵄: لما أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه قالت أحبار اليهود: ما آمن بمحمد إلا أشرارنا ولولا ذلك ما تركوا دين آبائهم. فأنزل الله تعالى هذه الآية: يَتْلُونَ

стр. 144

آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ أي يقرءون القرآن ساعات الليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) أي يصلون التهجد في الليل. وهذا كلام مستقل والصلاة تسمى سجودا. يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ أي يبادرون مع كمال الرغبة في فعل أصناف الخيرات اللازمة والمتعدية وَأُولئِكَ الموصوفون بالصفات السبعة مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) أي من جملة الذين صلحت أحوالهم عند الله واستحقوا رضاه وثناءه. وقال ابن عباس: أي من صالحي أمة محمد ﷺ . ويقال: مع صالحي أمة محمد في الجنة مع أبي بكر وأصحابه. واعلم أن اليهود كانوا أيضا يقومون في الليالي للتهجد وقراءة التوراة. فلما مدح الله المؤمنين منهم بالتهجد وقراءة القرآن أردف ذلك بقوله: يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ فالإيمان بالله يستلزم الإيمان بجميع أنبيائه ورسله وكتبه، والإيمان باليوم الآخر يستلزم الحذر من المعاصي. فإيمان اليهود بالله مع قولهم عزير ابن الله، وكفرهم ببعض الكتب والرسل، ووصفهم اليوم الآخر بخلاف صفته، عدم الاحتراز عن معاصي الله وإضلال الناس وصدّهم عن سبيل الله ومبادرتهم إلى الشرور. واعلم أن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل. وأفضل الأعمال الصلاة وأفضل الأذكار ذكر الله. وأفضل المعارف معرفة المبدأ ومعرفة المعاد. فقوله تعالى: يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ إشارة إلى الأعمال الصالحة الصادرة عنهم. وقوله تعالى: يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ إشارة إلى فضل المعارف الحاصلة في قلوبهم، فكان هذا إشارة إلى كمال حالهم في القوة العملية وفي القوة النظرية، وذلك أكمل أحوال الإنسان وهي المرتبة التي هي آخر درجات الإنسانية، وأول درجات الملكية. واعلم أن الغاية القصوى في الكمال أن يكون تاما وفوق التمام فكون الإنسان تاما ليس إلا في كمال قوته العملية وقوته النظرية، وكونه فوق التمام أن يسعى في تكميل الناقصين وذلك بطريقين إما بإرشادهم إلى ما ينبغي أو بمنعهم عما لا ينبغي، ثم الوصف بالصلاح غاية المدح ويدل عليه القرآن والعقل. فإن الصلاح ضد الفساد وكل ما لا ينبغي فهو فساد سواء كان في العقائد أو في الأعمال، فإذا حصل كل ما ينبغي فقد حصل الصلاح فكان الصلاح دالا على أكمل الدرجات. ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الصفات الثمانية قال: وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالياء في الفعلين. لأن الكلام متصل بما قبله من ذكر مؤمني أهل الكتاب، فإن جهّال اليهود لما قالوا لعبد الله بن سلام وأصحابه: إنكم خسرتم بسبب هذا الإيمان. قال تعالى: وَما يَفْعَلُوا أي عبد الله بن سلام وأصحابه من خير مما ذكر ويقال: من إحسان إلى محمد وأصحابه. فَلَنْ يُكْفَرُوهُ أي لن ينسى ثوابه بل يثابوا. وقرأ الباقون بالتاء فيهما على الخطاب لجميع المؤمنين الذين من جملتهم هؤلاء أي وما

стр. 145

تفعلوا معاشر المؤمنين من خير فلن تمنعوا ثوابه وجزاءه بل تجاوزوا عليه وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥) وهذا بشارة لهم بجزيل الثواب ودلالة على أنه لا يفوز عنده تعالى إلا أهل التقوى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أي لن تدفع عنهم أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ أي من عذابه شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١٦) إنما خصّ الله تعالى الأموال والأولاد بالذكر لأن أنفع الجمادات هو الأموال، وأنفع الحيوانات هو الولد. ثم بيّن تعالى أن الكافر لا ينتفع بهما ألبتة في الآخرة، وذلك يدل على عدم انتفاعه بسائر الأشياء بطريق الأولى. إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا أي الكفار في هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أي برد مهلك أو حر محرق أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالكفر والمعاصي فأَهْلَكَتْهُ. والمعنى مثل الكفر في إهلاك ما ينفقون كمثل الريح المهلكة للزرع، أو مثل الكافر الذي أنفق أمواله في الخيرات- نحو بناء الرباطات والقناطر والإحسان إلى الضعفاء والأيتام والأرامل- وكان ذلك المنفق يرجو من ذلك الإنفاق خيرا كثيرا، فإذا قدم الآخرة رأى كفره مبطلا لآثار الخيرات فكان كمن زرع زرعا وتوقّع منه نفعا كثيرا فأصابته ريح، فأحرقته، فلا يبقى إلا الحزن والأسف، هذا إذا أنفقوا الأموال في وجوه الخيرات. أما إذا أنفقوها فيما ظنوه أنه من الخيرات وهو من المعاصي- مثل إنفاق الأموال في إيذاء رسول الله، وفي قتل المسلمين وتخريب ديارهم- فهو أشد تأثيرا في إبطال آثار أعمال البر وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ حيث لم يقبل نفقاتهم ولكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧) حيث أتوا بالنفقات مقرونة بالوجوه المانعة من كونها مقبولة لله. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا نزلت هذه الآية في شأن رجال من المؤمنين يشاورون اليهود في أمورهم لما كان بينهم من الرضاع والحلف ظنا منهم أنهم ينصحون لهم في أسباب المعاش، فنهاهم الله تعالى بهذه الآية عنه- كما قاله ابن عباس- أو في رجال من المؤمنين كانوا يغترون بظاهر أقوال المنافقين فيفشون إليهم الأسرار ويطلعونهم على الأحوال فالله تعالى منعهم عن ذلك- كما قاله مجاهد- وقال الله تعالى: لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً أي خاصة تباطنون في الأمور مِنْ دُونِكُمْ أي من غير أهل ملتكم من الكفار والمنافقين لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا أي لا يتركون جهدهم في مضرتكم وفسادكم وَدُّوا ما عَنِتُّمْ أي أحبوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشد الضرر أي فإن الكفار لا يقصرون لكم في إفساد دينكم فإن عجزوا عنه أحبوا بقلوبهم إلقاءكم في أشد أنواع الضرر. قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ أي قد ظهرت البغضاء في كلامهم بالطعن وغيره مما يدل على نفاقهم وبأنهم يظهرون تكذيب نبيكم وكتابكم وينسبونكم إلى الجهل والحمق وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ من الحقد أَكْبَرُ مما يظهر على ألسنتهم. قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ أي علامة الحسد والعداوة إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) الفرق بين ما يستحقه العدو والولي ها أَنْتُمْ أُولاءِ أي أنبهكم أنتم يا معشر المؤمنين المخطئين في موالاتهم تُحِبُّونَهُمْ بسبب ما بينكم وبينهم من الرضاعة والمصاهرة، وبسبب أنهم أظهروا لكم الإيمان

стр. 146

وأنهم يظهرون لكم محبة رسول الله وَلا يُحِبُّونَكُمْ بسبب المخالفة في الدين وبسبب أن الكفر مستقر في باطنهم ولأنهم يعلمون أنكم تحبون الرسول وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وهم لا يؤمنون به وهم مع إيمانكم بكتبهم يبغضونكم فما بالكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم وَإِذا لَقُوكُمْ أي منافقو اليهود قالُوا نفاقا: آمَنَّا بمحمد فإن نعته في كتابنا وَإِذا خَلَوْا أي رجع بعضهم إلى بعض عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ أي عضوا لأجل غمهم منكم أطراف الأصابع من شدة الغضب أي فإذا رجعوا إلى بعضهم أظهروا شدة العداوة على المؤمنين حتى تبلغ تلك الشدة إلى عض الأنامل- كما يفعل ذلك أحدنا إذا اشتد غيظه- ولما كثر هذا الفعل من الغضبان صار ذلك كناية عن الغضب حتى يقال في الغضبان: إنه يعض يده غيظا وإن لم يكن هناك عض. قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ وهذا دعاء عليهم بازدياد ما يوجب هذا الغيظ وهو قوة الإسلام ودعاء عليهم بالموت قبل بلوغ ما يتمنون، وليس أمرا بالإقامة على الغيظ فإن الغيظ كفر والأمر بالكفر غير جائز، ويجوز أن يكون معنى قوله: قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إنه تعالى أمر رسوله بطيب النفس وقوة الرجاء، والاستبشار بوعد الله إياه أنهم يهلكون غيظا بإعزاز الإسلام وإذلالهم به- كأنه قيل: حدّث نفسك بذلك- إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١١٩) أي إنه تعالى عالم بكل ما يحصل في قلوبكم من الخواطر والبواعث والصوارف إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ أي إن تصبكم منفعة الدنيا تحزنهم وذلك كصحة البدن، وحصول الخصب والفوز بالغنيمة والاستيلاء على الأعداء وحصول المحبة بين الأحباب. وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ أي مضرة كمرض وفقر وانهزام من عدو، وقتل ونهب وغارة وحصول التفرقة بين الأقارب يَفْرَحُوا أي اليهود والمنافقون بِها فإنهم متناهون في عداوتكم فاجتنبوهم وَإِنْ تَصْبِرُوا على طاعة الله وعلى ما ينالكم فيها من شدة وغم وَتَتَّقُوا كل ما نهاكم عنه وتتوكلوا في أموركم على الله لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ أي حيلتهم التي دبروها لأجلكم شَيْئاً من الضرر لأن كل من صبر على أداء أوامر الله تعالى، واتقى كل ما نهى الله عنه كان في حفظ الله فلا يضره حيل المحتالين. قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «لا يضركم» بفتح الياء وكسر الضاد وسكون الراء. والباقون «لا يضركم» بضم الضاد والراء المشددة على الجزم بسكون مقدر للاتباع. وروى المفضل عن عاصم «لا يضركم» بفتح الراء للتخفيف. إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠) بالياء باتفاق القراء العشرة. أي إنه عالم بما يعملون في معاداتكم فيعاقبهم عليه. وفي قراءة شاذة بالتاء. والمعنى أنه تعالى عالم بما تعملون من الصبر والتقوى فيفعل بكم ما أنتم مستحقون له وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ أي واذكر يا أشرف الخلق لأصحابك وقت خروجك من عند أهلك أي من حجرة عائشة إلى أحد ليتذكر، وإما وقع في ذلك الوقت من الأحوال الناشئة من عدم الصبر فيعلموا أنهم لو لزموا الصبر والتقوى لا يضرهم كيد الكفرة.

стр. 147

روي أنه ﷺ ذهب من منزل عائشة في المدينة فمشى على رجليه إلى أحد بعد صلاة الجمعة في نصف شوال، وأصبح بالشعب من أحد يوم السبت، وجعل يصف أصحابه للقتال، وكانوا ألفا وأقل، وكان الكفار ثلاثة آلاف. وجعل ﷺ ظهره وظهر عسكره إلى أحد، وأمر عبد الله بن جبير على الرماة وقال: «ادفعوا عنا بالنبل حتى لا يأتونا من ورائنا» وقال لأصحابه: «اثبتوا في هذا المقام فإذا عاينوكم ولوكم الأدبار فلا تطلبوا المدبرين ولا تخرجوا من هذا المقام» . فلما التقى الفريقان انهزم عبد الله بن أبي مع ثلاثمائة من المنافقين فبقي من عسكر المسلمين سبعمائة، ثم قوّاهم الله حتى هزموا المشركين، ثم طلبوا المدبرين وتركوا ذلك المقام واشتغلوا بطلب الغنائم، وخالفوا أمر رسول الله ﷺ فنزع الله الرعب من قلوب المشركين، فكرّ عليهم المشركون وتفرّق المسلمون عن رسول الله ﷺ وشجّ وجه الرسول، وكسرت رباعيته، وشلّت يد طلحة ولم يبق معه ﷺ إلا أبو بكر وعلي والعباس وطلحة وسعد، ووقعت الصيحة في العسكر أن محمدا قد قتل وكان رجل يكنى أبا سفيان- من الأنصار- نادى الأنصار وقال: هذا رسول الله فرجع إليه المهاجرون والأنصار وكان قد قتل منهم سبعون وكثر فيهم الجراح . وكل ذلك يؤكد قوله تعالى: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً والظفر إنما حصل ببركة طاعتهم لله ولرسوله وإلا لم يقوموا مع عدوهم تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ أي تنزل المؤمنين بأحد أمكنة لقتال عدوهم وَاللَّهُ سَمِيعٌ لأقوالكم عَلِيمٌ (١٢١) بضمائركم ونياتكم فإن النبيّ ﷺ شاور أصحابه في ذلك الحرب، فمنهم من قال له: أقم بالمدينة وهو عبد الله بن أبيّ، وأكثر الأنصار. ومنهم من قال له: اخرج إليهم وكان لكل أحد غرض. إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ بنو حارثة من الأوس وبنو سلمة من الخزرج وهما جناحا العسكر أَنْ تَفْشَلا أي بأن تجبنا عن قتال العدو يوم أحد وترجعا. روي أنه ﷺ خرج مع تسعمائة وخمسين، ووعدهم النصر إن صبروا، فلما بلغوا عند جبل أحد انعزل ابن أبي المنافق مع ثلاثمائة من أصحابه المنافقين وقال: يا قوم لأي شيء نقتل أنفسنا وأولادنا؟ فتبعهم عمرو بن حزم الأنصاري وأبو جابر السلمي وقالا: أسألكم بالله في حفظ نبيكم وأنفسكم أي فإنكم لو رجعتم فاتتكم نصرة نبيكم، وفاتتكم وقاية أنفسكم من العذاب لتخلفكم عن نبيكم فقال عبد الله بن أبي: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، فهمّ الطائفتان باتباع عبد الله بن أبي فعصمهم الله فثبتوا مع رسول الله ﷺ كما قال تعالى: وَاللَّهُ وَلِيُّهُما أي عاصمهما عن اتباع تلك الخطوة وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) في جميع أمورهم فإنه حسبهم، ولما حكى الله عن الطائفتين أنهما همّتا بالجبن والضعف أيّد ذلك بقصة بدر، فإن المسلمين كانوا في غاية الفقر والضعف والكفار كانوا في غاية الشدة والقوة ولكن لما كان الله ناصرا لهم قهروا أعداءهم وفازوا

стр. 148

بمطلوبهم. وقال تعالى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ بقلة العدد وضعف الحال وقلة السلاح والمال، وعدم القدرة على مقاومة العدو فإن المسلمين كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، وما كان فيهم إلا فرس واحد. والكفار كانوا فريبين من ألف مقاتل ومعهم مائة فرس مع الأسلحة الكثيرة والعدة الكاملة. فَاتَّقُوا اللَّهَ في أمر الحرب ولا تخالفوا الأمير الذي معكم لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) لكي تشكروا نعمته تعالى ونصرته إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ف «إذ» إما منصوب بنصركم ويكون هذا الوعد حصل يوم بدر، وهذه الجملة من تمام قصة بدر وهو قول أكثر المفسرين، وإما بدل من قوله: إِذْ هَمَّتْ أو بدل ثان من قوله تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ ويكون هذا الوعد حصل يوم أحد وهذه الجملة من تمام قصة أحد فيكون قوله: ولقد نصركم الله معترضا بين الكلامين وهو مروي عن ابن عباس والكلبي والواقدي ومقاتل ومحمد بن إسحاق أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ مع عدوكم أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ أي ينصركم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) من السماء. قرأ ابن عامر «منزلين» مشدد الزاي مفتوحة. والباقون بفتح الزاي مخففة. وقرئ قراءة شاذة باسم الفاعل من الصيغتين أي منزلين النصر بَلى يكفيكم إِنْ تَصْبِرُوا مع نبيكم في الحرب وَتَتَّقُوا معصية الله ومخالفة نبيه ﷺ وَيَأْتُوكُمْ أي يأتيكم المشركون مِنْ فَوْرِهِمْ هذا أي من ساعتهم هذه من جهة مكة يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ أي ينصركم على عدوكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) . قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بكسر الواو أي معلمين أنفسهم أو خيلهم. والباقون بفتح الواو أي معلمين بالصوف الأبيض في نواصي الدواب وأذنابها أو مجذوذة أذنابهم أو مرسلين وَما جَعَلَهُ اللَّهُ أي ما جعل الله الإمداد إِلَّا بُشْرى لَكُمْ بأنكم تنصرون وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ أي بالمدد. وفي ذكر الإمداد مطلوبان: إدخال السرور في قلوبكم وحصول الطمأنينة على أن إعانة الله معهم وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لا من العدة والعدد ولا من عند الملائكة لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا واللام متعلق بقوله: وما النصر. والمعنى والمقصود من نصركم إن يهلك الله طائفة من كفار مكة بقتل وأسر أَوْ يَكْبِتَهُمْ أو يهزمهم ويخزيهم فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (١٢٧) أي يرجعوا منقطعي الآمال غير فائزين بمطلوبهم بشيء لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ. وهذه الآية نزلت في قصة أحد لمنعه ﷺ من الدعاء عليهم لما روي أن عتبة بن أبي وقاص شجه وكسر رباعيته- وهي السن التي بين الثنية والناب- ثم أراد أن يدعو عليهم فنزلت هذه الآية، ولما روى سالم بن عبد الله بن عمر أن النبيّ ﷺ لعن أقواما فقال: «اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحرث بن هشام، اللهم العن صفوان بن أمية» «١» . فنزل قوله تعالى: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ فتاب الله على هؤلاء وحسن إسلامهم. ولما حصل له ﷺ من الهم بأنه رأى

стр. 149

حمزة بن عبد المطلب ورأى ما فعلوا به من المثلة وقال: «لأمثلهن منهم بثلاثين» فنزلت هذه الآية ومات في ذلك اليوم من المسلمين سبعون، وأسر عشرون ومات من الكفار ستة عشر. وروي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت بسبب أنه ﷺ أراد أن يلعن المسلمين الذين خالفوا أمره والذين انهزموا يوم أحد فمنعه الله من ذلك، وإنما نصّ الله تعالى على المنع تقوية لعصمته أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ وهذان إما معطوفان على الأمر. والمعنى ليس لك يا أشرف الخلق من شأن هذه الحادثة شيء ومن التوبة عليهم أو من تعذيبهم شيء، لأنه ليس لك من مصالح عبادي شيء إلا ما أوحي إليك وليس لك من سؤال إهلاكهم شيء لأنه تعالى أعلم بالمصالح، فربما تاب الله عليهم أو معطوفان على «شيء» أي ليس لك من أمرهم شيء أو التوبة عليهم أو تعذيبهم. وقيل: المراد بالأمر ضد النهي. والمعنى ليس لك من أمر خلقي شيء، أو من توبتهم أو من تعذيبهم شيء إلا إذا كان على وفق أمري. والمقصود من الآية منعه ﷺ من كل فعل وقول إلا ما كان بإذنه وأمره وهذا هو الإرشاد إلى أكمل درجات العبودية فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (١٢٨) أي بالمعاصي وهذه جملة مستقلة لكن المقصود من ذكرها تعليل لحسن التعذيب. والمعنى أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فإنه تعالى إن عذبهم إنما يعذبهم لأنهم ظالمون. والمراد بالعذاب إما عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة. فعلم ذلك مفوّض إلى الله وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وخلقا يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ مغفرته وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ تعذيبه وتقديم المغفرة على التعذيب للإعلام بأن رحمته تعالى سبقت غضبه وبأن الرحمة من مقتضيات الذات دون الغضب فإنه من مقتضيات سيئات العصاة وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩) والمغفرة والرحمة على سبيل الإحسان، أما التعذيب فعلى سبيل العدل لأن الطاعة لا توجب الثواب، والمعصية لا توجب العقاب بل الكل من الله بحكم إلهيته وقهره وإرادته. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً على الدرهم مُضاعَفَةً في الأجل وكان الرجل في الجاهلية إذا كان له على إنسان مائة درهم إلى أجل فإذا جاء الأجل ولم يكن المديون واجدا لذلك المال، قال: زد في المال حتى أزيد في الأجل فربما جعله مائتين، ثم إذا حلّ الأجل الثاني فعل مثل ذلك، ثم إلى آجال كثيرة فيأخذ بسبب تلك المائة أضعافها. فهذا هو المراد من قوله: أَضْعافاً مُضاعَفَةً. وقرأ ابن كثير وابن عامر بتشديد العين بلا ألف قبلها. وقال القفال: يحتمل أن تكون هذه الآية متصلة بما تقدم من جهة أن المشركين إنما أنفقوا على تلك العساكر أموالا جمعوها بسبب الربا. فلعل ذلك يصير داعيا للمسلمين إلى الإقدام على الربا حتى يجمعوا المال، وينفقوه على العسكر فيتمكنوا من الانتقام منهم فحقا نهاهم الله عن ذلك. وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما نهيتم عنه من أخذ الربا وغيره لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) أي لكي تنجوا من

стр. 150

العذاب والسخط وَاتَّقُوا النَّارَ بأن تجتنبوا ما يوجبها وهو استحلال ما حرم من الربا وغيره الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (١٣١) وكان أبو حنيفة يقول: هذه الآية أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه، وفي الآية تنبيه على أن النار بالذات للكفار وبالعرض للعصاة. وَأَطِيعُوا اللَّهَ فيما يأمركم به وينهاكم عنه من أخذ الربا وغيره وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) الذي يبلغكم أوامر الله ونواهيه فإن طاعة الرسول طاعة لله وَسارِعُوا. قرأ نافع وابن عامر بغير واو أي بادروا واقبلوا. وقرئ شاذة وسابقوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أي إلى الإسلام- كما قاله ابن عباس- وإلى أداء الفرائض- كما قاله علي بن أبي طالب- والصلوات الخمس وإلى الإخلاص- كما قاله عثمان بن عفان- وإلى الجهاد- كما قاله الضحاك ومحمد بن إسحاق- وإلى التكبيرة الأولى- كما قاله سعيد بن جبير- وإلى جميع الطاعات- كما قاله عكرمة- وإلى التوبة من الربا والذنوب- كما قاله الأصم وابن عباس- وَجَنَّةٍ أي فكما تجب المسارعة إلى المغفرة فكذلك تجب المسارعة إلى الجنة. فمعنى الغفران إزالة العقاب، ومعنى الجنة إيصال الثواب فلا بد للمكلف من تحصيل الأمرين عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أي عرضها مثل عرض السموات والأرض لو جعلت السموات والأرض طبقا طبقا، بحيث يكون كل واحدة من تلك الطبقات سطحا مؤلفا من أجزاء لا تتجزأ، ثم وصل البعض بالبعض طبقا واحدا لكان ذلك مثل عرض الجنة وهذا غاية في السعة لا يعلمها إلا الله تعالى أُعِدَّتْ أي هيئت الجنة لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) ثم ذكر الله تعالى صفات المتقين فقال: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أموالهم في سبيل الله تعالى فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ أي في حال الغنى والفقر أو في سرور وحزن، أو على وفق طبعهم وعلى خلافه كما يحكى عن بعض السلف أنه ربما تصدق ببصلة. وعن عائشة ﵂ أنها تصدقت بحبة عنب وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ أي الكافين غيظهم. قال ﷺ : «من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا» «١» . وقال ﷺ : «من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه زوجه الله من الحور العين حيث يشاء» «٢» . وقال ﷺ : «ليس الشديد بالصرعة لكنه الذي يملك نفسه عند الغضب» «٣» .

стр. 151

وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) ومحبة الله للعبد أعظم درجات الثواب. روي عن عيسى ابن مريم أنه قال: «ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك ذلك مكافأة، إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك» . واعلم أن الإنسان إلى الغير إما أن يكون بإيصال النفع إليه أو بدفع الضرر عنه، أما إيصال النفع إليه فيدخل فيه إنفاق العلم بأن يشتغل بتعليم الجاهلين، وهداية الضالين ويدخل فيه إنفاق المال في وجوه الخيرات والعبادات، وأما دفع الضرر عن الغير فهو إما في الدنيا بأن لا يشتغل بمقابلة تلك الإساءة بإساءة أخرى فهذا داخل في كظم الغيظ، وأما في الآخرة بأن يبرئ ذمة الغير عن المطالبات فهذا داخل في العفو عن الناس. فهذه الآية دالة على جميع جهات الإحسان إلى الغير. وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أي معصية أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بأن أتوا أيّ ذنب كان ذَكَرُوا اللَّهَ أي خافوا الله. قال بعضهم: لما وصف الله تعالى الجنة بأنها معدة للمتقين بيّن أن المتقين قسمان: أحدهما: الذين أقبلوا على الطاعات وهم الذين وصفهم الله بالإنفاق وكظم الغيظ والعفو عن الناس. وثانيهما: الذين أذنبوا ثم تابوا. وعلى هذا فالاسم الموصول معطوف على الموصول قبله. وقيل: لما ندب الله تعالى في الآية الأولى إلى الإحسان إلى الغير ندب في هذه الآية إلى الإحسان إلى النفس وعلى هذا فالاسم الموصول معطوف على المحسنين. روى ابن عباس أن هذه الآية نزلت في رجلين- أنصاري وثقفي- والرسول ﷺ كان قد آخى بينهما وكانا لا يفترقان في أحوالهما، فخرج الثقفي مع الرسول ﷺ بالقرعة في السفر وخلف الأنصاري على أهله يتعاهدهم فكان يفعل ذلك، ثم قام إلى امرأته ليقبلها فوضعت كفها على وجهها، فندم الرجل، فلما وافى الثقفي مع الرسول ﷺ لم ير الأنصاري وكان قد هام في الجبال للتوبة فلما عرف الرسول ﷺ سكت حتى نزلت هذه الآية. وقال عطاء: نزلت في شأن أبي سعيد نبهان التمار فإنه أتته امرأة حسناء تطلب منه تمرا بالشراء، فقال لها: هذا التمر ليس بجيد، وفي البيت أجود منه فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه وقبّلها فقالت له: اتق الله فتركها وندم على ذلك ثم أتى النبي ﷺ وذكر ذلك فنزلت هذه الآية: فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ أي أتوا بالتوبة على الوجه الصحيح لأجل ذنوبهم، وهو الندم على فعل ما مضى مع العزم على ترك مثله في المستقبل فهذا هو حقيقة التوبة، فأما الاستغفار باللسان فذاك لا أثر له في إزالة الذنب بل يجب إظهار هذا الاستغفار لإزالة التهمة ولإظهار انقطاعه إلى الله

стр. 152

تعالى. وقوله: «فاستغفروا» معطوف على جواب «إذا» . وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ أي لا يغفر ذنوب التائب أحد إلا الله وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا من الذنوب بأن أقلعوا عنها في الحال وهذا معطوف على قوله: «فاستغفروا» وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أن الذي فعلوه معصية الله، وهذه الجملة حال من فاعل «يصروا» أُولئِكَ الذين خافوا الله وتابوا من ذنوبهم جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ لذنوبهم وَجَنَّاتٌ أي بساتين تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي من تحت شجرها ومساكنها أنهار الخمر والماء والعسل واللبن خالِدِينَ فِيها أي دائمين في الجنة لا يموتون ولا يخرجون منها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (١٣٦) أي نعم ثواب التائبين المغفرة والجنات. قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ أي قد مضت من قبل زمانكم سنن الله تعالى في الأمم السالفة المكذبة للرسل بإهلاكهم إن لم يتوبوا، وبالمغفرة إن تابوا، فرغب الله تعالى أمة محمد ﷺ في تأمل أحوال هؤلاء الماضين ليصير ذلك داعيا لهم إلى الإيمان بالله ورسله والإعراض عن الرياسة في الدنيا وطلب الجاه فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا أي تعرفوا أيها المؤمنون أحوال الأمم السالفة بسير أو غيره، ثم تفكروا فيها للتسلي والاتعاظ. كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) أي كيف صار آخر أمر المكذبين بالرسل الذين لم يتوبوا من تكذيبهم هذا القرآن بَيانٌ بالحلال والحرام لِلنَّاسِ عامة وَهُدىً من الضلالة وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) . فالحاصل أن البيان جنس تحته نوعان: أحدهما: الكلام الهادي إلى ما ينبغي في الدين وهو الهدي. والثاني: الكلام الزاجر عما لا ينبغي في الدين وهو الموعظة، وإنما خصص الله المتقين بالهدي والموعظة لأنهم المنتفعون بهما دون غيرهم وَلا تَهِنُوا أي لا تضعفوا عن الجهاد مع عدوكم وَلا تَحْزَنُوا على ما فاتكم من الغنائم يوم أحد، ولا على ما أصابكم من القتل والجراحة وكان قد قتل يومئذ سبعون رجلا خمسة من المهاجرين حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير صاحب راية رسول الله ﷺ ، وعبد الله بن جحش ابن عمة النبيّ ﷺ ، وشماس بن عثمان وسعد مولى عتبة وباقيهم من الأنصار ﵃ أجمعين وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ أي والحال أنكم في آخر الأمر الغالبون بالنصرة لكم دون عدوكم فإن مصير أمرهم إلى الدمار حسب ما شاهدتم من أحوال أسلافهم إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وهذا إما منصب بالنهي أو بوعد النصر والغلبة، أي إن كنتم مؤمنين فلا تهنوا ولا تحزنوا فإن الإيمان يوجب قوة القلب والثقة بصنع الله تعالى وقلة المبالاة بالأعداء، أو إن كنتم مؤمنين فأنتم الأعلون فإن الإيمان يقتضي العلو بلا شك إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ أي إن أصابكم جرح يوم أحد فقد أصاب أهل مكة يوم بدر جرح مثل ما أصابكم يوم أحد ثم لم يضعف ذلك قلوبكم فأنتم أحق بأن

стр. 153

لا تضعفوا. وقيل: إن المعنى إن نالكم يوم أحد قرح وانهزام فقد نال الكفار في ذلك اليوم مثل ذلك، فإن المسلمين نالوا من الكفار قبل أن يخالفوا أمر رسول الله ﷺ قتلوا منهم نيفا وعشرين رجلا- منهم صاحب لوائهم- وجرحوا عددا كثيرا، وعقروا عامة خيلهم بالنبل وقد كانت الهزيمة عليهم في أول النهار وَتِلْكَ الْأَيَّامُ أي أيام الدنيا نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ لا يدوم مسارها ولا مضارها فيوم يحصل فيه السرور للمؤمنين، والغم للأعداء ويوم آخر بالعكس، وليس المراد من هذه المداولة أن الله تعالى تارة ينصر المؤمنين، والأخرى ينصر الكافرين وذلك لأن نصرة الله منصب شريف فلا يليق بالكافر بل المراد من هذه المداولة أنه تارة يشدد المحنة على الكفارة وأخرى على المؤمنين ولو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين في جميع الأوقات لحصل العلم الاضطراري بأن الإيمان حق وما سواه باطل، ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب. وأيضا إن المؤمن قد يقدم على بعض المعاصي فيشدد الله المحنة عليه في الدنيا تأديبا له وأما تشديد المحنة على الكافر فإنه غضب من الله عليه. وأيضا إن لذات الدنيا وآلامها غير باقية وإنما السعادات المستمرة في دار الآخرة. وروي أن أبا سفيان صعد الجبل يوم أحد، ثم قال: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: هذا رسول الله، وهذا أبو بكر، وها أنا عمر! فقال أبو سفيان: يوم بيوم، والأيام دول، والحرب سجال. فقال عمر: لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، فقال: إن كان الأمر كما تزعمون فقد خبنا إذا وخسرنا. وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا واللام متعلقة بفعل مضمر. والتقدير وفعلنا هذه المداولة لكي يرى الله الذين أخلصوا في إيمانهم متميزين من المنافقين إذا أصابتهم المشقة كما وقع في أحد وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ أي يكرم الله من يشاء منكم بالشهادة وهم شهداء أحد وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) أي المشركين وإنما يظفرهم في بعض الأحيان استدراجا لهم وابتلاء للمؤمنين وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا أي ليطهرهم من ذنوبهم بما يصيبهم في الجهاد إن كانت الغلبة للكافرين على المؤمنين وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (١٤١) أي يهلكهم في الحرب إن كانت الغلبة للمؤمنين على الكافرين أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) والخطاب للذين انهزموا يوم أحد. أي أظننتم أن تدخلوا الجنة وتفوزوا بنعيمها والحال أنه لم يتحقق منكم الجهاد والصبر- أي الجمع بينهما- أي لا تحسبوا ذلك والحال أن الله تعالى لم ير المجاهدين منكم في سبيل الله يوم أحد والصابرين على قتال عدوهم مع نبيهم وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ بالشهادة في الحرب مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ أي الموت يوم أحد حيث قلتم: ليت لنا يوما كيوم بدر لننال ما نال شهداؤه من الكرامة وكانوا قد ألحوا على رسول الله ﷺ يوم أحد في الخروج، ثم ظهر منهم خلاف ذلك فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ أي إن كنتم صادقين في تمنيكم الحرب فقد رأيتم الموت بمشاهدة أسبابه يوم أحد وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)

стр. 154

إلى سيوف الكفار حين قتل أمامكم من قتل من إخوانكم، فلم انهزمتم منهم ولم تثبتوا مع نبيكم؟ وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أي قد مضت من قبل محمد أمثاله من رسل الله تعالى. قال ابن عباس ومجاهد والضحّاك: لما نزل النبيّ ﷺ بأحد أمر الرماة أن يلزموا أصل الجبل ثم قتل على طلحة صاحب لواء الكفار، وشد الزبير والمقداد على المشركين فانهزم الكفار، ثم بادر قوم من الرماة إلى الغنيمة وكان خالد بن الوليد صاحب ميمنة الكفار فلما رأى تفرق الرماة حمل على المسلمين فهزمهم، وفرق جمعهم، ورمى عبد الله بن قميئة رسول الله ﷺ بحجر فكسر رباعيته وشجّ وجهه وأقبل يريد قتله فذب عنه مصعب بن عمير وهو صاحب راية رسول الله ﷺ يوم بدر وأحد فقتله ابن قميئة فظن أنه قتل رسول الله ﷺ فقال: قد قتلت محمدا، وصرخ صارخ ألا إن محمدا قد قتل ففشا في الناس خبر قتله فهناك قال بعض المسلمين: ليت عبد الله بن أبي يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان وبعض الصحابة جلسوا وألقوا بأيديهم. وقال قوم من المنافقين: لو كان محمدا نبيا لما قتل وإن كان قد قتل فارجعوا إلى دينكم الأول. فقال أنس بن النضر- عم أنس بن مالك-: يا قوم إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد حيّ لا يموت وما تصنعون في الحياة بعد رسول الله ﷺ ؟! قاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما مات عليه. ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء المسلمون وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء المنافقين، ثم سلّ سيفه فقاتل حتى قتل رحمه الله تعالى. ثم إن رسول الله ﷺ انطلق إلى الصخرة وهو يدعو الناس ويقول: «إليّ عباد الله» «١» فأول من عرفه ﷺ كعب بن مالك وقال: عرفت عينيه تحت المغفر تزهران فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله ﷺ ، فأشار إلي أن أمسك، فانحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم على هزيمتهم، فقالوا: يا نبي الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا أتانا الخبر بأنك قد قتلت فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين فأنزل الله تعالى هذه الآية: أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ أي أصرتم كفارا بعد إيمانكم إن مات محمد أو قتل كغيره من الرسل فتخالفوا سنن أتباع الأنبياء قبلكم في ثباتهم على ملل أنبيائهم بعد موتهم. أي لا ينبغي منكم الارتداد حينئذ لأن محمدا ﷺ مبلّغ لا معبود وقد بلّغكم والمعبود باق فلا وجه لرجوعكم عن الدين الحق لو مات من بلغكم إياه. وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً أي ومن يرجع إلى دينه الأول- وهو الشرك- فلن ينقص الله رجوعه شيئا وإنما يهلك نفسه بإقباله على

стр. 155

العذاب. وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ أي الثابتين على دين الإسلام الذي هو أجل نعمة وأعز معروف كأنس بن النضر وأمثاله وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي بإرادة الله وقضائه كِتاباً مُؤَجَّلًا أي كتب الله الموت كتابا مؤقتا كتابة أجله ورزقه سواء لا يسبق أحدهما الآخر. وهذا إعلام بأن الحذر لا يدفع القدر وأن أحدا لا يموت قبل الأجل، وإذا جاء الأجل لا يندفع الموت بشيء فلا فائدة في الجبن والخوف وَمَنْ يُرِدْ بعمله ثَوابَ الدُّنْيا أي منفعة الدنيا نُؤْتِهِ مِنْها أي نعطه من الدنيا ما يريد مما نشاء أن نعطيه إياه وما له في الآخرة من نصيب وَمَنْ يُرِدْ بعمله ثَوابَ الْآخِرَةِ أي منفعة الآخرة نُؤْتِهِ مِنْها أي نعطه من الآخرة ما يريد مما نشاء من الأضعاف حسب ما جرى به الوعد الكريم وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) أي نعمة الإسلام الثابتين عليه الصارفين لما آتاهم الله تعالى من القوى إلى ما خلق لأجله من طاعة الله. فاعلم أن الذين حضروا يوم أحد كانوا فريقين: منهم من يريد الدنيا كالذين كانوا المركز طلبا للغنيمة والثناء، وهؤلاء لا بد وأن ينهزموا. ومنهم من يريد الآخرة كالذين ثبتوا مع أميرهم عبد الله بن جبير حتى قتلوا والذين حضروا للدين لا بد وأن لا ينهزموا. واعلم أن هذه الآية وإن وردت في الجهاد خاصة لكنها عامة في جميع الأعمال وذلك لأن المؤثر في جلب الثواب والعقاب الدواعي. والمقصود لا ظواهر الأعمال كما في قوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» «١» . فإن من وضع الجبهة على الأرض في صلاة الظهر والشمس قدامه فإن قصد بذلك السجود عبادة الله تعالى كان ذلك من أعظم دعائم الإسلام وإن قصد به عبادة الشمس كان ذلك من أعظم دعائم الكفر وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قرأ ابن كثير «كائن» بألف بعد الكاف بعدها همزة مكسورة. والباقون بهمزة بعد الكاف بعدها ياء مشدودة. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر وقتل مبنيا للمفعول. وقتادة كذلك إلا أنه شدد التاء، وباقي السبعة «قاتل» وضمير الفعل يعود على المبتدأ والجملة خبر المبتدأ. وجملة «معه ربيون» من المبتدأ والخبر في محل نصب على الحال من ضمير الفعل، و «كثير» صفة ل «ربيون» . والمعنى على القراءة الأولى وكثير من الأنبياء قتلوا وبعدهم الذين بقوا من جماعتهم فما وهنوا أي ضعفوا في دينهم بل استمروا على جهاد عدوهم ونصرة دينهم، فكان ينبغي أن يكون حالكم يا أمة

стр. 156

محمد هكذا. قال سعيد بن جبير: ما سمعنا بنبي قتل في القتال. وقال الحسن البصري وجماعة من العظماء: لم يقتل نبي في حرب قط، والمعنى على القراءة المشهورة وكثير من نبي قاتل لإعلاء كلمة الله وإعزاز دينه كائنا معه في القتال جماعات كثيرة من أصحابه فأصابهم من عدوهم قرح فما وهنوا أي جبنوا لأن الذي أصابهم إنما هو في طاعة الله وإقامة دينه ونصرة رسوله فكذلك ينبغي أن تفعلوا مثل ذلك يا أمة محمد وَما ضَعُفُوا أي عجزوا عن قتال عدوهم وَمَا اسْتَكانُوا أي ذلوا لعدوهم كما فعلتم حين قيل: قتل نبيكم وأردتم أن تعتضدوا بالمنافق عبد الله بن أبي في طلب الأمان من أبي سفيان وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) على تحمل الشدائد في طريق الله أي يكرمهم ويعظمهم وَما كانَ قَوْلَهُمْ بعد ما قتل نبيهم إِلَّا أَنْ قالُوا هذا الدعاء. وقولهم بالنصب خبر لكان واسمها أن وما بعدها رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا الصغائر والكبائر وَإِسْرافَنا أي إفراطنا فِي أَمْرِنا بإتيان الذنوب العظيمة الكبيرة وَثَبِّتْ أَقْدامَنا بإزالة الخوف عن القلوب وإزالة الخواطر الفاسدة عن الصدور وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (١٤٧) وهذا تأديب من الله تعالى في كيفية الطلب بالأدعية عند النوائب والمحن سواء كان في الجهاد أو غيره فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا بالنصرة والغنيمة، وقهر العدو، والثناء الجميل، وانشراح الصدر بنور الإيمان، وزوال ظلمات الشبهات وكفارة المعاصي والشبهات وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ أي حكم الله لهم بحصول الجنة وما فيها من المنافع واللذات وأنواع السرور والتعظيم في الآخرة وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨) أي المعترفين بكونهم مسيئين، فلما اعترفوا بذلك سماهم الله محسنين كأن الله تعالى يقول لهم: إذا اعترفتم بإساءتكم وعجزكم فأنا أصفكم بالإحسان وأجعلكم أحباء لنفسي حتى تعلموا أنه لا سبيل للعبد إلى الوصول إلى حضرة الله إلا بإظهار الذلة والمسكنة والعجز. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا أي المنافقين في قولهم للمؤمنين المنهزمين ارجعوا إلى دينكم وإخوانكم ولو كان محمد نبيا لما قتل يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ أي يرجعوكم إلى دينكم الأول. قال علي: والمراد بالذين كفروا: المنافقون، كما تقدم. وقال السدي وغيره: المراد بهم أبو سفيان بن حرب لأنه شجرة الفتن وكبير القوم في ذلك اليوم. ومعنى الآية حينئذ إن تخضعوا لأبي سفيان وأشياعه وتستأمنوهم يردوكم إلى دينهم. وقيل: المراد عبد الله بن أبي وأتباعه من المنافقين لأنهم قالوا: لو كان محمد رسول الله ما وقعت له هذه الواقعة فارجعوا إلى دينكم الذي كنتم فيه. وقال ابن عباس: والمراد بهم اليهود كعب وأصحابه. والمراد بالذين آمنوا حذيفة وعمار فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (١٤٩) أي فترجعوا مغبونين في الدارين بالانقياد للعدو والتذلل له وبالحرمان عن الثواب المؤبد، والوقوع في العقاب المخلد بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ أي ناصركم وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) أي أقواهم بالنصرة. فلا ينبغي أن تطيعوا الكفار لينصروكم لأنهم عاجزون سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ أي سنقذف

стр. 157

في قلوب كفار مكة المخافة منكم حتى انهزموا وذلك أن الكفار لما هزموا المسلمين في أحد أوقع الله الرعب في قلوبهم فتركوهم وفروا منهم من غير سبب. حتى روي أن أبا سفيان صعد الجبل وقال: أين ابن أبي كبشة؟ وأين ابن أبي قحافة؟ وأين ابن الخطاب؟ فأجابه عمر ودارت كلمات بينهما وما تجاسر أبو سفيان على النزول من الجبل والذهاب إليهم. بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ أي بعبادته سُلْطاناً أي كتابا ولا رسولا وَمَأْواهُمُ النَّارُ أي مسكنهم في الآخرة النار وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١) أي وبئس مقر الكافرين النار وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ يوم أحد. نزلت هذه الآية لما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة وقد أصابهم ما أصابهم بأحد قال ناس من أصحابه من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية: إِذْ تَحُسُّونَهُمْ أي تقتلونهم قتلا كثيرا في أول الحرب بِإِذْنِهِ أي بعلمه ونصرته حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ أي إلى أن ضعفتم في الرأي أو إلى حين الغنيمة وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ أي اختلفتم في أمر الحرب أو في امتثال أمر النبيّ ﷺ وذلك لأنه ﷺ أمر الرماة بأن لا يبرحوا عن مكانهم ألبتة، وجعل أميرهم عبد الله بن جبير، فلما ظهر المشركون أقبل الرماة عليهم بالرمي الكثير حتى انهزم المشركون، ثم إن الرماة رأوا نساء المشركين صعدن الجبل وكشفن عن سوقهن بحيث بدت خلا خيلهن فقالوا: الغنيمة الغنيمة، فقال عبد الله: عهد الرسول إلينا أن لا نبرح عن هذا المكان فأبوا عليه وذهبوا إلى طلب الغنيمة وبقي عبد الله مع طائفة قليلة دون العشرة إلى أن قتلهم المشركون. وَعَصَيْتُمْ أمر النبيّ ﷺ بالإقامة في أصل الجبل وتركتم المركز لأجل تحصيل الغنيمة مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ أي بعد ما أراكم النبيّ ﷺ النصرة والغنيمة مِنْكُمْ أي من الرماة مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا بجهاده، وهم الذين تركوا المركز لأجل الغنيمة وَمِنْكُمْ أي من الرماة مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ بجهاده وهم الذين ثبتوا مكانهم حتى قتلوا وهم عبد الله بن جبير وأصحابه ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ أي ثم رد المسلمين عن الكفار وألقى الهزيمة عليهم وسلط الكفار عليهم لِيَبْتَلِيَكُمْ أي ليجعل ذلك الصرف محنة عليكم لتتوبوا إلى الله وتستغفروه فيما خالفتم فيه أمره وملتم فيه إلى الغنيمة وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ لما علم من ندمكم على المخالفة وتفضلا منه تعالى وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) حيث لم يستأصل الرماة إِذْ تُصْعِدُونَ أي تذهبون في الأرض وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ أي ولا تلتفتون إلى أحد من شدة الهرب وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ أي وهو واقف في آخركم وكان يقول: «إلىّ عباد الله، إليّ عباد الله أنا رسول الله من يقرّ فله الجنة» «١» فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ أي جازاكم الله عما حصل لكم بسبب الانهزام، وقتل

стр. 158

الأحباب، وفوت الغنائم بغم حصل للرسول بسبب عصيانكم أمره لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ من الغنيمة وَلا ما أَصابَكُمْ من القتل والجراحة. قال أبو السعود: أي لتتمرنوا على الصبر في الشدائد فلا تحزنوا على نفع فات أو ضر آت وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٥٣) أي عالم بأعمالكم ومقاصدكم قادر على مجازاتها إن خيرا فخير وإن شرا فشر ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً من العدو نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ أي يأخذ النعاس المهاجرين وعامة الأنصار وَطائِفَةٌ وهم المنافقون عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير وأصحابهما قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ أي أوقعهم في الهموم لأن أسباب الخوف وهي قصد العدو كانت حاصلة لهم والدافع لذلك وهو الوثوق بوعد الله ورسوله غير معتبر عندهم لأنهم كانوا مكذبين بالرسول في قلوبهم فلذلك عظم الخوف في قلوبهم يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ أي كانوا يقولون في أنفسهم لو كان محمد محقا في دعواه لما سلط الكفار عليه وهذا ظن فاسد والله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا اعتراض لأحد عليه، فإن النبوة خلعة من الله تعالى يشرف عبده بها وليس يجب في العقل أن الله تعالى إذا شرف عبده بخلعة أن يشرفه بخلعة أخرى بل له الأمر والنهي كيف شاء بحكم الإلهية يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ أي هل لنا من النصر الذي وعدنا به محمد نصيب قط. وهذا الكلام إن كان قائله من المنافقين كعبد الله بن أبي فإنما قاله طعنا في نبوة محمد ﷺ وفي الإسلام وإن كان من المؤمنين المحققين كان غرضه منه إظهار الشفقة أنه متى يكون الفرج ومن أين يكون تحصل النصرة. قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ أي التدبير كُلَّهُ لِلَّهِ فإنه تعالى قد دبر الأمر كما جرى في سابق قضائه فلا مرد له يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ أي يقولون فيما بينهم بطريق الخفية مظهرين أنهم مسترشدون طالبون للنصر مبطنين الإنكار والتكذيب مخافة القتل يَقُولُونَ أي معتب بن قشير وعبد الله بن أبي: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا أي لو كان لنا من التدبير والرأي شيء ما قتل من قتل منا في هذه المعركة وما غلبنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ أي قل يا أشرف الخلق لهم لو جلستم في بيوتكم في المدينة لخرج منكم من كتب الله عليهم القتل إلى مصارعهم أي أماكنهم التي ماتوا فيها عند أحد حتى يوجد ما علم الله أنه يوجد فإن الحذر لا يدفع القدر والتدبير لا يقاوم التقدير فالذين قدر الله عليهم القتل لا بد وأن يقتلوا لأن الله تعالى لما أخبر يقتل فلو لم يقتل لا نقلب علمه جهلا وذلك محال وَفرض الله عليكم القتال ولم ينصركم يوم أحد لِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ أي ليعاملكم من يختبر ما في قلوبكم من الإخلاص والنفاق

стр. 159

وليظهر ما فيها من السرائر وفي المثل المشهور لا تكرهوا الفتن فإنها حصاد المنافقين وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ أي يخلصها من الوساوس وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) أي بما في القلوب من الخير والشر إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ أي انهزموا يوم أحد وهم عثمان بن عفان، ورافع بن المعلى وخارجة بن زيد يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ جمع محمد ﷺ وجمع أبي سفيان إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ أي أزالهم الشيطان بوسوسته أن محمدا قتل بِبَعْضِ ما كَسَبُوا أي بشؤم بعض ما كسبوا من الذنوب بترك المركز وبالحرص على الغنيمة أو على الحياة وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ لتوبتهم واعتذارهم إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لمن تاب حَلِيمٌ (١٥٥) أي لا يعجل لهم بالعقوبة وأما الذين ثبتوا مع رسول الله ﷺ أربعة عشر رجلا، سبعة من المهاجرين: أبو بكر وعلي وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، وأبو عبيدة بن الجراح، والزبير بن العوام. وسبعة من الأنصار: الخباب بن المنذر، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت، والحرث بن الصمة، وسهل بن حنيف، وأسيد بن حضير، وسعد بن معاذ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا أي في نفس الأمر وهم المنافقون عبد الله بن أبي وأصحابه وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ أي لأجل إخوانهم في النسب أو في الكفر والنفاق إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أي ساروا فيها للتجارة أو غيرها فماتوا أَوْ كانُوا غُزًّى فقتلوا لَوْ كانُوا عِنْدَنا أي مقيمين في المدينة ما ماتُوا في سفرهم وَما قُتِلُوا في غزواتهم لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ أي ظنهم أن إخوانهم لو لم يسافروا ولم يحضروا القتال لعاشوا حَسْرَةً أي حزنا فِي قُلُوبِهِمْ واللام لام العاقبة أي أنهم قالوا ذلك لإعماء قلوب المسلمين ليضيق صدرهم وليتخلفوا عن القتال فلما كان المؤمنون لم يلتفتوا إلى قولهم فيضيع سعيهم، ويبطل كيدهم فتحصل الندامة في قلوبهم وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ فمن قدر له البقاء لم يقتل في الجهاد ومن قدر له الموت لم يبق وإن لم يجاهد فإنه تعالى قد يحيي المسافر والغازي مع اقتحامهما لموارد الخوف، ويميت القاعد عن القتال والمقيم مع حيازتهما لأسباب السلامة وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) فيجازيهم على قولهم واعتقادهم ويجازيكم أن تماثلوهم في ذلك وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي في الجهاد أَوْ مُتُّمْ في سفركم للغزو مع الكفار أو في بيوتكم وكنتم مخلصين من النفاق لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ لذنوبكم وَرَحْمَةٌ منه لكم خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) أي مما تجمعونه أنتم لو لم تموتوا من الأموال التي تعد خيرات. وقرأ حفص عن عاصم بالغيبة أي خير مما يجمعه هؤلاء الكفرة من منافع الدنيا وطيباتها مدة أعمارهم. قال الفخر الرازي: والأصوب عندي أن اللام في «ولئن» للتأكيد فيكون المعنى إن وجب أن تموتوا أو تقتلوا في سفركم وغزوكم فكذلك يجب أن تفوزوا بالمغفرة والرحمة فلماذا تحترزون عن الموت والقتل بل ذلك مما يجب أن يتنافس فيه المتنافسون لأن الموت الذي يستحق الثواب العظيم كان خيرا من الموت من غير فائدة وَلَئِنْ مُتُّمْ في حضر أو سفر أَوْ

стр. 160

قُتِلْتُمْ في الجهاد أو غيره لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨) فجميع العالمين يوفقون في عرصة القيامة وبساط العدل فيجتمع المظلوم مع الظالم والمقتول مع القاتل والله تعالى يحكم بين عبيده بالعدل. واعلم أن الله تعالى رغب المجاهدين في الآية الأولى بالمغفرة والرحمة وفي هذه الآية بالحشر إلى الله زيادة في إعلاء الدرجات. يروى «أن عيسى ابن مريم مر بأقوام نحفت أبدانهم واصفرت وجوههم ورأى عليهم آثار العبادة فقال: ماذا تطلبون؟ فقالوا: نخشى عذاب الله، فقال: هو أكرم من أن لا يخلصكم من عذابه. ثم مر بأقوام آخرين فرأى عليهم تلك الآثار فسألهم فقالوا: نطلب الجنة والرحمة، فقال: هو أكرم من أن يمنعكم رحمته. ثم مر بقوم ورأى آثار العبودية عليهم أكثر فسألهم فقالوا: نعبده لأنه إلهنا ونحن عبيده لا لرغبة ولا لرهبة، فقال: أنتم العبيد المخلصون والمتعبدون المحقّون» . فقوله تعالى: لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ إشارة إلى من يعبده خوفا من عقابه. وقوله: وَرَحْمَةٌ إشارة إلى من يعبده لطلب ثوابه. وقوله تعالى: لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ إشارة إلى من يعبد الله لمجرد الربوبية وهذا أعلا المقامات وأبعد النهايات في العبودية في علو الدرجة، فهؤلاء الذين بذلوا أنفسهم وأبدانهم في طاعة الله ومجاهدة عدوه يكون حشرهم إليه واستئناسهم بكرمه وتمتعهم بشروق نور ربوبيته فَبِما رَحْمَةٍ فما استفهام للتعجب تقديره فبأي رحمة مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وذلك لأنه لما كانت جنايتهم عظيمة ثم إنه ﷺ لم يظهر تغليظا في القول ألبتة علموا أن هذا لا يتأتى إلا بتأييد رباني فكان ذلك موضع التعجب من كمال ذلك التأييد وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا باللسان غَلِيظَ الْقَلْبِ أي قاسية لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ أي لتفرقوا من عندك ولم يسكنوا إليك ولو يسكنوا إليك ولو انفضوا من حولك فات المقصود من الرسالة فَاعْفُ عَنْهُمْ فيما يتعلق بحقوقك وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ من الله تعالى فيما يتعلق بحقوقه تعالى إتماما للشفقة عليهم وإكمالا للبر بهم وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فإن المشاورة تقتضي شدة محبتهم له ﷺ لأنها تدل على رفعة درجتهم فترك المشاورة معهم إهانة لهم قال ﷺ : «ما شاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم» . فَإِذا عَزَمْتَ عقب المشاورة على شيء فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ في إمضاء أمرك على ما هو أصلح وليس التوكل إهمال التدبير بالكلية وإلا لكان الأمر بالمشاورة منافيا للأمر بالتوكل بل التوكل هو أن يراعي الإنسان الأسباب الظاهرة ولكن لا يعول بقلبه عليها بل يعول بقلبه على عصمة الله وإعانته إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) عليه تعالى فينصرهم ويرشدهم إلى ما فيه خير لهم وصلاح إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ أي إن ينصركم كما نصركم يوم بدر فلا أحد يغلبكم وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ أي يترك الله نصرتكم كيوم أحد فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ أي فلا أحد ينصركم على عدوكم من بعد

стр. 161

خذلانه تعالى وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠) بالنصرة وغيرها وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بفتح الياء وضم الغين، أي وما جاز لنبي أن يخون أمته في الغنائم. قال الكلبي ومقاتل: نزلت هذه الآية حين ترك الرماة المركز يوم أحد طلبا للغنيمة، وقالوا: نخشى أن يقول النّبيّ ﷺ من أخذ شيئا فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر. فقال ﷺ لهم: «ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري؟» . فقالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفا. فقال ﷺ : «ظننتم أنا نغفل فلا نقسم لكم» . فنزلت هذه الآية . وقرأ الباقون من السبعة «يغل» بضم الياء وفتح الغين أي وما جاز لنبي أن يخان لأن الوحي كان يأتيه حالا فحالا فمن خانه فربما نزل الوحي فيه فيحصل له مع عذاب الآخرة فضيحة الدنيا ولأن الخيانة في حقه ﷺ أفحش لأنه أفضل البشر، ولأن المسلمين في ذلك الوقت كانوا في غاية الفقر، كما روي أن النبي ﷺ لما وقعت في يده يوم حنين غنائم هوازن غل رجل بمخيط فنزلت هذه الآية وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ أي يأت بالذي غله بعينه يحمله على عنقه يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ أي تعطى وافيا ما كَسَبَتْ أي جزاء ما عملت من الغلول وغيره وَهُمْ أي كل نفس لا يُظْلَمُونَ (١٦١) بزيادة عقاب أو بنقص ثواب لأنه تعالى عادل في حكمه أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ أي أمن اتقى فاتبع رضوان الله بالإيمان به والعمل بطاعته كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ أي كمن استحق سخطا من الله بالكفر به والاشتغال بمعصيته وَمَأْواهُ أي الغال أو من استوجب سخط الله جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) جهنم هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ أي الفريقان مختلفون في درجات الثواب والعقاب في حكم الله وعلمه باختلاف مراتب الطاعات والمعاصي وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٦٣) أي بأعمالهم ودرجاتها فيجازيهم بحسبها لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أي لقد أحسن إليهم إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي بعث آدميا ولد في بلدهم ونشأ فيما بينهم وهم كانوا عارفين بأحواله من أول العمر إلى آخره أنه ملازم الصدق والأمانة وهو صار شرفا للعرب وفخرا لهم، وذلك لأن الافتخار بإبراهيم ﵇ كان مشتركا فيه اليهود والنصارى والعرب، ثم إن اليهود يفتخرون بموسى والتوراة والنصارى يفتخرون بعيسى والإنجيل فما كان للعرب ما يقابل ذلك فلما بعث الله محمدا وأنزل القرآن صار شرف العرب بذلك زائدا على شرف جميع الأمم. فهذا وجه الفائدة في قوله تعالى من أنفسهم: يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ أي القرآن. أي يبلغ الوحي من عند الله إلى الخلق بالأمر والنهي وَيُزَكِّيهِمْ أي يطهرهم بالتوحيد من الشرك وبأخذ الزكاة من الذنوب ويكمل نظرهم بحصول المعارف الإلهية وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ أي ظواهر الشريعة أو يعرفهم التأويل وَالْحِكْمَةَ أي محاسن الشريعة وأسرارها وعللها وَإِنْ

стр. 162

كانُوا مِنْ قَبْلُ أي والحال أنهم كانوا من قبل بعثته ﷺ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤) أو المعنى وما كانوا من قبل مجيء محمد والقرآن إلا في ضلال بيّن وذلك لأن دين العرب قبل ذلك كان أرذل الأديان- وهو عبادة الأوثان- وأخلاقهم أرذل الأخلاق- وهو الغارة والنهب، والقتل وأكل الأطعمة الرديئة- ثم لما بعث الله سيدنا محمدا ﷺ إليهم انتقلوا ببركته من تلك الدرجة التي هي أخس الدرجات إلى أحسنها، وصاروا أفضل الأمم في العلم والزهد والعبادة وعدم الالتفات إلى الدنيا وطيباتها ولا شك أن هذا أعظم المنة. أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا أي أقلتم متعجبين من أين أصابنا هذا ونحن ننصر الإسلام الذي هو دين الحق ومعنا الرسول وهم ينصرون دين الشرك بالله فكيف صاروا منصورين علينا وقد تقدم الوعد بالنصر حين أصابكم من المشركين نصف ما قد أصابهم منكم قبل. وذلك لأن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد سبعين، وقتل المسلمون منهم يوم بدر سبعين وأسروا سبعين. والأسير في حكم المقتول لأن الآسر يقتل أسيره إن أراد. قُلْ هُوَ أي حصول هذا الأمر مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ أي بشؤم معصيتكم بترككم المركز وحرصكم على الغنيمة إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥) فإنه قادر على نصركم لو ثبتم وصبرتم كما هو قادر على التخلية بينكم وبين عدوكم إذا خالفتم وعصيتم وَما أَصابَكُمْ في أحد من القتل والجراحة يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ جمع محمد وجمع أبي سفيان فَبِإِذْنِ اللَّهِ أي فهو بقضائه وإرادته وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ أي وليظهر الله للناس الثابتين على الإيمان والذين أظهروا النفاق والامتناع من الجهاد مع وجود الطلب. وهم عبد الله بن أبي وأصحابه حيث رجعوا يوم أحد إلى المدينة قال لهم عبد الله بن جبير أو عبد الله بن عمرو بن حرام- والد جابر بن عبد الله الأنصاري -: أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عند حضور العدو تَعالَوْا إلى أحد قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا أي كونوا إما من رجال الدين وإما من رجال الدنيا فإن كان في قلبكم حب الدين والإسلام فقاتلوا لهما في طاعة الله، وإن لم تكونوا كذلك فقاتلوا دفعا عن أنفسكم وأهليكم وأموالكم وبلدكم. قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا أي لو نحسن قتالا ونقدر عليه لَاتَّبَعْناكُمْ إلى أحد هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ أي هم للكفر يوم إذ قالوا ما قالوا أقرب منهم للإيمان، فإنهم كانوا قبل هذه الواقعة يظهرون الإيمان من أنفسهم وما ظهرت منهم أمارة تدل على كفرهم، فلما رجعوا عن عسكر المسلمين تباعدوا بذلك عن أن يظن بهم كونهم مؤمنين وأيضا قولهم ذلك يدل على كفرهم لأنه إما على السخرية بالمسلمين، وإما على عدم الوثوق بقول النبيّ ﷺ وكل واحد منهما كفر. يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ فإنهم أظهروا أمرين ليس في قلوبهم واحد منهما. أحدهما: عدم العلم بالقتال. والآخر: الاتباع على تقدير العلم به. وقد كذبوا فيهما فإنهم عالمون بالقتال غير ناوين للاتباع بل كانوا مصرين على الانخزال عازمين على الارتداد. وَاللَّهُ

стр. 163

أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (١٦٧) أي يعلم من تفاصيل تلك الأحوال ما لا يعلمه غيره الَّذِينَ قالُوا أي الذين نافقوا، وهم عبد الله بن أبي وأصحابه لِإِخْوانِهِمْ أي لأجل إخوانهم وهم من قتل يوم أحد من جنسهم أو أقاربهم وَقد قَعَدُوا عن القتال بالانخذال: لَوْ أَطاعُونا أي فيما أمرناهم به ووافقونا في ذلك ما قُتِلُوا كما لا نقتل قُلْ للمنافقين فَادْرَؤُا أي ادفعوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٦٨) في أن القعود ينجي منه. وروي أنه أنزل الله بهم الموت، فمات منهم يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقا من غير قتال ومن غير خروج لإظهار كذبهم وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً نزلت هذه الآية في حق قتلى أحد وكانوا سبعين رجلا: أربعة من المهاجرين: حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير، وشماس بن عثمان، وعبد الله بن جحش، وباقيهم من الأنصار رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وأما شهداء بدر فنزلت فيهم آية البقرة ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله الآية بَلْ هم أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) التحف من الجنة. روي عن ابن عباس ﵄ أن النبيّ ﷺ قال في صفة الشهداء إن أرواحهم في أجواف طير خضر وأنها ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتسرح حيث شاءت وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش. وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أبشرك أن أباك حيث أصيب بأحد أحياه الله» . ثم قال: «ما تريد يا عبد الله بن عمرو أن أفعل بك؟» فقال: يا رب أحب أن تردني إلى الدنيا فأقتل فيك مرة أخرى. فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وهو شرف الشهادة والقرب من الله والتمتع بالنعيم المخلد عاجلا وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) أي أن الشهداء يقول بعضهم لبعض تركنا إخواننا فلانا وفلانا في صف المقاتلة مع الكفار فيقتلون إن شاء الله، فيصيبون من الرزق والكرامة ما أصبنا. أي يفرحون بحسن حال إخوانهم الذين تركوهم في الدنيا بدوام انتفاء الخوف والحزن وبلحوقهم بهم لأن الله بشرهم بذلك يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ أي بثواب أعمالهم من الله وَفَضْلٍ أي زيادة عظيمة من الكرامة وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) من الشهداء وغيرهم الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ في أحد. منهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، والزبير وسعد وطلحة وابن عوف وابن مسعود، وحذيفة بن اليمان وأبو عبيدة بن الجراح وجابر بن عبد الله لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ في طاعة الرسول في ذلك الوقت وَاتَّقَوْا في التخلف عن الرسول أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) . روي أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا وقالوا: إنا قتلنا أكثرهم ولم يبق منهم إلا القليل فلم تركناهم! بل الواجب أن نرجع ونستأصلهم. فهموا

стр. 164

بالرجوع، فبلغ ذلك الرسول ﷺ فأراد أن يرهب الكفار ويريهم من نفسه ومن أصحابه قوة. فندب أصحابه إلى الخروج في طلب أبي سفيان وقال: «لا أريد أن يخرج الآن معي إلا من كان معي في القتال بالأمس» فخرج الرسول ﷺ مع قوم من أصحابه قيل: كانوا سبعين رجلا حتى بلغوا حمراء الأسد وهي من المدينة على ثمانية أميال على يسار الطريق لمن أراد ذا الحليفة، وكان بأصحابه القرح فتحاملوا على أنفسهم حتى لا يفوتهم الأجر، فألقى الله تعالى الرعب في قلوب المشركين فذهبوا فنزلت هذه الآية: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ وهو أعرابي من خزاعة أو جماعة راكبون من عبد القيس أو نعيم بن مسعود الأشجعي إِنَّ النَّاسَ أي أبا سفيان وأصحابه قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ في اللطيمة وهي سوق في قرب مكة فَاخْشَوْهُمْ بالخروج إليهم. روي أن أبا سفيان لما عزم على أن ينصرف من المدينة إلى مكة نادى: يا محمد موعدنا موسم بدر إن شئت. فقال ﷺ لعمر: «قل بيننا وبينك ذلك إن شاء الله تعالى» . فلما حضر الأجل خرج أبو سفيان مع قومه حتى نزل بمر الظهران، فألقى الله الرعب في قلبه وبدا له أن يرجع، فمر به ركب من بني عبد قيس يريدون المدينة للميرة فشرط لهم حمل بعير من زبيب إن ثبطوا المسلمين، وقيل: لقي نعيم بن مسعود وقد قدم معتمرا فقال: يا نعيم إني واعدت محمدا أن نلتقي بموسم بدر وإن هذا عام جدب وقد بدا لي أن أرجع، ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاد بذلك جراءة فاذهب إلى المدينة فثبطهم ولك عندي عشرة من الإبل فخرج نعيم حتى أتى المدينة فوجد المسلمين يتجهزون لميعاد أبي سفيان، فقال لهم: أين تريدون؟ فقالوا: واعدنا أبا سفيان بموسم بدر أن نقتتل فيها، فقال لهم: ما هذا بالرأي! أتوكم في دياركم وقتلوا أكثركم، فإن ذهبتم إليهم لم يرجع منكم أحد. فوقع هذا الكلام في قلوب بعضهم فكره الخروج. فلما عرف الرسول ﷺ ذلك قال: «والذي نفس محمد بيده لأخرجن إليهم ولو لم يخرج معي أحد» . فخرج في سبعين راكبا، وباقي الجماعة يمشون وفيهم ابن مسعود فذهبوا وكلهم يقولون: حسبنا الله ونعم الوكيل. إلى أن وصلوا إلى بدر وكانت موضع سوق لهم يجتمعون فيها كل عام ثمانية أيام فأقام رسول الله ﷺ ببدر ينتظر أبا سفيان ثمان ليال ولم يلق أحدا من المشركين، ووافقوا السوق وباعوا ما كان معهم من التجارات واشتروا أدما وزبيبا بحوافي الدرهم درهمين وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين كما قال تعالى : فَزادَهُمْ إِيماناً أي زادهم هذا الكلام المخوف جراءة بالخروج إليهم وعزما متأكدا على محاربة الكفار وعلى طاعة الرسول وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ أي كافينا الله وثقتنا به وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) أي الكفيل بالنصرة والكافي فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ أي فخرجوا إلى بدر فرجعوا من بدر ملتبسين بسلامة وثواب من الله وَفَضْلٍ أي ربح في التجارة لَمْ يَمْسَسْهُمْ أي لم يصبهم في الذهاب والمجيء سُوءٌ أي قتل ولا جراح وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ في طاعة رسوله وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) يدفع العدو عنهم ويعطيهم ثواب الغزو ويرضى عنهم إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ.

стр. 165

قرأ ابن عباس وابن مسعود «يخوفكم أولياءه» . وقرأ أبي بن كعب «يخوفكم بأوليائه» ، أي ذلكم المثبط الشيطان يحوفكم أيها المؤمنون المشركين أبا سفيان وأصحابه. وقال الحسن والسدي: معنى هذه الآية الشيطان يخوف أولياءه الذين يطيعونه ويختارون أمره- وهم المنافقون- ليقعدوا عن قتال المشركين. فأما أولياءه الله فإنهم لا يخافون الكفار إذا خوّفهم الشيطان ولا ينقادون لأمره فَلا تَخافُوهُمْ أي أولياء الشيطان بالخروج إليهم وَخافُونِ في مخالفة أمري بالجلوس إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥) فإن الإيمان يقتضي تقديم خوف الله على خوف الناس ويستلزم عدم الخوف من شر الشيطان وأوليائه وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ. قرأ نافع «يحزنك» بضم الياء وكسر الزاي في جميع ما في القرآن إلا قوله تعالى لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ [الآية: ١٠٣] في سورة الأنبياء فإنه فتح الياء وضم الزاي كباقي القراء في جميع ما في القرآن إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً. اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية فقيل: إنها نزلت في شأن كفار قريش والله تعالى جعل رسوله آمنا من شرهم. والمعنى لا يحزنك من يسارع في الكفر بنصرته بأن يقصد جمع العساكر بمحاربتك وإبطال هذا الدين وإزالة هذه الشريعة. وهذا المقصود لا يحصل لهم بل يضمحل أمرهم وتزول شوكتهم ويعظم أمرك ويعلو شأنك فإنهم لن يضروا الله شيئا بهذا الصنيع وإنما يضرون أنفسهم. وقيل: نزلت في شأن المنافقين إنهم كانوا يخوفون المؤمنين بسبب وقعة أحد ويؤيسونهم من النصر والظفر. وقيل: نزلت في شأن رؤساء اليهود كعب بن الأشرف وأصحابه الذين كتموا صفة محمد ﷺ لمتاع الدنيا يُرِيدُ اللَّهُ بذلك أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا من الثواب فِي الْآخِرَةِ أي الجنة وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٧٦) في النار إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٧) قال ابن عباس: هم المنافقون اختاروا الكفر على الإيمان فإنهم متى كانوا مع المؤمنين أظهروا الإيمان، فإذا خلوا إلى شيطانهم كفروا وتركوا الإيمان فكان ذلك كأنهم اشتروا الكفر بالإيمان. ويمكن حمل هذه الآية على اليهود، ومعنى اشتراء الكفر بالإيمان منهم أنهم كانوا يعرفون النبيّ ﷺ ويؤمنون به قبل مبعثه، ويستنصرون به على أعدائهم فلما بعث كفروا به وتركوا ما كانوا عليه فكأنهم أعطوا الإيمان وأخذوا الكفر بدلا عنه كما يفعل المشتري من إعطاء شيء وأخذ غيره بدلا عنه وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ أي نمهل لهم بتطويل الأعمار خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً أي ذنبا في الدنيا ودركات في الآخرة وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٧٨) يهانون به يوما فيوما وساعة بعد ساعة. قال الفخر الرازي: بيّن الله تعالى في هذه الآية أن بقاء هؤلاء المتخلفين عن القتال ليس

стр. 166

خيرا من قتل أولئك الذين قتلوا في أحد لأن هذا البقاء صار وسيلة إلى الخزي في الدنيا والعقاب الدائم في القيامة. وقتل أولئك الذين قتلوا في أحد صار وسيلة إلى الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة فترغيب أولئك المثبطين في مثل هذه الحياة وتنفيرهم عن مثل ذلك القتل لا يقبله إلا جاهل. قرأ ابن كثير وأبو عمرو في الأربعة: «ولا تحسبن الذين كفروا» ، ولا تحسبن الذين يبخلون، لا تحسبن الذين يفرحون ف «لا تحسبنهم» بالتاء وضم الباء في قوله تعالى: «تحسبنهم» . وقرأ نافع وابن عامر بالياء إلا قوله: «فلا تحسبنهم» فإنه بالتاء. وقراءة حمزة كلها بالتاء. وقيل: نزلت الآية من قوله: وَلا يَحْزُنْكَ إلى هاهنا في حق مشركي أهل مكة يوم أحد. ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ أي ليترك المخلصين عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ أيها الناس من اختلاط المنافقين بالمخلصين وإظهارهم أنهم من أهل الإيمان حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ أي المنافق مِنَ الطَّيِّبِ أي المؤمن بإلقاء المحن والمصائب والقتل والهزيمة، فمن كان مؤمنا ثبت على إيمانه وتصديق الرسول ﷺ ، ومن كان منافقا ظهر نفاقه وكفره أو بالقرائن فإن المسلمين كانوا يفرحون بنصرة الإسلام وقوته والمنافقين كانوا يغتمون بذلك وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ أي إن عادة الله جارية بأنه لا يطلع عوام الناس على غيبه بل لا سبيل لكم إلى معرفة ذلك الامتياز إلا بالامتحانات من التكاليف الشاقة كبذل الأموال والأنفس في سبيل الله فأما معرفة ذلك على سبيل الاطلاع على الغيب فهو من خواص الأنبياء فلهذا قال تعالى: وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فخصّهم بإعلامهم أن هذا مؤمن وهذا منافق، أو المعنى فيمتحن خلقه بالشرائع على أيديهم حتى يتميز الفريقان بالامتحان. أو المعنى وما كان الله ليجعلكم كلكم عالمين بالغيب من حيث يعلم الرسول حتى تصيروا مستغنين عن الرسول بل الله يخص من يشاء من عباده بالرسالة، ثم يكلف الباقين طاعة هؤلاء الرسل فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أي لما طعن المنافقون في نبوة محمد ﷺ بوقوع الحوادث المكروهة في أحد بين الله تعالى أنه كان فيها مصالح منها تمييز الخبيث من الطيب، ولم يبق بعد جواب هذه الشبهة إلا أن تؤمنوا بالله ورسله وَإِنْ تُؤْمِنُوا حق الإيمان وَتَتَّقُوا أي الكفر والنفاق فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩) أي ثواب وافر في الجنة وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ أي لا يتوهمن هؤلاء البخلاء ببذل المال في الجهاد أن بخلهم هو خير لهم بل هو شرّ لهم لأنه يبقى عقاب بخلهم عليهم سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي سيجعل ذلك المال طوقا من النار في عنقهم. وقيل: إن المراد البخل بالعلم وذلك لأن اليهود كانوا يكتمون نعت محمد ﷺ فكان ذلك الكتمان بخلا فحينئذ كان معنى سيطوقون أن

стр. 167

الله تعالى يجعل في رقابهم طوقا من نار. قال ﷺ : «من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله بلجام من النار يوم القيامة» «١» . والمعنى أنهم عوقبوا في أفواههم وألسنتهم بهذا اللجام لأنهم لم ينطقوا بأفواههم وألسنتهم بما يدل على الحق. وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي له تعالى ما يتوارثه أهلهما من مال وغيره وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ من البخل والسخاء خَبِيرٌ (١٨٠) فيجازيكم عليه أو فيجازيهم عليه. لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا أي فنحاص بن عازوراء- كما قاله ابن عباس والسدي- أو حيي بن أخطب- كما قاله قتادة- أو كعب بن الأشرف كما نقله ابن عساكر. روي أنه ﷺ كتب مع أبي بكر إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضا حسنا فقال فنحاص اليهودي: إن الله فقير حتى سألنا القرض. فلطمه أبو بكر في وجهه وقال: لولا الذي بيننا وبينكم من العهد لضربت عنقك. فشكاه إلى رسول الله ﷺ وأنكر ما قاله فنزلت هذه الآية تصديقا لأبي بكر ﵁ والجمع حينئذ مع كون القائل واحدا لرضا الباقين بذلك: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ محتاج يطلب منا القرض وَنَحْنُ أَغْنِياءُ ولا نحتاج إلى قرضه سَنَكْتُبُ ما قالُوا أي من العظيمة الشنعاء في صحائف الحفظة ليقرأوا ذلك يوم القيامة أو سنحفظه ونثبته في علمنا لا ننساه ولا نهمله، أو المراد سنكتب عنهم هذا الجهل في القرآن حتى يعلم الخلق إلى يوم القيامة شدة جهلهم وطعنهم في نبوة محمد ﷺ بكل ما قدروا عليه وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ في اعتقادهم كما في نفس الأمر أي نكتب عليهم رضاهم بقتل آبائهم الأنبياء بغير جرم. أو المعنى سنحفظ عن الفريقين معا أقوالهم وأفعالهم وَنَقُولُ عند الموت أو عند الحشر أو عند قراءة الكتاب أو عند الإلقاء في النار ويحتمل أن يكون هذا القول كناية عن حصول الوعيد، وإن لم يكن هناك قول. وقرأ حمزة «سيكتب» بالياء وضمها على لفظ ما لم يسم فاعله وقتلهم برفع اللام ويقول بالياء. والباقون بالنون ونصب اللام من قتلهم. وقرأ الحسن والأعرج «سيكتب» بالياء وبالبناء للفاعل ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (١٨١) أي المحرق ذلِكَ أي العذاب المحرق بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ أي بسبب ما اقترفتموه من التفوه بتلك العظيمة وغيره من المعاصي وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) أي والأمر أنه تعالى ليس بمعذب لعبيده بغير ذنب من قبلهم. الَّذِينَ قالُوا نصب على الذم أو جر نعتا ل «الّذين» الأول. أي لقد سمع الله قول الذين قالوا.

стр. 168

قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في حق كعب بن الأشرف وكعب بن أسد ومالك بن الصيف ووهب بن يهوذا، وزيد بن التابوت، وفنحاص بن عازوراء، وحيي بن أخطب وغيرهم، أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد تزعم أنك رسول الله وأنه تعالى أنزل عليك كتابا وقد عهد الله إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار ويكون لها دوي خفيف تنزل من السماء، فإن جئتنا بهذا صدقناك فنزلت هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أي أمرنا في الكتاب أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ أي لا نصدق أحدا بالرسالة حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ما كان عليه أمر أنبياء بني إسرائيل حيث كان يقرب بالقربان من النعم أو من الصدقات- غير الحيوان- فيقوم النبي في البيت ويناجي ربه وبنو إسرائيل واقفون حول البيت، فتنزل نار بيضاء أي لا دخان لها ولها دوي، فتأكل القربان أي تحرقه وهذا من أباطيلهم فإن أكل النار القربان لم يجب الإيمان إلا لكونه معجزة، فهو وسائر المعجزات سواء. وقد تقدمت المعجزات الكثيرة لمحمد ﷺ وطلبهم لهذا المعجز وقع على سبيل التعنت لا على سبيل الاسترشاد ولذلك رد الله عليهم بقوله: قُلْ يا أشرف الخلق قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ أي بالمعجزات الواضحة وَبِالَّذِي قُلْتُمْ وهو القربان الذي تأكله النار فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٨٣) في مقالتكم إنكم تؤمنون لرسول يأتيكم بما اقترحتموه فإن زكريا ويحيى وعيسى وغيرهم من الأنبياء ﵈ قد جاءوكم بما قلتم في معجزات أخر فما لكم لم تؤمنوا لهم حتى اجترأتم على قتلهم فَإِنْ كَذَّبُوكَ في أصل النبوة والشريعة فتسل فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ أي المعجزات وَالزُّبُرِ أي الصحف كصحف إبراهيم وموسى وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (١٨٤) أي الواضح وهو التوراة والإنجيل والزبور. وقرأ ابن عامر «بالزبر» بإعادة الباء كقراءة ابن عباس دلالة على المغايرة. وقرأ هشام «وبالكتاب» بإعادة الباء. والباقون بغير الباء فيهما كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ أي كل حيوان حاضر في دار التكليف يذوق الموت. وروي عن الحسن أنه قرأ «ذائقة الموت» بالتنوين ونصب الموت. وقرأ الأعمش بطرح التنوين مع نصب «الموت» . وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي وإنما تعطون أجزية أعمالكم على التمام يوم قيامكم من القبور. وفي لفظ التوفية إشارة إلى أن بعض أجورهم يصل إليهم قبله كما يدل عليه قوله ﷺ : «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران» «١» فَمَنْ زُحْزِحَ أي أبعد عَنِ النَّارِ بالتوحيد والعمل الصالح وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ أي نال غاية مقصوده. وقال النبيّ ﷺ : «من أحبّ أن يزحزح عن النار

стр. 169

ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه» «١» . وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ (١٨٥) أي ليس ما في الدنيا من النعيم إلا كمتاع البيت في بقائه مثل الخزف والزجاجة وغير ذلك أي إن العيش في هذه الدنيا يغر الإنسان بما يمنيه من طول البقاء وسينقطع عن قريب فوصفت بأنها متاع الغرور لأنها تغر ببذل المحبوب، وتخيل للإنسان أنه يدوم وليس بدائم. قال بعضهم: الدنيا ظاهرها مطيّة السرور وباطنها مطية الشرور. قال سعيد بن جبير: إن هذا في حق من آثر الدنيا على الآخرة وأما من طلب الآخرة بها فإنها نعم المتاع لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ أي والله لتختبرن في ذهاب أموالكم بالمهلكات كالغرق والحرق وبالتكاليف كالزكاة والجهاد، وفي ما يصيب أنفسكم من البلايا كالأمراض والأوجاع والقتل والضرب ومن التكاليف كالصلاة والجهاد والصبر فيهما. وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً أي ولتسمعن من اليهود والنصارى ومشركي العرب: أنواع الإيذاء من الطعن في الدين الحنيف، والقدح في أحكام الشرع الشريف، وصدّ من أراد أن يؤمن، وتخطئة من آمن وما كان من كعب بن الأشرف وأضرابه من هجاء المؤمنين وتشبيب نسائهم، وتحريض المشركين على مضادة رسول الله ﷺ ونحو ذلك مما لا خير فيه. وَإِنْ تَصْبِرُوا على تلك البلوى وأذى الكفار وتستعملوا احتمال المكروه ومداراة الكفار في كثير من الأحوال وَتَتَّقُوا أي تحترزوا عما لا ينبغي وعن المداهنة مع الكفار وعن السكوت عن إظهار الإنكار فَإِنَّ ذلِكَ أي الصبر والتقوى مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) أي من حزم أمور المؤمنين وخيرها ومن صواب التدبير. أو المعنى فإن ذلك ذلك مما قد عزم عليكم فيه أي ألزمتم الأخذ به ومما يجب أن يعزم عليه كل أحد لأنه حميد العاقبة. وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ أي واذكر وقت أخذه تعالى العهد على علماء اليهود والنصارى لتذكرن الآيات الدالة على نبوة محمد ﷺ من التوراة والإنجيل وللناس، ولا تلقوا فيها التأويلات الفاسدة والباطلة. قرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم وأبو عمرو بالغيبة في الفعلين. والباقون بالخطاب فيهما. فَنَبَذُوهُ أي طرحوا الميثاق وَراءَ ظُهُورِهِمْ أي فلم يعملوا به وَاشْتَرَوْا بِهِ أي الكتاب ثَمَناً قَلِيلًا أي شيئا تافها من الدنيا أي أخفوا الحق ليتوسلوا به إلى وجدان شيء من الدنيا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (١٨٧) أي بئس شيئا يشترونه ذلك الثمن فكل من لم يبين الذي للناس وكتم

стр. 170

شيئا منه لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة، وتطييب قلوبهم أو لجر منفعة أو لخوف، أو لبخل للعلم دخل تحت هذا الوعيد. قال ﷺ : «من كتم علما عن أهله ألجم بلجام من نار» «١» . وعن محمد بن كعب قال: لا يحل لأحد من العلماء أن يسكت على علمه ولا يحل لجاهل أن يسكت على جهله حتى يسأل. وكان قتادة يقول: طوبى لعالم ناطق ولمستمع واع هذا علم علما فبذله وهذا سمع خبرا فوعاه. لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا أي بما فعلوا من تحريف نصوص التوراة وتفسيرها بتفسيرات باطلة وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا أي يحبون أن يوصفوا بالدين والفضل والعفاف والصدق. فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ أي بمباعدة مِنَ الْعَذابِ. وقيل: نزلت هذه الآية في شأن المنافقين فإنهم يفرحون بما أتوا من إظهار الإيمان للمسلمين على سبيل النفاق من حيث إنهم كانوا يتوصلون بذلك إلى تحصيل مصالحهم في الدنيا، ثم كانوا يتوقعون من النبيّ ﷺ أن يحمدهم على الإيمان الذي لم يكن موجودا في قلوبهم. ولا شك أن هذه الآية واردة في الكفار والمنافقين الذين أمر الله رسوله بالصبر على أذاهم فإن أكثر المنافقين كانوا من اليهود. والأولى إجراء الموصول على العموم فيشتمل على كل من يأتي بشيء من الحسنات فيفرح به فرح إعجاب ويود أن يمدحه الناس بما هو عار منه من سداد السيرة واستقامة الطريقة والزهد والإقبال على طاعة الله. وقرأ حمزة وعاصم والكسائي «تحسبن» و «تحسبنهم» بالتاء الفوقية وكلاهما بفتح الباء، والتقدير: لا تحسبن يا محمد أو أيها السامع أو كلاهما بضم الباء، والخطاب للمؤمنين والمفعول الأول: «الذين يفرحون» ، والثاني: «بمفازة» . وقوله تعالى: فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ تأكيد والفاء مقحمة. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر بالياء التحتية، وكلاهما بفتح الباء، والفاعل للرسول وبضمها والفاعل من يتأتى منه الحسبان أو بفتح الباء في الأول وضمها في الثاني وهو قراءة أبي عمرو، والفاعل هو الموصول والمفعول الأول محذوف، والتقدير ولا يحسبن الذين يفرحون أنفسهم بمفازة من العذاب. ويجوز أن يحمل الفعل الأول على حذف المفعولين معا اختصارا لدلالة مفعولي الفعل الثاني عليهما. أي لا يحسبن هؤلاء أنفسهم فائزين أو على أن الفعل الأول مسند للرسول أو لكل حاسب ومفعوله الأول الموصول والثاني محذوف مفعول الفعل الثاني عليه، والفعل الثاني مسند إلى ضمير الموصول، والفاء للعطف لظهور تفرع عدم

стр. 171

حسبانهم على عدم حسبانه ﷺ ومفعولاه ما بعده وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) أي وجيع في الآخرة وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي له تعالى السلطان القاهر فيهما بحيث يتصرف فيهما وفيما فيهما كيفما يشاء إيجادا وإعداما، إحياء وإماتة، تعذيبا وإثابة، وهو تعالى يملك ما فيهما من خزائن المطر والنبات والرزق وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩) فلا يشذ من ملكوته شيء من الأشياء وكل ما سواه تعالى مقدور له تعالى. إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي في إنشائهما على ما هما عليه في ذواتهما وصفاتهما وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي في تعاقبهما في وجه الأرض وكون كل منهما خلفة للآخر بحسب طلوع الشمس وغروبها. الناشئين من حركات السموات وسكون الأرض أو في تفاوتهما بازدياد وانتقاص باختلاف حال الشمس بالنسبة إلينا قربا وبعدا بحسب الأزمنة أو في اختلافهما بحسب الأمكنة لَآياتٍ كثيرة عظيمة دالة على وحدانيته تعالى وقدرته تعالى لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠) أي لذوي العقول. المتفكرين في بدائع صنائع الملك الخلاق. المتدبرين في حكمه المودعة في الأنفس والآفاق. وعن النبيّ ﷺ قال: «بينما رجل مستلق على فراشه، إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء وقال: أشهد أن لك ربا وخالقا اللهم اغفر لي فنظر الله إليه فغفر له» «١» . وقال: «لا عبادة كالتفكر» «٢» . وحكي أن الرجل من بني إسرائيل كان إذا عبد الله ثلاثين سنة أظلته سحابة، فعبد في تلك المدة فتى من فتيانهم فما أظلته سحابة، فقالت له أمه: لعل فرطة صدرت منك في مدتك. فقال: ما أذكر. قالت: لعلك نظرت مرة إلى السماء ولم تعتبر! قال: نعم، قالت: فما أتيت إلا من ذلك. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ أي الذين لا يغفلون عن الله تعالى في جميع أوقاتهم لاطمئنان قلوبهم بذكره تعالى، واستغراق سرائرهم في مراقبته لما أيقنوا بأن كل ما سواه فائض منه وعائد إليه فلا يشاهدون حالا من الأحوال في أنفسهم ولا في الآفاق إلا وهم يعاينون في ذلك شأنا من شؤونه تعالى. فالمراد ذكره تعالى مطلقا سواء كان ذلك من حيث الذات أو من حيث الصفات والأفعال وسواء قارنه الذكر اللساني أولا. وتخصيص الأحوال المذكورة بالذكر ليس لتخصيص الذكر بها بل لأنها الأحوال المعتادة التي لا يخلو عنها الإنسان غالبا. والمراد تعميم الذكر للأوقات. قال النبيّ ﷺ : «من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله» «٣»

стр. 172

وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وعلى وفق هذه الآية قوله ﷺ : «تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق» «١» أي لأن الاستدلال بالخلق على الخالق لا يمكن وقوعه على نعت المماثلة، وإنما يمكن وقوعه على نعت المخالفة. فإذا نستدل بحدوث هذه المحسوسات على قدم خالقها وبكميتها وكيفيتها وشكلها على براءة خالقها عن الكمية والكيفية والشكل. وقوله ﷺ : «من عرف نفسه عرف ربه» «٢» . معناه من عرف نفسه بالحدوث عرف ربه بالقدم، ومن عرف نفسه بالإمكان عرف ربه بالوجوب، ومن عرف نفسه بالحاجة عرف ربه بالاستغناء. فكان التفكر في الخالق ممكنا من هذا الوجه، أما التفكر في الخالق فهو غير ممكن ألبتة فإذا لا تتصور حقيقته إلا بالسلوب فنقول: إنه ليس بجوهر ولا عرض ولا مركب ولا في الجهة. ولا شك أن حقيقة المخصوصة مغايرة لهذه السلوب، وتلك الحقيقة المخصوصة لا سبيل للعقل إلى معرفتها فيصير العقل كالواله فلهذا السبب نهى النبيّ ﷺ عن التفكر في الله وأمر بالتفكر في المخلوقات. فلهذه الدقيقة أمر الله في هذه الآية بذكره ولم يأمر بالتفكر فيه بل أمر بالتفكر في مخلوقاته. قال بعض العلماء: «الفكرة تذهب الغفلة وتجلب للقلب الخشية كما ينبت الماء الزرع» . وعن النبيّ ﷺ قال: «لا تفضلوني على يونس بن متّى فإنه كان يرفع كل يوم مثل عمل أهل الأرض» «٣» . أي وذلك لأن عمله هو التفكر في معرفة الله لأنه لا يقدر أحد أن يعمل بجوارحه مثل ما عمل أهل الأرض، وإنما هو عمل القلب. واعلم أن دلائل التوحيد محصورة في قسمين: دلائل الآفاق، ودلائل الأنفس. ولا شك أن دلائل الآفاق أعظم وأعجب فلو أن الإنسان نظر إلى ورقة صغيرة من أوراق شجرة رأى في تلك الورقة عرقا واحدا ممتدا في وسطها، ثم يتشعب من ذلك العرق عروق كثيرة إلى الجانبين، ثم يتشعب منها عروق دقيقة ولا يزال يتشعب من كل عرق عروق أخر حتى تصير في الدقة بحيث لا يراها البصر وعند هذا يعلم أن للخالق في تدبير تلك الورقة على هذه الخلقة حكما بالغة وأسرارا عجيبة، ولو أراد الإنسان أن يعرف كيفية خلقة الورقة

стр. 173

لعجز. فإذا عرف أن عقله قاصر عن الوقوف على كيفية خلقة تلك الورقة الصغيرة، فإذا قاس تلك الورقة إلى السموات مع ما فيها من الشمس والقمر والنجوم، وإلى الأرض مع ما فيها من البحار والجبال والمعادن، والنبات والحيوان عرف أن تلك الورقة بالنسبة إلى هذه الأشياء كالعدم، فإذا عرف قصور عقله عن معرفة ذلك الشيء الحقير عرف أنه لا سبيل له إلى الاطلاع على عجائب حكمة الله تعالى في خلق السموات والأرض. وإذا عرف بهذا البرهان قصور عقله لم يبق معه إلا الاعتراف بأن الخالق أجلّ من أن يحيط به وصف الواصفين ومعارف العارفين بل يسلم أن في كل ما خلقه الله تعالى حكما بالغة وأسرار عظيمة ولا سبيل له إلى معرفتها فعند هذا يقول: رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا أي المخلوق العجيب باطِلًا أي بغير حكمة بل خلقته بحكمة عظيمة وهي أن تجعلها مساكن للمكلفين الذين اشتغلوا بطاعتك وتحرزوا عن معصيتك ومدارا لمعايش العباد ومنارا يرشدهم إلى معرفة أحوال المبدأ والمعاد سُبْحانَكَ وهذا إقرار بعجز العقول عن الإحاطة بآثار حكمة الله تعالى في خلق السموات والأرض أي إن الخلق إذا تفكروا في هذه الأجسام العظيمة لم يعرفوا منها إلا هذا القدر. وهو أن خالقها ما خلقها باطلا بل خلقها لحكم عجيبة وأسرار عظيمة وإن كانت العقول قاصرة عن معرفتها فَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٩١) أي ادفع عنا عذاب النار لأنه جزاء من عصى ولم يطع. اعلم أنه تعالى لما حكى عن هؤلاء العباد المخلصين أن ألسنتهم مستغرقة بذكر الله تعالى وأبدانهم في طاعة الله وقلوبهم في التفكر في دلائل عظمة الله ذكر أنهم مع هذه الطاعة يطلبون من الله أن يقيهم عذاب النار لأنه يجوز على الله تعذيبهم لأنه لا يقبح من الله شيء أصلا رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ أي أهنته وَما لِلظَّالِمِينَ أي الكافرين مِنْ أَنْصارٍ (١٩٢) يمنعونهم من عذاب الله تعالى رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ أي سمعنا نداء مناد وهو كما قال محمد بن كعب القرآن المجيد يدعو الناس إلى الإيمان أي آمنوا بمتولي أموركم. فَآمَنَّا أي فامتثلنا أمره وأجبنا نداءه رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا أي كبائرنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا أي صغائرنا. وقيل: المراد بالأول ما يزول بالتوبة، وبالثاني ما تكفره الطاعة العظيمة. وقيل: المراد بالأول ما أتى به الإنسان مع العلم بكونه معصية، وبالثاني ما أتى به الإنسان مع جهله بذلك وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (١٩٣) أي على مثل أعمالهم لنكون في درجاتهم يوم القيامة. أو المعنى توفنا على الإيمان، واجمعنا مع أرواح النبيين والصالحين رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ والجار والمجرور متعلق بوعدتنا أي وعدتنا على تصديق رسلك أو بمحذوف وقع صفة لمصدر مؤكد محذوف أي وعدتنا وعدا كائنا على ألسنة رسلك. وقيل: والمعنى وفقنا للأعمال التي نصير بها أهلا لوعدك من الثواب، واعصمنا من الأعمال التي نصير بها أهلا للعقاب والخزي وَلا تُخْزِنا أي لا تفضحنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (١٩٤) وهذا يدل على أن المقتضى لحصول منافع

стр. 174

الآخرة هو الوعد لا الاستحقاق وفي الآثار عن جعفر الصادق من حزبه أمر فقال: ربنا خمس مرات أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد واستدلّ بهذه الآية. فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ فيما سألوه من غفران الذنوب وإعطاء الثواب . أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ وقرأ الجمهور بفتح الهمزة. وقرأ أبي بأني بالباء التي للسببية. وقرأ عيسى بن عمر بكسر الهمزة. والمعنى أني لا أبطل ثواب عمل عامل منكم. والمراد حصلت إجابة دعائكم في كل ما طلبتموه مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى فلا تفاوت في الإجابة وفي الثواب بين الذكر والأنثى إذا كانا في التمسك بالطاعة على السوية بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ أي بعضكم كبعض في الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية فَالَّذِينَ هاجَرُوا أي اختاروا المهاجرة من أوطانهم في خدمة الرسول ﷺ وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ أي ألجأهم الكفار إلى الخروج من منازلهم التي ولدوا فيها وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي أي بسبب طاعتي ومن أجل ديني وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا. قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو «وقاتلوا» بالألف، «وقتلوا» مخففة. والمعنى قاتلوا العدو معه ﷺ حتى قتلوا في الجهاد. وقرأ ابن كثير وابن عامر «وقاتلوا» بالألف، «وقتلوا» مشددة لتكرر القتل فيهم. وقيل: معناه قطعوا. وقرأ حمزة والكسائي «وقتلوا» بغير ألف أولا، «وقاتلوا» بالألف ثانيا، أي وقد قاتلوا. لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (١٩٥) أي إن الله تعالى وعد من فعل ذلك بأمور ثلاثة: أولها: محو السيئات وغفران الذنوب. وذلك هو الذي طلبوه بقولهم فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا. وثانيها: إعطاء الثواب العظيم وهو دخول الجنان وهو الذي طلبوه بقولهم وآتنا ما وعدتنا على رسلك. وثالثها: كون الثواب مقرونا بالتعظيم وهو المشار إليه بقوله تعالى: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وهو الذي طلبوه بقولهم: ولا تخزنا يوم القيامة. وقوله تعالى: ثَواباً مصدر مؤكد لمعنى ما قبله لأن معنى مجموع قوله تعالى: لَأُكَفِّرَنَّ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ لأثيبنهم. فكأنه قيل: لأثيبنهم إثابة من عند الله. وقوله تعالى: وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ تأكيد لكون الثواب في غاية الشرف. روي أن أم سلمة قالت يا رسول الله: إني لم أسمع ذكر النساء في الهجرة فنزل قوله تعالى: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ إلى هنا ولما قال بعض المؤمنين: إن أعداء الله فيما نرى من الخير ونحن في الجهد نزل قوله تعالى: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) أي لا تنظر إلى ما عليه الكفرة من السعة ووفور الحظ ولا تغتر بظاهر ما ترى منهم من التبسط في المكاسب والمتاجر

стр. 175

والمزارع مَتاعٌ قَلِيلٌ أي الذي ترى من الخير منفعة يسيرة في الدنيا لا قدر لها في مقابلة ما أعد الله للمؤمنين من الثواب قال ﷺ : «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع» «١» رواه مسلم . ثُمَّ مَأْواهُمْ أي مصيرهم جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٩٧) أي بئس ما مهدوا لأنفسهم جهنم لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ من الشرك والمعاصي وإن أخذوا في التجارة لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها فلا يضرهم ذلك لكسب نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي حال كون الجنات عطاء وإكراما من الله لهم كما تعد الضيافة للضيف إكراما وَما عِنْدَ اللَّهِ من الثواب الدائم خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (١٩٨) أي للموحدين مما يتقلب فيه الفجار في الدنيا من المتاع القليل السريع الزوال وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ أي القرآن وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ أي التوراة والإنجيل. قال ابن عباس وجابر وقتادة نزلت هذه الآية في شأن أضحمة النجاشي حين مات وأخبر جبريل النبي ﷺ في ذلك اليوم بموته فقال النبيّ لأصحابه: «اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم» «٢» فخرج إلى البقيع وكشف الله له إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي فصلى عليه، واستغفر له. فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي نصراني لم يره قط وليس على دينه. وقال ابن جريج وابن زيد: نزلت في حق عبد الله بن سلام وأصحابه. وقال عطاء: نزلت في حق أربعين رجلا من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى فأسلموا. وقال مجاهد: نزلت في حق مؤمني أهل الكتاب كلهم خاشِعِينَ لِلَّهِ أي متواضعين لله في الطاعة لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا أي لا يكتمون أمر الرسول ونعته كما يفعله غيرهم من أهل الكتاب لغرض المأكلة والرياسة أُولئِكَ أي المتصفون بصفات حميدة لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ في الجنة إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩٩) أي سريع لإيصال الأجر الموعود إليهم من غير حاجة إلى تأمل لكونه عالما بجميع الأشياء فيعلم ما لكل واحد من الثواب والعقاب. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا على مشقة الاستدلال في معرفة التوحيد والنبوة والمعاد وعلى مشقة استنباط الجواب عن شبهات نحو الفلاسفة وعلى مشقة أداء الواجبات والمندوبات وعلى مشقة الاحتراز عن المنهيات وعلى شدائد الدنيا من المرض والفقر والخوف. وَصابِرُوا على تحمل المكاره الواقعة بينكم وبين غيركم

стр. 176

فيدخل فيه تحمل الأخلاق الرديئة من أهل البيت والأقارب والجيران، وترك الانتقام ممن أساء والعفو عمن ظلم والإيثار على الغير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد والمصابرة مع المبطلين وحل شبههم وَرابِطُوا أي جاهدوا القوى التي هي مصادر الأفعال الذميمة من الشهوة والغضب والحرص. أو المعنى انتظروا الصلاة بعد الصلاة وَاتَّقُوا اللَّهَ في مخالفة أمره وبتقوى الله يحصل دفع القوى الداعية إلى القبائح والمنكرات لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠) أي كي تنتظموا في زمرة الفائزين بكل مطلوب الناجين من كل كروب فظهر أن هذه الآية مشتملة على علوم الأصول والفروع وعلى الحكم والأسرار.

стр. 177

سورة النساء مدنية، مائة وست وسبعون آية، ثلاثة آلاف وسبعمائة واثنتان وستون كلمة، ستة عشر ألف وثلاثمائة وثمانية وعشرون حرفا يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ بالتناسل مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ أبيكم آدم وَخَلَقَ مِنْها أي من نفس آدم زَوْجَها أمكم حواء. روي أنه تعالى لما خلق آدم وأسكنه الجنة ألقى عليه النوم، فبينما هو بين النائم واليقظان خلق حواء من ضلع من أضلاعه اليسرى فلما انتبه وجدها عنده. وقال النبيّ ﷺ : «إن المرأة خلقت من ضلع أعوج فإن ذهبت تقيمها كسرتها وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها» «١» . وَبَثَّ مِنْهُما أي نشر من تلك النفس وزوجها بطريق التوالد رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً كثيرة. روى ابن جرير عن ابن إسحاق إن بني آدم لصلبه أربعون في عشرين بطنا فمما حفظ من ذكورهم قابيل وهابيل، وأباذ وشبوبه، وهند ومرانيس وفحور وسند، وبارق وشيث. ومن نسائهم أقليمة وأشوف وجزروه وعزورا. قال ابن عساكر: وقد روي أن من بني آدم لصلبه عبد المغيث وتوأمته أمة المغيث وودا، وسواعا ويغوث ويعقوب، ونسرا وجميع أنساب بني آدم ترجع إلى شيث وسائر أولاده انقرضت أنسابهم من الطوفان وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ. قرأ عاصم وحمزة والكسائي «تساءلون» بالتخفيف. والباقون بالتشديد. وقرأ حمزة وحده «والأرحام» بجر الميم. والتقدير واتقوا الله الذي تساءلون به وبالأرحام. لأن العادة جرت في العرب بأن أحدهم قد يستعطف غيره بالرحم فيقول: أسألك بالله والرحم. وربما أفرد ذلك فقال

стр. 178

أسألك بالرحم وأما قراءة الأرحام بالنصب فمعناه واتقوا الله بالتزام طاعته واجتناب معاصيه واتقوا الأرحام بوصلها وعدم قطعها فيما يتصل بالبر والإحسان والإعطاء. أو يقال: والزموا الأرحام وصلوها. وقد دلت الآية على جواز المسألة فيما بيننا بالله كقوله: بالله أسألك. روى مجاهد عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «من سألكم بالله فأعطوه» «١» . إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١) أي حافظا مطلعا على جميع ما يصدر عنكم من الأفعال والأقوال وعلى ما في ضمائركم من النيات مريدا لمجازاتكم على ذلك وَآتُوا الْيَتامى الذين بلغوا أَمْوالَهُمْ التي عندكم. وقال أبو السعود: أي لا تتعرضوا لأموال اليتامى بسوء حتى تأتيهم وتصل إليهم سالمة سواء أريد باليتامى الصغار أو ما يعم الصغار والكبار. وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ أي لا تستبدلوا الحرام الذي هو مال اليتامى بالحلال الذي هو مالكم الذي أبيح لكم من المكاسب بأن لا تتركوا أموالكم وتأكلوا أموالهم وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ أي لا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم حتى لا تفرقوا بين أموالهم وأموالكم في حل الانتفاع بها فلا يحل لكم من أموالهم ما زاد على قدر الأقل من أجرتكم ونفقتكم. إِنَّهُ أي أكل مال اليتيم كانَ حُوباً كَبِيراً (٢) أي ذنبا عظيما عند الله. نزلت هذه الآية في رجل من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم فلما بلغ طلب المال فمنعه عمه فترافعا إلى النبيّ ﷺ . فنزلت هذه الآية. فلما سمعها العم قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير ودفع ماله إليه. وَإِنْ خِفْتُمْ يا أولياء اليتامى أَلَّا تُقْسِطُوا أي أن لا تعدلوا فِي الْيَتامى إذا نكحتموهن فَانْكِحُوا غيرهن من الغرائب. روي عن عروة أنه قال: قلت لعائشة: ما معنى قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى. قالت: يا ابن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في جمالها ومالها، ويريد أن ينكحها بأدنى من صداقها، ثم إذا تزوج بها عاملها معاملة رديئة لعلمه بأنه ليس لها من يذب عنها. فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا في إكمال الصداق وأمروا أن ينكحوا ما سواهن. وقال الحسن: كان الرجل من أهل المدينة تكون عنده الأيتام وفيهن من يحل له نكاحها فيتزوجها لأجل مالها، وهي لا تعجبه وإنما تزوجها كراهة أن يدخل غريب فيشاركه في مالها، ثم يسيء صحبتها ويتربص بها إلى أن تموت فيرثها فعاب الله عليهم ذلك وأنزل هذه الآية. وروي عن عكرمة أنه قال: كان الرجل عنده نسوة وأيتام فإذا أنفق مال نفسه على النسوة ولم يبق له مال وصار محتاجا أخذ في إنفاق أموال اليتامى عليهن فقيل لهم: لا تزيدوا على أربع

стр. 179

فإنهم كانوا يتزوجون من النساء ما شاؤوا تسعا أو عشرا، وكان تحت قيس بن الحرث ثمان نسوة فحرم الله عليهم ما فوق الأربع. أي وإن خفتم ألا تعدلوا في حق اليتامى إذا تزوجتم بهن بإساءة العشرة أو بنقص الصداق فأنكحوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ أي فتزوجوا من استطابتها نفوسكم ومالت إليها قلوبكم من الأجنبيات مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ ولا تزيدوا على أربع فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا بين هذه الأعداد في القسمة والنفقة كما لم تعدلوا فيما فوق هذه الأعداد وكما لم تعدلوا في حق اليتامى فَواحِدَةً أي فالزموا أو فاختاروا واحدة وذروا الجمع. وقرئ «فواحدة» بالرفع أي فكفت واحدة أو فحسبكم واحدة أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أي من السراري فإنه لا قسمة لهن عليكم ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا (٣) أي اختيار الحرة الواحدة أو التسري أقرب إلى أن لا تميلوا ميلا محظورا بالنسبة إلى ما عداهما والأمر يدور مع عدم الجور لا مع تحقق العدل. وَآتُوا النِّساءَ اللاتي أمرتم بنكاحهن صَدُقاتِهِنَّ أي مهورهن نِحْلَةً أي فريضة من الله تعالى كما قاله ابن عباس وقتادة وابن جريج وابن زيد، وإنما فسروا النحلة بالفريضة لأن النحلة في اللغة معناها الديانة والملة والشرعة والمذهب فقوله تعالى: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً أي أعطوهن مهورهن لأنها شريعة ودين ومذهب وما هو كذلك فهو فريضة وانتصاب نحلة على أنها مفعول له أو حال من الصدقات. فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً أي فإن وهبن لكم شيئا من الصداق بطيبة نفس من غير أن يكون السبب فيه شكاسة أخلاقكم معهن أو سوء معاشرتكم معهن فَكُلُوهُ أي فخذوا ذلك الشيء وتصرفوا فيه هَنِيئاً أي حلالا بلا إثم مَرِيئاً (٤) أي بلا ملامة وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى قضاته أن النساء يعطين رغبة ورهبة فأيما امرأة أعطته ثم أرادت أن ترجع فذلك لها وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً أي ويا أيها الأولياء لا تؤتوا المبذرين من اليتامى الذين يكونون تحت ولايتكم أموالهم التي في أيديكم التي جعل الله الأموال معاشكم أي لا يحصل معاشكم إلا بهذا المال مخافة أن يضيعوها وأضاف الله المال إلى الأولياء من حيث إنهم ملكوا التصرف فيه لا لأنهم ملكوا المال، ويكفي حسن الإضافة أدنى سبب وَارْزُقُوهُمْ فِيها أي أنفقوا عليهم وَاكْسُوهُمْ وإنما قال الله فيها ولم يقل منها لئلا يكون ذلك أمرا بجعل بعض أموالهم رزقا لهم بل أمرهم بأن يجعلوا أموالهم مكانا لرزقهم وكسوتهم بأن يتجروا فيها ويثمروها فيجعلوا أرزاقهم من الأرباح لا من أصول المال وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً (٥) أي جميلا وهو كل ما سكنت إليه النفس من قول لحسنه شرعا أو عقلا كأن يقول الولي للصبي: مالك عندي وأنا خازن له فإذا رشدت سلمت إليك أموالك وَابْتَلُوا الْيَتامى أي واختبروا من لا يتبين منهم السفه قبل البلوغ في دينهم وتصرفهم في أموالهم بما يليق بحالهم بأن تجربوا ولد التاجر بالبيع والشراء، والمماسكة فيهما، وولد الزراع بالزراعة والنفقة على القوام بها، والأنثى فيما يتعلق بالغزل والقطن وصون الأطعمة عن الهرة ونحوها. وحفظ متاع البيت وولد الأمير ونحوه بالإنفاق مدة في خبز وماء ولحم ونحوها.

стр. 180

قال أبو حنيفة ﵁: تصرفات الصبي العاقل المميز بإذن الولي صحيحة لأن قوله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتامى أمر للأولياء بأن يأذنوا لهم في البيع والشراء قبل البلوغ وذلك يقتضي صحة تصرفاتهم. وقال الشافعي ولا يصح عقد الصبي المميز بل يمتحن في المماسكة، فإذا أراد العقد عقد الولي لأنه لا يجوز دفع المال إليه حال الصغر فثبت عدم جواز تصرفه حال الصغر حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ أي إذا بلغوا مبلغ الرجل الذي يلزمه الحدود. وذلك بأن يحتلموا وإنما سمي الاحتلام ببلوغ النكاح لأنه إنزال الماء الدافق الذي يكون في الجماع فَإِنْ آنَسْتُمْ أي عرفتم مِنْهُمْ رُشْداً أي اهتداء إلى وجوه التصرفات من غير تبذير وعجز عن خديعة الغير فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ التي عندكم من غير تأخر عن حد البلوغ. وقرئ «رشدا» بفتحتين و «رشدا» بضمتين. وعند الشافعي الصلاح يعتبر مع مصلح للمال في الدين بأن لا يرتكب كبيرة ولا يصر على صغيرة وعند أبي حنيفة هو غير معتبر وفائدة هذا الخلاف أن الشافعي يرى الحجر على الفاسق وأبا حنيفة لا يراه وَلا تَأْكُلُوها أي أموال اليتامى أيها الأولياء إِسْرافاً وَبِداراً أي مسرفين بغير حق ومبادرين إلى إنفاقها أَنْ يَكْبَرُوا أي مخافة كبرهم فيمنعوكم عن ذلك وتقولون: ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينزعوها من أيدينا. وَمَنْ كانَ من الأولياء والأوصياء غَنِيًّا عن مال اليتيم فَلْيَسْتَعْفِفْ أي فليتنزه عن أكلها وليقنع بما آتاه الله تعالى من الرزق إشفاقا على اليتيم وإبقاء على ماله وَمَنْ كانَ من الأولياء والأوصياء فَقِيراً محتاجا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ أي بقدر أجرة خدمته لليتيم وعمله في مال اليتيم. ويقال: فليأكل بالمعروف أي بالقرض ثم إذا أيسر قضاه وإن مات ولم يقدر على القضاء فلا شيء عليه. وهذا قول سعيد بن جبير ومجاهد وأبي العالية وهذا القرض في أصول الأموال أما نحو ألبان المواشي واستخدام العبيد وركوب الدواب فمباح لنحو الوصي إذا كان غير مضر بالمال وهذا قول أبي العالية وغيره. فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أي اليتامى أَمْوالَهُمْ بعد البلوغ والرشد فَأَشْهِدُوا ندبا عَلَيْهِمْ عند الدفع فإن الإشهاد أبعد من الخصومة ولو ادّعى الوصي بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع المال إليه. أو قال: أنفقت عليه في صغره فقال مالك والشافعي: لا يصدق. وقال أبو حنيفة: يصدق مع اليمين. وقال الشافعي: القيم غير مؤتمن من جهة اليتيم وإنما هو مؤمن من جهة الشرع وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (٦) أي شهيدا. روي أن رفاعة مات وترك ابنه ثابتا وهو صغير فجاء عمه إلى النبيّ ﷺ : وقال ابن أخي يتيم في حجري فما يحل لي من ماله ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله قوله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتامى إلى هنا. لِلرِّجالِ نَصِيبٌ أي للأولاد والأقرباء الذكور صغارا أو كبارا حظ. مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ المتوارثون منهم وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ أي المتوفون مِمَّا قَلَّ
следующие страницы →