فيدخل فيه تحمل الأخلاق الرديئة من أهل البيت والأقارب والجيران، وترك الانتقام ممن أساء والعفو عمن ظلم والإيثار على الغير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد والمصابرة مع المبطلين وحل شبههم وَرابِطُوا أي جاهدوا القوى التي هي مصادر الأفعال الذميمة من الشهوة والغضب والحرص. أو المعنى انتظروا الصلاة بعد الصلاة وَاتَّقُوا اللَّهَ في مخالفة أمره وبتقوى الله يحصل دفع القوى الداعية إلى القبائح والمنكرات لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠) أي كي تنتظموا في زمرة الفائزين بكل مطلوب الناجين من كل كروب فظهر أن هذه الآية مشتملة على علوم الأصول والفروع وعلى الحكم والأسرار.
стр. 177
سورة النساء
مدنية، مائة وست وسبعون آية، ثلاثة آلاف وسبعمائة واثنتان وستون كلمة، ستة عشر ألف وثلاثمائة وثمانية وعشرون حرفا
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ بالتناسل مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ أبيكم آدم وَخَلَقَ مِنْها أي من نفس آدم زَوْجَها أمكم حواء.
روي أنه تعالى لما خلق آدم وأسكنه الجنة ألقى عليه النوم، فبينما هو بين النائم واليقظان خلق حواء من ضلع من أضلاعه اليسرى فلما انتبه وجدها عنده.
وقال النبيّ ﷺ : «إن المرأة خلقت من ضلع أعوج فإن ذهبت تقيمها كسرتها وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها»
«١» . وَبَثَّ مِنْهُما أي نشر من تلك النفس وزوجها بطريق التوالد رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً كثيرة. روى ابن جرير عن ابن إسحاق إن بني آدم لصلبه أربعون في عشرين بطنا فمما حفظ من ذكورهم قابيل وهابيل، وأباذ وشبوبه، وهند ومرانيس وفحور وسند، وبارق وشيث. ومن نسائهم أقليمة وأشوف وجزروه وعزورا.
قال ابن عساكر: وقد روي أن من بني آدم لصلبه عبد المغيث وتوأمته أمة المغيث وودا، وسواعا ويغوث ويعقوب، ونسرا وجميع أنساب بني آدم ترجع إلى شيث وسائر أولاده انقرضت أنسابهم من الطوفان وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ.
قرأ عاصم وحمزة والكسائي «تساءلون» بالتخفيف. والباقون بالتشديد. وقرأ حمزة وحده «والأرحام» بجر الميم. والتقدير واتقوا الله الذي تساءلون به وبالأرحام. لأن العادة جرت في العرب بأن أحدهم قد يستعطف غيره بالرحم فيقول: أسألك بالله والرحم. وربما أفرد ذلك فقال
стр. 178
أسألك بالرحم وأما قراءة الأرحام بالنصب فمعناه واتقوا الله بالتزام طاعته واجتناب معاصيه واتقوا الأرحام بوصلها وعدم قطعها فيما يتصل بالبر والإحسان والإعطاء. أو يقال: والزموا الأرحام وصلوها. وقد دلت الآية على جواز المسألة فيما بيننا بالله كقوله: بالله أسألك.
روى مجاهد عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «من سألكم بالله فأعطوه»
«١» . إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١) أي حافظا مطلعا على جميع ما يصدر عنكم من الأفعال والأقوال وعلى ما في ضمائركم من النيات مريدا لمجازاتكم على ذلك وَآتُوا الْيَتامى الذين بلغوا أَمْوالَهُمْ التي عندكم.
وقال أبو السعود: أي لا تتعرضوا لأموال اليتامى بسوء حتى تأتيهم وتصل إليهم سالمة سواء أريد باليتامى الصغار أو ما يعم الصغار والكبار. وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ أي لا تستبدلوا الحرام الذي هو مال اليتامى بالحلال الذي هو مالكم الذي أبيح لكم من المكاسب بأن لا تتركوا أموالكم وتأكلوا أموالهم وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ أي لا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم حتى لا تفرقوا بين أموالهم وأموالكم في حل الانتفاع بها فلا يحل لكم من أموالهم ما زاد على قدر الأقل من أجرتكم ونفقتكم. إِنَّهُ أي أكل مال اليتيم كانَ حُوباً كَبِيراً (٢) أي ذنبا عظيما عند الله. نزلت هذه الآية في رجل من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم فلما بلغ طلب المال فمنعه عمه فترافعا إلى النبيّ ﷺ . فنزلت هذه الآية. فلما سمعها العم قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير ودفع ماله إليه. وَإِنْ خِفْتُمْ يا أولياء اليتامى أَلَّا تُقْسِطُوا أي أن لا تعدلوا فِي الْيَتامى إذا نكحتموهن فَانْكِحُوا غيرهن من الغرائب.
روي عن عروة أنه قال: قلت لعائشة: ما معنى قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى. قالت: يا ابن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في جمالها ومالها، ويريد أن ينكحها بأدنى من صداقها، ثم إذا تزوج بها عاملها معاملة رديئة لعلمه بأنه ليس لها من يذب عنها. فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا في إكمال الصداق وأمروا أن ينكحوا ما سواهن.
وقال الحسن: كان الرجل من أهل المدينة تكون عنده الأيتام وفيهن من يحل له نكاحها فيتزوجها لأجل مالها، وهي لا تعجبه وإنما تزوجها كراهة أن يدخل غريب فيشاركه في مالها، ثم يسيء صحبتها ويتربص بها إلى أن تموت فيرثها فعاب الله عليهم ذلك وأنزل هذه الآية.
وروي عن عكرمة أنه قال: كان الرجل عنده نسوة وأيتام فإذا أنفق مال نفسه على النسوة ولم يبق له مال وصار محتاجا أخذ في إنفاق أموال اليتامى عليهن فقيل لهم: لا تزيدوا على أربع
стр. 179
فإنهم كانوا يتزوجون من النساء ما شاؤوا تسعا أو عشرا، وكان تحت قيس بن الحرث ثمان نسوة فحرم الله عليهم ما فوق الأربع. أي وإن خفتم ألا تعدلوا في حق اليتامى إذا تزوجتم بهن بإساءة العشرة أو بنقص الصداق فأنكحوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ أي فتزوجوا من استطابتها نفوسكم ومالت إليها قلوبكم من الأجنبيات مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ ولا تزيدوا على أربع فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا بين هذه الأعداد في القسمة والنفقة كما لم تعدلوا فيما فوق هذه الأعداد وكما لم تعدلوا في حق اليتامى فَواحِدَةً أي فالزموا أو فاختاروا واحدة وذروا الجمع.
وقرئ «فواحدة» بالرفع أي فكفت واحدة أو فحسبكم واحدة أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أي من السراري فإنه لا قسمة لهن عليكم ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا (٣) أي اختيار الحرة الواحدة أو التسري أقرب إلى أن لا تميلوا ميلا محظورا بالنسبة إلى ما عداهما والأمر يدور مع عدم الجور لا مع تحقق العدل. وَآتُوا النِّساءَ اللاتي أمرتم بنكاحهن صَدُقاتِهِنَّ أي مهورهن نِحْلَةً أي فريضة من الله تعالى كما قاله ابن عباس وقتادة وابن جريج وابن زيد، وإنما فسروا النحلة بالفريضة لأن النحلة في اللغة معناها الديانة والملة والشرعة والمذهب فقوله تعالى: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً أي أعطوهن مهورهن لأنها شريعة ودين ومذهب وما هو كذلك فهو فريضة وانتصاب نحلة على أنها مفعول له أو حال من الصدقات. فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً أي فإن وهبن لكم شيئا من الصداق بطيبة نفس من غير أن يكون السبب فيه شكاسة أخلاقكم معهن أو سوء معاشرتكم معهن فَكُلُوهُ أي فخذوا ذلك الشيء وتصرفوا فيه هَنِيئاً أي حلالا بلا إثم مَرِيئاً (٤) أي بلا ملامة وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى قضاته أن النساء يعطين رغبة ورهبة فأيما امرأة أعطته ثم أرادت أن ترجع فذلك لها وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً أي ويا أيها الأولياء لا تؤتوا المبذرين من اليتامى الذين يكونون تحت ولايتكم أموالهم التي في أيديكم التي جعل الله الأموال معاشكم أي لا يحصل معاشكم إلا بهذا المال مخافة أن يضيعوها وأضاف الله المال إلى الأولياء من حيث إنهم ملكوا التصرف فيه لا لأنهم ملكوا المال، ويكفي حسن الإضافة أدنى سبب وَارْزُقُوهُمْ فِيها أي أنفقوا عليهم وَاكْسُوهُمْ وإنما قال الله فيها ولم يقل منها لئلا يكون ذلك أمرا بجعل بعض أموالهم رزقا لهم بل أمرهم بأن يجعلوا أموالهم مكانا لرزقهم وكسوتهم بأن يتجروا فيها ويثمروها فيجعلوا أرزاقهم من الأرباح لا من أصول المال وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً (٥) أي جميلا وهو كل ما سكنت إليه النفس من قول لحسنه شرعا أو عقلا كأن يقول الولي للصبي: مالك عندي وأنا خازن له فإذا رشدت سلمت إليك أموالك وَابْتَلُوا الْيَتامى أي واختبروا من لا يتبين منهم السفه قبل البلوغ في دينهم وتصرفهم في أموالهم بما يليق بحالهم بأن تجربوا ولد التاجر بالبيع والشراء، والمماسكة فيهما، وولد الزراع بالزراعة والنفقة على القوام بها، والأنثى فيما يتعلق بالغزل والقطن وصون الأطعمة عن الهرة ونحوها. وحفظ متاع البيت وولد الأمير ونحوه بالإنفاق مدة في خبز وماء ولحم ونحوها.
стр. 180
قال أبو حنيفة ﵁: تصرفات الصبي العاقل المميز بإذن الولي صحيحة لأن قوله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتامى أمر للأولياء بأن يأذنوا لهم في البيع والشراء قبل البلوغ وذلك يقتضي صحة تصرفاتهم. وقال الشافعي ولا يصح عقد الصبي المميز بل يمتحن في المماسكة، فإذا أراد العقد عقد الولي لأنه لا يجوز دفع المال إليه حال الصغر فثبت عدم جواز تصرفه حال الصغر حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ أي إذا بلغوا مبلغ الرجل الذي يلزمه الحدود. وذلك بأن يحتلموا وإنما سمي الاحتلام ببلوغ النكاح لأنه إنزال الماء الدافق الذي يكون في الجماع فَإِنْ آنَسْتُمْ أي عرفتم مِنْهُمْ رُشْداً أي اهتداء إلى وجوه التصرفات من غير تبذير وعجز عن خديعة الغير فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ التي عندكم من غير تأخر عن حد البلوغ.
وقرئ «رشدا» بفتحتين و «رشدا» بضمتين. وعند الشافعي الصلاح يعتبر مع مصلح للمال في الدين بأن لا يرتكب كبيرة ولا يصر على صغيرة وعند أبي حنيفة هو غير
معتبر وفائدة هذا الخلاف أن الشافعي يرى الحجر على الفاسق وأبا حنيفة لا يراه وَلا تَأْكُلُوها أي أموال اليتامى أيها الأولياء إِسْرافاً وَبِداراً أي مسرفين بغير حق ومبادرين إلى إنفاقها أَنْ يَكْبَرُوا أي مخافة كبرهم فيمنعوكم عن ذلك وتقولون: ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينزعوها من أيدينا.
وَمَنْ كانَ من الأولياء والأوصياء غَنِيًّا عن مال اليتيم فَلْيَسْتَعْفِفْ أي فليتنزه عن أكلها وليقنع بما آتاه الله تعالى من الرزق إشفاقا على اليتيم وإبقاء على ماله وَمَنْ كانَ من الأولياء والأوصياء فَقِيراً محتاجا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ أي بقدر أجرة خدمته لليتيم وعمله في مال اليتيم. ويقال: فليأكل بالمعروف أي بالقرض ثم إذا أيسر قضاه وإن مات ولم يقدر على القضاء فلا شيء عليه. وهذا قول سعيد بن جبير ومجاهد وأبي العالية وهذا القرض في أصول الأموال أما نحو ألبان المواشي واستخدام العبيد وركوب الدواب فمباح لنحو الوصي إذا كان غير مضر بالمال وهذا قول أبي العالية وغيره. فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أي اليتامى أَمْوالَهُمْ بعد البلوغ والرشد فَأَشْهِدُوا ندبا عَلَيْهِمْ عند الدفع فإن الإشهاد أبعد من الخصومة ولو ادّعى الوصي بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع المال إليه. أو قال: أنفقت عليه في صغره فقال مالك والشافعي: لا يصدق.
وقال أبو حنيفة: يصدق مع اليمين. وقال الشافعي: القيم غير مؤتمن من جهة اليتيم وإنما هو مؤمن من جهة الشرع وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (٦) أي شهيدا.
روي أن رفاعة مات وترك ابنه ثابتا وهو صغير فجاء عمه إلى النبيّ ﷺ : وقال ابن أخي يتيم في حجري فما يحل لي من ماله ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله قوله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتامى إلى هنا. لِلرِّجالِ نَصِيبٌ أي للأولاد والأقرباء الذكور صغارا أو كبارا حظ. مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ المتوارثون منهم وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ أي المتوفون مِمَّا قَلَّ
стр. 181
مِنْهُ
أي مما تركوه أَوْ كَثُرَ وأتى بهذه الجملة لتحقيق أن لكل من الفريقين حقا من كل ما جل ودق ولدفع توهم اختصاص بعض الأموال ببعض الورثة، كالخيل وآلات الحرب للرجال.
نَصِيباً مَفْرُوضاً (٧) أي أعني نصيبا مقدرا مقطوعا بتسليمه إليهم فالوارث لو أعرض عن نصيبه لم يسقط حقه بالإعراض. وهذا إبطال لحكم الجاهلية فإنهم لا يورثون النساء والأطفال، ويقولون: إنما يرث من طاعن بالرماح وذاد عن الحوزة وحاز الغنيمة وذكر الله في هذه الآية أن الإرث أمر مشترك فيه بين الرجال والنساء ثم ذكر التفصيل في قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ. وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أي قسمة التركة أُولُوا الْقُرْبى أي قرابة الميت الذي ليس بوارث وَالْيَتامى أي يتامى المؤمنين وَالْمَساكِينُ أي مساكين المؤمنين من الأجانب فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ أي أعطوهم من المال المقسوم شيئا قبل القسمة وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً (٨) وهذا الإعطاء مندوب إذا كانت الورثة كبارا، أما إذا كانوا صغارا فليس على الولي إلا القول المعروف كأن يقول: إني لا أملك هذا المال إنما هو لهؤلاء الضعفاء الذين لا يعقلون وإن يكبروا فسيعرفون حقكم أو يقول: سأوصيهم ليعطوك شيئا وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ أي وليخف الذين يحضرون المريض على أولاد المريض إن تركوا بعد موتهم أولادا صغارا خافوا عليهم الضياع. وهذا خطاب مع الذين يجلسون عند المريض فيقولون: إن ذريتك لا يغنون عنك من الله شيئا فأوص بمالك لفلان وفلان ولا يزالون يأمرونه بالوصية إلى الأجانب إلى أن لا يبقى من ماله للورثة شيء أصلا. وحاصل الكلام أنك لا ترضى مثل هذا الفعل لنفسك فلا ترضى لأخيك المسلم
عن أنس قال: قال النبيّ ﷺ : «لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»
«١» فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ في أمر اليتامى وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً (٩) أي عدلا إذا أرادوا بعث غيرهم على فعل بأن يقولوا لليتامى مثل ما يقولون لأولادهم بالشفقة والتأديب ويخاطبون لهم بقولهم: يا ولدي يا بني. وبأن يقولوا للمريض: إذا أردت الوصية فلا تسرف في وصيتك ولا تجحف بأولادك، ويذكروه التوبة وكلمة الشهادة وبأن يلطف الورثة القول للحاضرين الذين لا يرثون حال قسمة الميراث إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً أي وجه الغضب إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً أي حراما يؤدي إلى النار. أو يقال: يجعل الله في بطونهم
стр. 182
نارا يوم القيامة بأن يخلق الله نارا يأكلونها في بطونهم وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (١٠) أي سيدخلون نارا وقودا لا يعرف غاية شدتها إلّا الله تعالى.
قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وسيصلون بضم الياء. والباقون بالفتح. وقرئ شاذة بضم الياء وتشديد اللام. نزلت هذه الآية في شأن حنظلة بن شمردل. وقيل في شأن رجل من غطفان يقال له: مرثد بن زيد: ولي مال يتيم- وكان اليتيم ابن أخيه- فأكله.
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ أي يبين الله لكم في ميراث أولادكم بعد موتكم.
روى عطاء قال: استشهد سعد بن الربيع وترك ابنتين، وامرأة وأخا. فأخذ الأخ المال كله فأتت المرأة وقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد وإن سعدا قتل وإن عمهما أخذ مالهما فقال ﷺ : «ارجعي فلعل الله سيقضي فيه» ثم إنها عادت بعد مدة وبكت فنزلت هذه الآية فدعا رسول الله ﷺ عمهما وقال: «أعط ابنتي سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقي فهو لك»
«١» فهذا أول ميراث قسم في الإسلام لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ أي فإذا خلف الميت ذكرا واحدا وأنثى واحدة فللذكر سهمان وللأنثى سهم، وإذا كان الوارث جماعة من الذكور وجماعة من الإناث كان لكل ذكر سهمان ولكل أنثى سهم، وإذا كان مع الأولاد أبوان وأحد الزوجين فالباقي بعد سهام الأبوين وأحد الزوجين بين الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ أي فإن كانت بنات الصلب نساء خلصا بنتين أو أكثر فلتلك النساء ثلثا ما ترك المتوفى وَإِنْ كانَتْ أي الوارثة بنتا واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ. وقرأ نافع واحدة بالرفع فكان تامة وَلِأَبَوَيْهِ أي الميت لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ أي الميت إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ ذكر أو أنثى، أي فإن كان مع الأبوين ولد ذكر فأكثر أو بنتان فأكثر فلكل واحد من الأب والأم السدس وإن كان معها بنت فلها النصف وللأم السدس وللأب السدس بحكم هذه الآية. والسدس الباقي للأب أيضا بحكم التعصيب فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أي الميت وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ. وذلك فرض لها والباقي للأب فيأخذ السدس بالفريضة والنصف بالتعصيب، وإذا انفرد أخذ كل المال كما هو شأن العصبة. وإذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين فللأم ثلث ما يبقى بعد فرضه، والباقي للأب خلافا لابن عباس فإن للأم ثلث الكل عنده، ووافقه ابن سيرين في الزوجة وخالفه في الزوج لأن الثلث فيه يفضي إلى كون نصيب الأنثى مثل نصيب الذكرين فَإِنْ كانَ لَهُ أي الميت إِخْوَةٌ اثنان فصاعدا من جهة الأبوين أو من جهة أحدهما ذكور أو إناث وارثون أو محجوبون بالأب فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ. والباقي للأب ولا شيء للأخوة، وأما السدس الذي حجبوها عنه فهو للأب عند
стр. 183
وجوده ولهم عند عدمه مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ أي هذه الأنصباء للورثة من بعد إخراج وصية يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ وذلك لأن أول ما يخرج من التركة الدين حتى لو استغرق الدين كل مال الميت لم يكن للورثة فيه حق فأما إذا لم يكن دين أو كان إلا أنه قضى وفضل بعده شيء، فإن أوصى الميت بوصية أخرجت من ثلث ما فضل، ثم قسم الباقي ميراثا على فرائض الله تعالى.
قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر عن عاصم «يوصى» بفتح الصاد. وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي بكسر الصاد. آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً والمعنى أن قسمة الله لهذه المواريث أولى من القسمة التي تميل إليها طباعكم فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ أي فرض ذلك فريضة وهذا إشارة إلى وجوب الانقياد لهذه القسمة
التي قدرها الشرع وقضى بها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً أي بالمصالح والرتب حَكِيماً (١١) في كل ما قضى وقدر.
قال ابن عباس: إن الله ليشفع المؤمنين بعضهم في بعض فأطوعكم لله تعالى من الأبناء والآباء أرفعكم درجة في الجنة، وإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة من ولده رفع الله إليه ولده بمسألته ليقرّ بذلك عينه، وإن كان الولد أرفع درجة من والديه رفع الله إليه والديه ولذا قال تعالى:
لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً لأن أحد المتوالدين لا يعرف أن انتفاعه في الجنة بهذا أكثر أم بذلك. وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ من المال إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ ذكر أو أنثى منكم أو من غيركم والباقي لورثتهن فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ وارث واحد أو متعدد فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ من المال والباقي لباقي الورثة مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ أي هذه الأنصباء إنما تدفع إلى هؤلاء إذا فضل عن وصية يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ أي أو من بعد قضاء دين عليهن وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ من المال إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ ذكر أو أنثى منهن أو من غيرهن، والباقي لبقية ورثتكم من أصحاب الفروض والعصبات أو ذوي الأرحام، أو لبيت المال إن لم يكن لكم وارث آخر أصلا. فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ من المال والباقي للباقين مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ أي أو من بعد قضاء دين عليكم من المال وَإِنْ كانَ رَجُلٌ أي ميت يُورَثُ كَلالَةً أي لا ولد له ولا والد أَوِ امْرَأَةٌ أي أو كانت امرأة تورث كلالة وَلَهُ أي الميت أَخٌ أَوْ أُخْتٌ من أمه فقط فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا أي الأخ والأخت السُّدُسُ من غير تفضيل للذكر على الأنثى لأن الإدلاء إلى الميت بمحض الأنوثة فَإِنْ كانُوا أي من يرث من الأخوة من الأم أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ أي من الواحد فَهُمْ أي الزائد على الواحد كيفما كانوا شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ فالذكر والأنثى فيه سواء، والباقي لبقية الورثة من أصحاب الفروض والعصبات مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ للورثة بأن يوصي بأكثر من الثلث أو يقرّ بكل ماله أو ببعضه لأجنبي، أو يقر على نفسه
стр. 184
بدين لا حقيقة له أو يقر بأن الدين الذي له على الغير قد وصل إليه أو يبيع شيئا بثمن بخس أو يشتري شيئا بثمن غال، أو يوصي بالثلث لغرض تنقيص حقوق الورثة وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ أي فريضة من الله عليكم في قسمة المواريث. وقيل: المعنى وصية من الله بالأولاد وأن لا يدعهم عالة يتكففون وجوه الناس بسبب الإسراف في الوصية، وينصر هذا الوجه قراءة الحسن «غير مضار وصية» بالإضافة. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بمن جار أو عدل في وصيته حَلِيمٌ (١٢) على الجائر لا يعاجله بالعقوبة فلا يغتر بالإمهال تِلْكَ أي شؤون الأيتام وأحكام الأنكحة وأحوال المواريث حُدُودُ اللَّهِ أي أحكام الله وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في جميع الأوامر والنواهي يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ نصب على الظرفية عند الجمهور وعلى المفعولية عند الأخفش تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها حال من الهاء في يدخله وهي عائدة على «من» وهو مفرد في اللفظ جمع في المعنى، فلهذا صح الوجهان. وَذلِكَ أي دخول الجنات على وجه الخلود الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) الذي لا فوز وراءه وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ولو في بعض الأوامر والنواهي وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ أي يتجاوز أحكامه بالجور.
وقال الكلبي: أي ومن يكفر بقسمة الله المواريث ويتعد حدوده استحلالا. وقال عكرمة عن ابن عباس: من لم يرض بقسم الله تعالى ويتعد ما قال الله تعالى يُدْخِلْهُ ناراً أي عظيمة هائلة خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤) أي وله مع عذاب الحريق الجسماني عذاب شديد روحاني.
وقرأ نافع وابن عامر «ندخله» بنون العظمة في الموضعين. والباقون بالياء. وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ أي اللاتي يفعلن الزنا كائنات من أزواجكم المحصنات فاطلبوا أن يشهد عليهن بفعله أربعة من رجال المؤمنين وأحرارهم.
وقرئ بالفاحشة فَإِنْ شَهِدُوا عليهن بذلك كما ينبغي فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ أي فخلدوهن محبوسات في بيوتكم حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أي أن يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) أي أو إلى أن يشرع لهن حكما خاصا بهن ثم
قال النبيّ ﷺ : «خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا، الثيب ترجم والبكر تجلد وتنفى»
«١» .
وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ أي البكران اللذان يأتيان الفاحشة من أحراركم فَآذُوهُما بالتهديد والتعيير كأن يقال: بئس ما فعلتما وقد تعرضتما لعقاب الله وسخطه، وأخرجتما أنفسكما عن اسم العدالة. ويخوفا بالرفع إلى الإمام وبالحد.
стр. 185
وقرأ ابن كثير «واللذان» بتشديد النون. فَإِنْ تابا عما فعلا من الفاحشة بعد زواجر الأذية وَأَصْلَحا أعمالهما فيما بينهما وبين الله فَأَعْرِضُوا عَنْهُما أي اتركوا إيذاءهما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً أي كثير القبول للتوبة ممن تاب رَحِيماً (١٦) أي واسع الرحمة. وقد نسخ الإيذاء باللسان للفتى والفتاة بجلد مائة. وقال أبو مسلم الأصفهاني والمراد بقوله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ السحاقات حدّهن الحبس إلى الموت أو إلى أن يسهل الله لها قضاء الشهوة بطريق النكاح. والمراد بقوله تعالى: وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ أهل اللواط وحدّهما الأذى بالقول والفعل. إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ أي إنما التوبة التي يجب على الله قبولها وجوب الكرم والفضل لا وجوب الاستحقاق للذين يعملون المعصية مع عدم علمه بأنها معصية لكن يمكنه تحصيل العلم بأنها معصية. ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ أي من زمان قريب وهو ما قبل معاينة سبب الموت وأهواله فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أي يتجاوز الله عنهم وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بأنه إنما أتى بتلك المعصية لاستيلاء الشهوة والجهالة عليه. حَكِيماً (١٧) بأن العبد لما كان من صفته ذلك، ثم تاب قبل سوق الروح فإنه يجب في الكرم والإحسان قبول توبته وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ أي وليس التوبة للذين يعملون الذنوب إلى حضور موتهم أي علامات قربه وقولهم حينئذ: إِنِّي تُبْتُ الْآنَ. ولذلك لم ينفع إيمان فرعون حين أدركه الغرق.
روى أبو أيوب عن النبيّ ﷺ : «إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر
» «١» أي ما لم تتردد الروح في حلقه. وقال عطاء: ولو قبل موته بفواق الناقة. وعن الحسن أن إبليس قال حين أهبط إلى الأرض: وعزّتك لا أفارق ابن آدم ما دامت روحه في جسده
فقال الله: «وعزّتي لا أغلق عليه باب التوبة ما لم يغرغر»
وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أي وليس قبول التوبة للذين يموتون على الكفر إذا تابوا في الآخرة عند معاينة العذاب أُولئِكَ أي الكفار أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٨) بيان لكونهم مختصين بسبب كفرهم بمزيد العقوبة والإذلال نزلت هذه الآية في حق طعمة وأصحابه الذين ارتدوا. قاله ابن عباس. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ أي عين النساء كَرْهاً أي لا يحل لكم أن تأخذوهن بطريق الإرث وهن كارهات لذلك أو مكروهات عليه. نزلت هذه الآية في حق أهل المدينة كانوا في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا مات الرجل وكانت له زوجة جاء ابنه من غيرها أو بعض أقاربه فألقى ثوبه على المرأة وقال:
стр. 186
ورثت امرأته كما ورثت ماله فصار أحق بها من سائر الناس ومن نفسها فإن شاء تزوّجها بغير صداق وإن شاء زوجها من إنسان آخر، وأخذ صداقها ولم يعطها منه شيئا. فأنزل الله تعالى هذه الآية.
قرأ حمزة والكسائي «كرها» بضم الكاف هنا. وكذا في التوبة وفي الأحقاف. وقرأ عاصم وابن ذكوان عن ابن عامر في الأحقاف بالضم. والباقون بالفتح. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالفتح في جميع ذلك. قال الفراء: الكره بالفتح الإكراه، وبالضم المشقة فما أكره عليه فهو كره بالفتح، وما كان من قبل نفسه فهو كره بالضم وَلا تَعْضُلُوهُنَّ أي وكذلك لا يحل لكم بعد التزويج بهن الحبس والتضييق لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ من المهر إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ. وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم بفتح الباء. والباقون بالكسر أي بينة القبح من النشوز وشكاسة الخلق وإيذاء الزوج وأهله بالبذاء والسلاطة، ويدل عليه قراءة أبي بن كعب إلا أن يفحشن عليكم. والمعنى لا يحل لكم أن تضيقوا الأمر عليهن لعلة من العلل إلا لإتيانهن بالنشوز فإن السبب حينئذ يكون من جهتهن فقد عذرتم في طلب الخلع وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ أي النصفة في المبيت والنفقة والإجمال في القول فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (١٩) أي فإن كرهتم صحبتهن فأمسكوهن بالمعروف ولا تفارقوهن بمجرد كراهة النفس من غير أن يكون من قبلهن ما يوجب ذلك فقد قربت كراهتكم شيئا أي معهن مع كون الله جعل في صحبتهن خيرا كثيرا، كحصول ولد فتنقلب الكراهة محبة. وكاستحقاق الثواب الجزيل في العقبى والثناء الجميل في الدنيا للإنفاق عليهن والإحسان إليهن على خلاف الطبع وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ أي وإن أردتم تزوج امرأة ترغبون فيها بدل امرأة تنفرون عنها بأن أردتم أن تطلقوها وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً أي وقد أعطيتم إحدى الزوجات التي تريدون أن تطلقوها مالا كثيرا من الصداق فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ أي من ذلك القنطار شَيْئاً أي يسيرا. أي إن كان سوء العشرة من قبل الزوج كره له أن يأخذ شيئا من مهرها، ثم إن وقعت المخالعة ملك الزوج بدل الخلع، وإن كان من قبل المرأة فيحل أخذ بدل الخلع أَتَأْخُذُونَهُ أي المهر بُهْتاناً أي ظلما وَإِثْماً مُبِيناً (٢٠) أي حراما بينا أي إن أخذ المال طعن في ذاتها وأخذ لمالها فهو بهتان من وجه وظلم من وجه آخر فكان ذلك معصية عظيمة من أمهات الكبائر.
روي أن الرجل إذا مال إلى التزوج بامرأة أخرى رمى زوجة نفسه بالفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوج المرأة التي يريدها
وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ أي ولأي وجه تأخذون المهر وقد اجتمعتم في لحاف واحد فإنها قد بذلت نفسها لك، وجعلت ذاتها لذّتك وتمتعك. وحصلت الألفة التامة بينكما فكيف يليق بالعاقل أن
стр. 187
يسترد منها شيئا؟ فهذا لا يليق بمن له طبع سليم وذوق مستقيم! وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٢١) .
قال ابن عباس ومجاهد: وهو كلمة النكاح المعقودة على الصداق وتلك الكلمة كلمة تستحل بها فروج النساء قال ﷺ : «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله»
«١» . وهذا الإسناد مجاز عقلي من الإسناد للسبب لأن الآخذ للعهد حقيقة هو الله لكن بولغ فيه حتى جعل كأنهن الآخذات له أي وقد أخذ الله عليكم العهد بسببهن وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ أي لا تنكحوا التي نكحها آباؤكم من النساء فإنه موجب للعقاب إلا ما قد مضى قبل نزول آية التحريم فإنه معفو عنه ويقال: ولا تنكحوا نكاح آبائكم فإن أنكحتهم كانت بغير ولي شهود وكانت موقتة، وعلى سبيل القهر. وهذا الوجه منقول عن محمد بن جرير الطبري في تفسير هذه الآية. وقيل: المعنى لا تزوجوا امرأة وطئها آباؤكم بالزنا إلا ما قد سلف من الأب في الجاهلية من الزنا بامرأة فإنه يجوز للابن تزوجها كما نقل هذا المعنى عن ابن زيد، وكما قال أبو حنيفة: يحرّم على الرجل أن يتزوج بمزنية أبيه لهذه الآية.
وقال الشافعي: لا يحرم إِنَّهُ أي نكاح نساء الآباء كانَ فاحِشَةً أي قبيحا لأن زوجة الأب تشبه الأم فكانت مباشرتها من أفحش الفواحش وَمَقْتاً أي ممقوتا عند ذوي المروءات من الجاهلية وغيرهم وكانت العرب تقول لولد الرجل من امرأة أبيه مقتى. وَساءَ سَبِيلًا (٢٢) أي بئس مسلكا. نزلت هذه الآية في حق محصن بن قيس الأنصاري. واعلم أن مراتب القبح ثلاثة: القبح في العقول، وفي الشرائع، وفي العادات. فقوله تعالى: إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً إشارة إلى القبح العقلي. وقوله تعالى: وَمَقْتاً إشارة إلى القبح الشرعي. وقوله:
وَساءَ سَبِيلًا إشارة إلى القبح العادي. ومتى اجتمعت فيه هذه الوجوه فقد بلغ الغاية في القبح حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ من النسب وَبَناتُكُمْ من النسب وَأَخَواتُكُمْ من النسب من أي وجه يكن وَعَمَّاتُكُمْ أي أخوات آبائكم وَخالاتُكُمْ أي أخوات أمهاتكم وَبَناتُ الْأَخِ من النسب من أي وجه يكن وَبَناتُ الْأُخْتِ من النسب من أي وجه يكن وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ في الحولين خمس رضعات متفرقات عند الشافعي وابن حنبل. وقال أبو حنيفة ومالك: يحصل التحريم بمصة واحدة وفاقا للأوزاعي ولسفيان الثوري،
стр. 188
وعبد الله بن المبارك كقول ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وهي من أرضعتها أمك أو ارتضعت بلبن أبيك أو ولدتها مرضعتك أو ولدها الفحل وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ من نسب أو رضاع سواء دخل بزوجته أم لا؟ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ أي بنات نسائكم اللاتي ربيتم في بيوتكم مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ أي جامعتموهن سواء كان ذلك بعقد صحيح أو فاسد فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ في نكاح الربائب بعد طلاق أمها أو موتها وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ أي ونساء أبنائكم الذين من أولاد فراشكم دون نساء الأولاد الأدعياء.
قال الشافعي: لا يجوز للأب أن يتزوج بجارية ابنه لأنها حليلته.
وقال أبو حنيفة: يجوز واتفقوا على أن حرمة التزوج بحليلة الابن تحصل بنفس العقد، كما أن حرمة التزوج بحليلة الأب تحصل بذلك وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بالنكاح وبالوطء في ملك اليمين لا في نفس ملك اليمين. قال الشافعي: نكاح الأخت في عدة البائن جائز لأنه لم يوجد الجمع. وقال أبو حنيفة: لا يجوز إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ أي قد مضى في الجاهلية فإنه مغفور لكم إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً فيما كان منكم في الجاهلية رَحِيماً (٢٣) أي فيما يكون منكم في الإسلام إذا تبتم. وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أي وحرّم عليكم نكاح ذوات الأزواج كائنات من جميع النساء إلا ما ملكت أيمانكم من السبايا فإنهن حلال لكم بعد ما استبرأتم أرحامهن بحيضة، وإن كان أزواجهن في دار الحرب واختلف القراء في كلمة المحصنات سواء كانت معرّفة بال أم نكرة. فقرأ الجمهور بفتح الصاد، والكسائي بكسرها في جميع القرآن إلّا التي في هذه الآية فإنهم أجمعوا فيها على الفتح. والمعنى أحصنهن الأزواج بالتزوج، أي أعفوهن عن الوقوع في الحرام والأولياء أعفوهن عن الفساد بالتزويج وهن يحصن أزواجهن عن الزنا ويحصن فروجهن عن غير أزواجهن بعفافهن كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أي كتب عليكم تحريم ما تقدم ذكره من المحرمات كتابا من الله. أو المعنى الزموا كتاب الله وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ.
قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم «وأحل لكم» بالبناء للمفعول عطفا على قوله:
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ والباقون «وأحل» بالبناء للفاعل عطفا على «كتاب الله» أي كتب الله عليكم تحريم هذه الأشياء وأحل لكم ما وراءها. ومحل أن تبتغوا رفع على البدل من ما على القراءة الأولى، ونصب على القراءة الثانية. وقوله: مُحْصِنِينَ حال. وقيل: خبر كان الناقصة.
والمعنى وأحل لكم ما سوى المحرمات المعدودة أن تطلبوا النساء بصرف أموالكم المهور أو الأثمان على طريق النكاح إلى الأربع أو التسري للإماء حال كونكم
متعففين عن الزنا وغير زانين وهذا تكرير للتأكيد.
стр. 189
وقيل: المعنى كونوا مع النساء متزوجين أو متسرين فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أي فأي فعل استنفعتم به من جهة المنكوحات مكن جماع أو عقد فأعطوهن مهورهن لأجله. بالتمام إن استنفعتم بالدخول ولو مرة، وبالنصف إن استنفعتم بعقد النكاح.
فَرِيضَةً أي حال كون أجورهن مفروضة من الله عليكم وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ أي لا إثم عليكم في أن تهب المرأة للزوج مهرها أو يهب الزوج للمرأة المطلقة قبل الدخول تمام المهر أو فيما تراضيا به من نفقة ونحوها مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ أي من بعد ذكر المقدار المعين إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بمصالح العباد حَكِيماً (٢٤) فلا يشرع الأحكام إلّا على وفق الحكمة وذلك يوجب التسليم لأوامره والانقياد لأحكامه. وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ أيها الأحرار طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ أي الحرائر فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ أي من إمائكم المؤمنات فقوله تعالى: أَنْ يَنْكِحَ إما مفعول لطولا، وإما بدل منه، وإما مفعول ليستطع وطولا مصدر مؤكد له، لأنه بمعناه إذ الاستطاعة هي الطول- أي الفضل- والزيادة في المال أو تمييز. أي ومن لم يستطع منكم زيادة في المال يبلغ بها نكاح الحرائر فلينكح الإماء. أو المعنى ومن لم يستطع منكم استطاعة نكاحهن. أو المعنى من لم يستطع منكم من جهة سعة المال لا من جهة الطبيعة نكاح الحرة فلينكح الأمة لأنها في العادة تخف مهورها ونفقتها لاشتغالها بخدمة السيد، بخلاف الحرة الفقيرة. ويقال للمرأة الحديثة السن: فتاة. وللغلام: فتى.
والأمة: تسمى فتاة، سواء كانت عجوزا أم شابة لأنها كالشابة في أنها لا توقر توقير الكبير.
وقال مجاهد وسعيد والحسن ومالك والشافعي: لا يجوز التزوج بالأمة الكتابية سواء كان الزوج حرا أو عبدا. وقال أبو حنيفة: يجوز. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ أي إنه تعالى أعلم منكم بمراتبكم في الإيمان فربّ أمة يفوق إيمانها إيمان الحرائر. فاعلموا على الظاهر في الإيمان فإنكم مكلفون بظواهر الأمور والله يتولى السرائر والحقائق بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ أي كلكم مشتركون في الإيمان وهو أعظم الفضائل فإذا حصل الاشتراك في ذلك كان التفاوت فيما وراءه غير معتبر.
روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ثلاث من أمر الجاهلية: الطعن في الأنساب. والفخر بالأحساب. والاستسقاء بالأنواء»
«١» . فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ أي سيدهن وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ أي أعطوهن مهورهن على العادة الجميلة عند المطالبة من غير مطل مُحْصَناتٍ أي عفائف عن الزنا وهي حال مفعول فأنكحوهن غَيْرَ مُسافِحاتٍ أي غير مؤجرة
стр. 190
نفسها مع أي رجل أرادها وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ أي غير متخذات أخلاء معينين يزنون بهن سرا فَإِذا أُحْصِنَّ أي زوجهن. وقرأه حمزة والكسائي وأبو بكر بالبناء للفاعل أي «أسلمن» ، كما قال عمر وابن مسعود والشعبي والنخعي والسدي. فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ أي فإن فعلن زنا فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ أي فثابت عليهن شرعا نصف ما على الحرائر الأبكار مِنَ الْعَذابِ أي الحد فيجلدن خمسين ويغرين نصف سنة كما هو كذلك قبل الإحصان. وهذه الآية بيان عدم تفاوت حدّهن بالإحصان كتفاوت حد الحرائر. فتخفيف الحد للرق ذلِكَ أي نكاح الإماء حلال لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ أي الضرر الشديد في العزوبة بالشبق الشديد فإنه قد يحمل على الزنا، وقد يؤدي بالإنسان إلى الأمراض الشديدة وَأَنْ تَصْبِرُوا عن نكاح الإماء خَيْرٌ لَكُمْ لما في نكاحهن من تعريض الولد للرق وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥) بإباحته لكم في نكاح الإماء وإن كان يؤدي إلى إرقاق الولد مع أن هذا يقتضي المنع منه لاحتياجكم إليه، فكان ذلك من باب المغفرة والرحمة يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ما هو خفي عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أي يرشدكم طرائق الأنبياء والصالحين لتقتدوا بهم فكل ما بين الله تحريمه وتحليله لنا من النساء كان الحكم كذلك في جميع الشرائع والملل وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ إذا تبتم إليه تعالى عما يقع منكم من التقصير في مراعاة الشرائع وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأحوالكم حَكِيمٌ (٢٦) في كل ما يفعله بكم ويحكم عليكم. وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ أي أن يتجاوز عنكم حين حرّم عليكم الزنا ونكاح الأخوات من الأب وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ في نكاح الأخوات من الأب، وهم: اليهود. وفي الزنا، وهم: الفجرة. أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً (٢٧) بموافقتهم على استحلال المحرمات في قول اليهود: إن نكاح الأخوات من الأب حلال في كتابنا وعلى اتباع الشهوات. فإن الزاني يحب أن يشركه في الزنا غيره ليفرق اللوم عليه وعلى غيره. يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ في جميع أحكام الشرع كإباحة نكاح الأمة عند الضرورة وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (٢٨) أي عاجزا عن مخالفة هواه غير قادر على مقابلة دواعيه حيث لا يصبر عن النساء وعن اتباع الشهوات ولا يستخدم قواه في مشاق الطاعات ولذلك خفف الله تكليفه.
وقرأ ابن عباس «وخلق الإنسان» على البناء للفاعل والضمير لله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ أي بما يخالف الشرع كالغصب والسرقة والخيانة والقمار وعقود الربا، وشهادة الزور، والحلف الكاذب، وجحد الحق إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ.
قرأ عاصم وحمزة والكسائي «تجارة» بالنصب أي لا يأكل بعضكم أموالا بغير طريق شرعي بل كلوا بأن تكون الأموال تجارة صادرة عن تراض منكم. والباقون بالرفع أي لكن بأن توجد
стр. 191
تجارة عن طيب نفس وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أي لا تفعلوا ما تستحقون به القتل من قتل المؤمن بغير حق والردة والزنا بعد الإحصان إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩) حيث نهاكم عن كل ما تستوجبون به مشقة وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ أي ما نهى عنه من قتل النفس وغيره من المحرمات عُدْواناً أي إفراطا في مجاوزة حد الحلال وَظُلْماً أي إتيانا بما لا يستحقه فَسَوْفَ نُصْلِيهِ أي ندخله ناراً هائلة شديدة العذاب وَكانَ ذلِكَ أي إصلاؤه النار عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (٣٠) أي هينا
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ في هذه السورة نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ أي صغائركم من جماعة إلى جماعة ومن جمعة إلى جمعة ومن شهر رمضان إلى شهر رمضان وَنُدْخِلْكُمْ في الآخرة مُدْخَلًا كَرِيماً (٣١) . قرأ نافع بفتح الميم والباقون بالضم أي موضعا حسنا وهو الجنة وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ.
قال ابن عباس: لا يتمنى الرجل مال غيره ودابته وامرأته ولا شيئا من الذي ثبت له كالجاه وغير ذلك مما يجري فيه التنافس، وذلك هو الحسد المذموم لأن ذلك التفضيل قسمة من الله تعالى صادرة عن حكمة وتدبير لائق بأحوال العباد متفرع على العلم بجلائل شؤونهم ودقائقها، واسألوا الله من فضله وقولوا: اللهم ارزقنا مثله أو خيرا منه مع التفويض. ويقال: نزلت هذه الآية في حق أم سلمة زوج النبيّ ﷺ لقولها للنبيّ: ليت الله كتب علينا ما كتب على الرجال لكي نؤجر كما يؤجر الرجال فنهى الله عن ذلك وقال: ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم- أي الرجال- على بعض- أي النساء- من الجماعة والجمعة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم بيّن الله تعالى ثواب الرجال والنساء باكتسابهم فقال لِلرِّجالِ نَصِيبٌ أي ثواب مِمَّا اكْتَسَبُوا أي الخير كالجهاد والنفقة على النساء وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ أي ثواب مِمَّا اكْتَسَبْنَ من الخير في بيوتهن كحفظ فروجهن وطاعة الله وأزواجهن وقيامهن بمصالح البيت من الطبخ والخبز وحفظ الثياب ومصالح المعاش وكالطلق والإرضاع وَسْئَلُوا اللَّهَ. قرأ ابن كثير والكسائي وسلوا الله بغير همز مِنْ فَضْلِهِ أي واسألوا الله ما احتجتم إليه يعطكم من خزائنه التي لا تنفد.
قال الفخر الرازي: قوله تعالى: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ تنبيه على أن الإنسان لا يجوز له أن يعين شيئا في الطلب والدعاء ولكن يطلب من فضل الله ما يكون سببا لصلاحه في دينه ودنياه على سبيل الإطلاق اه. وقد جاء
في الحديث: «لا يتمنين أحدكم مال أخيه، ولكن ليقل اللهم ارزقني اللهم أعطني مثله» .
وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «سلوا الله من فضله فإنه يحب أن يسأل وأفضل العبادة انتظار الفرج»
«١» إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٣٢) ولذلك
стр. 192
جعل الناس على طبقات فرفع بعضهم على بعض درجات. أي فإنه تعالى هو العالم بما يكون صلاحا للسائلين فليقصر السائل على المجمل وليحترز في دعائه عن التعيين. فربما كان ذلك محض المفسدة والضرر وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ أي ولكل تركة جعلنا ورثة متفاوتة في الدرجة يلونها ويحرزون منها أنصباءهم بحسب استحقاقهم ومما ترك بيان لكل وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ أي ومما ترك الزوج والزوجة فالنكاح يسمى عقدا.
وهذا قول أبي مسلم الأصفهاني ويصح أن تكون جملة «جعلنا موالي» صفة «لكل» ، والضمير الراجع إليه محذوف، والكلام مبتدأ أو خبر. والمعنى حينئذ ولكل قوم جعلناهم وراثا نصيب معين مغاير لنصيب قوم آخرين مما ترك المورثون فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ من الميراث. قيل: إن هذه الآية نزلت في شأن أبي بكر الصديق لأنه حلف أن لا ينفق على ابنه عبد الرحمن ولا يورثه شيئا من ماله فلما أسلم عبد الرحمن أمر الله أبا بكر أن يؤتيه نصيبه. وقيل: المراد من قوله تعالى: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ الحلفاء. وبقوله: فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ النصرة والنصيحة والمصافاة في العشرة، وحينئذ فقوله: وَالَّذِينَ مبتدأ متضمن لمعنى الشرط ولذلك صدر الخبر بالفاء أو منصوب بمضمر يفسره قوله: فَآتُوهُمْ وعلى هذه الوجوه فهذه الآية غير منسوخة بخلاف ما لو حمل قوله: الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ على الحلفاء في الجاهلية.
وقوله: فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ على الميراث- وهو السدس- فهذه الآية حينئذ منسوخة بقوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ [الأنفال: ٧٥] وبقوله تعالى:
يُوصِيكُمُ اللَّهُ. وكذا لو حمل قوله: الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ على الأبناء الأدعياء أو على من واخاه النبي ﷺ لرجل آخر فإنه وأخي بين كل رجلين من أصحابه ﷺ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من أعمالكم شَهِيداً (٣٣) أي مطلعا الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ أي الرجال مسلطون على أدب النساء بسبب تفضيل الله تعالى إياهم عليهن بكمال العقل وحسن التدبير ورزانة الرأي، ومزيد القوة في الأعمال والطاعات. ولذلك خصوا بالنبوة والإمامة والولاية، وإقامة الشعائر والشهادة في جميع القضايا، ووجوب الجهاد والجمعة وغير ذلك وبسبب إنفاقهم من أموالهم للمهر والنفقة فَالصَّالِحاتُ أي المحسنات إلى أزواجهن قانِتاتٌ أي مطيعات لأزواجهن حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ أي لما يجب عليهن حفظه في حال غيبة أزواجهن من الفروج والأموال بِما حَفِظَ اللَّهُ أي بالذي حفظه الله لهن أي فإن حفظ حقوق الزوج في مقابلة ما حفظ الله حقوقهن على أزواجهن حيث أمرهم بالعدل عليهن وإمساكهن بالمعروف وإعطائهن أجورهن.
أو المعنى بحفظ الله إياهن بالأمر بحفظ الغيب والتوفيق له.
وقرئ بما حفظ الله بالنصب على حذف المضاف أي بسبب حفظهن حدود الله وأوامره
стр. 193
وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ أي والنساء اللاتي تظنون عصيانهن لكم فَعِظُوهُنَّ أي فانصحوهن بالترغيب والترهيب وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ أي حولوا عنهن وجوهكم في المراقد فلا تدخلوهن تحت اللحاف إن علمتم النشوز ولم تنفعهن النصيحة وَاضْرِبُوهُنَّ إن لم ينجع الهجران ضربا غير مبرح ولا شائن، والأولى ترك الضرب، فإن ضرب فالواجب أن يكون الضرب بحيث لا يكون مفضيا إلى الهلاك بأن يكون مفرقا على البدن بأن لا يكون في موضع واحد وأن لا يوالي به وأن يتقي الوجه وأن يكون بمنديل ملفوف فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ أي رجعن عن النشوز إلى الطاعة عند هذا التأديب فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا أي فلا تطلبوا عليهن طريقا في الحب ولا في الأذية، واكتفوا بظاهر حال المرأة ولا تفتشوا عما في قلبها من الحب والبغض.
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (٣٤) أي إن الله تعالى مع علوه وكبريائه لا يكلفكم ما لا تطيقون فكذلك لا تكلفوهن ما لا طاقة لهن من المحبة. وإنه تعالى مع ذلك يتجاوز عن سيئاتكم فأنتم أحق بالعفو عن أزواجكم عند إطاعتهن لكم وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها أي وإن علمتم أيها المؤمنون مخالفة بين الرجل والمرأة ولم تدروا من أيهما فابعثوا إلى الزوجين لإصلاح الحال بينهما حكما، أي رجلا وسطا صالحا للإصلاح من أهله- أي الزوج- وحكما آخر على صفة الأول من أهلها لأن أقاربهما أعرف بحالهما من الأجانب وأشد طلبا للإصلاح. فإن كانا أجنبيين جاز فيستكشف كل واحد منهما حقيقة حال الزوجين، ثم يجتمع الحكمان فيفعلان ما هو الصواب من جمعهما أو إيقاع طلاق أو خلع. إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما.
فالضمير الأول: إما عائد على الحكمين أو الزوجين. والضمير الثاني: كذلك فالوجوه أربعة. والمعنى إن كانت نية الحكمين قطعا للخصومة أوقع الله الموافقة بين الزوجين إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بموافقة الحكمين ومخالفتهما خَبِيراً (٣٥) بفعل المرأة والرجل. قال ابن عباس:
نزلت الآية من قوله تعالى: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ [النساء: ٣٤] إلى هاهنا في شأن بنت محمد بن سلمة بلطمة لطمها زوجها سعد بن الربيع لعصيانها في المضاجع فطلبت من النبيّ ﷺ قصاصها من زوجها فنهاها الله عن ذلك. وَاعْبُدُوا اللَّهَ أي بقلوبكم وجوارحكم وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً أي شركا جليا أو خفيا وهذا أمر بالإخلاص في العبادة وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً أي أحسنوا بهما إحسانا بالقيام بخدمتهما وبالسعي في تحصيل مطالبهما والإنفاق عليهما وبعدم رفع الصوت عليهما وعدم تخشين الكلام معهما، وعدم شهر السلاح عليهما، وعدم قتلهما ولو كانا كافرين لأنه ﷺ نهى حنظلة عن قتل أبيه- أبي عامر الراهب- وكان مشركا.
وعن أبي سعيد الخدري أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ من اليمن استأذنه في الجهاد فقال ﷺ : «هل لك أحد باليمن» ؟ فقال: أبواي. فقال: «أبواك أذنا لك» ؟ فقال: لا. فقال: «فارجع فاستأذنهما فإن أذنا
стр. 194
لك فجاهد وإلا فبرهما»
«١» . وَبِذِي الْقُرْبى أي صلوا بصاحب القرابة من أخ، أو عم، أو خال أو نحو ذلك. وَالْيَتامى أي أحسنوا إليهم بالرفق بهم وبمسح رأسهم وبتربيتهم وحفظ أموالهم وَالْمَساكِينِ أي أحسنوا إليهم بالصدقة أو بالرد الجميل وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى أي الذي قرب جواره أو الذي له مع الجوار اتصال بالنسب.
وقرئ بالنصب على الاختصاص تعظيما لحقه، لأن له ثلاثة حقوق: حق القرابة، وحق الجوار، وحق الإسلام. كما قرئ والصلاة الوسطى نصبا على الاختصاص وَالْجارِ الْجُنُبِ أي الذي بعد جواره أو الذي لا قرابة له فله حقان: حق الإسلام، وحق الجوار. وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وهو إما رفيق في سفر أو جار ملاصق أو شريك في تعلم أو حرفة، أو قاعد بجنبك في مسجد أو مجلس. وقيل: هي المرأة فإنها تكون معك وتضطجع إلى جنبك وَابْنِ السَّبِيلِ أي المسافر المنقطع عن بلده بالسفر أو الضيف أي أحسنوا له بالإكرام وله ثلاثة أيام حق وما فوق ذلك صدقة وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أي أحسنوا إلى الخدم من العبيد والإماء إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا أي متكبرا عن أقاربه بالفقراء وجيرانه الضعفاء وأصحابه ولا يحسن عشرتهم فَخُوراً (٣٦) على الناس بما أعطاه الله تعالى من العلم وغيره الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ من العلم بما في كتابهم من صفة محمد ﷺ والأظهر أن الموصول منصوب على الذم، أو مرفوع على الذم أي هم الذين. ويجوز أن
يكون بدلا من قوله: مَنْ كانَ مُخْتالًا وأن يكون مبتدأ خبره محذوف تقديره أحقاء بكل ملامة أو كافرون، نزلت هذه الآية في حق كدوم بن زيد وأسامة بن حبيب ونافع بن أبي نافع، ومحرى بن عمرو وحيي بن أخطب، ورفاعة بن زيد ابن التابوت حين أمروا رجالا من الأنصار بترك النفقة على من عند رسول الله ﷺ خوف الفقر عليهم. أخرجه ابن جرير عن ابن عباس وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ أي لليهود عَذاباً مُهِيناً (٣٧) أي فمن كان شأنه كذلك فهو كافر بنعمة الله، ومن كان كافرا بنعمته فله عذاب يهينه كما أهان النعمة بالبخل والإخفاء.
وفي الحديث الذي رواه أحمد أنه ﷺ قال: «إذا أنعم الله على عبده نعمة أحب أن يظهر أثرها عليه»
«٢» . وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ. والموصول إما معطوف على الموصول الأول، وإما معطوف على قوله تعالى: لِلْكافِرِينَ.
стр. 195
قال الواحدي: نزلت هذه الآية في شأن المنافقين، وقيل: نزلت في مشركي مكة المنفقين على عداوة رسول الله ﷺ . وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً أي ومن يكن الشيطان معينا له في هذه الأفعال في الدنيا فَساءَ قَرِيناً (٣٨) أي فبئس الصاحب له في النار هو فإن الله تعالى يقرن مع كل كافر شيطانا في سلسلة في النار، ثم بيّن الله تعالى سوء اختيارهم في ترك الإيمان فقال: وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ أي وأيّ ضرر عليهم في الإيمان والإنفاق ابتغاء وجه الله وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ وبأحوالهم المخفية عَلِيماً (٣٩) فالله تعالى عالم ببواطن الأمور فإن القصد إلى الرياء إنما يكون باطنا غير ظاهر إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ أي إن الله لا يظلم أحدا وزن نملة حمراء صغيرة أي لا يظلم قليلا ولا كثيرا وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها.
قرأ نافع وابن كثير حسنة بالرفع والمعنى وإن حدثت حسنة. والباقون بالنصب. والمعنى وإن تكن زنة الذرة حسنة. وقرأ ابن كثير وابن عامر يضعفها بالتشديد من غير ألف فيكون التضعيف للثواب إلى مقدار لا يعلمه إلّا الله تعالى.
روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: يؤتى بالعبد يوم القيامة وينادي مناد على رؤوس الأولين والآخرين هذا فلان ابن فلان من كان له عليه حق فليأت إلى حقه، ثم يقال له: أعط هؤلاء حقوقهم، فيقول: يا رب من أين وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول الله لملائكته: انظروا في أعماله الصالحة فأعطوهم منها فإن بقي مثقال ذرة من حسنة ضعّفها الله تعالى لعبده وأدخله الجنة بفضله ورحمته.
وقال أبو عثمان النهدي: بلغني عن أبي هريرة أنه قال: إن الله ليعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة، فقدّر الله أن ذهبت إلى مكة حاجا أو معتمرا فلقيته فقلت: بلغني عنك أنك تقول: إن الله يعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة. قال أبو هريرة: لم أقل ذلك ولكن قلت: إن الحسنة تضاعف بألفي ألف ضعف وتلا قوله تعالى: وَيُؤْتِ أي يعط الله صاحب الحسنة مِنْ لَدُنْهُ أي من عنده تعالى أَجْراً عَظِيماً (٤٠) فلا يقدر أحد قدره.
روي أن عمر كان جالسا مع النبيّ ﷺ إذ ضحك رسول الله ﷺ حتى بدت ثناياه، فقال عمر: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما الذي أضحكك؟ قال: «رجلان من أمتي جثيا بين يدي الله فقال أحدهما: يا رب خذ لي مظلمتي من هذا. فقال الله تعالى: رد على أخيك مظلمته.
فقال: يا رب لم يبق لي من حسناتي شيء. فقال الله تعالى للطالب: كيف تصنع بأخيك ولم يبق له من حسناته شيء فقال: يا رب فليحمل عني من أوزاري ثم فاضت عينا رسول الله ﷺ بالبكاء فقال: إن ذلك ليوم عظيم يحتاج الناس إلى أن يحمل عنهم من أوزارهم. قال: فيقول الله تبارك
стр. 196
وتعالى للمتظلم: ارفع بصرك فانظر في الجنان. فقال: يا رب أرى مدائن من فضة وقصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ لأي نبي هذا أو لأي صديق، أو لأي شهيد هذا؟ فيقول الله تعالى: لمن أعطى الثمن. قال: يا رب ومن يملك ذلك؟ قال: أنت تملكه. قال: بماذا يا رب؟ قال: بعفوك عن أخيك. قال: يا رب، قد عفوت عنه. فيقول الله تعالى: خذ بيد أخيك فأدخله الجنة. ثم قال النبيّ ﷺ : فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فإن الله يصلح بين المؤمنين يوم القيامة»
«١» .
فَكَيْفَ يصنع الكفار يوم القيامة إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ أي قوم بِشَهِيدٍ أي بنبي يشهد على قبح أعمالهم وَجِئْنا بِكَ يا أشرف الخلق عَلى هؤُلاءِ الشهداء وهم الرسل شَهِيداً (٤١) فتشهد على صدقهم لعلمك بعقائدهم. ويقال: وجئنا بك لأمتك مزكيا معدلا لأن أمته ﷺ يشهدون للأنبياء على قومهم إذا جحدوا بالبلاغ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (٤٢) أي يوم مجيء ذلك يتمنى الذين كفروا بالله وعصوا أمر الرسول أن يدفنوا فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى. ويقال: يتمنون أن يصيروا ترابا مع البهائم لعظم هول ذلك اليوم ولا يقدرون أن يكتموا من الله حديثا بأن يقولوا: والله ربنا ما كنا مشركين أي إنهم يريدون الكتمان أولا لما علموا أن الله لم يغفر شركا فيقولون: والله ربنا ما كنا مشركين رجاء غفران الله لهم. لكنهم تشهد عليهم الأعضاء والزمان والمكان فلم يستطيعوا الكتمان فهنالك يودون أنهم كانوا ترابا ولم يكتموا الله حديثا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ أي لا تقيموا الصلاة حال كونكم سكارى من الشراب إلى أن تعلموا قبل الشروع فيها ما تقولونه ولا تقيموها حال كونكم جنبا إلا حال كونكم مسافرين. وقيل: إن «إلا» بمعنى غير، وهو صفة ل «جنبا» . والمعنى لا تقيموها حال كونكم جنبا غير مسافرين وسيأتي حكم المسافرين حَتَّى تَغْتَسِلُوا من الجنابة وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً.
والمعنى وإن كنتم مرضى مرضا يمنع من استعمال الماء أو مسافرين طال السفر أو قصر، أو أحدثتم بخروج الخارج من أحد السبيلين أو تلاقت بشرتكم مع بشرة النساء فلم تجدوا ماء تتطهرون به للصلاة بعد الطلب فاقصدوا أرضا لا سبخة فيها فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إلى المرفقين بضربتين إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (٤٣) وهذا كناية عن الترخيص والتيسير لأن من كان عادته أنه يعفو عن المذنبين فبأن يرخص للعاجزين كان أولى. أَلَمْ تَرَ أي تنظر إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً
стр. 197
أي حظا يسيرا مِنَ الْكِتابِ أي من علم التوراة يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ أي يؤثرون تكذيب الرسول ﷺ ليأخذوا الرشا على ذلك ويحصل لهم الرياسة. كما قاله الزجاج وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) أي ويتوصلون إلى إضلال المؤمنين والتلبيس عليهم لكي يخرجوا عن الإسلام وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ أي هو أعلم بكنه ما في قلوبهم من العداوة والبغضاء وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا أي متصرفا في جميع أموركم وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً (٤٥) في كل موطن فثقوا به.
وقال ابن عباس: نزلت هذه الآية في شأن اليسع ورافع بن حرملة- حبرين من اليهود- دعوا رئيس المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه إلى دينهما. ثم نزل في مالك بن الصيف وأصحابه قوله تعالى مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ أي من اليهود قوم يغيرون الكلم التي أنزل الله في التوراة عن مواضعه التي وضعه الله تعالى فيها كتحريفهم في نعت النبي (أسمر ربعة) فوضعوا مكانه (آدم طوال) . وتحريفهم في (الرجم) فوضعوا بدله (الجلد) . ويقولون في الظاهر إذا أمرهم النبيّ ﵇: سمعنا قولك، وفي أنفسهم وعصينا أمرك. ويقولون في أثناء مخاطبة النبيّ عليه
السلام كلاما ذا وجهين وهو محتمل للخير والشر، مظهرين المدح ويضمرون الشتم وهو: واسمع منا غير مسمع مكروها. والمراد واسمع منا حال كونك غير مسمع كلاما أصلا لصمم أو موت وهو دعاء منهم على الرسول ﷺ بذهاب السمع أو غير مسمع جوابا يوافقك، فكأنك ما أسمعت شيئا.
يقولون للنبي: اسمع، ويقولون في أنفسهم: لا سمعت، فقوله غير مسمع، معناه غير سامع.
ويقولون في أثناء خطابهم له ﷺ : راعنا وهي كلمة ذات وجهين محتملة للخير إذا حملت على معنى اصرف سمعك إلى كلامنا وأنصت لحديثنا وتفهم وللشر إذا حملت على السب بالرعونة أو على أنهم يريدون إنك يا محمد كنت ترعى أغناما لنا فإنهم يفتلون الحق فيجعلونه باطلا لأن راعنا من المراعاة فيجعلونه من الرعونة. وكانوا يقولون لأصحابهم: إنما نشتمه ولا يعرف ولو كان نبيا لعرف ذلك فأطلعه الله تعالى على خبيث ضمائرهم وعلى ما في قلوبهم من العداوة والبغضاء أي يقولون ذلك لصرف الكلام عن نهجه وللقدح في دين الإسلام بالاستهزاء والسخرية وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا باللسان أو بالحال عند سماع شيء من أوامر الله تعالى ونواهيه سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا بدل ذلك لَكانَ قولهم ذلك خَيْراً لَهُمْ عند الله وَأَقْوَمَ أي أصوب وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ أي أبعدهم عن الهدى بسبب كفرهم بذلك فَلا يُؤْمِنُونَ بعد ذلك إِلَّا قَلِيلًا (٤٦) أي إلا إيمانا قليلا غير نافع وهو الإيمان بالله والتوراة وموسى، وكفروا بسائر الأنبياء أو إلا زمانا قليلا وهو زمان الاحتضار فلا ينفعهم الإيمان وبعضهم جعل قليلا مستثنى من الهاء في لعنهم أي إلا نفرا قليلا فلا يلعنهم الله لأنهم لم يفعلوا ذلك بل كانوا مؤمنين كعبد الله بن سلام وأصحابه. يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا أي بالقرآن مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ أي موافقا للتوراة في القصص
стр. 198
والمواعيد والدعوة إلى التوحيد والعدل بين الناس، والنهي عن المعاصي والفواحش مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً أي نمحو تخطيط صورها من عين وحاجب وأنف وفم فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أي فنجعلها على هيئة أقفائها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ فهم ملعونون بكل لسان. وضمير الغائب راجع إلى الذين أوتوا الكتاب على طريقة الالتفات فلما لعنهم الله ذكرهم بعبارة الغيبة وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ بإيقاع شيء ما مَفْعُولًا (٤٧) أي نافذا. وهذا إخبار عن جريان عادة الله في الأنبياء المتقدمين أنه تعالى مهما أخبرهم بإنزال العذاب على الكفار فعل ذلك لا محالة إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ أي لا يغفر الكفر لمن اتصف بِهِ بلا توبة وإيمان وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ أي الشرك في القبح من المعاصي صغيرة كانت أو كبيرة من غير توبة عنها لِمَنْ يَشاءُ.
روي عن ابن عباس أنه قال: لما قتل وحشي حمزة يوم أحد وكانوا قد وعدوه بالإعتاق إن هو فعل ذلك، ثم إنهم ما وفوا له بذلك فعند ذلك ندم هو وأصحابه فكتبوا إلى النبيّ ﷺ بذنبهم وأنه لا يمنعهم عن الدخول إلى الإسلام إلا قوله تعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ [الفرقان: ٦٨] . فقالوا: قد ارتكبنا كل ما في هذه الآية. فنزل قوله تعالى: إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً [الفرقان: ٧٠] فقالوا: هذا شرط شديد نخاف أن لا نقوم به فنزل تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ فقالوا: نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته تعالى.
فنزل: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر: ٥٣] فدخلوا عند ذلك في الإسلام وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً (٤٨) أي فقد فعل ذنبا غير مغفور أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ أي يمدحونها.
قال قتادة والضحاك والسدي: هم اليهود. أخرجه ابن جرير، وذلك لما هدد الله تعالى اليهود بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ فعند هذا قالوا: لسنا من المشركين بل نحن من خواص الله تعالى. وهذا استفهام تعجيب وهو أمر المخاطب على التعجب من ادعائهم أنهم أزكياء عند الله تعالى مع ما هم عليه من الكفر والإثم العظيم. وفي هذه الآية تحذير من إعجاب المرء بنفسه وعمله بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ عطف على مقدر. أي هم لا يزكون أنفسهم في الحقيقة لكذبهم وبطلان اعتقادهم بل الله يزكي من يشاء تزكيته ممن يستحقها من المؤمنين وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) أي إن الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تلك التزكية حق جزائهم من غير ظلم. أي فلا يظلمون في ذلك العقاب قدر فتيل وهو الخيط الذي في شق النواة طولا. والنقير النقطة التي في ظهر النواة تنبت منها النخلة والقمطير والقشرة الرقيقة على النواة. انْظُرْ يا أشرف الخلق متعجبا كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لقولهم ما نعمل بالنهار من الذنوب يغفره الله لنا بالليل، وما نعمل بالليل يغفره بالنهار ف «الكذب» مفعول به أو مفعول مطلق لأنه يلاقي العامل
стр. 199
في المعنى. لأن الافتراء والكذب متقاربان معنى، أو معناهما واحد وَكَفى بِهِ أي افترائهم هذا إِثْماً مُبِيناً (٥٠) في استحقاقهم لأشد العقوبات
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ فكل معبود دون الله فهو جبت وطاغوت، وكل من دعا إلى المعاصي الكبار فهو طاغوت.
روي أن حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف اليهوديين خرجا إلى مكة مع جماعة من اليهود بعد قتال أحد ليحالفوا قريشا على محاربة رسول الله ﷺ فقالوا: أنتم أهل كتاب، وأنتم أقرب إلى محمد منهم إلينا فلا نأمن مكركم، فاسجدوا لآلهتنا حتى تطمئن قلوبنا ففعلوا ذلك. فهذا إيمانهم بالجبت والطاغوت لأنهم سجدوا للأصنام وأطاعوا إبليس. فقال أبو سفيان: أنحن أهدى سبيلا أم محمد؟. فقال كعب: ماذا يقول محمد؟ قالوا: يأمر بعبادة الله وحده وينهى عن عبادة الأصنام. قال: وما دينكم؟ قالوا: نحن ولاة البيت نسقي الحاج ونقري الضيف ونفك العاني.
فقال: أنتم أهدى سبيلا وذلك قوله تعالى: وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي في حق كفار مكة هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أي كفار مكة أبو سفيان وأصحابه أصوب دينا من محمد وأصحابه وذكرهم بلفظ الإيمان ليس من قبل القائلين بل من جهة الله تعالى تعريفا لهم بالوصف الجميل، وتخطئة لمن رجح عليهم المتصفين بأقبح القبائح أُولئِكَ الَّذِينَ أي القائلون: إن عبادة الأوثان أفضل من عبادة الله تعالى لَعَنَهُمُ اللَّهُ أي أبعدهم عن رحمته وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (٥٢) أي ومن يطرده الله عن رحمته فلن تجد أيها المخاطب من يدفع عنه العذاب دنيويا كان أو أخرويا أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (٥٣) وأم منقطعة عما قبلها. وهذا الاستفهام استفهام إنكاري إبطال على اليهود في قولهم نحن أولى بالملك والنبوة فكيف نتبع العرب؟ وتكذيب لهم في زعمهم إن الملك يعود إليهم في آخر الزمان فيخرج من اليهود من يجدد ملكهم ودولتهم، ويدعو إلى دينهم. و «إذن» حرف جواب وجزاء لشرط مقدر ورفع الفعل بعدها وإن كان مرجوحا في النحو لأن القراءة سنة متبعة.
وقرئ شاذا على الأرجح بحذف النون. والمعنى ليس لهم من الملك شيء ألبتة ولو كان لليهود نصيب منه فيتسبب عن ذلك أنهم لا يعطون واحدا من الناس قدر ما يملأ النقير. وهو النقرة التي على ظهر النواة التي تنبت منها النخلة وهذا بيان لعدم استحقاقهم له بل لاستحقاقهم الحرمان منه بسبب أنهم من البخل والدناءة بحيث لو أوتوا شيئا من ذلك لما أعطوا الناس من أقل قليل ومن حق من أوتي الملك أن يؤثر الغير بشيء منه أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أي بل يحسدون محمدا ومن معه على ما أعطاهم الله من النبوة والكتاب وازدياد العز والنصر يوما فيوما، وكثرة النساء له ﷺ وكانت له يومئذ تسع نسوة. فقالت اليهود: لو كان محمد نبيا لشغله أمر النبوة
стр. 200
عن الاهتمام بأمر النساء فأكذبهم الله تعالى ورد عليهم بقوله فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الذين هم أسلاف محمد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ أي النبوة أو المراد بالكتاب ظواهر الشريعة وبالحكمة أسرار الحقيقة وَآتَيْناهُمْ أي أعطينا بعضهم كداود وسليمان ويوسف مُلْكاً عَظِيماً (٥٤) لا يقادر قدره فكان لداود مائة امرأة مهرية، ولسليمان سبعمائة سرية، وثلاثمائة امرأة مهرية. وهؤلاء الثلاثة كانوا في بني إسرائيل ولم يشغلهم أمر النبوة عن أمر الملك والنساء فكيف يستبعدون نبوة محمد ﷺ ويحسدونه على إيتائها فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ أي فمن جنس هؤلاء الحاسدين وآبائهم من آمن بما أوتي آل إبراهيم،
ومنهم من أعرض عن الإيمان به فأنت يا محمد لا تتعجب مما عليه هؤلاء القوم؟ فإن أحوال جميع الأمم مع جميع الأنبياء هكذا كانت وذلك تسلية من الله لرسوله ليكون أشد صبرا على ما يناله من قبلهم وَكَفى بِجَهَنَّمَ في عذاب هؤلاء الكفار المتقدمين والمتأخرين سَعِيراً (٥٥) أي نارا وقودا إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا أي الدالة على ذات الله وأفعاله وصفاته وأسمائه والملائكة والكتب والرسل سَوْفَ نُصْلِيهِمْ أي ندخلهم ناراً أي عظيمة هائلة كُلَّما نَضِجَتْ أي احترقت جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها بأن يجعل النضيج غير النضيج فالذات واحدة والمتبدل هو الصفة لِيَذُوقُوا الْعَذابَ أي لكي يجدوا ألم العذاب على الدوام من غير انقطاع بهذه الحالة الجديدة.
وروي أن هذه الآية قرئت عند عمر رضي الله تعالى عنه فقال للقارئ: أعدها فأعادها- وكان عنده معاذ بن جبل- فقال معاذ: عندي تفسيرها، تبدل الجلود في ساعة مائة مرة. فقال عمر ﵁ هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقول: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً أي قادرا غالبا لا يمتنع عليه ما يريده. حَكِيماً (٥٦) أي لا يفعل إلا الصواب فيعاقب من يعاقبه على وفق حكمته وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ في الآخرة جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً فإن نعيم الجنة لا ينقطع كعذاب النار لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ من الحيض والنفاس وجميع أقذار الدنيا وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧) أي عظيما في الراحة واللذاذة بخلاف المواضع في الدنيا فإنها إذا لم يصل نور الشمس فيها إليها في الدوام يكون هواؤها عفنا فاسدا مؤذيا إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها لما حكى الله عن أهل الكتاب أنهم كتموا الحق حيث قالوا للذين كفروا: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أمر المؤمنين في هذه الآية بأداء الأمانات في جميع الأمور سواء كانت تلك الأمور من باب المذاهب والديانات أو من باب الدنيا والمعاملات، وإن ورد الأمر على سبب خاص في شأن عثمان بن طلحة بن عبد الدار سادن الكعبة. وذلك أن رسول الله ﷺ حين دخل مكة يوم الفتح أغلق عثمان باب الكعبة وصعد السطح وأبى أن يدفع المفتاح إليه وقال: لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه، فلوى علي بن أبي طالب يده وأخذه منه وفتح ودخل رسول الله ﷺ ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له السقاية
стр. 201
والسدانة. فنزلت هذه الآية، فأمر عليا أن يرده إلى عثمان ويعتذر إليه فقال عثمان لعلي: أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق؟ فقال: لقد أنزل الله تعالى في شأنك قرآنا. وقرأ عليه الآية. فقال عثمان:
أشهد أن لا إله إلّا الله وأن محمدا رسول الله فهبط جبريل ﵇ وأخبر رسول الله ﷺ أن السدانة في أولاد عثمان أبدا ثم إن عثمان هاجر ودفع المفتاح إلى أخيه شيبة فهو في ولده إلى اليوم وَإن الله يأمركم إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ
وعن أنس عن النبيّ ﷺ قال: «لا تزال هذه الأمة بخير ما إذا قالت: صدقت وإذا حكمت عدلت وإذا استرحمت رحمت»
«١» . إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ أي إن الله نعم شيء يعظكم به ذاك وهو المأمور به من أداء الأمانات والحكم بالعدل إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً لكل المسموعات يسمع ذلك الحكم إذا حكمتم بالعدل بَصِيراً (٥٨) لكل المبصرات يبصركم إذا أديتم الأمانة فيجازيكم على ما يصدر منكم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ وهذه الآية مشتملة على أصول الشريعة الأربع: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. فالكتاب: يدل على أمر الله، ثم نعلم منه أمر الرسول لا محالة.
والسنة: تدل على أمر الرسول، ثم نعلم منه أمر الله لا محالة. فثبت أن قوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ يدل على وجوب متابعة الكتاب والسنة. والمراد بأولي الأمر جميع العلماء من أهل العقد والحل، وأمراء الحق وولاة العدل. وأما أمراء الجور فبمعزل من استحقاق وجوب الطاعة لهم.
قال سعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في حق عبد الله بن حذافة السهمي إذ بعثه النبيّ ﷺ أميرا على سرية. وعن ابن عباس أنها نزلت في شأن خالد بن الوليد بعثه النبيّ ﷺ أميرا على سرية وفيها عمار بن ياسر، فجرى بينهما اختلاف في شيء، فنزلت هذه الآية، وأمر بطاعة أولي الأمر فحينئذ فالمراد بهم أمراء السرايا قال بعضهم: طاعة الله ورسوله واجبة قطعا، وطاعة أهل الإجماع واجبة قطعا، وأما طاعة الأمراء والسلاطين فالأكثر أنها تكون محرمة لأنهم لا يأمرون إلّا بالظلم، وقد تكون واجبة بحسب الظن الضعيف فحينئذ يحمل أولوا الأمر على الإجماع وأيضا إن أعمال الأمراء والسلاطين موقوفة على فتاوى العلماء والعلماء في الحقيقة أمراء الأمراء فهؤلاء أولوا الأمر فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ أي فإن اختلفتم أيها المجتهدون في شيء حكمه غير مذكور في الكتاب والسنة والإجماع فردوه إلى واقعة تشبهه في الصورة والصفة. وهذا المعنى يؤكد بالخبر والأثر. أما الخبر فهو
أنهم سألوا رسول الله ﷺ عن قبلة الصائم فقال ﷺ :
«أرأيت لو تمضمضت»
«٢» . والمعنى أخبرني هل تبطل المضمضة الصوم أم لا؟ أي فكما أن
стр. 202
المضمضة مقدمة للأكل فكذا القبلة مقدمة للجماع فإذا كانت المضمضة لم تفسد الصيام فكذلك القبلة
ولما سألته ﷺ الخثعمية عن الحج عن أبيها فقال ﷺ : «أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته هل يجزئ» فقالت: نعم، قال ﷺ : «فدين الله أحق بالقضاء»
«١» . وأما الأثر فما روي عن عمر ﵁ أنه قال: أعرف الأشباه والنظائر، وقس الأمور برأيك. فدل مجموع ما ذكر على أن قوله تعالى: فَرُدُّوهُ أمر برد الشيء إلى شبيهه وهذا هو الذي يسميه الشافعي رحمه الله تعالى: قياس الأشباه، ويسميه أكثر الفقهاء: قياس الطرد إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وهذا محمول على التهديد فإن الإيمان بهما يوجب ذلك ذلِكَ أي الذي أمرتكم به في هذه الآيات خَيْرٌ لكم وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩) أي عاقبة لكم أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أي يدعون أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وهو القرآن وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وهو التوراة يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ أي كثير الطغيان وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ أي والحال أنهم قد أمروا في القرآن أن يتبرءوا من الطاغوت وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ بالتحاكم إليه أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً (٦٠) عن الحق والهدى.
قال كثير من المفسرين: خاصم رجل من المنافقين- يقال له: بشر- رجلا من اليهود.
فقال اليهودي: بيني وبينك أبو القاسم. وقال المنافق: بيني وبينك كعب بن الأشرف. وسبب ذلك أن رسول الله ﷺ يقضي بالحق ولا يلتفت إلى الرشوة، واليهودي كان محقا وأن كعبا شديد الرغبة في الرشوة، والمنافق كان مبطلا. وأصرّ اليهودي على قوله بذلك. فذهبا إلى رسول الله ﷺ فحكم لليهودي على المنافق فلما خرجا من عنده لزمه المنافق وقال: لا أرضى، انطلق بنا إلى أبي بكر فأتياه فحكم لليهودي فلم يرض المنافق وقال: بيني وبينك عمر. فذهبا إليه فأخبره اليهودي بأن الرسول ﷺ وأبا بكر حكما على المنافق فلم يرض بحكمهما، فقال للمنافق:
أهكذا؟ فقال: نعم، قال: اصبر إن لي حاجة أدخل بيتي فأقضيها وأخرج إليكما فدخل وأخذ سيفه ثم خرج إليهما فضرب به عنق المنافق حتى برد أي مات وقال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله. وهرب اليهودي فجاء أهل المنافق فشكوا عمر إلى النبيّ ﷺ فسأل ﷺ عمر عن قصته فقال: إنه رد حكمك يا رسول الله. فجاء جبريل ﵇ في الحال ونزلت هذه الآية، وقال جبريل: إن عمر هو الفاروق فرق بين الحق والباطل. فقال النبيّ ﷺ لعمر: «أنت
стр. 203
الفاروق»
«١» ، وعلى هذا القول الطاغوت هو كعب بن الأشرف سمي بذلك لشبهه بالشيطان في فرط طغيانه
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ أي أقبلوا إلى القرآن الذي فيه الحكم وَإِلَى الرَّسُولِ الذي تجب طاعته ليحكم بينكم رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (٦١) أي أبصرت المنافقين يعرضون عنك إلى غيرك إعراضا بالكلية فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ أي كيف يكون حالهم وقت إصابة المصيبة إياهم بقتل عمر صاحبهم بظهور نفاقهم بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أي بسبب ما عملوا من التحاكم إلى الطاغوت والإعراض عن حكمك ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً (٦٢) أي ثم جاءك أهل المنافق مطالبين عمر بدمه وقد أهدره الله ويحلفون بالله كذبا للاعتذار، فقالوا: ما أراد صاحبنا المقتول التحاكم إلى عمر إلّا أن يصلح ويجعل الاتفاق بينه وبين خصمه ويأمر كل واحد من الخصمين بتقريب مراده من مراد صاحبه حتى يحصل بينهما الموافقة، وأنت يا رسول الله لا تحكم إلا بالحق المر ولا يقدر أحد على رفع الصوت عندك أُولئِكَ أي المنافقون الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ من النفاق والغيظ والعداوة فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ أي لا تقبل منهم ذلك العذر ولا تظهر لهم أنك عالم بكنه ما في بواطنهم، فإن من هتك ستر عدوه فربما يجرئه ذلك على أن لا يبالي بإظهار العداوة فيزداد الشر، وإذا تركه على حاله بقي في وجل فيقل الشر. وَعِظْهُمْ أي ازجرهم عن النفاق والكيد والحسد والكذب وخوفهم بعذاب الآخرة وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ أي خاليا بهم ليس معهم غيرهم لأن النصيحة على الملأ تقريع في السر محض المنفعة قَوْلًا بَلِيغاً (٦٣) أي مؤثرا وهو التخويف بعقاب الدنيا بأن يقول لهم: إن ما في قلوبكم من النفاق والكيد معلوم عند الله ولا فرق بينكم وبين سائر الكفار، وإنما رفع الله السيف عنكم لأنكم أظهرتم الإيمان فإن واظبتم على هذه الأفعال القبيحة ظهر لكل الناس بقاؤكم على الكفر وحينئذ يلزمكم السيف. وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ أي وما أرسلنا من رسول إلا ليؤمر الناس بطاعته بتوفيقنا وإعانتنا فطاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله تعالى وهذه الآية دالة على أنه لا رسول إلا ومعه شريعة ليكون مطاعا في تلك الشريعة ومتبوعا فيها ودالة على أن الأنبياء معصومون عن المعاصي والذنوب، ودالة على أنه لا يوجد شيء من الخير والشر والكفر والإيمان، والطاعة والعصيان إلا بإرادة الله تعالى وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بترك طاعتك جاؤُكَ وبالغوا في التضرع إليك لينصبوك شفيعا لهم فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ أي أظهروا الندم على ما فعلوه وتابوا عنه وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ بأن يسأل الله أن يغفر الذنوب لهم عند توبتهم لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً أي
стр. 204
يقبل توبتهم رَحِيماً (٦٤) أي يرحم تضرعهم ولا يرد استغفارهم، والفائدة في العدول في قوله تعالى: وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ عن لفظ الخطاب إلى لفظ المغايبة إجلال شأن رسول الله فإن شأنه أن يستغفر لمن عظم ذنبه وإنهم إذا جاءوه فقد جاءوا من خصه الله تعالى برسالته وأكرمه بوحيه وجعله سفيرا بينه وبين خلقه وذلك مثل قول الأمير: حكم الأمير بكذا بدل قوله: حكمت بكذا فَلا وَرَبِّكَ لا مزيد لتأكيد معنى القسم كما زيدت في لئلا يعلم لتأكيد وجوب العلم أو مفيدة لنفي أمر سبق. والتقدير ليس الأمر كما يزعمون من أنهم آمنوا وهم يخالفون حكمك فوربك لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ أي حتى يجعلوك حاكما فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ أي فيما اختلف بينهم من الأمور فتقضي بينهم ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ أي صدورهم حَرَجاً أي ضيقا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٦٥) أي وينقادوا لك انقيادا تاما بظواهرهم.
قال عطاء ومجاهد والشعبي: إن هذه الآية في قصة اليهودي والمنافق فهذه الآية متصلة بما قبلها، وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال: نزلت في الزبير ابن العوام وحاطب بن أبي بلتعة اختصما في ماء فقضى النبيّ ﷺ للزبير وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ أي ولو أوجبنا عليهم قتل أنفسهم أو الخروج عن أوطانهم في توبتهم كتوبة بني إسرائيل ما فعلوا أحد الأمرين بطيبة النفس إلّا قليل منهم وهم المخلصون من المؤمنين. والمعنى أنا لو شددنا التكليف على الناس لما فعله إلا الأقلون وحينئذ يظهر كفرهم وعنادهم بل اكتفينا منهم في توبتهم بالتسليم لحكمك فليقبلوه بالإخلاص حتى ينالوا خير الدارين.
روي أن ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري ناظر يهوديا، فقال اليهودي: إن موسى أمرنا بقتل أنفسنا فقبلنا ذلك وإن محمدا يأمركم بالقتال فتكرهونه فقال: يا أنت لو أن محمدا أمرني بقتل نفسي لفعلت ذلك.
وروي أن ابن مسعود وعمار بن ياسر فالأمثل ذلك فنزلت هذه الآية
وعن عمر بن الخطاب أنه قال: والله لو أمرنا ربنا بقتل أنفسنا لفعلنا والحمد لله الذي لم يأمرنا بذلك قال ﷺ وأشار إلى عبد الله بن رواحة: «لو أن الله كتب ذلك لكان هذا في أولئك القليل»
«١» . أخرجه ابن أبي حاتم.
وَلَوْ أَنَّهُمْ أي المنافقين فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ أي ما يكلفون به لَكانَ أي فعلهم ذلك خَيْراً لَهُمْ أي لحصل لهم خير الدنيا والآخرة وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (٦٦) لهم على الإيمان وسميت أوامر الله مواعظ لاقترانها بالوعد والترغيب وَإِذاً لو فعلوا ما أمروا به لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أي
стр. 205
لأعطيناهم من عندنا أَجْراً عَظِيماً (٦٧) أي ثوابا وافرا في الجنة وكيف لا يكون عظيما وقد
قال ﷺ : «فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر»
«١» . وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٦٨) أي طريقا من عرصة القيامة إلى الجنة وحمل لفظ الصراط في هذا الموضع على هذا المعنى أولى، لأنه تعالى ذكره بعد ذكر الأجر والدين الحق مقدم على الأجر، والطريق من عرصة القيامة إلى الجنة إنما يحتاج إليه بعد استحقاق الأجر وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ بأن يعرف أنه إله ويقر بجلاله وعزته واستغنائه عمن سواه وَالرَّسُولَ أي بأن ينقاد انقيادا تاما لجميع الأوامر والنواهي فَأُولئِكَ أي المطيعون مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أي فإنهم في الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر وإن بعد المكان لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضا وإذا أرادوا الزيادة والتلاقي قدروا على الوصول إليهم بسهولة مِنَ النَّبِيِّينَ محمد ﷺ وغيره وَالصِّدِّيقِينَ أي السابقين إلى تصديق الرسل فصاروا في ذلك قدوة لسائر الناس وهم أفاضل أصحاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وَالشُّهَداءِ أي الذين يشهدون بصحة دين الله تعالى تارة بالحجة والبيان وأخرى بالسيف والسنان فالشهداء هم القائمون بالقسط، وأما كون الإنسان مقتول الكافر فليس فيه زيادة شرف لأن هذا القتل قد يحصل في الفساق، ومن لا منزلة له عند الله والمؤمنون قد يقولون: اللهم ارزقنا الشهادة فلو كانت الشهادة عبارة عن قتل الكافر إياه لكانوا قد طلبوا من الله ذلك القتل فإنه غير جائز لأن طلب صدور ذلك القتل من الكافر كفر فكيف يجوز أن يطلب من الله ما هو كفر وَالصَّالِحِينَ في الاعتقاد والعمل فإن الجهل فساد في الاعتقاد والمعصية فساد في العمل وهم الصارفون أعمارهم في طاعة الله وأموالهم في مرضاته وكل من كان اعتقاده صوابا وعمله غير معصية فهو صالح، ثم إن الصالح قد يكون بحيث يشهد لدين الله بأنه هو الحق وأن ما سواه هو الباطل وهذه الشهادة تارة تكون بالحجة والدليل، وأخرى بالسيف، وقد يكون الصالح غير موصوف بكونه قائما بهذه الشهادة فثبت أن كل من كان شهيدا كان صالحا، ولا عكس فالشهيد أشرف أنواع الصالح، ثم الشهيد قد يكون صديقا وقد لا. ومعنى الصديق هو الذي كان أسبق إيمانا من غيره وكان إيمانه قدوة لغيره فثبت أن كل من كان صديقا كان شهيدا ولا عكس فثبت أن أفضل الخلق الأنبياء وبعدهم
الصديقون وبعدهم من ليس له درجة إلا محض درجة الشهادة وبعدهم من ليس له إلا محض درجة الصلاح وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (٦٩) أي ما أحسن أولئك المذكورين صاحبا في الجنة وحسن لها حكم نعم والمخصوص بالمدح محذوف
стр. 206
تقديره «وحسن أولئك» من جهة الرفيق الممدوحون ذلِكَ أي مرافقة هؤلاء المنعم عليهم هو الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وما سواه ليس بشيء وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً (٧٠) بجزاء من أطاعه وبمقادير الفضل واستحقاق أهله.
روى جمع من المفسرين أن ثوبان مولى رسول الله ﷺ كان شديد الحب لرسول الله قليل الصبر عنه فأتاه يوما وقد تغير وجهه ونحل جسمه وعرف الحزن في وجهه فسأله رسول الله ﷺ عن حاله. فقال: يا رسول الله ما بي وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك فذكرت الآخرة فخفت أن لا أراك هناك لأني إن دخلت الجنة فأنت تكون في درجات النبيين وأنا في درجات العبيد فلا أراك، وإن أنا لم أدخل الجنة فحينئذ لا أراك أبدا، فنزلت هذه الآية.
وقال الشعبي جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله ﷺ وهو يبكي فقال: «ما يبكيك يا فلان؟» فقال: يا رسول الله بالله الذي لا إله إلا هو لأنت أحب إليّ من نفسي وأهلي ومالي وولدي، وإني لأذكرك وأنا في أهلي فيأخذني مثل الجنون حتى أراك وذكرت موتي وأنك ترفع مع النبيين وإني إن أدخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك فلم يرد النبي ﷺ فنزلت هذه الآية
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ أي خذوا سلاحكم واحترزوا من العدو ولا تمكنوه من أنفسكم فَانْفِرُوا ثُباتٍ أي انهضوا إلى قتال عدوكم واخرجوا للحرب جماعات متفرقة سرية بعد سرية أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً (٧١) أي مجتمعين كوكبة واحدة وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ أي وإن من عسكر رسول الله ﷺ لمن يتثاقلن وليتخلفن عن القتال وهم ضعفة المؤمنين والمنافقون فَإِنْ أَصابَتْكُمْ يا معشر المجاهدين مُصِيبَةٌ كقتل وهزيمة وجهد من العيش. قالَ أي من يبطئ فرحا شديدا بتخلفه وحامدا لرأيه قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ بالقعود إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (٧٢) أي حاضرا في المعركة فيصيبني ما أصابهم وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ كفتح وغنيمة مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ أي من يبطئ ندامة على قعوده كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ وهذه الجملة اعتراض بين الفعل ومفعوله. والمراد التعجب كأنه تعالى يقول: انظروا إلى ما يقول هذا المنافق كأنه ليس بينكم أيها المؤمنون وبين المنافق صلة في الدين ومعرفة في الصحبة ولا مخالطة أصلا يا لَيْتَنِي كُنْتُ غازيا مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (٧٣) أي فأصيب غنائم كثيرة وآخذ حظا وافرا. وقيل: الجملة التشبيهية حال من ضمير ليقولن أي ليقولن مشبها بمن لا معرفة بينكم وبينه.
وقيل: هي داخلة في المقول أي ليقولن المثبط للمثبطين من المنافقين، وضعفه المؤمنين: كأن لم تكن بينكم وبين محمد معرفة في الصحة حيث لم يستصحبكم في الغزو حتى تفوزوا بما فاز محمد يا ليتني كنت معهم وغرض المثبط إلقاء العداوة بينهم وبين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
стр. 207
فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي لإعلاء دين الله الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وهم المنافقون الذين تخلفوا عن أحد فأمروا أن يغيروا ما بهم من النفاق ويخلصوا الإيمان بالله ورسوله ويجاهدوا في سبيل الله فلم تدخل الباء إلا على المتروك، لأن المنافقين تاركون للآخرة آخذون للدنيا أي فليقاتل الذين يختارون الحياة الدنيا على الآخرة. وعلى هذا فلا بد من حذف تقديره آمنوا ثم قاتلوا. أو المراد ب «الذين» يشرون هم المؤمنون الذين تخلفوا عن الجهاد. وعلى هذا فيشرون بمعنى يبيعون أي فليقاتل في طاعة الله الذين يبيعون الدنيا بالآخرة أي يختارون الآخرة على الدنيا وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي في طاعة الله فَيُقْتَلْ أي يمت شهيدا أَوْ يَغْلِبْ أي يظفر على العدو فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أي نعطيه في كلا الوجهين أَجْراً عَظِيماً (٧٤) وهو المنفعة الخالصة الدائمة المقرونة بالتعظيم وإذا كان الأجر حاصلا على كلا التقديرين لم يكن عمل أشرف من الجهاد وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ أي أيّ شيء لكم يا معشر المؤمنين غير مقاتلين مع أهل مكة أي لا عذر لكم في ترك المقاتلة فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي لأجل طاعة الله وَالْمُسْتَضْعَفِينَ أي ولأجل المستضعفين مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ أي الصبيان. وقيل: المراد بالولدان العبيد والإماء أي وهم قوم من المسلمين الذين بقوا بمكة وعجزوا عن الهجرة إلى المدينة وكانوا يلقون من كفار مكة أذى شديدا.
قال ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان الَّذِينَ يَقُولُونَ في مكة رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وهي مكة وكون أهلها موصوفين بالظلم لأنهم كانوا مشركين وكانوا يؤذون المسلمين ويوصلون إليهم أنواع المكاره وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (٧٥) أي ولّ علينا واليا من المؤمنين يقوم بمصالحنا ويحفظ علينا ديننا، وانصرنا على أعدائنا برجل يمنعنا من الظالمين. فأجاب الله دعاءهم واستنقذهم من أيدي الكفار لأن النبيّ ﷺ لما فتح مكة جعل عتاب بن أسيد أميرا لهم. وكان الولي هو رسول الله ﷺ ، والنصير عتاب بن أسيد، وكان ابن ثماني عشرة سنة فكان ينصر المظلومين على الظالمين، وينصف الضعيف من القوي والذليل من العزيز. الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي لغرض نصرة دين الله وإعلاء كلمته وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ أي في سبيل غير رضا الله فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ أي جند الشيطان إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ أي إن صنع الشيطان في فساد الحال على جهة الحيلة كانَ ضَعِيفاً (٧٦) لأن الله ينصر أولياءه والشيطان ينصر أولياءه ولا شك أن نصرة الشيطان لأوليائه. أضعف من نصرة الله لأوليائه ألا ترى أن أهل الخير والدين يبقى ذكرهم الجميل على وجه الدهر، وإن كانوا حال حياتهم في غاية الفقر! وأما الملوك والجبابرة فإذا ماتوا انقرض أثرهم ولا يبقى في الدنيا رسمهم؟! أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ
نزلت هذه الآية في جماعة من الصحابة: عبد الرحمن بن عوف الزهري، وسعد بن أبي وقاص
стр. 208
الزهري، وقدامة بن مظعون الجمحي، ومقداد بن الأسود الكندي، وطلحة بن عبيد الله التيمي كانوا مع النبي ﷺ بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة يلقون من المشركين أذى شديدا فيشكون ذلك إلى رسول الله ﷺ ويقولون: ائذن لنا في قتالهم ويقول لهم رسول الله: «كفوا أيديكم عن القتل والضرب فإني لم أومر بقتالهم واشتغلوا بإقامة دينكم من الصلوات الخمس وزكاة أموالكم»
«١» .
فلما هاجروا مع رسول الله ﷺ إلى المدينة وأمروا بقتالهم في وقعة بدر كرهه بعضهم لا شكا في الدين بل نفورا عن الأخطار بالأرواح، وخوفا من الموت بموجب الجبلة البشرية وذلك قوله تعالى:
فَلَمَّا كُتِبَ أي فرض عَلَيْهِمُ الْقِتالُ أي الجهاد في سبيل الله إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ كطلحة بن عبيد الله التيمي يَخْشَوْنَ النَّاسَ أي أهل مكة كَخَشْيَةِ اللَّهِ أي كخوفهم من الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً أي بل أكثر خوفا لما كان من طبع البشر من الجبن لا للاعتقاد. ثم باتوا وأهل الإيمان يتفاضلون فيه وَقالُوا خوفا من الموت لا لكراهتهم أمر الله بالقتال وهذا عطف على جواب «لما» وهو «إذا» فإنها فجائية مكانية رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ في هذا الوقت لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ أي هلا عافيتنا من بلاء القتال إلى موتنا بآجالنا. وهذا القول استزادة في مدة الكف ويجوز أن يكون هذا مما نطقت به ألسنة حالهم من غير أن يتفوهوا به صريحا قُلْ جوابا لهذا السؤال عن حكمة فرض القتال عليهم من غير توبيخ لأنه لا للاعتراض لحكمه تعالى وترغيبا فيما ينالونه بالقتال من النعيم الباقي مَتاعُ الدُّنْيا أي منفعة الدنيا قَلِيلٌ لأنه سريع التقضي وشيك الانصرام
وإن أخرتم إلى ذلك لأجل وَالْآخِرَةُ أي ثواب الآخرة لا سيما المنوط بالقتال خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى الكفر والفواحش. لأن نعم الآخرة كثيرة ومؤبدة وصافية عن كدورات القلوب ويقينية بخلاف نعم الدنيا فإنها مشكوكة عاقبتها في اليوم الثاني ومشوبة بالمكاره وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) .
وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالغيبة. والباقون بالخطاب أي لا تنقصون من أجور أعمالكم قدر خيط في شق النواة. أو المعنى لا ينقصون من ثواب حسناتهم أدنى شيء أَيْنَما تَكُونُوا في الحضر أو السفر في البر أو البحر يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ الذي تكرهون القتال لأجله زعما منكم أنه من محاله وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ أي حصون مرتفعة قوية بالجص وَإِنْ تُصِبْهُمْ أي اليهود والمنافقين حَسَنَةٌ أي خصب ورخص السعر وتتابع الأمطار يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
قال المفسرون: كانت المدينة مملوءة من النعم وقت مقدم رسول الله ﷺ فلما ظهر عناد اليهود والمنافقين على دعائه إياهم إلى الإيمان أمسك الله عنهم بعض الإمساك، كما جرت عادته تعالى في جميع الأمم. فعند هذا قالوا: ما رأينا أعظم شؤما من هذا الرجل نقصت ثمارنا ومزارعنا
стр. 209
وغلت أسعارنا منذ قدم. وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ أي جدوبة وشدة وغلاء سعر يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ أي هذه من شؤم محمد وأصحابه. أي وإن تصبهم نعمة نسبوها إلى الله تعالى. وإن تصبهم بلية أضافوها إليك كما حكى الله عن قوم موسى بقوله تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ [الأعراف: ١٣١] وعن قوم صالح بقوله تعالى: قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ [النمل: ٤٧] . قُلْ لهم ردا لزعمهم الباطل وإرشادا لهم إلى الحق كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي كل واحدة من النعمة والبلية من جهة الله تعالى وخلقا وإيجادا من غير أن يكون لي مدخل في وقوع شيء منهما بوجه من الوجوه كما تزعمون، بل وقوع الأولى منه تعالى بالذات تفضلا، ووقوع الثانية بواسطة ذنوب من ابتلى بها عقوبة فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (٧٨) أي وحيث كان الأمر كذلك فأي شيء حصل لهؤلاء المنافقين واليهود حال كونهم بمعزل من أن يفقهوا حديثا من الأحاديث أصلا فقالوا ما قالوه. إذ لو فهموا شيئا من ذلك لفهموا أن الكل من عند الله تعالى.
فالنعمة منه تعالى بطريق التفضل، والبلية منه تعالى بطريق العقوبة على ذنوب العباد عدلا منه تعالى. ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ أي ما أصابك أيها الإنسان من نعمة من النعم فهي منه تعالى بالذات تفضلا وإحسانا من غير استيجاب لها من قبلك وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ أي أيّ شيء أصابك من بلية من البلايا فهي منها بسبب اقترافها المعاصي الموجبة لها. وعن عائشة ﵂ ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها، وحتى انقطاع شسع نعله إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا أي ليس لك إلا الرسالة والتبليغ وقد فعلت ذلك وما قصرت وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (٧٩) على جدك وعدم تقصيرك في أداء الرسالة وتبليغ الوحي فأما حصول الهداية فليس إليك بل إلى الله مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ. وهذه الآية تدل على أنه لا طاعة إلّا لله ألبتة لأن طاعة الرسول لا تكون إلا طاعة لله. وقال الشافعي ﵁: وهذه الآية تدل على أن كل تكليف كلف الله به عباده في باب الوضوء والصلاة والزكاة، والصوم والحج وسائر الأبواب في القرآن ولم يكن ذلك التكليف مبينا في القرآن فحينئذ لا سبيل لنا إلى القيام بتلك التكاليف إلا ببيان الرسول وإذا كان الأمر كذلك لزم القول بأن طاعة الرسول عين طاعة الله.
قال مقاتل: إن النبيّ ﷺ كان يقول: «من أحبني فقد أحب الله ومن أطاعني فقد أطاع الله»
«١» . فقال المنافقون: لقد قارب هذا الرجل الشرك وهو ينهى أن نعبد غير الله ويريد أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى فأنزل الله هذه الآية وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (٨٠)
стр. 210
وجواب الشرط محذوف والمذكور تعليل له. أي ومن أعرض بقلبه عن حكمك يا محمد فأعرض عنه. أو المعنى ومن أعرض عن طاعة الله بظاهرهم فلا ينبغي أن تغتم بسبب ذلك الإعراض وأن تحزن، فما أرسلناك لتحفظ الناس عن المعاصي. أو المعنى فما أرسلناك لتشتغل بزجرهم عن ذلك التولي. ثم نسخ هذا بآية الجهاد فالله تعالى ذكر هذا الكلام تسلية له ﷺ عن الحزن، فإنه ﷺ كان يشتد حزنه بسبب كفرهم وإعراضهم.
وَيَقُولُونَ طاعَةٌ أي يقول المنافقون- عبد الله ابن أبي وأصحابه- إذا أمرتهم بشيء: شأننا طاعة أو منا طاعة أو أمرك يا محمد طاعة مر بما شئت نفعله. فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ أي خرجوا من مجلسك بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ أي تفكر ليلا فريق من المنافقين وهم رؤساؤهم غير الذي تأمر وتكلموا فيما بينهم بعصيانك وتوافقوا عليه وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ أي ينزل إليك ما يتدبرونه ليلا في جملة ما يوحي إليك فيطلعك على أسرارهم أو يثبت ذلك في صحائف أعمالهم ليجازوا به فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ أي لا تهتك سترهم ولا تفضحهم إلى أن يستقيم أمر الإسلام وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ في شأنهم فإن الله يكفيك شرهم وينتقم منهم وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١) أي مفوضا إليه لمن توكل عليه أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أي أيعرضون عن القرآن فلا يتأملون فيه ليعلموا كونه من عند الله تعالى بمشاهدة ما فيه من الشواهد التي من جملتها هذا الوحي الناطق بنفاقهم وَلَوْ كانَ أي القرآن مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ كما يزعمون لَوَجَدُوا فِيهِ أي القرآن اخْتِلافاً كَثِيراً (٨٢) بأن يكون بعض أخباره غير مطابق للواقع إذ لا علم بالأمور الغيبية ماضية كانت أو مستقبلة لغيره تعالى، وحيث كانت كلها مطابقة للواقع تعين كونه من عنده تعالى. وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ أي وإذا جاء المنافقين خبر بأمر من الأمور سواء كان من باب الأمن أو من باب الخوف أفشوه وكان ذلك سبب الضرر، لأن هذه الارجافات لا تنفك عن الكذب الكثير، ولأن العداوة الشديدة صارت قائمة بين المسلمين والكفار وذلك أن النبيّ ﷺ كان يبعث السرايا، فإذا غلبوا أو بادر المنافقون يستخبرون عن حالهم ثم يتحدثون به قبل أن يحدث به رسول الله ﷺ فيضعفون به قلوب المؤمنين فأنزل الله هذه الآية.
وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ أي ولو ردوا الخبر الذي تحدثوا به إلى الرسول وإلى ذوي العقل والرأي من المؤمنين وهم كبار الصحابة- كأبي بكر، وعمر وعثمان، وعلي- بأن لم يحدّثوا به حتى يكون هؤلاء هم الذين يظهرونه لعلم ذلك الخبر من يستخرجونه من جهة هؤلاء. أي ولو أن هؤلاء المنافقين المذيعين ردوا أمر الأمن والخوف إلى الرسول وإلى أولي الأمر وطلبوا معرفة الحال فيه من جهتهم لعلمه هؤلاء المنافقون المذيعون من جانب الرسول ومن جانب أولي الأمر وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ببعثه محمد ﷺ وإنزال القرآن لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ وكفرتم بالله إِلَّا قَلِيلًا (٨٣) منكم فإن ذلك القليل بتقدير عدم بعثة محمد ﷺ ، وعدم إنزال القرآن ما كان يتبع الشيطان وما كان يكفر بالله وهم مثل قس بن ساعدة وورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن نفيل وأضرابهم فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي في طاعة الله.
стр. 211
قيل: وهذا متصل بقوله تعالى: وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء: ٧٥] . وقيل:
هذا معطوف على قوله تعالى: فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ [النساء: ٧٦] . لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ أي إلا فعل نفسك فلا يضرك مخالفتهم فتقدم أنت إلى الجهاد وإن لم يساعدك أحد فإن الله ناصرك.
واعلم أن الجهاد في حق غير الرسول من فروض الكفايات فما لم يغلب على الظن أنه يفيد لم يجب بخلاف الرسول ﷺ فإنه على ثقة من النصر والظفر. وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ أي على الخروج معك بذلا للنصيحة فإنهم آثمون بالتخلف لأن القتال كان مفروضا عليهم إذ ذاك، فإن فرضه في السنة الثانية وهذه القضية في الرابعة،
كما روي أن رسول الله ﷺ واعد أبا سفيان بعد حرب أحد موسم بدر الصغرى في ذي القعدة فلما بلغ الميعاد دعا الناس إلى الخروج فكرهه بعضهم. فنزلت هذه الآية عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي أن يمنع صولة كفار مكة، وعسى وعد من الله تعالى واجب الإنجاز وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً أي قوة من قريش وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤) أي تعذيبا مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها أي من ثوابها ويندرج فيها الدعاء للمسلم فإنه شفاعة إلى الله تعالى وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها أي نصيب من وزرها مساو لها في المقدار. والغرض من هذه الآية بيان أنه ﷺ لما حرضهم على الجهاد فقد استحق بذلك التحريض أجرا عظيما. ولو لم يقبلوا أمره ﷺ لم يرجع إليه من عصيانهم شيء من الوزر، وذلك لأنه ﷺ بذل الجهد في ترغيبهم في الطاعة ولم يرغبهم في المعصية ألبتة فحقا يرجع إليه من طاعتهم أجر ولا يرجع إليه من معصيتهم وزر وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (٨٥) أي قادرا على إيصال الجزاء إلى الشافع مثل ما يوصله إلى المشفوع فيه وحافظا للأشياء شاهدا عليها فهو عالم بأن الشافع يشفع في حق أو في باطل فيجازي كلا بما علم منه وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها أي إذا سلم عليكم فردوا على المسلم ردا أحسن من ابتدائه أو أجيبوا التحية بمثلها ومنتهى الأمر في السلام أن يقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بدليل أن هذا القدر هو الوارد في التشهد فالأحسن هو أن المسلم إذا قال: السلام عليك زيد في جوابه الرحمة، وإن ذكر السلام والرحمة في الابتداء زيد في جوابه البركة، وإن ذكر الثلاثة في الابتداء أعيدت في الجواب، ورد الجواب واجب على الفور وهو فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين والأولى للكل أن يذكروا الجواب إظهارا للإكرام ومبالغة فيه وترك الجواب إهانة، والإهانة ضرر، والضرر حرام. وإذا استقبلك واحد فقل: سلام عليكم واقصد الرجل والملكين فإنك إذا سلمت عليهما ردا السلام عليك ومن سلم الملك عليه فقد سلم من عذاب الله.
وعن النبيّ ﷺ قال: «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم»
«١» .
وروي أنه ﷺ قال: «لا تبدأ
стр. 212
اليهودي بالسلام وإذا بدأك فقل وعليك»
«١» . وعن أبي حنيفة أنه قال: لا يبدأ اليهود بالسلام في كتاب ولا في غيره. وعن أبي يوسف قال: لا تسلم عليهم ولا تصافحهم، وإذا دخلت عليهم فقل: السلام على من اتّبع الهدى. ورخص بعض العلماء في ابتداء السلام عليهم إذا دعت إلى ذلك حاجة وأما إذا سلموا علينا فقال أكثر العلماء: ينبغي أن يقال: وعليك. ثم هاهنا تفريع وهو أنا إذا قلنا لهم: وعليكم السلام فهل يجوز ذكر الرحمة؟ فقال الحسن: يجوز أن يقال للكافر:
وعليكم السلام، لكن لا يقال: ورحمة الله لأنها استغفار. وعن الشعبي أنه قال لنصراني وعليكم السلام ورحمة الله، فقيل له في ذلك، فقال: أليس في رحمة الله يعيش. وقيل: التحية بالأحسن عند كون المسلم مسلما ورد مثلها عند كونه كافرا. والمقصود من هذه الآية: الوعيد، فإن الواحد من جنس الكفار قد يسلم على الرجل المسلم، ثم إن ذلك المسلم يتفحص عن حاله بل ربما قتله طمعا منه في سلبه فالله تعالى زجر عن ذلك فإياكم أن تتعرضوا له بالقتل إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (٨٦) أي محاسبا على كل أعمالكم وكافيا في إيصال جزاء أعمالكم إليكم فكونوا على حذر من مخالفة هذا التكليف. وهذا يدل على شدة الاعتناء بحفظ الدماء اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ مبتدأ وخبر. قال بعضهم: كأنه تعالى يقول من سلم عليكم فاقبلوا سلامه وأكرموه بناء على الظاهر فإن البواطن إنما يعرفها الله الذي لا إله إلّا هو وإنما ينكشف بواطن الخلق للخلق في يوم القيامة. لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ أي والله ليحشرنكم من قبوركم إلى حساب يوم القيامة لا رَيْبَ فِيهِ أي يوم القيامة وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (٨٧) وهذا استفهام على سبيل الإنكار.
والمقصود منه بيان أنه يجب كونه تعالى صادقا، وأن الكذب والخلف في قوله تعالى محال فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ أي ما لكم يا معشر المؤمنين صرتم في أمر المنافقين فرقتين وهو استفهام على سبيل الإنكار. أي لم تختلفون في كفرهم مع أن دلائل كفرهم ونفاقهم ظاهرة جلية. فليس لكم أن تختلفوا في كفرهم بل يجب أن تقطعوا به. نزلت هذه الآية في عشرة نفر قدموا على النبيّ ﷺ مسلمين فأقاموا بالمدينة ما شاء الله ثم قالوا: يا رسول الله نريد أن نخرج إلى الصحراء فائذن لنا فيه، فأذن لهم. فلما خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين فتكلم المؤمنون فيهم. فقال بعضهم: لو كانوا مسلمين مثلنا لبقوا معنا وصبروا كما
стр. 213
صبرنا. وقال قوم: هم مسلمون وليس لنا أن ننسبهم إلى الكفر إلى أن يظهر أمرهم. فبيّن الله تعالى نفاقهم في هذه الآية وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ أي ردهم إلى أحكام الكفار من الذل والسبي والقتل بِما كَسَبُوا من إظهار الكفر بعد ما كانوا على النفاق. وذلك أن المنافق ما دام يكون متمسكا في الظاهر بالشهادتين لم يكن لنا سبيل إلى قتله فإذا أظهر الكفر فحينئذ يجري الله تعالى عليه أحكام الكفار أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ عن الإيمان وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ عن دينه فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) إلى إدخاله في الإيمان وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا أي تمنوا كفركم بمحمد والقرآن كفرا مثل كفركم فَتَكُونُونَ أنتم وهم سَواءً في الكفر فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي إذا كان حالهم ودادة كفركم فلا توالوهم حتى ينتقلوا من أعمال الكفار إلى أعمال المسلمين لأجل أمر الله تعالى.
اعلم أن الهجرة تارة تحصل بالانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان، وأخرى تحصل بالانتقال عن أعمال الكفار إلى أعمال المسلمين.
قال ﷺ : «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» .
وقال المحققون: الهجرة في سبيل الله عبارة عن ترك منهيات الله وفعل مأموراته وذلك يشمل مهاجرة دار الكفر، ومهاجرة شعار الكفر وإنما قيد الله تعالى الهجرة بكونها في سبيل الله لإخراج الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام ومن شعار الكفر إلى شعار الإسلام لغرض من أغراض الدنيا. فإنما المعتبر وقوع تلك الهجرة لأجل أمر الله تعالى فَإِنْ تَوَلَّوْا أي أعرضوا عن الإيمان والهجرة ولزموا مواضعهم خارجا عن المدينة فَخُذُوهُمْ أي فأسروهم إذا قدرتم عليهم وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ أي في الحل والحرم فإن حكمهم حكم سائر المشركين أسرا وقتلا وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ في هذه الحالة وَلِيًّا يتولى شيئا من مهماتكم وَلا نَصِيراً (٨٩) ينصركم على أعدائكم إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ أي ينتهون إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أي إلا من دخل في عهد من كان داخلا في عهدكم فهم أيضا داخلون في عهدكم.
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في حق هلال بن عويمر الأسلمي، وسراقة بن مالك المدلجي وبني خزيمة بن عامر بن عبد مناف. وفي هذه الآية بشارة عظيمة لأهل الإيمان لأنه تعالى لما رفع السيف عمن التجأ إلى من التجأ إلى المسلمين فبأن يرفع العذاب في الآخرة عمن التجأ إلى محبة الله ومحبة رسوله كان أولى. أَوْ إلا الذين جاؤُكُمْ حَصِرَتْ أي ضاقت صُدُورُهُمْ عن المقاتلة فلا يريدون أَنْ يُقاتِلُوكُمْ لأنكم مسلمون وللعهد أَوْ لا يريدون أن يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ لأنهم أقاربهم فهم لا عليكم ولا لكم. أي لما أمر الله بأخذ الكفار وقتلهم استثنى من المأمور فريقين أحدهما من ترك المحاربين ولحق بالمعاهدين والآخر من أتى المؤمنين وكف عن قتال
الفريقين وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ببسط صدورهم
стр. 214
وتقوية قلوبهم وإزالة الرعب عنها. والمعنى أن ضيق صدورهم عن قتالكم إنما هو بقذف الله الرعب في قلوبهم ولو قوّى قلوبهم على قتال المسلمين لتسلطوا عليهم. والمقصود من هذا الكلام أن الله تعالى منّ على المسلمين بكف بأس المعاهدين فَلَقاتَلُوكُمْ وهذا في الحقيقة جواب «لو» وما قبله توطئة له، وأعيدت اللام توكيدا فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ أي تركوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ أي الانقياد للصلح والأمان فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠) أي طريقا بالأسر أو بالقتل
سَتَجِدُونَ عن قريب آخَرِينَ أي قوما من المنافقين غير من سبق وهم قوم من أسد وغطفان كانوا مقيمين حول المدينة فإذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا. وقالوا لأصحاب رسول الله ﷺ : إنا على دينكم- ليأمنوا من قتال المسلمين- وإذا رجعوا إلى قومهم كفروا أو نكثوا عهودهم- ليأمنوا من قومهم- حتى كان الرجل منهم يقول له قومه: بماذا أسلمت؟ فيقول:
آمنت بهذا القرد وبهذا العقرب والخنفساء، كما قال تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ أي يأمنوا من قتالكم بإظهار الإسلام عندكم وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ أي من بأسهم بإظهار الكفر إذا رجعوا إليهم كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أي كلما دعوا إلى قتال المسلمين أُرْكِسُوا فِيها أي قلبوا في الفتنة أقبح قلب وكانوا فيها شرا من كل عدو شرير. أي كلما دعاهم قومهم إلى الكفر وقتال المسلمين رجعوا إليه وهذا استعارة لشدة إصرارهم على الكفر وعداوة المسلمين لأن من وقع في شيء منكوسا يتعذر خروجه منه فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ أي فإن لم يتركوا قتالكم ولم يطلبوا الصلح منكم ولم يكفروا أيديهم عن قتالكم فخذوهم أي وأسروهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم أي وجدتموهم في الحل والحرم وَأُولئِكُمْ أي أهل هذه الصفة جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً (٩١) أي جعلنا لكم على جواز قتل هؤلاء حجة واضحة وهي ظهور عداوتهم وانكشاف حالهم في الكفر والغدر وإضرارهم بأهل الإسلام أو جعلنا لكم عليهم تسلطا ظاهرا حيث أذنا لكم في أخذهم وقتلهم وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً أي ليس لمؤمن أن يقتل مؤمنا ألبتة إلا عند الخطأ وهو ما إذا رأى عليه شعار الكفار أو وجده في عسكرهم فظنه مشركا فههنا يجوز قتله ولا شك أن هذا خطأ فإنه ظن أنه كافر مع أنه غير كافر.
روي أن عياش بن أبي ربيعة أسلم في مكة وهاجر إلى المدينة قبل هجرة النبيّ ﷺ إليها، وتحصن في أطم من آطامها خوفا من قومه، فأقسمت أمه لا تأكل ولا تشرب ولا تجلس تحت سقف حتى يرجع فخرج أبو جهل بن هشام، والحرث بن زيد بن أبي أنيسة فأتياه، فقال أبو جهل: أليس إن محمدا يأمرك ببر الأم؟ فانصرف وأحسن إلى أمك وأنت على دينك. فرجع إلى مكة فلما دنوا من مكة قيدا يديه ورجليه وجلده كل واحد منهما مائة جلدة، فلما دخل على أمه حلفت لا يزول عنه القيد حتى يرجع إلى دينه الأول فتركوه موثوقا مطروحا في الشمس ما شاء
стр. 215
الله، ففعل بلسانه فأتاه الحرث ابن زيد فقال: يا عياش إن كان دينك الأول هدى فقد تركته، وإن كان ضلالا فقد دخلت الآن فيه. فغضب عياش من مقالته وقال: والله لا ألقاك خاليا أبدا إلا قتلتك ثم هاجر بعد ذلك وأسلم الحرث بعد ذلك، وهاجر إلى رسول الله ﷺ فلقيه عياش في ظهر قباء خاليا ولم يشعر بإسلامه فقتله، فلما أخبره الناس بأنه كان مسلما ندم على فعله وأتى رسول الله ﷺ وقال: قتلته ولم أشعر بإسلامه فنزلت هذه الآية وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً بأن يقصد رمي المشرك فأصاب مسلما، أو يظن الشخص مشركا فقتله فبان مسلما أو يضرب المسلم بضربة لا تقتل غالبا فيموت منها.
فالأول: خطأ في الفعل.
والثاني: خطأ في القصد.
والثالث: خطأ في القتل وإن كان عمدا في الضرب ولذلك سمي شبه العمد فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ أي فعليه إعتاق نسمة محكوم بإسلامها وإن كانت صغيرة ودية مؤداة إلى ورثة المقتول يقتسمونها كسائر المواريث إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا أي إلا أن يعفو أهل المقتول عن الدية ويتركوها وسمي العفو عنها صدقة حثا عليه وتنبيها على فضله. وفي الحديث «كل معروف صدقة» «١» . فَإِنْ كانَ أي المقتول خطأ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ أي من سكان دار الحرب وَهُوَ مُؤْمِنٌ ولم يعلم القاتل بكونه مؤمنا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ أي فالواجب على القاتل بسبب قتله الواقع على سبيل الخطأ هو تحرير الرقبة، وأما الدية فلا تجب إذ لا وراثة بين المقتول وبين أهله لأنهم محاربون كالحرث بن زيد فإنه من قوم محاربين لرسول ﷺ ، وأما الكفارة فإنها حق الله تعالى ليقوم المعتوق به مقام المقتول في المواظبة على العبادات وَإِنْ كانَ أي المقتول خطأ مِنْ قَوْمٍ كفرة بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أي عهد مؤقت أو مؤبد فَدِيَةٌ أي فعلى قاتله دية مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ أي المقتول. وهي ثلث دية المؤمن إن كان نصرانيا أو يهوديا تحل مناكحته، وثلثا عشرها إن كان مجوسيا أو كتابيا لا تحل مناكحته وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ على القاتل فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ أي فمن كان فقيرا فعليه ذلك الصيام بدلا عن الرقبة. وقال مسروق: بدلا عن مجموع الكفارة والدية والتتابع واجب حتى لو أفطر يوما وجب الاستئناف إلا أن يكون الفطر بحيض أو نفاس تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ