صلوات الله عليهم وَفَرِيقاً منهم يَقْتُلُونَ (٧٠) كزكريا ويحيى ﵉ وقصدوا أيضا قتل عيسى وإن كان الله منعهم عن مرادهم وهم يزعمون أنهم قتلوه، فذكر التكذيب بلفظ الماضي إشارة إلى معاملتهم مع موسى ﵇ فإنهم كذبوه في كل مقام، وتمردوا على أوامره لأنه قد انقضى من ذلك الزمان أدوار كثيرة، وذكر القتل بلفظ المضارع إشارة إلى معاملتهم مع زكريا ويحيى وعيسى ﵈ لكون ذلك الزمان قريبا فكان كالحاضر ومحافظة للفاصلة
وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ أي ظن بنو إسرائيل أن لا يوحّد بلاء وعذاب بقتل الأنبياء وتكذيبهم لأنهم كانوا يعتقدون أن كل رسول جاءهم بشرع آخر غير شرعهم يجب عليهم تكذيبه وقتله لأنهم اعتقدوا أن النسخ ممتنع على شرع موسى وكانوا يعتقدون أن نبوة أسلافهم تدفع عنهم العقاب الذي يستحقونه بسبب ذلك القتل والتكذيب فَعَمُوا عن الهدى وَصَمُّوا عن الحق فخالفوا أحكام التوراة فقتلوا شعياء وحبسوا أرمياء ﵉ فسلط الله تعالى عليهم بختنصر عامل لهراسب على بابل، فاستولى على بيت المقدس، فقتل من أهله أربعين ألفا ممن يقرأ التوراة، وذهب بالبقية إلى أرضه، فبقوا هناك دهرا طويلا على أقصى الذل إلى أن أحدثوا توبة صحيحة ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حين تابوا فوجه الله تعالى ملكا عظيما من ملوك فارس إلى بيت المقدس ليعمره، ونجّى بقايا بني إسرائيل من أسر بختنصر وردّهم إلى وطنهم، وتراجع من تفرّق منهم في الأكناف فعمره ثلاثين سنة فكثروا وكانوا كأحسن ما كانوا عليه.
وقيل: لما ورث بهمن الملك من جده ألقى الله تعالى في قلبه شفقة عليهم فردّهم إلى الشام، وملّك عليهم دانيال ﵇، فاستولوا على من كان فيها من أتباع بختنصر، فقامت فيهم الأنبياء فرجعوا إلى أحسن ما كانوا عليه من الحال ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ فعادوا إلى الفساد واجترءوا على قتل زكريا ويحيى، وقصدوا قتل عيسى فبعث الله تعالى عليهم الفرس فغزاهم ملك بابل من ملوك الطوائف اسمه خيدرود ففعل بهم ما فعل. قيل: دخل صاحب الجيش مذبح قرابينهم فوجد فيه دما يغلي، فسألهم فقالوا: دم قربان لم يقبل منا، فقال: ما صدقوني فقتل عليه ألوفا منهم، ثم قال: إن لم تصدقوني ما تركت منكم أحدا. فقالوا: إنه دم يحيى ﵇، فقال: بمثل هذا ينتقم الله تعالى منكم. ثم قال: يا يحيى قد علم ربي وربك ما أصاب قومك من أجلك فاهدأ بإذن الله تعالى قبل أن لا أبقى أحدا منهم فهدأ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٧١) أي وإن دق فيجازيهم به وفق أعمالهم لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ.
قيل: هم الملكانية والمار يعقوبية منهم القائلون بالاتحاد. وقيل: هم اليعقوبية خاصة لأنهم يقولون: إن مريم ولدت إلها، ولعل معنى هذا المذهب أنهم يقولون: إن الله تعالى حلّ في
стр. 282
ذات عيسى واتحد بذات عيسى. وَقالَ الْمَسِيحُ أي والحال قد قال المسيح مخاطبا لهم يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ أي وحدوا الله في العبادة خالقي وخالقكم إِنَّهُ أي الشأن مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ شيئا في عبادته أو فيما يختص به من صفات الألوهية فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ أي فقد منعه الله من دخولها وَمَأْواهُ النَّارُ فإنها هي المعدة للمشركين وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٧٢) أي وما لهم من أحد ينصرهم بإنقاذهم من النار إما بطريق المبالغة أو بطريق الشفاعة. فقوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ إلى آخر الآية وارد من جهته تعالى لتأكيد مقالة عيسى ﵇ ولتقرير مضمونها لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وهم النسطورية والمرقوسية.
وفي تفسير قولهم طريقان:
الأولى: قال بعض المفسرين: إنهم أرادوا بذلك إن الله ومريم وعيسى آلهة ثلاثة. فمعنى ثالث ثلاثة أي أحد ثلاثة آلهة، فكل واحد من هؤلاء إله لأنهم يقولون: إن الآلهة مشتركة بين هؤلاء الثلاثة. قال الواحدي: ولا يكفر من يقول: إن الله ثالث ثلاثة إذا لم يرد به ثالث ثلاثة آلهة فإنه ما من شيئين إلا والله ثالثهما بالعلم اه. كما
قال النّبيّ ﷺ لأبي بكر: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما»
«١» .
والثانية: حكى المتكلمون عن النصارى أنهم يقولون: إن الإله جوهر واحد مركب من ثلاثة أقانيم أب وابن وروح قدس. فهذه الثلاثة إله واحد، كما أن الشمس اسم يتناول القرص والشعاع والحرارة، وعنوا بالأب: الذات. وبالابن: الكلمة. وبالروح: الحياة، وقالوا: إن الكلمة التي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء باللبن واختلاط الماء بالخمر وزعموا أن الأب إله والابن إله والروح إله والكل إله واحد. وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ أي وما في الوجود من هذه الحقيقة إلا فرد واحد، أو المعنى وما من إله لأهل السموات والأرض إلا إله لا ولد له ولا شريك له فهو إله واحد بالذات منزه عن شائبة التعدد بوجه من الوجوه وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ أي من هاتين المقالتين وما قرب منهما لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ أي ليصيبن الذين أقاموا على هذا الدين عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أي شديد الألم أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ أي ألا ينتهون عن تلك العقائد الزائغة والأقاويل الباطلة فلا يتوبون إلى الله عن تلك المقالة والعقيدة ويستغفرونه بالتوحيد والتنزيه عن الاتحاد والحلول. أو المعنى أيسمعون هذه الشهادات المكررة والتشديدات المقررة فلا يتوبون عقب سماع تلك القوارع الهائلة؟ وَاللَّهُ غَفُورٌ
стр. 283
لمن تاب وآمن رَحِيمٌ (٧٤) لمن مات على التوبة مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أي ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين مضوا من قبله، جاء بآيات من الله كما أتوا بأمثالها فليس بإله كالرسل الخالية قبله فإنهم لم يكونوا آلهة فإن كان الله أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى على يد عيسى ﵇، فقد فلق البحر وأحيا العصا وجعلها حية تسعى على يد موسى ﵇ وهو أعجب منه، وإن كان الله خلقه من غير أب فقد خلق آدم من غير أب وأم وهو أغرب منه وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ أي وما أمه إلا صديقة أي تلازم الصدق وتصدق الأنبياء وتبالغ في بعدها عن المعاصي وفي إقامة مراسم العبودية كسائر النساء اللاتي يلازمن الاتصاف بذلك فما رتبة عيسى إلا رتبة نبي، وما رتبة أمه إلا رتبة صحابي فمن أين لكم أن تصفوهما بما لا يوصف به سائر الأنبياء وخواص الناس؟ فإن أعظم صفات عيسى ﵇ الرسالة، وأكمل صفات أمه الصديقية وذلك لا يستلزم لهما الألوهية كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ كسائر أفراد البشر. انْظُرْ يا أشرف الخلق كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ أي
العلامات بأن عيسى ومريم لم يكونا بإلهين وببطلان ما تقولوا عليهما ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) أي كيف يصرفون عن استماع الآيات وعن التأمل فيها فالله بيّن لهم الآيات بيانا عجبا وإعراضهم عنها أعجب منها قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وهو عيسى ﵇ فإن مذهب النصارى أن اليهود صلبوه ومزقوا أضلاعه ولما عطش وطلب الماء منهم صبوا الخل في منخريه ومن كان في الضعف هكذا كيف يعقل أن يكون إلها؟ فلو كان كذلك لامتنع كونه مشغولا بعبادة الله تعالى! ومن كان كذلك كان محتاجا إليه في تحصيل المنافع ودفع المضار ومن كان كذلك كيف يقدر على إيصال المنافع إلى العباد ودفع المضار عنهم؟ وإذا كان كذلك كان عبدا كسائر العبيد وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) . والمراد من هذه الجملة التهديد أي سميع بكفرهم ولمقالتهم في عيسى وأمه عليم بضمائرهم وبعقوبتهم قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ أي يا معشر اليهود والنصارى لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ أي لا تتجاوزوا الحد في دينكم تجاوزا باطلا فإن الغلو في الدين نوعان: غلو حق وهو أن يجتهد في تحصيل حججه وتقريرها كما يفعله المتكلمون وغلو باطل وهو أن يتكلف في تقرير الشبه ويتجاوز الحق ويعرض عن الأدلة وذلك الغلو هو رفع النصارى لعيسى فقالوا: إنه إله وخفص اليهود له فقالوا: إنه ابن زنا وإنه كذاب وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ أي لا تتبعوا مذاهب قوم قد ضلوا من قبلكم عن التوراة والإنجيل وَأَضَلُّوا كَثِيراً من الناس بتماديهم في الباطل وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٧٧) أي عن الدين الحق وعن القرآن بسبب اعتقادهم في ذلك الإضلال أنه إرشاد إلى الحق لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ أي لعن الله تعالى اليهود في الزبور والنصارى في الإنجيل عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فاليهود لعنوا على لسان
стр. 284
داود، والنصارى لعنوا على لسان عيسى، والفريقان من بني إسرائيل وهم أصحاب السبت وأصحاب المائدة. أما أصحاب السبت فهم قوم داود وذلك أن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت بأخذ الحيتان دعا عليهم داود ﵇ وقال: اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخهم الله قردة.
وأما أصحاب المائدة فإنهم لما أكلوا من المائدة وادخروا ولم يؤمنوا، قال عيسى ﵇:
اللهم عذّب من كفر بعد ما أكل من المائدة عذابا لم تعذبه أحدا من العالمين، والعنهم كما لعنت أصحاب السبت فمسخوا قردة وخنازير وكانوا خمسة آلاف ليس فيهم امرأة ولا صبي ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) أي ذلك اللعن الفظيع بسبب عصيانهم ومبالغتهم في العصيان كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ أي كانوا لا يمتنعون عن معاودة منكر فعلوه ولا يتركونه ولا يصدر من بعضهم نهي لبعض عن منكر أرادوا فعله.
روى ابن مسعود عن النّبيّ ﷺ أنه قال: «من رضي عمل قوم فهو منهم ومن كثّر سواد قوم فهو منهم»
«١» . لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) أي أقسم لبئس ما كانوا يفعلونه فعلهم هذا وهو ترك الإصرار على منكر فعلوه وترك النهي عنه تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ أي تبصر كثيرا من أهل الكتاب ككعب بن الأشرف وأصحابه يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي يصادقون كفار أهل مكة أبا سفيان وأصحابه بغضا لرسول الله ﷺ وللمؤمنين، أي فإن كعبا وأضرابه خرجوا إلى مشركي مكة ليتفقوا على محاربة النّبيّ ﷺ لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أي لبئس شيئا قدموا من موالاتهم لعبدة الأوثان لزاد معادهم موجب سخطه تعالى عليهم وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ (٨٠) أي وخلودهم أبد الآبدين في عذاب جهنم، وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها فهي من جملة المخصوص بالذم
وَلَوْ كانُوا أي أهل الكتاب الذين يوالون المشركين يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ أي نبيهم وهو موسى وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ من التوراة كما يدعون مَا اتَّخَذُوهُمْ أي ما اتخذ اليهود المشركين أَوْلِياءَ لأن تحريم ذلك متأكد في التوراة في شرع موسى ﵇ فلما فعلوا ذلك ظهر أنه ليس مرادهم تقرير دين موسى بل مرادهم الرياسة فيسعون في تحصيله بأيّ طريق قدروا عليه فلهذا وصفهم الله تعالى بالفسق فقال: وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٨١) أي خارجون عن الدين والإيمان بالله ونبيهم وكتابهم أما البعض منهم فقد آمن وفي هذه الآية وجه آخر ذكره القفال وهو أن يكون المعنى ولو كان هؤلاء المتولون من المشركين يؤمنون بالله وبمحمد ﷺ ما اتخذهم هؤلاء اليهود أولياء وهذا الوجه حسن ليس في
стр. 285
الكلام ما يدفعه لَتَجِدَنَّ يا أكرم الخلق أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا من أهل مكة لشدة شكيمتهم وتضاعف كفرهم وانهماكهم في اتباع الهوى وقربهم إلى التقليد وبعدهم عن التحقيق
وعن النّبيّ ﷺ أنه قال: «ما خلا يهوديان بمسلم إلا همّا بقتله»
«١» .
وقد قال بعضهم: مذهب اليهود أنه يجب عليهم إيصال الشر إلى من خالفهم في الدين بأي طريق كان فإن قدروا على القتل فذاك وإلا فبغصب المال أو بالسرقة أو بنوع من الحيلة. وأما النصارى فليس مذهبهم ذلك بل الإيذاء حرام في دينهم فهذا وجه التفاوت وذكر الله تعالى أن النصارى ألين عريكة من اليهود وأقرب إلى المسلمين منهم وَلَتَجِدَنَّ يا أشرف الخلق أَقْرَبَهُمْ أي الناس مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى إنما أسند تسميتهم نصارى إليهم دون تسمية اليهود للأشعار بقرب مودتهم حيث يدعون أنهم أنصار الله وأوداء أهل الحق، وإن لم يظهروا اعتقاد حقية الإسلام فتسميتهم نصارى ليست حقيقة بخلاف تسمية اليهود يهودا فإنها حقيقة سواء سموا بذلك لكونهم أولاد يهود بن يعقوب أو لكونهم تابوا عن عبادة العجل أو لتحركهم في دراستهم ذلِكَ أي كونهم أقرب مودة للمؤمنين بِأَنَّ مِنْهُمْ أي بسبب أن منهم قِسِّيسِينَ أي علماء وَرُهْباناً أي عبادا أصحاب الصوامع وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) عن قبول الحق إذا فهموه كما استكبر اليهود والمشركون من أهل مكة وَأنهم إِذا سَمِعُوا أي القسيسون والرهبان الذين آمنوا منهم ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ محمد ﷺ وهو القرآن تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ أي تمتلئ من الدمع حتى تفيض أي تسيل مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ أي من نعت محمد ﷺ في كتابهم أو مما عرفوا بعض الحق الذي هو القرآن.
روي أن قريشا تشاورت أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم فوثب كل قبيلة على من آمن منهم، فآذوهم وعذبوهم، ومنع الله تعالى رسوله محمدا ﷺ بعمه أبي طالب، فلما رأى رسول الله ﷺ ما نزل بأصحابه أمرهم بالخروج إلى أرض الحبشة وقال: «إن بها ملكا صالحا لا يظلم ولا يظلم عنده أحد فاخرجوا إليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجا» .
فخرج إليها سرا أحد عشر رجلا وأربع نسوة، منهم عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله ﷺ ، والزبير بن العوام، وعبد الله بن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو حذيفة بن عتبة وامرأته سهلة، ومصعب بن عمير، وأبو سلمة بن عبد الأسد وزوجته أم سلمة بنت أمية، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة وامرأته ليلى، وحاطب بن عمرو وسهيل بن بيضاء فخرجوا إلى البحر وأخذوا سفينة بنصف دينار، وذلك في رجب في السنة الخامسة من مبعث رسول الله ﷺ ، ثم خرج بعدهم جعفر بن أبي طالب
стр. 286
وتتابع المسلمون فكان جميع من هاجر إلى أرض الحبشة اثنين وثمانين رجلا سوى النساء والصبيان، فلما كانت وقعة بدر وقتل الله فيها صناديد الكفار. قال كفار قريش: إن ثاركم بأرض الحبشة فاهدوا إلى النجاشي واسمه أصحمة وابعثوا إليه رجلين من ذوي رأيكم لعله يعطيكم من عنده فتقتلونهم بمن قتل منكم ببدر، فبعث
كفار قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن ربيعة بهدايا إلى النجاشي وبطارقته ليردهم إليهم فدخلا إليه فقالا له: أيها الملك إنه قد خرج فينا رجل زعم أنه نبي وهو قد بعث إليك برهط من أصحابه ليفسدوا عليك قومك فأحببنا أن نخبرك خبرهم وأن قومنا يسألونك أن تردهم إليهم فقال: حتى نسألهم، فأمر بهم فأحضروا فلما أتوا باب النجاشي قالوا: يستأذن أولياء الله. فقال: ائذنوا لهم فمرحبا بأولياء الله. فلما دخلوا عليه سلموا، فقال الرهط من المشركين: أيها الملك ألا ترى أنهم لم يحيوك بتحيتك التي تحيا بها؟ فقال لهم الملك: ما منعكم أن تحيوني بتحيتي؟ قالوا: إنا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة. فقال لهم النجاشي: ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه؟ فقال جعفر بن أبي طالب: يقول هو عبد الله ورسوله وكلمة الله وروح منه ألقاها إلى مريم العذراء، ويقول في مريم إنها العذراء البتول. فأخذ النجاشي عودا من الأرض وقال: والله ما زاد صاحبكم على ما قال عيسى قدر هذه العود. فكره المشركون قوله وتغيرت وجوههم. فقال:
هل تعرفون شيئا مما أنزل على صاحبكم؟ قالوا: نعم. قال: اقرءوا. فقرأ جعفر سورة مريم وهناك قسيسون ورهابين وسائر النصارى، فعرفوا ما قرأ فانحدرت دموعهم وما زالوا يبكون حتى فرغ جعفر الطيار من القراءة، فقال النجاشي لجعفر وأصحابه: اذهبوا فأنتم بأرضي آمنون. فرجع عمرو ومن معه خائبين وأقام المسلمون عند النجاشي بخير دار وخير جوار إلى أن علا أمر رسول الله وقهر أعداءه في سنة ست من الهجرة وكتب رسول الله ﷺ إلى النجاشي على يد عمرو بن أمية الضمري ليزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت قد هاجرت إليه مع زوجها ومات عنها، فأرسل النجاشي إليها جارية اسمها أبرهة تخبرها بخطبة رسول الله ﷺ فسرت أم حبيبة بذلك وأذنت لخالد بن سعيد أن يزوجها فأنفذ النجاشي إليها أربعمائة دينار صداقها على يد أبرهة، وقالت أبرهة: قد صدقت بمحمد وآمنت به وحاجتي إليك أن تقرئيه مني السلام، قالت: نعم وقالت: فخرجنا إلى المدينة ورسول الله ﷺ بخيبر وأقمت بالمدينة حتى قدم رسول الله ﷺ فدخلت عليه فقرأت ﵇ من أبرهة جارية الملك فرد الرسول ﵍ ووافى جعفر رسول الله ﷺ وهو بخيبر ومع جعفر سبعون رجلا عليهم ثياب الصوف، منهم اثنان وستون رجلا من الحبشة، وثمانية نفر من رهبان الشام: بحيرا الراهب وأصحابه أبرهة وأشرف وإدريس، وتميم وتمام ودريد وأيمن وكلهم من أصحاب النجاشي، فقرأ عليهم رسول الله ﷺ سورة يس إلى آخرها فبكوا وآمنوا وأسلموا. وقالوا: ما أشبه هذا بما
стр. 287
كان ينزل على عيسى ﵇ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا بما سمعنا مما أنزل على رسولك وشهدنا أنه حق فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) أي فاجعلنا من أمة محمد ﷺ الذين آمنوا فلما لامهم قومهم بالإسلام فقالوا تحقيقا لإيمانهم وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) من أمة محمد ﷺ وجملة قوله تعالى: لا نُؤْمِنُ حال من الضمير في «لنا» وجملة «لا نطمع» حال ثانية منه بتقدير مبتدأ. أي أيّ شيء حصل لنا غير مؤمنين بالله وبما جاءنا من القرآن والرسول ونحن نطمع في صحبة الصالحين ويجوز أن يكون قوله: وَنَطْمَعُ حالا من الضمير في لا نُؤْمِنُ على معنى أنهم أنكروا على أنفسهم عدم إيمانهم مع أنهم يطمعون في صحبة المؤمنين فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا أي جعل الله ثوابهم على قولهم: ربنا آمنا مع إخلاص النية ومعرفة الحق، أو بسبب ما سألوا بقولهم: فاكتبنا مع الشاهدين كما رواه عطاء عن ابن عباس.
وقرئ فآتاهم الله جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ أي الجنات جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) بالإيمان. أو المعنى جزاء الذين اعتادوا الإحسان في الأمور.
روي أن هذه الآيات الأربع نزلت في النجاشي وأصحابه وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٨٦) أي ملازمون لها لا ينفكون عنها دون غيرهم من عصاة المؤمنين وإن كثرت كبائرهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ أي لا تعتقدوا تحريم ما أحل الله لكم، ولا تظهروا باللسان تحريمه، ولا تجتنبوا الطيبات اجتنابا شبيه الاجتناب من المحرمات، ولا تلتزموا تحريم الطيبات بنذر أو يمين وَلا تَعْتَدُوا أي لا تسرفوا في تناول الطيبات ولا تتجاوزوا أمر الله بقطع المذاكير إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) من الحلال إلى الحرام كالمثلة فمن اعتقد تحريم شيء أحله الله فقد كفر، أما ترك لذات الدنيا والتفرغ لعبادة الله تعالى من غير إضرار بالنفس ولا تفويت حق الغير ففضيلة مأمور بها. نزلت هذه الآية في عشرة نفر من أصحاب النّبيّ ﷺ وهم: أبو بكر الصديق، وعمر وعلي وعبد الله بن مسعود، وعثمان بن مظعون الجمحي، ومقداد بن الأسود الكندي، وسالم مولى أبي حذيفة، وسلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري، وعمار بن ياسر وذلك لما وصف رسول الله ﷺ يوم القيامة لأصحابه يوما فبالغ الكلام في الإنذار فبكوا واجتمع هؤلاء العشرة في بيت عثمان بن مظعون وتشاوروا واتفقوا على عزمهم أن يرفضوا الدنيا ويحرموا على أنفسهم المطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة، وأن يصوموا النهار ويقوموا الليل، وأن لا يناموا على الفرش ويخصوا أنفسهم ويلبسوا المسوح، ويسيحوا في الأرض، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ
فقال لهم: «إني لم أومر بذلك» ثم قال ﷺ : «إن لأنفسكم عليكم حقا فصوموا وأفطروا، وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآكل اللحم
стр. 288
والدسم وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»
«١» .
وروي أن عثمان بن مظعون أتى النّبيّ ﷺ فقال: ائذن لي في الاختصاء. فقال رسول الله ﷺ : «ليس منا من خصي ولا من اختصي. إن خصاء أمتي الصيام» . فقال يا رسول الله ائذن لي بالسياحة فقال: «إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله» قال: يا رسول الله ائذن لي في الترهب قال: «إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد لانتظار الصلاة»
«٢» وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً أي كلوا بعض رزقكم من الله الذي يكون حلالا مستلذا واصرفوا البقية إلى الصدقات والخيرات وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨) في تحريم ما أحل الله لكم وفي المثلة لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ قد تقدم أن قوما من الصحابة حرموا على أنفسهم المطاعم والملابس واختاروا الرهبانية وحلفوا على ذلك على ظن أنه قربة، فلما نهاهم الله تعالى عنها قالوا: يا رسول الله فكيف نصنع بأيماننا؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ أي بتعقيدكم الأيمان بالقصد إذا حنثتم.
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم «عقّدتم» بتشديد القاف. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم «عقدتم» بتخفيف القاف. وقرأ ابن ذكوان عن ابن عامر «عاقدتم» بالألف والتخفيف فَكَفَّارَتُهُ أي فكفارة نكث الأيمان التي ليست بلغو إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ في قدر الطعام وهو ثلثا منّ لكل مسكين فإن الإنسان قد يكون قليل الأكل جدا يكفيه الرغيف الواحد، وقد يكون كثير الأكل فلا يكفيه المنوان والمتوسط الغالب يكفيه من الخبز ما يقرب من المن، فثلثا منّ من الحنطة إذا جعل دقيقا أو خبزا فإنه يصير قريبا من المنّ وذلك كاف في قوت اليوم الواحد أَوْ كِسْوَتُهُمْ بأقل ما يطلق عليه اسم الكسوة كإزار أو رداء، وقميص أو سراويل أو عمامة لكل مسكين ثوب واحد أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ وتقديم الإطعام على العتق لأن المقصود تنبيه على أن هذه الكفارة وجبت على التخيير بين هذه الثلاثة، ولأن الإطعام أسهل لكون الطعام أعم وجودا ولأن الإطعام أفضل لأن الحر الفقير قد لا يجد الطعام أما العبد فإنه يجب على مولاه إطعامه وكسوته فَمَنْ لَمْ يَجِدْ واحدا من هذه الثلاثة فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ولو متفرقة لما
روي أن رجلا قال للنبي ﷺ على أيام من رمضان: أفأقضيها متفرقات فقال ﷺ : «أرأيت لو كان عليك دين فقضيت الدرهم فالدرهم أما كان يجزيك؟» قال: بلى:
стр. 289
قال: «فالله أحق أن يعفو ويصفح»
«١» والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ذلِكَ المذكور كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وحنثتم وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ أي قللوا الأيمان وضنوا بها كَذلِكَ أي مثل ذلك التبيين لحكم الأيمان يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ أي أعلام شريعته لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩) نعمته فيما يعلمكم. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ أي المسكر وَالْمَيْسِرُ أي القمار وَالْأَنْصابُ أي الأصنام التي نصبها المشركون ويعبدونها وَالْأَزْلامُ سهام مكتوب عليها خير وشر رِجْسٌ أي قذر تعاف عنه العقول عنه العقول مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ أي من الأمور التي يزينها للنفس فَاجْتَنِبُوهُ أي الرجس لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) أي لكي تنجوا من العذاب
إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ إذا صرتم نشاوى كما فعل الأنصاري الذي شجّ رأس سعد بن أبي وقاص بلحى الجمل وَالْمَيْسِرِ إذا ذهب مالكم وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ لأن شرب الخمر يورث اللذة الجسمانية والنفس إذا استغرقت فيها غفلت عن ذكر الله وعن الصلاة، ولأن الشخص إذا كان غالبا في القمار صار استغراقه في لذة الغلبة مانعا من أن يخطر بباله شيء سواه فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) أي قد بينت لكم مفاسد الخمر والميسر فهل تنتهون عنهما أم أنتم مقيمون عليهما كأنكم لم توعظوا بهذه المواعظ؟ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ في أمرهما بالاجتناب عن الخمر والميسر وَاحْذَرُوا عن مخالفتهما في التكاليف فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أي أعرضتم عن طاعتهما وعن الاحتراز عن مخالفتهما فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٩٢) أي فالحجة قامت عليكم والعلل انقطعت لأن الرسول قد خرج عن عهدة التبليغ كمال الخروج، وما بقي بعد ذلك إلا العقاب وهذا تهديد شديد لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ أي إثم فِيما طَعِمُوا من الخمر ومن مال اللعب بالملاهي إِذا مَا اتَّقَوْا أن يكون في ذلك الشيء من المحرمات أي إذا عملوا الاتقاء وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي واستمروا على الإيمان والأعمال الصالحة ثُمَّ اتَّقَوْا ما حرم عليهم بعد ذلك وَآمَنُوا بتحريمه ثُمَّ اتَّقَوْا أي استمروا على اتقاء المعاصي وَأَحْسَنُوا أي اتجروا الأعمال الجميلة واشتغلوا بها وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣) .
روي أنه لما نزلت آية تحريم الخمر قالت الصحابة: إن إخواننا كانوا قد شربوا الخمر يوم أحد ثم قتلوا فكيف حالهم؟ فنزلت هذه الآية.
وروى أبو بكر الأصم: أنه لما نزل تحريم الخمر قال أبو بكر: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وفعلوا القمار؟ وكيف بالغائبين عنا في البلدان لا يشعرون أن الله حرم الخمر وهم يطعمونها؟ فأنزل الله هذه الآيات. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ أي ليختبرن الله طاعتكم من معصيتكم بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ أي من صيد البر تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ.
стр. 290
قال مقاتل بن حبان: ابتلاهم الله بصيد البر وهم محرمون عام الحديبية حتى كانت الوحش والطير تغشاهم في رحالهم فيقدرون على أخذ الطير بالأيدي، والوحش بالرماح وما رأوا مثل ذلك قط فنهاهم الله عنها ابتلاء لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ أي ليعاملكم معاملة من يطلب أن يعلم من يخافه حال كون الله تعالى غير مرئي له غائبا عن رؤيته أو يخافه بإخلاص القلب فيترك الصيد فَمَنِ اعْتَدى بالتعرض للصيد بَعْدَ ذلِكَ أي بعد بيان أن ما وقع من الصيد ابتلاء من عند الله تعالى لتمييز المطيع من العاصي فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٤) وهو العذاب في الآخرة والتعزير في الدنيا.
قال ابن عباس: هذا العذاب هو أن يضرب بطنه وظهره ضربا وجيعا وينزع ثيابه. ولما قتل أبو اليسر بن عمرو صيدا متعمدا بقتله ناسيا لإحرامه أنزل الله تعالى قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ أي محرمون أو داخلون في الحرم وَمَنْ قَتَلَهُ أي الصيد مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً أي بقتله مع نسيان الإحرام كما قاله مجاهد والحسن فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ أي شبهه في الخلقة والتقييد بالتعمد، لأن الآية نزلت في المتعمد حيث قتل أبو اليسر حمار وحش وهو محرم عمدا ولأن الأصل فعل المتعمد، والخطأ ملحق بالعمد فيستوي في محظورات الإحرام العمد والخطأ في جزاء الإتلافات يَحْكُمُ بِهِ أي بمثل ما قتل ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أي رجلان صالحان من أهل دينكم فقيهان عدلان فينظران إلى أشبه الأشياء بالمقتول من النعم فيحكمان به.
قال ميمون بن مهران: جاء أعرابي إلى أبي بكر ﵁ فقال: إني أصبت من الصيد كذا وكذا. فسأل أبو بكر ﵁ أبي ابن كعب فقال الأعرابي: أتيتك أسألك وأنت تسأل غيرك؟ فقال أبو بكر ﵁: وما أنكرت من ذلك، قال الله تعالى: يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ فشاورت صاحبي فإذا اتفقنا على شيء أمرناك به. وعن قبيصة بن جابر أنه حين كان محرما ضرب ظبيا فمات، فسأل عمر بن الخطاب وكان بجنبه عبد الرحمن بن عوف فقال عمر لعبد الرحمن: ما ترى؟ قال: عليه شاة، قال: وأنا أرى ذلك، فقال: اذهب فاهد شاة، قال قبيصة: فخرجت إلى صاحبي وقلت له: إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول حتى سأل غيره قال:
ففاجأني عمر وعلاني بالدرة وقال: أتقتل في الحرم وتسفه الحكم؟ قال الله تعالى: يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ فأنا عمر وهذا عبد الرحمن بن عوف وقد حكم ابن عباس وعمر وغيرهما بشاة في الحمام وهو كل ما عب وهدر من الطير كالقمري والدبسي هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ فهديا منصوب على التمييز والمعنى يحكمان بالمثل هديا يساق إلى الكعبة أي إلى أرض الحرم فينحر هناك أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ فقوله كفارة عطف على قوله فجزاء أي فعليه جزاء أو كفارة إلخ أو عطف على محل قوله من النعم وقوله: طعام مساكين عطف بيان لأن الطعام هو الكفارة أَوْ عَدْلُ ذلِكَ أي أو مثل ذلك الطعام صِياماً فقوله: أو عدل عطف على طعام إلخ كأنه قيل: فعليه جزاء
стр. 291
مماثل للمقتول هو من النعم أو طعام مساكين، أو صيام أيام بعددهم فحينئذ تكون المماثلة وصفا لازما للجزاء يقدر به الهدي والطعام والصيام. أما الأولان فبلا واسطة، وأما الثالث فبواسطة الثالث فيختار الجاني كلا من هذه الثلاثة لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ أي جزاء ذنبه. والوبال في اللغة الثقل، وإنما سمى الله ذلك وبالا لأن أحد هذه الثلاثة ثقيل على الطبع لأن في الجزاء بالمثل والإطعام تنقيص المال، وفي الصوم إنهاك البدن. والمعنى أنه تعالى أوجب على قاتل الصيد أحد هذه الأشياء التي كل واحد منها ثقيل على الطبع حتى يحترز عن قتل الصيد في الحرم وفي حال الإحرام عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ أي لم يؤاخذ بقتل الصيد قبل هذا النهي والتحريم لأن قتله إذ ذاك مباح وَمَنْ عادَ إلى قتل الصيد بعد النهي عنه فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ أي فهو ينتقم الله منه في الآخرة مع لزوم الكفارة وَاللَّهُ عَزِيزٌ أي غالب لا يغالب ذُو انْتِقامٍ (٩٥) أي ذو عقوبة شديدة أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ أي أحل لكم أيها الناس صيد جميع المياه العذبة والملحة بحرا كان أو نهرا، أو غديرا أي اصطياد صيد الماء والانتفاع به بأكله ولأجل عظامه وأسنانه، وأحل لكم طعام البحر أي أكله. فالصيد كما قاله أبو بكر الصديق ﵁ ما صيد بالحيلة حال حياته، والطعام ما يوجد مما لفظه البحر أو نضب عنه الماء من غير معالجة في أخذه.
قال الشافعي ﵀: السمكة الطافية في البحر محللة والسمك عنده ما لا يعيش في الماء ولو كان على صورة غير المأكول من حيوان البر كالآدمي والكلب والخنزير، فهذا كله حلال عنده بخلاف ما يعيش في الماء والبر كالسرطان والضفدع والتمساح، والسلحفاة وطير الماء.
وحجة الشافعي القرآن والخبر: أما القرآن: فهو قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ فما يمكن أكله يكون طعاما فيحل. وأما الخبر:
فقوله ﷺ في حق البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته»
«١» نزلت هذه الآية في قوم من بني مدلج كانوا أهل صيد البحر سألوا النّبيّ ﷺ عن طعام البحر وعمّا حسر البحر عنه ومعنى قوله: وَطَعامُهُ أي ما حسر عنه البحر وألقاه مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ أي أحل لكم ذلك لأجل انتفاعكم وللمسافرين منكم يتزودونه قديدا، فالطري للمقيم والمالح للمسافر وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً أي محرمين أو في الحرم فمذهب أبي حنيفة يحل للمحرم أكل ما صاده الحلال وإن صاده لأجله إذا لم يشر إليه ولم يدل عليه، وكذا ما ذبحه قبل إحرامه لأن الخطاب للمحرمين فكأنه قيل: وحرم عليكم ما صدتم في البر فيخرج منه مصيد غيرهم.
وعند مالك والشافعي وأحمد: لا يباح ما صيد له فإن لحم الصيد عندهم مباح للمحرم
стр. 292
بشرط أن لا يصطاده المحرم ولا يصطاد له والحجة فيه ما
روى أبو داود في سننه عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصطد لكم»
«١» وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) لا إلى غيره حتى يتوهم الخلاص من أخذه تعالى بالالتجاء إلى غيره فاخشوه تعالى في جميع المعاصي جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ أي صيّر الله الكعبة سببا لحصول الخيرات في الدنيا والآخرة، وخلق الدواعي في قلوب الناس لتعظيمها حتى صار أهل الدنيا يأتون إليها من كل فج عميق لأجل التجارة فصار ذلك لإسباغ النعم على أهل مكة، وكان العرب يتقاتلون ويغيرون إلا في الحرم فكان أهل الحرم آمنين على أنفسهم وعلى أموالهم وجعل الله في الكعبة الطاعات الشريفة والمناسك العظيمة وهي سبب لحط الخطيئات ورفع الدرجات، وكثرة الكرامات، وصار أهل مكة بسبب الكعبة أهل الله وخاصته وسادة الخلق إلى يوم القيامة وكل أحد يعظمهم وَالشَّهْرَ الْحَرامَ أي وجعل الله الشهر الحرام سببا لقوام معيشتهم فإن العرب كان يقتل بعضهم بعضا في سائر الأشهر، ويغير بعضهم على بعض فإذا دخل الشهر الحرام الذي هو ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب زال الخوف وقدروا على الأسفار والتجارات وصاروا آمنين على أنفسهم وأموالهم وَالْهَدْيَ أي وجعل الهدي سببا لقيام الناس، وهو ما يهدى إلى البيت ويذبح هناك ويفرق لحمه على الفقراء فيكون ذلك نسكا للمهدي وقواما لمعيشة الفقراء. وَالْقَلائِدَ أي وجعل الله الأشخاص الذين يتقلدون بلحاء شجر الحرم سببا لأمنهم من العدو فإنهم كانوا إذا رأوا شخصا جعل في عنقه تلك القلادة عرفوا أنه راجع من الحرم فلا يتعرضون له ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي ذلك التدبير اللطيف من الجعل المذكور لأجل أن تتفكروا فيه أنه تدبير لطيف فتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض، فإن جعل ذلك لأجل جلب المصالح لكم ودفع المضار عنكم قبل الوقوع دليل على علمه بما هو في الوجود وما هو كائن، ثم إذا عرفتم أن علمه تعالى صفة قديمة واجبة الوجود فوجب كونه متعلقا بجميع المعلومات فلذلك قال تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) فلا يخرج شيء عن علمه المحيط اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لما ذكر الله تعالى أنواع الرحمة ذكر بعده شدة عذابه تعالى لأن الإيمان لا يتم إلا بالرجاء والخوف كما
قال ﷺ : «لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا»
«٢» ثم ذكر عقبه ما يدل على الرحمة دلالة على أنها أغلب فقال
стр. 293
وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) وهذا تنبيه على دقيقة وهي أن ابتداء الإيجاد كان لأجل الرحمة والظاهر أن الختم لا يكون إلا على الرحمة ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٩٩) أي إن الرسول كان مكلفا بالتبليغ فلما بلغ خرج عن عهدة التكليف وبقي الأمر من جانبكم وقد قامت عليكم الحجة فلا عذر لكم من بعد في التفريط، وأنا عالم بما تبدون وبما تكتمون فإن خالفتم فاعلموا أن الله شديد العقاب فيؤاخذكم بذلك نقيرا وقطميرا وإن أطعتم فاعلموا أن الله غفور رحيم قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فإن المحمود القليل من الأعمال والأموال خير من المذموم الكثير منهما والخطاب لكل معتبر.
قيل: نزلت هذه الآية في رجل قال لرسول الله ﷺ : إن الخمر كانت تجارتي وإني اعتنقت من بيعها مالا فهل ينفعني من ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله تعالى؟ فقال ﷺ : «إن أنفقته في حج أو جهاد أو صدقة لم يعدل جناح بعوضة. إن الله لا يقبل إلا الطيب»
«١» فَاتَّقُوا اللَّهَ بأن تتحروا ترك الخبيث من الأعمال والأموال ظاهرا وباطنا ولا تحتالوا في تركه بالتأويل يا أُولِي الْأَلْبابِ أي أصحاب العقول السليمة لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠) أي لعلكم تصيرون فائزين بالمطالب الدنيوية والدينية العاجلة والآجلة
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ أي إن تظهر لكم تلك الأشياء تحزنكم والمعنى اتركوا الأمور على ظواهرها ولا تسألوا عن أحوال مخفية إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وما بلغه الرسول إليكم فكونوا منقادين له وما لم يبلغه إليكم فلا تسألوا عنه فإن خضتم فيما لا يكلف عليكم فربما جاءكم بسبب ذلك الخوض ما يشق عليكم.
روى أنس أنهم سألوا النّبيّ ﷺ فأكثروا المسألة فقام على المنبر فقال: «سلوني فو الله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا حدثتكم به» فقام عبد الله بن حذافة السهمي وكان يطعن في نسبه فقال: يا نبي الله من أبي؟ فقال: «أبوك حذافة بن قيس!» . وقام آخر فقال: يا رسول الله أين أبي؟ فقال: «في النار» وقال سراقة بن مالك أو عكاشة بن محصن: يا رسول الله الحج علينا في كل عام؟ فأعرض عنه رسول الله ﷺ حتى أعاد مرتين أو ثلاثة، فقال ﷺ : «ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم والله لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما استطعتم، ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما
стр. 294
استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» «١» ولما اشتد غضب الرسول الله ﷺ قام عمر وقال:
رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا، نعوذ بالله من الفتن. أنا حديث عهد بجاهلية فاعف عنا يا رسول الله، فسكن غضبه ﷺ فأنزل الله تعالى هذه الآية
وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ أي وإن تسألوا عن أشياء مست حاجتكم إلى التفسير في زمن النّبيّ ﷺ ينزل جبريل بالقرآن ويظهرها حينئذ، فالسؤال عن قسمين سؤال عن شيء لم يجرد ذكره في الكتاب والسنة بوجه من الوجوه فهذا السؤال منهي عنه بقوله تعالى: لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وسؤال عن شيء نزل به القرآن لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي. فههنا السؤال واجب وهو المراد بقوله تعالى: وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ فالضمير في عنها يرجع إلى أشياء أخر كقوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ [المؤمنون: ١٢، ١٣] فالمراد بالإنسان آدم ﵇، والمراد بالضمير ابن آدم، لأن آدم لم يجعل نطفة في قرار مكين عَفَا اللَّهُ عَنْها أي أمسك الله عن أشياء أي عن ذكرها ولم يكلف فيها بشيء وهذا
كقوله ﷺ : «عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق»
«٢» أي خففت عنكم بإسقاطها أو المعنى عفا الله عما سلف من مسائلكم التي تغضب رسول الله ﷺ فلا تعودوا لمثلها وَاللَّهُ غَفُورٌ لمن تاب حَلِيمٌ (١٠١) عن جهلكم قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ (١٠٢) أي قد سأل أشياء قوم من قبلكم ثم صاروا كافرين بها فإن قوم صالح سألوا الناقة ثم عقروها. وقوم موسى قالوا: أرنا الله جهرة فصار ذلك وبالا عليهم. وبني إسرائيل قالوا لنبي لهم: ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ثم كفروا. وقوم عيسى سألوا المائدة ثم كفروا بها.
والمعنى أن قوم محمد ﷺ في السؤال عن أحوال الأشياء مشابهون لأولئك المتقدمين في سؤال ذوات تلك الأشياء في كون كل واحد من السؤالين فضولا وخوضا فيما لا فائدة فيه، فإن المتقدمين إنما سألوا من الله إخراج الناقة من الصخرة وإنزال المائدة من السماء فهم سألوا نفس الشيء، وأما أصحاب محمد فهم سألوا عن صفات الأشياء فلما اختلف السؤالان في النوع اختلفت العبارة لكن يشتركان في وصف واحد وهو خوض في الفضول وشروع فيما لا حاجة إليه وفي ذلك خطر المفسدة ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ أي ما أمر الله بذلك فالبحيرة هي الناقة التي تنتج خمسة أبطن في آخرها ذكر فتشق أذنها ولا تذبح ولا تركب، ولا
стр. 295
تحلب ولا تطرد عن ماء ومرعى ولا يجزّ لها وبر، ولا يحمل على ظهرها بل تسيب لآلهتهم.
والسائبة: هي البعير المسيبة وكان الرجل إذا شفي من مرض، أو قدم من سفر أو نذر نذرا أو شكر نعمة سيّب بعيرا وجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها والوصيلة هي الشاة الموصلة وذلك أن الشاة إذا ولدت سبعة أبطن عمدوا إلى البطن السابع فإذا كان ذكرا ذبحوه فأكله الرجال والنساء جميعا، وإن كان أنثى لم تنتفع النساء منها بشيء حتى تموت فإذا ماتت كان الرجال والنساء يأكلونها جميعا وإن كان ذكرا وأنثى قيل: وصلت أخاها فيتركان مع إخوتها فلا يذبحان، وكان للرجال دون النساء حتى يموتا فإذا ماتا اشترك في أكلهما الرجال والنساء والحام (هو الفحل) إذا ركب ولد ولده قيل: حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ومرعى إلى أن يموت فحينئذ تأكله الرجال والنساء وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ أي إن رؤساءهم عمرو بن لحي وأصحابه يختلقون على الله الكذب ويقولون: أمرنا الله بهذا وَأَكْثَرُهُمْ أي الأتباع لا يَعْقِلُونَ (١٠٣) أن ذلك افتراء باطل.
قال المفسرون: إن عمرو بن لحي الخزاعي كان قد ملك مكة وكان أول من غير دين إسماعيل، فاتخذ الأصنام ونصب الأوثان، وشرع البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.
قال النّبيّ ﷺ : «فلقد رأيته في النار يؤذي أهل النار بريح قصبه»
«١» أي معاه وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أي للأكثر الذي هم الأتباع تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ من الكتاب المبين للحلال والحرام وَإِلَى الرَّسُولِ الذي أنزل الكتاب عليه لتميزوا الحرام من الحلال قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا من الدين أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (١٠٤) والواو واو الحال دخلت عليها همزة الإنكار والتقدير أكافيهم دين آبائهم وقد كان آباؤهم لا يعلمون شيئا من الدين ولا يهتدون للصواب ولسنة النبي فكيف يقتدون بهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ أي احفظوا أنفسكم من ملابسة المعاصي والإصرار على الذنوب لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ أي لا يضركم ضلالة من ضل إذا اهتديتم إلى الإيمان وبينتم ضلالتهم كما قاله ابن عباس. وقال عبد الله بن المبارك: والمعنى عليكم أهل دينكم ولا يضركم من ضل من الكفار وهذا كقوله تعالى: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أي أهل دينكم فقوله تعالى: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ أي أقبلوا على أهل دينكم وذلك بأن يعظ بعضكم بعضا، ويرغب بعضكم بعضا في الخيرات وينفره عن القبائح والسيئات، وهذه الآية أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقوله: لا يَضُرُّكُمْ إما مجزوم على أنه جواب للأمر وهو «عليكم» أو نهي مؤكد له وإنما ضمت الراء اتباعا لضمة الضاد المنقولة إليها من الراء المدغمة فإن
стр. 296
الأصل لا يضرركم ويؤيده قراءة «يضركم» بفتح الراء وهو مجزوم وإنما فتحت الراء لأجل الخفة.
وقراءة من قرأ «لا يضركم» بسكون الراء مع كسر الضاد وضمها من ضار يضير ويضورا ما مرفوع على أنه كلام مستأنف في موضع التعليل لما قبله ويعضده قراءة من قرأ «لا يضيركم» بالرفع وبالياء بعد الضاد أي ليس يضركم ضلال من ضل إذا كنتم ثابتين في دينكم إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً أي رجوعكم ورجوع من خالفكم يوم القيامة فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) في الدنيا من الخير والشر فيجازيكم عليه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ أي شهادة ما بينكم من التنازع إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ أي إذا ظهر لأحدكم أمارات وقوع الموت حِينَ الْوَصِيَّةِ وهذا بدل من قوله «إذا حضر» لأن حضور الموت هو زمان حضور الوصية فعرف ذلك الزمان بهذين الأمرين الواقعين فيه أي الشهادة المحتاج إليها عند مشارفة الموت اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أي من أهل دينكم يا معشر المؤمنين أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ أي غير عادلين من غير أهل دينكم إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ أي سافرتم فِي الْأَرْضِ فالعدلان المسلمان صالحان للشهادة في الحضر والسفر وشهادة غير المسلمين لا تجوز إلا في السفر فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ أي فحضرت عندكم علامات نزول الموت وهذا بيان محل جواز الاستشهاد بغير المسلمين تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ أي تقفونهما للتحليف من بعد صلاة العصر كما استحلف رسول الله ﷺ بعدها وجميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ويذكرون الله فيه ويحترزون عن الحلف الكاذب فَيُقْسِمانِ أي يحلفان بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ أي إن شككتم في شأن آخرين بقولهما والله لا نَشْتَرِي بِهِ أي بالقسم بالله ثَمَناً أي عوضا يسيرا من الدنيا أي لا تأخذ لأنفسنا بدلا من القسم بالله عوضا من الدنيا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى أي ولو كان ذلك العوض اليسير حياة ذي قربى منا أي لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ أي لا نكتم الشهادة التي أمرنا الله تعالى بإقامتها وإظهارها إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) أي إنا إن كتمناها حينئذ كنا من العاصين فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً أي فإن حصل الاطلاع بعد ما حلف الوصيان عن أنهما استحقا حنثا في اليمين بكذب في قول وخيانة في مال فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما أي مقام الشاهدين اللذين هما من غير ملتهما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ أي باليمين وبالمال أو الأقربان إلى الميت الوارثان له والأوليان إما بدل من آخران، أو من الضمير الذي في يقومان أو صفة لآخران عند الأخفش، لأن النكرة إذا تقدم ذكرها ثم أعيد عليها الذكر صارت معرفة أو خبر لمبتدأ محذوف وهذا على القراءة المشهورة للجمهور وهو استحق بضم التاء وكسر الحاء بالبناء للمجهول وإنما وصف الورثة بكونهم استحق عليهم، لأنه لما أخذ مالهم فقد استحق عليهم مالهم، أو لكونهم جني عليهم.
أما على قراءة حفص وحده وهي استحق بفتح التاء والحاء بالبناء للفاعل فقوله: الأوليان فاعل له. والمعنى أن الوصيين اللذين ظهرت خيانتهما هما أولى من غيرهما بسبب أن الميت
стр. 297
عينهما للوصاية، ولما خاناه في مال الورثة صح أن يقال: إن الورثة قد استحق عليهم الأوليان أي خان في مالهم الأوليان بالوصية فَيُقْسِمانِ أي هذان الآخران بِاللَّهِ
بقولهما لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما أي والله ليمين المسلمين أصدق وأحق بالقبول من يمين النصرانيين وَمَا اعْتَدَيْنا أي ما تجاوزنا الحق فيما ادعينا وفي طلب المال وفي نسبتهما إلى الخيانة إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) أي إنا إن اعتدينا في ذلك كنا من الظالمين أنفسهم بإقبالها لسخط الله تعالى وعذابه واتفق المفسرون على أن سبب نزول هذه الآيات أن تميم بن أوس الداري وعدي بن نداء وكانا نصرانيين ومعهما بديل بن أبي مارية مولى عمرو بن العاص، وكان مسلما مهاجرا خرجوا إلى الشام للتجارة، فلما قدموا الشام مرض بديل فكتب كتابا فيه نسخة جميع ما معه، وألقاه فيما بين الأقمشة ولم يخبر صاحبيه بذلك. ثم أوصى إليهما وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله ومات بديل، فأخذا من متاعه إناء من فضة فيه ثلاثمائة مثقال منقوشا بالذهب، ولما رجعا دفعا باقي المتاع إلى أهله ففتشوا فوجدوا الصحيفة وفيها ذكر الإناء. فقالوا لتميم وعدي: أين الإناء؟
فقالا: لا ندري والذي دفع إلينا دفعناه إليكم فرفعوا الواقعة إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الآية. ولما نزلت هذه الآية صلّى رسول الله ﷺ العصر ودعا تميما وعديا فاستحلفهما عند المنبر ولما حلفا خلى رسول الله ﷺ سبيلهما، ولما طالت المدة أظهرا الإناء فبلغ ذلك بني سهم فطالبوهما فقالا: كنا قد اشتريناه منه. فقالوا: ألم نقل لكم هل باع صاحبنا شيئا فقلتما لا!؟ فقالا: لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نقر لكم فكتمنا لذلك فرفعوا القصة إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى قوله: فَإِنْ عُثِرَ الآية فقام عمرو بن العاص والمطلب أبو رفيعة السهميان فحلفا بالله بعد العصر، فدفع الرسول ﷺ الإناء إليهما وإلى أولياء الميت وكان تميم الداري يقول بعد إسلامه: صدق الله ورسوله أنا أخذت الإناء فأتوب إلى الله تعالى ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أي ذلك الطريق الذي بيناه أقرب إلى أن يؤدي الشهود الشهادة على طريقها الذي تحملوها عليه من غير تحريف ولا خيانة خوفا من العذاب الأخروي أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ أي أو أقرب إلى أن يخافوا أن ترد أيمانهم بعد أيمان المدعيين لانقلاب الدعوى بأن صار المدعى عليه مدعيا للملك، وصار المدعى مدّعى عليه فلذا لزمته اليمين.
والمعنى أولم يخافوا عذاب الآخرة بسبب اليمين الكاذبة؟ بل يأتوا الشهادة على غير وجهها ولكنهم يخافون الافتضاح على رؤوس الإشهاد بإبطال أيمانهم والعمل بأيمان الورثة، فينزجروا عن الخيانة المؤدية إليه فأي الخوفين وقع، حصل المقصود الذي هو الإتيان بالشهادة على وجهها وَاتَّقُوا اللَّهَ في أن تخونوا في الأمانات وَاسْمَعُوا مواعظ الله أي اعملوا بها وأطيعوا الله فيها وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (١٠٨) أي الخارجين عن الطاعة إلى ما ينفعهم في الآخرة يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ وهو يوم القيامة فيوم بدل اشتمال من مفعول «اتقوا» أو ظرف ل «يهدي» .
стр. 298
والمعنى لا يهديهم إلى الجنة فَيَقُولُ لهم مشيرا إلى خروجهم عن عهدة الرسالة ماذا أُجِبْتُمْ أي أيّ إجابة أجابكم بها أممكم حين دعوتموهم في دار الدنيا إلى توحيدي وطاعتي أهي إجابة قبول أو إجابة رد؟ قالُوا تفويضا للأمر إلى العدل الحكيم العالم وعلما منهم أن الأدب في السكوت والتفويض وأن قولهم لا يفيد خيرا ولا يدفع شرا: لا عِلْمَ لَنا أي لأنك تعلم ما أظهروا وما أضمروا ونحن لا نعلم إلا ما أظهروا لنا فعلمك فيهم أنفذ من علمنا ولأن الحاصل عندنا من أحوالهم هو الظن وهو معتبر في الدنيا لأن الأحكام في الدنيا مبنية على الظن، وأما الأحكام في الآخرة فهي مبنية على حقائق الأشياء وبواطن الأمور ولا عبرة بالظن في القيامة فلهذا السبب قالوا: «لا علم لنا» إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩) أي فإنك تعلم ما أجابوا وأظهروا لنا وما لم نعلمه مما أضمروه في قلوبهم.
وقرئ «شاذا علّام الغيوب» بالنصب إما على الاختصاص أو على النداء، أو على أنه بدل من اسم «إن» . والكلام قد تم بقوله تعالى: إِنَّكَ أَنْتَ أي أنت متصف بصفاتك السنية قالَ اللَّهُ بدل من يوم يجمع الله ويجوز أن يكون موضع إذ رفعا بالابتداء على معنى ذاك إذ قال الله يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ أي اذكر إنعامي عليكما إذ طهرت أمك واصطفيتها على نساء العالمين وقويتك بجبريل لتثبت الحجة تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ أي طفلا بقولك: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ [مريم: ٣٠] الآية وَكَهْلًا أي إذا أنزله الله تعالى إلى الأرض أنزله وهو في صورة ابن ثلاث وثلاثين سنة وهو الكهل فيقول لهم: إني عبد الله كما قال في المهد وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ أي الكتابة وهي الخط وَالْحِكْمَةَ أي العلوم النظرية والعلوم العملية وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وذكر الكتابين إشارة إلى الأسرار التي لا يطلع عليها أحد إلا أكابر الأنبياء ﵈ فإن الاطلاع على أسرار الكتب الإلهية يحصل إلا لمن صار ربانيا في أصناف العلوم الشرعية والعقلية الظاهرة التي يبحث عنها العلماء وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ أي تصور منه هيئة مماثلة لهيئة الطير بِإِذْنِي أي بأمري فَتَنْفُخُ فِيها أي في الهيئة المصورة فالضمير راجع للكاف وهي دالة على الهيئة التي هي مثل هيئة الطير فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي أي فتصير تلك الصورة خفاشا تطير بين السماء والأرض بإرادتي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ أي الأعمى المطموس البصر وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي أي بأمري وإرادتي وقدرتي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى من قبورهم أحياء بِإِذْنِي أي بفعلي ذلك عند دعائك وعند قولك للميت: اخرج بإذن الله من قبرك وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ أي منعت اليهود الذين أرادوا قتلك عن مطلوبهم بك إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ بما ذكر وما لم يذكر كالإخبار بما يأكلون وما يدّخرون في بيوتهم ونحو ذلك فأل للجنس فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠) .
стр. 299
قرأ حمزة والكسائي هنا وفي هود والصف ويونس «ساحر» بالألف أي ما هذا الرجل وهو عيسى إلا ساحر ظاهر.
وقرأ ابن عامر وعاصم في يونس فقط بالألف. والباقون «سحر» بكسر السين وسكون الحاء أي ما هذا الذي جاء به عيسى من الخوارق أو ما هذا أي عيسى إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ وهذا على سبيل المبالغة أو على حذف مضاف.
روي أن عيسى ﵇ لما أظهر هذه المعجزات العجيبة قصد اليهود قتله فخلصه الله تعالى منهم حيث رفعه إلى السماء
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أي الأنصار أي ألهمت القصارين وهم اثنا عشر رجلا في قلوبهم وأمرتهم في الإنجيل على لسانك أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي.
والمعنى أي آمنوا بوحدانيتي في الألوهية وبرسالة رسولي عيسى قالُوا آمَنَّا بوحدانيته تعالى وبرسالة رسوله وَاشْهَدْ أنت يا عيسى بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (١١١) أي مخلصون في إيماننا إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ.
قرأ الجمهور بالياء على الغيبة أي هل يفعل ربك. والمقصود من هذا السؤال تقرير أن ذلك المطلوب في غاية الظهور كمن يأخذ بيد ضعيف ويقول: هل يقدر السلطان على إشباع هذا؟
ويكون غرضه منه أن ذلك أمر جلي لا يجوز لعاقل أن يشك فيه، فكذا هاهنا.
وقرأ الكسائي «تستطيع» بتاء الخطاب لعيسى و «ربك» بالنصب على التعظيم وبإدغام اللام في التاء وهذه القراءة مروية عن علي وابن عباس، وعن عائشة. أي هل تستطيع أن تسأل ربك أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ عيسى لشمعون قل لهم: اتَّقُوا اللَّهَ في اقتراح معجزة لم يسبق لها مثال بعد تقدم معجزات كثيرة إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) بكونه تعالى قادرا على إنزال المائدة فلعلكم تتركون شكرها فيعذبكم فقال لهم ذلك شمعون قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها أكل تبرك أو أكل حاجة وتمتع وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا بكمال قدرته تعالى لحصول علم المشاهدة مع علم الاستدلال وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا أي ونعلم علما يقينيا أنه صدقتنا في دعوى النبوة وأن الله يجيب دعوتنا وفي قولك: إنا إذا صمنا ثلاثين يوما لا نسأل الله تعالى إلا أعطانا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) لله بكمال القدرة ولك بالنبوة وهذه المعجزة سماوية وهي أعظم وأعجب فإذا شاهدناها كنا عليها من الشاهدين نشهد عليها عند الذين لم يحضروها من بني إسرائيل ليزداد المؤمنون منهم بشهادتنا طمأنينة ويقينا ويؤمن بسببها كفارهم قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ أي لما رأى أن لهم غرضا صحيحا في ذلك فقام واغتسل ولبس المسح وصلّى ركعتين فطأطأ رأسه وغض بصره وقال: اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً أي طعاما مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا أي نتخذ
стр. 300
اليوم الذي تنزل فيه المائدة عيدا نعظمه نحن ومن يأتي بعدنا ونزلت يوم الأحد فاتخذه النصارى عيدا وإنما أسند العيد إلى المائدة لأن شرف اليوم مستعار من شرفها.
والمعنى يكون يوم نزولها لها عيدا لأهل زماننا ولمن بعدهم لكي نعبدك فيه وَآيَةً مِنْكَ أي دلالة على وحدانيتك وكمال قدرتك وصحة نبوة رسولك وَارْزُقْنا أي أعطنا ما سألناك وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها أي المائدة عَلَيْكُمْ.
وقرأ ابن عامر وعاصم ونافع «منزلها» بالتشديد. والباقون بالتخفيف فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ أي بعد نزولها مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أي إني أعذب من يكفر تعذيبا لا أعذب مثل ذلك التعذيب أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (١١٥) .
روي أن عيسى ﵇ لما أراد الدعاء لبس صوفا ثم قال: اللهم أنزل علينا إلخ.
فنزلت سفرة حمراء بين غما متين غمامة فوقها وأخرى تحتها وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى ﵇ وقال: «اللهم اجعلني من الشاكرين اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة وقال لهم: ليقم أحسنكم عملا يكشف عنها ويذكر اسم الله عليها ويأكل منها» فقال شمعون رأس الحواريين: أنت أولى بذلك فقام عيسى وتوضأ وصلى وبكى ثم كشف المنديل وقال: «باسم الله خير الرازقين» فإذا سمك ة مشوية بلا شوك ولا فلوس تسيل دسما وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل، وحولها من الألوان ما خلا الكراث وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد. فقال شمعون: يا روح الله من طعام الدنيا هذا أم من طعام الآخرة؟ فقال: «ليس منهما ولكنه شيء اخترعه الله بالقدرة العالية كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم الله ويزدكم من فضله» فقال الحواريون: لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى. فقال: «يا سمكة احيي بإذن الله فاضطربت» ثم قال لها: «عودي كما كنت فعادت مشوية» ثم طارت المائدة ثم عصوا وقالوا بعد النزول والأكل: هذا سحر مبين فمسخ الله منهم ثلاثمائة وثلاثين رجلا باتوا ليلتهم مع نسائهم، ثم أصبحوا خنازير يسعون في الطرقات والكناسات ويأكلون العذرة في الحشوش، ولما أبصرت الخنازير عيسى ﵇ بكت وجعلت تطيف به وجعل يدعوهم بأسمائهم واحدا بعد واحد فيبكون ويشيرون برءوسهم ولا يقدرون على الكلام فعاشوا ثلاثة أيام ثم هلكوا وَإِذْ قالَ اللَّهُ يوم القيامة يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ في الدنيا اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره أراد الله تعالى بهذا السؤال أن يقر عيسى على نفسه بالعبودية فيسمع قومه ويظهر كذبهم عليه أنه أمرهم بذلك فذكر هذا السؤال مع علمه تعالى أن عيسى لم يقل ذلك إنما لتوبيخ قومه. قالَ أي عيسى وهو يرعد: سُبْحانَكَ أي أنزهك تنزيها لائقا بك من أن أقول ذلك ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي
стр. 301
بِحَقٍ أي ما كان ينبغي أن أقول ما ليس بجائز لي إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ لهم فَقَدْ عَلِمْتَهُ وهذا مبالغة في الأدب وفي إظهار الذل في حضرة ذي الجلال وتفويض الأمور بالكلية إلى الكبير المتعالي.
تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ أي تعلم ما عندي ومعلومي ولا أعلم ما عندك ومعلومك إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) عن العباد ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ و «أن» مفسرة للهاء الراجع للقول المأمور به. والمعنى ما قلت لهم في الدنيا إلا قولا أمرتني به وذلك القول هو أن أقول لهم: اعبدوا الله ربي وربكم وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً على ما يفعلون ما دُمْتُ فِيهِمْ أي مدة دوامي فيما بينهم فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي أي رفعتني من بينهم إلى السماء كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ أي الحافظ لأعمالهم المراقب لأحوالهم وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) وعالم بصير إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وقد استحقوا ذلك حيث عبدوا غيرك وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ أي القادر على ما تريد الْحَكِيمُ (١١٨) في كل ما تفعل لا اعتراض لأحد عليك فإن عذبت فعدل، وإن غفرت ففضل، وعدم غفران الشرك إنما هو بمقتضى الوعيد فلا امتناع فيه لذاته.
ومقصود عيسى ﵇ من هذا الكلام تفويض الأمور كلها إلى الله وترك الاعتراض عليه بالكلية لأنه يجوز في مذهبنا من الله تعالى أن يدخل الكفار الجنة وأن يدخل العباد النار، لأن الملك ملكه ولا اعتراض لأحد عليه قالَ اللَّهُ هذا أي يوم القيامة يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ في الدنيا في أمور الدين.
قرأ الجمهور «يوم» بالرفع. وقرأ نافع «يوم» بالنصب. أي هذا القول واقع يوم إلخ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ﵃ أي عن الصادقين بطاعتهم له وَرَضُوا عَنْهُ بالثواب والكرامة ذلِكَ الرضوان الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) فالجنة بما فيها بالنسبة إلى رضوان الله كالعدم بالنسبة إلى الوجود وكيف لا والجنة مرغوب الشهوة والرضوان صفة الحق وأي مناسبة بينهما لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠) أي إن كل ما سوى الله تعالى من الكائنات والأجساد والأرواح ممكن لذاته موجود بإيجاده وإذا كان الله موجدا كان مالكا له، وإذا كان مالكا له كان له تعالى أن يتصرف في الكل بالأمر والنهي والثواب والعقاب كيف أراد فصح التكليف على أيّ وجه أراده الله تعالى، ولما كان الله مالك الملك فله بحكم المالكية أن ينسخ شرع موسى ويضع موضعه شرع محمد فبطل قول اليهود بعدم نسخ شرع موسى، ثم إن عيسى ومريم داخلان فيما سوى الله فهو كائن بتكوين الله تعالى فثبت كونهما عبدين لله مخلوقين له فظهر بهذا التقرير أن هذه الآية برهان قاطع في صحة جميع العلوم التي اشتملت هذه السورة عليها.
стр. 302
سورة الأنعام
مكية، إلا ست آيات فإنها مدنيات، وهي قوله: قُلْ تَعالَوْا إلى آخر الآيات الثلاث وهو:
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. وقوله تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ إلى قوله تعالى: وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ، مائة وخمس وستون آية، ثلاثة آلاف وخمس وخمسون كلمة، اثنا عشر ألفا وسبعمائة وسبعة وعشرون حرفا
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ والمدح أعم من الحمد لأن المدح للعاقل ولغير العاقل، فكما يمدح العاقل على أنواع فضائله كذلك يمدح اللؤلؤ لحسن شكله والياقوت على نهاية صفائه وصقالته، والحمد لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من الإحسان.
والحمد أعمّ من الشكر لأن الحمد تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإنعام واصلا إليك أو إلى غيرك والشكر تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك وحصل عندك. والمقصود من هذه الآية ذكر الدلالة وعلى وجود الصانع والفرق بين الجعل والخلق أن كلا منهما هو الإنشاء والإبداع إلا أن الخلق: مختص بالإنشاء التكويني وفيه معنى التقدير والتسوية، والجعل: عام له كما في هذه الآية الكريمة، وللتشريعي أيضا كما في قوله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ [المائدة: ١٠٣] الآية وجمع الظلمات دون النور لكثرة محالها إذ ما من جرم إلا وله ظل، والظل: (هو الظلمة) بخلاف النور فإنه من جنس واحد وهو النار، وهذا إذا حملا على الكيفيتين المحسوستين بحس البصر وإن حمل النور على نور الإسلام والإيمان واليقين والنبوة، والظلمات على ظلمة الشرك والكفر والنفاق فنقول: لأن الحق واحد والباطل كثير وتقديم الظلمات على النور لأن الظلمة عدم النور عن الجسم الذي يقبله وعدم المحدثات متقدم على وجودها ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) أي يشركون به غيره وهذه الجملة إما معطوفة على قوله الحمد لله والباء متعلقة بكفروا فيكون يعدلون من العدول ولا مفعول له. والمعنى أن الله تعالى حقيق بالحمد على ما خلقه لأنه تعالى ما خلقه إلا نعمة، ثم الذين كفروا بربهم يميلون عنه فيكفرون نعمته أو متعلقة
стр. 303
بيعدلون وهو من العدول ويوضع الرب موضع الضمير العائد إليه تعالى. والمعنى أنه مختص باستحقاق الحمد والعبادة باعتبار ذاته وباعتبار شؤونه العظيمة الخاصة به ثم هؤلاء الكفرة يسوون به غيره في العبادة التي هي أقصى غايات الشكر الذي رأسه الحمد، وإما معطوف على قوله:
خَلَقَ السَّماواتِ والباء متعلقة بيعدلون وقدمت لأجل الفاصلة وهي إما بمعنى عن ويعدلون من العدول. والمعنى أن الله تعالى خلق ما لا يقدر عليه أحد سواه ثم الذين
كفروا يعدلون عن ربهم إلى غيره أو للتعدية ويعدلون من العدل وهو التسوية. والمعنى أنه تعالى خلق هذه الأشياء العظيمة التي لا يقدر عليها أحد سواه ثم إنهم يعدلون به جمادا لا يقدر على شيء أصلا فيكون المفعول محذوفا، وكلمة «ثم» لاستبعاد الشرك بعد وضوح آيات قدرته تعالى. هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ أي إن الله خلق جميع الإنسان من آدم وآدم كان مخلوقا من طين فلهذا السبب قال: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ أي من جميع أنواعه فلذلك اختلفت ألوان بني آدم وعجنت طينتهم بالماء العذب والملح والمر فلذلك اختلفت أخلاقهم وأيضا إن الإنسان مخلوق من المني، والمني إنما يتولّد من الأغذية وهي إما حيوانية أو نباتية، فحال الحيوانية كالحال في كيفية تولّد الإنسان فبقي أن تكون الأغذية نباتية فثبت أن الإنسان مخلوق من الأغذية النباتية، ولا شك أنها متولدة من الطين فثبت أن كل إنسان متولد من الطين.
وقال المهدوي: إن الإنسان مخلوق ابتداء من طين لخبر: «ما من مولود يولد إلا ويذر على النطفة من تراب حفرته وأيا ما كان الإنسان» «١» ففيه من وضوح الدلالة على كمال قدرته تعالى على البعث ما لا يخفى فإن من قدر على إحياء ما لم يشم رائحة الحياة قط كان على إحياء ما قارنها مدة أظهر قدرة ثُمَّ قَضى أَجَلًا أي خصص الله موت كل واحد بوقت معين وذلك التخصيص تعلق مشيئته تعالى بإيقاع ذلك الموت في ذلك الوقت وَأَجَلٌ مُسَمًّى أي حد معين لبعثكم جميعا من البرزخ عِنْدَهُ.
روي عن ابن عباس ﵄: أن الله تعالى قضى لكل أحد أجلين، أجلا من مولده إلى موته، وأجلا من موته إلى مبعثه فإن كان برا تقيا وصولا للرحم زيد له من أجل البعث في أجل العمر، وإن كان فاجرا قاطعا للرحم نقص من أجل العمر وزيد في أجل البعث. وقال حكماء الإسلام: إن لكل إنسان أجلين.
أحدهما: الآجال الطبيعية.
стр. 304
والثاني: الآجال الاختزامية: فالآجال الطبيعية: هي التي لو بقي ذلك المزاج مصونا عن الأعراض الخارجية لانتهت مدة بقائه إلى الوقت الفلاني. والآجال الاختزامية: هي التي تحصل بسبب من الأسباب الخارجية كالغرق والحرق ولدغ الحشرات وغيرها من الأمور المعضلة ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) أي ثم بعد ظهور مثل هذه الحجة الباهرة أنتم أيها الكفار تنكرون صحة التوحيد للصانع، أو ثم بعد مشاهدتكم في أنفسكم من الشواهد ما يقطع الشك بالكلية أنتم أيها الكفار تستبعدون وقوع البعث ومن قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر. فالآية الأولى دليل التوحيد والثانية دليل البعث وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ أي وهو الذي اتصف بالخلق هو المعبود في السموات والأرض والمتصرف فيهما يَعْلَمُ سِرَّكُمْ في القلوب من الدواعي والصوارف وَجَهْرَكُمْ في الجوارح من الأعمال وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ (٣) أي مكتسبكم أي تستحقون على فعلكم من الثواب والعقاب وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤) أي ما يظهر للكفار من آية من الآيات التكوينية التي يجب فيها النظر التي من جملتها جلائل شؤونه الدالة على وحدانيته تعالى إلا كانوا معرضين عن تأمل تلك الدلائل تاركين النظر المؤدي إلى الإيمان بمكونها، وهذه الآية تدل على أن التقليد باطل والتأمل في الدلائل واجب، ولولا ذلك لما ذم الله المعرضين عن التفكّر في الدلائل. أو المعنى ما ينزل إلى أهل مكة آية من الآيات القرآنية إلا كانوا مكذبين بتلك الآية. ومن الأولى مزيدة لاستغراق الجنس الذي يقع في النفي، والثانية للتبعيض وهي مع مجرورها صفة لآية فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ أي فقد كذب أهل مكة بالمعجزات كانشقاق القمر بمكة وانفلاقه فلقتين فذهبت فلقة وبقيت فلقة، أو بالقرآن أو بمحمد ﷺ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٥) أي سوف يأتيهم أخبار كونهم مستهزئين بذلك الحق يوم بدر ويوم أحد ويوم الأحزاب أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ أي ألم يعرف أهل مكة بمعاينة الآثار في أسفارهم للتجارة إلى الشام في الصيف وإلى اليمن في الشتاء، وبسماع الأخباركم أمة أهلكنا من قبل زمان أهل مكة كقوم نوح وعاد وثمود، وقوم لوط وقوم شعيب وفرعون وغيرهم.
مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ أي أعطينا أولئك الجماعة من البسطة في الأجساد والامتداد في الأعمار، عليهم مدرارا والسعة في الأموال والاستظهار بأسباب الدنيا ما لم نعطكم يا أهل مكة وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ أي المطر عَلَيْهِمْ مِدْراراً أي متتابعا كلما احتاجوا إليه وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ أي من تحت بساتينهم وزروعهم وشجرهم فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ بتكذيبهم الأنبياء وبكونهم باعوا الدين بالدنيا وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٦) أي أحدثنا من بعد إهلاك كل قرن قرنا آخرين بدلا من الهالكين، وهذا تنبيه على أن إهلاك الأمم الكثيرة لم ينقص من ملكه شيئا ولا يتعاظم على الله هلاكهم وخلو بلاده منهم فإنه تعالى قادر على أن ينشئ مكانهم قوما آخرين يعمر بهم بلاده وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أي
стр. 305
ولو نزل الكتاب من السماء دفعة واحدة عليك يا أشرف الخلق كما سألك عبد الله بن أبي أمية المخزومي وأصحابه في صحيفة واحدة فرأوه عيانا ولمسوه لطعنوا فيه وحملوه على أنه مخرفة وقالوا: إنه سحر.
وقال ابن إسحاق: والقائلون بالأقوال الآتية، زمعة بن الأسود والنضر بن الحرث بن كلدة، وعبدة بن عبد يغوث وأبي بن خلف، والعاص بن وائل كما أخرجه ابن أبي حاتم.
وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ أي هلا أنزل على محمد ملك يخبرنا بصدقه في دعوى النبوة ويشهد بما يقول. والمعنى أن منكري النبوات يقولون: لو بعث الله إلى الخلق رسولا لوجب أن يكون ذلك الرسول واحدا من الملائكة، لأن علومهم أكثر وقدرتهم أشد ومهابتهم أعظم، وامتيازهم عن الخلق أكمل، ووقوع الشبهات في نبوتهم أقل. فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة من وجهين:
الأول: قوله تعالى: وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي لفرغ من هلاكهم أي لو أنزل الملك على هؤلاء الكفار فربما لم يؤمنوا، وإذا لم يؤمنوا وجب إهلاكهم بعذاب الاستئصال فحينئذ ما أنزل الله تعالى الملك إليهم لئلا يستحقوا هذا العذاب، وأيضا إنهم إذا شاهدوا الملك زهقت روحهم من هول ما يشاهدون وذلك أن الآدمي إذا رأى الملك فإما أن يراه على صورته الأصلية أو على صورة البشر. فإن رآه على صورته الأصلية لم يبقى الآدمي حيا فإن رسول الله ﷺ لما رأى جبريل على صورته الأصلية غشي عليه وأن جميع الرسل عاينوا الملائكة في صورة البشر كأضياف إبراهيم وأضياف لوط، وخصم داود وغير ذلك. وحيث كان شأنهم كذلك وهم مؤيدون بالقوى القدسية فما ظنك بمن عداهم من العوام، وأيضا إذا رآه يزول الاختيار الذي هو قاعدة التكليف فيجب إهلاكهم وذلك مخل بصحة التكليف، وإن رآه على صورة البشر فلا يتفاوت الحال سواء كان هو في نفسه ملكا أو بشرا، وأيضا إن إنزال الملك يقوي الشبهات لأن كل معجزة ظهرت عليه ردوها وقالوا: هذا فعلك فعلته باختيارك وقدرتك ولو حصل لنا مثل ما حصل لك من القوة والعلم لفعلنا مثل ما فعلته. ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (٨) أي لا يمهلون بعد نزول الملك طرفة عين وكلمة، «ثم» للتنبيه على أن عدم الإنظار أشد من قضاء الأمر لأن مفاجأة الشدة أشد من نفس الشدة وأشق.
والثاني: قوله تعالى: وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا أي ولو جعلنا الرسول ملكا لجعلنا الملك على صورة الرجل، لأن البشر لا يستطيعون أن ينظروا إلى الملائكة في صورهم التي خلقوا عليها ولو نظر إلى الملك ناظر من الآدميين لصعق عند رؤيته وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (٩) أي ولو صورنا الملك رجلا لصار فعلنا نظيرا لفعلهم في التلبيس وإنما كان ذلك تلبيسا لأن الناس لا يظنون أنه بشر مع أنه ليس بشرا، وإنما كان فعلهم تلبيسا لأنهم يقولون
стр. 306
لقومهم: إنه بشر مثلكم والبشر لا يكون رسولا من عند الله تعالى، وإذا كان الأمر كذلك فلم يفدهم طلب نزول الملك، لأنه لو نزل لهم الملك لنزل على صورة رجل لعدم استطاعتهم لمعاينة هيكله ولأن الجنس إلى الجنس أميل فيقولون له: ما أنت إلا بشر مثلنا ويقولون: إنا لا نرضى برسالة هذا الشخص فيعود سؤالهم ويستمرون يطلبون الملك فلا تنقطع شبهتهم فنزول الملك لا يفيدهم شيئا يزدادون في الحيرة والاشتباه، وأيضا إن طاعات الملائكة قوية فيستحقرون طاعة البشر وربما لا يعذرونهم في الإقدام على المعاصي وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ أي وبالله لقد استهزئ برسل أولي شأن خطير وذوى عدد كثير كائنين من زمان قبل زمانك. وهذه
الآية تسلية لرسول الله ﷺ أي تخفيف لضيق قلب رسول الله ﷺ عند سماعه من القوم الذين قالوا: إن رسول الله يجب أن يكون ملكا من الملائكة ووعيد أيضا لأهل مكة فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) أي فدار وأحاط بالذين سخروا من أولئك الرسل ﵈ العذاب الذي يستهزئون به وينكرونه، فإن الكفار كانوا يستهزئون بالعذاب الذي كان يخوفهم الرسول بنزوله. أو المعنى فأحاط بمن استهزأ بالشرائع من الرسل عقوبة استهزائهم بالرسول المندرج في جملة الرسل
قُلْ يا أكرم الرسل لأهل مكة: سِيرُوا فِي الْأَرْضِ أي قل لهم: لا تغتروا بما وجدتم من الدنيا وطيباتها ووصلتم إليه من لذاتها وشهواتها بل سيروا في الأرض لتعرفوا صحة ما أخبركم الرسول عنه من نزول العذاب على الذين كذبوا الرسل في الأزمنة السالفة. ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١) أي ثم تكفروا في أنهم كيف أهلكوا بعذاب الاستئصال فإنكم عند السير في الأرض والسفر في البلاد لا بد وأن تشاهدوا تلك الآثار فيكمل الاعتبار ويقوى الاستبصار. قُلْ يا أشرف الخلق لأهل مكة: لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي لمن الكائنات جميعا خلقا وملكا وتصرفا فإن أجابوك فذاك، وإلا قُلْ لِلَّهِ لأنه لا جواب غيره كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أي أوجب على نفسه إيجاب الفضل والكرم والرحمة لأمة محمد ﷺ بتأخير العذاب وقبول التوبة لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ أي والله ليجمعنكم في القبور محشورين إلى يوم القيامة. فيجازيكم على شرككم وسائر معاصيكم، أو ليجمعنكم إلى المحشر في يوم القيامة فإن الجمع يكون إلى المكان لا إلى الزمان لا رَيْبَ فِيهِ أي في الجمع الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٢) أي إن إبطال العقل باتباع الحواس والوهم والانهماك في التقليد وترك النظر أدى بهم إلى الإصرار على الكفر والامتناع عن الإيمان، وأن سبق قضاء الله بالخسران هو الذي حملهم على الامتناع من الإيمان بحيث لا سبيل لهم إليه أصلا وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي له تعالى كل ما حصل في الزمان سواء كان متحركا أو ساكنا وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) فيسمع نداء المحتاجين ويعلم حاجات المضطرين قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا أي قل يا أشرف الخلق أغير الله أجعله معبودا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.
стр. 307
وعن ابن عباس قال: ما عرفت فاطر السموات حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: إني فطرتها أي ابتدأتها.
وقرئ «فاطر السّموات» بالجر صفة لله أو بدل منه بدل المطابق. وبالرفع على إضمار هو، والنصب على المدح. وقرأ الزهري «فطر السموات» وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ أي وهو الرازق لغيره ولا يرزقه أحد. ويقال ولا يعان على الترزيق. قُلْ يا أكرم الخلق لكفار مكة: إِنِّي أُمِرْتُ أي من حضرة الله تعالى أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ فإنه ﷺ سابق أمته في الإسلام. وقيل لي يا محمد وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) أي في أمر من أمور الدين قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي بمخالفة أمره ونهيه أي عصيان كان عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) أي عذابا عظيما في يوم عظيم وهو يوم القيامة مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ.
قرأ أبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي «يصرف» بفتح الياء وكسر الراء، والمفعول محذوف والتقدير من يصرف ربي عنه يومئذ العذاب فقد أنعم عليه.
والباقون «يصرف» بالبناء للمفعول. والمعنى أيّ شخص يصرف العذاب عنه ذلك اليوم العظيم فقد أدخله الله الجنة وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦) أي وذلك الرحمة هو الفوز الظاهر وهو الظفر بالمطلوب وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ أي وإن يصبك الله ببلية أيها الإنسان كمرض وفقر ونحو ذلك فلا رافع له إلا هو وحده وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ أي وإن ينزل الله بك خيرا من صحة وغنى ونحو ذلك فلا راد له غيره فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) .
روي عن ابن عباس أنه قال: أهدي للنبي ﷺ بغلة أهداها له كسرى فركبها بجبل من شعر، ثم أردفني خلفه ثم سار بي ميلا، ثم التفت إليّ فقال: «يا غلام» فقلت: لبيك يا رسول الله فقال:
«احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، فقد مضى القلم بما هو كائن فلو جهد الخلائق أن ينفعوك بما لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه، ولو جهدوا أن يضروك بما لم يكتب الله عليك ما قدروا عليه، فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل، فإن لم تستطع فاصبر، فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا. واعلم أن النصر مع الصبر وإن مع الكرب فرجا وإن مع العسر يسرا»
«١» .
وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ بالقدرة والقوة وهذا إشارة إلى كمال القدرة وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨) فإن أفعاله تعالى محكمة آمنة من وجوه الخلل والفساد وإنه تعالى عالم بما يصح أن يخبر به.
وهذا إشارة إلى كمال العلم اه.
стр. 308
روى ابن عباس أن رؤساء أهل مكة قالوا: يا محمد ما وجد الله غيرك رسولا وما ترى أحدا يصدقك، وقد سألنا اليهود والنصارى عنك فزعموا أنه لا ذكر لك عندهم بالنبوة فأرنا من يشهد لك بالنبوة، فأنزل الله تعالى قوله هذا: قُلْ يا أشرف الخلق لهم: أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً من الله كي يقروا بالنبوة وإن أكبر الأشياء شهادة هو الله تعالى فإن اعترفوا بذلك فذاك وإلا قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ بأني رسوله وهذا القرآن كلامه وهو معجز لأنكم فصحاء بلغاء وقد عجزتم عن معارضته فإذا كان معجزا كان إظهار الله إياه على وفق دعواي شهادة من الله على كوني صادقا في دعواي وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أي أنزل الله إلى جبريل بهذا القرآن لأخوفكم يا أهل مكة بالقرآن ولأخوف به من بلغ إليه القرآن من الثقلين ممن يأتي بعدي إلى يوم القيامة أَإِنَّكُمْ يا أهل مكة لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى وهي الأصنام التي كنتم تعبدونها وتقولون: إنها بنات الله فإن شهدوا على ذلك قُلْ لهم: لا أَشْهَدُ أي بما تذكرونه من إثبات الشركاء قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ أي بل إنما أشهد أن لا إله إلا هو وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩) أي من إشراككم بالله تعالى في العبادة الأصنام.
قال العلماء: المستحب لمن أسلم ابتداء أن يأتي بالشهادتين ويتبرأ من كل دين سوى دين الإسلام، ونصّ الشافعي على استحباب ضم التبرؤ إلى الشهادة لأن الله تعالى لما صرح بالتوحيد قال: إِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وهم علماء اليهود والنصارى الذين كانوا في زمن النّبيّ ﷺ يَعْرِفُونَهُ أي يعرفون محمدا من جهة الكتابين بصفته المذكورة فيهما كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ بصفاتهم فإنهم كذبوا في قولهم إنا لا نعرف محمدا لما روي أن النّبيّ ﷺ لما قدم المدينة وأسلم عبد الله بن سلام قال له عمر: إن الله أنزل على نبيه بمكة هذه الآية فكيف هذه المعرفة، قال عبد الله بن سلام: يا عمر لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني، ولأنا أشد معرفة بمحمد مني بابني، فقال عمر: كيف ذلك؟ فقال أشهد أنه رسول الله حقا ولا أدري ما تصنع النساء الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) ومعنى هذا الخسران كما قاله جمهور المفسرين أن الله تعالى جعل لكل إنسان منزلا في الجنة ومنزلا في النار. فإذا كان يوم القيامة جعل الله للمؤمنين منازل أهل النار في الجنة ولأهل النار منازل أهل الجنة في النار.
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أي لا أحد أجرأ ممن اختلق على الله كذبا كقول كفار مكة هذه الأصنام شركاء لله والله تعالى أمرنا بعبادتها. وقولهم: إن الملائكة بنات الله، ثم قولهم أمرنا الله بتحريم البحائر والسوائب وكقول اليهود والنصارى حصل في التوراة والإنجيل أن هاتين الشريعتين لا يتطرق إليهما النسخ ولا يجيء بعدهما نبي أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أي قدح في معجزات محمد ﷺ وأنكر كون القرآن معجزة قاهرة بينة إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١) أي لا يظفرون بمطالبهم في الدنيا والآخرة بل يبقون في الحرمان والخذلان وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً أي كافة الناس وهو يوم القيامة ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا
стр. 309
خاصة على رؤوس الأشهاد للتوبيخ أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ أي آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله تعالى الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) أي تزعمونها شركاء وإنها شفعاء لكم عند الله.
قال ابن عباس: وكل زعم في كتاب الله كذب ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ أي افتتانهم بالأوثان إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) أي لم تكن عاقبة افتتانهم بشركهم إلا براءتهم منه فحلفهم أنهم ما كانوا مشركين. ومثاله أن ترى إنسانا يحب صاحبا مذموم الطريقة فإذا وقع في محنة بسببه تبرأ منه. قرأ ابن عامر وابن كثير وحفص عن عاصم «ثم لم تكن» بالتاء الفوقية و «فتنتهم» بالرفع.
وقرأ حمزة والكسائي «لم يكن» بالياء التحتية و «فتنتهم» بالنصب. وقرأ حمزة والكسائي «ربنا» بنصبه على النداء أو المدح. والباقون بالكسر انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ بإنكار صدور الإشراك عنهم في الدنيا وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) أي وكيف زال عنهم افتراؤهم بعبادة الأصنام فلم تغن عنهم شيئا وذلك أنهم كانوا يرجون شفاعتها ونصرتها لهم وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ أي وبعض من أهل مكة من يستمع إلى كلامك حين تتلو القرآن وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً أي وقد ألقينا على قلوبهم أغطية كثيرة كراهة أن يفقهوا ما يستمعونه من القرآن وفي آذانهم صمما وثقلا مانعا من سماعه، فمحل «أن يفقهوه» مفعول معه بحذف المضاف أو مفعول لفعل مقدر أي منعناهم أن يفقهوه مجموع القدرة على الإيمان مع الداعي إليه يوجب الفعل. فالكفر من الله تعالى وتكون تلك الداعية الجارة إلى الكفر كنانا للقلب عن الإيمان ووقرا للسمع عن استماع دلائل الإيمان وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها أي وأن يشاهدوا كل آية من الآيات القرآنية بسماعها كفروا بكل واحدة منها لأجل أن الله تعالى جعل على قلوبهم أكنة حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي بلغوا بتكذيبهم الآيات إلى أنهم إذا جاءوا إليك يجادلونك إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) أي ما هذا الذي يقول محمد إلا خرافات الأولين وكذبهم أي إن هذا الكلام من جنس سائر الحكايات المكتوبة للأولين وإذا كان هذا كذلك فلا يكون معجزا خارقا للعادة وجملة قوله تعالى: يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا تفسير لقوله: يُجادِلُونَكَ أي يناكرونك.
قال ابن عباس ﵄: حضر عند رسول الله ﷺ أبو سفيان بن حرب والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأمية وأبيّ ابنا خلف والحرث بن عامر، وأبو جهل واستمعوا إلى القرآن فقالوا للنضر وكان كثير الأخبار للقرون الماضية: يا أبا قتيبة ما يقول محمد؟ قال: ما أدري ما يقول، لكني أراه يحرك شفتيه ويتكلم بأساطير الأولين كالذي كنت أحدثكم به عن أخبار القرون الأولى. فقال أبو سفيان: إني أرى بعض ما يقول حقا، فقال أبو جهل: كلا أي لا تقرّ بشيء من هذا فأنزل الله تعالى هذه الآية وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وأولئك الكفار ينهون الناس عن استماع القرآن لئلا يقفوا على حقيته فيؤمنوا به وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ أي ويتباعدون عنه
стр. 310
بأنفسهم تأكيدا لنهيهم وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ أي وما يهلكون بما فعلوا من النهي والنأي إلا أنفسهم بإقبالها لأشد العذاب وَما يَشْعُرُونَ (٢٦) أنهم يهلكون أنفسهم ويذهبونها إلى النار بما يفعلون من الكفر والمعصية وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ أي ولو تبصر حالهم حين يوقفون على النار وهم يعاينونها لرأيت سوء حالهم. أو المعنى ولو تبصرهم حين يحسبون فوق النار على الصراط وهي تحتهم لرأيت سوء منقلبهم. أو المعنى ولو صرفت فكرك الصحيح لأن تتدبر حالهم حين يدخلونها لازددت يقينا.
وقرئ «إذ وقفوا» بالبناء للفاعل أي لو تراهم حين يكونون في جوف النار وتكون النار محيطة بهم ويكونون غائصين فيها لعرفوا مقدار عذابها، وإنما صح على هذا التقدير أن يقال:
وقفوا على النار لأنها دركات وطبقات بعضها فوق بعض فيصح هناك معنى الاستعلاء فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ إلى الدنيا لنؤمن وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا أي بآياته الناطقة بأحوال النار وأهوالها الآمرة باتقائها وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بها كي لا نرى هذا الموقف.
قرأ ابن عامر وأبو بكر برفع «نكذب» ونصب «نكون» أي ولا يكون منا تكذيب مع كوننا من المؤمنين. وقرأ حمزة وحفص عن عاصم بنصبهما والتقدير يا ليتنا لنا رد وانتفاء تكذيب بآيات ربنا، وكون من المؤمنين فهذه الأشياء الثلاثة متمناة بقيد الاجتماع. وقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير والكسائي برفعهما واتفقوا على الرفع في قوله «نرد» . والمعنى أنهم تمنوا الرد إلى دار الدنيا وعدم تكذيبهم بآيات ربهم وكونهم من المؤمنين. أو المعنى يا ليتنا نرد غير مكذبين وكائنين من المؤمنين فيكون تمني الرد مقيدا بهاتين الحالتين بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ أي ليس التمني الواقع منهم لأجل كونهم راغبين في الإيمان بل لأنه ظهر لهم في موقفهم ما كانوا يخفونه في الدنيا من تكذيبهم بالنار فإن التكذيب بالشيء إخفاء له بلا شك أي فلخوفهم منها ومن العقاب الذي عاينوه قالوا ما قالوا وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ أي ولو ردهم الله تعالى من موقفهم ذلك إلى الدنيا كما سألوا وغاب عنهم ما شاهدوه من الأهوال لم يحصل منهم فعل الإيمان وترك التكذيب بل كانوا يستمرون على الكفر والتكذيب وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٢٨) في تمنيهم ووعدهم بفعل الإيمان وترك التكذيب فإن دينهم الكذب، لأنه قد جرى عليهم قضاء الله تعالى في الأزل بالشرك وَقالُوا أي كفار مكة إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا أي ما حياتنا إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩) بعد أن فارقنا هذه الحياة وليس لنا بعد هذه الحياة ثواب وعقاب وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ أي حبسوا عند ربهم لأجل السؤال كما يوقف العبد الجاني بين يدي سيده للعقاب لرأيت أمرا عظيما، والمعنى وقفوا على جزاء ربهم أي على ما وعدهم ربهم من عذاب الكافرين وثواب المؤمنين، وعلى ما أخبرهم به من أمر الآخرة قالَ أَلَيْسَ هذا أي البعث بعد الموت
стр. 311
والثواب والعقاب بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا إنه لحق. وذلك إقرار مؤكد باليمين لانجلاء الأمر غاية الانجلاء وهم يطمعون في نفع ذلك الإقرار وينكرون الإشراك فيقولون والله ربنا ما كنا مشركين قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠) أي بسبب كفركم وجحدكم في الدنيا بالبعث بعد الموت
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ أي أنكروا البعث والقيامة حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أي أنهم كذبوا ذلك إلى أن ظهرت القيامة باغتة فلا يعلم أحد متى يكون مجيئها وفي أي وقت يكون حصولها قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها أي يا ندامتنا على تفريطنا في تحصيل الزاد للساعة في الدنيا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أي والحال أنهم يحملون ثقل ذنوبهم عليهم أي إنهم يقاسون عذاب ذنوبهم مقاساة ثقل عليهم فلا تفارقهم ذنوبهم.
وقال قتادة والسدي: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله شيء هو أحسن الأشياء صورة وأطيبها ريحا ويقول: أنا عملك الصالح طالما ركبتك في الدنيا فاركبني فذلك قوله تعالى: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً [مريم: ٨٥] أي ركبانا. وأن الكافر إذا خرج من قبره استقبله شيء هو أقبح الأشياء صورة وأخبثها ريحا فيقول: أنا عملك الفاسد طالما ركبتني في الدنيا فأنا أركبك اليوم، فذلك قوله تعالى: وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ. أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٣١) أي بئس شيئا يحملونه آثامهم وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ أي وما اللذات والمستحسنات الحاصلة في هذه الدنيا إلا فرح يشغل النفس عمّا تنتفع به، وباطل يصرف النفس عن الجد في الأمور إلى الهزل وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ أي الجنة أو التمسك بعمل الآخرة أو نعيم الآخرة خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ من المعاصي والكبائر.
وقرأ ابن عامر «ولدار الآخرة» بإضافة دار إلى الآخرة. أَفَلا تَعْقِلُونَ (٣٢) . وقرأ نافع وابن عامر وحفص بالتاء على الخطاب أي قل لهم ألا تتفكرون أيها المخاطبون فلا تعقلون أن الدنيا فانية والآخرة باقية. وقرأ الباقون بالباء على الغيبة أي أيغفل الذين يتقون فلا يعقلون أن الدار الآخرة خير لهم من هذه الدار فيعملون لما ينالون به الدرجة الرفيعة والنعيم الدائم فلا يفترون في طلب ما يوصل إلى ذلك قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ إنهم لا يؤمنون بك ولا يقبلون دينك وشريعتك أو يقولون إنك ساحر وشاعر وكاهن ومجنون. قرأ نافع «ليحزنك» بضم الياء وكسر الزاي. والباقون بفتح الياء وضم الزاي فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ قرأ نافع والكسائي بسكون الكاف.
والباقون بفتحها وتشديد الذال أي لا يجدونك كاذبا لأنهم يعرفونك بالصدق والأمانة ولا ينسبونك إلى الكذب بالاعتقاد واللسان وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ
يَجْحَدُونَ
(٣٣) أي ولكن جحدوا صحة نبوتك ورسالتك أو المعنى أنهم يقولون في كل معجزة أنها سحر وينكرون دلالة المعجزة على الصدق على الإطلاق. أو المعنى إن القوم ما كذبوك وإنما كذبوني لأنك رسولي
стр. 312
كقول السيد لعبده وقد أهانه بعض الناس أيها العبد إنه ما أهانك وإنما أهانني. والمقصود تعظيم الشأن لا نفي الإهانة عن العبد ونظيره قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [الفتح: ١٠] .
روي أن الحرث بن عامر من قريش قال: يا محمد والله ما كذبتنا قط ولكنا إن اتبعناك نتخطف من أرضنا فنحن لا نؤمن بك لهذا السبب.
وروي أن الأخنس بن شريق قال لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب فإنه ليس عندنا أحد غيرنا؟ فقال له: والله إن محمدا لصادق وما كذب قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة فماذا لسائر قريش، فنزلت هذه الآية.
وعن علي بن أبي طالب أن أبا جهل قال للنبي ﷺ : إنا لا نكذبك فإنك عندنا لصادق ولكنا نكذب ما جئتنا به، فنزلت هذه الآية:
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا أي ولقد كذب الرسل قومهم كما كذبك قومك فصبروا على تكذيبهم وإيذائهم لهم حتى أتاهم النصر بهلاك قومهم، فاصبر يا أشرف الخلق كما صبروا تظفر كما ظفروا، بل أنت أولى بالتزام الصبر لأنك مبعوث إلى جميع العالمين وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ بالنصرة فإن وعد الله إياك بالنصر حق وصدق ولا يمكن تطرق الخلف والتبديل إليه وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) أي خبرهم في القرآن كيف كذبهم قومهم وكيف أنجيناهم ودمرنا قومهم وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ أي وإن كان شق عليك إعراضهم عن الإيمان بما جئت به من القرآن، وأحببت أن تجيبهم إلى ما سألوه فإن قدرت أن تتخذ منفذا فيه إلى جوف الأرض، أو مصعدا ترتقي فيه إلى السماء فتأتيهم بآية مما اقترحوه عليك من تحت الأرض أو من فوق السماء فلتفعل.
وعن ابن عباس ﵄ أن الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف أتى النّبيّ ﷺ في نفر من قريش فقالوا: يا محمد ائتنا بآية من عند الله كما كانت الأنبياء تفعل فإنا نصدق بك.
فأبى الله أن يأتيهم بآية مما اقترحوه فأعرضوا عنه ﷺ فشق ذلك عليه لشدة حرصه على إيمان قومه، فنزلت هذه الآية. والمقصود من هذا الكلام أن يقطع الرسول طمعه عن إيمانهم وأن لا يتأذى بسبب إعراضهم عن الإيمان وإقبالهم على الكفر وهذا دليل على مبالغة حرصه ﷺ على إسلام قومه إلى حيث لو قدر على أن يأتي بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لفعل رجاء لإيمانهم وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى أي ولو شاء الله تعالى جمعهم على الهدى لجمعهم عليه بأن يوفقهم للإيمان فيؤمنوا معكم ولكن لم يشأ لعدم صرف اختيارهم إلى جانب الهدى مع تمكنهم التام منه في مشاهدتهم للآيات الداعية إليه فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٥) أي فلا تكونن
стр. 313
بالميل إلى إتيان اقتراحاتهم من الجاهلين بعدم تعلق مشيئته تعالى بإيمانهم لعدم توجههم إليه لخروج الإيمان عن الحكمة المؤسسة على الاختيار. أو المعنى ولا تجزع على إعراضهم عنك ولا يشتد تحزنك على تكذيبهم بك فإن فعلت ذلك فتقارب حالك من حال الجاهلين الذين لا صبر لهم إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ أي إنما يقبل دعوتك إلى الإيمان الذين يسمعون ما يلقى إليهم سماع تفهم، وإنما يطيعك من يعقلون الموعظة دون الموتى الذين هؤلاء منهم. وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦) أي والموتى يبعثهم الله بعد الموت ثم يوقفون بين يديه للحساب والجزاء. فالله تعالى هو القادر على إحياء قلوب هؤلاء الكفار بحياة الإيمان وأنت لا تقدر عليه وَقالُوا أي كفار مكة الحرث بن عامر وأصحابه وأبو جهل بن هشام والوليد بن المغيرة وأمية وأبي ابنا خلف والنضر بن الحرث لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ أي هلا أنزل على محمد من ربه معجزة دالة على نبوته مثل فلق البحر وإظلال الجبل وإحياء الموتى، وإنزال الملائكة وإسقاط السماء كسفا. قُلْ لهم يا أكرم الرسل: إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً أي أن يوجد خوارق للعادة كما طلبوا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٧) أي لا يدرون أن في تنزيلها قلعا لأساس التكليف المبني على قاعدة الاختيار، وأن الله تعالى لو أعطاهم ما طلبوه من المعجزات القاهرة فإن لم يؤمنوا عند ظهورها لاستحقوا عذاب الاستئصال ولم يبق لهم عذر ولا علة كما هو سنة الله فاقتضت رحمة الله صونهم عن هذا البلاء فما أعطاهم هذا المطلوب رحمة منه تعالى عليهم وإن كانوا لا يعلمون كيفية هذه الرحمة. وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ أي وما من دابة تمشي في الأرض أو تسبح في الماء ولا طائر من الطيور يطير في ناحية من نواحي الجو إلا طوائف أمثالكم في ابتغاء الرزق وتوقي المهالك، وفي أنها تعرف ربها وتوحده وفي أنها يفهم بعضها عن بعض، وفي أنها تبعث بعد الموت للحساب.
روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: «من قتل عصفورا عبثا جاء يوم القيامة يعج إلى الله يقول: يا رب إن هذا قتلني عبثا لم ينتفع بي ولم يدعني آكل من خشاش الأرض»
«١»
وروي عن النّبيّ ﷺ أنه قال: «يقتص للجماء من القرناء»
«٢» . والمقصود من هذه الآية الدلالة على كمال قدرته تعالى وشمول علمه وسعة تدبيره ليكون كالدليل على أنه تعالى قادر على أن ينزل آية ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ أي ما تركنا في القرآن شيئا من الأشياء المهمة أي أن القرآن واف ببيان جميع الأحكام فليس لله على الخلق بعد ذلك تكليف آخر وأن القرآن دل على أن الإجماع وخبر الواحد والقياس
стр. 314
وحجة في الشريعة فكل ما دل عليه أحد هذه الأصول الثلاثة كان ذلك في الحقيقة موجودا في القرآن.
روي أن ابن مسعود كان يقول: ما لي لا ألعن من لعنه الله في كتابه! فقرأت امرأة جميع القرآن فأتته فقالت: يا ابن أم عبد تلوت البارحة ما بين الدفتين فلم أجد فيه لعن الواشمة والمستوشمة، فقال: لو تلوتيه لوجدتيه، قال الله تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ [الحشر: ٧] وإن مما أتانا به رسول الله ﷺ أنه
قال: «لعن الله الواشمة والمستوشمة»
«١» . وذكر أن الشافعي كان جالسا في المسجد الحرام فقال: لا تسألوني عن شيء إلا أجبتكم فيه من كتاب الله تعالى، فقال رجل: ما تقول في المحرم إذا قتل الزنبور؟ فقال: لا شيء عليه، فقال: أين هذا من كتاب الله؟
فقال: قال الله تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ [الحشر: ٧]
وقال ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي»
«٢» . وقال عمر ﵁: للمحرم وقتل الزنبور.
وروي أن أبا العسيف قال للنبيّ ﷺ : اقض بيننا بكتاب الله فقال ﷺ : «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله»
«٣» ثم قضى بالجلد والتغريب على العسيف وبالرجم على المرأة، وهذا يدل على أن كل ما حكم به النّبيّ ﷺ هو عين كتاب الله لأنه ليس في نص الكتاب ذكر الجلد والتغريب ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨) فإن الله تعالى يحشر الدواب والطيور يوم القيامة بمجرد الإرادة ومقتضى الإلهية.
وروي أن رسول الله ﷺ قال: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة
стр. 315
حتى يقاد للشاة الجماء من القرناء»
«١» . قال المفسرون: إنه تعالى بعد توفير العوض عليها يجعلها ترابا وعند هذاقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
[النبأ: ٤٠] . وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا التي هي من القرآن صُمٌّ لا يسمعونها سمع تدبر وفهم فلذلك يسمونها أساطير الأولين وَبُكْمٌ لا يقدرون على أن ينطقوا بالحق ولذلك لا يستجيبون دعوة الرسول بها فِي الظُّلُماتِ أي في ضلالات الكفر والجهل والعناد فلا يهتدون سبيلا مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ أي من يشاء الله إضلاله يخلق الله الضلال فيه ويمته على الكفر فيضل يوم القيامة عن طريق الجنة وعن وجدان الثواب وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩) أي ومن يشأ أن يجعله على طريق يرضاه وهو الإسلام يجعله عليه ويهده إليه ويمته عليه فلا يضل من مشى إليه ولا يزل من ثبت قدمه عليه قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٠) أي قل يا أكرم الرسل لكفار مكة: يا أهل مكة أخبروني إن أتاكم عذاب الله في الدنيا كالغرق أو الخسف أو المسخ، أو نحو ذلك أو أتاكم العذاب عند قيام الساعة أترجعون إلى غير الله في دفع ذلك البلاء؟ أو ترجعون فيه إلى الله تعالى إن كنتم صادقين في أن أصنامكم آلهة فأجيبوا سؤالي؟ أو المعنى إن كنتم قوما صادقين فأخبروني أإلها غير الله تدعون إلخ
بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ أي إنكم لا ترجعون في طلب دفع البلية إلا إلى الله تعالى فيكشف الضر الذي من أجله دعوتم بمحض مشيئته وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ (٤١) أي وتتركون الأصنام ولا تدعونهم لعلمكم أنها لا تضر ولا تنفع وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ أي وبالله لقد أرسلنا إلى أمم كثيرة كائنة من زمان قبل زمانك رسلا فخالفوهم فعاقبناهم بشدة الفقر والخوف من بعضهم والأمراض والأوجاع لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) أي لكي يدعوا الله تعالى في كشفها بالتذلل ويتوبوا إليه من كفرهم ومعاصيهم فَلَوْلا أي فهلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) من الكفر والمعاصي أي فلم يؤمنوا حين جاءهم عذابنا ولكن ظهر منهم الكفر ووسوس لهم الشيطان إن حال الدنيا هكذا تكون شدة ثم نعمة فلم يخطروا ببالهم أن ما أصابهم من الشدائد ما أصابهم إلا لأجل عملهم الفاسد فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ أي فلما انهمكوا في المعاصي وتركوا ما وعظوا به من الشدائد فتحنا عليهم فنون النعماء على منهاج الاستدراج حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً أي حتى إذا اطمأنوا بما فتح لهم وبطروا بأن ظنوا أن الذي نزل بهم من الشدائد ليس على سبيل الانتقام من الله وأن تلك الخيرات باستحقاقهم نزل بهم عذابنا فجأة ليكون عليهم أشد وقعا فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) أي متحزنون غاية الحزن منقطع رجاؤهم من كل خير فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أي قطع غابر المشركين أي
стр. 316
استؤصلوا بالهلاك بسبب ظلمهم بإقامة المعاصي مقام الطاعات وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٥) على استئصالهم بالنكال فإن إهلاك الكفار والعصاة من حيث إنه تخليص لأهل الأرض من شؤم عقائدهم الفاسدة وأعمالهم الخبيثة نعمة جليلة مستحقة للحمد قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ أي قل يا أكرم الخلق لأهل مكة: يا أهل مكة أخبروني إن أزال الله سمعكم وأبصاركم وعقولكم أي فرد من الآلهة الثابتة بزعمكم غير الله يأتيكم بذلك الذي أزيل؟ انْظُرْ يا أكرم الرسل كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ أي كيف نكررها متغيرة من نوع إلى نوع آخر فتارة بترتيب المقدمات العقلية، وتارة بطريق الترغيب والترهيب، وتارة بالتنبيه والتذكير بأحوال المتقدمين فكل واحد يقوّي ما قبله في الإيصال إلى المطلوب ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦) أي يعرضون عن تلك الآيات وثم لاستبعاد إعراضهم عنها بعد ذكرها على الوجوه المختلفة قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ أي أخبروني يا أهل مكة إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أي عذابه الخاص بكم بَغْتَةً أي فجأة بأن يجيئهم من غير سبق علامة تدلهم على مجيء ذلك العذاب أَوْ جَهْرَةً بأن يجيئهم مع سبق علامة تدل عليه فالعذاب وقع بهم وقد عرفوه حتى لو أمكنهم الاحتراز عنه لتحرزوا منه هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧) أي هل يهلك بذلك العذاب غيركم ممن لا يستحقه وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ بالثواب على الطاعات وَمُنْذِرِينَ بالعقاب على المعاصي ولا قدرة لهم على إظهار المعجزات بل ذلك مفوض إلى مشيئة الله تعالى فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) أي فمن قبل قول المرسلين وأتى بعمل القلب الذي هو الإيمان وبعمل الجسد الذي هو الإصلاح فلا خوف عليهم من العذاب الذي أنذروه دنيويا كان أو أخرويا ولا هم يحزنون بفوات ما بشروا به من الثواب العاجل والآجل وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وهي ما ينطق به الرسل عند التبشير والإنذار ويبلغونه إلى الأمم يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ أي يصيبهم العذاب الذي أنذروه بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩) أي بسبب فسقهم وخروجهم عن الطاعة قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ.
واعلم أن الكفار طلبوا من رسول الله ﷺ أن يوسع خيرات الدنيا وأن يخبر عما يقع في المستقبل من المصالح والمضار، وطعنوا فيه في أكل الطعام والمشي في السوق، وفي تزوجه للنساء فأمر الله تعالى أن ينفي عن نفسه أمورا ثلاثة تواضعا لله تعالى واعترافا له بالعبودية وأن يقول لهم: إنما بعثت مبشرا ومنذرا ولا أدعي كوني موصوفا بالقدرة اللائقة بالله تعالى، وأن خزائن الله مفوّضة إليّ أتصرف فيها كيفما أشاء، وأعطيكم منها ما تريدون. ولا أدعي كوني موصوفا بعلم الله تعالى فأخبركم بما تريدون، ولا أدعي أني ملك حتى تكلفوني من الخوارق للعادات ما لا يطيق به البشر وحتى تعدوا عدم اتصافي بصفات الملائكة قادحا في أمري فتنكرون قولي، وتجحدون أمري، وما أخبركم من غيب إلا بوحي من الله أنزله علي قُلْ لهم: هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى
стр. 317
وَالْبَصِيرُ
أي هل يكونان سواء من غير مزية فإن قالوا: نعم، كابروا الحس وإن قالوا: لا، قيل:
فمن تبع هذه الآيات الجليات فهو البصير ومن أعرض فهو الأعمى أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠) أي ألا تسمعون هذا الكلام الحق فلا تتفكرون فيه، نزلت هذه الآية من قوله: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ في أبي جهل وأصحابه الحرث وعيينة
وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١) أي وأنذر يا أشرف الرسل بما أوحي إليك من يجوزون الحشر ويرجى منهم التأثر بالتخويف غير منصورين بقريب ولا مشفوعا لهم من جهة أنصارهم على زعمهم من غير الله تعالى سواء كانوا جازمين بأصل الحشر كالمؤمنين العاصين وأهل الكتاب المترددين في شفاعة آبائهم الأنبياء وبعض المشركين المعترفين بالبعث المترددين في شفاعة الأصنام، أو مترددين في أصل الحشر وفي
شفاعة الآباء والأصنام معا كبعض الكفرة الذين يعلم من حالهم أنهم إذا سمعوا بحديث البعث يخافون أن يكون حقا فيهلكوا لكي ينتهوا عن الكفر والمعاصي، وأما المنكرون للحشر بالكلية والقائلون به القاطعون بشفاعة آبائهم أو بشفاعة الأصنام فهم خارجون ممن أمر بإنذارهم وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ أي الذين يعبدون ربهم بالصلوات الخمس أو يذكرون ربهم طرفي النهار يُرِيدُونَ وَجْهَهُ أي يريدون بذلك محبة الله تعالى ورضاه أي مخلصين في ذلك.
روي أنه جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري، وعباس بن مرداس وهم من المؤلفة قلوبهم فوجدوا النّبيّ ﷺ جالسا مع ناس من ضعفاء المؤمنين كعمار بن ياسر وصهيب، وبلال وخباب وابن مسعود، وسلمان الفارسي ومهجع، وعامر بن فهيرة فلما رأوهم حوله حقروهم وقالوا: يا رسول الله لو جلست في صدر المجلس وأبعدت عنك هؤلاء ورائحة جبابهم لجالسناك وأخذنا عنك، فقال النبي: «ما أنا بطارد المؤمنين» ، قالوا: فإنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف به العرب فضلنا فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال: «نعم» ، قالوا فاكتب لنا عليك بذلك كتابا فأتى بالصحيفة ودعا عليا ليكتب، فنزل جبريل بهذه الآية فألقى رسول الله ﷺ الصحيفة، وقال مجاهد: قالت قريش: لولا بلال وابن أم عبد لبايعنا محمدا فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وروي أن ناسا من الفقراء كانوا مع النّبيّ ﷺ فقال: ناس من الأشراف له ﷺ إذا صلينا فأخر هؤلاء فليصلوا خلفنا؟ فنزلت هذه الآية: ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) أي ما عليك من حساب رزق هؤلاء الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي شيء فتملهم وتبعدهم، ولا من حساب رزقك عليهم شيء وإنما الرازق لهم ولك
стр. 318
هو الله تعالى فدعهم يكونوا عندك، ولا تطردهم فتكون من الظالمين لنفسك بهذا الطرد ولهم، لأنهم استحقوا مزيد التقريب. وقيل: إن الكفار طعنوا في إيمان أولئك الفقراء وقالوا: يا محمد إنهم إنما اجتمعوا عندك وقبلوا دينك لأنهم يجدون بهذا السبب مأكولا وملبوسا عندك، وإلا فهم فارغون عن دينك فقال الله تعالى: إن كان الأمر كما يقولون فما يلزمك إلا اعتبار الظاهر، وإن كان لهم باطن غير مرضي عند الله فحسابهم عليه لازم لهم لا يتعدى إليك، كما أن حسابك عليك لا يتعدى إليهم وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ أي ومثل ذلك الفتون المتقدم فتنا بعض هذه الأمة ببعض وكل أحد مبتلى بضده فأولئك الكفار الرؤساء الأغنياء كانوا يحسدون فقراء الصحابة على كونهم سابقين في الإسلام مسارعين إلى قبوله فقالوا: لو دخلنا في الإسلام لوجب علينا أن ننقاد لهؤلاء الفقراء المساكين وأن نعترف لهم بالتبعية فامتنعوا من الدخول في الإسلام لذلك، واعترضوا على الله في جعل أولئك الفقراء رؤساء في الدين، وأما فقراء الصحابة فكانوا يرون أولئك الكفار في الراحات والمسرات والطيبات والخصب والسعة، فكانوا يقولون: كيف حصلت هذه الأحوال لهؤلاء الكفار وبالجملة؟ فصفات الكمال مختلفة متفاوتة محبوبة لذاتها موزعة على الخلق فلا تجتمع في إنسان واحد ألبتة فكل أحد بحسد صاحبه على ما آتاه من الله من صفات الكمال لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا بالإيمان بالله ومتابعة الرسول وغرضهم بذلك إنكار وقوع المن رأسا وهذه اللام لام كي والتقدير ومثل ذلك الفتون فتنا ليقولوا: هذه المقالة امتحانا منا، وقيل: إنها لام الصيرورة والمعنى وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليصيروا أو ليشكروا فكان عاقبة أمرهم أن قالوا: أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا؟ قال: تعالى ردا عليهم:
أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣) لنعمه حتى تستبعدوا إنعامه عليهم. وفي هذا الاستفهام التقريري إشارة إلى أن الضعفاء عارفون بحق نعم الله تعالى في تنزيل القرآن وفي التوفيق للإيمان شاكرون له تعالى على ذلك وتعريض بأن القائلين بتلك المقالة بمعزل من ذلك كله وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ قيل: نزلت هذه الآية في أهل الصفة الذين سأل المشركون رسول الله ﵇ طردهم فأكرمهم الله تعالى بهذا الإكرام فإن الله تعالى نهى رسوله أولا عن إبعادهم، ثم أمره بتبشيرهم بالسلامة عن كل مكروه في الدنيا والرحمة في الآخرة كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أي أوجب على ذاته المقدسة الرحمة بطريق الفضل والكرم تبشيرا لهم بسعة رحمته تعالى وبنيل المطالب أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً أي ذنبا بِجَهالَةٍ بتعمد بسبب الشهوة وكان جاهلا بمقدار ما يستحقه من العقاب وما يفوته من الثواب ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ أي ندم من بعد عمل المعصية وَأَصْلَحَ عمله بالتوبة منه تداركا وعزما على أن لا يعود إليه أبدا فَأَنَّهُ أي الله غَفُورٌ بسبب إزالة العقاب رَحِيمٌ (٥٤) بسبب إيصال الثواب الذي هو النهاية في الرحمة وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ أي كما فصلنا لك في هذه السورة دلائلنا على صحة التوحيد
стр. 319
والنبوة والقضاء والقدر فكذلك نفصل لك حجتنا في تقرير كل حق ينكره أهل الباطل وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥) .
قرأ نافع «لتستبين» بالتاء خطاب للنبي و «سبيل» بالنصب. أي ولتستوضح أنت يا محمد سبيل المشركين فتعاملهم بما يليق بهم. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم «ليستبين» بالياء و «سبيل» بالرفع. والباقون بالتاء و «سبيل» بالرفع. وقوله و «ليستبين» عطف على المعنى كأنه قيل:
ليظهر الحق وليتضح سبيلهم نفعل ما نفعل من التفصيل. قُلْ يا أشرف الخلق للمصرّين على الشرك إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي إني نهيت في القرآن عن عبادة ما تعبدونه من دون الله وهو الأصنام قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ في عبادة الأحجار وهي أخس مرتبة من الإنسان بكثير فإنهم كانوا ينحتون تلك الأصنام وإنما يعبدونها بناء على محض الهوى لا على سبيل الحجة فإن اشتغال الأشرف بعبادة الأخس أمر يدفعه صريح العقل قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً أي إن اتبعت أهواءكم وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦) أي ما أنا في شيء من الهدى حين أكون في عدادهم قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ أي حجة واضحة تفصل بين الحق والباطل وهي الوحي مِنْ رَبِّي في أنه لا معبود سواه وَكَذَّبْتُمْ بِهِ أي بربي حيث أشركتم به غيره ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ أي من العذاب أي ليس أمره بمفوض إلى ف «ما» الأولى نافية، و «ما» الثانية موصولة، وسبب نزول هذه الآية أن النّبيّ ﷺ كان يخوفهم بنزول العذاب عليهم بسبب هذا الشرك، وكان النضر بن الحرث وأصحابه يستعجلونه بقولهم متى هذا الوعد إن كنتم صادقين بطريق الاستهزاء أو بطريق الإلزام على زعمهم فقال تعالى: قل يا أشرف الخلق ليس ما تستحلونه من العذاب الموعود في القرآن وتجعلون تأخره ذريعة إلى تكذيبه في حكمي وقدرتي حتى أجيء به وأظهر لكم صدقه إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أي ما الحكم في نزول العذاب تعجيلا وتأخيرا إلا الله يَقُصُّ الْحَقَّ.
قرأ ابن كثير ونافع وعاصم «يقص» بالصاد المشددة، وضم القاف، أي ينبئ الحق ويقول الحق لأن كل ما أخبر الله به فهو حق. وقرأ الباقون «يقض» بسكون القاف وكسر الضاد بغير ياء لسقوطها في اللفظ. أي يقضي القضاء الحق أو يصنع الحق لأن كل شيء صنعه الله فهو حق وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (٥٧) أي أفضل القاضين قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أي قل يا أكرم الرسل لو أن في قدرتي ما تطلبون به قبل وقته من العذاب الذي ورد به الوعيد بأن يكون أمره مفوضا إلي من الله تعالى لفصل ما بيني وبينكم بأن نزل عليكم ذلك عقب استعجالكم بقولكم: متى هذا الوعد واسترحت وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨) أي أعلم بحال المشركين وبأنهم مستحقون للإمهال بطريق الاستدراج فوقع بالنضر بن الحرث العذاب الذي سأل فقتل صبرا يوم بدر وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ أي علم الغيب لأن المفاتيح هي التي يتوصل بها إلى ما في الخزائن فمن علم كيف يفتح بها ويتوصل بها إلى ما فيها فهو عالم. أو المعنى وعنده
стр. 320
تعالى خاصة خزائن الغيب أي قدرة كاملة على كل الممكنات من المطر والنبات، والثمار ونزول العذاب لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ أي لا يعلم مفاتح الغيب بنزول العذاب الذي تستعجلون به إلا هو فالعذاب ليس مقدورا لي حتى أعجله لكم ولا معلوما لدي حتى أخبركم بوقت نزوله بل هو مما يختص به تعالى قدرة وعلما وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ من الموجودات مفصلة على اختلاف أجناسها وأنواعها وتكثر أفرادها، وإنما قدم ذكر البر لأن الإنسان قد شاهد أحوال البر وكثرة ما فيه من المدن والقرى والمفاوز، والجبال والتلال، والحيوان والنبات والمعادن، وأما البحر فإنما أخر ذكره لأن إحاطة العقل بأحواله أقل لكن الحس يدل على أن عجائب البحر أكثر، وأجناس المخلوقات أعجب وأن طول البحر وعرضه أعظم وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ من الشجر والنجم إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٥٩) أي وما حبة ملقاة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس من كل شيء إلا في علم الله تعالى، فإذا سمع الإنسان أن الحبة الصغيرة الملقاة في مواضع متسعة يبقى أكبر الأجسام مخفيا فيها وأن الماء والنابت والحي وخلافها لا تخرج عن علم الله تعالى، صارت هذه الأمثلة منبهة على معنى قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها
إِلَّا هُوَ.
وقيل: المراد بالكتاب المبين هو اللوح المحفوظ إنما كتب هذه الأحوال في اللوح المحفوظ، لتقف الملائكة على نفاذ علم الله تعالى في المعلومات فيكون في ذلك عبرة تامة للملائكة الموكلين باللوح المحفوظ لأنهم يقابلون به ما يحدث في صحيفة هذا العالم فيجدونه موافقا له وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ أي ينيمكم في الليل وإنما صح إطلاق لفظ الوفاة على النوم لأن ظاهر الجسد صار معطلا عن بعض الأعمال عند النوم كما أن جملة البدن صارت معطلة عن كل الأعمال عند الموت فحصل بين النوم والموت مشابهة من هذا الاعتبار وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ أي يعلم ما كسبتم من أعمال الجوارح في النهار ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ أي يوقظكم في النهار لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى أي لكي يتم أجل معين عند الله لكل فرد فرد بحيث لا يكاد يتجاوز أحد ما لا عين له طرفة عين ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ أي رجوعكم بالموت ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) أي يخبركم بمجازاة أعمالكم التي كنتم تعملونها في الليل والنهار من الخير والشر
وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ أي وهو الغالب المتصرف في أمور عباده يفعل بهم ما يشاء إيجادا وإعداما، وإحياء وإماتة وإثابة وتعذيبا إلى غير ذلك فالممكنات كلها مقهورة تحت قهر الله تعالى مسخرة تحت تسخير الله تعالى وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً أي ملائكة يحفظون أعمالكم ويكتبونها في صحائف تقرأ عليكم يوم القيامة على رؤوس الأشهاد حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا أي حتى إذا انتهت مدة أحدكم وانتهى حفظ الحفظة وجاءه أسباب الموت قبضه ملك الموت وأعوانه وَهُمْ أي هؤلاء الرسل لا يُفَرِّطُونَ (٦١) أي لا يؤخرون الميت طرفة عين.