استؤصلوا بالهلاك بسبب ظلمهم بإقامة المعاصي مقام الطاعات وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٥) على استئصالهم بالنكال فإن إهلاك الكفار والعصاة من حيث إنه تخليص لأهل الأرض من شؤم عقائدهم الفاسدة وأعمالهم الخبيثة نعمة جليلة مستحقة للحمد قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ أي قل يا أكرم الخلق لأهل مكة: يا أهل مكة أخبروني إن أزال الله سمعكم وأبصاركم وعقولكم أي فرد من الآلهة الثابتة بزعمكم غير الله يأتيكم بذلك الذي أزيل؟ انْظُرْ يا أكرم الرسل كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ أي كيف نكررها متغيرة من نوع إلى نوع آخر فتارة بترتيب المقدمات العقلية، وتارة بطريق الترغيب والترهيب، وتارة بالتنبيه والتذكير بأحوال المتقدمين فكل واحد يقوّي ما قبله في الإيصال إلى المطلوب ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦) أي يعرضون عن تلك الآيات وثم لاستبعاد إعراضهم عنها بعد ذكرها على الوجوه المختلفة قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ أي أخبروني يا أهل مكة إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أي عذابه الخاص بكم بَغْتَةً أي فجأة بأن يجيئهم من غير سبق علامة تدلهم على مجيء ذلك العذاب أَوْ جَهْرَةً بأن يجيئهم مع سبق علامة تدل عليه فالعذاب وقع بهم وقد عرفوه حتى لو أمكنهم الاحتراز عنه لتحرزوا منه هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧) أي هل يهلك بذلك العذاب غيركم ممن لا يستحقه وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ بالثواب على الطاعات وَمُنْذِرِينَ بالعقاب على المعاصي ولا قدرة لهم على إظهار المعجزات بل ذلك مفوض إلى مشيئة الله تعالى فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) أي فمن قبل قول المرسلين وأتى بعمل القلب الذي هو الإيمان وبعمل الجسد الذي هو الإصلاح فلا خوف عليهم من العذاب الذي أنذروه دنيويا كان أو أخرويا ولا هم يحزنون بفوات ما بشروا به من الثواب العاجل والآجل وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وهي ما ينطق به الرسل عند التبشير والإنذار ويبلغونه إلى الأمم يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ أي يصيبهم العذاب الذي أنذروه بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩) أي بسبب فسقهم وخروجهم عن الطاعة قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ.
واعلم أن الكفار طلبوا من رسول الله ﷺ أن يوسع خيرات الدنيا وأن يخبر عما يقع في المستقبل من المصالح والمضار، وطعنوا فيه في أكل الطعام والمشي في السوق، وفي تزوجه للنساء فأمر الله تعالى أن ينفي عن نفسه أمورا ثلاثة تواضعا لله تعالى واعترافا له بالعبودية وأن يقول لهم: إنما بعثت مبشرا ومنذرا ولا أدعي كوني موصوفا بالقدرة اللائقة بالله تعالى، وأن خزائن الله مفوّضة إليّ أتصرف فيها كيفما أشاء، وأعطيكم منها ما تريدون. ولا أدعي كوني موصوفا بعلم الله تعالى فأخبركم بما تريدون، ولا أدعي أني ملك حتى تكلفوني من الخوارق للعادات ما لا يطيق به البشر وحتى تعدوا عدم اتصافي بصفات الملائكة قادحا في أمري فتنكرون قولي، وتجحدون أمري، وما أخبركم من غيب إلا بوحي من الله أنزله علي قُلْ لهم: هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى
стр. 317
وَالْبَصِيرُ
أي هل يكونان سواء من غير مزية فإن قالوا: نعم، كابروا الحس وإن قالوا: لا، قيل:
فمن تبع هذه الآيات الجليات فهو البصير ومن أعرض فهو الأعمى أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠) أي ألا تسمعون هذا الكلام الحق فلا تتفكرون فيه، نزلت هذه الآية من قوله: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ في أبي جهل وأصحابه الحرث وعيينة
وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١) أي وأنذر يا أشرف الرسل بما أوحي إليك من يجوزون الحشر ويرجى منهم التأثر بالتخويف غير منصورين بقريب ولا مشفوعا لهم من جهة أنصارهم على زعمهم من غير الله تعالى سواء كانوا جازمين بأصل الحشر كالمؤمنين العاصين وأهل الكتاب المترددين في شفاعة آبائهم الأنبياء وبعض المشركين المعترفين بالبعث المترددين في شفاعة الأصنام، أو مترددين في أصل الحشر وفي
شفاعة الآباء والأصنام معا كبعض الكفرة الذين يعلم من حالهم أنهم إذا سمعوا بحديث البعث يخافون أن يكون حقا فيهلكوا لكي ينتهوا عن الكفر والمعاصي، وأما المنكرون للحشر بالكلية والقائلون به القاطعون بشفاعة آبائهم أو بشفاعة الأصنام فهم خارجون ممن أمر بإنذارهم وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ أي الذين يعبدون ربهم بالصلوات الخمس أو يذكرون ربهم طرفي النهار يُرِيدُونَ وَجْهَهُ أي يريدون بذلك محبة الله تعالى ورضاه أي مخلصين في ذلك.
روي أنه جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري، وعباس بن مرداس وهم من المؤلفة قلوبهم فوجدوا النّبيّ ﷺ جالسا مع ناس من ضعفاء المؤمنين كعمار بن ياسر وصهيب، وبلال وخباب وابن مسعود، وسلمان الفارسي ومهجع، وعامر بن فهيرة فلما رأوهم حوله حقروهم وقالوا: يا رسول الله لو جلست في صدر المجلس وأبعدت عنك هؤلاء ورائحة جبابهم لجالسناك وأخذنا عنك، فقال النبي: «ما أنا بطارد المؤمنين» ، قالوا: فإنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف به العرب فضلنا فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال: «نعم» ، قالوا فاكتب لنا عليك بذلك كتابا فأتى بالصحيفة ودعا عليا ليكتب، فنزل جبريل بهذه الآية فألقى رسول الله ﷺ الصحيفة، وقال مجاهد: قالت قريش: لولا بلال وابن أم عبد لبايعنا محمدا فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وروي أن ناسا من الفقراء كانوا مع النّبيّ ﷺ فقال: ناس من الأشراف له ﷺ إذا صلينا فأخر هؤلاء فليصلوا خلفنا؟ فنزلت هذه الآية: ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) أي ما عليك من حساب رزق هؤلاء الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي شيء فتملهم وتبعدهم، ولا من حساب رزقك عليهم شيء وإنما الرازق لهم ولك
стр. 318
هو الله تعالى فدعهم يكونوا عندك، ولا تطردهم فتكون من الظالمين لنفسك بهذا الطرد ولهم، لأنهم استحقوا مزيد التقريب. وقيل: إن الكفار طعنوا في إيمان أولئك الفقراء وقالوا: يا محمد إنهم إنما اجتمعوا عندك وقبلوا دينك لأنهم يجدون بهذا السبب مأكولا وملبوسا عندك، وإلا فهم فارغون عن دينك فقال الله تعالى: إن كان الأمر كما يقولون فما يلزمك إلا اعتبار الظاهر، وإن كان لهم باطن غير مرضي عند الله فحسابهم عليه لازم لهم لا يتعدى إليك، كما أن حسابك عليك لا يتعدى إليهم وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ أي ومثل ذلك الفتون المتقدم فتنا بعض هذه الأمة ببعض وكل أحد مبتلى بضده فأولئك الكفار الرؤساء الأغنياء كانوا يحسدون فقراء الصحابة على كونهم سابقين في الإسلام مسارعين إلى قبوله فقالوا: لو دخلنا في الإسلام لوجب علينا أن ننقاد لهؤلاء الفقراء المساكين وأن نعترف لهم بالتبعية فامتنعوا من الدخول في الإسلام لذلك، واعترضوا على الله في جعل أولئك الفقراء رؤساء في الدين، وأما فقراء الصحابة فكانوا يرون أولئك الكفار في الراحات والمسرات والطيبات والخصب والسعة، فكانوا يقولون: كيف حصلت هذه الأحوال لهؤلاء الكفار وبالجملة؟ فصفات الكمال مختلفة متفاوتة محبوبة لذاتها موزعة على الخلق فلا تجتمع في إنسان واحد ألبتة فكل أحد بحسد صاحبه على ما آتاه من الله من صفات الكمال لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا بالإيمان بالله ومتابعة الرسول وغرضهم بذلك إنكار وقوع المن رأسا وهذه اللام لام كي والتقدير ومثل ذلك الفتون فتنا ليقولوا: هذه المقالة امتحانا منا، وقيل: إنها لام الصيرورة والمعنى وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليصيروا أو ليشكروا فكان عاقبة أمرهم أن قالوا: أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا؟ قال: تعالى ردا عليهم:
أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣) لنعمه حتى تستبعدوا إنعامه عليهم. وفي هذا الاستفهام التقريري إشارة إلى أن الضعفاء عارفون بحق نعم الله تعالى في تنزيل القرآن وفي التوفيق للإيمان شاكرون له تعالى على ذلك وتعريض بأن القائلين بتلك المقالة بمعزل من ذلك كله وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ قيل: نزلت هذه الآية في أهل الصفة الذين سأل المشركون رسول الله ﵇ طردهم فأكرمهم الله تعالى بهذا الإكرام فإن الله تعالى نهى رسوله أولا عن إبعادهم، ثم أمره بتبشيرهم بالسلامة عن كل مكروه في الدنيا والرحمة في الآخرة كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أي أوجب على ذاته المقدسة الرحمة بطريق الفضل والكرم تبشيرا لهم بسعة رحمته تعالى وبنيل المطالب أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً أي ذنبا بِجَهالَةٍ بتعمد بسبب الشهوة وكان جاهلا بمقدار ما يستحقه من العقاب وما يفوته من الثواب ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ أي ندم من بعد عمل المعصية وَأَصْلَحَ عمله بالتوبة منه تداركا وعزما على أن لا يعود إليه أبدا فَأَنَّهُ أي الله غَفُورٌ بسبب إزالة العقاب رَحِيمٌ (٥٤) بسبب إيصال الثواب الذي هو النهاية في الرحمة وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ أي كما فصلنا لك في هذه السورة دلائلنا على صحة التوحيد
стр. 319
والنبوة والقضاء والقدر فكذلك نفصل لك حجتنا في تقرير كل حق ينكره أهل الباطل وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥) .
قرأ نافع «لتستبين» بالتاء خطاب للنبي و «سبيل» بالنصب. أي ولتستوضح أنت يا محمد سبيل المشركين فتعاملهم بما يليق بهم. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم «ليستبين» بالياء و «سبيل» بالرفع. والباقون بالتاء و «سبيل» بالرفع. وقوله و «ليستبين» عطف على المعنى كأنه قيل:
ليظهر الحق وليتضح سبيلهم نفعل ما نفعل من التفصيل. قُلْ يا أشرف الخلق للمصرّين على الشرك إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي إني نهيت في القرآن عن عبادة ما تعبدونه من دون الله وهو الأصنام قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ في عبادة الأحجار وهي أخس مرتبة من الإنسان بكثير فإنهم كانوا ينحتون تلك الأصنام وإنما يعبدونها بناء على محض الهوى لا على سبيل الحجة فإن اشتغال الأشرف بعبادة الأخس أمر يدفعه صريح العقل قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً أي إن اتبعت أهواءكم وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦) أي ما أنا في شيء من الهدى حين أكون في عدادهم قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ أي حجة واضحة تفصل بين الحق والباطل وهي الوحي مِنْ رَبِّي في أنه لا معبود سواه وَكَذَّبْتُمْ بِهِ أي بربي حيث أشركتم به غيره ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ أي من العذاب أي ليس أمره بمفوض إلى ف «ما» الأولى نافية، و «ما» الثانية موصولة، وسبب نزول هذه الآية أن النّبيّ ﷺ كان يخوفهم بنزول العذاب عليهم بسبب هذا الشرك، وكان النضر بن الحرث وأصحابه يستعجلونه بقولهم متى هذا الوعد إن كنتم صادقين بطريق الاستهزاء أو بطريق الإلزام على زعمهم فقال تعالى: قل يا أشرف الخلق ليس ما تستحلونه من العذاب الموعود في القرآن وتجعلون تأخره ذريعة إلى تكذيبه في حكمي وقدرتي حتى أجيء به وأظهر لكم صدقه إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أي ما الحكم في نزول العذاب تعجيلا وتأخيرا إلا الله يَقُصُّ الْحَقَّ.
قرأ ابن كثير ونافع وعاصم «يقص» بالصاد المشددة، وضم القاف، أي ينبئ الحق ويقول الحق لأن كل ما أخبر الله به فهو حق. وقرأ الباقون «يقض» بسكون القاف وكسر الضاد بغير ياء لسقوطها في اللفظ. أي يقضي القضاء الحق أو يصنع الحق لأن كل شيء صنعه الله فهو حق وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (٥٧) أي أفضل القاضين قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أي قل يا أكرم الرسل لو أن في قدرتي ما تطلبون به قبل وقته من العذاب الذي ورد به الوعيد بأن يكون أمره مفوضا إلي من الله تعالى لفصل ما بيني وبينكم بأن نزل عليكم ذلك عقب استعجالكم بقولكم: متى هذا الوعد واسترحت وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨) أي أعلم بحال المشركين وبأنهم مستحقون للإمهال بطريق الاستدراج فوقع بالنضر بن الحرث العذاب الذي سأل فقتل صبرا يوم بدر وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ أي علم الغيب لأن المفاتيح هي التي يتوصل بها إلى ما في الخزائن فمن علم كيف يفتح بها ويتوصل بها إلى ما فيها فهو عالم. أو المعنى وعنده
стр. 320
تعالى خاصة خزائن الغيب أي قدرة كاملة على كل الممكنات من المطر والنبات، والثمار ونزول العذاب لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ أي لا يعلم مفاتح الغيب بنزول العذاب الذي تستعجلون به إلا هو فالعذاب ليس مقدورا لي حتى أعجله لكم ولا معلوما لدي حتى أخبركم بوقت نزوله بل هو مما يختص به تعالى قدرة وعلما وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ من الموجودات مفصلة على اختلاف أجناسها وأنواعها وتكثر أفرادها، وإنما قدم ذكر البر لأن الإنسان قد شاهد أحوال البر وكثرة ما فيه من المدن والقرى والمفاوز، والجبال والتلال، والحيوان والنبات والمعادن، وأما البحر فإنما أخر ذكره لأن إحاطة العقل بأحواله أقل لكن الحس يدل على أن عجائب البحر أكثر، وأجناس المخلوقات أعجب وأن طول البحر وعرضه أعظم وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ من الشجر والنجم إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٥٩) أي وما حبة ملقاة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس من كل شيء إلا في علم الله تعالى، فإذا سمع الإنسان أن الحبة الصغيرة الملقاة في مواضع متسعة يبقى أكبر الأجسام مخفيا فيها وأن الماء والنابت والحي وخلافها لا تخرج عن علم الله تعالى، صارت هذه الأمثلة منبهة على معنى قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها
إِلَّا هُوَ.
وقيل: المراد بالكتاب المبين هو اللوح المحفوظ إنما كتب هذه الأحوال في اللوح المحفوظ، لتقف الملائكة على نفاذ علم الله تعالى في المعلومات فيكون في ذلك عبرة تامة للملائكة الموكلين باللوح المحفوظ لأنهم يقابلون به ما يحدث في صحيفة هذا العالم فيجدونه موافقا له وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ أي ينيمكم في الليل وإنما صح إطلاق لفظ الوفاة على النوم لأن ظاهر الجسد صار معطلا عن بعض الأعمال عند النوم كما أن جملة البدن صارت معطلة عن كل الأعمال عند الموت فحصل بين النوم والموت مشابهة من هذا الاعتبار وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ أي يعلم ما كسبتم من أعمال الجوارح في النهار ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ أي يوقظكم في النهار لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى أي لكي يتم أجل معين عند الله لكل فرد فرد بحيث لا يكاد يتجاوز أحد ما لا عين له طرفة عين ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ أي رجوعكم بالموت ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) أي يخبركم بمجازاة أعمالكم التي كنتم تعملونها في الليل والنهار من الخير والشر
وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ أي وهو الغالب المتصرف في أمور عباده يفعل بهم ما يشاء إيجادا وإعداما، وإحياء وإماتة وإثابة وتعذيبا إلى غير ذلك فالممكنات كلها مقهورة تحت قهر الله تعالى مسخرة تحت تسخير الله تعالى وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً أي ملائكة يحفظون أعمالكم ويكتبونها في صحائف تقرأ عليكم يوم القيامة على رؤوس الأشهاد حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا أي حتى إذا انتهت مدة أحدكم وانتهى حفظ الحفظة وجاءه أسباب الموت قبضه ملك الموت وأعوانه وَهُمْ أي هؤلاء الرسل لا يُفَرِّطُونَ (٦١) أي لا يؤخرون الميت طرفة عين.
стр. 321
وقرئ بسكون الفاء أي لا يجاوزون ما حدّ لهم بزيادة أو نقصان ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ أي ثم رد جميع البشر بعد البعث بالحشر إلى حكم الله وجزائه في موقف الحساب. وقيل: المعنى ثم يرد أولئك الملائكة فإنهم يموتون كما يموت بنو آدم مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أي مالكهم الذي لا يقضي إلا بالعدل أَلا لَهُ الْحُكْمُ يومئذ صورة ومعنى وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ (٦٢) يحاسب جميع الخلائق في أقصر زمان لا يشغله كلام عن كلام ولا حساب عن حساب
وفي الحديث: «إن الله تعالى يحاسب الكل في مقدار حلب شاة»
«١» أي وذلك لأنه تعالى لا يحتاج إلى فكر وعد. قُلْ يا أكرم الخلق لكفار مكة: مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ أي من شدائدهما الهائلة التي تبطل الحواس وتدهش العقول تَدْعُونَهُ والضمير عائد لمن وهذه الجملة في محل نصب على الحال إما من مفعول ينجيكم أي من ينجيكم منها داعين إياه، وإما من فاعله أي من ينجيكم منها مدعوا من جهتكم تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً أي تدعونه دعاء إعلان وإخفاء، أو تدعونه متضرعين ومخلصين بقلوبكم قائلين لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ أي الأهوال والشدائد لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) أي من المؤمنين المداومين على الشكر لأجل هذه النعمة.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر «خفية» بكسر الخاء. والباقون بالضم وعلى هذا الاختلاف في سورة الأعراف. وقرأ الأعمش و «خيفة» بكسر الخاء فبعده الياء الساكنة من الخوف أي مستكينا أو دعاء خوف والآية تدل على أن الإنسان يأتي عند حصول الشدائد بأمور.
أحدها: الدعاء.
وثانيها: التضرع.
وثالثها: الإخلاص بالقلب وهو المراد من قوله وخفية.
ورابعها: التزام الشدائد بالشكر وهو المراد من قوله: لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ.
وقرأ عاصم وحمزة والكسائي «لئن أنجانا» على المغايبة وينجيكم بالتشديد في الموضعين. والباقون «لئن أنجيتنا» على الخطاب و «ينجيكم» بالتشديد والتخفيف وحجة من قرأ على المغايبة أن ما قبل لفظ أنجانا وهو «تدعونه» وما بعده وهو «قل الله ينجيكم منها» مذكور بلفظ المغايبة ولا يحتاج في هذه القراءة إلى إضمار نحو تقولون، فالإضمار خلاف الأصل وحجة من قرأ على المخاطبة قوله تعالى في آية أخرى لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها
стр. 322
أي الله وحده ينجيكم من شدائد البر والبحر وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ أي غم سوى ذلك ثُمَّ أَنْتُمْ يا أهل مكة بعد ما تشاهدون هذه النعم الجليلة تُشْرِكُونَ (٦٤) بعبادته تعالى غيره الذي عرفتم أنه لا يضر ولا ينفع ولا تفون بعهدكم قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ كالمطر كما فعل بقوم نوح، والحجارة كما رمى أصحاب الفيل وقوم لوط، والصيحة أي صرخة جبريل التي صرخها على ثمود قوم صالح والريح كما في قوم هود أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ كالرجفة وغرق فرعون وخسف قارون أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ أي يخلط أمركم خلط اضطراب فيجعلكم فرقا مختلفين على أهواء شتى كل فرقة متابعة لإمام فإذا كنتم مختلفين قاتل بعضكم بعضا انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ أي نكررها متغيرة من حال إلى حال لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥) أي كي يقفوا على جلية الأمر فيرجعوا عمّا هم عليه من العناد وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ أي وكذبوا بالعذاب والحال أنه لواقع لا بدّ وأن ينزل بهم. أو المعنى وكذب قريش بالقرآن وهو الكتاب الصادق في كل ما نطق به وفي كونه منزلا من عند الله قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) أي قل يا أكرم الرسل لهؤلاء المكذبين لست عليكم بحافظ حتى أجازيكم على تكذيبكم وإعراضكم عن قبول الدلائل إنما أنا منذر والله هو المجازي لكم بأعمالكم لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ أي لكل خبر يخبره الله تعالى وقت يحصل فيه من غير تأخير. أو المعنى لكل قول من الله من الوعد والوعيد استقرار وحقيقة منه ما يكون في الدنيا ومنه ما يكون في الآخرة وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧) أي ولا بد أن يعلموا أن الأمر كما أخبر الله تعالى عنه عند ظهوره وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ أي وإذا رأيت أيها السامع الذين يستهزئون بآياتنا فاترك مجالسهم كي يشرعوا في حديثهم في غير آياتنا أي في غير الاستهزاء بالقرآن. ونقل الواحدي أن المشركين كانوا إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في رسول الله ﷺ والقرآن فشتموا واستهزءوا فأمرهم الله بترك مجالسة المشركين وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨) أي وإن يشغلك الشيطان فتنسى النهي فتجالسهم فلا تقعد معهم بعد تذكر النهى وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩) .
قال ابن عباس: قال المسلمون لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن قمنا عنهم لما قدرنا على أن نجلس في المسجد الحرام وأن نطوف بالبيت، فنزلت هذه الآية. أي ما على الذين يتقون قبائح الخائضين مما يحاسبون عليه من آثامهم شيء ولكن تذكرة لهم عما هم عليه من القبائح بما أمكن من التذكير لعلهم يجتنبون الخوض حياء أو نحوه. وقوله تعالى: ذِكْرى معطوف على محل شَيْءٍ وهو رفع على أنه مبتدأ مؤخر أو اسم «ما» ومن مزيدة للاستغراق ومن حسابهم حال مِنْ شَيْءٍ. وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا أي أعرض عن الذين نصروا الدين ليتوسلوا به إلى أخذ المناصب والرياسة، وغلبة الخصم وجمع الأموال ولا
стр. 323
تبال بتكذيبهم واستهزائهم ولا تقم لهم في نظرك وزنا وإنما نصروا الدين للدنيا لأجل أنهم غرتهم الحياة الدنيا أي اطمأنوا بها فلأجل استيلاء حب الدنيا على قلوبهم أعرضوا عن حقيقة الدين واقتصروا على تزيين الظواهر يتوسلوا بها إلى حطام الدنيا، وإذا تأملت في حال أكثر الخلق وجدتهم موصوفين بهذه الصفة وداخلين تحت هذه الحالة والله أعلم والمحقق في الدين هو الذي ينصر الدين لأجل أنه قام الدليل على أنه صواب وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ أي ذكرهم بمقتضى الدين مخافة احتباسهم في نار جهنم بسبب جناياتهم لعلهم يخافون لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ أي ليس للنفس من غير الله ناصر ولا شفيع يمنع عنها العذاب وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ
عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها
أي وإن تفد تلك النفس بكل فداء لا يقبل منها حتى لو جعلت الدنيا بأسرها فدية من عذاب الله لم تنفع أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠) أي أولئك المتخذون دينهم لعبا ولهوا المغترون بالحياة الدنيا هم الذين حبسوا في جهنم بما كسبوا في الدنيا لهم شراب من ماء مغلي يتجرجر في بطونهم وتتقطع به أمعاؤهم وعذاب أليم بنار تشتعل بأبدانهم بسبب كفرهم المستمر في الدنيا
قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ أي قل يا أكرم الرسل لهؤلاء المشركين الذين دعوك إلى دين آبائهم كعيينة وأصحابه أنعبد متجاوزين عبادة الله الجامع لجميع صفات الألوهية ما لا يقدر على نفعنا في الدنيا والآخرة إن عبدناه، ولا على ضرنا فيهما إذا تركناه ونرد إلى الشرك بعد إذ هدانا الله إلى الإسلام وأنقذنا من الشرك، وإنما يقال لكل من أعرض عن الحق إلى الباطل:
إنه رجع إلى خلف ورجع على عقبيه لأن الأصل في الإنسان هو الجهل ثم إذا تكامل حصل له العلم فإذا يرجع من العلم إلى الجهل مرة أخرى فكأنه رجع إلى أول مرة كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا أي فيكون مثلنا كالذي استنزلته الشياطين من الموضع العالي إلى الوهدة السافلة العميقة في قعر الأرض تائها عن الجادة لا يدري ما يصنع وللنازل إلى الوهدة المظلمة عينية وأصحابه رفقة وهم أصحاب النّبيّ ﷺ يدعونه إلى الطريق المستقيم يقولون: ائتنا إلى الجادة والغيلان ينزلونه إلى السافلة المظلمة فبقي متحيرا أين يذهب. وهذا المثل في غاية الحسن وذلك لأن الذي يهوي من المكان العالي إلى الوهدة العميقة يهوي إليها مع الاستدارة على نفسه كما أن الحجر حال نزوله من الأعلى إلى الأسفل ينزل على الاستدارة، وذلك يدل على كمال التردد والتحير فعند نزوله لا يعرف أنه يسقط على موضع يكثر بلاؤه بسبب سقوطه أو يقل فإذا اعتبرت مجموع هذه الأحوال علمت أنك لا تجد مثالا للمتحير المتردد الخائف أحسن ولا أكمل من هذا المثال قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ الذي هدانا إليه هو الإسلام هُوَ الْهُدى الكامل النافع الشريف وما عداه ضلال محض، وغي بحت وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ أي قل وأمرنا بأن نخلص العبادة لرب العالمين لأنه
стр. 324
المستحق للعبادة وقل أقيموا الصلاة واتقوا الله تعالى في مخالفة أمره المقصود من ذكر هذين النوعين من الخطاب تنبيه على الفرق بين حالتي الكفر والإيمان. فإن الكافر بعيد غائب والمؤمن قريب حاضر، فيخاطب الكافر بخطاب الغائبين لأنه كالأجنبي الغائب، فيقال له: وأمرنا لنسلم لرب العالمين وإذا أسلم وآمن صار كالقريب الحاضر فيخاطب بخطاب الحاضرين ويقال له:
وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢) أي تجمعون يوم القيامة فيجزيكم بأعمالكم وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وما فيهما بِالْحَقِّ أي قائما بالحق لا عابثا وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ أي وأمره المتعلق بكل شيء يريد خلقه حين تعلقه به هو المعروف بالحقية. والمراد من هذا الأمر التنبيه على نفاذ قدرته ومشيئته في تكوين الكائنات وهذا بيان أن خلقه تعالى للسموات والأرض ليس مما يتوقف على مادة ولا مدة بل يتم بمحض الأمر التكويني من غير توقف على شيء آخر أصلا. والمراد بالقول كلمة «كن» تمثيل لأن سرعة قدرته تعالى أقل زمنا من زمن النطق بكن وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ إنما أخبر الله عن ملكه يومئذ لأنه لا منازع له يومئذ فإن الملوك اعترفوا بأن الملك لله الواحد القهار، والصور قرن ينفخ فيه إسرافيل نفختين نفخة الصعق أي الموت، ونفخة البعث للحساب عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أي عالم ما غاب عن العباد وما عمله العباد وقوله تعالى: وَلَهُ الْمُلْكُ يدل على كمال القدرة وقوله: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ يدل على كمال العلم وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣) فالحكيم هو المصيب في أفعاله والخبير هو العالم بحقائق الأشياء من غير اشتباه وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ وهو في التوراة تارح فلأبي إبراهيم اسمان آزر وتارح بن ناحور.
واعلم أن جميع نسب رسول الله ﷺ مطهر من عبادة الأصنام ما دام النور المحمدي في أصلابهم أما بعد انتقاله منهم فتجوز عليهم عبادة الأصنام وغيرها من سائر أنواع الكفر أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً أي أتجعل لنفسك أصناما آلهة فتعبد أصناما شتى صغيرا وكبيرا ذكرا وأنثى إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٧٤) أي إني أراك يا أبت وقومك في ضلال عن الحق بين في الاتفاق على عبادة الأصنام وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) أي كما أرينا إبراهيم البصيرة في دينه والحق في خلاف ما كان قومه عليه من عبادة الأصنام نريه ملكوت السماوات والأرض من وقت طفوليته ليراها فيتوسل بها إلى معرفة جلال الله تعالى وقدسه، وعلوه وعظمته وليصير زمان بلوغه من البالغين درجة عين اليقين من معرفة الله تعالى، لأن مخلوقات الله وإن كانت متناهية في الذوات والصفات فهي غير متناهية من جهات دلالتها على الذوات والصفات كما نقل عن إمام الحرمين أنه يقول معلومات الله تعالى غير متناهية ومعلوماته في كل واحد من تلك المعلومات غير متناهية أيضا وذلك لأن الجوهر الفرد يمكن وقوعه في أحياز لا نهاية لها على البدل، ويمكن اتصافه بصفات لا نهاية لها على البدل، وكل تلك
стр. 325
الأحوال التقديرية دالة على حكمة الله وقدرته، وإذا كان الجوهر الفرد وهو الجزء الذي لا يتجزأ كذلك فكيف القول في ملكوت الله تعالى فثبت أن دلالة ملك الله تعالى على سمات عظمته وعزته غير متناهية، وحصول المعلومات التي لا نهاية لها دفعة واحدة في عقول الخلق محال فحينئذ لا طريق إلى تحصيل تلك المعارف إلا بأن يحصل بعضها عقب بعض وهذا هو المراد من قول المحققين السفر إلى الله له نهاية، وأما السفر في الله فإنه لا نهاية له والله أعلم فَلَمَّا جَنَّ أي أظلم عَلَيْهِ اللَّيْلُ في السرب رَأى كَوْكَباً وهي الزهرة وهي في السماء الثالثة قالَ هذا رَبِّي مجاراة مع أبيه وقومه الذين كانوا يعبدون الأصنام والكوكب فَلَمَّا أَفَلَ أي غرب قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) أي لا أحب الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال المحتجبين بالأستار فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً أي مبتدئا في الطلوع إثر غروب الكواكب قالَ هذا رَبِّي هذا أكبر من الأول حكاية لقول الخصم الذين يعبدون الكواكب فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي إلى حضرة الحق لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فإن شيئا مما رأيته لا يليق بالربوبية فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً أي مبتدئه في الطلوع قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ من الأول والثاني فَلَمَّا أَفَلَتْ أي هي قالَ مخاطبا للكل صادعا بالحق بينهم يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) بالله من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث.
اعلم أن أكثر المفسرين ذكروا أن ملك ذلك الزمان وهو نمروذ بن كنعان رأى رؤيا كأن كوكبا قد طلع فذهب بضوء الشمس والقمر حتى لم يبق لهما ضوء، وعبرها المعبرون بأنه يولد غلام ينازعه في ملكه فأمر ذلك الملك بذبح كل غلام يولد في هذه السنة فحبلت أم إبراهيم به وما أظهرت حبلها للناس فلما جاءها الطلق ذهبت إلى كهف ووضعت إبراهيم وسدت الباب بحجر، فجاء جبريل ﵇ ووضع إصبعه في فمه فمصه فخرج منه رزقه، وكان يتعهده جبريل ﵇ فكانت الأم تأتيه أحيانا وترضعه وبقي على هذه الصفة حتى كبر وعقل وعرف أن له ربا فسأل الأم فقال لها: من ربي؟ فقالت: أنا، فقال: ومن ربك؟ قالت: أبوك، فلما أتاه أبوه آزر فقال: يا أبتا من ربي؟ قال: أمك، قال: فمن رب أمي؟ قال: أنا، قال: فمن ربك؟ قال: ملك البلد نمروذ، فعرف إبراهيم جهلهما بربهما فلما جن عليه الليل دنا من باب السرب فنظر من باب ذلك الغار ليرى شيئا يستدل به على وجود الرب تعالى فرأى النجم الذي هو أضوء النجوم في السماء فقال: هذا ربي إلى آخر القصة. ولما تبرأ إبراهيم من المشركين توجه إلى منشئ هذه المصنوعات فقال: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أي إني وجهت طاعتي وصرفت وجه قلبي للذي أخرج السموات والأرض إلى الوجود حَنِيفاً أي مائلا عن كل معبود دون الله تعالى وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩) في شيء من الأفعال والأقوال وَحاجَّهُ قَوْمُهُ أي خاصموه في آلهتهم وخوفوه بها.
стр. 326
روي أنه لما شبّ إبراهيم جعل آزر يصنع الأصنام ويعطيها له ليبيعها فيذهب بها وينادي من يشتري ما يضره ولا ينفعه فلا يشتريها أحد، فإذا بارت عليه ذهب بها إلى نهر وضرب فيه رؤوسها وقال لها: اشربي. استهزاء بقومه حتى فشا فيهم استهزاؤه بها فقالوا له: احذر الأصنام فإنا نخاف أن تمسك بخبل أو جنون بعيبك إياها فذلك قوله تعالى: وَحاجَّهُ قَوْمُهُ. قالَ أي إبراهيم لهم:
أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ أي أتخاصمونني في وحدانية الله وَقَدْ هَدانِ لدينه فكيف ألتفت إلى حجتكم العليلة وكلماتكم الباطلة وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ من الأصنام لأن الخوف إنما يحصل ممن يقدر على النفع والضر والأصنام جمادات لا قدرة لها على النفع والضر فكيف يحصل الخوف منها إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً أي لا أخاف معبوداتكم في وقت قط لأنها لا تقدر على منفعة ولا مضرة إلا أن يشاء ربي شيئا من المكروه يصيبني من جهتها كأن يحييها ويمكنها من إيصال المنفعة والمضرة إلي، أو من نزع المعرفة من قلبي فأخاف ممن تخافون وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً فإنه علام الغيوب فلا يفعل إلا الصلاح والحكمة فبتقدير أن يحدث من مكاره الدنيا فذاك لأنه تعالى عرف وجه الصلاح والخير فيه لا لأجل أنه عقوبة على الطعن في إلهية الأصنام أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) أن نفي الشركاء عن الله تعالى لا يوجب نزول العذاب وإثبات التوحيد له تعالى لا يوجب استحقاق العقاب.
أو المعنى أتعرضون عن التأمل في أن آلهتكم جمادات لا تضر ولا تنفع فلا تتذكرون أنها غير قادرة ولا تتعظون فيما أقول لكم من النهي
وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً أي وكيف أخاف الأصنام التي لا قدرة لها على النفع والضر وأنتم لا تخافون من الله إشراككم بالله ما يمتنع حصول الحجة فيه، أو ما لم يرد الأمر به أي وكيف أخاف أنا ما ليس في حيز الخوف أصلا، وأنتم لا تخافون غائلة ما هو أعظم المخوّفات وهو إشراككم بالله الذي لا يماثل ذاته وصفاته شيء في الأرض ولا في السماء ما هو من جملة مخلوقاته فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ أي ما لكم تنكرون على الأمن في موضع الأمن ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف فأي الفريقين من الموحدين والمشركين أحق بالأمن من معبود أحد الفريقين إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) من أحق بذلك فأخبروني فلم يجيبوا فأجاب الله ما سأل عنهم فقال الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ أي الفريق الذين آمنوا ولم يخلطوا إيمانهم بشرك بأن لم يثبتوا لله شريكا في المعبودية أولئك لهم الأمن من العذاب وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢) إلى الصواب ومن عداهم في ضلال ظاهر والله تعالى شرط في الإيمان الموجب للأمن عدم الظلم أي عدم النفاق بالإيمان.
وأما الفاسق فهو مؤمن فوعيد الفاسق من أهل الصلاة يحتمل أن يعذبه الله وأن يعفو عنه فالأمن زائل والخوف حاصل فلم يلزم من عدم الأمن القطع بحصول العذاب والله أعلم وَتِلْكَ أي ما احتج به إبراهيم على قومه حُجَّتُنا آتَيْناها أي ألهمناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ متعلق بحجتنا نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ.
стр. 327
قرأ عاصم وحمزة والكسائي بغير إضافة أي نرفع من نشاء رفعه في رتب عظيمة عالية من العلم والحكمة والمنزلة. وقرأ الباقون بالإضافة إِنَّ رَبَّكَ يا أكرم الرسل حَكِيمٌ في كل ما فعل من رفع وخفض. عَلِيمٌ (٨٣) بحال من يرفعه أي إن الله يرفع درجات من يشاء بمقتضى حكمته وعلمه فإن أفعاله تعالى منزهة عن العبث وَوَهَبْنا لَهُ أي لإبراهيم لصلبه إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ من إسحاق كُلًّا هَدَيْنا أي كل واحد من إبراهيم وإسحاق ويعقوب أرشدنا إلى النبوة والرسالة وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ أي من قبل إبراهيم وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ أي وهدينا من ذرية نوح داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ هو ابن أموص من أسباط عيص بن إسحاق وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) أي ونجزي المحسنين المذكورين جزاء كائنا مثل ذلك الجزاء على إحسانهم وهو الإتيان بالأعمال الحسنة على حسنها الوصفي المقارن لحسنها الذاتي،
وقد فسره النّبيّ ﷺ بقوله: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»
«١» . وَزَكَرِيَّا ابن أذن وَيَحْيى ابنه وَعِيسى ابن مريم بنت عمران وَإِلْياسَ بن ياسين بن فنحاص بن عيزار بن هارون بن عمران كُلٌّ أي كل واحد من أولئك المذكورين مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) أي من الكاملين في الصلاح. وهو الإتيان بما ينبغي والتحرز عمّا لا ينبغي وَإِسْماعِيلَ بن إبراهيم وَالْيَسَعَ بن أخطوب بن العجوز.
قرأ حمزة والكسائي واليسع بتشديد اللام وسكون الياء. والباقون واليسع بلام واحدة ساكنة وبفتح الياء وَيُونُسَ بن متى وَلُوطاً بن هاران أخي إبراهيم وَكلًّا من هؤلاء الأنبياء فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (٨٦) فهم يفضلون على الملائكة والأولياء.
واعلم أن الله تعالى خصّ كل طائفة من الأنبياء بنوع من الكرامة والفضل فمنهم أصول الأنبياء وإليهم يرجع حسبهم جميعا وهم نوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب، ثم المراتب المعتبرة عند جمهور الخلق بعد النبوة الملك والسلطان والقدرة، وقد أعطى الله داود وسليمان من هذا الباب نصيبا عظيما، ثم المرتبة الثالثة البلاء الشديد، والمحنة العظيمة، وقد خصّ الله أيوب بهذه الخاصية، والمرتبة الرابعة من كان مستجمعا لهاتين الحالتين وهو يوسف فإنه نال البلاء الكثير في أول الأمر، ثم أعطاه الله النبوة مع ملك مصر، والمرتبة الخامسة من فضائل الأنبياء: قوة المعجزات وكثرة البراهين والمهابة العظيمة والصولة الشديدة وذلك في حق موسى وهارون.
стр. 328
والمرتبة السادسة: الزهد الشديد والإعراض عن الدنيا وترك مخالطة الخلق وذلك كما في حق زكريا ويحيى وعيسى وإلياس، ولهذا السبب وصفهم الله بأنهم من الصالحين، ثم ذكر الله بعد هؤلاء من لم يبق له فيما بين الخلق أتباع وهم إسماعيل واليسع ويونس ولوط والله أعلم. وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وهذا إما عطف على «كلا» فالعامل فيه «فضلنا» ومن تبعيضية أو على «نوحا» فالعامل فيه «هدينا» و «من» ابتدائية والمفعول محذوف أي وهدينا بالنبوة والإسلام من آبائهم جماعات كثيرة آدم وشيث وإدريس وهود وصالح ومن ذرياتهم جماعات كثيرة أولاد يعقوب ومن إخوانهم جماعات إخوة يوسف وَاجْتَبَيْناهُمْ أي اصطفيناهم بالنبوة والرسالة وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) أي إلى معرفة التوحيد وتنزيه الله تعالى عن الشرك ذلِكَ أي معرفة الله بوحدانيته هُدَى اللَّهِ أي دين الله فان الايمان لا يحصل الا بخلق الله تعالى يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وهم المستعدون للهداية في الإرشاد وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أي ولو أشرك هؤلاء الأنبياء لحبط عنهم مع فضلهم وعلو درجاتهم أعمالهم المرضية وعبادتهم الصالحة فكيف بمن عداهم. والمقصود من هذا الكلام تقرير التوحيد وإبطال طريقة الشرك أُولئِكَ أي الأنبياء الثمانية عشر الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ أي أعطيناهم فهما تاما لما في الكتاب وعلما محيطا بأسراره وَالْحُكْمَ فإن الله تعالى جعلهم حكاما على الناس نافذي الحكم فيهم بحسب الظاهر وَالنُّبُوَّةَ فيقدرون بها على التصوف في ظواهر الخلق كالسلاطين، وفي بواطنهم وأرواحهم كالعلماء فَإِنْ يَكْفُرْ بِها أي بهذه الثلاثة هؤُلاءِ أي كفار قريش فَقَدْ وَكَّلْنا بِها أي وفقنا للإيمان بها والقيام بحقوقها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ (٨٩) أي بجاحدين في وقت من الأوقات وهم الأنصار وأهل المدينة أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ أي أولئك الذين قصصناهم من النبيين هداهم الله بالأخلاق الحسنى فبأخلاقهم الشريفة اقتده، واستدل بهذه الآية بعض العلماء على أن محمدا ﷺ أفضل من جميع الأنبياء، وذلك لأن جميع الصفات الحميدة كانت متفرقة فيهم فأمر الله تعالى رسوله سيدنا محمدا ﷺ أن يقتدي بهم بأسرهم في جميع صفات الكمال التي كانت متفرقة فيهم فيلزم أنه ﷺ حصّلها، ومتى كان الأمر كذلك وجب أن يقال: إنه ﷺ أفضل منهم بكليتهم. فكان نوح صاحب تحمل الأذى من قومه. وكان إبراهيم صاحب كرم وبذل ومجاهدة في الله تعالى، وكان إسحاق ويعقوب صاحبي صبر على البلاء والمحن. وكان داود وسليمان من أصحاب الشكر على النعمة، وكان أيوب صاحب صبر على البلاء وكان يوسف جامعا بين الصبر والشكر، وكان موسى صاحب الشريعة الظاهرة، وكان زكريا ويحيى وعيسى وإلياس من أصحاب الزهد في الدنيا، وكان إسماعيل صاحب صدق وكان يونس صاحب تضرع. قُلْ يا أشرف الخلق لأهل مكة: لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أي القرآن أَجْراً من جهتكم إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ (٩٠) أي ما القرآن إلا عظة للجن والإنس من جهته تعالى
стр. 329
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ أي ما عرفوه تعالى حق معرفته في اللطف بعباده والرحمة عليهم ولم يراعوا حقوقه تعالى في ذلك إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ.
روي أن مالك بن الصيف- وهو من أحبار اليهود- ورؤسائهم جاء في مكة يخاصم النبيّ ﷺ وكان رجلا سمينا، فقال له رسول الله ﷺ : «أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أن الله تعالى يبغض الحبر السمين» فقال: نعم- وكان يحب إخفاء ذلك لكن أقر لإقسام النبي عليه- فقال له النبي: «أنت حبر سمين وقد سمنت من الأشياء التي تطعمك اليهود» «١» . فضحك القوم، فغضب مالك بن الصيف ثم التفت إلى عمر فقال: ما أنزل الله على بشر من شيء. فقال له أصحابه الذين معه: ويحك، ولا على موسى. فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء، فلما سمع قومه تلك المقالة قالوا: ويلك. ما هذا الذي بلغنا عنك أليس الله أنزل التوراة على موسى فلم قلت هذا قال؟!: أغضبني محمد فقلته، فقالوا: وأنت إذا غضبت تقول على الله غير الحق. فعزلوه من الحبرية وعن رئاستهم لأجل هذا الكلام وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف.
قُلْ لهم: مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ أي حال كون الكتاب ظاهرا جليا في نفسه وهاديا للناس من الضلالة تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً أي تضعون الكتاب في ورقات مفرقة فجعلوه أجزاء نحو نيف وثمانين جزءا، وفعلوا ذلك ليتمكنوا من إخفاء ما أرادوا إخفاءه، فيجعلون ما يريدون إخفاءه على حدى ليتمكنوا من إخفائه.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو بياء الغيبة في الأفعال الثلاثة. والباقون بتاء الخطاب وَعُلِّمْتُمْ أيها اليهود من الأحكام وغيرها ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ من قبل نزول التوراة. وقيل: المراد من قوله تعالى: وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ أن التوراة كانت مشتملة على البشارة بمقدم محمد واليهود قبل مقدمه ﷺ كانوا يقرءون تلك الآيات وما كانوا يفهمون معانيها فلما بعث محمدا ظهر أن المراد من تلك الآيات هو مبعثه ﷺ قُلِ اللَّهُ أي قل يا أكرم الرسل المنزل لهذا الكتاب هو الله تعالى ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١) أي ثم اتركهم في باطلهم الذين يخوضون فيه يسخرون فإنك إذا أقمت الحجة لم يبق عليك من أمرهم شيء ألبتة وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ أي وهذا القرآن كتاب أنزلناه بالوحي على لسان جبريل مُبارَكٌ أي كثير خيره دائم منفعته يبشر بالمغفرة يزجر عن المعصية مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ أي موافق للكتب التي قبله في التوحيد وتنزيه الله، والدلالة على البشارة والنذارة وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى.
стр. 330
قرأ شعبة «لينذر» على الغيبة أي لينذر الكتاب والباقون و «لتنذر» بالخطاب. أي ولتنذر يا أكرم الرسل أهل مكة سميت أم القرى لأنها قبلة أهل الدنيا ولأنها موضع الحج وهي من أصول عبادات أهل الدنيا فيجتمع الخلق إليها كما يجتمع الأولاد إلى الأم، فلما اجتمع أهل الدنيا فيها بسبب الحج فيلزم أن يحصل فيها أنواع التجارات وهي من أصول المعيشة فلهذا السبب سميت مكة أم القرى وَمَنْ حَوْلَها أي من أهل جميع بلاد العالم وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي بالوعد والوعيد والثواب والعقاب يُؤْمِنُونَ بِهِ أي بالكتاب وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩٢) فإن الإيمان بالآخرة يحمل على الإيمان بمحمد ﷺ وذلك يحمل على المحافظة على الصلاة وتخصيصها بالذكر لأنها أشرف العبادات بعد الإيمان بالله فلم يقع اسم الإيمان على شيء من العبادات الظاهرة إلا على الصلاة. قال تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [البقرة: ١٤٣] أي صلاتكم. ولم يقع اسم الكفر على شيء من المعاصي إلا على ترك الصلاة.
قال ﷺ : «من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر»
«١» وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً نزل هذا في مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة وفي الأسود العنسي صاحب صنعاء فإنهما كانا يدّعيان النبوة والرسالة من عند الله تعالى على سبيل الكذب أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ.
روي أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فلما نزل قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ [المؤمنون: ١٢] أملاه رسول الله ﷺ فلما بلغ قوله تعالى: ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ [المؤمنون: ١٤] عجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان فقال:
فتبارك الله أحسن الخالقين، فقال رسول الله ﷺ : «هكذا نزلت الآية اكتبها كذلك» «٢» فشك عبد الله وقال: إن كان محمدا صادقا فقد أوحي إليّ مثل ما أوحي إليه فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين، ثم رجع بعد ذلك إلى الإسلام فأسلم قبل فتح مكة حين نزول رسول الله ﷺ بمر الظهران
وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ كما ادعى النضر بن الحرث معارضة القرآن فإنه قال في شأن القرآن: إنه من أساطير الأولين وكل أحد يمكنه الإتيان بمثله، وقال: لو نشاء لقلنا مثل هذا.
قال العلماء: وقد دخل في حكم هذه الآية كل من افترى على الله كذبا في ذلك الزمان وبعده لأن خصوص السبب لا يمنع عموم الحكم وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣) أي ولو ترى يا أشرف الخلق الظالمين وقت كونهم في شدائد الموت
стр. 331
في الدنيا والملائكة باسطوا أيديهم لقبض أرواحهم قائلين لهم: أخرجوا أنفسكم من هذه الشدائد، وخلّصوها من هذه الآلام، هذا الوقت تجزون العذاب الذي يقع به الهوان الشديد بسبب الافتراء على الله والتكبر على آيات الله، لرأيت أمرا فظيعا. أو المعنى ولو ترى الظالمين إذا صاروا إلى أنواع الشدائد والتعذيبات في الآخرة فأدخلوا جهنم والملائكة باسطوا أيديهم عليهم بالعذاب مبكتين لهم قائلين: أخرجوا أنفسكم من هذا العذاب الشديد هذا الوقت تجزون العذاب المشتمل على الإهانة بسبب كونكم قائلين قولا غير الحق، وكونكم مستكبرين عن الإيمان بآيات الله لرأيت أمرا عظيما. وَلَقَدْ جِئْتُمُونا للحساب فُرادى عن الأهل والمال والجاه كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أي مشبهين ابتداء خلقكم حفاة عراة غرلا بهما أي ليس معهم شيء وَتَرَكْتُمْ بغير اختياركم ما خَوَّلْناكُمْ أي أعطيناكم من الأموال وَراءَ ظُهُورِكُمْ في الدنيا أما إذا صرف الأموال إلى الجهات الموجبة لتعظيم أمر الله وللشفقة على خلق الله فما تركها وراء ظهره بل قدمها تلقاء وجهه وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ أي وما نرى معكم أصنامكم التي زعمتم أنها شركاء لله في استحقاق عبادتكم لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ.
قرأ نافع وحفص عن عاصم والكسائي بالنصب. أي لقد تقطعت الشركة بينكم. والباقون بالرفع أي لقد تقطع وصلكم ف «البين» اسم يستعمل للوصل والفراق فهو مشترك بينهما كالجون للأسود والأبيض وَضَلَّ أي ضاع عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤) إن الأصنام شفعاؤكم إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ أي شاق جميع الحبوب من الحنطة وغيرها وَالنَّوى وهي التي في داخل الثمار أي فإذا وقعت الحبة أو النواة في الأرض الرطبة ثم مرّ عليها مدة أظهر الله تعالى في تلك الحبة أو النواة من أعلاها شقا ومن أسفلها شقا آخر فيخرج من الحبة ورق أخضر ومن النواة شجرة صاعدة في الهواء ويخرج منها عروق هابطة في الأرض يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ أي يخرج من النطفة بشرا حيا، ومن البيضة فروخا حية، ومن الحب اليابس نباتا غضا، ومن الكافر مؤمنا، ومن العاصي مطيعا وبالعكس ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) أي ذلكم الله المدبر الخالق، النافع الضار، المحيي المميت فمن أين تكذبون في إثبات القول بعبادة الأصنام؟ وقيل:
المظلم بأن أجرى جدولا من النور فيه وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً أي يستريح فيه الخلق من التعب الحاصل في النهار.
стр. 332
قرأ عاصم وحمزة والكسائي على صيغة الماضي. والباقون على صيغة اسم الفاعل وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً أي قدّر الله تعالى حركة بمقدار معين من السرعة والبطء بحيث تتم الدورة في سنة، وقدّر حركة القمر بحيث تتم الدورة في شهر وبهذه المقادير تنتظم مصالح العالم في الفصول الأربعة وبسببها يحصل ما يحتاج إليه من نضج الثمار وحصول الغلات ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ أي حصول هذه الأحوال لا يمكن إلا بقدرة كاملة متعلقة بجميع الممكنات وبعلم نافذ في جميع المعلومات من الكليات والجزئيات فليس حصول حركات أجرام الأفلاك بصفاتها المخصوصة بالطبع وإنما هو بتخصيص الفاعل المختار وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ أي وهو الذي خلق لكم النجوم لاهتدائكم بها في مشتبهات الطرق إذا سافرتم في بر أو بحر، ولاستدلالكم بها على معرفة القبلة وعلى معرفة أوقات الصلاة قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧) أي قد بينّا العلامات الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا لقوم يتأملون فيستدلون بالمحسوس على المعقول وينتقلون من الشاهد إلى الغائب، أي فإن هذه النجوم كما يستدل بها على الطرقات في ظلمات البر والبحر فكذلك يستدل بها على معرفة الصانع الحكيم وكمال قدرته وعلمه وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ أي الذي خلقكم مع كثرتكم من نفس آدم ﵇ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو «فمستقر» بكسر القاف. والباقون بفتحها وأما مستودع فهو بفتح الدال لا غير بالمعنى على الأول فمنكم مستقر ومنكم شيء مودع في الصلب وهو النطفة وعلى الثاني فلكم مكان استقرار وهو الأرحام، ومكان استيداع وهو نفس الأصلاب. والفرق بين المستقر والمستودع أن المستقر ما لم يكن على قرب الزوال والمستودع ما كان على قرب الزوال فإن النطفة تبقى في صلب الأب زمانا قصيرا والجنين يبقى في رحم الأم زمانا طويلا ولما كان المكث في بطن الأم أكثر من المكث في صلب الأب حمل المستقر على الرحم والمستودع على الصلب.
وقيل: إن المستقر صلب الأب والمستودع: رحم الأم، لأن النطفة حصلت في صلب الأب قبل حصولها في رحم الأم. فحصول النطفة في الرحم من فعل الرجل مشبه بالوديعة وحصولها في الصلب لا من جهة الغير.
وقال أبو مسلم الأصبهاني: إن تقدير الآية هو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمنكم ذكر ومنكم أنثى، وإنما عبر عن الذكر بالمستقر لأن النطفة إنما تنشأ في صلبه وتستقر فيه. وإنما عبر عن الأنثى بالمستودع لأن رحمها شبيه بالمستودع لتلك النطفة قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ أي قد بينا العلامات الدالة على قدرتنا من تفاصيل خلق البشر لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨) أي يدققون النظر فإن
стр. 333
إنشاء الأنس من نفس واحدة وتصريفهم بين أحوال مختلفة ألطف صنعة وإن الاستدلال بالأنفس أدق من الاستدلال بالنجوم في الآفاق لظهورها وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً أي وهو الله الذي خلق هذه الأجسام في السماء ثم ينزلها إلى السحاب ثم من السحاب إلى الأرض فَأَخْرَجْنا بِهِ أي بسبب الماء نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ من الأشياء التي تنمو من أنواع النجم والشجر فَأَخْرَجْنا مِنْهُ أي النبات خَضِراً أي زرعا. والمراد من هذا الخضر العود الأخضر الذي يخرج أولا في القمح والشعير والذرة والأرز ويكون السنبل في أعلاه نُخْرِجُ مِنْهُ أي من ذلك الخضر حَبًّا مُتَراكِباً بعضه على بعض في سنبله واحدة وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها أي كيزانها قبل أن ينشق عن الإغريض قِنْوانٌ أي عراجين تدلت من الطلع دانِيَةٌ أي قريبة من القاطف يناله القائم والقاعد وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ.
قرأ عاصم بالرفع وهي قراءة علي، أي ومن الكرم جنات من أعناب. والباقون بالنصب والتقدير وأخرجنا بالماء بساتين من أعناب وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ أي شجرهما والأحسن أن ينتصبا على الاختصاص لعزة هذين الصنفين عندهم مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ أي إن هذه الفواكه قد تكون متشابهة في اللون والشكل مع أنها تكون مختلفة في الطعم واللذة، وقد تكون مختلفة في اللون والشكل مع أنها تكون متشابهة في الطعم واللذة، وأيضا بعض حبات العنقود من العنب متشابهة وبعضها غير متشابه فإنك إذا أخذت العنقود ترى حباته نضجة حلوة طيبة إلا حبات مخصوصة منها بقيت على أول حالها من الخضرة والحموضة والعفوصة. انْظُرُوا أيها المخاطبون. نظر اعتبار إِلى ثَمَرِهِ أي ثمر كل واحد مما ذكر.
قرأ حمزة والكسائي بضم الثاء والميم. وقرأ أبو عمرو بضم الثاء وسكون الميم. والباقون بفتح الثاء والميم إِذا أَثْمَرَ أي إذا خرج ثمره فتجدوه ضئيلا لا يكاد ينتفع به. وَيَنْعِهِ أي وانظروا إلى حال نضجه وكماله فتجدوه قد صار قويا جامعا لمنافع جمة إِنَّ فِي ذلِكُمْ أي في اختلاف الألوان وهو ما أمر بالنظر إليه لَآياتٍ أي عظيمة دالة على وجود القادر الحكيم ووحدته لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩) أي لمن سبق في حقه قضاء الله بالإيمان، فأما من سبق له قضاء الله بالكفر لم ينتفع بهذه الدلالة ألبتة أصلا. وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ أي قال المجوس: إن الله تعالى وإبليس أخوان شريكان فالله تعالى خالق الناس والدواب والأنعام، وإبليس خالق السباع والحيات والعقارب، وقالوا: كل ما في هذا العالم من الخيرات فهو من يزدان وجميع ما فيه من الشرور فهو من أهرمن، وهو المسمى بإبليس في شرعنا. وَخَلَقَهُمْ أي وقد علموا أن الله خلقهم فإن أكثر المجوس معترفون بأن إبليس ليس بقديم بل هو حادث، وإنما كان إبليس أصلا لجميع الشرور والآفات والمفاسد والقبائح وقد سلموا أن إله العالم هو الخالق لما هو أصل
стр. 334
الشرور والقبائح والمفاسد، ثم إن في المجوس من يقول: إنه تعالى تفكّر في مملكة نفسه واستعظمها فحصل نوع من العجب فنشأ الشيطان عن ذلك العجب ومنهم من يقول شك في قدرة نفسه فنشأ من شكه الشيطان فهؤلاء معترفون بأن أهرمن محدث وأن محدثه هو الله تعالى فقوله تعالى: وَخَلَقَهُمْ إشارة إلى هذا المعنى والضمير عائد إلى الجن وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
قرأ نافع و «خرقوا» بتشديد الراء والجمهور بتخفيفها، وقرأه ابن عباس بالحاء المهملة والفاء وتخفيف الراء، وابن عمر كذلك إلا أنه شدد الراء أي كذبوا في الله حيث وصفوه تعالى بثبوت البنين والبنات مصاحبين لجهل حقيقة ما وصفوه فالذين أثبتوا لبنين النصارى وقوم من اليهود حيث قال النصارى: المسيح ابن الله، واليهود: عزير ابن الله والذين أثبتوا البنات العرب الذين يقولون: الملائكة بنات الله، فلو عرفوا أن الإله يجب أن يكون واجب الوجود لذاته لامتنعوا أن يثبتوا له تعالى البنين والبنات، فإن الولد دال على كونه منفصلا من جزء من أجزاء الوالد وذلك إنما يكون في مركب يمكن انفصال بعض أجزائه وذلك في حق الفرد الواجب لذاته محال فمن عرف حقيقة الإله استحال أن يقول له تعالى ولد سُبْحانَهُ نزه الله ذاته بنفسه عمّا لا يليق به وَتَعالى أي تقدس عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بأن له تعالى شريكا وولدا. فالتسبيح يرجع إلى ذات المسبح والتعالي يرجع إلى صفته الذاتية التي حصلت له تعالى سواء سبحه تعالى مسبح أم لا؟
بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. والمعنى أن الله تعالى أخرج عيسى إلى الوجود من غير سبق الأب والنطفة كما أنه تعالى خلق السموات والأرض من غير سبق مادة ومدة، فلو لزم من مجرد كونه تعالى مبدعا لإحداث عيسى كونه تعالى والدا له ﵇ لزم من كونه تعالى مبدعا للسموات والأرض كونه تعالى والدا لهما وذلك باطل بالاتفاق، فثبت أن مجرد كونه تعالى مبدعا لعيسى لا يقتضي كونه والدا له أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ أي من أين يكون له تعالى ولد والحال ليس له زوجة؟ أي لأن الولد لا يصح إلا ممن كانت له زوجة وشهوة وينفصل عنه جزء ويحتبس ذلك الجزء في باطن تلك الزوجة، وهذه الأحوال إنما تثبت في حق الجسم الذي يصح عليه الاجتماع والافتراق والحركة والسكون والشهوة واللذة وكل ذلك محال على خالق العالم وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ أي من أين يكون له ولد والحال أنه تعالى خلق جميع الأشياء؟ فإن تحصيل الولد بطريق الولادة إنما يصح في حق من لا يقدر على التكوين دفعة واحدة فمن كان قادرا على تكوين المحدثات فإذا أراد إحداث شيء قال له: كن، فيكون. ومن كان صفته هكذا امتنع إحداث شخص منه بطريق الولادة وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) أي فإن علم الله أن في تحصيل الولد نفعا له تعالى وكمالا وجب
حصول الولد قبل ذلك، وهذا يوجب كون ذلك الولد أزليا وهو محال. وإن علم أنه ليس له تعالى في تحصيل الولد ازدياد مرتبة في الإلهية ولا كمال حال فيها
стр. 335
وجب أن لا يحدثه ألبتة في وقت من الأوقات، وأيضا الولد المعتاد إنما يحدث بقضاء الشهوة وهو يوجب اللذة وهي مطلوبة لذاتها فوجب أن يعلم الله أن تحصيل تلك اللذة يدعوه إلى تحصيلها قبل ذلك الوقت فوجب أن تحصل تلك اللذة في الأزل فلزم كون الولد أزليا، وذلك محال فثبت عدم صحة الولد عليه تعالى ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ واسم الإشارة راجع إلى الإله الموصوف بما تقدم من الصفات. واسم الجلالة خبر أول ورَبُّكُمْ خبر ثان ولا إِلهَ إِلَّا هُوَ خبر ثالث، وخالِقُ كُلِّ شَيْءٍ خبر رابع والفاء في قوله فَاعْبُدُوهُ لمجرد السببية من غير عطف، أي ثبت أن إله العالم فرد صمد منزه عن الشريك والنظير والضد والأولاد وذلك الجامع لهذه الصفات العظيمة هو الله المستحق للعبادة مالك أمركم لا شريك له في ذلك خالق ما كان وما يكون فاعبدوه ولا تعبدوا أحدا غيره، وللعلماء في إثبات التوحيد طرق كثيرة ومن جملتها هذه الطريقة وتقريرها من وجوه:
الأول: أن يقال الصانع الواحد كاف في كونه إلها للعالم ومدبرا له، وما زاد على الواحد فالقول فيه متكافئ لأنه لم يدل الدليل على ثبوته لأنه يلزم إما إثبات آلهة لا نهاية لها وهو محال، أو إثبات عدد معين مع أنه ليس ذلك العدد أولى من سائر الأعداد وهو محال أيضا، وإذا كان القسمان باطلين لم يبق إلا القول بالتوحيد.
والثاني: أن يقال إن الإله القادر على كل الممكنات، العالم بكل المعلومات كاف في تدبير العالم. فلو قدرنا إلها ثانيا فإما أن يكون فاعلا أو لا، فإن كان فاعلا صار مانعا للآخر عن تحصيل مقدوره وذلك يوجب كون كل واحد منهما سببا لعجز الآخر وهو محال، وإن لم يكن فاعلا كان ناقصا معطلا وذلك لا يصلح للإلهية.
والثالث: أن يقال أن الإله الواحد لا بدّ وأن يكون كاملا في صفات الإلهية فلو فرضنا إلها ثانيا فإما أن يكون مشاركا للأول في جميع صفات الكمال أو لا فإن كان مشاركا في ذلك فإما أن يكون متميزا عن الأول أو لا، فإن لم يكن متميزا عنه بأمر من الأمور لم تحصل الإثنينية، وإن امتاز بصفات الكمال لم تكن جميع صفاته مشتركة بينهما وإن امتاز بغير صفات الكمال، فلذلك نقصان. فثبت بهذه الوجوه الثلاثة أن الإله الواحد كاف في تدبير العالم وإيجاده وأن الزائد يجب نفيه وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) أي حافظ فيجب أن يعلم كل مكلف أنه لا حافظ إلا الله ولا مصلح للمهمات إلا الله فحينئذ ينقطع طمعه عن كل ما سواه ولا يرجع في مهم من المهمات إلا إليه ويقال: أي كفيل بأرزاق خلقه لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ أي لا تراه الأبصار في الدنيا وهو تعالى يراه المؤمنون في الآخرة
لقوله ﷺ : «سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في
стр. 336
رؤيته»
«١» فالتشبيه واقع في تشبيه الرؤية بالرؤية في الوضوح لا في تشبيه المرئي بالمرئي، واتفق الجمهور أنه ﷺ قرأ قوله تعالى للذين أحسنوا الحسنى وزيادة
فقال: «الحسنى هي الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله» .
وروي أن الصحابة اختلفوا في أن النّبيّ ﷺ هل رأى الله تعالى ليلة المعراج أو لا، ولم يكفر بعضهم بعضا بهذا السبب وما نسبه إلى الضلالة وهذا يدل على أنهم كانوا مجمعين على أنه لا امتناع عقلا في رؤية الله تعالى. وقيل: المعنى لا تحيط به تعالى الأبصار في الدنيا ولا في الآخرة لعدم انحصاره وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ أي والله تعالى مدرك لحقيقة الأبصار وَهُوَ اللَّطِيفُ فيلطف عن أن تدركه الأبصار الْخَبِيرُ (١٠٣) أي العالم بكل لطيف فلا يلطف شيء عن إدراكه.
وقيل: إنه تعالى لطيف بعباده حيث يثني عليهم عند الطاعة ويأمرهم بالتوبة عند المعصية، ولا يقطع عنهم كثرة رحمته سواء كانوا مطيعين أو عصاة. وقيل: إنه تعالى لطيف بهم بحيث لا يأمرهم فوق طاقتهم وينعم عليهم بما هو فوق استحقاقهم قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ أي جاءكم آيات القرآن كائنة من ربكم وسميت تلك الآيات بصائر لأنها أسباب لحصول الأنوار للقلوب.
وقوله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ الآية استئناف وارد على لسان النّبيّ ﷺ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ أي فمن اهتدى بآيات القرآن فآمن فنفع إهدائه لنفسه وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها أي ومن ضل عنها بأن كفر بها فمضرة ضلالته وكفره على نفسه وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤) أي لأعمالكم وإنما أنا منذر والله تعالى هو الذي يحفظ أعمالكم ويجازيكم عليها وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ أي مثل ذلك الإتيان البديع نأتي بالآيات متواترة حالا بعد حال لتلزمهم الحجة وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ قرأه ابن كثير وأبو عمرو بالألف وفتح التاء. أي ليقول بعضهم ذاكرت يا محمد أهل الأخبار الماضية فيزداد كفرا على كفر وتثبيتا لبعضهم فيزداد إيمانا على إيمان. وذلك لأن النّبيّ ﷺ كان يظهر آيات القرآن نجما نجما، والكفار كانوا يقولون: إن محمدا يضم هذه الآيات بعضها إلى بعض يتفكر فيها ويصلحها آية فآية، ثم يظهرها ولو كان هذا بوحي نازل إليه من السماء فلم لم يأت بهذا القرآن دفعة واحدة. كما أن موسى ﵇ أتى بالتوراة دفعة واحدة أي فإن تكرير هذه الآيات حالا بعد حال هي التي أوقعت الشك للقوم في أن محمدا ﷺ إنما يأتي بهذا القرآن على سبيل المدارسة مع التفكر والمذاكرة مع أقوام آخرين.
وقرأ ابن عامر «درست» بفتح السين وسكون التاء أي هذه الأخبار التي تلوتها علينا قديمة قد انمحت وتكررت على الأسماع، كقولهم: أساطير الأولين. وقرأ الباقون «درست» بدون
стр. 337
الألف وسكون السين وفتح التاء أي حفظت وأتقنت بالدرس أخبار الأولين كقولهم: أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا وَلِنُبَيِّنَهُ أي الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥) وهم أولياء الله الذين هداهم إلى سبيل الرشاد اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ أي لزم العمل بما أنزل إليك من ربك ولا يصر ذلك القول سببا لفتورك في تبليغ الرسالة والدعوة لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يجب طاعته ولا يجوز الإعراض عن تكاليفه وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) أي اترك في الحال مقابلتهم فيما يأتونه من سفه واعدل إلى الطريق الذي يكون أقرب إلى القبول وأبعد عن التغليظ والتنفير وَلَوْ شاءَ اللَّهُ عدم إشراكهم ما أَشْرَكُوا أي لا تلتفت يا أشرف الخلق إلى سفاهات هؤلاء الكفار الذين قالوا لك: إنما جمعت هذا القرآن من مذاكرة الناس ولا يثقلن عليك كفرهم، فإنا لو أردنا إزالة الكفر عنهم لقدرنا ولكنا تركناهم مع كفرهم فلا ينبغي أن تشغل قلبك بكلماتهم وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً أي رقيبا من جهتنا تحفظ أعمالهم عليهم وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧) أي وما أنت يا أكرم الرسل حافظ عليهم من جهتهم فتدبر مصالحهم وتقوم بأمورهم وتكفل أرزاقهم.
وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ أي ولا تسبوا أيها المؤمنون من يعبدون الأصنام من حيث عبادتهم لآلهتهم كأن تقولوا: تبا لكم ولما تعبدون من الأصنام مثلا فيسبوا رسول الله ﷺ تجاوزا عن الحق إلى الباطل بجهالة منهم بما يجب عليهم، فإن الصحابة متى شتموهم كانوا يشتمون رسول الله ﷺ فالله تعالى أجرى شتم الرسول مجرى الله تعالى، لأن الكفار كانوا مقربين بالله تعالى وكانوا يقولون: إنما حسنت عبادة الأصنام لتصير شفعاء لهم عند الله تعالى. أو المعنى ولا تسبوا الأصنام الذين كان المشركون يعبدونهم فيسبوا الله للظلم بغير علم لأنهم جهلة بالله تعالى لأن بعضهم كان قائلا بالدهر ونفي الصانع.
قال قتادة: كان المؤمنون أوثان الكفار فيردون ذلك عليهم فنهاهم الله عن ذلك لئلا يسبوا الله فإنهم قوم جهلة لا علم لهم بالله اه. وإنما نهوا عن سب الأصنام، وإن كان مباحا لما ينشأ عن ذلك من المفاسد وهو سب الله وسب رسوله. فظاهر الآية كان نهيا عن سب الأصنام وحقيقتها النهي عن سب الله تعالى لأنه سبب لذلك وفي ذلك دلالة على أن الطاعة إذا أدّت إلى معصية راجحة وجب تركها فإن ما يؤدي إلى الشر شرّ كَذلِكَ أي مثل تزيين عبادة الأصنام للمشركين زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ أي لأمم
الكفرة عَمَلَهُمْ أي شرّهم وفسادهم بإحداث ما يحملهم عليه فإن المعاصي سموم قاتلة قد برزت في الدنيا بصورة تستحسنها نفوس العصاة، وكذا الطاعات فإنها مع كونها أحسن الأحاسن قد ظهرت عندهم بصورة مكروهة ولذلك
قال ﷺ : «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات»
«١» وفي هذه الآية دلالة على تكذيب القدرية
стр. 338
والمعتزلة حيث قالوا: لا يحسن من الله تعالى خلق الكفر وتزيينه ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ بالبعث بعد الموت فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨) في الدنيا على الاستمرار من السيئات المزينة لهم فأعمال الكفرة قد برزت لهم في هذه النشأة بصورة مزينة يستحسنها الغواة ويستحبها الطغاة، وستظهر في النشأة الآخرة بصورتها الحقيقية المنكرة الهائلة فعند ذلك يعرفون أن أعمالهم ماذا.
فعبر عن إظهارها بصورها الحقيقية بالإخبار بها لما أن كلا منهما سبب للعلم بحقيقتها كما هي وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ أي قسم كفار مكة بالله غاية أيمانهم لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ أي معجزة كما طلبوا لَيُؤْمِنُنَّ بِها أي قالوا لسيدنا رسول الله: إن هذا القرآن كان أمره فليس من جنس المعجزات ألبتة، ولو أنك يا محمد جئتنا بمعجزة قاهرة لآمنا بك وحلفوا على ذلك.
وقال محمد بن كعب القرظي: قالت قريش: يا محمد إنك تخبرنا أن موسى ضرب الحجر بالعصا فانفجر الماء وأن عيسى أحيا الميت وأن صالحا أخرج الناقة من الجبل فأتنا بآية لنصدقك، فقال رسول الله ﷺ : «ما الذي تحبون؟» فقالوا: أن تجعل لنا الصفا ذهبا، وحلفوا لئن فعل ليتبعونه أجمعون فقام ﷺ يدعو فجاءه جبريل فقال: إن شئت كان ذلك ولئن كان فلم يصدقوك ليعذبهم الله، وإن تركتهم تاب الله على بعضهم فقال رسول الله ﷺ : «بل يتوب على بعضهم» فأنزل الله تعالى هذه الآية
قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ أي إنه تعالى هو مختص بالقدرة على أمثال هذه الآيات دون غيره وَما يُشْعِرُكُمْ أي أيّ شيء يعلمكم أيها المؤمنون بإيمانهم أي لا تعلمون ذلك أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) .
قرأ ابن كثير وأبو عمرو «إنها» بكسر الهمزة على الاستئناف. والباقون بالفتح فهي بمعنى لعل ويقوي هذا الوجه قراءة أبي لعلها إذا جاءتهم لا يؤمنون وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ أي وما يشعركم أنا نقلب أفئدتهم عن إدراك الحق فلا يفهمونه ونقلب أبصارهم عن اجتلاء الحق فلا يبصرونه كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أي بما جاء ﷺ من الآيات أَوَّلَ مَرَّةٍ أي فلا يؤمنون عند نزول مقترحهم لو نزل كما لم يؤمنوا عند نزول الآيات السابقة على اقتراحهم كانشقاق القمر وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠) أي نتركهم في ضلالهم متحيرين لا نهديهم هداية المؤمنين
وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ كما طلبوا فشهدوا على ما أنكروا وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى من القبور كما طلبوا بأن محمدا رسول الله والقرآن كلام الله وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا. قرأ عاصم وحمزة الكسائي بضمتين أي وجمعنا على المستهزئين زيادة على ما اقترحوه كل شيء من أصناف المخلوقات
стр. 339
كالسباع والطيور كفلاء بصدق محمد ﷺ . أو المعنى وحشرنا عليهم كل شيء نوعا من سائر المخلوقات.
وقرأ نافع وابن عامر «قبلا» بكسر القاف وفتح الباء أي حال كون الكفار معاينين للأصناف ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بمحمد والقرآن إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إيمانهم. أي ولو أظهر الله جميع تلك الأشياء العجيبة الغريبة لهؤلاء الكفار فإنهم لا يؤمنون في حال من الأحوال الداعية إلى الإيمان إلا في حال مشيئته تعالى لإيمانهم. وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١) أي إن الكفار لو أتوا بكل آية لم يؤمنوا ولكن أكثر المسلمين يجهلون عدم إيمانهم عند مجيء الآيات لجهلهم عدم مشيئته تعالى لإيمانهم فيتمنون مجيئها طمعا فيما لا يكون.
قال ابن عباس: المستهزؤون بالقرآن كانوا خمسة: الوليد بن المغيرة المخزومي، والعاص بن وائل السهمي، والأسود بن عبد يغوث الزهري، والأسود بن المطلب، والحرث بن حنظلة، ثم إنهم أتوا الرسول ﷺ في رهط من أهل مكة وقالوا له: أرنا الملائكة يشهدوا بأنك رسول الله وابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم أحق ما تقوله أم باطل؟ أو ائتنا بالله والملائكة قبيلا أي كفيلا على صحة ما تدعيه فنزلت هذه الآية وَكَذلِكَ أي كما جعلنا المستهزئين عدوا لك جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ أي جعلنا لكل نبي تقدمك عدوا مردة من الإنس والجن. فشياطين الإنس أشد تمردا من شياطين الجن، لأن شيطان الجن إذا عجز عن إغواء المؤمن الصالح استعان على إغوائه بشيطان الإنس ليفتنه، وإضافة شياطين بمعنى من البيانية وهي بدل من «عدوا» وهو مفعول أول قدم على الثاني مسارعة إلى بيان العداوة يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً أي يلقي شياطين الجن إلى شياطين الإنس تزيين القول بالباطل لكي يغروا به الإنس وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ عدم تزيين القوم لأجل الغرور ما فَعَلُوهُ أي تزيين القول المتعلق بأمرك خاصة فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١١٢) أي اترك الكفرة المستهزئين وافتراءهم بأنواع المكايد فإن لهم في ذلك عقوبات شديدة ولك عواقب حميدة وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي ولكي تميل إلى هذا الزخرف قلوب الذين لا يؤمنون بالبعث بعد الموت وَلِيَرْضَوْهُ أي هذا الزخرف لأنفسهم وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣) أي وليكتسبوا بسبب ارتضائهم له ما هم مكتسبون من الأيام فيعاقبوا عليها أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا أي قل لهم أأميل إلى زخارف الشياطين فأطلب حكما غير الله يحكم بيننا. والحال أنه تعالى هو الذي أنزل إليكم القرآن وأنتم أمة أمية لا تدرون ما تأتون وما تذرون مبينا فيه الحق والباطل فلم يبق في أمور الدين شيء من الإبهام، فأي حاجة بعد ذلك إلى الحكم وهو والحاكم عند أهل اللغة واحد لكن بعض أهل التأويل قال: الحكم أكمل من الحاكم لأن
стр. 340
الحكم لا يحكم إلا بالحق والحاكم قد يجوز، ولأن الحكم من تكرر منه الحكم والحاكم يصدق بمرة وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ أي التوراة والإنجيل والزبور يَعْلَمُونَ أَنَّهُ أي القرآن مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ ملتبسا بِالْحَقِّ.
قرأ ابن عامر وحفص «منزل» بتشديد الزاي. والباقون بسكون النون فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) أي من الشاكين في أن علماء أهل الكتاب يلعمون أن هذا القرآن حق وأنه منزل من عند الله وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا أي كفى القرآن من جهة صدقه في أخباره ومن جهة عدله في أحكامه، وكفى في بيان ما يحتاج المكلفون إليه إلى قيام القيامة علما وعملا وفي كونها معجزة دالة على صدق محمد ﷺ .
قرأ عاصم وحمزة والكسائي «كلمت» على التوحيد دون ألف. والباقون بألف على الجمع و «ترسم» بالتاء المجرورة على كل من قراءة الجمع وقراءة الإفراد، وكذا كل موضع اختلف فيه القراء جمعا وإفرادا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ أي لا أحد يبدل شيئا من القرآن بما هو أصدق وأعدل ولا بما هو مثله وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥) بالمقال والأعمال وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ أي وإن تطع يا أشرف الخلق كفار الناس فيما يعتقدونه من إحقاق الباطل وإبطال الحق يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي عن الطريق
الموصل إلى الله إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ أي ما يتبعون في إثبات مذهبهم إلا رجوعهم إلى تقليد أسلافهم وهو ظنهم أن آباءهم كانوا على الحق فهم على آثارهم مقتدون وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦) أي يكذبون فإن رؤساء أهل مكة- منهم أبو الأحوص مالك بن عوف الجشمي، وبديل بن ورقاء الخزاعي وجليس بن ورقاء الخزاعي- قالوا للمؤمنين: إن ما ذبح الله خير مما تذبحون أنتم بسكاكينكم.
وروي أن المشركين قالوا للنبيّ: أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ فقال: «الله قتلها» «١» . قالوا: أنت تزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال وما قتلها الكلب والصقر حلال وما قتله الله حرام
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧) أي فإن هؤلاء الكفار كاذبون في ادعاء اليقين والله عالم بكونهم متحيرين في سبيل الضلال تائهين في أودية الجهل، أي فإنك إذا عرفت ذلك ففوّض أمرهم إلى خالقهم لأنه عالم بالمهتدى والضلال فيجازي كل واحد بما يليق بعمله فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وهذا أمر متفرع من النهي عن اتباع المضلين، وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين: إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله فما قتله الله أحق أن تأكلوه مما قتلتموه أنتم. فقال الله للمسلمين: إن كنتم متحققين بالإيمان فكلوا مما
стр. 341
ذكر اسم الله عليه وهو المذكى ببسم الله خاصة لا مما ذكر عليه اسم غيره فقط أو مع اسمه تعالى أو مات حتف أنفه. وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ أي وأيّ سبب حاصل لكم في أن لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه، وأن تأكلوا من غيره. والحال أنه قد بيّن لكم ما حرم عليكم بقوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ [الأنعام: ١٤٥] فهذا وإن كان متأخرا في التلاوة فلا يمنع أن يكون هو المراد لأن التأخر في هذا قليل. وأيضا التأخر في التلاوة لا يوجب التأخر في النزول، أو بقوله تعالى في أول سورة المائدة: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [المائدة: ٣] الآية. لأن الله تعالى علم أن سورة المائدة متقدمة على سورة الأنعام في الترتيب لا في النزول. إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ أي إلا ما دعتكم الضرورة إلى أكله بسبب شدة المجاعة مما حرم عليكم فهو حلال لكم.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ببناء «فصل» و «حرم» للمفعول. ونافع وحفص عن عاصم ببنائهما للفاعل. وحمزة والكسائي، وأبو بكر عن عاصم ببناء الفعل الأول للفاعل وبناء الثاني للمفعول وَإِنَّ كَثِيراً من الذين يناظرونكم في إحلال الميتة ويقولون لما حل ما تذبحونه أنتم فبأن يحل ما يذبحه الله أولى وهم أبو الأحوص وأصحابه، أو ممن اتخذ البحائر والسوائب وهو عمرو بن لحي فمن دونه من أضرابه فإنه أول من غير دين إسماعيل لَيُضِلُّونَ.
قرأ عاصم وحمزة والكسائي بضم الياء. والباقون بفتحها بِأَهْوائِهِمْ أي بسبب اتباعهم شهواتهم بِغَيْرِ عِلْمٍ أي ملتبسين بغير علم مأخوذ من الشريعة إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩) أي الذين تجاوزوا الحق إلى الباطل وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ أي اتركوا الإعلان بالزنا والاستسرار به وأهل الجاهلية يعتقدون حل السر منه.
وقال ابن الأنباري أي وذروا الإثم من جميع جهاته إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ في الدنيا سَيُجْزَوْنَ في الآخرة بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠) أي يكسبون إن لم يتوبوا وأراد الله عقابهم. أما إذا تاب المذنب من الذنب توبة صحيحة لم يعاقب وإذا لم يتب فهو في مشيئة الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه بفضله.
وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وهو الميتة وما ذبح على ذكر الأصنام وَإِنَّهُ أي الأكل مما لم يذكر اسم الله بغير ضرورة أو إن ما ذكر عليه اسم غير الله لَفِسْقٌ أي خروج عما يحل وأجمع العلماء على أن أكل ذبيحة المسلم التي ترك التسمية عليها لا يفسق.
وروي عن النّبيّ ﷺ : أنه قال: «ذكر الله مع المسلم سواء قال: أو لم يقل ويحمل هذا الذكر على ذكر القلب» .
وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ أي إن إبليس وجنوده وسوسوا إلى المشركين. أو المعنى أن مردة المجوس من أهل فارس كتبوا إلى مشركي قريش، وذلك لما نزل تحريم الميتة سمعه المجوس فكتبوا إلى قريش أن محمدا وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله
стр. 342
ثم يزعمون أن ما يذبحونه حلال وما يذبحه الله حرام فوقع في نفس ناس من المسلمين من ذلك شيء، فأنزل الله تعالى هذه الآية لِيُجادِلُوكُمْ في أكل الميتة وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ في استحلال الميتة إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١) .
قال الزجاج: وهذا دليل على أن كل من أجل شيئا مما حرم الله تعالى أو حرم شيئا مما أحل الله تعالى فهو مشرك وإنما سمي مشركا لأنه أثبت حاكما سوى الله تعالى وهذا هو الشرك أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ أي أو من كان كافرا فهديناه إلى الإيمان وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً عظيما وهو نور الوحي الإلهي يَمْشِي بِهِ أي بسببه فِي النَّاسِ أي فيما بين الناس آمنا من جهتهم كَمَنْ مَثَلُهُ أي صفته فِي الظُّلُماتِ أي ظلمات الكفر والطغيان وعمى البصيرة لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها أي من تلك الظلمات. فإذا دام الكافر في ظلمات الجهل والأخلاق الذميمة صارت تلك الظلمات كالصفة الذاتية يعسر إزالتها عنه، وإنما جعل الكفر موتا لأنه جهل والجهل يوجب الحيرة، فهو كالموت الذي يوجب السكون، والكافر ميتا لأنه لا يهتدي إلى شيء كالجاهل كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢) أي مثل تزيين المؤمنين بالإيمان والنور زين من جهة الله بطريق الخلق ومن جهة الشياطين بطريق الزخرفة للكافرين ما استمروا على عمله.
قال زيد ابن أسلم والضحاك: نزلت هذه الآية في عمر بن الخطاب وأبي جهل. وقال عكرمة: نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل. وقال ابن عباس: إن أبا جهل رمى النّبيّ ﷺ بفرث فأخبر بذلك حمزة عند قدومه من صيد والقوس بيده وهو لم يؤمن يومئذ فعمد إلى أبي جهل وجعل يضرب رأسه بالقوس، فقال له أبو جهل وقد تضرع إليه: يا أبا يعلى أما ترى ما جاء به سفه عقولنا وسب آلهتنا وخالف آباءنا! فقال حمزة: أنتم أسفه الناس تعبدون الحجارة من دون الله.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. فأسلم حمزة يومئذ فنزلت هذه الآية وَكَذلِكَ أي وكما جعلنا في مكة صناديدها رؤساء ليمكروا فيها جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ من سائر القرى أَكابِرَ مُجْرِمِيها و «أكابر» مفعول ثان و «مجرميها» مفعول أول والظرف لغو وهو متعلق بنفس الفعل قبله أي جعلنا في كل بدة فساقها عظماء لِيَمْكُرُوا فِيها أي ليفعلوا المكر فيها وهذا دليل على أن الخير والشر بإرادة الله، وإنما جعل المجرمين أكابر لأنهم أقدر على الغدر والمكر وترويج الباطل على الناس من غيرهم، وإنما حصل ذلك لأجل رئاستهم وذلك سنة الله أنه جعل في كل قرية أتباع الرسل ضعفاءهم وجعل فساقهم أكابرهم.
وقال مجاهد: جلس على كل طريق من طرق مكة أربعة نفر يصرفون الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ ويقولون لكل من يقدم: هو كذاب ساحر كاهن، فكان هذا مكرهم وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ أي وما يحيق شر مكرهم إلا بهم وَما يَشْعُرُونَ (١٢٣) بذلك أصلا بل يزعمون أنهم
стр. 343
يمكرون بغيرهم. وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ أي وإذا جاءت مشركي العرب- الوليد بن المغيرة وعبد يا ليل، وأبا مسعود الثقفي- آية من القرآن تأمرهم باتباع محمد ﷺ وتخبرهم بصنيعهم قالوا: لن نصدقك حتى يوحى إلينا ويأتينا جبريل فيخبرنا أنك رسول الله صادق. قال تعالى ردا عليهم: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ أي الله أعلم من يليق بإرسال جبريل إليه لأمر من الأمور، وهذا إعلام بأنهم لا يستحقون ذلك التشريف. وهذا المعنى قول الحسن ومنقول عن ابن عباس. وقيل: معنى الآية وإذا جاءتهم آية على صدق النّبيّ ﷺ قالوا: لن نؤمن برسالته أصلا حتى نؤتى نحن من الوحي والنبوة مثل إيتاء رسل الله. قال تعالى:
إنه تعالى يعلم من يستحق الرسالة فيشرفه بها، ويعلم من لا يستحقها وأنتم لستم أهلا لها، ولأن النبوة لا تحصل لمن يطلبها خصوصا لمن عنده حسد ومكر وغدر.
وقرأ حفص وابن كثير رسالته على التوحيد. والباقون على الجمع ويستجاب الدعاء بين هاتين الجلالتين، وهذا دعاء عظيم يدعى به بينهما وهو: «اللهم من الذي دعاك فلم تجبه، ومن الذي استجارك فلم تجره ومن الذي استعان بك فلم تعنه ومن الذي توكل عليك فلم تكفه، يا غوثاه يا غوثاه يا غوثاه، بك أستغيث أغثني يا مغيث، واهدني هداية من عندك، واقض حوائجنا واشف مرضانا، واقض ديوننا، واغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا بحق القرآن العظيم والرسول الكريم برحمتك يا أرحم الراحمين» سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا أي أشركوا. وليدا أو أصحابه بقولهم:
لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله صَغارٌ أي حقارة عِنْدَ اللَّهِ أي في الآخرة فلا حاكم فيها ينفذ حكمه سواه وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤) أي بسبب مكرهم بقولهم ذلك وحسدهم للنبي وتكذيبهم له فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ أي يرشده لدينه يَشْرَحْ صَدْرَهُ أي قلبه لِلْإِسْلامِ أي لقبول الإسلام وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ أي يتركه كافرا يَجْعَلْ صَدْرَهُ أي قلبه ضَيِّقاً كضيق الزج في الرمح.
قرأه ابن كثير ساكنة الياء. والباقون مشددة الياء مكسورة حَرَجاً. قرأ نافع وأبو بكر عن عاصم بكسر الراء أي شديد الضيق. والباقون بفتحها أي مثل المواضع الكثيرة الأشجار المشتبكة التي لا طريق فيها فلا يصل إليها راعية ولا وحشية كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ أي كأنه يكلف الصعود إلى السماء. قرأه ابن كثير ساكنة الصاد، وقرأه أبو بكر عن عاصم بتشديد الصاد وبالألف. والباقون بتشديد الصاد والعين بغير ألف ومعنى الآية فمن يرد الله أن يهديه قوّى قلبه في ما يدعوه إلى الإيمان، بأن اعتقد أن نفعه زائد وخيره راجح وربحه ظاهر، فمال طبعه إليه وقويت رغبته في حصوله، وحصل في القلب استعداد شديد لتحصيله، ومن يرد أن يضله ألقى في قلبه ما يصرفه عن الإيمان ويدعوه إلى الكفر، بأن اعتقد أن شر الإيمان زائد وضرره راجح فعظمت النفرة
стр. 344
عنه فإن الكافر إذا دعي إلى الإسلام شق عليه جدا كأنه قد كلف أن يصعد إلى السماء ولا يقدر على ذلك. أو المعنى كأن قلب الكافر يصعد إلى السماء تكبرا عن قبول الإسلام كَذلِكَ أي مثل جعل الله صدرهم ضيقا يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ أي يسلط الله الشيطان عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (١٢٥) أي في قلوبهم وَهذا أي كون الفعل متوقفا على الداعي الحاصل من الله تعالى صِراطُ رَبِّكَ أي لأن العلم بذلك يؤدي إلى العلم بتوحيد الله مُسْتَقِيماً فكل فعل العباد بقضاء الله تعالى وقدره قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ أي قد ذكرناها فصلا فصلا بحيث لا يختلط واحد منها بالآخر لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) فيعلمون أن كل ما يحدث من الحوادث خيرا كان أو شرا بقضاء الله تعالى لأنه لا يترجح أحد طرفي الممكن على الآخر إلا المرجح وهو الله تعالى لَهُمْ دارُ السَّلامِ أي للمتذكرين دار الله المنزه عن النقائص وهي الجنة عِنْدَ رَبِّهِمْ أي أنها معدة عنده تعالى موصوفة بالشرف إلى حيث لا يعرف كنهها غيره تعالى وَهُوَ وَلِيُّهُمْ أي متكفل لهم بجميع مصالحهم في الدين والدنيا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧) أي بسبب أعمالهم الصالحة وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً قلنا يا مَعْشَرَ الْجِنِّ.
وقرأ حفص بالياء أي يوم يحشر الله الخلق جميعا يقول: يا جماعة الشياطين قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ أي قد أكثرتم من إغواء الإنس وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ أي وقال الذين أطاعوا الشياطين الذين هم الإنس: رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ فاستمتاع الإنس بالشياطين هو أن الشياطين كانوا يدلون الإنس على أنواع الشهوات واللذات والطيبات، ويسهّلون تلك الأمور عليهم واستمتاع الشياطين بالإنس هو أن الإنس كانوا يطيعون الشياطين فيما يأمرونهم به وينقادون لحكمهم وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا أي أدركنا وقت موتنا الذي عينته لنا قالَ تعالى: النَّارُ مَثْواكُمْ أي منزلكم يا جماعة الجن والإنس خالِدِينَ فِيها أي في النار منذ تبعثون إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ من مقدار حشرهم من قبورهم ومن مقدار محاسبتهم إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨) أي فيما يفعله من ثواب وعقاب وسائر وجوه المجازاة وَكَذلِكَ أي مثل تمكين الشياطين من إضلال الإنس نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ من الإنس بَعْضاً آخر منهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩) أي بسبب كون ذلك البعض مكتسبا للظلم.
قال علي ﵁: لا يصلح للناس إلا أمير عادل أو جائر فأنكروا قوله: أو جائز.
فقال: نعم، يؤمن السبيل ويمكن من إقامة الصلوات وحج البيت.
وروي عن ابن عباس أنه قال: إن الله تعالى إذا أراد بقوم خيرا ولى أمرهم خيارهم وإذا أراد بقوم شر ولّى أمرهم شرارهم.
وروي أن أبا ذر سأل رسول الله ﷺ الإمارة فقال له: إنك ضعيف وإنها لأمانة وهي في القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدّى الذي عليه فيها.
مَعْشَرَ
стр. 345
الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
والصحيح أن الرسل إنما كانت من الإنس خاصة وقد قام الإجماع على أن النّبيّ ﷺ مرسل للإنس والجن. والمراد برسل الجن هم الذين سمعوا القرآن من النّبيّ ﷺ ثم ولوا إلى قومهم منذرين. فالمراد بالرسل ما يعم رسل الرسل، فالله تعالى إنما بكّت الكفار بهذه الآية لأنه تعالى أزال العذر وأزاح العلة بسبب أنه أرسل الرسل إلى الكل مبشرين ومنذرين، فإذا وصلت البشارة والنذارة إلى الكل بهذا الطريق فقد حصل ما هو المقصود من إزاحة العذر وإزالة العلة يقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي أي يتلونها عليكم مع التوضيح ويُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا
أي ويخوفونكم لقاء عذابي في يومكم هذا وهو يوم الحشر الذي عاينوا فيه ما أعد لهم من أفانين العقوبات الهائلة قالُوا
عند ذلك التوبيخ الشديد شهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا أن الرسل أتونا قد بلغوا الرسالة وأنذرونا عذاب يومنا هذا وَإنما وقعوا في ذلك الكفر بسبب أنهم غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا أي اغتروا من الدنيا بما في الزهرة والنعيم وشَهِدُوا في الآخرة على أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا في الدنيا كافِرِينَ (١٣٠) فيهم وإن بالغوا في عداوة الأنبياء والطعن في شرائعهم ومعجزاتهم أقروا على أنفسهم بالكفر في عاقبة أمرهم
ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ (١٣١) أي شهادتهم على أنفسهم بالكفر ثابت لانتفاء كون ربك مهلك القرى بسبب ظلم فعلوه قبل أن ينبهوا على بطلانه برسول وكتاب. أو المعنى إرسال الرسل ثابت لأن الشأن لم يكن ربك مهلك أهل القرى ملتبسين بظلم وهم غافلون عن تبليغ الرسل وعن أمرهم ونهيهم وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا أي ولكل عامل من الجن والإنس مراتب من أعمالهم صالحة كانت أو سيئة وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢) أي فلا يترك شيئا مما يستحق كل عامل من الفريقين من الجزاء فيجزي كلا بما يليق به من ثواب أو عقاب.
وقرأ ابن عامر وحده «تعملون» على الخطاب وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ أي إن تخصيص الله المطيعين بالثواب والمذنبين بالعذاب ليس لأجل أنه تعالى محتاج إلى طاعة المطيعين أو ناقص بمعصية المذنبين فإنه تعالى غني لذاته عن جميع العالمين ومع كونه تعالى غنيا فإن رحمته عامة كاملة. ومن رحمته تعالى على الخلق ترتيب الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية. ومن رحمته تعالى إرسال الرسل وعدم استئصالهم بالهلاك بذنوبهم في وقت واحد إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أيها العصاة وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ أي ويوجد من بعد إذهابكم خلقا آخر مخالفا للجن والإنس فتخصيص الرحمة بهؤلاء ليس لأجل أنه لا يمكنه إظهار رحمته إلا بخلق هؤلاء كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣) أي وينشئ الله إنشاء كائنا كإنشائكم من نسل قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم في العصيان. أي فكما أن الله تعالى قادر على تصوير هذه الأجسام بهذه الصورة الخاصة كذلك قادر على تصويرهم بصورة مخالفة لها إِنَّ ما تُوعَدُونَ من مجيء الساعة لَآتٍ أي لواقع لا بد لأنهم كانوا ينكرون القيامة
стр. 346
وكل ما تعلق بالوعد من الثواب والعقاب فهو آت لا محالة وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤) أي لستم بخارجين عن قدرتنا وحكمنا. قُلْ يا أشرف الخلق لكفار قريش: يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ أي على أقصى إمكانكم واستطاعتكم واثبتوا على حالتكم من الكفر والعداوة إِنِّي عامِلٌ بما أمرت به من الثبات على حالتي من الإسلام والمصابرة فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ أي فسوف تعرفون أي أحد الفريقين له العاقبة المحمودة وهي الاستراحة واطمئنان الخاطر أنحن أم أنتم وذلك حاصلة في الجنة.
وقرأ حمزة والكسائي «من يكون» بالياء إِنَّهُ أي الشأن لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥) أي لا يفوز الكافرون بمطالبهم ألبتة فلا ينجون من عذاب الله تعالى وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ أي عين كفار مكة لله مما خلقه من الحرث والأنعام، وكذا من الثمار وسائر أموالهم نصيبا يصرفونه إلى الضيفان والمساكين ونصيبا من ذلك لآلهتهم وينفقونه على سدنتها ويذبحون ذبائح عندها فقالوا: هذا لله بكذبهم في جهة أنه تعالى يستحق ذلك من جهتهم لا في وجه التقرب به إليه وهذا لآلهتنا، ثم إن رأوا ما عينوه لله أزكى بدلوه بما لآلهتهم فأعطوا نصيب الله لسدنة الأصنام، وإن رأوا ما لآلهتهم أزكى تركوه لها فلم يصرفوه للمساكين بل يصرفونه للسدنة وكان إذا أصابهم قحط استعانوا بما جعلوه وأكلوا منه ووفروا ما جعلوه لآلهتهم ولم يأكلوا منه فإذا هلك ما جعلوه لها أخذوا بدله مما جعلوه لله ولا يفعلون كذلك فيما جعلوه لها وإن سقط مما جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه وقالوا: إن الله غني عن هذا وإن سقط مما جعلوه للأوثان في نصيب الله أخذوه وردوه إلى نصيب الصنم وقالوا: إنه فقير ساءَ ما يَحْكُمُونَ (١٣٦) أي بئس الذي يحكمون حكمهم من أنهم رجحوا جانب الأصنام على جانب الله ومن أنهم جعلوا شيئا لغير الله تعالى مع أن الله تعالى الخالق للجميع ومن أنهم أحدثوا الحكم من قبل أنفسهم ولم يشهد بصحته عقل ولا شرع وَكَذلِكَ أي مثل ذلك التزيين وهو تزيين الشرك في قسمة الأموال بين الله والآلهة زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ بوأد إناثهم ونحر ذكورهم شُرَكاؤُهُمْ أي أولياؤهم من الشياطين ومن السدنة.
قرأ العامة زين مبنيا للفاعل. وقتل نصبا على المفعولية وأولادهم خفضا بالإضافة وشركاؤهم رفعا على الفاعل. أي وهكذا زين لهم شياطينهم قتل أولادهم فأمروا بأن يئدوا بناتهم خشية الفقر والسبي وبأن ينحروا ذكورهم لآلهتهم، فكان الرجل في الجاهلية يقوم فيحلف بالله لئن ولد له كذا من الذكور لينحرن أحدهم. كما حلف عبد المطلب لينحرن عبد الله. وقرأ ابن
стр. 347
عامر وحده «زين» مبنيا للمفعول و «قتل» رفعا على الفاعلية، وأولادهم نصبا على المفعولية وشركائهم خفضا على إضافة المصدر إلى فاعله أي زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم وهذه القراءة متواترة صحيحة، فقد قرأ ابن عامر على أبي الدرداء، وواثلة بن الأسقع، وفضالة بن عبيد، ومعاوية بن أبي سفيان، والمغيرة المخزومي. وقرأ أيضا على عثمان وولد هو في حياة رسول الله ﷺ لِيُرْدُوهُمْ أي يهلكوهم بالإغواء وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ أي وليخلطوا عليهم من دين إسماعيل ﵇ أي ليدخلوا عليهم الشك في دِينَهُمْ لأنهم كانوا على دين إسماعيل فهذا الذي أتاهم بهذه الأوضاع الفاسدة أراد أن يزيلهم عن ذلك الدين الحق، واللام للتعليل إن كان التزيين من الشياطين وللعاقبة إن كان من السدنة وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ أي ما فعل كثير من المشركين قتل الأولاد بدفن البنات في حياتها وبنحر الأولاد الذكور للأصنام فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١٣٧) أي فاتركهم وكذبهم في قولهم: إن الله يأمرهم بقتل أولادهم فإن في ما شاء الله تعالى حكما بالغة وذلك دليل على أن كل ما فعله المشركون فهو بمشيئة الله تعالى وَقالُوا أي المشركون الذين قسموا نصيب آلهتهم أقساما ثلاثة هذِهِ أي التي جعلناها للآلهة أَنْعامٌ وَحَرْثٌ أي زروع حِجْرٌ أي محرمة لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ أي لا يأكل هذه الأنعام والحرث إلا خدمة الأوثان والرجال دون النساء بِزَعْمِهِمْ أي قالوا: ما ذكر ملتبسين بكذبهم ومن غير حجة وَهذه أَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وهي البحائر والسوائب والحوامي والوصائل وَهذه أَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا إذا ركبت وإذا حملت، وإذا ذبحت ونسبوا ذلك التقسيم إلى الله تعالى افْتِراءً عَلَيْهِ وهذا إما مفعول له وعامله قالوا أو حال من ضميره أو مصدر مؤكد له لأن قولهم ذلك هو الافتراء سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) أي إن الله سيكافئهم بسبب تقولهم عليه وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ أي ما ولد من البحائر والسوائب حيا حلال للذكور خاصة ومحرم على جنس أزواجنا وهي الإناث وما ولد منها ميتا أكله الرجال والنساء جميعا سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ أي سيوصل الله لهم جزاء ذنوبهم وهو وصفهم بالتحليل والتحريم. فالواصف بذلك عمرو بن لحي وقدر رآه النّبيّ ﷺ في جهنم يجر قصبه من دبره وكان يعلمهم تحريم الأنعام إِنَّهُ حَكِيمٌ في التحليل والتحريم عَلِيمٌ (١٣٩) في وصفهم بذلك قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ بالوأد للبنات وبالنحر للذكور سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وهم ربيعة ومضر وأمثالهم من العرب وبنو كنانة لا يفعلون ذلك وسبب هذا الخسران لأن الولد نعمة عظيمة من الله على العبد فإذا سعى في إبطاله استحق الذم العظيم في الدنيا، لأن الناس يقولون: قتل ولده خوفا من أن يأكل طعامه والعقاب العظيم في الآخرة وسببه خفة العقل لأن قتل الولد إنما يكون للخوف من الفقر والقتل أعظم ضررا منه، والقتل ناجز والفقر موهوم وهذه السفاهة إنما نشأت من الجهل الذي هو أعظم المنكرات.
стр. 348
وقرأ أبو عمرو وابن عامر بتشديد التاء وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠) فإن تحريم الحلال من أعظم أنواع الحماقة لأنه يمنع نفسه تلك المنافع ويستحق ذلك المنع أعظم أنواع العقاب أو أن الجراءة على الله أعظم الذنوب وهم قد ضلوا عن الرشد في مصالح الدين ومنافع الدنيا ولم يحصل لهم الاهتداء قط
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ أي وهو الذي خلق بساتين مرفوعات على ما يحملها من العروش والساق وملقيات على وجه الأرض ويقال: معروشات أي وهو ما غرسه الناس في البساتين وغير معروشات وهو ما أنبته الله في الجبال والبراري وَأنشأ النَّخْلَ وَالزَّرْعَ أي جميع الحبوب التي يقتات بها مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ أي مختلف المأكول من كل منهما في الهيئة والطعم وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ أي أنشأ شجرهما مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ في اللون أو الطعم كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ أي ثمر كل واحد من ذلك إِذا أَثْمَرَ ولو قبل النضج.
وقرأ حمزة والكسائي برفع الثاء والميم من ثمره وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وعاصم بفتح الحاء أي اعزموا على إيتاء الزكاة لكل من الزروع والثمار يوم الحصاد، ولا تؤخروه عن أول وقت يمكن فيه الإيتاء وإنما يجب إخراج الزكاة بعد التصفية والجفاف والأمر بإيتائها يوم الحصاد لئلا يؤخر عن وقت إمكان الأداء وليعلم أن وجوبها بالإدراك ولو في البعض لا بالتصفية. والمعنى آتوا حق كل ما وجب يوم الحصاد بعد التصفية وفائدة ذكر الحصاد أن الحق لا يجب بنفس الزرع وإدراكه وإنما يجب يوم حصاده وحصوله في يد مالكه لا فيما يتلف من الزرع قبل حصوله في يد مالكه وهذا يقتضي وجوب الزكاة في الثمار كما قاله أبو حنيفة ويقتضي ثبوت حق في القليل والكثير فالعشر واجب في القليل والكثير كما قاله أبو حنيفة وَلا تُسْرِفُوا أي لا تجاوزوا الحد في الإعطاء والبخل حتى تمنعوا الواجب من الصدقة وتعطوا كله.
وروي أن ثابت بن قيس بن شماس عمد إلى خمسمائة نخلة فجذها ثم قسمها في يوم واحد ولم يدخل منها إلى منزله شيئا فأنزل الله هذه الآية ولا تسرفوا وقد جاء
في الخبر: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول»
«١» إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١) فكل مكلف لا يحبه الله تعالى فهو من أهل النار وَأنشأ مِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً أي ما يحمل الأثقال وَفَرْشاً أي ما يفرش للذبح أو ما ينسج من وبره وصوفه وشعره للفرش كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ أي كلوا بعض ما رزقكم الله وهو
стр. 349
ما أحل الله لكم من الحرث والأنعام وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ أي ولا تسلكوا الطريق الذي يسوله لكم الشيطان بتحريم الحرث والأنعام إِنَّهُ أي الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢) أي ظاهر العداوة فقد أخرج آدم من الجنة. وقال: لأحتنكن ذريته إلا قليلا ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ أي أصناف أربعة ذكور من كل من الإبل والبقر والغنم، وأربعة إناث كذلك وهذا بدل من حمولة وفرشا مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ بدل من ثمانية أزواج أي أنشأ من الضأن زوجين الكبش والنعجة وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ أي من المعز زوجين التيس والعنز قُلْ لهم إظهارا لانقطاعهم عن الجواب آلذَّكَرَيْنِ من ذينك النوعين وهما الكبش والتيس حَرَّمَ أي الله تعالى كما تزعمون أنه هو المحرم أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ وهما النعجة والعنز أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أي أم ما حملت به إناث النوعين حرم الله تعالى ذكرا كان أو أنثى نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ أي أخبروني بعلم ناشئ عن طريق الإخبار من الله بأنه حرم ما ذكر إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٤٣) في دعواكم إن الله حرم بحيرة أو سائبة أو وصيلة أو حاما وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ أي وأنشأ من الإبل اثنين الجمل والناقة وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ ذكرا وأنثى قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ من ذينك النوعين أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا أي بل أكنتم حاضرين حين أمركم الله بهذا التحريم. والمراد هل شاهدتم الله حرم هذا إن كنتم لا تؤمنون برسول فإنكم لا تقرون بنبوة أحد من الأنبياء فكيف تثبتون هذه الأحكام وتنسبونها إلى الله تعالى فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أي لا أحد أظلم ممن تعمد على الله كذبا بنسبة التحريم إليه.
قال المحققون: إذا ثبت أن من افترى على الله الكذب في تحريم مباح استحقّ هذا الوعيد الشديد فمن افترى على الله الكذب في مسائل التوحيد ومعرفة الذات والصفات والنبوات والملائكة ومباحث المعاد كان وعيده أشد وأشق لِيُضِلَّ النَّاسَ عن دين الله بِغَيْرِ عِلْمٍ حال من فاعل يضل أي ملتبسا بغير علم بما يؤدي بهم إليه أو حال من فاعل افترى. أي افترى عليه تعالى جاهلا بصدور التحريم عنه تعالى. أي فمن افترى عليه تعالى جاهلا بصدور التحريم عنه تعالى مع احتمال الصدور عنه كان أظلم ظالم فما ظنك بمن افترى عليه تعالى وهو يعلم أنه لم يصدر عنه إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤) أي لا يهدي أولئك المشركين أي لا ينقلهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ أي قل يا أشرف الخلق لهؤلاء الجهلة الذين يحكمون بالحلال والحرام من عند أنفسهم لا أجد في القرآن طعاما محرما من المطاعم التي حرمتموها على آكل بأكله من ذكر أو أنثى إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً.
قرأ ابن كثير وحمزة «تكون» بالتأنيث «ميتة» بالنصب على تقدير إلا أن تكون المحرمة ميتة. وقرأ ابن عامر «تكون» بالتأنيث «ميتة» بالرفع على معنى إلا أن توجد ميتة أو إلا أن تكون
стр. 350
هناك ميتة. وقرأ الباقون «يكون» بالتذكير «ميتة» بالنصب أي إلا أن يكون ذلك المحرم ميتة.
وعلى قراءة ابن عامر يكون ما بعد هذا معطوفا على أن يكون الواقعة مستثناة أي إلا حدوث ميتة أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أي جاريا كالدماء التي في العروق لا كالطحال والكبد أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ أي الخنزير رِجْسٌ أي نجس فكل نجس يحرم أكله أَوْ فِسْقاً أي ذبيحة خارجة عن الحلال أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ أي ذبح على اسم الأصنام فَمَنِ اضْطُرَّ أي فمن أصابه الضرورة الداعية إلى أكل الميتة غَيْرَ باغٍ في ذلك على مضطر مثله وَلا عادٍ أي متجاوز قدر الضرورة وهو الذي يسد الرمق فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥) أي فلا يؤاخذه ربك بالأكل من ذلك لأنه مبالغ في المغفرة والرحمة وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ أي وحرمنا على اليهود كل ذي مخلب وبرثن وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما وهو شحم الكرش والكلى إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أي إلا الشحم الذي حملته ظهورهما أَوِ الْحَوايا أي أو إلا الشحم الذي حملته المباعر أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ أي أو إلا شحما مختلطا بعظم مثل شحم الألية فإنه متصل بالعصعص فتلخص أن الذي حرم عليهم من الشحوم هو شحم الكرش والكلى وأن ما عدا ذلك حلال لهم ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ أي ذلك التحريم عاقبناهم بسبب ظلمهم وهو قتلهم الأنبياء وأخذهم الربا وأكلهم أموال الناس بالباطل وَإِنَّا لَصادِقُونَ (١٤٦) في الإخبار عن تخصيصهم بهذا التحريم بسبب بغيهم وهم كاذبون في قولهم حرم ذلك إسرائيل على نفسه بلا ذنب منا فنحن مقتدون به فَإِنْ كَذَّبُوكَ أي فإن كذبك اليهود في الحكم المذكور، أو كذبك المشركون في ادعاء النبوة والرسالة وفي تبليغ هذه الأحكام فَقُلْ لهم: رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ فلذلك لا يعجل عليكم بالعقوبة على تكذيبكم فلا تغتروا بذلك فإنه إمهال لا إهمال وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ أي عقابه إذا جاء وقته عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧) الذين كذبوك فيما تقول. وقيل: المعنى ذو رحمة واسعة للمطيعين وذو بأس شديد للمجرمين سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا عنادا لا اعتذارا عن ارتكاب هذه القبائح لَوْ شاءَ اللَّهُ عدم إشراكنا وعدم تحريمنا ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ ففعلنا حق مرضى عند الله تعالى ولولا أنه تعالى رضي ما نحن فيه لحال بيننا وبينه كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي مثل ما كذبك هؤلاء في أن الله منع من الشرك ولم يحرم ما حرموه كذب كفار الأمم الماضية أنبياءهم، فكل من كذب نبيا قال الكل بمشيئة الله تعالى فهذا الذي أنا فيه من الكفر إنما حصل بمشيئة الله تعالى فلم يمنعني منه، وفي قراءة بتخفيف كذب أي مثل كذبهم في قولهم: إن ما فعلوه حق مرضي عند الله تعالى كذب من قبلهم في ذلك حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا أي عذابنا الذي أنزلنا عليهم بتكذيبهم الرسل وبكذبهم في قولهم إن الله أمرنا بالشرك قُلْ لهؤلاء المشركين: هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ أي بيان على ما تقولون من تحريم ما حرمتم ومن أن الله راض بشرككم فَتُخْرِجُوهُ أي فتظهروه لَنا كما بينا لكم خطأ قولكم وفعلكم
стр. 351
إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ أي ما تتبعون فيما أنتم عليه إلا الظن الباطل الذي لا يغني من الحق شيئا وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) أي وما أنتم في ذلك إلا تكذبون على الله تعالى قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ أي قل لهم إن لم تكن لكم حجة فلله الحجة الواضحة التي تقطع عذر المحجوج وتزيل الشك عمن نظر فيها وهي إنزال الكتب وإرسال الرسل فَلَوْ شاءَ هدايتكم جميعا إلى الحجة البالغة لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) ولكن لم يشأ هداية الكل بل هداية البعض. قُلْ يا أكرم الرسل لهم: هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا أي أحضروا قدوتكم الذين ينصرون قولكم إن الله حرم الذي حرمتموه فَإِنْ شَهِدُوا بعد حضوهم بأن الله حرم ذلك فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ أي فلا تصدقهم فيما يقولون بل بيّن لهم فساده لأن السكوت قد يشعر بالرضا وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠) أي إن وقع منهم شهادة فإنما هي باتباع الهوى فلا تتبع أنت أهواءهم فهم كذبوا بالقرآن ولا يؤمنون بالبعث بعد الموت ويجعلون لله تعالى عديلا.
قُلْ يا أكرم الرسل لمن سألك أي شيء حرم الله وهم مالك بن عوف وأصحابه: تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ في الكتاب الذي أنزل، «على» مفسرة لفعل التلاوة أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ أي بربكم شَيْئاً من الإشراك وَبِالْوالِدَيْنِ أي وأحسنوا بهما إِحْساناً ولم يقل الله ولا تسيئوا الوالدين لأن مجرد عدم تلك الإساءة إليهما غير كاف في قضاء حقوقهما وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ أي من خوف الفقر وكانوا يدفنون البنات أحياء فبعضهم للغيرة وبعضهم لخوف الفقر وهذا هو السبب الغالب فبين تعالى فساد هذه العلة بقوله: نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ أي أولادكم وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ أي الزنا ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ أي ما يفعل منها علانية في الحوانيت كما هو دأب أراذلهم وما يفعل سرا باتخاذ الأخدان كما هو عادة أشرافهم، وجمع الفواحش للنهي عن أنواعها ولذلك ذكر ما أبدل عنها بدل اشتمال، وتوسيط النهي عن الزنا بين النهي عن قتل الأولاد والنهي عن القتل مطلقا، لأنه في حكم قتل الأولاد فإن أولاد الزنا في حكم الأموات. وقد
قال ﷺ في حق العزل: «ذاك وأد خفي»
«١» . وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ قتلها بكونها معصومة بالإسلام أو بالعهد إِلَّا بِالْحَقِّ أي إلا قتلا ملتبسا بالحق وهو أن يكون القتل للقصاص أو للردة أو للزنا بشرطه ذلِكُمْ أي التكاليف الخمسة وَصَّاكُمْ بِهِ أي أمركم به ربكم أمرا مؤكدا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) أي لكي تعقلوا فوائد هذه التكاليف في الدين والدنيا وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
أي إلا بالخصلة التي هي أحسن لليتيم كحفظه وتحصيل الربح به حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ
أي قوته مع الرشد
стр. 352
ومبدؤه من البلوغ وانتهاؤه إلى الثلاثة والثلاثين وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ
أي أتموا الكيل بالمكيال والوزن بالميزان بالعدل من غير نقصان من المعطي ومن غير طلب الزيادة من صاحب الحق لا نُكَلِّفُ نَفْساً
عند الكيل والوزن إِلَّا وُسْعَها
أي إلا طاقتها في الإيفاء والعدل فإن الواجب في إيفاء الكيل والوزن هو القدر الممكن في إيفائهما أما التحقيق فغير واجب وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى
أي ولو كان القول على ذي قرابة منكم فإذا دعا شخص إلى الدين وأقام الدليل عليه ذكر الدليل ملخصا عن الزيادة بألفاظ معتادة، وإذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فلا ينقص عن القدر الواجب ولا يزيد في الإيذاء والإيحاش، وإذا حكى الحكايات فلا يزيد فيها ولا ينقص عنها، وإذا بلغ الرسالات عن الناس فيجب أن يؤديها من غير زيادة ولا نقصان، وإذا حكم فيجب أن يحكم بالعدل وأن يسوى في القول بين القريب والبعيد وذلك لطلب رضا الله تعالى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا
أي أتموا ما عاهدتم الله عليه من الأيمان والنذور وغيرهما ذلِكُمْ
أي التكاليف الأربعة وَصَّاكُمْ بِهِ
أي أمركم به أمرا مؤكدا لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
(١٥٢) ولما كانت التكاليف الخمسة في الآية الأولى أمورا ظاهرة مما يجب تفهمها ختمت بقوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ولما كانت هذه التكاليف الأربعة غامضة لا بدّ فيها من الاجتهاد في الفكر حتى يقف على موضع الاعتدال ختمت بقوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
وحصل ما ذكر في هاتين الآيتين من المحرمات تسعة أشياء خمسة بصيغ النهي وأربعة بصيغ الأمر وتؤول الأوامر بالنهي لأجل التناسب وهذه الأحكام لا تختلف باختلاف الأمم والأعصار وَأَنَّ هذا أي الذي بيّنه الرسول ﷺ من دين الإسلام صِراطِي أي ديني مُسْتَقِيماً أي لا اعوجاج فيه.
قرأ ابن عامر و «أن هذا» بفتح الهمزة وسكون النون، فأصلها وأنه هذا فالهاء ضمير الشأن والحديث وهو اسم إن والجملة التي بعده خبره. وقرأ حمزة والكسائي و «إن» بكسر الهمزة وتشديد النون فالتقدير اتل ما حرم واتل إن هذا بمعنى قل. وقرأ الباقون بفتح الهمزة وتشديد النون والتقدير واتل عليهم إن هذا صراطي مستقيما فَاتَّبِعُوهُ أي هذا الصراط وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ المخالفة لدين الإسلام فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ أي فتميل بكم هذه السبل عن سبيل الله الذي لا اعوجاج فيه وهو دين الإسلام.
وعن ابن مسعود قال: خط لنا رسول الله ﷺ يوما خطا ثم قال:
«هذا سبيل الله» ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ثم قال: «هذه سبل على كل منها شيطان يدعو إليها»
«١» ذلِكُمْ أي اتباع دين الله وَصَّاكُمْ بِهِ في الكتاب لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) اتباع الكفر والضلالات ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ أي ثم بعد تعديد المحرمات وغيرها من
стр. 353
الأحكام إني أخبركم أنا أعطينا موسى التوراة تَماماً أي لأجل تمام نعمتنا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ أي على من أحسن العمل بأحكامه كما يدل عليه قراءة عبد الله على الذين أحسنوا. وقرأ يحيى بن يعمر بالرفع بحذف المبتدأ أي على الذي هو أحسن دينا كقراءة من قرأ مثلا ما بعوضة بالرفع وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ أي ولبيان كل ما يحتاج إليه في الدين فيدخل في ذلك بيان نبوة سيدنا محمد ودينه وَهُدىً من الضلالة وَرَحْمَةً من العذاب لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤) أي لكي يؤمن بنو إسرائيل بلقاء ما وعدهم الله به من ثواب وعقاب وَهذا أي الذي تلوت عليكم كِتابٌ أي قرآن أَنْزَلْناهُ إليكم بلسانكم مُبارَكٌ أي كثير المنافع دينا ودنيا لا يتطرق إليه النسخ فَاتَّبِعُوهُ أي فاتبعوا يا أهل مكة ما فيه من الأوامر والنواهي والأحكام وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أي اتقوا مخالفته على رجاء الرحمة أَنْ تَقُولُوا أي أنزلناه كراهة أن تقولوا يوم القيامة إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ وهو التوراة والإنجيل عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وهم اليهود والنصارى وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (١٥٦) أي وإنه كنا عن قراءتهم لجاهلين فلا ندري ما في كتابهم إذا لم يكن بلغتنا. والمراد بهذه الآيات إثبات الحجة على أهل مكة بإنزال القرآن على سيدنا محمد كي لا يقولوا يوم القيامة: إن التوراة والإنجيل أنزلا على اليهود والنصارى ولا نعلم ما فيهما، فقطع الله عذرهم بإنزال القرآن عليهم بلغتهم أَوْ تَقُولُوا أي لا عذر لكم في القيامة بقولكم لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ كما أنزل على اليهود والنصارى لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ أي أصوب دينا منهم وأسرع إجابة للرسول منهم فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ أي لا تعتذروا بذلك فقد جاءكم قرآن من ربكم فإنه بيان فيما يعلم سمعا وهو هدى فيما يعلم سمعا وعقلا وهو نعمة في الدين فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها أي لا أحد أجرأ على الله ممن كذب بالقرآن ومحمد ﷺ ومال عن سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ أي شدته بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧) أي بسبب إعراضهم هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أي ما ينتظر أهل مكة إلا أحد هذه الأمور الثلاثة أي فلا يؤمنون بك إلا إذا جاءهم أحد هذه الأمور.
وقرأ حمزة والكسائي على التذكير أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أي بحسب ما اقترحوا بقولهم لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا. وهم كانوا كفارا، واعتقاد الكافر ليس بحجة. وقيل: المراد بالملائكة ملائكة الموت لقبض أرواحهم وبإتيان الله تعالى إتيان كل آياته بمعنى آيات القيامة كلها. وقيل: أو يأتي ربك يوم القيامة بلا كيف أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ أي بعض علامات ربك الدالة على قرب الساعة وهي عشرة وهي العلامات الكبرى وهي الدجّال، والدابة، وخسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، والدخان، وطلوع الشمس من مغربها، ويأجوج ومأجوج، ونزول عيسى، ونار تخرج مني عدن تسوق إلى المحشر يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ وهو طلوع الشمس من مغربها لا يَنْفَعُ نَفْساً كافرة إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أي قبل
стр. 354
إتيان بعض الآيات أَوْ نفسا مؤمنة عاصية توبتها لم تكن كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً فحكم الإيمان والعمل الصالح حين طلوع الشمس من المغرب حكم من آمن أو عمل عند الغرغرة وذلك لا يفيد شيئا، أما من كان يومئذ مذنبا فتاب، أو صغيرا أو مولودا بعد ذلك فإنه ينفع توبتهم وإيمانهم وعملهم كما قاله ابن عباس.
روي عن ابن عباس أنه قال: لا تزال الشمس تجري من مطلعها إلى مغربها حتى يأتي الوقت الذي جعله الله غاية لتوبة عباده، فتستأذن الشمس من أين تطلع ويستأذن القمر من أين يطلع، فلا يؤذن لهما، فيحبسان مقدار ثلاث ليال للشمس وليلتين للقمر فلا يعرف مقدار حبسهما إلا قليل من الناس، وهم أهل الأوراد وحملة القرآن فينادي بعضهم بعضا فيجتمعون في مساجدهم بالتضرع والبكاء والصراخ بقية تلك الليلة، فبينما الناس كذلك إذ نادى مناد ألا أن باب التوبة قد أغلق والشمس والقمر قد طلعا من مغاربهما ويتصايح أهل الدنيا وتذهل الأمهات عن أولادها، وتضع كل ذات حمل حملها، فأما الصالحون والأبرار فإنهم ينفعهم بكاؤهم يومئذ ويكتب لهم عبادة وأما الفاسقون والفجار فلا ينفعهم بكاؤهم يومئذ ويكتب عليهم حسرة.
قال عمر بن الخطاب للنبي ﷺ : وما باب التوبة يا رسول الله؟ فقال: «يا عمر خلق الله بابا للتوبة جهة المغرب فهو من أبواب الجنة له مصراعان من ذهب مكللان بالدر والجواهر ما بين المصراع إلى المصراع مسيرة أربعين عاما للراكب المسرع فذلك الباب مفتوح منذ خلقه الله تعالى إلى صبيحة تلك الليلة عند طلوع الشمس والقمر من مغاربهما ولم يتب عبد من عباد الله توبة نصوحا من لدن آدم إلى ذلك اليوم إلا ولجت تلك التوبة في ذلك الباب» . قال أبي بن كعب: يا رسول الله فكيف بالشمس والقمر بعد ذلك! وكيف بالناس والدنيا؟ فقال: «يا أبي إن الشمس والقمر يكسيان بعد ذلك ضوء النار، ثم يطلعان على الناس ويغربان كما كانا قبل ذلك، وأما الناس بعد ذلك فيحلون على الدنيا ويعمرونها ويجرون فيها الأنهار ويغرسون فيها الأشجار، ويبنون فيها البنيان، ثم تمكث الدنيا بعد طلوع الشمس من مغربها مائة وعشرين سنة السنة منها بقدر شهر، والشهر بقدر جمعة، والجمعة بقدر يوم واليوم بقدر ساعة. ويتمتع المؤمنون بعد ذلك أربعين سنة لا يتمنون شيئا إلا أعطوه حتى تتم أربعون سنة بعد الدابة، ثم يعود فيهم الموت ويسرع فلا يبقى مؤمن ويبقى الكفار يتهارجون في الطرق كالبهائم حتى ينكح الرجل المرأة في وسط الطريق يقوم واحد عنها وينزل واحد وأفضلهم من يقول لو تنحيتم عن الطريق لكان أحسن»
«١» .
وروي عن أنس أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «صبيحة تطلع الشمس من مغربها يصير في
стр. 355
هذه الأمة قردة وخنازير وتطوى الدواوين وتجف الأقلام لا يزاد في حسنة ولا ينقص من حسنة، ولا ينفع نفسا إيمانها، لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا»
«١» قُلِ انْتَظِرُوا ما تنتظرونه من إتيان أحد الأمور الثلاثة إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨) لذلك لنشاهد ما يحل بكم من سوء العاقبة.
والمراد بهذا إن المشركين إنما يمهلون قدر مدة الدنيا فإذا ماتوا أو ظهرت الآيات لم ينفعهم الإيمان وحلّت بهم العقوبة اللازمة أبدا إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً أي أحزابا في الضلالة لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ أي لست من البحث في تفريقهم فأنت منهم بريء وهم منك برآء، ولست من قتالهم في هذا الوقت في شيء إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ أي يدبره كيف يشاء يؤاخذهم في الدنيا متى شاء ويأمركم بقتالهم إذا أراد ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩) أي ثم يظهر الله لهم يوم القيامة على رؤوس الأشهاد ويعلمهم أيّ شيء شنيع كانوا يفعلونه في الدنيا، ويرتب عليه ما يليق به من الجزاء. والمراد بهؤلاء المفرقين الخوارج كما
أخرجه ابن أبي حاتم من حديث أبي أمامة: «أو هم أصحاب البدع والأهواء» كما أخرجه الطبراني من حديث عائشة.
وقال قتادة: هم اليهود والنصارى كما أخرجه عبد الرزاق وكما أخرج ابن أبي حاتم عن السدي وقال النّبيّ ﷺ : «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلهم في الهاوية إلا واحدة، وافترقت النصارى اثنين وسبعين فرقة كلهم في الهاوية إلا واحدة واستثناء الواحدة من فرق أهل الكتابين إنما هو باعتبار ما قبل النسخ وأما بعده فالكل في الهاوية وإن اختلفت أسباب دخولهم وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في الهاوية إلا واحدة» «٢» . رواه أبو داود والترمذي والحاكم.
وقرأ حمزة والكسائي «فارقوا» بالألف أي باينوا بأن تركوا بعض دين آبائهم. والباقون فرقوا بالتشديد أي اختلفوا في دينهم كما اختلف المشركون بعضهم يعبدون الملائكة ويزعمون أنهم بنات الله وبعضهم يعبدون الأصنام ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله وبعضهم يعبدون الكواكب مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ أي من جاء يوم القيامة بالأعمال الحسنة من المؤمنين فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها أي فله جزاء عشر أمثالها وهذا أقل ما وعد من الأضعاف فالمراد بالعشرة الأضعاف.
مطلقا لا بالتحديد وقد جاء الوعد بسبعين وبسبعمائة وبغير حساب ولذلك قيل: المراد بذكر العشر بيان الكثرة لا الحصر في العدد الخاص وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ أي بالأعمال السيئة فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها أي الأجزاء السيئة الواحدة إن جوزي وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦٠) أي لا ينقصون من ثواب