إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ أي ما تتبعون فيما أنتم عليه إلا الظن الباطل الذي لا يغني من الحق شيئا وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) أي وما أنتم في ذلك إلا تكذبون على الله تعالى قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ أي قل لهم إن لم تكن لكم حجة فلله الحجة الواضحة التي تقطع عذر المحجوج وتزيل الشك عمن نظر فيها وهي إنزال الكتب وإرسال الرسل فَلَوْ شاءَ هدايتكم جميعا إلى الحجة البالغة لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) ولكن لم يشأ هداية الكل بل هداية البعض. قُلْ يا أكرم الرسل لهم: هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا أي أحضروا قدوتكم الذين ينصرون قولكم إن الله حرم الذي حرمتموه فَإِنْ شَهِدُوا بعد حضوهم بأن الله حرم ذلك فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ أي فلا تصدقهم فيما يقولون بل بيّن لهم فساده لأن السكوت قد يشعر بالرضا وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠) أي إن وقع منهم شهادة فإنما هي باتباع الهوى فلا تتبع أنت أهواءهم فهم كذبوا بالقرآن ولا يؤمنون بالبعث بعد الموت ويجعلون لله تعالى عديلا.
قُلْ يا أكرم الرسل لمن سألك أي شيء حرم الله وهم مالك بن عوف وأصحابه: تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ في الكتاب الذي أنزل، «على» مفسرة لفعل التلاوة أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ أي بربكم شَيْئاً من الإشراك وَبِالْوالِدَيْنِ أي وأحسنوا بهما إِحْساناً ولم يقل الله ولا تسيئوا الوالدين لأن مجرد عدم تلك الإساءة إليهما غير كاف في قضاء حقوقهما وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ أي من خوف الفقر وكانوا يدفنون البنات أحياء فبعضهم للغيرة وبعضهم لخوف الفقر وهذا هو السبب الغالب فبين تعالى فساد هذه العلة بقوله: نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ أي أولادكم وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ أي الزنا ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ أي ما يفعل منها علانية في الحوانيت كما هو دأب أراذلهم وما يفعل سرا باتخاذ الأخدان كما هو عادة أشرافهم، وجمع الفواحش للنهي عن أنواعها ولذلك ذكر ما أبدل عنها بدل اشتمال، وتوسيط النهي عن الزنا بين النهي عن قتل الأولاد والنهي عن القتل مطلقا، لأنه في حكم قتل الأولاد فإن أولاد الزنا في حكم الأموات. وقد
قال ﷺ في حق العزل: «ذاك وأد خفي»
«١» . وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ قتلها بكونها معصومة بالإسلام أو بالعهد إِلَّا بِالْحَقِّ أي إلا قتلا ملتبسا بالحق وهو أن يكون القتل للقصاص أو للردة أو للزنا بشرطه ذلِكُمْ أي التكاليف الخمسة وَصَّاكُمْ بِهِ أي أمركم به ربكم أمرا مؤكدا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) أي لكي تعقلوا فوائد هذه التكاليف في الدين والدنيا وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
أي إلا بالخصلة التي هي أحسن لليتيم كحفظه وتحصيل الربح به حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ
أي قوته مع الرشد
стр. 352
ومبدؤه من البلوغ وانتهاؤه إلى الثلاثة والثلاثين وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ
أي أتموا الكيل بالمكيال والوزن بالميزان بالعدل من غير نقصان من المعطي ومن غير طلب الزيادة من صاحب الحق لا نُكَلِّفُ نَفْساً
عند الكيل والوزن إِلَّا وُسْعَها
أي إلا طاقتها في الإيفاء والعدل فإن الواجب في إيفاء الكيل والوزن هو القدر الممكن في إيفائهما أما التحقيق فغير واجب وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى
أي ولو كان القول على ذي قرابة منكم فإذا دعا شخص إلى الدين وأقام الدليل عليه ذكر الدليل ملخصا عن الزيادة بألفاظ معتادة، وإذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فلا ينقص عن القدر الواجب ولا يزيد في الإيذاء والإيحاش، وإذا حكى الحكايات فلا يزيد فيها ولا ينقص عنها، وإذا بلغ الرسالات عن الناس فيجب أن يؤديها من غير زيادة ولا نقصان، وإذا حكم فيجب أن يحكم بالعدل وأن يسوى في القول بين القريب والبعيد وذلك لطلب رضا الله تعالى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا
أي أتموا ما عاهدتم الله عليه من الأيمان والنذور وغيرهما ذلِكُمْ
أي التكاليف الأربعة وَصَّاكُمْ بِهِ
أي أمركم به أمرا مؤكدا لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
(١٥٢) ولما كانت التكاليف الخمسة في الآية الأولى أمورا ظاهرة مما يجب تفهمها ختمت بقوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ولما كانت هذه التكاليف الأربعة غامضة لا بدّ فيها من الاجتهاد في الفكر حتى يقف على موضع الاعتدال ختمت بقوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
وحصل ما ذكر في هاتين الآيتين من المحرمات تسعة أشياء خمسة بصيغ النهي وأربعة بصيغ الأمر وتؤول الأوامر بالنهي لأجل التناسب وهذه الأحكام لا تختلف باختلاف الأمم والأعصار وَأَنَّ هذا أي الذي بيّنه الرسول ﷺ من دين الإسلام صِراطِي أي ديني مُسْتَقِيماً أي لا اعوجاج فيه.
قرأ ابن عامر و «أن هذا» بفتح الهمزة وسكون النون، فأصلها وأنه هذا فالهاء ضمير الشأن والحديث وهو اسم إن والجملة التي بعده خبره. وقرأ حمزة والكسائي و «إن» بكسر الهمزة وتشديد النون فالتقدير اتل ما حرم واتل إن هذا بمعنى قل. وقرأ الباقون بفتح الهمزة وتشديد النون والتقدير واتل عليهم إن هذا صراطي مستقيما فَاتَّبِعُوهُ أي هذا الصراط وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ المخالفة لدين الإسلام فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ أي فتميل بكم هذه السبل عن سبيل الله الذي لا اعوجاج فيه وهو دين الإسلام.
وعن ابن مسعود قال: خط لنا رسول الله ﷺ يوما خطا ثم قال:
«هذا سبيل الله» ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ثم قال: «هذه سبل على كل منها شيطان يدعو إليها»
«١» ذلِكُمْ أي اتباع دين الله وَصَّاكُمْ بِهِ في الكتاب لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) اتباع الكفر والضلالات ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ أي ثم بعد تعديد المحرمات وغيرها من
стр. 353
الأحكام إني أخبركم أنا أعطينا موسى التوراة تَماماً أي لأجل تمام نعمتنا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ أي على من أحسن العمل بأحكامه كما يدل عليه قراءة عبد الله على الذين أحسنوا. وقرأ يحيى بن يعمر بالرفع بحذف المبتدأ أي على الذي هو أحسن دينا كقراءة من قرأ مثلا ما بعوضة بالرفع وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ أي ولبيان كل ما يحتاج إليه في الدين فيدخل في ذلك بيان نبوة سيدنا محمد ودينه وَهُدىً من الضلالة وَرَحْمَةً من العذاب لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤) أي لكي يؤمن بنو إسرائيل بلقاء ما وعدهم الله به من ثواب وعقاب وَهذا أي الذي تلوت عليكم كِتابٌ أي قرآن أَنْزَلْناهُ إليكم بلسانكم مُبارَكٌ أي كثير المنافع دينا ودنيا لا يتطرق إليه النسخ فَاتَّبِعُوهُ أي فاتبعوا يا أهل مكة ما فيه من الأوامر والنواهي والأحكام وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أي اتقوا مخالفته على رجاء الرحمة أَنْ تَقُولُوا أي أنزلناه كراهة أن تقولوا يوم القيامة إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ وهو التوراة والإنجيل عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وهم اليهود والنصارى وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (١٥٦) أي وإنه كنا عن قراءتهم لجاهلين فلا ندري ما في كتابهم إذا لم يكن بلغتنا. والمراد بهذه الآيات إثبات الحجة على أهل مكة بإنزال القرآن على سيدنا محمد كي لا يقولوا يوم القيامة: إن التوراة والإنجيل أنزلا على اليهود والنصارى ولا نعلم ما فيهما، فقطع الله عذرهم بإنزال القرآن عليهم بلغتهم أَوْ تَقُولُوا أي لا عذر لكم في القيامة بقولكم لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ كما أنزل على اليهود والنصارى لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ أي أصوب دينا منهم وأسرع إجابة للرسول منهم فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ أي لا تعتذروا بذلك فقد جاءكم قرآن من ربكم فإنه بيان فيما يعلم سمعا وهو هدى فيما يعلم سمعا وعقلا وهو نعمة في الدين فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها أي لا أحد أجرأ على الله ممن كذب بالقرآن ومحمد ﷺ ومال عن سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ أي شدته بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧) أي بسبب إعراضهم هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أي ما ينتظر أهل مكة إلا أحد هذه الأمور الثلاثة أي فلا يؤمنون بك إلا إذا جاءهم أحد هذه الأمور.
وقرأ حمزة والكسائي على التذكير أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أي بحسب ما اقترحوا بقولهم لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا. وهم كانوا كفارا، واعتقاد الكافر ليس بحجة. وقيل: المراد بالملائكة ملائكة الموت لقبض أرواحهم وبإتيان الله تعالى إتيان كل آياته بمعنى آيات القيامة كلها. وقيل: أو يأتي ربك يوم القيامة بلا كيف أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ أي بعض علامات ربك الدالة على قرب الساعة وهي عشرة وهي العلامات الكبرى وهي الدجّال، والدابة، وخسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، والدخان، وطلوع الشمس من مغربها، ويأجوج ومأجوج، ونزول عيسى، ونار تخرج مني عدن تسوق إلى المحشر يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ وهو طلوع الشمس من مغربها لا يَنْفَعُ نَفْساً كافرة إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أي قبل
стр. 354
إتيان بعض الآيات أَوْ نفسا مؤمنة عاصية توبتها لم تكن كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً فحكم الإيمان والعمل الصالح حين طلوع الشمس من المغرب حكم من آمن أو عمل عند الغرغرة وذلك لا يفيد شيئا، أما من كان يومئذ مذنبا فتاب، أو صغيرا أو مولودا بعد ذلك فإنه ينفع توبتهم وإيمانهم وعملهم كما قاله ابن عباس.
روي عن ابن عباس أنه قال: لا تزال الشمس تجري من مطلعها إلى مغربها حتى يأتي الوقت الذي جعله الله غاية لتوبة عباده، فتستأذن الشمس من أين تطلع ويستأذن القمر من أين يطلع، فلا يؤذن لهما، فيحبسان مقدار ثلاث ليال للشمس وليلتين للقمر فلا يعرف مقدار حبسهما إلا قليل من الناس، وهم أهل الأوراد وحملة القرآن فينادي بعضهم بعضا فيجتمعون في مساجدهم بالتضرع والبكاء والصراخ بقية تلك الليلة، فبينما الناس كذلك إذ نادى مناد ألا أن باب التوبة قد أغلق والشمس والقمر قد طلعا من مغاربهما ويتصايح أهل الدنيا وتذهل الأمهات عن أولادها، وتضع كل ذات حمل حملها، فأما الصالحون والأبرار فإنهم ينفعهم بكاؤهم يومئذ ويكتب لهم عبادة وأما الفاسقون والفجار فلا ينفعهم بكاؤهم يومئذ ويكتب عليهم حسرة.
قال عمر بن الخطاب للنبي ﷺ : وما باب التوبة يا رسول الله؟ فقال: «يا عمر خلق الله بابا للتوبة جهة المغرب فهو من أبواب الجنة له مصراعان من ذهب مكللان بالدر والجواهر ما بين المصراع إلى المصراع مسيرة أربعين عاما للراكب المسرع فذلك الباب مفتوح منذ خلقه الله تعالى إلى صبيحة تلك الليلة عند طلوع الشمس والقمر من مغاربهما ولم يتب عبد من عباد الله توبة نصوحا من لدن آدم إلى ذلك اليوم إلا ولجت تلك التوبة في ذلك الباب» . قال أبي بن كعب: يا رسول الله فكيف بالشمس والقمر بعد ذلك! وكيف بالناس والدنيا؟ فقال: «يا أبي إن الشمس والقمر يكسيان بعد ذلك ضوء النار، ثم يطلعان على الناس ويغربان كما كانا قبل ذلك، وأما الناس بعد ذلك فيحلون على الدنيا ويعمرونها ويجرون فيها الأنهار ويغرسون فيها الأشجار، ويبنون فيها البنيان، ثم تمكث الدنيا بعد طلوع الشمس من مغربها مائة وعشرين سنة السنة منها بقدر شهر، والشهر بقدر جمعة، والجمعة بقدر يوم واليوم بقدر ساعة. ويتمتع المؤمنون بعد ذلك أربعين سنة لا يتمنون شيئا إلا أعطوه حتى تتم أربعون سنة بعد الدابة، ثم يعود فيهم الموت ويسرع فلا يبقى مؤمن ويبقى الكفار يتهارجون في الطرق كالبهائم حتى ينكح الرجل المرأة في وسط الطريق يقوم واحد عنها وينزل واحد وأفضلهم من يقول لو تنحيتم عن الطريق لكان أحسن»
«١» .
وروي عن أنس أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «صبيحة تطلع الشمس من مغربها يصير في
стр. 355
هذه الأمة قردة وخنازير وتطوى الدواوين وتجف الأقلام لا يزاد في حسنة ولا ينقص من حسنة، ولا ينفع نفسا إيمانها، لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا»
«١» قُلِ انْتَظِرُوا ما تنتظرونه من إتيان أحد الأمور الثلاثة إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨) لذلك لنشاهد ما يحل بكم من سوء العاقبة.
والمراد بهذا إن المشركين إنما يمهلون قدر مدة الدنيا فإذا ماتوا أو ظهرت الآيات لم ينفعهم الإيمان وحلّت بهم العقوبة اللازمة أبدا إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً أي أحزابا في الضلالة لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ أي لست من البحث في تفريقهم فأنت منهم بريء وهم منك برآء، ولست من قتالهم في هذا الوقت في شيء إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ أي يدبره كيف يشاء يؤاخذهم في الدنيا متى شاء ويأمركم بقتالهم إذا أراد ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩) أي ثم يظهر الله لهم يوم القيامة على رؤوس الأشهاد ويعلمهم أيّ شيء شنيع كانوا يفعلونه في الدنيا، ويرتب عليه ما يليق به من الجزاء. والمراد بهؤلاء المفرقين الخوارج كما
أخرجه ابن أبي حاتم من حديث أبي أمامة: «أو هم أصحاب البدع والأهواء» كما أخرجه الطبراني من حديث عائشة.
وقال قتادة: هم اليهود والنصارى كما أخرجه عبد الرزاق وكما أخرج ابن أبي حاتم عن السدي وقال النّبيّ ﷺ : «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلهم في الهاوية إلا واحدة، وافترقت النصارى اثنين وسبعين فرقة كلهم في الهاوية إلا واحدة واستثناء الواحدة من فرق أهل الكتابين إنما هو باعتبار ما قبل النسخ وأما بعده فالكل في الهاوية وإن اختلفت أسباب دخولهم وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في الهاوية إلا واحدة» «٢» . رواه أبو داود والترمذي والحاكم.
وقرأ حمزة والكسائي «فارقوا» بالألف أي باينوا بأن تركوا بعض دين آبائهم. والباقون فرقوا بالتشديد أي اختلفوا في دينهم كما اختلف المشركون بعضهم يعبدون الملائكة ويزعمون أنهم بنات الله وبعضهم يعبدون الأصنام ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله وبعضهم يعبدون الكواكب مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ أي من جاء يوم القيامة بالأعمال الحسنة من المؤمنين فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها أي فله جزاء عشر أمثالها وهذا أقل ما وعد من الأضعاف فالمراد بالعشرة الأضعاف.
مطلقا لا بالتحديد وقد جاء الوعد بسبعين وبسبعمائة وبغير حساب ولذلك قيل: المراد بذكر العشر بيان الكثرة لا الحصر في العدد الخاص وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ أي بالأعمال السيئة فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها أي الأجزاء السيئة الواحدة إن جوزي وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦٠) أي لا ينقصون من ثواب
стр. 356
طاعتهم ولا يزادون في عقاب سيئاتهم
قُلْ يا أشرف الخلق للمشركين الذين يدعون أنهم على ملة إبراهيم من أهل مكة واليهود والنصارى: إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي أرشدني ربي بالوحي وبما نصب من الآيات التكوينية في الأنفس وفي السموات والأرض إلى طريق حق دِيناً قِيَماً أي لا عوج فيه.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح القاف وكسر الياء مشددة. والباقون بكسر القاف وفتح الياء مخففة، وهو مصدر كالصغر والكبر والحول والشبع أي دينا ذا قيم أي صدق مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً أي مائلا عن الضلالة إلى الاستقامة وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) وقوله تعالى: دِيناً بدل من محل صراط لأن محله النصب على أنه مفعول ثان أو مفعول لفعل مقدر والتقدير ألزموا دينا وقوله تعالى: مِلَّةَ إِبْراهِيمَ عطف بيان ل «دينا» وحَنِيفاً حال من «إبراهيم» وكذا «وما كان» فهو عطف حال على أخرى قُلْ إِنَّ صَلاتِي أي الصلوات الخمس وَنُسُكِي أي ذبيحتي وجمع بين الصلاة والذبح كما في قوله تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر: ٢] . أو المعنى وكل ما تقربت به إلى الله تعالى فإن معنى الناسك من صفّا نفسه من دنس الآثام وَمَحْيايَ وَمَماتِي أي وما أنا عليه في حياتي وما أكون عليه عند موتي من الإيمان والطاعة لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) أي إن صلاتي وسائر عبادتي وحياتي ومماتي كلها واقعة بخلق الله تعالى وتقديره وقضائه وحكمه لا شَرِيكَ لَهُ في الخلق والتقدير وَبِذلِكَ أي وبهذا التوحيد أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) أي المستسلمين لقضاء الله وقدره فإنه ﷺ أول من أجاب ببلى يوم العهد لسؤال الله تعالى ألست بربكم، أو المعنى وأنا أول المنقادين لله من أهل ملتي وهذا بيان لمسارعته ﷺ إلى الامتثال بأمر الله. قُلْ يا أشرف الرسل للكفار الذين قالوا لك ارجع إلى ديننا أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا أي أأعبد ربا غير الله وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ أي والحال أن الله رب كل شيء مع أن الذين اتخذوا ربا غير الله أقروا بأن الله خالق الأشياء كما قال تعالى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ [الزمر: ٦٤] وأصناف المشركين أربعة عبدة الأصنام فهم معترفون بأن الله هو الخالق للسموات والأرض وللأصنام بأسرها وعبدة الكواكب فهم معترفون بأن الله خالقها، والقائلون بيزدان وأهرمن فهم معترفون بأن الشيطان محدث وأن محدثه هو الله والقائلون: بأن المسيح ابن الله والملائكة بناته فهم معترفون بأن الله خالق الكل، وإذا ثبت هذا فنقول: العقل الخالص يشهد بأنه لا يجوز جعل المربوب شريكا للرب وجعل المخلوق شريكا للخالق وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ذنبا إِلَّا عَلَيْها أي الإحالة كونه مستعليا عليها بالمضرة أو حالة كونه مكتوبا عليها لا على غيرها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى أي ولا تحمل نفس آثمة ولا غير آثمة إثم نفس أخرى، فلا تحمل نفس طائعة أو عاصية ذنب غيرها، وإنما قيد في الآيات بالوازرة موافقة لسبب النزول وهو أن الوليد بن المغيرة كان يقول للمؤمنين: اتبعوا سبيلي أحمل عنكم أوزاركم ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ أي إلى مالك أموركم
стр. 357
مَرْجِعُكُمْ أي رجوعكم يوم القيامة فَيُنَبِّئُكُمْ يومئذ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤) من الأديان في الدنيا وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ أي جعلكم يخلف بعضكم بعضا في الأرض وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ في الشرف والرزق فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ كثرة متفاوتة فجعل الله منهم الحسن والقبيح، والغني والفقير، والشريف والوضيع، والعالم والجاهل، والقوي والضعيف، وإظهار هذا التفاوت ليس لأجل العجز والجهل والبخل فإنه تعالى منزه عن ذلك وإنما هو لأجل الامتحان وهو المراد من قوله لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ أي ليعاملكم معاملة المختبر فيما أعطاكم من الجاه والمال والفقر أيكم يشكر وأيكم يصبر وهو أعلم بأحوال عباده منهم. والمراد من الابتلاء هو التكليف، ثم إن المكلف إما أن يكون مقصرا فيما كلف به أو موفرا فيه فإن كان مقصرا كان نصيبه من التخويف قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ لمن كفر به ولا يشكره ووصف العقاب بالسرعة لأن ما هو آت قريب، وإن كان المكلف موفرا في الطاعات كان نصيبه من الترغيب قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥) لمن راعى حقوق ما أعطاه الله تعالى كما ينبغي.
عن رسول الله ﷺ قال: «نزلت عليّ سورة الأنعام جملة واحدة يتبعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتحميد فمن قرأ الأنعام صلّى عليه واستغفر له أولئك السبعون ألف ملك بعدد كل آية من سورة الأنعام يوما وليلة»
«١» .
стр. 358
سورة الأعراف
مكية، مائتان وست آيات، ثلاثة آلاف وثلاثمائة وأربع وأربعون كلمة، أربعة عشر ألفا وأربعمائة وستة وثلاثون حرفا
المص (١) قيل: هي حروف مقطعة استأثر الله بعلمها وهي سره تعالى. في كتابه العزيز كِتابٌ أي هذا قرآن أُنْزِلَ إِلَيْكَ أي إن الملك انتقل به من العلو إلى أسفل فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ أي فلا يكن فيك شك من هذا الكتاب في كونه كتابا منزلا إليك من عنده تعالى. أو المعنى لا يكن فيك ضيق صدر من تبليغ هذا الكتاب. مخافة أن تقصر في القيام بحقه أو مخافة أن يكذبوك لِتُنْذِرَ بِهِ أي بهذا الكتاب الكافرين وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) فإن النفوس البشرية على قسمين نفوس جاهلة غريقة في طلب اللذات والشهوات، ونفوس شريفة مشرفة بالأنوار الإلهية فبعثة الرسل في حق القسم الأول تخويف، وفي حق القسم الثاني تنبيه اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ أي من كتابه وسنة رسوله وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أي من غير ربكم أَوْلِياءَ من الشياطين والكهان فيحملوكم على البدع والأهواء.
وقيل: الضمير للموصول مع حذف المضاف في أولياء أي ولا تتبعوا من دون ما أنزل أباطيل أولياء.
وقرأ مالك بن دينار ولا تبتغوا قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٣) أي تذكرا قليلا أو زمانا قليلا تذكرون وما مزيدة للتوكيد. قرأ ابن عامر يتذكرون بالياء والتاء. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالتاء وتخفيف الذال. والباقون بالتاء وتشديد الذال وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أي كثير من أهل قرية أردنا إهلاكها فَجاءَها أي فجاء أهلها بَأْسُنا أي عذابنا بَياتاً أي نائمين في الليل كما في قوم لوط أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤) أي نائمون في نصف النهار أو مستريحون فيه من غير نوم كما في قوم شعيب. والمعنى جاءهم العذاب على حين غفلة منهم من غير تقدم أمارة تدلهم على نزول ذلك العذاب فكأنه قيل للكفار: لا تغتروا بأسباب الأمن والراحة والفراغ، فإن عذاب الله إذا وقع وقع دفعة من غير سبق أمارة فلا تغتروا بأحوالكم فَما كانَ دَعْواهُمْ أي استغاثتهم بربهم
стр. 359
واعترافهم بالجناية إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا أي عذابنا في الدنيا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٥) فأقروا على أنفسهم بالشرك والإساءة حيث لم يتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم وذلك حين لم ينفعهم الاعتراف والندامة، والمختار عند النحويين أن يكون محل أن قالوا رفعا ب «كان» و «دعواهم» نصبا بدليل تذكير كان كقوله تعالى فما كان جواب قومه إِلَّا أَنْ قالُوا وقوله تعالى فكان عاقبتهما أنهما في النار وقوله تعالى وما كان حجتهم إلا أن قالوا فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ أي فلنسألن في موقف الحساب الأمم قاطبة قائلين ماذا أجبتم المرسلين وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) قائلين ماذا أجبتم وذلك للرد على الكفار إذا أنكروا التبليغ بقولهم ما جاءنا من بشير ولا نذير. فإذا أثبت الرسل أنهم لم يصدر منهم تقصير ألبتة فيتضاعف إكرام الله تعالى في حق الرسل لظهور براءتهم عن جميع موجبات التقصير وتضاعف أسباب الخزي والإهانة في حق الكفار لما ثبت أن جميع التقصير كان منهم. فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ أي المرسلين والأمم لما سكتوا عن الجواب بِعِلْمٍ أي فلنخبرنهم بما فعلوا إخبارا ناشئا عن علم منا وَما كُنَّا غائِبِينَ (٧) عنهم في حال من الأحوال فيخفى علينا شيء من أحوالهم وَالْوَزْنُ أي وزن الأعمال يَوْمَئِذٍ أي كائن يوم إذ يسأل الله الأمم والرسل الْحَقُّ أي العدل. أو المعنى والوزن يوم إذ يكون السؤال والقص هو الحق ف «الحق» إما صفة للوزن أو خبر له، و «يومئذ» إما ظرف له أو خبر له فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ بسبب ثقل الحسنات في الميزان فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) أي الفائزون بالنجاة والثواب وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ بسبب خفة الحسنات في الميزان أو بسبب الأعمال التي لا اعتداد بها في الوزن فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (٩) أي فأولئك الموصوفون بخفة الموازين الذين خسروا أنفسهم بسبب تكذيبهم بآياتنا والفائدة في وضع ذلك الميزان أن يظهر ذلك الرجحان لأهل القيامة، فإن كان ظهور الرجحان في طرف الحسنات ازداد سروره بسبب ظهور فضله وكمال درجته لأهل القيامة، وإن كان بالضد فيزداد حزنه وخوفه في موقف القيامة، ثم اختلفوا في كيفية ذلك الرجحان فبعضهم قال: يظهر هناك نور في رجحان الحسنات، وظلمة في رجحان السيئات. وآخرون قالوا: بل يظهر رجحان في الكفة.
قال العلماء: الناس في الآخرة ثلاث طبقات: متقون لا كبائر لهم، وكفار ومخلطون وهم الذين يأتون الكبائر. فأما المتقون: فإن حسناتهم توضع في الكفة النيّرة، وصغائرهم لا يجعل الله لها وزنا بل تكفر صغائرهم باجتنابهم الكبائر وتثقل الكفة النيرة ويؤمر بهم إلى الجنة ويثاب كل واحد منهم بقدر حسناته، وأما الكافر: فإنه يوضع كفره في الكفة المظلمة ولا توجد له حسنة توضع في الكفة الأخرى فتبقى فارغة، فبأمر الله تعالى بهم إلى النار ويعذب كل واحد منهم بقدر أوزاره، وأما الذين خلطوا فحسناتهم توضع في الكفة النيرة وسيئاتهم في الكفة المظلمة فيكون لكبائرهم ثقل فإن كانت الحسنات أثقل ولو بصؤابة دخل الجنة وإن كانت السيئات أثقل ولو
стр. 360
بصؤابة دخل النار إلا أن يعفو الله، وإن تساويا كان من أصحاب الأعراف هذا إن كانت الكبائر فيما بينه وبين الله وأما إن كان عليه تبعات وكانت له حسنات كثيرة جدا فإنه يؤخذ من حسناته فيرد على المظلوم، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فيحمل على الظالم من أوزار من ظلمه ثم يعذب على الجميع وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ أي جعلنا لكم يا بني آدم فيها مكانا وأقدرناكم على التصرف فيها وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ أي وجوه المنافع وهي على قسمين ما يحصل بخلق الله تعالى ابتداء مثل خلق الثمار وغيرها، وما يحصل بالاكتساب وكلاهما بفضل الله وتمكينه فيكون الكل إنعاما من الله تعالى وكثرة الأنعام توجب الطاعة قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (١٠) تلك النعمة ونعم الله على الإنسان كثيرة فلا إنسان إلا ويشكر الله تعالى في بعض الأوقات على نعمه، وإنما التفاوت في أن بعضهم يكون كثير الشكر وبعضهم يكون قليل الشكر
وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ أي خلقنا أباكم آدم طينا غير مصوّر ثم صورناه أحسن تصوير وتحسن هذه الكناية لأن آدم أصل البشر ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ سجود تعظيم فَسَجَدُوا أي الملائكة بعد الأمر إِلَّا إِبْلِيسَ فإنه أبو الجن كان مفردا مستورا بألوف من الملائكة متصفا بصفاتهم فغلبوا عليه في قوله تعالى للملائكة إلخ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) لآدم قالَ تعالى لإبليس ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ أي ما صرفك إلى أن لا تسجد كما قال القاضي: ذكر الله المنع وأراد الداعي فكأنه تعالى قال: ما رعاك إلى أن لا تسجد لآدم لأن مخالفة أمر الله تعالى حالة عظيمة يتعجب منها ويسأل على الداعي إليها إِذْ أَمَرْتُكَ والمشهور أن كلمة لا لتأكيد معنى النفي في منعك والاستفهام للتوبيخ ولإظهار كفر إبليس و «إذ» منصوب ب «تسجد» أي ما منعك من السجود في وقت أمري إياك به؟ قالَ إبليس: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ أي إنما لم أسجد لآدم لأني خير منه خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ فهي أغلب أجزائي وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) أي وهو أغلب أجزائه فالنار أفضل من الطين لأن النار مشرقة علوية لطيفة يابسة مجاورة لجواهر السموات والطين مظلم سفلى كثيف بعيد عن مجاورة السموات والمخلوق من الأفضل أفضل وقد أخطأ إبليس طريق الصواب لأن النار فيها الخفة والارتفاع والاضطراب، وأما الطين فشأنه الرزانة والحلم والتثبت، وأيضا فالطين سبب للحياة من إنبات النبات والنار سبب لهلاك الأشياء والطين سبب جمع الأشياء والنار سبب تفريقها.
قالَ تعالى: فَاهْبِطْ مِنْها أي من الجنة وكانوا في جنة عدن وفيها خلق آدم أو اخرج من زمرة الملائكة المعززين فَما يَكُونُ لَكَ أي فما ينبغي لك أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها أي في الجنة أو في زمرة الملائكة فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) أي من الأذلاء قالَ أَنْظِرْنِي أي لا تمتني إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) أي آدم وذريته وهو وقت النفخة الثانية وأراد إبليس أن يأخذ ثأره منهم بإغوائهم وأن ينجو من الموت لاستحالته بعد البعث ولأنه قد تمّ عند النفخة الأولى. قالَ تعالى: إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥) أي من المؤجلين إلى النفخة الأولى فيموت كغيره. قالَ إبليس: فَبِما أَغْوَيْتَنِي
стр. 361
لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ
(١٦) أي فبسبب إغوائك إياي لأجلهم أقسم بعزتك لأقعدن لآدم وذريته دينك الموصل إلى الجنة وهو دين الإسلام ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ
أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ
أي فأشككهم في صحة البعث والقيامة والحساب وألقي إليهم أن الدنيا قديمة لا تفنى وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ أي أفترهم عن الحسنات وأقوي دواعيهم في السيئات. ونقل عن شقيق أنه قال: ما من صباح إلا ويأتيني الشيطان من الجهات الأربع فيقول من قدامي: لا تخف فإن الله غفور رحيم. فأقرأ:
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً [طه: ٨٢] ، ومن خلفي يخوفني من وقوع أولادي في الفقر. فأقرأ: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [هود: ٦] ويأتيني بالثناء من قبل يميني.
فأقرأ: وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف: ١٢٨] ويأتيني بالترغيب في الشهوات من قبل شمالي.
فأقرأ: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ [سبأ: ٥٤] . والحاصل أن الشيطان لا يترك جهة من جهات الوسوسة إلا ويلقيها في القلب.
ويروى أن الشيطان لما قال هذا الكلام رقت قلوب الملائكة على البشر فقالوا: يا إلهنا كيف يتخلص الإنسان من الشيطان مع كونه مستوليا عليه من هذه الجهات الأربع، فأوحى الله تعالى إليهم: إنه بقي للإنسان جهتان الفوق والتحت، فإذا رفع يديه إلى فوق في الدعاء على سبيل الخضوع أو وضع جبهته على الأرض على سبيل الخشوع، غفرت له ذنب سبعين سنة وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧) أي مطيعين. وإنما قال هذا لأنه رأى منهم أن مبدأ الشر متعدد ومبدأ الخير واحد، وذلك أنه حصل للنفس قوة واحدة تدعو النفس إلى عبادة الله تعالى وطلب السعادات الروحانية وهي العقل، وتسع عشرة قوة تدعوها إلى اللذات الجسمانية والطيبات الشهوانية فخمسة منها هي الحواس الظاهرة، وخمسة أخرى هي الحواس الباطنة، واثنان الشهوة والغضب، وسبعة هي القوى الكامنة وهي: الجاذبة، والماسكة، والهاضمة، والدافعة، والغاذية، والنامية، والمولدة. ولا شك أن استيلاء تسع عشرة قوة أكمل من استيلاء القوة الواحدة، فيلزم القطع بأن أكثر الخلق يكونون طالبين لهذه اللذات البدنية معرضين عن معرفة الحق ومحبته قالَ اخْرُجْ مِنْها أي من الجنة ومن صورة الملائكة مَذْؤُماً أي محقورا مَدْحُوراً أي مبعدا من كل خير لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أي ولد آدم لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أي منك ومنهم أَجْمَعِينَ (١٨) ففي اللام ومن في قوله تعالى: لَمَنْ تَبِعَكَ وجهان فالأظهر أن «اللام» لام التوطئة لقسم محذوف و «من» شرطية في محل رفع مبتدأ و «لأملأنّ» جواب القسم المدلول عليه بلام التوطئة، وجواب الشرط محذوف لسد جواب القسم مسده. والوجه الثاني أن اللام لام الابتداء ومن موصولة وتبعك صلتها وهي في محل رفع مبتدأ و «لأملأن» جواب قسم محذوف وذلك القسم وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ، والتقدير للذي تبعك منهم والله لأملأن جهنم منكم والعائد من الجملة القسمية الواقعة خبرا عن المبتدأ متضمن في قوله منكم لأنه لما اجتمع ضمير غيبة وخطاب غلب الخطاب.
стр. 362
وروى عصمة عن عاصم «لمن تبعك» بكسر اللام على أنه حبر لأملأن. والمعنى لمن تبعك هذا الوعيد. وهذه الآية تدل على أن جميع أصحاب البدع والضلالات يدخلون جهنم لأن كلهم متابعون لإبليس والله أعلم. وَيا آدَمُ اسْكُنْ هذه القصة معطوفة على قوله تعالى: للملائكة:
اسْجُدُوا أي وقلنا لآدم: يا آدَمُ اسْكُنْ أو معطوفة على «أخرج» أي وقال: يا آدَمُ اسْكُنْ بعد أن أهبط إبليس وأخرجه من الجنة أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ.
قال ابن إسحاق: خلقت حواء قبل دخول آدم الجنة. والمعنى أي ادخل فيها، وقال ابن عباس وغيره: خلقت في الجنة بعد دخول آدم فيها لأنه لما أسكن الجنة مشى فيها مستوحشا فلما نام خلقت من ضلعه القصرى من شقه الأيسر ليأنس بها والمعنى انزل في الجنة فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما أي فكلا من ثمار الجنة في أي مكان شئتما الأكل فيه وفي أي وقت شئتما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) أي فتصيرا من الضارين لأنفسكما فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ أي ففعل إبليس الوسوسة لأجلهما لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما أي ليظهر لهما ما ستر عنهما بلباس النور أو بثياب الجنة من عورتهما. ف «اللام» إما للعاقبة لأن إبليس لم يقصد بالوسوسة ظهور عورتهما وإنما كان قصده أن يحملهما على المعصية فقط أو للعلة، فظهور العورة كناية عن زوال الجاه فإن غرضه من إلقاء تلك الوسوسة إلى آدم ذهاب منصبه.
وروي أن إبليس بعد ما صار ملعونا مطرودا من الجنة رأى آدم وحواء في طيب عيش ونعمة، ورأى نفسه في مذلة ونقمة فحسدهما- فهو أول حاسد- ثم أراد أن يدخل الجنة ليوسوس لهما فمنعه الخزنة فجلس على باب الجنة ثلاثمائة سنة من سني الدنيا وهي بقدر ثلاث ساعات من ساعات الآخرة فلقي آدم مرارا كثيرة ورغّبه في أكل الشجرة بطرق كثيرة فلأجل المداومة على هذا التمويه أثر كلامه في آدم ﵇ وَقالَ أي إبليس لآدم وحواء ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ أي عن الأكل منها إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أي إلا كراهة أن تكونا كملكين في عدم الشهوة وفي القدرة على الطيران والتشكل وفي قراءة شاذة «ملكين» بكسر اللام أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠) أي الذين لا يموتون ولا يخرجون من الجنة أصلا
وَقاسَمَهُما أي حلف لهما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) في حلفي لكما فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ أي فخدعهما بزخرف من القول الباطل حتى أكلا قليلا قصدا إلى معرفة طعم ذلك الثمر لغلبة الشهوة لا لكونهما صدقا قول إبليس فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما أي فلما تناولا من ثمر تلك الشجرة يسيرا لمعرفة طعمه ظهر لكل منهما قبل نفسه وقبل صاحبه ودبره وزال عنهما ثوبهما وزال النور عنهما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ أي وجعلا يلزقان على عورتهما من ورق التين للاستحياء وَناداهُما رَبُّهُما يا آدم ويا حواء أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ أي عن الأكل من ثمر هذه الشجرة وَألم أَقُلْ لَكُما إِنَّ
стр. 363
الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ
(٢٢) أي ظاهر العداوة حيث أبى السجود، كما حكى الله تعالى هذا القول في سورة طه بقوله: فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ [طه: ١١٧] .
روي أنه تعالى قال لآدم: ألم يكن فيما منحتك من شجر الجنة مندوحة عن هذه الشجرة فقال: بلى وعزتك، ولكن ما ظننت أن أحدا من خلقك يحلف بك كاذبا. قال: فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض ثم لا تنال العيش إلا كدا. فاهبط وعلّم صنعة الحديد وأمر بالحرث فحرث، وسقى وحصد، ودرس وذرى، وعجن وخبز. قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا أي ضررناها بمخالفة أمرك وطاعة عدونا وعدوك من أكل الشجرة التي نهيتنا عن الأكل منها وإنما اعترف آدم بكونه ظالما لأنه ترك الأولى فإن هذا الذنب صدر عنه قبل النبوة بطريق النسيان، ولأن القصد بذلك القول هضم النفس ونهج الطاعة على الوجه الأكمل وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) أي من المغبونين بالعقوبة. قالَ تعالى: اهْبِطُوا يا آدم وحواء وإبليس إلى الأرض فهبط آدم بسرنديب جبل في الهند وحواء بجدة وإبليس بالأبلة بضم الهمزة والموحدة وبتشديد اللام (جبل بقرب البصرة) بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فالعداوة ثابتة بين آدم وإبليس وذرية كل منهما وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ أي مكان عيش وقبر وَمَتاعٌ أي انتفاع إِلى حِينٍ (٢٤) أي إلى انقضاء آجالكم قالَ تعالى: فِيها أي الأرض تَحْيَوْنَ أي تعيشون مدة حياتكم وَفِيها تَمُوتُونَ وتدفنون وَمِنْها تُخْرَجُونَ (٢٥) إلى البعث للجزاء.
قرأ حمزة والكسائي تخرجون بفتح التاء وضم الراء وكذلك في الروم والزخرف والجاثية.
وقرأ ابن عامر هنا وفي الزخرف كذلك وفي الروم والجاثية بضم التاء وفتح الراء. والباقون بضم التاء في الجميع يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً أي قد خلقنا لكم بأسباب نازلة من السماء لباسين من قطن وغيره لباسا يغطي عوراتكم من العري ولباسا يزينكم فإن الزينة غرض صحيح.
وروي أن العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة، الرجال في النهار والنساء في الليل ويقولون:
لا نطوف بثياب عصينا الله تعالى فيها. فنزلت هذه الآية تذكيرا ببعض النعم لأجل امتثال أمر الله تعالى بالحذر من قبول وسوسة الشيطان في قوله تعالى: لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ [الأعراف: ٢٧] .
والمقصود من ذكر قصص الأنبياء حصول العبرة لمن يسمعها وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ.
وقرأ نافع وابن عامر والكسائي بنصب «لباس» عطفا على «لباسا» أي وأنزلنا عليكم لباس التقوى وهو الإيمان كما قاله قتادة والسدي وابن جريج، أو العمل الصالح كما قاله ابن عباس أو السمت الحسن كما قاله عثمان بن عفان أو خشية الله كما قاله ابن الزبير، أو الحياء كما قاله معبد
стр. 364
والحسن ذلك أي اللباس الثالث خير لصاحبه من اللباسين الأولين لأنه يستر من فضائح الآخرة.
وقرأ الباقون و «لباس التقوى» بالرفع على الابتداء وخبره «ذلك خير» . والمعنى واللباس الناشئ عن التقوى وهو اللباس الأول، أو هو الملبوسات المعدة لأجل إقامة نحو الصلاة ذلك خير لأنه لبس المتواضع ذلِكَ أي إنزال اللباس مِنْ آياتِ اللَّهِ الدالة على قدرته وعظيم فضله وعميم رحمته على عباده لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦) أي فيعرفون عظيم النعمة في ذلك اللباس يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ أي لا يخرجنكم الشيطان عن طاعتي بفتنته فتمنعوا من دخول الجنة إخراجا مثل إخراجه أبويكم من الجنة بفتنته بأمره لهما بمخالفة أمري فمنعا من سكنى الجنة يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما بغروره وكان اللباس من ثياب الجنة أو من نور لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما أي ليرى آدم سوأة حواء وترى هي سوءة آدم إِنَّهُ أي الشيطان يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ أي أصحابه أو من كان من نسله مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إذا كانوا على صورهم الأصلية لكن قد يكونون مرئيين في بعض الأحيان لبعض الناس دون بعض.
وقال مجاهد: قال إبليس: جعل لنا أربع: نرى ولا نرى، نخرج من تحت الثرى، ويعود شيخنا فتى. إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧) أي إنا صيرنا الشياطين قرناء للذين لا يؤمنون بمحمد والقرآن مسلطين عليهم وَإِذا فَعَلُوا أي العرب فاحِشَةً كعبادة الأصنام وكشف العورة في الطواف قالُوا جوابا للناهي عنها معللين فعل الفاحشة بأمرين وَجَدْنا عَلَيْها أي على هذه الأشياء آباءَنا فاعتقدنا أنها طاعات واقتدينا بهم فيها وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها فإن أجدادنا إنما كانوا يفعلونها بأمر الله تعالى بها قُلْ لهم يا أكرم الرسل إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ فإن عادته تعالى جارية على الأمر بمحاسن الأعمال والحث على نفائس الخصال أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٢٨) أي إنكم ما سمعتم كلام الله مشافهة ولا أخذتموه عن الأنبياء لأنكم تنكرون نبوة الأنبياء فكيف تقولون على الله ما لا تعلمون قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ أي بالتوحيد بلا إله إلا الله وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ أي واستقبلوا بوجوهكم القبلة عند كل صلاة وَادْعُوهُ أي اعبدوا الله بإتيان أعمال الصلاة مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أي الطاعة كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) أي كما أوجدكم الله بعد العدم يعيدكم بعده أحياء يوم القيامة فيجازيكم على أعمالكم فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ أي ثبت الضلالة عليهم في الأزل والجملتان الفعليتان في محل نصب على الحال من فاعل «بدأكم» ، و «فريقا» الثاني منصوب بفعل مقدر موافق في المعنى للمذكور المفسر أي «بدأكم» حال كونه تعالى هاديا فريقا للإيمان ومضلا فريقا.
ويجوز أن تكون الجملتان الفعليتان في محل نصب على النعت «لفريقا وفريقا» ، وهذان على الحال من فاعل «تعودون» ، والعائد على المنعوت محذوف أي فريقا هداهم الله، وفريقا حق
стр. 365
عليهم الضلالة ويؤيد هذا الإعراب قراءة أبي بن كعب «تعودون» فريقين فريقا هدى، وفريقا حق عليهم الضلالة إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فقبلوا ما دعوهم إليه ولم يتأملوا في التمييز بين الحق والباطل وَيَحْسَبُونَ أي يظن أهل الضلالة أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠) بدين الله ودلت هذه الآية على أن كل من شرع في باطل فهو مستحق للذم سواء حسب كونه هدى أو لم يحسب ذلك
يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ أي البسوا ثيابكم التي تستر عوراتكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ أي عند كل وقت طواف وصلاة وَكُلُوا من اللحم والدسم وَاشْرَبُوا من اللبن وَلا تُسْرِفُوا بالتعدي إلى الحرام أو بتحريم الحلال أو بالإفراط في الطعام إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) أي إنه تعالى لا يرتضي فعلهم.
قال ابن عباس: إن أهل الجاهلية من العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال، بالنهار والنساء بالليل، وكانوا إذا وصلوا إلى مسجد منى طرحوا ثيابهم وأتوا المسجد عراة. وقالوا: لا نطوف في ثياب أصبنا فيها الذنوب، ومنهم من يقول نفعل ذلك تفاؤلا حتى نتعرى عن الذنوب كما تعرينا عن الثياب، وكانت المرأة منهم تتخذ سترا تعلقه على حقويها لتستتر به عن قريش فإنهم كانوا لا يفعلون ذلك، وكانت بنو عامر لا يأكلون في أيام حجهم من الطعام إلا قوتا، ولا يأكلون لحما ولا دسما يعظمون بذلك حجهم. فقال المسلمون: يا رسول الله فنحن أحق أن نفعل ذلك.
فأنزل الله تعالى هذه الآية: قُلْ يا أشرف الخلق لهؤلاء الجهلة من العرب الذين يطوفون بالبيت عراة والذين يحرمون على أنفسهم في أيام الحج اللحم والدسم: مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ من الثياب الَّتِي أَخْرَجَ الزينة لِعِبادِهِ من النبات كالقطن والكتان، ومن الحيوان كالحرير والصوف ومن المعادن كالدروع وَمن حرم الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ أي المستلذات من المآكل والمشارب قُلْ هِيَ أي الزينة والطيبات ثابتة لِلَّذِينَ آمَنُوا بطريق الأصالة فِي الْحَياةِ الدُّنْيا غير خالصة لهم لأنه يشركهم فيها المشركون خالِصَةً لهم يَوْمَ الْقِيامَةِ أي لا يشاركهم فيها غيرهم.
قرأ نافع خالصة بالرفع على أنه خبر بعد خبر، أو خبر لمبتدأ محذوف أي وهي خالصة.
والباقون بالنصب حال من الضمير المستكن في الخبر كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ أي مثل هذا التبيين نبين سائر الأحكام لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) أن الله واحد لا شريك له فأحلوا حلاله وحرموا حرامه قُلْ للمشركين الذين يتجردون من ثيابهم في الطواف والذين يحرمون أكل الطيبات إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ أي الزنا ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ أي جهرها وسرها وَالْإِثْمَ أي شرب الخمر وَالْبَغْيَ أي الظلم على الناس بِغَيْرِ الْحَقِّ فالقتل والقهر بالحق ليس بغيا وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً أي وأن تسووا بالله في العبادة معبودا ليس على ثبوته حجة وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٣) بالإلحاد في صفاته والافتراء عليه من التحريم والتحليل، فالجنايات محصورة في خمسة أنواع:
стр. 366
أحدها: الجنايات على الأنساب وهي المرادة بالفواحش.
وثانيها: الجنايات على العقول وهي المشار إليها بالإثم.
وثالثها: الجنايات على النفوس، والأموال والأعراض وإليها الإشارة بالبغي.
ورابعها: الجنايات على الأديان وهي من وجهين: إما الطعن في توحيد الله تعالى وإليه الإشارة بقوله تعالى: وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ وإما القول في دين الله من غير معرفة وإليه الإشارة بقوله تعالى: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ وهذه الأشياء الخمسة أصول الجنايات وأما غيرها فهي كالفروع وَلِكُلِّ أُمَّةٍ كذبت رسولها أَجَلٌ أي وقت معين لهلاكها فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤) أي فإذا جاء وقت هلاكهم لا يتركون بعد الأجل طرفة عين، ولا يهلكون قبل الأجل طرفة عين فالجزاء مجموع الأمرين لا كل واحد على حدته. والمعنى إن الوقت المحدود لا يتغير يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) أي يا بني آدم إن يأتكم رسول من جنسكم- بني آدم- يبين لكم أحكامي وشرائعي فمن اتقى كل منهي واتقى تكذيبه وأصلح عمله بأن يأتي كل أمره فلا يخاف في الآخرة من العذاب ولا يحزن على ما فاته في الدنيا أما حزنه على عقاب الآخرة فيرتفع بما حصل له من زوال الخوف وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا التي يجيء بها رسولنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أي امتنعوا من قبولها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٦) لا يموتون ولا يخرجون أما الفاسق من أهل الصلاة فلا يبقى مخلدا في النار لأنه ليس موصوفا بذلك التكذيب والاستكبار فَمَنْ أَظْلَمُ أي أعظم ظلما مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أي كإثبات الشريك والولد إليه تعالى وإضافة الأحكام الباطلة إليه تعالى أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ كإنكار كون القرآن كتابا نازلا من عند الله تعالى وإنكار نبوة محمد ﷺ أُولئِكَ يَنالُهُمْ في الدنيا نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ أي مما كتب لهم من الأرزاق والأعمار حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا أي ملك الموت وأعوانه يَتَوَفَّوْنَهُمْ أي حال كونهم قابضين أرواحهم قالُوا لهم: أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي أين الآلهة التي كنتم تعبدونها في الدنيا ادعوها لتدفع عنكم ما نزل بكم قالُوا ضَلُّوا أي غابوا عَنَّا أي لا ندري مكانهم وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (٣٧) أي وأقروا عند الموت بأنهم كانوا في الدنيا عابدين لما لا يستحق العبادة أصلا ولا تعارض بين هذا وبين قوله تعالى: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٨] . لأنه من طوائف
مختلفة أو في أوقات مختلفة. قالَ تعالى يوم القيامة: ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ أي ادخلوا في النار فيما بين الأمم الكافرين الذين تقدم زمانهم زمانكم من هذين النوعين كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ أي أهل دين في النار لَعَنَتْ أُخْتَها في الدين وهي التي تلبست بذلك الدين قبلها فيلعن المشركون المشركين واليهود اليهود،
стр. 367
والنصارى النصارى، والصابئون الصابئين، والمجوس المجوس حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا أي اجتمعوا فِيها أي النار جَمِيعاً وأدرك بعضهم بعضا واستقر معه قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ أي قال آخر كل أمة لأولها رَبَّنا هؤُلاءِ أي الأولون أَضَلُّونا عن دينك بإخفاء الدلائل فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ أي عذبهم مثل عذابنا مرتين قالَ تعالى لهم لِكُلٍّ منهم ومنكم ضِعْفٌ فكل ألم يحصل له يعقبه ألم آخر، إلى غير نهاية فالآلام متزايدة من غير نهاية أما القادة فلكفرهم وإضلالهم وأما الأتباع فلكفرهم وتقليدهم وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (٣٨) .
قرأه أبو بكر عن عاصم بالغيبة أي ولكن لا يعلم كل فريق مقدار عذاب الفريق الآخر.
والباقون بالتاء على الخطاب ولكن لا تعلمون أيها السائلون ما لكل فريق منكم من العذاب. أو المعنى ولكن لا تعلمون يا أهل الدنيا مقدار ذلك وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ مخاطبة لها حين سمعوا جواب الله تعالى لهم فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ في الدنيا أي إنا وإياكم متساوون في الضلال واستحقاق العذاب لأنكم كفرتم اختيارا لا أنا حملناكم على الكفر إجبارا فلا يكون عذابنا ضعفا فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩) أي تقولون وتعملون في الدنيا وهذا يحتمل أن يكون من كلام القادة للأتباع وأن يكون من قول الله تعالى للجميع إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي بالدلائل الدالة على أصول الدين وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أي ترفعوا عن الإيمان بها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ أي لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم ولا لشيء مما يريدون به طاعة الله ولا لأرواحهم وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ أي كما يستحيل دخول الذكر من الإبل في خرق الإبرة يستحيل دخول الكفار الجنة ويقال: حتى يدخل القلس الغليظ وهو الجبل الذي تشد به السفينة في خرق الإبرة وكل ثقب ضيق فهو سم وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) أي ونجزي المشركين جزاء مثل جزاء المكذبين المستكبرين من عدم فتح أبواب السماء وعدم دخولهم الجنة وإنما يدخلون النار بهذه الصفات
لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ أي للذين كذبوا واستكبروا من جهنم فراش من تحتهم ومن فوقهم أغطية وهذه الآية إخبار عن إحاطة النار بهم من كل جانب فلهم منها غطاء ووطاء وفراش ولحاف.
تنبيه: تنوين غواش عوض من الياء المحذوفة على الصحيح فإن الإعلال بالحذف مقدم على منع الصرف فأصله غواشي بتنوين الصرف فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت فاجتمع ساكنان الياء والتنوين، فحذفت الياء، ثم لوحظ كونه على صيغة مفاعل في الأصل فحذف تنوين الصرف فخيف من رجوع الياء فيحصل الثقل فأتي بالتنوين عوضا عنها، فغواش المنون ممنوع من الصرف لأن تنوينه تنوين عوض كما علمت، وتنوين الصرف قد حذف وإنما كان الراجح تقديم الإعلال لأن سببه ظاهر وهو الثقل وسبب منع الصرف خفي وهو مشابهة الفعل وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١) أي كالجزاء المذكور للمكذبين المستكبرين نجزي الكافرين وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٤٢) أي
стр. 368
والذين صدقوا الله ورسوله وأقروا بما جاءهم به من شرائع دينه وعملوا بما أمرهم به وأطاعوه في ذلك وتجنبوا ما نهاهم عنه لا نكلف نفسا إلا ما يسهل عليها من الأعمال وما يدخل في قدرتها ولا ضيق فيه عليها وقوله تعالى: لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [الأنعام: ١٥٢] . اعتراض وقع بين المبتدأ والخبر والتقدير والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون. وإنما حسن وقوع هذا الكلام بين المبتدأ والخبر، لأنه من جنس ما قبله فإنه بيان أن ذلك العمل غير خارج عن قدرتهم وتنبيه على أن الجنة مع عظم قدرها يتوصل إليها بالعمل السهل من غير تحمل الصعب وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ أي صفينا طباعهم من الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في دار الدنيا ودرجات أهل الجنة متفاوتة بحسب الكمال والنقصان، فالله تعالى أزال الحسد عن قلوبهم حتى إن صاحب الدرجة النازلة لا يحسد صاحب الدرجة الكاملة تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ أي تجري في الآخرة من تحت سررهم أنهار الخمر والماء والعسل واللبن زيادة في لذتهم وسرورهم. وَقالُوا إذا بلغوا إلى منازلهم أو إلى عين الحيوان: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا أي للعمل الذي ثوابه هذا المنزل وهذه العين التي تجري من تحتنا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ أي لولا هداية الله لنا موجودة ما اهتدينا إلى الإيمان والعمل الصالح.
قرأ ابن عامر «ما كنا» بغير واو كما في مصاحف أهل الشام وذلك، لأنه جار مجرى التفسير لقوله: هَدانا لِهذا فلما كان أحدهما عين الآخر وجب حذف الحرف العاطف لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ هذا إقسام من أهل الجنة، قالوا ذلك حين رأوا ما وعدهم الرسل عيانا تبجحا بما نالوه.
أي والله لقد جاءت رسل ربنا في الدنيا بالحق أي ما أخبرونا به في الدنيا من الثواب صدق فقد حصل لنا عيانا وَنُودُوا أي نادتهم الملائكة عند رؤيتهم الجنة من مكان بعيد أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أي تلك الجنة التي وعدتكم الرسل بها في الدنيا ف «أن» مفسرة لما في النداء وكذا في سائر المواضع الخمسة أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) أي أعطيتموها بسبب أعمالكم الصالحة في الدنيا فالجنة ومنازلها لا تنال إلا برحمة الله تعالى فإذا دخلوها بأعمالهم فقد ورثوها برحمته ودخلوها برحمته إذ أعمالهم رحمة منه لهم وتفضل منه عليهم وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ- تبجحا بحالهم وتنديما لأصحاب النار وذلك بعد استقرارهم في محالهم-: أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا على ألسنة رسله من الثواب على الإيمان به وبرسله وعلى طاعته حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ يا أهل النار ما وَعَدَ رَبُّكُمْ من العذاب على الكفر حَقًّا قالُوا أي أهل النار مجيبين لأهل الجنة نَعَمْ.
قرأ الكسائي «نعم» بكسر العين في كل القرآن فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ قيل: هو إسرافيل. وقيل:
جبريل بَيْنَهُمْ أي نادى مناد أسمع الفريقين أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي يمنعون الناس من قبول الدين الحق تارة بالزجر والقهر وأخرى بسائر الحيل.
стр. 369
قرأ نافع وأبو عمرو وعاصم «أن لعنة» بتخفيف «أن» ورفع «لعنة» . والباقون بالتشديد وبالنصب وَيَبْغُونَها عِوَجاً أي يطلبون السبيل معوجة بإلقاء الشكوك في دلائل الدين الحق وَهُمْ بِالْآخِرَةِ أي بالبعث بعد الموت كافِرُونَ (٤٥) أي جاحدون وَبَيْنَهُما أي بين الجنة والنار أو بين أهلهما حِجابٌ أي سور وَعَلَى الْأَعْرافِ أي أعالي ذلك السور المضروب بين الجنة والنار رِجالٌ. قيل: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم. وقيل: هم قوم قتلوا في سبيل الله وهم عصاة لآبائهم. وقيل: هم قوم كان فيهم عجب، وقيل: هم قوم كان عليهم دين فهذه الأقوال تدل على أن أصحاب الأعراف أقوام يكونون في الدرجة النازلة من أهل الثواب. وقيل: إنهم الأشراف من أهل الثواب. وقيل: إنهم الأنبياء وإنما أجلسهم الله على ذلك المكان العالي تمييزا لهم على سائر أهل القيامة. وقيل: إنهم الشهداء وهم شهداء الله على أهل الإيمان والطاعة وعلى أهل الكفر والمعصية فهم يعرفون أن أهل الثواب وصلوا إلى الدرجات وأهل العقاب وصلوا إلى الدركات كما قال تعالى: يَعْرِفُونَ كُلًّا من أهل الجنة وأهل النار زيادة على معرفتهم بكونهم في الجنة وكونهم في النار بِسِيماهُمْ أي بعلامتهم التي أعلمهم الله تعالى بها كبياض الوجه وسواده.
وقيل: إن أصحاب الأعراف كانوا يعرفون المؤمنين في الدنيا بظهور علامات الإيمان والطاعات عليهم، ويعرفون الكافرين في الدنيا أيضا بظهور علامات الكفر والفسق عليهم، فإذا شاهدوا أولئك الأقوام في محفل القيامة ميّزوا البعض عن البعض بتلك العلامات التي شاهدوها عليهم في الدنيا وَنادَوْا أي رجال الأعراف أَصْحابَ الْجَنَّةِ أي حين رأوهم أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ يا أهل الجنة وهذا بطريق التحية والدعاء أو بطريق الإخبار بنجاتهم من المكاره لَمْ يَدْخُلُوها حال من فاعل نادوا وَهُمْ يَطْمَعُونَ
(٤٦) حال من فاعل يدخلوها أي لم يدخل رجال الأعراف الجنة وهم في وقت عدم الدخول طامعون. وقيل: قوله: لَمْ يَدْخُلُوها مستأنف لأنه جواب سؤال سائل عن رجال الأعراف فقال: ما صنع بهم؟ فقيل: لم يدخلوها ولكنهم يطمعون في دخولها.
وقال مجاهد: أصحاب الأعراف قوم صالحون، فقهاء علماء، فعلى هذا القول: إنما يكون لبثهم على الأعراف على سبيل النزهة وليرى غيرهم شرفهم وفضلهم. والمراد من هذا الطمع طمع يقين أي وهم يعلمون أنهم سيدخلون الجنة وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ أي رجال الأعراف بغير قصد تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ أي إلى جهتهم قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧) أي كلما وقعت أبصار أصحاب الأعراف على أهل النار تضرعوا إلى الله تعالى في أن لا يجعلهم من زمرتهم. والمقصود من جميع هذه الآيات التخويف عن التقليد الرديء وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا كانوا عظماء في الدنيا من أهل النار يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا أي أصحاب الأعراف لهم وهم
стр. 370
في النار يا وليد بن المغيرة، ويا أبا جهل بن هشام، ويا أمية بن خلف، ويا ابن خلف الجمحي، ويا أسود بن عبد المطلب، ويا سائر الرؤساء ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ أي أيّ شيء دفع عنكم جمعكم في الدنيا من المال والخدم والأتباع وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) عن قبول الحق وعلى الناس المحقين.
وقرئ «تستكثرون» أي من الأموال والجند، ثم زادوا على هذا التبكيت بقولهم:
أَهؤُلاءِ الضعفاء الذين عذبتموهم في الدنيا كصهيب وبلال وسلمان وخباب وعمار وأشباههم الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ أي حلفتم في الدنيا يا معشر الكفار لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ أي لا يدخلهم الله الجنة وقد دخلوا الجنة على رغم أنوفكم. وقد قيل للذين أقسمتم على عدم دخولهم الجنة ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بفضل الله فهذا من بقية كلام أصحاب الأعراف فهو خبر ثان عن اسم الإشارة أي أهؤلاء قد قيل لهم: ادخلوا الجنة، فظهر كذبكم في إقسامكم ويدل على ذلك قراءتان شاذتان «ادخلوا» بالبناء للمفعول و «دخلوا» . وعلى هاتين القراءتين تقع هذه الجملة خبرا، والتقدير دخلوا الجنة مقولا في حقهم لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ من العذاب وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩) . وقيل: إن أصحاب الأعراف لما قالوا لأهل النار ما قالوا قال لهم أهل النار: إن دخل هؤلاء فأنتم لم تدخلوا الجنة، فلما عيّروهم بذلك قيل لأهل الأعراف: ادخلوا الجنة، وقيل: يقال لأصحاب الأعراف ادخلوا الجنة إلخ، بعد أن حبسوا وشاهدوا أحوال الفريقين وقالوا لهم ما قالوا، وعلى هذا فالمراد بأصحاب الأعراف المقصرون في العمل وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا أي ألقوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ من ثمار الجنة وهذا الكلام يدل على حصول العطش الشديد والجوع الشديد لهم، وعن أبي الدرداء أن الله تعالى يرسل على أهل النار الجوع حتى يزداد عذابهم فيستغيثون فيغاثون بضريع لا يسمن ولا يغني من جوع، ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة ثم يذكرون الشراب ويستغيثون فيدفع إليهم الحميم والصديد فيقطع ما في بطونهم، ويستغيثون إلى أهل الجنة كما في هذه الآية ويقولون لمالك: ليقض علينا ربك فيجيبهم بعد ألف عام ويقولون: ربنا أخرجنا منها فيجيبهم بقوله تعالى اخسئوا فيها ولا تكلمون فعند ذلك ييأسون من كل خير ويأخذون في الزفير والشهيق قالُوا أي أهل الجنة إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) أي منعهم من طعام الجنة وشرابها.
قال ابن عباس ﵄: لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة طمع أهل النار بالفرج بعد اليأس فقالوا: يا رب إن لنا قرابات من أهل الجنة فأذن لنا حتى نراهم ونكلمهم فيأذن لهم فينظرون إلى قراباتهم في الجنة وما هم فيه من النعيم فيعرفونهم، وينظر أهل الجنة إلى قراباتهم من أهل النار فلم يعرفوهم لسواد وجوههم فينادي أصحاب النار أصحاب الجنة
стр. 371
بأسمائهم فينادي الرجل أباه وأخاه فيقول: يا أبي ويا أخي قد احترقت بشدة حر جهنم أفض عليّ من الماء فيقال لهم: أجيبوهم فيقولون: إن الله حرمهما على الكافرين
الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً أي باطلا وَلَعِباً أي فرحا فاللهو صرف الهم إلى ما لا يحسن أن يصرف إليه واللعب طلب الفرح بما لا يحسن أن يطلب به وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا أي شغلتهم بالطمع في طول العمر وحسن العيش وكثرة المال وقوة الجاه ونيل الشهوات فَالْيَوْمَ أي يوم القيامة نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا أي نتركهم في عذابهم تركا مثل تركهم العمل للقاء يومهم هذا. أو المعنى نعاملهم معاملة من نسي فنتركهم في النار لأنهم أعرضوا بآياتنا. والمراد من هذا النسيان أنه تعالى لا يجيب دعاءهم ولا يرحمهم وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٥١) أي ولكونهم منكرين بآياتنا أنها من عندنا وذلك يدل على أن حب الدنيا مبدأ كل آفة، وقد يؤدي إلى الضلال والكفر وَلَقَدْ جِئْناهُمْ أي هؤلاء الكفار بِكِتابٍ أي بقرآن أنزلناه عليك يا أكرم الرسل فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ أي ميزناه مشتملا على علم كثير وفصل كثير مختلف. وقد نظم بعضهم الأنواع التسعة في قوله:
حلال حرام محكم متشابه ... بشير نذير قصة عظة مثل
وقرأ الجحدري وابن محيصن بالضاد المعجمة أي «فضلناه» على غيره من الكتب السماوية عالمين بفضله هُدىً وَرَحْمَةً أي هاديا من الضلالة إلى الرشد وذا رحمة لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) به هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ أي ما ينتظر أهل مكة إذ لا يؤمنون إلا عاقبة ما وعدوا به في القرآن من حلول العذاب بهم يوم القيامة يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ أي يوم يأتي عاقبة ما وعد لهم في القرآن وهو يوم القيامة يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ أي أعرضوا عنه مِنْ قَبْلُ أي من قبل إتيان ما يؤول إليه أمره وهو صدقه بما أخبر به. والمعنى أن هؤلاء الذين تركوا الإيمان بالقرآن في الدنيا يقولون يوم القيامة قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وكذبناهم أي إنهم أقروا يوم القيامة بأن ما جاءت به الرسل من ثبوت البعث والنشر والحشر والقيامة، والثواب والعقاب كل ذلك كان حقا فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا من العذاب اليوم أَوْ نُرَدُّ إلى الدنيا فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أي لما رأوا أنفسهم في العذاب قالوا: لا طريق لنا إلى الخلاص مما نحن فيه من العذاب الشديد إلا أحد هذين الأمرين وهو أن يشفع لنا شفيع، فلأجل تلك الشفاعة يزول هذا العذاب أو أن يردنا الله تعالى إلى الدنيا حتى نوحد الله تعالى بدلا عن الكفر ونطيعه بدلا عن المعصية.
وقرئ شاذا بنصب «نرد» إما عطفا على «يشفعوا» فالمسؤول أن يكون لهم شفعاء لأحد الأمرين إما لدفع العذاب، أو للرد إلى الدنيا، وإما الدنيا، وإما بناء على أن أو بمعنى إلى أي فالمطلوب أن يكون لهم شفعا للرد إلى الدنيا فقط. وقرئ شاذة برفع «فنعمل» أي فنحن نعمل في الدنيا غير ما كنا نعمل فيها قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بذهاب الجنة ولزوم النار وَضَلَّ عَنْهُمْ ما
стр. 372
كانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣) أي وذهب عنهم دعوى نفع الشريك فإنهم كانوا يدعون أن الأصنام التي كانوا يعبدونها شركاء الله تعالى وشفعاؤهم عنده يوم القيامة إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ. والمقصود من هذا الكلام أنه تعالى وإن كان قادرا على إيجاد جميع الأشياء دفعة واحدة لكنه جعل لكل شيء حدا محدودا ووقتا مقدرا فلا يدخله في الوجود إلا على ذلك الوجه، فهو تعالى وإن كان قادرا على إيصال الثواب إلى المطيعين في الحال وعلى إيصال العقاب إلى المذنبين في الحال إلا أنه يؤخرهما إلى أجل معلوم مقدر. فهذا التأخير ليس لأجل أنه تعالى أهمل العباد، بل لأنه تعالى خصّ كل شيء بوقت معين لسابق مشيئته وهذا معنى قول المفسرين من أنه تعالى إنما خلق العالم في ستة أيام ليعلم عباده الرفق في الأمور والصبر فيها ولأجل أن لا يحمل المكلف تأخر الثواب والعقاب على ترك العمل ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ أي حصل له تعالى تدبير المخلوقات على ما أراد أي بعد أن خلق السموات والأرض استوى على عرش الملك والجلال وصحّ أن يقال: إنه تعالى إنما استوى على ملكه بعد خلق السموات والأرض. بمعنى أنه إنما ظهر تصرفه في هذه الأشياء وتدبيره له بعد خلق السموات والأرض وذلك لأن العرش في كلامهم هو السرير الذي يجلس عليه الملوك، ثم جعل العرش كناية عن نفس الملك يقال: ثل عرش السلطان أي انتقض ملكه وفسد وإذا استقام له ملكه واطرد أمره وحكمه قالوا: استوى على عرشه واستقر على سرير ملكه هذا ما قاله القفال، ونظير هذا قولهم للرجل الطويل: فلان طويل النجاد. وللرجل الذي يكثر الضيافة: فلان كثير الرماد. وللرجل الشيخ: فلان اشتعل رأسه شيبا، وليس المراد في شيء من هذه الألفاظ إجراؤها على ظواهرها وإنما المراد منها تعريف المقصود على سبيل الكناية فكذا هنا فالمراد بذكر
الاستواء على العرش هو نفاذ القدرة وجريان المشيئة.
والواجب علينا أن نقطع بكونه تعالى منزها عن المكان والجهة، ولا نخوض في تأويل هذه الآية على التفصيل بل نفوض علمها إلى الله تعالى يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ أي يأتي بالليل على النهار فيغطيه. واللفظ يحتمل العكس أيضا.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر وابن عامر، وعاصم في رواية حفص «يغشى» بتخفيف الشين وهكذا في الرعد. وقرأ حمزة والكسائي وعاصم برواية أبي بكر بالتشديد وكذا في الرعد. وقرأ حميد بن قيس «يغشى الليل النهار» بفتح ياء «يغشى» ونصب «الليل» ورفع «النهار» أي يدرك النهار الليل. يَطْلُبُهُ حَثِيثاً أي يطلب كل من الليل والنهار الآخر طلبا سريعا فأخبر الله تعالى بما في تعاقب الليل والنهار من المنافع العظيمة والفوائد الجليلة فإن بتعاقبهما يتم أمر الحياة وتكمل المنفعة والمصلحة وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أي مذللات لطلوع وغروب ومسير
стр. 373
ورجوع بإذنه. وقرأ ابن عامر برفع الأربعة على الابتداء والخبر. والباقون بنصب الثلاثة عطفا على «السموات» ، ونصب «مسخرات» على الحال من هذه الثلاثة أَلا لَهُ الْخَلْقُ أي المخلوقات وَالْأَمْرُ أي التصرف في الكائنات وفي هذه الآية رد على من يقول من أهل الضلال إن للشمس والقمر والكواكب تأثيرات في هذا العالم تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٥٤) أي كثر خير الله مالك العالمين وتعالى بالوحدانية في الألوهية ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً أي متذللين ومسرين والتضرع إظهار ذل النفس. قال الشيخ محمد بن عيسى الحكيم الترمذي: إن كان خائفا على نفسه من الرياء فالأولى إخفاء العمل صونا لعمله عن البطلان، وإن كان قد بلغ في الصفاء وقوة اليقين إلى حيث صار آمنا عن شائبة الرياء كان الأولى في حقه الإظهار لتحصل فائدة الاقتداء به إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) أي المجاوزين بترك هذين الأمرين التضرع والإخفاء أي إنه تعالى لا يثيبه ألبتة ولا يحسن إليه
وعن النّبيّ ﷺ : «سيكون قوم يعتدون في الدعاء وحسب المرء أن يقول: اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل»
«١» . ثم قرأ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ أي كإفساد النفوس بالقتل وقطع الأعضاء وإفساد الأموال بنحو الغصب، وإفساد الأديان بالكفر والبدعة، وإفساد الأنساب بسبب الإقدام على نحو الزنا وبسبب القذف، وإفساد العقول بنحو تناول المسكرات بَعْدَ إِصْلاحِها بسبب إرسال الأنبياء وإنزال الكتب. وقيل بعد إصلاح الله تعالى إياها بالمطر والخصب فإن الله تعالى يمسك المطر ويهلك الحرث بمعاصيكم وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً أي ذوى خوف نظرا إلى قصور أعمالكم وعدم استحقاقكم مطلوبكم، وذوى طمع نظرا إلى سعة رحمته ووفور فضله وإحسانه، وهذه الآية بيان فائدة الدعاء ومنفعته ففائدة الدعاء أحد هذين الأمرين أما الآية الأولى فهي بيان شرط صحة الدعاء وهي لا بد أن يكون الدعاء مقرونا بالتضرع وبالإخفاء والداعي لا يكون داعيا إلا إذا كان خائفا من وقوع التقصير في بعض الشرائط المعتبرة في قبول ذلك الدعاء وطامعا في حصول تلك الشرائط بأسرها، ومعنى قوله تعالى: خَوْفاً وَطَمَعاً أي حال كونكم جامعين في نفوسكم بين الخوف والرجاء في كل أعمالكم فلا تقطعوا أنكم أديتم حق ربكم وإن اجتهدتم إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) بالقول والفعل ومن الإحسان أن يكون الدعاء مقرونا بالخوف والطمع وكل من حصل له الإقرار والمعرفة كان من المحسنين كالصبي إذا بلغ وقت الضحوة وآمن بالله ورسوله واليوم الآخر ومات قبل الوصول إلى الظهر وكصاحب الكبيرة من أهل الصلاة وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أي قدام المطر.
стр. 374
قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي «الريح» على لفظ الواحد. والباقون «الرياح» على الجمع.
قرأ عاصم «بشرا» بضم الباء الموحدة وسكون الشين جمع بشير أي مبشرات. وقرئ بفتح الباء بمعنى باشرات. وقرأ حمزة والكسائي «نشرا» بالنون المفتوحة وسكون الشين بمعنى ناشرة للسحاب. أو بمعنى منشورة فكأن الرياح كانت مطوية فأرسلها الله منشورة بعد انطوائها- وهي كناية عن اتساعها- وقرأ ابن عامر بضم النون وإسكان الشين. وقرأ الباقون بضم النون والشين جمع نشور مثل رسل ورسول أي مفرقة من كل جانب أو طيبة لينة تنشر السحاب، والريح هواء متحرك يمنة ويسرة وهي أربعة:
الصبا: وهي الشرقية فتحرك السحاب. والدبور: وهي الغربية تفرقه. والشمال: التي تهب من تحت القطب الشمالي تجمعه. والجنوب: وهي التي تكثر إرسال المطر.
وعن النّبيّ ﷺ قال: «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور والجنوب من ريح الجنة»
«١» . حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا أي حتى إذا رفعت هذه الرياح سحابا ثقيلا بالماء سُقْناهُ أي السحاب لِبَلَدٍ مَيِّتٍ أي إلى مكان لا نبات فيه لعدم الماء فَأَنْزَلْنا بِهِ أي في ذلك البلد الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ أي بذلك الماء أو في ذلك البلد مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فالله تعالى إنما يخلق الثمرات بواسطة الماء. وقال أكثر المتكلمين: إن الثمار غير متولدة من الماء بل الله تعالى أجرى عادته بخلق النبات ابتداء عقب اختلاط الماء بالتراب كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى أي كما يخلق الله تعالى النبات بواسطة الأمطار فكذلك يحيي الله الموتى بواسطة مطر ينزله على تلك الأجسام الرميمة.
وروي أنه تعالى يمطر على أجساد الموتى فيما بين النفختين مطرا كالمني أربعين يوما، وأنهم يصيرون عند ذلك أحياء. وقيل: المعنى إنه تعالى كما أحيا هذا البلد بعد خرابه فأنبت فيه الشجر وجعل فيه الثمر فكذلك يحيي الموتى ويخرجهم من الأجداث بعد أن كانوا أمواتا.
والمقصود من هذا الكلام إقامة الدلالة على أن البعث والقيامة حق لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) أي لكي تعتبروا أيها المنكرون للبعث وتتذكروا أن القادر على إحياء هذه الأرض بالأشجار المزينة بالأزهار والثمار بعد موتها قادر على أن يحيي الأجساد بعد موتها وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ أي المكان الذي ليس بسبخة يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ أي بإرادة ربه وتيسيره كذلك المؤمن يؤدي ما أمر الله طوعا بطيبة النفس وَالَّذِي خَبُثَ أي المكان السبخة لا يَخْرُجُ أي نباته إِلَّا نَكِداً أي بتعب. وكذلك المنافق لا يؤدي ما أمر الله إلا كرها بغير طيبة النفس. وقيل: المراد أن الأرض
стр. 375
السبخة يقل نفعها ومع ذلك أن صاحبها لا يتركها بل يتعب نفسه في إصلاحها طمعا منه في تحصيل ما يليق بها من المنفعة فالطلب للنفع العظيم في الدار الآخرة بالمشقة في أداء الطاعات أولى من طلب هذا النفع اليسير بالمشقة العظيمة كَذلِكَ أي مثل ذلك التصريف نُصَرِّفُ الْآياتِ أي نكررها لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨) نعمة الله تعالى فيتفكرون فيها لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ واسم نوح عبد الغفار وهو ابن لمكا بن متوشلخ بن أخنوخ وسمي نوحا إما لدعوته على قومه بالهلاك أو لمراجعته ربه في شأن ولده كنعان، أو لأنه مر بكلب مجذوم فقال له: اخسأ يا قبيح، فأوحى الله إليه أعبتني أم عبت الكلب؟ فكثر نوحه على نفسه لذلك. فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي اعبدوه وحده ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ أي من مستحق للعبادة غَيْرُهُ.
قرأ الكسائي بالجر على أنه نعت ل «إله» باعتبار لفظه. والباقون بالرفع صفة له باعتبار محله الذي هو الرفع على الابتداء أو الفاعلية. وقرئ بالنصب على الاستثناء بمعنى ما لكم من إله إلا إياه إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) أي إني أعلم أن العذاب ينزل بكم إما في الدنيا أو في الآخرة إن لم يقبلوا ذلك الدين قالَ الْمَلَأُ مِنْ
قَوْمِهِ
أي قال الكبراء الذين جعلوا أنفسهم أضداد الأنبياء: إِنَّا لَنَراكَ يا نوح فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦٠) في المسائل الأربع وهي: التكليف، والتوحيد، والنبوة، والمعاد.
قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ أي ليس بي نوع من أنواع الضلالة ألبتة وَلكِنِّي رَسُولٌ إليكم مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي.
قرأ أبو عمرو بسكون الباء وَأَنْصَحُ لَكُمْ فتبليغ الرسالة هو أن يعرفهم أنواع تكاليف الله وأقسام أوامره ونواهيه والنصيحة هي أن يرغبهم في الطاعات ويحذرهم عن المعاصي بأبلغ الوجوه وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٢) أي إنكم إن عصيتم أمره عاقبكم في الدنيا بالطوفان، وفي الآخرة بعقاب شديد خارج عما تتصوره عقولهم أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ أي استبعدتم وعجبتم من أن جاءكم وحي من مالك أموركم على لسان رجل من جنسكم أي فإنهم كانوا يتعجبون من نبوة نوح ﵇ ويقولون: ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة لِيُنْذِرَكُمْ أي لأجل أن يخوفكم عاقبة الكفر والمعاصي وَلِتَتَّقُوا عبادة غير الله وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣) أي ولكي ترحموا فلا تعذبوا وهذا الترتيب في غاية الحسن فإن المقصود من البعثة الإنذار. والمقصود من الإنذار التقوى عن كل ما لا ينبغي، والمقصود من التقوى الفوز بالرحمة في دار الآخرة فَكَذَّبُوهُ أي نوحا في ادعاء النبوة وتبليغ التكاليف من الله وأصروا على ذلك التكذيب تلك المدة المتطاولة فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ من الغرق والعذاب وكان من صحبوه في الفلك أربعين رجلا وأربعين امرأة.
روي أن نوحا ﵇ صنع السفينة بنفسه في عامين وكان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها
стр. 376
خمسين وسمكها ثلاثين. وجعل لها ثلاث بطون فحمل في أسفلها الدواب والوحوش، وفي وسطها الإنس، وفي أعلاها الطير، وركبها في عاشر رجب ونزل منها في عاشر المحرم وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي برسولنا نوح بالطوفان إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ (٦٤) عن معرفة التوحيد والنبوة والمعاد وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ أي وأرسلنا إلى عاد الأولى واحدا منهم في النسب لا في الدين هُوداً أما عاد الثانية وهم ثمود فقوم صالح وبينهما مائة سنة قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحده ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٦٥) أي أتغفلون فلا تتقون عذاب الله تعالى فإنكم تعرفون أن قوم نوح لما لم يتقوا الله ولم يطيعوه نزل بهم ذلك العذاب الذي اشتهر خبره في الدنيا قالَ الْمَلَأُ أي الرؤساء الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ وإنما قال هنا الذين كفروا من قومه لأن الملأ من قوم هود كان فيهم من آمن ومن كفر، فممن آمن منهم مرثد بن أسعد أسلم وكان يكتم إيمانه بخلاف الملأ من قوم نوح فكلهم أجمعوا على ذلك الجواب فلم يكن أحد منهم مؤمنا في أول دعائهم إلى الإيمان إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ أي إنا نتيقنك يا هود متمكنا في خفة عقل حيث فارقت دين آبائك فإن هودا نهاهم عن عبادة الأصنام ونسب من عبدها إلى السفه وهو قلة العقل وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٦٦) في ادعاء الرسالة قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ أي ليس بي شيء مما تنسبونني إليه وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٧) أي فإنه غاية من الرشد والصدق أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي بالأمر والنهي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أي أحذركم من عذاب الله وأدعوكم إلى الإيمان والتوبة أَمِينٌ (٦٨) أي موثوق على رسالة ربي وهذا رد لقولهم وإنا لنظنك من الكاذبين.
فكأن هودا قال لهم: كنت قبل هذه الدعوى أمينا فيكم ما وجدتم مني عذرا، ولا مكرا، ولا كذبا.
واعترفتم لي بكوني أمينا فكيف نسبتموني الآن إلى الكذب؟! أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ أي أكذبتم وعجبتم من أن جاءكم نبوة مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ أي على لسان آدمي مثلكم لِيُنْذِرَكُمْ أي ليحذركم عاقبة ما أنتم عليه من الكفر والمعاصي وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ بأن أورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وما يتصل بها من المنافع والمصالح أو جعلكم ملوكا في الأرض فإن شداد بن عاد ممن ملك معمورة الأرض من رمل عالج إلى شجر عمان وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ أي في الناس بَصْطَةً وهي مقدار ما تبلغه يد الإنسان ففضلوا على أهل زمانهم بهذا القدر. أو المراد أنهم متشاركون في القوة والشدة، ولأن بعضهم يكون ناصرا للبعض الآخر وأزال العداوة والخصومة من بينهم فلما خصّهم الله تعالى بهذه الأنواع فصح أن يقال: إنهم زادوا في الخلق بسطة.
قرأ نافع والبزي وشعبة والكسائي بالصاد. وأبو عمرو، وهشام، وقنبل، وحفص وخلف بالسين. وابن ذكوان وخلاد بهما فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ أي نعماء الله عليكم واعملوا عملا يليق بتلك الإنعامات لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) أي لكي تنجوا من الكروب وتفوزوا بالمطلوب. قالُوا
стр. 377
مجيبين عن تلك النصائح العظيمة أَجِئْتَنا يا هود لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ أي لنخصه بالعبادة وَنَذَرَ أي نترك ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا من الأصنام فَأْتِنا بِما تَعِدُنا أي بما تهددنا من العذاب بقولك أفلا تتقون إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) في إخبارك بنزول العذاب وغرضهم بذلك القول إذا لم يأتهم هود بذلك العذاب ظهر للقوم كونه كاذبا
قالَ أي هود: قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ أي رين على قلوبهم عقوبة منه لكم بالخذلان لألفكم الكفر وَغَضَبٌ أي عذاب أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ عارية عن المسمى سَمَّيْتُمُوها أي سميتم بها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ أصناما فإنهم سموا الأصنام بالآلهة مع إن معنى الألوهية فيها معدوم ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها أي بعبادتها مِنْ سُلْطانٍ أي برهان لأن المستحق للعبادة بالذات هو الموجد للكل وأن الأصنام لو استحقت العبادة كان استحقاقها بجعله تعالى إما بإنزال آية أو نصب دليل وقوله تعالى: ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ عبارة عن خلو مذاهبهم عن الحجة والبينة فَانْتَظِرُوا ما يحصل لكم من عبادة هذه الأصنام وهو ما تطلبونه بقولكم فأتنا بما تعدنا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) لما يحل بكم فَأَنْجَيْناهُ أي هودا وَالَّذِينَ مَعَهُ في الدين بِرَحْمَةٍ عظيمة مِنَّا أي من جهتنا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي استأصلنا الذين كذبوا برسولنا هود وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢) أي ما أبقينا أحدا من الذين لا يؤمنون فلو علم الله أنهم سيؤمنون لأبقاهم. وقصتهم أن عادا قوم كانوا باليمن بالأحقاف، وكانوا قد تبسطوا في البلاد ما بين عمان إلى حضرموت، وكانت لهم أصنام ثلاثة يعبدونها سموا أحدها صمودا، والآخر صداء. والآخر هباء، فبعث الله تعالى إليهم هودا وكان من أفضلهم حسبا فكذبوه فأمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين حتى جهدوا وكان الناس إذ نزل بهم بلاء طلبوا من الله الفرج عند البيت الحرام، وأهل مكة إذ ذاك العماليق أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح ﵇، وسيدهم معاوية بن بكر، فلما توجهوا إلى البيت الحرام وهم سبعون رجلا من أماثلهم منهم: قيل بن عنز، ومرثد بن سعد نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارجا عن الحرم فأنزلهم وأكرمهم وكانوا أخواله وأصهاره، فأقاموا عنده شهرا يشربون الخمر وتغنيهم قينتا معاوية اسم إحداهما وردة والأخرى جرادة، فلما رأى معاوية ذهولهم باللهو عمّا قدموا له أحزنه ذلك وقال: قد هلك أخوالي وأصهاري، واستحى أن يكلمهم خشية أن يظنوا به ثقل مقامهم عليه فذكر ذلك للقينتين فقالتا: قل شعرا نغنيهم به لا يدرون من قاله وهو قول هؤلاء الثلاثة:
ألا يا قيل ويحك قم فهينم ... لعل الله يسقينا غماما
فيسقي أرض عاد إن عادا ... قد أمسوا لا يبينون الكلاما
من العطش الشديد فليس نرجو ... به الشيخ الكبير ولا الغلاما
стр. 378
ومعنى فهينم أي أخف الدعاء والغمام هنا المطر فلما غنتا به أزعجهم ذلك وقالوا: إن قومكم يتغوثون من البلاء الذي نزل بهم وقد أبطأتم عليهم فادخلوا الحرم واستسقوا لقومكم.
فقال لهم مرثد بن سعد: والله لا تسقون بدعائكم ولكن إن أطعتم نبيكم وتبتم إلى الله تعالى سقاكم وأظهر إسلامه فقالوا لمعاوية: احبس عنا مرثدا لا يقدمن معنا مكة فإنه قد اتبع دين هود وترك ديننا. ثم دخلوا مكة فقال قيل: اللهم أسق عادا ما كنت تسقيهم فأنشأ الله تعالى سحابات ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء، ثم ناداه مناد من السماء: يا قيل اختر لنفسك ولقومك، فقال: اخترت السوداء فإنها أكثرهن ماء، فخرجت على عاد من واد لهم يسمى وادي المغيث، فاستبشروا بها وقالوا: هذا عارض ممطرنا فجاءتهم منها ريح عقيم وهي باردة ذات صوت شديد لا مطر فيها، وكان ابتداء مجيئها في صبيحة الأربعاء في الحادي والعشرين من شوال في آخر الشتاء وسخرت عليهم سبع ليال وثمانية أيام فأهلكتهم ونجا هود والمؤمنون معه فأتوا مكة فعبدوا الله فيها إلى أن ماتوا.
وروي عن علي ﵁ أن قبر هود بحضرموت في كثيب أحمر.
وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ أي وأرسلنا إلى ثمود أخاهم في النسب لا في الدين صالِحاً وثمود قبيلة أخرى من العرب سموا باسم أبيهم الأكبر وهو ثمود بن غابر بن ارم بن سام بن نوح. وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى واد القرى قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحده ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ أي شاهدة بنبوتي وهي الناقة مِنْ رَبِّكُمْ خلقها بلا واسطة هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً أي علامة على رسالة الله وإضافة الناقة إلى الله لتعظيمها وتخصيصها كما يقال: بيت الله أو لأنها لا مالك لها غير الله، أو لأنها حجة الله على القوم. ووجه كونها آية لخروجها من الجبل لا من ذكر وأنثى ولكمال خلقتها من غير تدريج «وناقة الله» عطف بيان لهذه أو مبتدأ ثان و «لكم» خبر عامل في آية في نصبها على الحال. ويجوز أن يكون عامل الحال معنى التنبيه، أو معنى الإشارة. وجملة قوله: هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آية في محل رفع بدل من قوله بينة لأنها مفسرة له وجاز إبدال جملة من مفرد لأنها في معناه فَذَرُوها أي فاتركوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ في الحجر أي الناقة ناقة الله والأرض أرض الله فاتركوها تأكل من إنباتكم وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ أي ولا تضربوها ولا تقربوا منها شيئا من أنواع الأذى إكراما لآية الله تعالى فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أي بسبب أذاها وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ أي فلما أهلك الله عادا عمر ثمود بلادها وخلفوهم في الأرض وكثروا وعمروا أعمارا أطوالا وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ أي أنزلكم في أرض الحجر بين الحجاز والشام تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً أي تبنون من سهولة الأرض قصورا بما تعملون منها من الرهص واللبن والآجر للصيف وسميت
стр. 379
القصور بذلك لقصور الفقراء عن تحصيلها وحبسهم عن نيلها وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً أي وتنقبون في الجبال بيوتا للشتاء وذلك لطول أعمارهم فإن السقوف والأبنية كانت تبلى قبل فناء أعمارهم فكان عمر واحد منهم ثلاثمائة سنة إلى سنة كقوم هود فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ أي نعمة الله عليكم بعقولكم فإنكم متنعمون مترفهون وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) أي ولا تعملوا في الأرض شيئا من أنواع الفساد قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أي قال الجماعة الذين تكبروا عن الإيمان بصالح للمساكين الذين آمنوا به. فقوله تعالى: لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بدل من الموصول بإعادة العامل بدل الكل وضمير «منهم» راجع «لقومه» . أي قالوا للمؤمنين الذين استرذلوهم بطريق الاستهزاء بهم. أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ إليكم قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) أي نحن مصدقون بما جاء به صالح قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا عن امتثال أمر ربهم وهو الذي أوصله الله إليهم على لسان صالح بقوله فذروها تأكل في أرض الله إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ أي قتلها قدار بن سالف بأمرهم في يوم الأربعاء فقال لهم صالح: إن آية العذاب أن تصبحوا غدا صفرا، ثم أن تصبحوا في يوم الجمعة حمرا، ثم أن تصبحوا يوم السبت سودا، ثم يصبحكم العذاب يوم الأحد وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ أي ارتفعوا فأبوا عن قبول أمر ربهم الذي أمرهم صالح وَقالُوا استهزاء يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا أي من العذاب إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فإنهم كذبوا صالحا في قوله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ أي الزلزلة الشديدة من الأرض والصيحة من السماء فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٧٨) أي فصاروا في بلدهم خامدين موتى لا يتحركون. والمراد كونهم كذلك عند ابتداء نزول العذاب من غير اضطراب ولا حركة.
روي أنه تعالى لما أهلك عادا قام ثمود مقامهم وطال عمرهم، وكثر تنعمهم، ثم عصوا الله وعبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم صالحا- وكان منهم- فطالبوه بالمعجزة فقال: ما تريدون؟
فقالوا: تخرج معنا في عيدنا، ونخرج أصناما فتسأل إلهك ونسأل أصنامنا فإذا ظهر أثر دعائك اتبعناك، وإن ظهر أثر دعائنا اتبعتنا فخرج معهم ودعوا أوثانهم فلم تجبهم، ثم قال سيدهم جندع بن عمرو لصالح ﵇ وأشار إلى صخرة منفردة في ناحية الجبل يقال لتلك الصخرة كائبة: أخرج لنا من هذه الصخرة ناقة كبيرة جوفاء وبراء فإن فعلت ذلك صدقناك، فأخذ صالح عليهم المواثيق أنه إن فعل ذلك آمنوا فقبلوا، فصلى ركعتين ودعا الله تعالى، فتمخضت تلك الصخرة كما تتمخض الحامل، ثم انفرجت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء، وكانت في غاية الكبر، ثم نتجت ولدا مثلها في العظم فآمن به جندع ورهط من قومه وأراد أشراف ثمود أن يؤمنوا به فنهاهم ذؤاب بن عمرو والخباب صاحبا أوثانهم ورباب بن صمعر كاهنهم فمكثت الناقة مع
стр. 380
ولدها ترعى الشجر وتشرب الماء، وكانت ترده غبا فإذا كان يومها وضعت رأسها في البئر فما ترفعه حتى تشرب كل ما فيها، ثم تفرج بين رجليها فيحلبون ما شاءوا حتى تمتلئ أوانيهم فيشربون ويدخرون، وكانت إذا وقع الحر تصيفت بظهر الوادي فيهرب منها أنعامهم، وإذا وقع البرد تشتت ببطن الوادي فتهرب مواشيهم، فشق ذلك عليهم وزينت عقرها لهم امرأتان: عنيزة وصدقة، لما أضرت به من مواشيهم، فعقروها واقتسموا لحمها وطبخوه فرقى ولدها جبلا مسمى بقارة فرغا ثلاثا، وقال صالح ﵇ لهم: أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب، فلم يقدروا عليه وانفتحت الصخرة بعد رغائه، فدخلها، فقال لهم صالح: تصبحون غدا وجوهكم مصفرة، وبعد غد وجوهكم محمرة، واليوم الثالث وجوهكم مسودة، ثم يصبحكم العذاب فلما رأوا العلامات طلبوا أن يقتلوه، فأنجاه الله تعالى إلى أرض فلسطين، ولما كان اليوم الرابع واشتد الضحى تحنطوا بالصبر وتكفنوا بالأنطاع، فأتتهم صيحة من السماء ورجفة من الأرض فتقطعت قلوبهم وهلكوا فَتَوَلَّى عَنْهُمْ أي خرج صالح من بينهم قبل موتهم وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ أي بالترغيب والترهيب وبذلت فيكم وسعي ولكن لم تقبلوا مني ذلك كما قال وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩) أي لم تطيعوا الناصحين بل تستمروا على عداوتهم.
وروي أن صالحا خرج في مائة وعشرة من المسلمين وهو يبكي فالتفت فرأى الدخان ساطعا، فعلم أنهم قد هلكوا، وكانوا ألفا وخمسمائة دار وَلُوطاً أي وأرسلنا لوطا ابن هاران إلى قومه. أي فأرسله الله تعالى إلى أهل سدوم وهي بلد بحمص إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أي وقت قوله لهم فإرساله إليهم لم يكن في أول وصوله إليهم أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ أي أتفعلون اللواطة ما سَبَقَكُمْ بِها أي بهذه الفاحشة مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٨٠) .
قال محمد بن إسحاق: كانت لهم ثمار وقرى لم يكن في الأرض مثلها فقصدهم الناس فآذوهم، فعرض لهم إبليس في صورة شيخ: إن فعلتم بهم كذا وكذا نجوتم منهم، فأبوا، فألح عليهم فقصدوهم فأصابوا غلمانا حسانا فاستحكم فيهم ذلك
إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ أي إنكم لتأتون أدبار الرجال لمجرد الشهوة لا للولد ولا للألفة متجاوزين فروج النساء اللاتي هن محال الاشتهاء.
وقرأ نافع وحفص عن عاصم «إنكم» بهمزة واحدة مكسورة على الخبر المستأنف، وهو بيان لتلك الفاحشة.
وقرأ ابن كثير بهمزتين بدون ألف بينهما. وبتسهيل الثانية، وأبو عمرو كذلك لكنه أدخل الألف بينهما. وهشام بتحقيق الهمزتين بينهما مد. والباقون بتحقيقهما من غير مدّ بينهما على
стр. 381
الأصل، وهذا الاستفهام معناه الإنكار بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) أي مجاوزين الحلال إلى الحرام، وأنتم قوم عادتكم الزيادة في كل عمل وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أي ما كان جوابا من جهة قومه شيء من الأشياء في المرة الأخيرة من مرات المحاورة بينه وبينهم إلا قولهم لبعضهم الآخرين المباشرين لتلك الأمور معرضين عن مخاطبة لوط ﵇ أَخْرِجُوهُمْ أي لوطا وابنتيه زعورا وريثا مِنْ قَرْيَتِكُمْ سذوم إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) أي يتنزهون عن أدبار الرجال قالوا ذلك على سبيل السخرية بلوط وأهله، وعلى سبيل الافتخار بما هم فيه فَأَنْجَيْناهُ أي لوطا وَأَهْلَهُ وهم بنتاه إِلَّا امْرَأَتَهُ الكافرة واسمها واهلة كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٨٣) أي الباقين في ديارهم فهلكت في العذاب مع الهالكين فيها لأنها تسر الكفر موالية لأهل سذوم، وأما لوط فخرج مع بنتيه من أرضهم، وطوى الله له الأرض في وقته حتى نجا ووصل إلى إبراهيم وهو في فلسطين وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً أي وأرسلنا عليهم إرسال المطر آجرا محروقا معجونا بالكبريت والنار.
قال مجاهد: نزل جبريل ﵇ وأدخل جناحه تحت مدائن قوم لوط، فاقتلعها ورفعها إلى السماء ثم قلبها فجعل أعلاها أسفلها، ثم أتبعوا بالحجارة. وقيل: المعنى وأنزلنا على الخارجين من المداين الخمسة حجارة من السماء معلّمة عليها اسم من يرمى بها.
وروي أن تاجرا منهم كان في الحرم فوقف الحجر له أربعين يوما حتى قضى تجارته وخرج من الحرم فوقع عليه فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤) أي فانظر يا من يتأتى منه النظر كيف أمطر الله حجارة من طين مطبوخ بالنار متتابع في النزول على من يعمل ذلك العمل المخصوص، وكيف أسقط مدائنها مقلوبة إلى الأرض وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ أي وأرسلنا إلى أولاد مدين بن إبراهيم ﵇ أخاهم في النسب لا في الدين شُعَيْباً بن ميكيل. وقيل:
شعيب بن ثويب بن مدين بن إبراهيم قالَ لقومه وهم أهل كفر وبخس للمكيال والميزان:
يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحده ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ أي معجزة مِنْ رَبِّكُمْ دالة على رسالة الله وعلى صدق ما جئت به ومن معجزات شعيب أنه دفع عصاه إلى موسى، وتلك العصا حاربت التنين وأنه قال لموسى: إن هذه الأغنام تلد أولادا فيها سواد في أوائلها وبياض في أواخرها، وقد وهبتها منك، فكان الأمر كما أخبر عنه، وأنه وقع على يده عصا آدم ﵇ فإن جميع ذلك كان قبل استنباء موسى ﵇.
وقيل: إن المراد بالبينة نفس شعيب ﵇ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ أي أتموا كيل المكيال ووزن الميزان وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ أي ولا تنقصوا حقوق الناس بجميع الوجوه كالغصب والسرقة وأخذ الرشوة وقطع الطريق، وانتزاع الأموال بطريق الحيل. وقيل:
стр. 382
كانوا مكّاسين لا يدعون شيئا إلا مكسوة كما يفعل أمراء الجور وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بالمعاصي بَعْدَ إِصْلاحِها بعد أن أصلحها الله بتكثير النعم فيها. قال ابن عباس: كانت الأرض قبل أن يبعث الله شعيبا رسولا، تعمل فيها المعاصي وتستحل فيها المحارم وتسفك فيها الدماء فذلك فسادها، فلما بعث الله شعيبا ودعاهم إلى الله صلحت الأرض. وكان كل نبي يبعث إلى قومه فهو صلاحهم، وحاصل هذه التكاليف الخمسة يرجع إلى أصلين:
أحدهما: التعظيم لأمر الله ويدخل فيه الإقرار بالتوحيد والنبوة.
وثانيهما: الشفقة على خلق الله ويدخل فيه ترك البخس وترك الإفساد ذلِكُمْ أي هذه الأمور الخمسة خَيْرٌ لَكُمْ مما أنتم فيه في طلب المال، لأن الناس إذا علموا منكم الوفاء والصدق والأمانة رغبوا في المعاملات معكم فكثرت أموالكم إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) أي مصدّقين لي في قولي هذا وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ أي ولا تجلسوا على كل طريق فيه ممر الناس تهددون من مرّ بكم من الغرباء، فكانوا قطّاع طريق وكانوا مكّاسين وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ أي وتصرفون عن دين الله من آمن بالله وَتَبْغُونَها عِوَجاً أي وتطلبون سبيل الله معوجة بإلقاء الشكوك والشبهات فكانوا يجلسون على الطرق ويقولون لمن يريد شعيبا: إنه كذاب ارجع لا يفتنك عن دينك فإن آمنت به قتلناك.
وجملة الأفعال الثلاثة التي هي توعدون، وتصدون، وتبغون أحوال، أي لا تقعدوا موعدين وصادين وباغين وَاذْكُرُوا نعمة الله عليكم إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا بالعدد.
فَكَثَّرَكُمْ بالعدد قيل: إن مدين بن إبراهيم تزوج بنت لوط فولدت، فرمى الله تعالى في نسلهما بالبركة فكثروا وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) أي كيف صار آخر أمر المشركين قبلكم بالهلاك بتكذيبهم رسلهم وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ من الشرائع والأحكام وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا أي فانتظروا أيها المؤمنون والكافرون حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا جميعا من مؤمن وكافر بإعلاء درجات المؤمنين وبإظهار هوان الكافرين وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٧) أي إنه تعالى حاكم عادل منزّه عن الجور قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ أي قال الجماعة الذين أنفوا من قبول قوله وبالغوا في العتو: لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا والظرف متعلق بالإخراج لا بالإيمان. أي والله لنخرجنك وأتباعك من مدين أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا أي أو لتصيرن إلى ملتنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (٨٨) أي قال شعيب:
أتصيروننا في ملتكم وإن كنا كارهين للدخول فيها قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً عظيما حيث نزعم أن لله تعالى ندا إِنْ عُدْنا أي إن دخلنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها أي من ملتكم وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا أي وما يجوز لنا أن ندخل في ملتكم إلا أن يأمر الله بالدخول فيها
стр. 383
وهيهات ذلك وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أي ربما كان في علمه تعالى حصول بقائنا في هذه القرية من غير أن نعود إلى ملتكم بل الله يجعلكم مقهورين تحت أمرنا ذليلين خاضعين تحت حكمنا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا أي في أن يثبتنا على ما نحن عليه من الإيمان رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ أي يا ربنا احكم بيننا بالعدل وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩) أي الحاكمين. أو المعنى أظهر أمرنا حتى ينفتح ما بيننا وبينهم بأن تنزل عليهم عذابا يتميز به المحق من المبطل وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ أي وقال الرؤساء من قوم شعيب للسفلة لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً في دينه إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٩٠) في الدين وفي الدنيا لأنه يمنعكم من أخذ الزيادة من أموال الناس وعند هذا المقال كمل حالهم في الضلال والإضلال فاستحقوا الإهلاك
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ أي الزلزلة الشديدة المهلكة فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٩١) أي فصاروا في مساكنهم خامدين ساكنين بلا حياة الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أي الذين كذبوا شعيبا استؤصلوا بالمرة وصاروا كأنهم لم يقيموا في قريتهم أصلا، أي عوقبوا بقولهم: لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا وصاروا هم المخرجين من القرية إخراجا لا دخول بعده أبدا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (٩٢) دينا ودنيا دون الذين اتبعوه فإنهم الرابحون في الدارين فَتَوَلَّى عَنْهُمْ أي خرج شعيب من بينهم قبل الهلاك.
وقال الكلبي: ولم يعذب قوم نبي حتى أخرج من بينهم وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي بالأمر والنهي وَنَصَحْتُ لَكُمْ أي حذرتكم من عذاب الله ودعوتكم إلى الإيمان والتوبة، وإنما اشتد حزنه على قومه لأنهم كانوا كثيرين، وكان يتوقع منهم الاستجابة للإيمان فلما أن نزل بهم ذلك الهلاك العظيم بوجود علاماته كحبس الريح عنهم سبعة أيام حصل في قلبه الحزن من جهة القرابة والمجاورة وطول الألفة، ثم عزى نفسه وقال: فَكَيْفَ آسى أي أحزن حزنا شديدا عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (٩٣) لأنهم هم الذين أهلكوا أنفسهم بسبب إصرارهم على الكفر.
وقيل: قال شعيب ذلك اعتذارا من عدم شدة حزنه عليهم. والمعنى لقد أعذرت إليكم في الإبلاغ والنصيحة مما حل بكم فلم تسمعوا قولي ولم تقبلوا نصيحتي فكيف آسى عليكم، والمراد أنهم ليسوا مستحقين بأن يأسى الإنسان عليهم، وقرأ يحيى بن وثاب فكيف آسى، بإمالتين وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ فكذبه أهلها إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها أي عاقبناهم بِالْبَأْساءِ أي الشدة في أحوالهم كالخوف وضيق العيش وَالضَّرَّاءِ أي الأمراض والأوجاع لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) أي كي يتذللوا وينقادوا لله تعالى ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ أي ثم أعطيناهم السعة والصحة بدل ما كانوا فيه من البلاء والمرض لأن ورود النعمة في المال والبدن يدعو إلى الاشتغال بالشكر حَتَّى عَفَوْا أي كثروا في أنفسهم وأموالهم وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ كما أصابنا وهذه عادة الزمان في أهله فمرة يحصل فيهم الشدة والنكد، ومرة يحصل لهم الرخاء والراحة
стр. 384
فصبروا على دينهم، فنحن مثلهم نقتدي بهم وليست عقوبة من الله بسبب ما نحن عليه من الدين والعمل فلما لم ينقادوا بالشدة وبالرخاء لم ينتفعوا بذلك الإمهال أخذهم الله بغتة أينما كانوا قال تعالى: فَأَخَذْناهُمْ بعد ذلك بَغْتَةً أي فجأة بالعذاب وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩٥) أي وقت نزول العذاب ولا يخطرون ببالهم شيئا من المكاره وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى الذين أهلكناهم آمَنُوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وَاتَّقَوْا ما نهى الله عنه لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ بالمطر وَالْأَرْضِ بالنبات والثمار والمواشي وحصول الأمن والسلامة. وقرأ ابن عامر «لفتحنا» بتشديد التاء للتكثير وَلكِنْ كَذَّبُوا ذلك ولم يتقوا ما حرمه الله فَأَخَذْناهُمْ بالجدوبة والعذاب بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) من الكفر والمعاصي أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أي أبعد ذلك أمن أهل القرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا أي عذابنا بَياتاً أي ليلا وَهُمْ نائِمُونَ (٩٧) أي غافلون عن ذلك أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى أي نهارا وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أي يشتغلون بما ينفعهم، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر بسكون الواو أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ أي عذاب الله فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (٩٩) وهم الذين لا يعرفون ربهم لغفلتهم فلا يخافونه. وسمي العذاب مكرا لنزوله بهم من حيث لا يشعرون أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ
يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ.
قرأ الجمهور «يهد» بالياء من تحت، أي أولم يتبين للذين يرثون أرض مكة من المتقدمين بسكونها من بعد هلاك أهلها تعذيبنا إياهم بسبب ذنوبهم لو شئنا ذلك كما عذبنا من قبلهم، وفاعل «يهد» مصدر مؤول من «أن» وما في حيزها أن نزل «يهد» منزلة اللازم وإلا فمفعوله له محذوف والتقدير أولم يوضح للوارثين أرض مكة من بعد هلاك أهلها عاقبة أمرهم أن الشأن لو نشاء الإصابة أصبناهم بجزاء ذنوبهم كما أصبنا من قبلهم وأهلكنا الوارثين كما أهلكنا المورثين وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ أي إن لم نهلكهم بالعقاب نطبع على قلوبهم فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (١٠٠) أي لا يقبلون موعظة من أخبار الأمم المهلكة. والمراد إما الإهلاك وإما الطبع على القلب، لأن الإهلاك لا يجتمع مع الطبع على القلب فإذا أهلك شخص يستحيل أن يطبع على قلبه وإنما يحصل الطبع حال استمراره على الكفر فهو يكفر أولا ثم يصير مطبوعا عليه في الكفر، ولم يكن هذا التقرير منافيا لصحة عطف قوله: و «نطبع» على «أصبناهم»
تِلْكَ الْقُرى وهي قرى قوم نوح، وعاد وثمود، وقوم لوط، وقوم شعيب نَقُصُّ عَلَيْكَ يا أكرم الرسل مِنْ أَنْبائِها كيف أهلكت وإنما خصّ الله أنباء هذه القرى لأنهم اغتروا بطول الإمهال مع كثرة النعم فتوهموا أنهم على الحق فذكرها الله تعالى تنبيها لقوم محمد ﷺ ليحترزوا عن مثل تلك الأعمال وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي وبالله لقد جاء كل أمة من تلك الأمم المهلكة أنبياؤهم الذين أرسلوا إليهم بالمعجزات الواضحة الدالة على صحة رسالتهم الموجبة للإيمان فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما
стр. 385
كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ
أي فبعد رؤية المعجزات ما كان أولئك الكفار ليؤمنوا بالشرائع التي كذبوها قبل رؤية تلك المعجزات. والمعنى كانت كل أمة من أولئك الأمم في زمن الجاهلية يتسامعون بكلمة التوحيد من بقايا من قبلهم فيكذبونها، ثم كانت حالهم بعد مجيء نبيهم الذي أرسل إليهم كحالتهم قبل ذلك كأن لم يبعث إليهم أحد كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (١٠١) أي مثل ذلك الذي طبع الله على قلوب كفار الأمم الخالية يطبع على قلوب الكافرين الذين كتب الله عليهم أن لا يؤمنوا أبدا وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ أي وما وجدنا أكثر الناس على إيمان كما قاله ابن مسعود أو على عهد أول وهو الذي عاهدهم الله وهم في صلب آدم حيث قال: ألست بربكم؟
قالوا: بلى، فلما أقروا بربوبية الله تعالى في عالم الذر ثم خالفوا ذلك في هذا العالم صار كأنه ما كان لهم عهد وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (١٠٢) أي وإن الشأن.
والحديث: «وجدنا أكثر الأمم في عالم الشهادة خارجين عن الطاعة صارفين عن الدين»
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ أي من بعد انقضاء الرسل المذكورين أو من بعد هلاك الأمم المحكية مُوسى بِآياتِنا التسع الدالة على صدقه إِلى فِرْعَوْنَ واسمه قابوس.
وقيل: اسمه الوليد بن مصعب بن ريان، وكان ملكه أربعمائة سنة، وعاش ستمائة وعشرين سنة ولم ير في تلك المدة مكروها قط من وجع، أو حمى، أو جوع، ولو حصل له ذلك لما ادعى الربوبية وَمَلَائِهِ أي عظماء قومه فَظَلَمُوا بِها أي بتلك الآيات أي وضعوا الإنكار في موضع الإقرار ووضعوا الكفر في موضع الإيمان وذلك ظلم منهم على تلك الآيات الظاهرة فَانْظُرْ أيها المخاطب بعين عقلك كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) وكيف فعلنا بهم وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ إليك وإلى قومك مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ.
وقرأ نافع «على» بتشديد الياء، ف «حقيق» فحقيق مبتدأ وخبره ما دخلت عليه «أن» ، أي واجب على ترك القول على الله إلا بالحق. والباقون بمد اللام، والمعنى أنا ثابت بأن لا أقول على الله إلا الصدق. وقرأ أبي «بأن لا أقول بالباء» . وقرأ عبد الله والأعمش «أن لا أقول» بدون حرف جر قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ أي معجزة شاهدة على رسالتي مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٠٥) أي فخلهم حتى يذهبوا معي إلى الأرض المقدسة التي هي وطن آبائهم مع أموالهم فكان فرعون عاملهم معاملة العبيد في الاستخدام. قالَ أي فرعون إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها أي إن كنت جئت بآية من عند من أرسلك فأحضرها عندي ليثبت صدقك إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) في دعواك أنك رسول فَأَلْقى موسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ أي حية ضخمة صفراء ذكر مُبِينٌ (١٠٧) أي ظاهر لا يشك في كونه ثعبانا.
стр. 386
روي أنه لما ألقاها صارت ثعبانا أشعر، فاغرا فاه بين لحييه ثمانون ذراعا، وضع لحيه الأسفل على الأرض والأعلى على سور القصر، ثم توجه نحو فرعون ليبتلعه فوثب فرعون عن سريره هاربا، وأحدث، وانهزم الناس مزدحمين فمات منهم خمسة وعشرون ألفا، فصاح فرعون: يا موسى، أنشدك بالذي أرسلك خذه وأنا أومن بك وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذه فعاد عصا وَنَزَعَ يَدَهُ أي أخرجها من طوق قميصه فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ بياضا نورانيا غلب شعاعه شعاع الشمس لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أي الرؤساء منهم وهم أصحاب مشورته إِنَّ هذا أي موسى لَساحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) أي حاذق بالسحر، فإنهم قالوا ذلك مع فرعون على سبيل التشاور يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ أي من أرض مصر فَماذا تَأْمُرُونَ (١١٠) قاله لفرعون خدمه والأكابر فإن الأتباع يفوضون الأمر والنهي إلى المخدوم والمتبوع أولا،
ثم يذكرون ما حضر في خواطرهم من المصلحة بقولهم: أرجه وأخاه. قال تعالى: قالُوا أَرْجِهْ فيه ست قراءات. ثلاثة بإثبات الهمزة التي بعد الجيم وهي كسر الهاء من غير إشباع لابن ذكوان عن ابن عامر، وضمها كذلك لأبي عمرو وبإشباع حتى يتولد من الضمة واو على الأصل لابن كثير، وهشام عن ابن عامر. وثلاثة بحذف الهمزة وهي سكون الهاء وصلا ووقفا لعاصم وحمزة، وكسر الهاء من غير إشباع لقالون وبه حتى يتولد منها ياء لنافع والكسائي. وورش أي أخر أمر موسى ولا تعجل في أمره بحكم. والمراد أنهم حاولوا معارضة معجزته بسحرهم ليكون ذلك أقوى في إبطال قول موسى وَأَخاهُ هارون وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (١١١) أي وأرسل في مدائن صعيد مصر شرطا يحشرون إليك ما فيها من السحرة وكان رؤساء السحرة ومهرتهم في أقصى مدائن الصعيد يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢) أي ماهر في السحر.
وقرأ حمزة والكسائي «سحار» كما اتفقوا عليه في سورة الشعراء وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ بعد ما أرسل الشرط في طلبهم قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً على الغلبة. قرأ نافع وابن كثير وحفص عن عاصم «أن» بهمزة واحدة. والباقون بهمزتين وأدخل أبو عمرو الألف بينهما إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (١١٣) لموسى قالَ نَعَمْ. وقرأ الكسائي بكسر العين وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) أي نعم لكم الأجر ولكم المنزلة الرفيعة عندي زيادة على الأجر، أي فإني لا أقتصر بكم على الثواب بل أزيدكم عليه، وتلك الزيادة إني أجعلكم من المقربين إليّ بالمنزلة. قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ عصاك أولا وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) ما معناه من الحبال والعصي أولا، فلما راعوا حسن الأدب حيث قدموا ذكر موسى ﵇ رزقهم الإيمان ببركة رعاية هذا الأدب قالَ موسى مريدا الإبطال ما أتوا به من السحر وإزراء شأنهم: أَلْقُوا ما تلقون فَلَمَّا أَلْقَوْا عصيا وحبالا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ أي صرفوها عن إدراك حقيقتها فتخيلوا أحوالا
стр. 387
عجيبة مع أن الأمر في الحقيقة ما كان وفق ما تخيلوه. قيل: إنهم أتوا بالحبال والعصي ولطخوا تلك الحبال بالزئبق، وجعلوا الزئبق في دواخل تلك العصي فلما أثر تسخين الشمس فيها تحركت والتوى بعضها على بعض وكانت كثيرة جدا، فالناس تخيلوا أنها تتحرك وتلتوي باختيارها وقدرتها وَاسْتَرْهَبُوهُمْ أي بالغوا في تخويف عظيم للعوام من حركات تلك الحبال والعصي وخاف موسى أن يتفرقوا قبل ظهور معجزته فكان خوفه لأجل فزع الناس واضطرابهم مما رأوه من أمر تلك الحيات، وليس خوفه لأجل سحرهم لأنه كان على ثقة من الله تعالى أنهم لم يغلبوه وهو غالبهم وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) في باب السحر وعند السحرة وإن كان حقيرا في نفسه قيل:
كانت الحبال والعصي حمل ثلاثمائة بعير وذلك أنهم ألقوا حبالا غلاظا وأخشابا طوالا فإذا هي حيات كأمثال الحبال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضا وكانت سعة الأرض ميلا في ميل فصارت كلها حيات وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ ولما ألقى موسى العصا صارت حية عظيمة حتى سدت الأفق ثم فتحت فكها فكان ما بين فكيها ثمانين ذراعا، وابتلعت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم فلما أخذها موسى صارت عصا كما كانت من غير تفاوت في الحجم أصلا كما قال تعالى فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ أي تلقم ما
يَأْفِكُونَ
(١١٧) أي الذي يقبلونه عن الحق إلى الباطل فَوَقَعَ الْحَقُّ أي فظهر الحق مع موسى وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) أي واضمحل ما عملوه من السحر وسبب هذا الظهور أن السحرة قالوا: لو كان ما صنع موسى سحرا لبقيت حبالنا وعصينا فلما فقدت ثبت أن ذلك حصل بخلق الله تعالى لا لأجل السحر فَغُلِبُوا أي فرعون وقومه هُنالِكَ أي في المكان الذي وقع فيه سحرهم وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩) أي صاروا ذليلين مبهوتين وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) أي خروا سجدا لله تعالى أي فمن سرعة سجودهم كأنهم ألقوا.
قال ابن زيد: كان اجتماعهم بالإسكندرية وبلغ ذنب الحية وراء البحر، ثم فتحت فاها ثمانين ذراعا فكان تبتلع حبالهم وعصيهم واحدا واحدا حتى ابتلعت الكل، وقصدت القوم الذين حضروا ذلك المجمع ففزعوا ووقع الزحام، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا، ثم أخذها موسى فصارت في يده عصا كما كانت، فلما رأى السحرة ذلك عرفوا أنه ليس بسحر فعند ذلك خروا ساجدين
قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) قال فرعون: إياي تعنون؟ قالوا: لا بل رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢) ولما ظفروا بالمعرفة سجدوا لله تعالى في الحال وجعلوا ذلك السجود شكرا لله تعالى على الفوز بالإيمان والمعرفة، وعلامة على انقلابهم من الكفر إلى الإيمان، وإظهارا للخضوع والتذلل لله تعالى فكأنهم جعلوا ذلك السجود الواحد علامة على هذه الأمور الثلاثة على سبيل الجمع وأولئك القوم كانوا عالمين بحقيقة السحر، فلما وجدوا معجزة موسى خارجة عن حدّ السحر علموا أنها أمر إلهي فاستدلوا بها على أن موسى نبي صادق من عند الله تعالى فلأجل كمالهم في علم السحر انتقلوا من الكفر إلى الإيمان، فإذا كان حال علم السحر كذلك فما ظنك
стр. 388
بكمال حال الإنسان في علم التوحيد قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ أي برب موسى وهارون واختلف القراء في هذا الحرف هنا، وفي طه وفي الشعراء فإن القراء في ذلك على أربع مراتب.
الأولى: قراءة الأخوين وأبي بكر عن عاصم، وهي تحقيق الهمزتين في السور الثلاث من غير إدخال ألف بينهما، وهو استفهام إنكار، وأما الألف الثالثة فالكل يقرءونها كذلك وهي فاء الكلمة يجب قلبها ألفا لكونها بعد همزة مفتوحة، وأما الأولى فمحققة ليس إلا.
والثانية: قراءة حفص وهي «آمنتم» بهمزة واحدة بعدها ألف.
والثالثة: قراءة نافع وأبي عمرو وابن عامر والبزي عن ابن كثير، وهي تحقيق الأولى وتسهيل الثانية بين بين.
والرابعة: قراءة قنبل عن ابن كثير، فقرأ في هذه السورة حال الابتداء «أآمنتم» بهمزتين أولاهما محققة والثانية مسهلة بين بين وألف بعدها، كقراءة البزي وحال الوصل يقرأ «قال فرعون» و «آمنتم» بإبدال الأولى واوا وتسهيل الثانية بين بين وألف بعدها. وقرأ في سورة طه كقراءة حفص وفي سورة الشعراء كقراءة البزي قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ أي بغير أن آذن لكم إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها أي إن إيمان هؤلاء حيلة احتلتموها مع مواطأة موسى في مصر قبل أن تخرجوا إلى الميعاد، وأن غرضهم بذلك إخراج القوم من مصر وإبطال ملكهم، وهاتان شبهتان ألقاهما فرعون إلى أسماع عوام القبط ليمنعهم بها عن الإيمان بنبوة موسى ﵇ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) ما أفعل بكم لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ أي من كل شق طرفا ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أي أعلقكم ممدودة أيديكم لتصير على هيئة الصليب أو حتى يتقاطر صليبكم وهو الدهن الذي فيكم أَجْمَعِينَ (١٢٤) قالُوا أي السحرة: إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) أي راجعون بالموت بلا شك سواء كان بقتلك أو لا فيحكم بيننا وبينك وإنا إلى رحمة ربنا راغبون وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا أي ما تعب علينا إلا إيماننا آيات ربنا، أو ما لنا عندك ذنب تعذبنا عليه إلا لإيماننا بآيات ربنا حين جاءتنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً أي صبّ علينا صبرا كاملا تاما عند القطع والصلب لكيلا نرجع كفارا وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦) أي مخلصين على دين موسى. قيل:
فعل فرعون ما توعدهم به، وقيل: لم يقع من فرعون ذلك بل استجاب الله تعالى الدعاء في قولهم وتوفنا مسلمين لأنهم سألوه تعالى أن يكون توفيهم من جهته تعالى لا بقتل فرعون وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ له لما خلى سبيل موسى أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ من بني إسرائيل لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ أي ليفسدوا على الناس في أرض مصر بتغيير دينهم. واعلم أن فرعون بعد وقوع هذه الواقعة كان كلما رأى موسى خافه أشد الخوف فلهذا السبب لم يتعرض له، إلا أن قومه لم يعرفوا ذلك فحملوه على أخذه وحبسه وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ أي معبوداتك بكسر اللام جمع إله.
стр. 389
وقرأ ابن عمر وابن مسعود وابن عباس وأنس وعلي بن أبي طالب «وآلاهتك» بفتح اللام ومدة أي وعبادتك. وقرأ العامة بنصب «يذرك» عطف على «يفسدوا» أو جواب الاستفهام بالواو.
وقرأ الحسن ونعيم بن ميسرة بالرفع عطفا على «أنذر» أو استئنافا أو حالا. وقرئ بالسكون قالَ فرعون لما لم يقدر على موسى أن يفعل معه مكروها لخوفه منه سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ أي أبناء بني إسرائيل ومن آمن موسى صغارا كما قتلناهم أول مرة، وقرأ نافع وابن كثير «سنقتل» بفتح النون وسكون القاف. والباقون بضم النون وفتح القاف وتشديد التاء وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ أي ونتركهن أحياء للخدمة وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧) كما كنا وهم مقهورون تحت أيدينا وإنما نترك موسى وقومه من غير حبس لعدم التفاتنا إليهم لا لعجز ولا لخوف، واختلف المفسرون، فمنهم من قال: كان فرعون يفعل ذلك، ومنهم من قال: لم يفعل ذلك لعدم قدرته لقوله تعالى:
أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ [القصص: ٣٥] قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ بني إسرائيل حين تضجروا من قول فرعون على سبيل التسلية لهم اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ على فرعون وقومه وَاصْبِرُوا على ما سمعتم من أقاويله الباطلة إِنَّ الْأَرْضَ أي أرض مصر لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ.
وقرأ الحسن «يورثها» بفتح الواو وتشديد الراء المكسورة للتكثير. وقرئ «يورثها» بفتح الراء مبنيا للمفعول وَالْعاقِبَةُ أي الجنة أو فتح البلاد والنصر على الأعداء لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) أي الذين أنتم منهم فمن اتقى الله تعالى فالله يعينه في الدنيا والآخرة. وقرأ ابن مسعود بنصب العاقبة عطفا على الأرض، فالاسم معطوف على الاسم والخبر على الخبر فهو من عطف المفردات.
قالُوا أي بنو إسرائيل لموسى لما سمعوا تهديد فرعون بالقتل للأبناء مرة ثانية: أُوذِينا من جهة فرعون مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا بالرسالة وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا رسولا. قالوا ذلك استكشافا لكيفية وعد موسى إياهم بزوال تلك المضار هل هو في الحال أو لا؟ لا كراهة لمجيء موسى بالرسالة. قالَ أي موسى مسليا لهم حين رأى شدة جزعهم مما شاهدوه من فعل فرعون:
عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ الذي توعدكم بإعادة فعله وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ أي يجعلكم خلفاء في الأرض مصر بعد هلاك أهلها فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩) أي فيرى كيف تعملون في طاعته وهذا حث لهم على التمسك بطاعة الله تعالى، فالله تعالى يرى وقوع ذلك منكم لأن الله تعالى لا يجازي عباده على ما يعلمه منهم في الأزل وإنما يجازيهم على ما يقع منهم وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ أي باحتباس المطر وبالجوع وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ أي ذهاب الثمرات بإصابة العاهات لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) أي كي يقفوا على أن ذلك لأجل معاصيهم وينزجوا عمّا هم عليه من العتو والعناد
فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ أي الخصب والسعة في الرزق والسلامة قالُوا لَنا هذِهِ أي نحن مستحقون من كثرة نعمنا على العادة التي جرت وَإِنْ
стр. 390
تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ
أي جدوبة وشدة وبلاء يَطَّيَّرُوا أي يتشاءموا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ من المؤمنين، أي يقولوا: إنما أصابنا هذا الشر بشؤم موسى وقومه أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ أي حظهم عِنْدَ اللَّهِ أي كل ما يصيبهم من خير أو شر فهو بقضاء الله تعالى وبتقديره.
وقيل: المعنى إنما جاءهم الشر بقضاء الله تعالى وحكمه. وكان النّبيّ ﷺ يتفاءل ولا يتطير. وأصل الفأل: الكلمة الحسنة. كانت العرب مذهبها في الفأل
والطيرة واحد فأثبت النّبيّ ﷺ الفأل وأبطل الطيرة وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣١) أن ما يصيبهم من الله تعالى وَقالُوا أي آل فرعون وهم القبط لموسى ﵇ مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) أي أيّ شيء تظهره لدينا من علامة من عند ربك لتصرفنا عمّا نحن عليه من الدين بذلك الشيء فما نحن لك بمصدقين بالرسالة وكان موسى رجلا حديدا فعند ذلك دعا عليهم فاستجاب الله له فقال تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ أي الماء من السماء فدخل بيوت القبط وقاموا في الماء إلى تراقيهم ودام ذلك عليهم سبعة أيام من سبت إلى سبت، ولم يدخل ذلك الماء بيوت بني إسرائيل مع أنها كانت في خلال بيوت القبط فاستغاثوا بفرعون، فأرسل إلى موسى فقال: اكشف عنا العذاب فقد صارت مصر بحرا واحدا، فإن كشفت هذا العذاب آمنا بك. فأزال الله عنهم المطر وأرسل الرياح فجففت الأرض وخرج من النبات ما لم يروا مثله قط. فقالوا: هذا الذي جزعنا منه خير لنا لكنا لم نشعر فلا والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل فنكثوا العهد وَأقاموا شهر في عافية فأرسل الله تعالى عليهم الْجَرادَ فأكل زروعهم وثمارهم وأبوابهم وسقوفهم وثيابهم ففزعوا إلى موسى، فدعا موسى ﵇ فأرسل الله تعالى ريحا، فألقته في البحر بعد ما أقام عليهم سبعة أيام من سبت إلى سبت، فنظر أهل مصر إلى ما بقي من زرعهم فقالوا: هذا الذي بقي يكفينا ولا نؤمن بك وَأقاموا شهرا في عافية فأرسل الله عليهم الْقُمَّلَ أي الجراد الصغير بلا أجنحة من سبت، فلم يبق في أرضهم عود أخضر إلا أكله، فصاحوا ودعا موسى فأرسل الله عليه ريحا حارة فأحرقته وألقته في البحر.
وقرأ الحسن «والقمل» بفتح القاف وسكون الميم- وهو المعروف- وعن سعد بن جبير كان إلى جنبهم كثيب أعفر فضربه موسى بعصاه فصار قملا، فأخذت في أبشارهم وأشعارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم، فصرخوا وفزعوا إلى موسى، فدعا، فرفع الله عنهم القمل وقالوا:
قد تيقّنا اليوم أنك ساحر حيث جعلت الرمل دواب، وعزة فرعون لا نؤمن بك أبدا وَأقاموا شهرا في عافية، فأرسل الله تعالى عليهم الضَّفادِعَ فخرج من البحر مثل الليل الدامس، ووقع في الثياب والأطعمة فكان الرجل منهم يستيقظ وعلى رأسه ذراع من الضفادع، فصرخوا إلى موسى وحلفوا لئن رفعت عنا هذا العذاب لنؤمن بك، فدعا الله تعالى، فأمات الضفادع، وأرسل