بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم بالكفر وإخراج رسول الله ﷺ من مكة ومنع المؤمنين عن البيت الحرام وَلا يَزالُونَ أي أهل مكة الكفرة يُقاتِلُونَكُمْ أيها المؤمنون حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ أي كي يردوكم عن دينكم الحق إلى دينهم الباطل إِنِ اسْتَطاعُوا وهذا استبعاد لاستطاعتهم وإشارة إلى ثبات المسلمين في دينهم وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ بأن لم يرجع إلى الإسلام فَأُولئِكَ المصرون على لارتداد إلى حين الموت حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ الحسنة التي عملوها في حالة الإسلام فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فحبوط الأعمال في الدنيا هو أنه يقتل عند الظفر به ويقاتل إلى أن يظفر به ولا يستحق من المؤمنين نصرا ولا ثناء حسنا وتبين زوجته منه ولا يستحق الميراث من كل أحد. وحبوط أعمالهم في الآخرة أن الردة تبطل استحقاقهم للثواب الذي استحقوه بأعمالهم السالفة أما لو رجع المرتد إلى الإسلام عادت أعماله الصالحة مجردة عن الثواب فلا يكلف بإعادتها وهذا هو المعتمد في مذهب الشافعي وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ أي ملازموها هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢١٧) أي مقيمون لا يخرجون ولا يموتون.
وروي أن عبد الله بن جحش قال: يا رسول الله هب أنه لا عقاب علينا فيما فعلنا فهل نطمع منه أجرا وثوابا؟ فنزلت هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
بالله ورسوله وَالَّذِينَ هاجَرُوا أي فارقوا أوطانهم وعشائرهم من مكة إلى المدينة وَجاهَدُوا أي بذلوا جهدهم في قتل العدو كقتل عمرو بن الحضرمي الكافر فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي لإعلاء دين الله أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ أي يطمعون في ثواب الله أو ينالون جنة الله وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨) فيحقق لهم رجاءهم إذا ماتوا على الإيمان والعمل الصالح. يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ أي عن تناولهما قُلْ فِيهِما أي في تعاطيهما إِثْمٌ كَبِيرٌ أي عظيم بعد التحريم لما يحصل بسببهما من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش وإتلاف للأموال ولأن الخمر مسلبة للعقول التي هي قطب الدين والدنيا. وقرأ حمزة والكسائي كثير بالثاء المثلثة وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ قبل التحريم بالتجارة فيها وباللذة والفرح وتصفية اللون وحمل البخيل على الكرم وزوال الهمّ وهضم الطعام، وتقوية الباءة وتشجيع الجبان في شرب الخمر، وإصابة المال بلا كد في القمار، أي المغالبة بأخذ المال في أنواع اللعب وَإِثْمُهُما بعد التحريم أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما قبل التحريم. وقرئ أقرب من نفعهما.
قال المفسرون: نزلت في الخمر أربع آيات نزل بمكة قوله تعالى: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً [النحل: ٦٧] وكان المسلمون يشربونها وهي حلال لهم ثم إن عمر ومعاذا ونفرا من الصحابة منهم سيدنا حمزة بن عبد المطلب وبعض الأنصار قالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر والميسر فإنهما مذهبة للعقل مسلبة للمال فنزل فيهما قوله تعالى: قُلْ
стр. 72
فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ
فشربها قوم وتركها آخرون ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناسا منهم فشربوا وسكروا فقام بعضهم يصلي إماما فقرأ: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون بحذف لا، فنزلت: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى فقلّ من شربها، ثم اجتمع قوم من الأنصار وفيهم سعد بن أبي وقاص فلما سكروا وافتخروا وتناشدوا الأشعار حتى أنشد سعد شعرا فيه هجاء للأنصار فضربه أنصاري بلحى بعير فشجه شجة موضحة فشكا إلى رسول الله ﷺ فقال عمر:
اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزل: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إلى قوله فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: ٩٠] . فقال عمر: انتهينا يا رب. وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ أي أيّ قدر
ينفقونه نزلت هذه الآية في شأن عمرو بن الجموح سأل النبي ﷺ ماذا نتصدق من أموالنا؟ وقيل: السائل معاذ بن جبل وثعلبة. وقال الرازي: كان الناس لما رأوا الله ورسوله يحضان على الإنفاق ويدلان على عظيم ثوابه سألوا عن مقدار ما كلفوا به هل هو كل المال أو بعضه؟ فأعلمهم الله تعالى أن العفو أي الفاضل عن الكفاية مقبول قُلِ الْعَفْوَ أي ما سهل مما يكون فاضلا عن حاجة الإنسان في نفسه وعياله ومن تلزمه مؤونتهم كَذلِكَ أي كما بيّن الله لكم قدر المنفق وحكم الخمر والميسر بأن فيهما منافع في الدنيا ومضار في الآخرة يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ الدالة على الأحكام الشرعية لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيا أنها فانية وَالْآخِرَةِ أنها باقية، فإذا تفكرتم في أحوال الدنيا والآخرة علمتم أنه لا بدّ من ترجيح الآخرة على الدنيا وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى كان أهل الجاهلية قد اعتادوا الانتفاع بأموال اليتامى وربما تزوجوا باليتيمة طمعا في مالها ثم إن الله تعالى أنزل قوله: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً [النساء: ١٠] وقوله: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[الأنعام: ١٥٢] فعند ذلك ترك القوم مخالطة اليتامى والمقاربة من أموالهم والقيام بأمورهم فاختلّت مصالح اليتامى وساءت معيشتهم فثقل ذلك على الناس فقال عبد الله ابن رواحة، وقيل: ثابت بن رفاعة الأنصاري: يا رسول الله ما لكلنا منازل تسكنها الأيتام، ولا كلنا يجد طعاما وشرابا يردهما لليتيم فهل يجوز مخالطة اليتامى بالطعام والشراب والمسكن أم لا؟ فنزلت هذه الآية: قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ أي قل يا أشرف الخلق إصلاح أموالهم من غير أخذ أجرة خير لكم من ترك مخالطتهم وأعظم أجرا لكم وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ أي وإن تخالطوهم بما لا يتضمن إفساد أموالهم فذلك جائز لأنهم إخوانكم في الدين وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ أي يعرف المفسد لأموالهم بالمخالطة من المصلح لها وقيل: يعلم ضمائر من أراد الإفساد والطمع في أموالهم بالنكاح ممن أراد الإصلاح وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ أي لكلفكم ما يشتد عليكم أو لضيق الأمر عليكم في مخالطتهم إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ أي غالب على أمره قوي بالنقمة لمفسد مال اليتيم حَكِيمٌ (٢٢٠) يحكم بما تقتضيه الحكمة الداعية إلى بناء التكليف على أساس طاقة البشر
وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ أي
стр. 73
ولا تتزوجوا المشركات بالله إلى أن يؤمن بالله بأن يقررن بالشهادة ويلتزمن أحكام الإسلام هذا مقصور على غير الكتابيات لما
روي عن جابر بن عبيد الله عن رسول الله ﷺ أنه قال: «نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا»
«١» .
وروى عبد الرحمن بن عوف أنه ﷺ قال في حق المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم»
«٢» . وسبب نزول هذه الآية ما
روي أن النبيّ ﷺ بعث مرثد بن أبي مرثد الغنوي إلى مكة ليخرج منها ناسا من المسلمين سرا، فعند قدومه جاءته امرأة مشركة اسمها عناق فالتمست الخلوة فقال: ويحك إن الإسلام حال بيني وبينك! فقالت: هل لك أن تتزوج بي؟ فقال: نعم، ثم وعدها أن يأذن الرسول ﷺ فلما انصرف إلى رسول الله ﷺ عرفه ما جرى في أمر عناق وسأله هل يحل له التزوج بها فأنزل الله تعالى هذه الآية: وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ
أي لنكاح أمة مؤمنة خير من نكاح مشركة ولو أعجبتكم تلك المشركة بحسنها أو بمالها أو بحريتها أو بنسبها.
قال السدي: نزلت هذه الآية في حق عبد الله بن رواحة، كان له أمة فأعتقها وتزوج بها فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا: أتنكح أمة!؟ وعرضوا عليه حرة مشركة فأنزل الله تعالى تلك الآية. وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا أي ولا تزوجوا الكفار ولو كانوا أهل كتاب المؤمنات حتى يؤمنوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ أي تزويجكم لعبد مؤمن خير من تزويجكم لمشرك وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ذلك المشرك لماله وجماله وقوته وحريته أُولئِكَ المشركات والمشركون يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ أي إلى ما يؤدي إلى النار فإن الزوجية مظنة المحبة وذلك يوجب الموافقة في الأغراض وربما يؤدي ذلك إلى انتقال الدين بسبب موافقة المحبوب وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بتبيان هذه الأحكام من الإباحة والتحريم فإن من تمسك بها استحق الجنة والمغفرة بِإِذْنِهِ أي بتيسيره تعالى وتوفيقه للعمل الذي يستحق به الجنة والمغفرة. وقرأ الحسن «والمغفرة بإذنه» بالرفع أي والمغفرة حاصلة بتيسير الله تعالى. وَيُبَيِّنُ آياتِهِ أي أمره ونهيه في التزويج والتزويج لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١) قبح المنهي عنه وحسن المدعو إليه.
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ أي الحيض والسائل عن ذلك ثابت الدحداح الأنصاري، وقيل:
عباد بن بشر وأسيد بن الحضير، لأن أهل الجاهلية كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها، ولم يجالسوها على فرش ولم يساكنوها في بيت كفعل اليهود والمجوس. وأما
стр. 74
النصارى كانوا يجامعونهن ولا يبالون بالحيض. قُلْ يا أشرف الخلق: هُوَ أي الحيض أَذىً أي قذر الرائحة المنكرة التي فيه واللون الفاسد وللحدة القوية التي فيه كما
قال ﷺ : «دم الحيض هو الأسود المحتدم»
«١» أي المحترق من شدة حرارته فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ أي في موضع الحيض وَلا تَقْرَبُوهُنَّ أي لا تجامعوهن حَتَّى يَطْهُرْنَ وهذا تأكيد لحكم الاعتزال.
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص، ويعقوب الحضرمي «حتى يطهرن» بسكون الطاء وضم الهاء بمعنى: حتى يزول عنهن الدم. وقرأ شعبة وحمزة والكسائي بتشديد الطاء والهاء بمعنى يغتسلن فَإِذا تَطَهَّرْنَ أي اغتسلن أو تيممن عند تعذر استعمال الماء فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أي فجامعوهن في موضع أمركم الله به وهو القبل.
وقال الأصم والزجاج: أي فأتوهن من حيث يحل لكم غشيانهن وذلك بأن لا يكنّ صائمات ولا معتكفات ولا محرمات بالنسك، وفهم من هذا الشرط أنه يشترط بعد انقطاع الحيض الاغتسال لأنه قد صار المجموع غاية وذلك بمنزلة قولك: لا تكلم فلانا حتى يدخل الدار فإذا طابت نفسه بعد الدخول فكلمه فإنه يجب أن يتعلق إباحة كلامك بالأمرين جميعا، واتفق مالك والأوزاعي والثوري والشافعي: أنه إذا انقطع حيض المرأة لا يحل للزوج مجامعتها إلا بعد أن تغتسل من الحيض، والمشهور عن أبي حنيفة: أنها إن رأت الطهر دون عشرة أيام لم يقربها زوجها، وإن رأته لعشرة أيام جاز أن يقربها قبل الاغتسال. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ بالندم على ما مضى من الذنب والترك في الحاضر والعزم على أن لا يفعل مثله في المستقبل وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) أي المتنزهين عن المعاصي من إتيان النساء في زمان الحيض والإتيان في الأدبار. وقيل: يحب المستنجين بالماء نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ أي فروج نسائكم مزرعة لأولادكم فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أي مزرعتكم أَنَّى شِئْتُمْ أي من أيّ جهة شئتم، أي فالمراد من هذه الآية أن الرجل مخيّر بين أن يأتي زوجته من قبلها في قبلها وبين أن يأتيها من دبرها في قبلها لأن سبب نزول هذه الآية ما
روي أن اليهود قالوا: من جامع امرأته في قبلها من دبرها كان ولدها أحول مخبلا، وزعموا أن ذلك في التوراة فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «كذبت اليهود»
«٢» .
وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ من الأعمال الصالحة كالتسمية عند الجماع وطلب الولد.
روي أن النبيّ ﷺ قال: «من قال بسم الله عند الجماع فأتاه ولد فله حسنات بعدد أنفاس ذلك الولد وعدد عقبه إلى
стр. 75
يوم القيامة»
«١» . أي قدّموا ما يدخر لكم من الثواب ولا تكونوا في قيد قضاء الشهوة وَاتَّقُوا اللَّهَ في أدبار النساء ومجامعتهن في الحيض وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ أي الله بالبعث فتزودوا ما تنتفعون به فإنه تعالى يجزيكم بأعمالكم وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣) خاصة بالثواب والكرامة وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ أي ولا تجعلوا ذكر الله مانعا بسبب إيمانكم من أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس.
قال ابن عباس: ارجعوا إلى ما هو خير لكم وكفّروا يمينكم. نزلت هذه الآية في شأن عبد الله ابن رواحة فإنه حلف بالله أن لا يحسن إلى أخته وختنه- أي زوج أخته بشير بن النعمان- ولا يكلمهما ولا يصلح بينهما فكان إذا قيل له في الصلح يقول: قد حلفت بالله أن لا أفعل فلا يحل لي أن لا أبرّ في يميني. وَاللَّهُ سَمِيعٌ بيمينكم بترك الإحسان عَلِيمٌ (٢٢٤) بنياتكم وبكفارة اليمين لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ قال الشافعي ﵁: إن اللغو قول العرب لا والله، وبلى والله في الشراء والبيع وغير ذلك مما يؤكدون به كلامهم ولا يخطر ببالهم الحلف، ولو قيل لواحد منهم: سمعتك اليوم تحلف في المسجد الحرام ألف مرة لأنكر ذلك، ولعله قال: لا والله ألف مرة.
وقال أبو حنيفة: إن اللغو هو أن يحلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن، فالشافعي لا يوجب الكفارة في المسألة الأولى ويوجبها في الثانية. وأبو حنيفة يحكم بالضد من ذلك. وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ أي قصدته من الإيمان بجد وربطت به فحنثتم فإذا حلف على شيء بالجد في أنه كان حاصلا ثم ظهر أنه لم يحصل فقد قصد بذلك اليمين تصديق قول نفسه وربط قلبه بذلك فلم يكن ذلك لغوا بل كان حاصلا بكسب القلب وَاللَّهُ غَفُورٌ حيث لم يؤاخذكم باللغو مع كونه ناشئا من عدم الاحتياط حَلِيمٌ (٢٢٥) حيث لم يعجل بالمؤاخذة على يمين الجد لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أي للذين يحلفون أن لا يجامعوهن مطلقا أو مدة تزيد على أربعة أشهر انتظارا أربعة أشهر فَإِنْ فاؤُ أي رجعوا عن اليمين بالحنث بأن جامعوا قبل أربعة أشهر فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ليمينهم إن تابوا بفعل الكفارة رَحِيمٌ (٢٢٦) حيث بين كفارتهم وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ أي إن حققوا الطلاق وبروا يمينهم فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ليمينهم عَلِيمٌ (٢٢٧) بعزمهم فليس لهم بعد التربص إلا الفيئة أو الطلاق. فإن بر المولى يمينه وترك مجامعة امرأته حتى تجاوز أربعة أشهر بانت منه امرأته بتطليقة واحدة، وإن جامعها قبل ذلك فعليه كفارة اليمين كما قاله ابن عباس وَالْمُطَلَّقاتُ أي ذوات الأقراء من الحرائر المدخول
стр. 76
بهن يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ في العدة ثَلاثَةَ قُرُوءٍ فلا تتوقف العدة على ضرب قاض وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ من الحبل والحيض معا وذلك لأن المرأة لها أغراض كثيرة في كتمانهما، فإذا كتمت الحبل قصرت مدة عدتها فتزوج بسرعة وربما كرهت مراجعة الزوج وأحبت التزوج بزوج آخر، أو أحبت أن يلتحق ولدها بالزوج الثاني، فلهذه الأغراض تكتم الحبل. وإذا كتمت الحيض فقد تحب تطويل عدتها لكي يراجعها الزوج الأول وقد تحب تقصير عدتها لتبطل رجعته ولا يتم لها ذلك إلا بكتمان بعض الحيض في بعض الأوقات. إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فلا يجترئن على ذلك الكتمان وهذا الشرط للتغليظ حتى لو لم يكن مؤمنات كان عليهن العدة أيضا وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ أي أزواج المطلقات أحق برجعتهن في مدة ذلك التربص إِنْ أَرادُوا أي البعولة بالرجعة أَصْلَحا والسبب في هذه الآية أن في الجاهلية كانوا يراجعون المطلقات، ويريدون بذلك الإضرار بهن ليطلقوهن بعد الرجعة حتى تحتاج المرأة إلى أن تعتد عدة حادثة فنهوا عن ذلك. وَلَهُنَّ عليهم من الحقوق مِثْلُ الَّذِي لهم عَلَيْهِنَّ من الحقوق بِالْمَعْرُوفِ شرعا في حسن المعاشرة وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ أي فضيلة في الحق لأن حقوقهم عليهن في أنفسهن وحقوقهن عليهم في المهر والنفقة وَاللَّهُ عَزِيزٌ يقدر على الانتقام ممن يخالف أحكامه حَكِيمٌ (٢٢٨) فيما حكم بين الزوجين الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ أي ذلك الطلاق الذي حكمنا فيه بثبوت الرجعة للزوج هو أن يوجد مرتان فالواجب بعد هاتين المرتين إما إمساك بمعروف أي رجعة بحسن عشرة ولطف معاملة لا على قصد إضرار، أو تسريح أي إرسال بترك المراجعة حتى تنقضي العدة وتحصل البينونة بإحسان أي بغير ذكر سوء بعد المفارقة وبأداء جميع حقوقها المالية، وهذه الآية متناولة لجميع الأحوال لأن الزوج بعد الطلقة الثانية إما أن يراجعها وهو المراد بقوله تعالى: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ. أو يتركها حتى تبين بانقضاء العدة وهو المراد بقوله تعالى: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ. أو يطلقها ثالثة وهو المراد بقوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ فكانت الآية مشتملة على بيان كل الأقسام ولو جعلنا التسريح طلقة ثالثة لكان قوله تعالى: فإن طلقها طلقة رابعة، فإنه غير جائز وسبب نزول هذه الآية: أن امرأة شكت إلى عائشة ﵂ بأن زوجها يطلقها ويراجعها كثيرا وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً أي ومن جملة الإحسان أنه إذا طلقها لا يأخذ منها شيئا من الذي أعطاها من المهر والثياب وسائر ما تفضل به عليها لأنه استمتع بها في مقابلة ما أعطاها إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ أي أن لا يراعيا مواجب أحكام الزوجة.
وقرأ حمزة «يخافا» بضم الياء فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ أي فلا حرج على الزوج في أخذ ما افتدت الزوجة به نفسها من المال ليطلقها، ولا عليها في إعطائه إياه بطيبة نفسها. نزلت هذه الآية في شأن ثابت بن قيس بن شماس، وفي شأن جميلة بنت عبد الله ابن
стр. 77
أبي اشترت نفسها من زوجها بمهرها.
قال رسول الله ﷺ لثابت: «خذ منها ما أعطيتها وخل سبيلها»
«١» . ففعل فكان ذلك أول خلع في الإسلام. وفي سنن أبي داود أن المرأة كانت حفصة بنت سهل الأنصارية.
تنبيه: يجوز أن يكون أول الآية وهو قوله تعالى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا خطابا للأزواج وآخرها. وهو قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ خطابا للأئمة والحكام، وذلك غير غريب في القرآن. ويجوز أن يكون الخطاب كله للأئمة والحكام لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإعطاء عند الترافع إليهم فكأنهم هم الآخذون والمؤتون، ثم الخوف المذكور في هذه الآية يمكن حمله على الخوف المعروف وهو الإشفاق مما يكره وقوعه، ويمكن حمله على الظن كما قرئ قراءة شاذة «إلا أن يظنوا» . والخوف إما أن يكون من قبل المرأة فقط أو من قبل الزوج فقط أو من قبلهما معا، أو لا يحصل الخوف من قبل واحد منهما فإن كان الخوف من قبل المرأة بأن تكون ناشزة مبغضة للزوج فيحل له أخذ المال منها، وإن كان من قبل الزوج فقط بأن يضربها ويؤذيها حتى تلتزم الفداء فهذا المال حرام كما كان الخوف حاصلا من قبلهما معا فذلك المال حرام أيضا وإن لم يحصل الخوف من قبل واحد منهما. فقال أكثر المجتهدين: إن هذا الخلع جائز والمال المأخوذ حلال. وقال قوم: إنه حرام تِلْكَ أي ما تقدم ذكره من أحكام الطلاق والرجعة والخلع حُدُودَ اللَّهِ أي أحكام الله بين المرأة والزوج فَلا تَعْتَدُوها أي فلا تتجاوزوا عنها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ أي ومن يتجاوز أحكام الله إلى ما نهى الله عنه له فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) أي الضارون لأنفسهم بتعريضها لسخط الله تعالى وعقابه فَإِنْ طَلَّقَها بعد الطلقتين فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ أي من بعد التطليقة الثالثة حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ أي المطلق مذهب جمهور المجتهدين أن المطلقة بالثلاث لا تحل لذلك الزوج إلا بخمس شرائط تعتد منه وتعقد للثاني ويطؤها ثم يطلقها ثم تعتد منه.
وقال سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب: تحل بمجرد العقد.
روي أن تميمة بنت عبد الرحمن القرظي كانت تحت رفاعة بن وهب بن عتيك القرظي فطلقها ثلاثا، فتزوجت بعبد الرحمن بن الزبير القرظي- بفتح الزاي وكسر الباء- فأتت النبيّ ﷺ وقالت: كنت تحت رفاعة فطلقني فبت طلاقي فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإن ما معه مثل هدبة الثوب، وإنه أراد أن يطلقني قبل أن يمسني، أفأرجع إلى ابن عمي؟ فتبسم رسول الله ﷺ فقال: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة!؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك»
«٢» . و «العسيلة» مجاز عن قليل
стр. 78
الجماع، إذ يكفي قليل انتشار. وفي قصة عبد الرحمن بن الزبير نزل قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ والحكمة في التحليل الردع عن المسارعة إلى الطلاق والعودة إلى المطلقة ثلاثا فَإِنْ طَلَّقَها أي طلق الزوج الثاني المطلقة ثلاثا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أي المرأة والزوج الأول أَنْ يَتَراجَعا بنكاح جديد ومهر إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ أي أحكام الله فيما بين المرأة والزوج وَتِلْكَ أي الأحكام حُدُودَ اللَّهِ أي فرائض الله يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) أنه من الله ويصدقون بذلك
وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ أي آخر عدتهن ولم تنقض فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أي فراجعوهن بغير ضرار بل بحسن الصحبة والمعاشرة أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أي أو خلوهن حتى ينقضي أجلهن بغير تطويل وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً أي لا تراجعوهن بسوء العشرة وتضييق النفقة لِتَعْتَدُوا أي لتظلموهن بالإلجاء إلى الافتداء ولتطيلوا عليهن العدة. نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار- يدعى ثابت بن يسار- طلق امرأته حتى إذا قرب انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها بقصد مضارتها حتى تبقى في العدة تسعة أشهر أو أكثر وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ أي الإمساك المؤدي إلى الظلم فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ أي أضر بنفسه بتعريضها إلى عذاب الله وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ أي أمر الله ونهيه هُزُواً بأن تعرضوا عنها وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ حيث هداكم إلى ما فيه سعادتكم الدينية والدنيوية، أي فاشكروها واحفظوها. وَما أَنْزَلَ الله عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ أي القرآن وَالْحِكْمَةِ أي السنة يَعِظُكُمْ بِهِ أي يأمركم وينهاكم بما أنزل عليكم وَاتَّقُوا اللَّهَ في أوامره كلها ولا تخالفوه في نواهيه وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) فلا يخفى عليه شيء مما تأتون وتذرون وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ والخطاب إما للأزواج والمعنى حينئذ: وإذا طلقتم النساء فانقضت عدتهن فلا تمنعوهن من أن ينكحن من يريدون أن يتزوجوهن فإن الأزواج قد يعضلون مطلقاتهم أن يتزوجن ظلما، وإما للأولياء فنسبة الطلاق إليهم باعتبار تسببهم فيه كما يقع كثيرا أن الولي يطلب من الزوج طلاقها. والمعنى حينئذ وإذا خلصتم النساء من أزواجهن بتطليقهن فانقضت عدتهن فلا تمنعوهن من أن ينكحن الرجال الذين كانوا أزواجا لهن.
روي أن معقل بن يسار زوج أخته جميلة عبد الله بن عاصم فطلقها وتركها حتى انقضت
стр. 79
عدتها، ثم ندم، فجاء يخطبها لنفسه ورضيت المرأة بذلك، فقال لها معقل: إنه طلقك ثم تريدين مراجعته! وجهي من وجهك حرام إن راجعتيه. فأنزل الله تعالى هذه الآية فدعا رسول الله ﷺ معقلا وتلا عليه هذه الآية فقال معقل: رغم أنفي لأمر ربي اللهم رضيت وسلمت لأمرك، ثم أنكح أخته زوجها الأول عبد الله بن عاصم إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ أي بأن يرضى كل واحد منهما ما لزمه في هذا العقد لصاحبه بِالْمَعْرُوفِ أي بالجميل عند الشرع المستحسن عند الناس ذلِكَ أي تفصيل الأحكام يُوعَظُ بِهِ أي يأمر به مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ لأنه المتعظ ذلِكُمْ أي العمل بالوعظ أَزْكى لَكُمْ أي أصلح وأنفع لكم وَأَطْهَرُ للقلوب من العداوة والتهمة بسبب المحبة بينهما وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فيه صلاح أموركم وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢٣٢) ذلك فدعوا رأيكم. وَالْوالِداتُ ولو مطلقات يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ من الأبوين وليس فيما دون ذلك حد وإنما هو على مقدار إصلاح المولود وما يعيش به وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ أي على الأب رِزْقُهُنَّ أي نفقتهن وَكِسْوَتُهُنَّ لأجل الإرضاع إذا كن مطلقات من الأب طلاقا بائنا لعدم بقاء علقة النكاح الموجبة لذلك فلو لم ترضعهم الوالدات لم يجب فإن كن زوجات أو رجعيات فالرزق والكسوة لحق الزوجية ولهن أجرة الرضاع إن امتنعن منه وطلبن ما ذكر بِالْمَعْرُوفِ أي بغير إسراف وتقتير لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ بالنفقة على الرضاع إِلَّا وُسْعَها أي إلا بقدر ما أعطاها الله من المال لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها أي بأخذ ولدها منها بعد ما رضيت بما أعطى غيرها على الرضاع مع شدة محبتها له وَلا مَوْلُودٌ لَهُ أي لا يضار أب بِوَلَدِهِ بطرح الولد عليه بعد ما عرف أمه، ولا يقبل ثدي غيرها مع أن الأب لا يمتنع عليها من الرزق والكسوة وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ أي على الصبي نفسه الذي هو وارث أبيه المتوفى مثل ما على الأب من النفقة والكسوة، فإنه إن كان له مال وجب أجر الرضاعة في ماله، وإن لم يكن له مال أجبرت أمه على الرضاعة ولا يجبر على نفقة الصبي إلا الولدان وهو قول مالك والشافعي. وقيل: المراد من الوارث الباقي من الأبوين أخذا من
قوله ﷺ : «اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا واجعلهما الوارث منا»
«١» فَإِنْ أَرادا أي الوالدان فِصالًا أي فطام الصبي عن اللبن قبل تمام الحولين عَنْ تَراضٍ أي باتفاق مِنْهُما لا من أحدهما فقط وَتَشاوُرٍ أي تدقيق النظر فيما يصلح الولد فَلا جُناحَ عَلَيْهِما
стр. 80
في ذلك وكما يجوز عن النقص عن الحولين عند اتفاق الأبوين عليه كذلك تجوز الزيادة عليهما فاتفاقهما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ أي إن أردتم أن تطلبوا مراضع لأولادكم فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ في الاسترضاع إِذا سَلَّمْتُمْ إلى المراضع ما آتَيْتُمْ أي ما آتيتموهن إياه، أي ما أردتم إيتاءه لهن من الأجرة.
وقرأ ابن كثير وحده ما أتيتم مقصورة الألف أي «ما أتيتم» به أي ما أردتم إتيانه بِالْمَعْرُوفِ أي بالموافقة وليس تسليم الأجرة شرطا لصحة الإجارة بل لتكون المرضعة طيبة النفس راضية فيصير ذلك سببا لصلاح حال الصبي وللاحتياط في مصالحه وَاتَّقُوا اللَّهَ في الضرار والمخالفة وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣) فيجازيكم على ذلك وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً أي والذين تقبض أرواحهم من رجالكم ويتركون أزواجا ينتظرن بعدهم بأنفسهن في العدة أربعة أشهر وعشرة أيام. وهذه العدة سببها الوفاة عند الأكثرين لا العلم بالوفاة كما قال به بعضهم، فلو انقضت المدة أو أكثرها ثم بلغ المرأة خبر وفاة زوجها وجب أن تعتد بما انقضى والدليل على ذلك أن الصغيرة التي لا علم لها يكفي في انقضاء عدتها انقضاء هذه المدة فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ أي انقضت عدتهن فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ يا أولياء الميت في تركهن فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ من التزين وغيره من كل ما حرم عليهن في زمن العدة لأجل وجوب الإحداد عليهن بِالْمَعْرُوفِ أي بما يحسن عقلا وشرعا. وقيل: المخاطب بهذا الخطاب جميع المسلمين، وذلك لأنهن إن تزوجن في مدة العدة وجب على كل واحد منعهن عن ذلك إن قدر على المنع، فإن عجز
وجب عليه أن يستعين بالسلطان وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ من الخير والشر خَبِيرٌ (٢٣٤) فيجازيكم عليه وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ أي ولا حرج عليكم فيما طلبتم النكاح من النساء المعتدات للوفاة وللطلاق الثلاث بطريق التعريض، وهو ذكر كلام محتمل مؤكد بدلالة الحال على المقصود كأن يقول: إن جمع الله بيننا بالحلال يعجبني ذلك أو فيما أضمرتم في قلوبكم من قصد نكاحهن عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً أي إنما أباح لكم التعريض لعلمه بأنكم لا تصبرون على السكوت عنهن لأن شهوة النفس إذا حصلت في باب النكاح لا يكاد يخلو ذلك المشتهى من العزم والتمني، وبأنه لا بدّ من كونكم ستذكرونهن بالخطبة فاذكروهن ولكن لا تواعدون بذكر الجماع وهو كما قال ابن عباس بأن لا يصف الخاطب نفسه لها بكثرة الجماع كأن يقول لها: آتيك الأربعة والخمسة إلا أن تساررونهن بالقول غير المنكر شرعا كأن يعدها الخاطب في السر بالإحسان إليها، والاهتمام بشأنها، والتكفل بمصالحها حتى يصير ذكر هذه الأشياء الجميلة مؤكدا لذلك التعريض وَلا تَعْزِمُوا أي لا تحققوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ أي حتى تبلغ العدة المفروضة آخرها وصارت منقضية وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي
стр. 81
أَنْفُسِكُمْ
من العزم على ما نهيتم عنه فَاحْذَرُوهُ بالاجتناب عن العزم على ذلك وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لمن يقلع عن عزمه خشية منه تعالى حَلِيمٌ (٢٣٥) لا يعاجلكم بالعقوبة عن ذنوبكم لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً.
وقرأ حمزة والكسائي «تماسوهن» بضم التاء وبالألف بعد الميم، أي لا ثقل عليكم بلزوم المهر إن طلقتم النساء ما لم تجامعوهن أو ما لم تبينوا لهن مهرا فلا تعطوهن المهر. وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) أي أعطوهن متعة الطلاق جبرا لا يحاش الطلاق على الغني قدر ماله وإمكانه وعلى ضيق الرزق قدر ماله وطاقته تمتيعا بالوجه الذي تستحسنه الشريعة والمروءة واجبا على المؤمنين الذين يحسنون إلى أنفسهم بالمسارعة إلى طاعة الله تعالى، لأن المتعة بدل المهر. نزلت هذه الآية في شأن رجل من الأنصار تزوج امرأة ولم يسم لها صداقا ثم طلقها قبل أن يمسها
فقال له النبي ﷺ : «أمتعها» . قال: لم يكن عندي شيء، قال:
«متعها بقلنسوتك»
«١» . وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ أي تجامعوهن وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً أي وقد بينتم مهورهن فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ أي فنصف ما بينتم ساقط إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ إلا أن تسهل الزوجات بإبراء حقها فيسقط كل المهر أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ أي أو يسهل الزوج ببعث كل الصداق فيثبت الكل إليها. وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى أي عفو بعضكم أيها الرجال والنساء أقرب للألفة وطيب النفس من عدم العفو الذي فيه التنصيف.
وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ أي ولا تتركوا أن يتفضل بعضهم على بعض بأن يسلم الزوج المهر إليها بالكلية، أو تترك المرأة المهر بالكلية إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ من الفضل والإحسان بَصِيرٌ (٢٣٧) لا يضيع فضلكم وإحسانكم بل يجازيكم عليه. حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ الخمس بأدائها في أوقاتها كاملة الأركان والشروط. وهذه المحافظة تكون بين العبد والرب كأنه قيل له:
احفظ الصلاة ليحفظك الإله الذي أمرك بالصلاة وتكون بين المصلي والصلاة فكأنه قيل: احفظ الصلاة حتى تحفظك الصلاة. وَالصَّلاةِ الْوُسْطى أي الفضلى. قيل: هي صلاة الصبح، وهو قول علي وعمر، وابن عباس وجابر، وأبي أمامة والباهلي- وهم من الصحابة- وطاوس وعطاء وعكرمة ومجاهد- وهم من التابعين- وهو مذهب الشافعي. فإن أولها يقع في الظلام فأشبهت صلاة الليل، وآخرها يقع في الضوء فأشبهت صلاة النهار. ولأنها منفردة في وقت واحد لا تجمع مع غيرها، ولأنها مشهودة لأنها تؤدي بحضرة ملائكة الليل وملائكة النهار وقيل: هي صلاة العصر وهو مروي عن علي وابن مسعود، وابن عباس وأبي هريرة فإنها متوسطة بين صلاة شفع وصلاة وتر، ولأن وقت صلاة العصر أخفى الأوقات فلا يظهر دخول وقتها إلا بنظر دقيق وتأمل عظيم في حال الظل، فلما كانت معرفته أشق كانت الفضيلة فيها أكثر.
стр. 82
وقال بعض الفقهاء: العصر وسط ولكن ليس هي المذكورة في القرآن، فههنا صلاتان وسطيان الصبح والعصر، أحدهما ثبتت بالقرآن والأخرى بالسنة، كما أن الحرم حرمان حرم مكة بالقرآن، وحرم المدينة بالسنة. واختار جمع من العلماء أنها إحدى الصلوات الخمس لا بعينها فأبهمها الله تعالى تحريضا للعباد في المحافظة على أداء جميعها، كما أخفى ليلة القدر في شهر رمضان وأخفى ساعة إجابة الدعوة في يوم الجمعة، وأخفى اسمه الأعظم في جميع الأسماء ليحافظوا على جميعها، وأخفى وقت الموت في الأوقات ليكون المكلف خائفا من الموت في كل الأوقات فيكون آتيا بالتوبة في كل الأوقات. وَقُومُوا لِلَّهِ في الصلاة قانِتِينَ (٢٣٨) أي ذاكرين داعين مواظبين على خدمة الله تعالى فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً أي فإن خفتم من عدو وغيره فصلوا مشاة على أرجلكم بالإيماء في الركوع والسجود، أو راكبين على الدواب حيثما توجهتم. والخوف الذي يفيد هذه الرخصة، إما أن يكون في القتال أو في غير القتال. فالخوف في القتال: إما أن يكون في قتال واجب أو مباح فالقتال الواجب هو كالقتال مع الكفار وهو الأصل في صلاة الخوف ويلتحق به قتال أهل البغي. وكما إذا قصد الكافر نفسه فإنه يجب الدفع عنه لئلا يكون إخلالا بحق الإسلام. وقد جوّز الشافعي أداء الصلاة حال المسايفة. والقتال المباح: هو أن يدفع الإنسان عن نفسه وعن كل حيوان محترم فيجوز في ذلك هذه الصلاة، أما إذا قصده إنسان بأخذ المال فالأصح أنه تجوز هذه الصلاة
لقوله ﷺ : «من قتل دون ماله فهو شهيد»
«١» فالدفع عن المال كالدفع عن النفس.
وقيل: لا تجوز لأن حرمة الروح أعظم، والخوف الحاصل في غير القتال كالهارب من الحرق والغرق والسبع، والمطالب بالدين إذا كان معسرا خائفا من الحبس عاجزا عن بينة الإعسار فلهم أن يصلوا هذه الصلاة. فَإِذا أَمِنْتُمْ بزوال الخوف الذي هو سبب الرخصة فَاذْكُرُوا اللَّهَ أي فافعلوا الصلاة كَما عَلَّمَكُمْ بقوله تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ لأن سبب الرخصة إذا زال عاد الوجوب فيه. والصلاة تسمى ذكرا كما في قوله تعالى: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة: ٩] ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩) قبل بعثة محمد ﷺ ف «ما» مفعول لعلمكم إن جعلت «ما» الأولى مصدرية، أما إن جعلت موصولة فما هذه بدل من الأولى أو من العائد المحذوف وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ
стр. 83
أي والذين يقربون من الوفاة من رجالكم ويتركون أزواجا، عليهم أن يوصوا وصية لزوجاتهم في أموالهم بثلاثة أشياء: النفقة، والكسوة، والسكنى، إلى تمام الحول من موتهم غير مخرجات من مسكنهن.
من التزين ومن الإقدام على النكاح.
أو المعنى لا جناح عليكم في ترك منعهن من الخروج، لأن مقامها حولا في بيت زوجها ليس بواجب عليها في الذي فعلن في أنفسهن من معروف من تزين وتشوف للتزويج وَاللَّهُ عَزِيزٌ أي غالب على أمره يعاقب من خالفه حَكِيمٌ (٢٤٠) يراعي في أحكامه مصالح عباده واختيار جمهور من المفسرين أن هذه الآية منسوخة، قالوا: كان الحكم في ابتداء الإسلام أنه إذا مات الرجل لم يكن لامرأته من ميراثه شيء إلا النفقة والسكنى سنة، ولكنها كانت مخيرة بين أن تعتد في بيت الزوج وأن تخرج منه قبل الحول، لكن متى خرجت نفقتها فهذه الوصية صارت مفسرة بالنفقة والكسوة والسكنى إلى الحول، فثبت أن هذه الآية توجب أمرين: النفقة والسكنى من مال الزوج سنة والاعتداد سنة، لأن وجوب السكنى والنفقة من مال الميت سنّة توجب المنع من التزويج بزوج آخر في هذه السنة، ثم إن الله تعالى نسخ هذين الحكمين وقد دل القرآن على ثبوت الميراث لها بتعيين الرابع أو الثمن، ودلت السنّة على أنه «لا وصية لوارث» فصار مجموع القرآن والسنّة ناسخا للوصية للزوجة بالنفقة والسكنى في الحول، ووجوب العدة في الحول منسوخ بقوله تعالى: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً [البقرة: ٢٣٤] .
وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ أي متعة بِالْمَعْرُوفِ أي بقدر حال الزوجين وما يليق بهما حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) قال الشافعي ﵀: لكل مطلقة متعة، إلا المطلقة التي فرض لها مهر ولم يوجد في حقها المسيس. روي أنه لما نزل قوله تعالى: وَمَتِّعُوهُنَّ إلى قوله تعالى: حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ قال رجل من المسلمين: إن أردت فعلت، وإن لم أرد لم أفعل. فقال تعالى: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ أي على كل من كان متقيا عن الكفر كَذلِكَ أي مثل ذلك البيان الواضح يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ هذا وعد من الله تعالى بأنه سيبين لعباده من الأحكام ما يحتاجون إليه معاشا ومعادا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢) أي لكي تفهموا ما فيها وتعلموا بموجبها ثم ذكر خبر غزاة بني إسرائيل فقال: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ
стр. 84
مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ أي لم يصل علمك إلى الذين خرجوا من منازلهم لقتال عدوهم وهم ثمانية آلاف أو أربعون ألفا- كل ذلك عن ابن عباس على اختلاف الرواة- فجبنوا عن القتال مخافة القتل فأماتهم الله مكانهم ثم أحياهم بعد ثمانية أيام.
قال ابن عباس ﵄: إن ملكا من ملوك بني إسرائيل أمر عسكره بالقتال فخافوا القتال وقالوا لملكهم: إن الأرض التي تذهب إليها فيها الوباء فنحن لا نذهب إليها حتى يزول ذلك الوباء، فأماتهم الله تعالى بأسرهم وبقوا ثمانية أيام حتى انتفخوا وبلغ بني إسرائيل موتهم فخرجوا لدفنهم، فعجزوا من كثرتهم فحظروا عليهم حظائر، فأحياهم الله بعد الثمانية، وبقي فيهم شيء من ذلك النتن وبقي ذلك في أولادهم إلى هذا اليوم إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ أي على أولئك القوم بسبب أنه أحياهم ومكّنهم من التوبة وعلى العرب الذين أنكروا المعاد الذين تمسكوا بقول اليهود في كثير من الأمور فيرجعون من الإنكار إلى الإقرار بالبعث بسبب إخبار اليهود لهم بهذه الواقعة. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) فضله تعالى كما ينبغي أما الكفار فلم يشكروا وأما المؤمنون فلم يبلغوا غاية شكره. وهذه القصة تدل على أن الحذر من الموت لا يفيد، فهذه القصة تشجع الإنسان على الإقدام على طاعة الله تعالى كيف كان وتزيل عن قلبه الخوف من الموت، فكان ذكر هذه القصة فضلا وإحسانا من الله تعالى على عبيده لأن ذكر هذه القصة سبب لبعد العبد عن المعصية وقربه من الطاعة. ثم قال الله لهم بعد ما أحياهم:
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي في طاعة الله مع عدوكم وسميت العبادات سبيلا إلى الله تعالى من حيث إن الإنسان يسلكها ويتوصل إلى الله بها، ومعلوم أن الجهاد تقوية للدين فكان طاعة فلا شك أن المجاهد مقاتل في سبيل الله. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لكلامكم في ترغيب الغير في الجهاد وفي تنفير الغير عنه عَلِيمٌ (٢٤٤) بما في صدوركم من البواعث والأغراض وأن ذلك الجهاد لغرض الدين أو لغرض الدنيا مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً.
قرأ أبو عمرو ونافع وحمزة والكسائي «فيضاعفه» بالألف والرفع. وقرأ عاصم «فيضاعفه» بالألف والنصب. وقرأ ابن كثير «فيضعفه» بالتشديد والرفع بلا ألف. وقرأ ابن عامر «فيضعفه» بالتشديد والنصب. والمعنى من ذا الذي يعامل الله بإنفاق ماله في طاعته سواء كان الإنفاق واجبا أو متطوعا به معاملة جامعة للحلال الذي لا يختلط بالحرام للخالص من المن والأذى، ولنية التقرب إلى الله تعالى لا لرياء وسمعة فيضاعف الله جزاءه له في الدنيا والآخرة أضعافا كثيرة لا يعلمها إلا الله تعالى. وقد
روي عنه ﷺ أنه قال: «من لم يكن عنده ما يتصدق به فليلعن اليهود فإنه له صدقة»
. ويروى أنه لما نزلت هذه الآية قالت اليهود: إن الله فقير ونحن أغنياء فهو يطلب منا القرض وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ أي يقبض الرزق عمن يشاء ولو أمسكه عن الإنفاق ويبسطه على من يشاء ولو أنفق منه كثيرا، أو المعنى والله يفيض بعض القلوب حتى لا تقدم على هذه الطاعة
стр. 85
ويبسط بعضها حتى يقدم على هذه الطاعة وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥) فلا مدبر ولا حاكم سواه.
قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في شأن أبي الدحداح- رجل من الأنصار- قال: يا رسول الله إن لي حديقتين، فإن تصدقت بإحداهما فهل لي مثلاها في الجنة؟ قال: «نعم» وأم الدحداح معي؟ قال: «نعم» . قال والصبية معي؟ قال: «نعم» . فتصدق بأفضل حديقتيه وكانت تسمى الجنينية فرجع أبو الدحداح إلى أهله وكانوا في الحديقة التي تصدق بها، فقام على باب الحديقة وذكر ذلك لامرأته أم الدحداح: بارك الله لك في ما اشتريت. فخرجوا منها وسلموها فكان ﷺ يقول: «كم من نخلة رداح تدلي عروقها في الجنة لأبي الدحداح»
«١» . أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً أي ألم تخبر يا أشرف الخلق عن قصة الرؤساء من بني إسرائيل من بعد وفاة موسى حين قالوا لنبيهم شمويل كما قاله وهب بن منبه أو سمعون، أو يوشع بن نون كما قاله قتادة، أو حزقيل كما حكاه الكرماني أو أسماويل بن حلفا- واسم أمه حسنة- كما قاله مجاهد. وسبب سؤال بني إسرائيل نبيهم ذلك أنه لما مات موسى وعظمت الخطايا، سلط الله عليهم قوم جالوت، وكانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين وغلبوا على كثير من أرضهم، وسبوا كثيرا من ذراريهم وأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين غلاما وضربوا عليهم الجزية وأخذوا توراتهم ولم يكن لهم حينئذ نبي يدبر أمرهم، وكان سبط النبوة قد هلكوا فلم يبق منهم إلا امرأة حبلى فحبسوها في بيت، فولدت غلاما فلما كبر كفله شيخ من علمائهم في بيت المقدس، فلما بلغ الغلام أتاه جبريل فقال له: اذهب إلى قومك فبلغهم رسالة ربك فإن الله قد بعثك فيهم نبيا، فلما أتاهم كذبوه وقالوا: استعجلت بالنبوة فإن كنت صادقا فبيّن لنا ملك الجيش نُقاتِلْ بأمره عدونا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي في طاعة الله وإنما كان صلاح أمر بني إسرائيل بالاجتماع على الملوك وبطاعة الملوك أنبياءهم فكان الملك هو الذي يسير بالجموع، والنبي هو الذي يقيم أمره ويشير عليه برشده. قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا أي قال نبيهم: هل قاربتم أن لا تقاتلوا عدوكم إن فرض عليكم القتال مع ذلك الملك قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا أي أيّ شيء ثبت لنا في ترك القتال الذي في طاعة الله، والحال أنه قد أبعد بعضنا من المنازل والأولاد والقائلون لنبيهم بما ذكر كانوا في ديارهم فسأل الله تعالى ذلك النبي فأوجب عليهم القتال وعين لهم ملكا ليقاتل بهم فَلَمَّا كُتِبَ أي أوجب عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا أي أعرضوا عن قتال عدوهم لما شاهدوا كثرة العدو وشوكته إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ثلاثمائة وثلاثة
стр. 86
عشر على عدد أهل بدر وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦) أي هو عالم بمن ظلم نفسه حين خالف ربه ولم يف بما قبل من ربه وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ أي لأجل سؤالكم طالُوتَ مَلِكاً أي لما سأل الله تعالى أن يبين لهم ملكا أرسل الله له عصا وقرنا فيه دهن القدس وقيل له: إن صاحبك الذي يكون ملكا هو من يكون طوله طول هذه العصا، وانظر إلى القرن الذي فيه الدهن فإذا دخل عليك رجل فانتشر الدهن في القرن فهو ملك بني إسرائيل فادهن رأسه بالدهن وملّكه عليهم واسمه طالوت.
فدخل عليه رجل فانتشر الدهن في القرن فقام شمويل فقاسه بالعصا فكان على طولها وقال له: قرّب رأسك، فقربه فدهنه النبي بدهن القدس وقال له:
«أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله أن أملكك عليهم» . فقال طالوت: أما علمت أن سبطي أدنى من سبط ملوك بني إسرائيل؟ قال: بلى. فقال شمويل الله يؤتي ملكه من يشاء كما قال الله تعالى: قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ أي قالوا: من أين يكون له الملك علينا والحال نحن أولى بالملك منه، وليس له سعة المال لينفق على الجيش؟. وإنما قالوا ذلك لأنه كان في بني إسرائيل سبطان: سبط نبوة وسبط مملكة. فكان سبط النبوة سبط لاوى بن يعقوب ومنه موسى وهارون ﵉. وسبط المملكة سبط يهوذا بن يعقوب ومنه داود وسليمان ﵉. ولم يكن طالوت من أحدهما وإنما كان من سبط بنيامين بن يعقوب، فلما قال لهم نبيهم ذلك أنكروا وقالوا: هو دبّاغ، أو راع، أو سقّاء يستقي الماء على حمار له وإنما نزع الملك والنبوة منهم لأنهم عملوا ذنبا عظيما كانوا ينكحون النساء على ظهر الطريق جهارا فغضب الله عليهم بنزع ذلك منهم وكانوا يسمون سبط الإثم.
قالَ أي نبيهم إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ أي اختاره بالملك عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً أي سعة فِي الْعِلْمِ أي علم الحرب وعلم الديانات حتى قيل: إنه نبي أوحي إليه وَالْجِسْمِ بالقوة على مبارزة العدو، وبالجمال وبطول القامة فإنه أطول من غيره برأسه ومنكبيه فكان أعلم بني إسرائيل يومئذ وأجملهم وأتمهم خلقا وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ في الدنيا وَاللَّهُ واسِعٌ بالعطية عَلِيمٌ (٢٤٧) بمن يليق بالملك وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ لما قالوا: ليس ملكه من الله بل أنت ملّكته علينا: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أي إن علامة صحة ملكه من الله أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ أي الصندوق الذي أخذ منكم وهو صندوق التوراة وكانوا يعرفونه، وكان قد رفعه الله تعالى بعد وفاة موسى ﵇ لسخطه على بني إسرائيل لما عصوا وفسدوا، فلما طلب القوم من نبيهم آية تدل على ملك طالوت قال نبي ذلك القوم: إن آية ملك طالوت أن يأتيكم التابوت من السماء إلى الأرض والملائكة يحفظونه فأتاهم والقوم ينظرون إليه حتى نزل عند طالوت. فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ أي كان في التابوت بشارات من كتب الله تعالى المنزلة على موسى وهارون ومن بعدهما من الأنبياء ﵈ بأن الله ينصر طالوت وجنوده ويزيل عنهم الخوف من العدو
стр. 87
وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ وهي رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه ونعلاه وشيء من التوراة ورداء هارون وعمامته تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ أي تسوقه الملائكة إليكم إِنَّ فِي ذلِكَ أي في رد التابوت إليكم لَآيَةً لَكُمْ أي علامة لكم دالة على أن ملكه من الله إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨) أي مصدقين بتمليكه عليكم. أو المعنى أن في هذه الآية من نقل القصة معجزة باهرة دالة على نبوة محمد ﷺ حيث أخبر بهذه التفاصيل من غير سماع من البشر إن كنتم ممن يؤمن بدلالة المعجزة على صدق مدعي النبوة والرسالة. فلما رد عليهم التابوت قبلوا وخرجوا معه وهم ثمانون ألفا من الشبان الفارغين من جميع الأشغال فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ أي خرج من بيت المقدس بِالْجُنُودِ أي بالجيش التي اختارها وكان الوقت قيظا وسلك بهم في أرض قفرة فأصابهم حر وعطش شديد فطلبوا منه الماء قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ أي مختبركم بنهر جار ليظهر منكم المطيع والعاصي- وهو بين الأردن وفلسطين- أي والمقصود من هذا الابتلاء أن يميز الصدّيق عن الزنديق والموافق عن المخالف فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ أي من ماء النهر فَلَيْسَ مِنِّي أي من أتباعي المؤمنين فلا يكون مأذونا في هذا القتال وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ أي من لم يذقه فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فإنه مني ويكون أهلا لهذا القتال.
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «غرفة» بفتح الغين، وكذلك يعقوب وخلف. وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بالضم. فالغرفة بالضم: الشيء القليل الذي يحصل في الكف.
والغرفة بالفتح: الفعل وهو الاغتراف مرة واحدة. فكانت تكفيهم هذه الغرفة لشربهم ودوابهم وحملهم. فَشَرِبُوا مِنْهُ أي فلما وصلوا إلى النهر وقفوا فيه وشربوا منه بالكرع بالفهم كيف شاءوا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا فلم يشربوا إلا قليلا وهو الغرفة.
روي أن من اغترف غرفة كما أمر الله قوي قلبه، وصحّ إيمانه، وعبر النهر سالما، وكفته تلك الغرفة الواحدة لشربه ودوابه وخدمه وحمله مع نفسه، إما لأنه كان مأذونا أي في أخذ ذلك المقدار، وإما لأن الله تعالى يجعل البركة في ذلك الماء حتى يكفي لكل هؤلاء وذلك معجزة لنبي الزمان. وأما الذين شربوا منه وخالفوا أمر الله تعالى فقد اسودت شفاههم وغلبهم العطش فلم يرووا وبقوا على شط النهر وجبنوا عن لقاء العدو. فَلَمَّا جاوَزَهُ أي النهر هُوَ أي طالوت وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وهم أولئك القليل قالُوا أي بعض من معه من المؤمنين لبعض لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ أي بمحاربتهم وكانوا مائة ألف رجل شاكي السلاح قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ أي ملاقو ثواب الله بسبب هذه الطاعة: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ أي كم من جماعة قليلة من المؤمنين غلبت جماعة كثيرة من الكافرين بنصر الله وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) أي معين الصابرين في الحرب بالنصرة يحتمل أن
стр. 88
يقال: المؤمنين الذين عبروا النهر كانوا فريقين بعضهم ممن يحب الحياة ويكره الموت فيخاف ويجزع، ومنهم من كان شجاعا قوي القلب لا يبالي بالموت في طاعة الله تعالى. فالأول: هم الذين قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ. والثاني: هم الذين أجابوا بقولهم: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً ويحتمل أن يقال القسم الأول من المؤمنين لما شاهدوا قلة عسكرهم قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ فلا بد أن نوطن على القتل لأنه لا سبيل إلى القرار من أمر الله. والقسم الثاني قالوا: لا نوطن أنفسنا بل نرجو من الله الفتح والظفر، فكان غرض الأولين الترغيب في الشهادة والفوز بالجنة، وغرض الفريق الثاني الترغيب في طلب الفتح والنصرة وَلَمَّا بَرَزُوا أي ظهر طالوت ومن معه من المؤمنين وصافوا لِجالُوتَ اسم ملك من ملوك الكنعانيين بالشام وَجُنُودِهِ قالُوا جميعا متضرعين إلى الله تعالى مستعينين به تعالى رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً على مشاهدة المخاوف والأمور الهائلة وَثَبِّتْ أَقْدامَنا في مداحض القتال بكمال القوة عند المقارعة وعدم التزلزل وقت المقاومة وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٥٠) بقهرهم وهزمهم
فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ أي كسروهم بنصرة الله إجابة لدعائهم وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ.
قال ابن عباس ﵄: إن داود ﵇ كان راعيا وله سبعة أخوة مع طالوت، فلما أبطأ خبر إخوته على أبيهم أيشا أرسل ابنه داود إليهم ليأتيه بخبرهم، فأتاهم وهم في المصاف، وبادر جالوت الجبار وهو من قوم عاد إلى البراز فلم يخرج إليه أحد. فقال: يا بني إسرائيل لو كنتم على حق لبارزني بعضكم، فقال داود لأخوته: أما فيكم من يخرج إلى هذا الأقلف؟ فسكتوا. فذهب إلى ناحية من الصف ليس فيها أخوته، فمرّ به طالوت وهو يحرض الناس، فقال له داود: ما تصنعون بمن يقتل هذا الأقلف؟ فقال طالوت: أنكحه ابنتي وأعطيه نصف ملكي. فقال داود: فأنا خارج إليه. وكان عادته أن يقاتل بالمقلاع الذئب والأسد في المرعى. وكان طالوت عارفا بجلادته. فلما همّ داود بأن يخرج إلى جالوت مرّ بثلاثة أحجار فقلن: يا داود خذنا معك ففينا ميتة جالوت. فلما خرج إلى جالوت الكافر رماه فأصابه في صدره، ونفذ الحجر فيه وقتل بعده ثلاثين رجلا، فهزم الله تعالى جنود جالوت، وخرّ جالوت قتيلا، فأخذه داود يجره حتى ألقاه بين يدي طالوت، ففرح بنو إسرائيل وانصرفوا إلى البلاد سالمين غانمين. فجاء داود إلى طالوت وقال: أنجزني ما وعدتني، فزوجه ابنته وأعطاه نصف الملك كما وعده. فمكث معه كذلك أربعين سنة، فمات طالوت وأتى بنو إسرائيل بداود وأعطوه خزائن طالوت واستقل داود بالملك سبع سنين، ثم انتقل إلى رحمة الله تعالى كما قال تعالى:
وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ أي الكامل سبع سنين بعد موت طالوت، أي ملك بني إسرائيل في مشارق الأرض المقدسة ومغاربها وَالْحِكْمَةَ أي النبوة بعد موت شمويل. وكان موته قبل
стр. 89
موت طالوت، ولم يجتمع في بني إسرائيل الملك والنبوة لأحد قبله الإله، بل كان الملك في سبط، والنبوة في سبط آخر. ومع ذلك جمع الله تعالى له ولابنه سليمان بين
الملك والنبوة وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ كصنعه الدروع من الحديد- وكان يلين في يده وينسجه- وفهم كلام الطير والنمل وكيفية القضاء وما يتعلق بمصالح الدنيا ومعرفة الألحان الطيبة. ولم يعط الله تعالى أحدا من خلقه مثل صوته، كان إذا قرأ الزبور تدنو الوحوش حتى يؤخذ بأعناقها وتظله الطير ويركد الماء الجاري ويسكن الريح. وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ بأهلها.
قال ابن عباس: ولولا دفع الله بجنود المسلمين لغلب المشركون على الأرض فقتلوا المؤمنين وخربوا المساجد والبلاد. وقيل المعنى: ولولا دفع الله بالمؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار لفسدت الأرض بما فيها، ولكن الله يدفع بالمؤمن عن الكافر وبالصالح عن الفاجر.
روى أحمد بن حنبل عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه والبلاء» . ثم قرأ: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ
وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٢٥١) كافة بسبب ذلك الدفع. تِلْكَ أي القصص بأخبار الأمم الماضية آياتُ اللَّهِ المنزّلة من عنده تعالى نَتْلُوها عَلَيْكَ أي بواسطة جبريل بِالْحَقِّ أي ملتبسة باليقين الذي لا يشك فيه أحد من أهل الكتاب لما يجدونها موافقة لما في كتبهم وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢) إلى الجن والإنس كافة بشهادة إخبارك عن الأمم الماضية من غير مطالعة كتاب ولا اجتماع على أحد يخبرك بذلك. تِلْكَ الرُّسُلُ أي جماعة الرسل فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ في مراتب الكمال بأن خصصناه بمنقبة ليست لغيره مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ بلا واسطة- وهو موسى- حيث كلمه ليلة الحيرة وهي تحيره في معرفة طريقه من مسيره من مدين إلى مصر، وفي الطور. ومحمد حيث كلمه ليلة المعراج وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ أي فضائل وهو إبراهيم لأنه تعالى اتخذه خليلا ولم يؤت أحدا مثله هذه الفضيلة. وإدريس فإنه تعالى رفعه مكانا عاليا، وداود فإنه تعالى جمع له الملك والنبوة ولم يحصل هذا لغيره، وسليمان فإنه تعالى سخّر له الإنس والجن والطير والريح ولم يكن هذا حاصلا لأبيه داود ﵇.
ومحمد ﷺ بأنه تعالى خصّه بأنه مبعوث إلى الجن والإنس وبأن شرعه ناسخ لكل الشرائع وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ أي العجائب من إحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص والإخبار بالمغيبات وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ أي أعنّاه بجبريل في أول أمره وفي وسطه وفي آخره- وهو نفخ جبريل في عيسى وتعليمه العلوم وحفظه من الأعداء، وإعانته، ورفعه إلى السماء حين أرادت اليهود قتله- وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ أي الذين جاءوا
стр. 90
من بعد الرسل من الأمم المختلفة بأن جعلهم متفقين على اتباع الرسل المتفقة على كلمة الحق وَلكِنِ اخْتَلَفُوا في الدين. فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بما جاءت به أولئك الرسل من كل كتاب وعملوا به. وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ بذلك فإن اختلافهم في الدين يدعوهم إلى المقاتلة. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وهذا التكرير ليس للتأكيد بل للتنبيه، على أن اختلافهم ذلك ليس موجبا لعدم مشيئته تعالى لعدم اقتتالهم، بل الله تعالى مختار في ذلك حتى لو شاء بعد ذلك عدم اقتتالهم ما اقتتلوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (٢٥٣) فيوفق من يشاء ويخذل من يشاء لا اعتراض عليه في فعله. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ أي تصدقوا بشيء مما أعطيناكم من الأموال في طاعة الله مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ أي فداء فِيهِ وَلا خُلَّةٌ أي مودة وَلا شَفاعَةٌ للكافرين.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالفتح في «بيع» «خلة» و «شفاعة» . والباقون جميعا بالرفع وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤) حيث تركوا تقديم الخيرات ليوم حاجتهم وأنتم أيها الحاضرون لا تقتدوا بهم ولكن قدموا لأنفسكم ما تجعلونه يوم القيامة فدية لأنفسكم من عذاب الله تعالى.
وقيل: المعنى: والتاركون للزكاة هم الذين ظلموا أنفسهم بتعريضها للعقاب. اللَّهُ لا إِلهَ أي لا معبود بحق موجود إِلَّا هُوَ الْحَيُّ أي الباقي الذي لا سبيل عليه للموت والفناء الْقَيُّومُ أي دائم القيام بتدبير الخلق وحفظه في الإيجاد والأرزاق لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ أي نعاس وَلا نَوْمٌ ثقيل فيشغله عن تدبيره وأمره أي لا يأخذه نعاس فضلا عن أن يأخذه نوم. لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وهذا رد على المشركين العابدين لبعض الكواكب التي في السماء وللأصنام التي في الأرض، أي فلا تصلح أن تكون معبودة لأنها مملوكة لله مخلوقة له. مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ أي لا يشفع عنده أحد من أهل السموات والأرض يوم القيامة إلا بأمره. وهذا رد على المشركين حيث زعموا أن الأصنام تشفع لهم فإنه تعالى لا يأذن في الشفاعة لغير المطيعين. يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ أي يعلم ما قبلهم وما بعدهم أو ما فعلوه من خير وشر وما يفعلونه بعد ذلك. وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ أي بقليل من معلوماته إِلَّا بِما شاءَ أن يعلموه أي أن أحدا لا يحيط بمعلومات الله تعالى إلا ما شاء هو أن يعلمهم. أو المعنى أنهم لا يعلمون الغيب إلا عند إطلاع الله بعض أنبيائه على بعض الغيب. وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فالكرسي جسم عظيم تحت العرش وفوق السماء السابعة. وهو أوسع من السموات والأرض.
وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما أي لا يثقل عليه تعالى حفظ السموات والأرض بغير الملائكة. وَهُوَ الْعَلِيُّ أي المتعالي بذاته عن الأشباه والأنظار. الْعَظِيمُ (٢٥٥) أي الذي يستحقر كل ما سواه بالنسبة إليه. فهو تعالى أعلى وأعظم من كل شيء.
روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما قرئت هذه الآية في دار إلا هجرتها الشياطين ثلاثين
стр. 91
يوما ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة»
. وعن علي أنه قال: سمعت نبيكم على أعواد المنبر وهو يقول: «من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت»
أي فإذا مات دخل الجنة. ولا يواظب عليها إلا صدّيق أو عابد. ومن قرأها إذا أخذ مضجعه أمنه الله على نفسه وجاره، وجار جاره، والأبيات التي حوله لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ أي لا إكراه على الدخول في دين الله قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ أي قد تميز الحق من الباطل والإيمان من الكفر والهدى من الضلالة بكثرة الدلائل. وروي أنه كان لأبي الحصين الأنصاري من بني سالم بن عوف ابنان قد تنصّرا قبل مبعث النبيّ ﷺ ، ثم قدما المدينة فلزمهما أبوهما وقال: والله لا أدعكما حتى تسلما. فأبيا، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فنزلت هذه الآية، فخلى سبيلهما، ثم نزل في شأن منذر بن ساوى التميمي قوله تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ أي بالشيطان وبكل ما عبد من دون الله وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها أي فقد تمسك بالعقدة المحكمة لا انقطاع لها، أي فقد أخذ بالثقة لا انقطاع لصاحبها عن نعيم الجنة، ولا زوال عن الجنة ولا هلاك بالبقاء في النار وَاللَّهُ سَمِيعٌ لقول من يتكلم بالشهادتين وقول من يتكلم بالكفر.
عَلِيمٌ (٢٥٦) بما في قلب المؤمن من الاعتقاد الطاهر وما في قلب الكافر من الاعتقاد الخبيث، أو يقال: والله سميع عليم لدعائك يا محمد بحرصك على إسلام أهل الكتاب، وذلك لأن رسول الله ﷺ كان يحب إسلام أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا حول المدينة. وكان يسأل الله تعالى ذلك سرا وعلانية. اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا أي الله ناصر الذين آمنوا، كعبد الله بن سلام وأصحابه يُخْرِجُهُمْ بلطفه وتوفيقه مِنَ الظُّلُماتِ أي الكفر إِلَى النُّورِ أي الإيمان وَالَّذِينَ كَفَرُوا ككعب بن الأشرف وأصحابه أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ أي الشياطين وسائر المضلين عن طريق الحق يُخْرِجُونَهُمْ بالوساوس وغيرها من طرق الإضلال مِنَ النُّورِ الفطري أي الذي جبل عليه الناس كافة أو من نور البينات التي يشاهدونها من جهة النبيّ ﷺ إِلَى الظُّلُماتِ أي ظلمات الكفر والانهماك في الضلال. أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥٧) أي ماكثون أبدا أَلَمْ تَرَ أي ألم تنظر إِلَى هذا الطاغوت كيف تصدى لإضلال الناس وإخراجهم من النور إلى الظلمات. الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أي إلى قصة الذي خاصم إبراهيم في دين رب إبراهيم وهو نمروذ بن كنعان أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ أي فطغى وادعى الربوبية فحاج لأن أعطاه الله الملك. إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ أي يخلق الحياة والموت في الأجساد.
وقرأ حمزة «ربي» بسكون الياء. وهذه المحاجة مع إبراهيم بعد إلقائه في النار وخروجه منها سالما، وذلك أن الناس قحطوا على عهد نمروذ، وكان الناس يمتارون من عنده، فكان إذا أتاه الرجل في طلب الطعام سأله من ربك؟ فإن قال: أنت باع منه الطعام فأتاه إبراهيم فقال له: من
стр. 92
ربك؟ فقال له ذلك. قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ له ائتني ببيان ذلك فدعا نمروذ برجلين من السجن، فقتل واحدا وترك واحدا قال: هذا بيان ذلك. قال إبراهيم: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ في كل يوم فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ ولو يوما واحدا إن كنت صادقا فيما تدّعيه من الربوبية فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ أي سكت بغير حجة أي فيبقى مغلوبا لا يجد للحجة مقالا ولا للمسألة جوابا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨) بالكفر إلى طريق الحجة أَوْ كَالَّذِي أي أرأيت مثل الذي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ هي بيت المقدس. كما أخرجه ابن جرير عن وهب عن قتادة، والضحاك وعكرمة والربيع. أو القرية التي أهلك الله فيها الذين خرجوا من ديارهم- وهم ألوف حذر الموت- كما نقل عن ابن زيد أي قد رأيت الذي مر على قرية كيف هداه الله وأخرجه من ظلمة الاشتباه إلى نور العيان،
والمار هو عزير بن سروحا. كما روي عن علي بن أبي طالب،
وعن عبد الله بن سلام وعن ابن عباس. وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها أي ساقطة على سقوفها بأن سقطت السقوف أولا ثم الأبنية. قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها أي كيف يحيي الله أهل هذه القرية بعد موتهم تعجبا من قدرة الله تعالى على إحيائها فَأَماتَهُ اللَّهُ مكانه فكان ميتا مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ أي أحياه في آخر النهار. قالَ تعالى له: كَمْ لَبِثْتَ أي مكثت هنا يا عزير بعد الموت؟ - والقائل هو الله تعالى، أو ملك مأمور بذلك القول من قبله تعالى- قالَ لَبِثْتُ يَوْماً ثم نظر إلى الشمس وقد بقي منها شيء فقال: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ أي الله له أو الملك بَلْ لَبِثْتَ ميتا مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ أي التعين والعنب وَشَرابِكَ أي العصير لَمْ يَتَسَنَّهْ أي لم يتغير ولم ينصب في هذه المدة المتطاولة فكان التين، والعنب كأنه قد قطف من ساعته، والعصير كأنه قد عصر من ساعته، واللبن قد حلب من ساعته وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ كيف تقطعت أوصاله، وكيف تلوح عظامه بيضاء. فعلنا ذلك الإحياء لتعاين ما استبعدته من الإحياء بعد دهر طويل وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ أي لكي نجعلك علامة للناس في إحياء الموتى أنهم يحيون على ما يموتون لأنه مات شابا، وبعث شابا وعبرة للناس لأنه كان ابن أربعين سنة وابنه ابن مائة وعشرين سنة وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ أي عظام الحمار كَيْفَ نُنْشِزُها.
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمر بالراء أي كيف نحييها ونخلقها. وقرأ حمزة والكسائي «ننشزها» بالزاي المنقوطة أي كيف نرفع بعضها على بعض ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً أي ننبت عليها العصب والعروق، واللحم والجلد والشعر ونجعل فيه الروح بعد ذلك فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ وقوع ما كان يستبعد وقوعه قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الحياة والموت قَدِيرٌ (٢٥٩) .
روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في سبب نزول هذه الآية قال: إن بختنصر البابلي غزا بني إسرائيل وهو في ستمائة ألف راية، فسبى من بني إسرائيل الكثير ومنهم عزير- وكان من
стр. 93
علمائهم- فجاء بهم إلى بابل، فدخل عزير تلك القرية التي انهدمت حيطانها، ونزل تحت شجرة وهو على حمار، فربط حماره وطاف في القرية، فلم ير فيها أحدا فعجب من ذلك وقال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها- وذلك على سبيل الاستبعاد بحسب العادة لا على سبيل الشك في قدرة الله- وكانت الأشجار مثمرة فتناول من الفاكهة والتين والعنب وشرب من عصير العنب، وجعل فضل الفاكهة في سلة، وفضل العصير في زق، ونام. فأماته الله تعالى في منامه مائة عام وهو شاب، ثم أعمى عن موته أيضا الإنس والسباع والطير، ثم أحياه الله تعالى بعد مائة ونودي من السماء يا عزير كم لبثت بعد الموت؟ فقال: يوما، فأبصر من الشمس بقية، فقال: أو بعض يوم. فقال الله تعالى: بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ من التين والعنب وَشَرابِكَ من العصير لم يتغير طعمها فنظر فإذا التين والعنب كما شاهدهما، ثم قال تعالى: وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ فنظر فإذا هو عظام بيض تلوح وقد تفرقت أوصاله، وسمع صوتا: «أيتها العظام البالية إني جاعل فيك روحا» ، فانضم أجزاء العظام بعضها إلى بعض، ثم التصق كل عضو بما يليق به إلى مكانه ثم جاء الرأس إلى مكانه، ثم العصب والعروق، ثم أنبت طراء اللحم عليه، ثم انبسط الجلد عليه، ثم خرجت الشعور من الجلد، ثم نفخ فيه الروح فإذا هو قائم ينهق، فخرّ عزير ساجدا وقال: أعلم أن الله على كل شيء قدير، ثم إنه دخل بيت المقدس، لما روي أنه لما مضى من وقت موته سبعون سنة سلط الله ملكا من ملوك فارس فسار بجنوده حتى أتى بيت المقدس فعمروه وصار أحسن مما كان، ورد الله تعالى من بقي من بني إسرائيل إلى بيت المقدس ونواحيه، فعمروها ثلاثين سنة، وكثروا كأحسن ما كانوا، وأعمى الله العيون عن العزير هذه المدة فلم يره أحد، فلما مضت المائة أحيا الله تعالى منه عينيه وسائر جسده ميت، ثم أحيا الله تعالى جسده وهو ينظر، ثم نظر إلى حماره- كما سبق- فلما دخل بيت المقدس قال القوم: حدثنا آباؤنا أن عزير بن سروحا أو ابن شرخيا مات ببابل، وقد كان بختنصر قتل في بيت المقدس أربعين ألفا ممن قرأ التوراة وكان فيهم عزير والقوم ما عرفوا أنه يقرأ التوراة، فلما أتاهم بعد مائة عام جدد لهم التوراة وأملاها عليهم عن ظهر قلبه لم يخرم منها حرفا، وكانت التوراة قد دفنت في موضع فأخرجت عورضت بما أملاه، فما اختلفا في حرف. فعند ذلك قالوا عزير ابن الله وَأ لم تر إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ هذا دليل آخر على ولايته تعالى للمؤمنين وإخراجه لهم من الظلمات إلى النور رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى.
قال الحسن والضحّاك وقتادة وعطاء وابن جريح: إنه رأى جيفة مطروحة في شط النهر فإذا مدّ البحر أكل منها دواب البحر، وإذا جزر البحر جاءت السباع فأكلت، وإذا ذهبت السباع جاءت الطيور فأكلت وطارت. فقال إبراهيم: رب أرني كيف تجمع أجزاء الحيوان من بطوع السباع والطيور ودواب البحر قالَ تعالى: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ أي أتسأل ولم توقن بقدرتي عن الإحياء قالَ بَلى أنا موقن بذلك وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي أي ولكن سألت ما سألت لتسكن حرارة قلبي،
стр. 94
وأعلم بأني خليلك مستجاب الدعوة، والمطلوب من السؤال أن يصير العلم بالاستدلال ضروريا قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ أشتاتا: وزا، وديكا، وطاوسا، ورألا (وهو فرخ النعام) - كما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس من طريق الضحاك- أو طاوسا وديكا وحمامة وغرنوقا (وهو الكركي) - كما أخرجه عنه من طريق حنش- فَصُرْهُنَّ.
قرأه حمزة بكسر الصاد. والباقون بضمها وتخفيف الراء أي قطعن وأملهن إِلَيْكَ فقطع إبراهيم أعضاءها ولحومها وريشها ودماءها وخلط بعضها ببعض ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً أي ثم ضع على كل جبل من أربعة أجبل منهن جزءهن أي على حسب الطيور الأربعة، وعلى حسب الجهات الأربعة أيضا، ثُمَّ ادْعُهُنَّ بأسمائهن أي قل لهن: تعالين يا وز، ويا ديك ويا طاوس، ويا رأل بإذن الله تعالى يَأْتِينَكَ سَعْياً أي مشيا سريعا ولم تأت طائرة ليتحقق أن أرجلها سليمة في هذه الحالة وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ أي غالب على جميع الممكنات حَكِيمٌ (٢٦٠) أي عليم بعواقب الأمور وغايات الأشياء.
روي أنه ﷺ أمر بذبحها ونتف ريشها، وتقطيعها جزءا جزءا، وخلط دمائها ولحومها. وأن يمسك رؤوسها بيده، ثم أمر بأن يجعل أجزاءها على الجبال، على كل جبل ربعا من كل طائر، ثم يصيح بها: تعالين بإذن الله تعالى، ثم أخذ كل جزء يطير إلى الآخر حتى تكاملت الجثث، ثم أقبلت كل جثة إلى رأسها سعيا على أرجلها، وانضم كل رأس إلى جثته وصار الكل أحياء بإذن الله تعالى.
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ أي صفة صدقات الذين ينفقون أموالهم في دين الله كصفة حبة أخرجت سبع سنابل. أو المعنى مثل الذين ينفقون أموالهم في وجوه الخيرات من الواجب والنفل كمثل زارع حبة أخرجت ساقا تشعب منه سبع شعب، في كل واحدة منها سنبلة فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ كما يشاهد ذلك في الذرة والدخن بل فيهما أكثر من ذلك وَاللَّهُ يُضاعِفُ فوق ذلك لِمَنْ يَشاءُ على حسب المنفق من إخلاصه وتعبه. ولذلك تفاوتت مراتب الأعمال في مقادير الثواب. وَاللَّهُ واسِعٌ أي لا يضيق عليه ما يتفضل به من التضعيف عَلِيمٌ (٢٦١) بنية المنفق وبمن يستحق المضاعفة. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً والمن: هو الاعتداد بالنعمة واستعظامها على المنفق عليه. والأذى: بأن يؤذى المنفق عليه بالقول أو العبوس في وجهه أو الدعاء عليه. وقيل:
المراد هو المن على الله وهو العجب، والأذى لصاحب النفقة. لَهُمْ أَجْرُهُمْ أي ثواب إنفاقهم عِنْدَ رَبِّهِمْ في الجنة وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أي فلا يخافون فقد أجورهم ولا يخافون
العذاب ألبتة وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) على ما خلفوا من خلفهم
نزلت هذه الآية في حق عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف. أما عثمان فجهز جيش العسرة في غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها وألف
стр. 95
دينار، فرفع رسول الله ﷺ يديه يقول: «يا رب عثمان رضيت عنه فارض عنه» «١» . وأما عبد الرحمن بن عوف فإنه تصدق بنصف ماله أربعة آلاف دينار وقال: كان عندي ثمانية آلاف فأمسكت لنفسي وعيالي أربعة آلاف، وأخرجت أربعة آلاف لربي فقال رسول الله ﷺ :
«بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت»
«٢» . والمعنى الذين يعينون المجاهدين في سبيل الله بالإنفاق عليهم في حوائجهم ومؤنتهم ولم يخطر ببالهم شيء من المن والأذى قَوْلٌ مَعْرُوفٌ أي كلام جميل يرد به السائل من غير إعطاء شيء وَمَغْفِرَةٌ من المسؤول عن بذاءة لسان الفقير خَيْرٌ للسائل مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً لكونها مشوبة بضرر التعيير له بالسؤال وَاللَّهُ غَنِيٌّ عن صدقة العبادة، فإنما أمركم بالصدقة لينبئكم عليها. حَلِيمٌ (٢٦٣) إذ لم يعجل بالعقوبة على من يمن ويؤذي بصدقته يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ أي أجر صدقاتكم بِالْمَنِّ وَالْأَذى.
قال ابن عباس: أي بالمن على الله معناه العجب بسبب صدقتكم، وبالأذى للسائل.
وقال الباقون: بالمن على الفقير وبالأذى للفقير كَالَّذِي أي كإبطال أجر نفقة الذي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ أي سمعة الناس ولطلب المدحة والشهرة وَكالذي وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وهو المنافق. فإن المنافق والمرائي يأتيان بالصدقة لا لوجه الله تعالى، ومن يقرن الصدقة بالمن والأذى فقد أتى بتلك الصدقة لا لوجه الله أيضا. إذ لو كان غرضه من تلك الصدقة مرضاة الله تعالى لما منّ على الفقير ولا آذاه. فالمقصود من الإبطال، الإتيان بالإنفاق باطلا، لأن المقصود الإتيان به صحيحا، ثم إحباطه بسبب المن والأذى والأوجه كما قال بعضهم: إذا فعل ذلك فله أجر الصدقة ولكن ذهبت مضاعفته وعليه الوزر بالمن فَمَثَلُهُ أي فحالة المرائي في الإنفاق كَمَثَلِ صَفْوانٍ. وقيل: الضمير عائد على المنافق، فيكون المعنى إن الله تعالى شبّه المانّ والمؤذي بالمنافق، ثم شبه المنافق بالحجر الكبير الأملس عَلَيْهِ تُرابٌ أي شي من التراب فَأَصابَهُ وابِلٌ أي مطر شديد فَتَرَكَهُ صَلْداً أي فجعل المطر ذلك الحجر أملس نقيا من التراب لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا أي لا يقدرون على ثواب شيء في الآخرة مما أنفقوا في الدنيا رثاء، أو المعنى لا يجد المان والمؤذي ثواب صدقته، كما لا يوجد على الصفوان التراب بعد ما أصابه المطر الشديد وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٢٦٤) إلى الخير والرشاد. وفي هذه الآية تعريض بأن كلا من الرياء والمن والأذى- على الإنفاق- من خصائص الكفار فلا بدّ للمؤمنين أن يجتنبوها. وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ أي مثل أموال الذين ينفقون أموالهم طلب رضاء الله تعالى ويقينا
стр. 96
من قلوبهم بالثواب من الله تعالى، وتصديقا بوعده يعلمون أن ما أنفقوا خير لهم مما تركوا كمثل بستان في مكان مرتفع مستو أصابه مطر شديد كثير فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ أي فأخرجت ثمرها مضاعفا مثلي ما يثمر غيرها- بسبب الوابل- فتحمل من الريع في سنة ما يحمل غيرها في سنتين فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ أي رش مثل الرذاذ يكفيها لجودتها ولطافة هوائها. والمعنى أن نفقات هؤلاء زاكية عند الله تعالى لا تضيع بحال وإن كانت تتفاوت باعتبار ما يقارنها من الأحوال. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عملا ظاهرا أو قلبيا بَصِيرٌ (٢٦٥) لا يخفى عليه شيء منه أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أي أيحب حبا شديدا أو يتمنى أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ أي بستان مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا أي تطرد الْأَنْهارُ من تحت شجر تلك الجنة ومساكنها. لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ أي لذلك الأحد- حال كونه في الجنة- رزق من كل الثمرات وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ أي وقد أصابه كبر السن فلا يقدر على الكسب. والحال أن له أولادا صغارا لا يقدرون على الكسب فَأَصابَها أي الجنة إِعْصارٌ أي ريح ترتفع إلى السماء كأنها عمود فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ أي تلك الجنة. والمقصود من هذا المثل بيان أنه يحصل في قلب هذا الإنسان من الغم والحسرة والحيرة ما لا يعلمه إلا الله، فكذلك من أتى بالأعمال الحسنة. إلا أنه لا يقصد بها وجه الله بل يقرن بها أمورا تخرجها عن كونها موجبة للثواب. فحين يقدم يوم القيامة وهو حينئذ في غاية الحاجة ونهاية العجز عن الاكتساب عظمت حسرته وتناهت حيرته. كَذلِكَ أي مثل هذا البيان في أمر النفقة المقبولة وغيرها يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ أي الدلائل في سائر أمور الدين لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦) أي لكي تتفكروا في أمثال القرآن يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ أي زكوا من جياد ما جمعتم من الذهب والفضة وعروض التجارة والمواشي وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ من الحبوب والثمار والمعادن. وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ أي ولا تقصدوا الرديء من أموالكم مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ فقوله «منه» استفهام على سبيل الإنكار، وهو متعلق بالفعل بعده. والمعنى أمن الخبيث تنفقون في الزكاة والحال أنكم لستم قابلي الخبيث إذا كان لكم حق على صاحبكم؟ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ أي إلا بأن تساهلوا في الخبيث وتتركوا بعض حقكم كذلك لا يقبل الله الرديء منكم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عن إنفاقكم، وإنما يأمركم به لمنفعتكم. حَمِيدٌ (٢٦٧) أي مستحق للحمد على نعمه العظام. وقيل: حامد بقبول الجيد وبالإثابة عليه. الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ أي إبليس يخوفكم بالفقر عند الصدقة ويقول لكم: أمسكوا أموالكم فإنكم إذا تصدقتم صرتم فقراء. أو المعنى النفس الأمارة بالسوء توسوس لكم بالفقر. وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ أي بالبخل ومنع الزكاة والصدقة وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ يسبب الإنفاق مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا أي خلفا في الدنيا وثوابا في الآخرة وَاللَّهُ واسِعٌ بالمغفرة للذنوب وبإغنائكم وإخلاف ما تنفقونه عَلِيمٌ (٢٦٨) بنياتكم وصدقاتكم
стр. 97
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ فالحكمة هي العلم النافع وفعل الصواب. فقيل في حد الحكمة: هي التخلق بأخلاق الله بقدر الطاقة البشرية
كقوله ﷺ : «تخلّقوا بأخلاق الله تعالى»
. وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ أي إصابة القول والفعل والرأي فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً أي أعطي خير الدارين وَما يَذَّكَّرُ أي ما يتفكر في الحكمة إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٦٩) أي إلا أصحاب العقول السليمة من الركون إلى متابعة الهوى. وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أي أيّ نفقة كانت في حق أو باطل، في سر أو علانية قليلة أو كثيرة. أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ أي أيّ نذر كان في طاعة أو معصية، بشرط أو بغير شرط، متعلق بالمال أو بالأفعال كالصيام فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ أي ما أنفقتموه فيجاز بكم عليه وَما لِلظَّالِمِينَ بالإنفاق والنذر في المعاصي أو بمنع الزكاة وعدم الوفاء بالنذور، أو بالإنفاق بالخبيث أو بالرياء والمن والأذى مِنْ أَنْصارٍ (٢٧٠) أي أعوان ينصرونهم من عقاب الله
إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ أي إن تظهروا الصدقات فنعم شيئا إظهارها بعد أن لم يكن رياء وسمعة وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ أي أفضل من إيذائها وإيتائها الأغنياء.
روي أنهم سألوا رسول الله ﷺ هل صدقة السر أفضل أم صدقة العلانية؟ فنزلت هذه الآية.
وعن ابن عباس ﵄ صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها بسبعين ضعفا. وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر «نكفر» بالنون ورفع الراء. وقرأ نافع وحمزة والكسائي بالنون والجزم أي و «نكفر» عنكم شيئا من ذنوبكم بقدر صدقاتكم. وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم «يكفر» بالياء والرفع. والمعنى يكفر الله أو يكفر الإخفاء. وقرئ قراءة شاذة «تكفر» بالتاء وبالرفع والجزم والفاعل راجع للصدقات. وقرأ الحسن بالتاء والنصب بإضمار أن. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ من الصدقة في السر والعلانية خَبِيرٌ (٢٧١) لا يخفى عليه شيء منه لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ
أي ليس عليك هدي من خالفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل أن يدخلوا في الإسلام، فتصدق عليهم لوجه الله ولا توقف ذلك على إسلامهم وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ هدايته إلى الدخول في الإسلام.
روي أن نبيلة أم أسماء بنت أبي بكر وجدتها وهما مشركتان جاءتا أسماء تسألانها شيئا.
فقالت: لا أعطيكما حتى أستأمر رسول الله ﷺ فإنكما لستما على ديني. فسألته عن الصدقة على الكفار فقالت: هل يجوز لنا يا رسول الله أن نتصدق على ذوي قرابتنا من غير أهل ديننا؟ فأنزل الله هذه الآية. فأمرها رسول الله ﷺ أن تتصدق عليهما، وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ أي وكل نفقة تنفقونها من نفقات الخير ولو على كافر فإنما هو يحصل لأنفسكم ثوابه فلا يضركم كفرهم وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ أي ولستم في صدقتكم على أقاربكم من
стр. 98
المشركين تقصدون إلا وجه الله. فقد علم الله هذا من قلوبكم فأنفقوا عليهم إذا كنتم تبتغون بذلك وجه الله في صلة رحم وسد خلة مضطر، وليس عليكم اهتداؤهم حتى يمنعكم ذلك من الإنفاق عليهم وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ أي من مال على الفقراء يُوَفَّ إِلَيْكُمْ أي يوفي إليكم ثواب ذلك في الآخرة وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) أي لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئا لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ أي ذلك الإنفاق المحثوث عليه للفقراء الذين حبسوا أنفسهم ووقفوها على الجهاد، لأن الجهاد كان واجبا في ذلك الزمان. نزلت هذه الآية في حق فقراء المهاجرين من قريش، وكانوا نحو أربعمائة، وهم أصحاب الصفة. لم يكن لهم مسكن ولا عشائر بالمدينة، وكانوا ملازمين المسجد ويتعلمون القرآن ويصومون ويخرجون في كل غزوة ولا يستطيعون سفرا في الأرض، ثم عدم الاستطاعة للسير إما لاشتغالهم بصلاح الدين وبأمر الجهاد فذلك يمنعهم من الاشتغال بالكسب والتجارة، وإما لخوفهم من الأعداء كما قاله قتادة وابن زيد لأن الكفار كانوا مجتمعين حول المدينة، وكانوا متى وجدوهم قتلوهم فذلك يمنعهم من السفر، وإما لمرضهم بالجروح كما قاله سعيد بن المسيب ولعجزهم لفقرهم كما قاله ابن عباس وذلك يمنعهم من السفر فحث الله عليهم الناس فكان من عنده فضل أتاهم به إذا أمسى يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ أي يظنهم من لم يختبر أمرهم أغنياء لإظهارهم التجمل وتركهم المسألة تَعْرِفُهُمْ أيها المخاطب بِسِيماهُمْ أي بعلامتهم من الهيبة ووقع في قلوب الخلق وآثار الخشوع في الصلاة فكل من رآهم تواضع لهم.
روي أنهم كانوا يقومون الليل للتهجد ويحتطبون بالنهار للتعفف لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً أي لا سؤال لهم أصلا فلا يقع منهم إلحاف أي كثرة التلطف وملازمة المسؤول أي إنهم سكتوا عن السؤال لكنهم لا يضمون إلى ذلك السكوت من رثاثة الحال وإظهار الانكسار ما يقوم مقام السؤال على سبيل الإلحاف بل يزينون أنفسهم عند الناس ويتجملون بهذا الخلق، ويجعلون فقرهم وحاجتهم بحيث لا يطلع عليه إلا الخالق. والمراد بقوله تعالى: لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً التنبيه على سوء طريقة من يسأل الناس إلحافا. عن ابن مسعود ﵁: إن الله يحب العفيف المتعفف ويبغض الفاحش البذي السآل الملحف الذي إن أعطي كثيرا أفرط في المدح، وإن أعطي قليلا أفرط في الذم. وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ أي من مال فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣) فيجازيكم على ذلك أحسن جزاء وهذا يجري مجرى ما إذا قال السلطان العظيم لعبده الذي استحسن خدمته ما يكفيك بأن يكون علمي شاهدا بكيفية طاعتك وحسن خدمتك فإن هذا أعظم وقعا مما إذا قال له: إن أجرك واصل إليك الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ في الصدقة بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ في الجنة وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ بالدوام وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤) إذا حزن غيرهم.
стр. 99
قيل: لما نزل قوله تعالى للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله بعث عبد الرحمن بن عوف إلى أصحاب الصفة بدنانير وبعث علي ﵁ بوسق من تمر ليلا فنزلت هذه الآية.
وقال ابن عباس: إن عليا ﵁ ما يملك غير أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا، وبدرهم سرا، وبدرهم علانية. فقال ﷺ : «ما حملك على هذا؟» فقال: أن أستوجب ما وعدني ربي. فقال: «لك ذلك» . فأنزل الله تعالى هذه الآية
. وقيل: نزلت في شأن أبي بكر الصديق ﵁ حين تصدق بأربعين ألف دينار عشرة بالليل وعشرة بالنهار، وعشرة في السر، وعشرة في العلانية. وأخرج ابن المنذر عن ابن المسيب أنها نزلت في عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان.
وقال الأوزاعي نزلت في الذين يربطون الخيل للجهاد وينفقون عليها الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا أي يأخذونه استحلالا لا يَقُومُونَ من قبورهم إذا بعثوا إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ أي إلا قياما كقيام الذي يتخبله الشيطان من إصابة الشيطان بالجنون في الدنيا، أي أن آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا، وذلك كالعلامة المخصوصة بآكل الربا، فيعرفه أهل الموقف بتلك العلامة أنه آكل الربا في الدنيا فعلى هذا معنى الآية أنهم يقومون مجانين كمن أصابه الشيطان بالجنون. ذلِكَ أي كون التخبل علامة آكل الربا في الآخرة بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا أي إنما الزيادة في البيع كالزيادة في الربا، أي ذلك العذاب بسبب أنهم نظموا الربا والبيع في سلك واحد لإفضائهما إلى الربح، فاستحلوه استحلاله وقالوا: يجوز بيع درهم بدرهمين كما يجوز بيع ما قيمته درهم بدرهمين، بل جعلوا الربا أصلا في الحل وقاسوا به البيع مع وضوح الفرق بينهما فإن أحد الدرهمين في الأول ضائع حتما وفي الثاني منجبر بمساس الحاجة إلى السلعة أو بتوقع رواجها. وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا أي أحل الله لكم الأرباح في التجارة بالبيع والشراء وحرم الربا الذي هو زيادة في المال لأجل تأخير الأجل فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ أي زجر وتخويف عن الربا مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى أي امتنع عن أخذه فَلَهُ ما سَلَفَ.
قال السدي: أي له ما أكل من الربا وليس عليه ردما سلف فأما ما لم يقض بعد النهي فلا يجوز له أخذه وإنما رأس ماله فقط وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ أي يجازيه على انتهائه عن أخذه إن كان عن قبول الموعظة وصدق النية وَمَنْ عادَ إلى تحليل الربا بعد التحريم فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ أي ملازموها هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥) أي ماكثون أبدا يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا أي يهلك المال الذي دخل فيه في الدنيا والآخرة.
قال ابن عباس: إن الله تعالى لا يقبل منه صدقة ولا جهادا ولا حجا ولا صلة رحم. وَيُرْبِي
стр. 100
الصَّدَقاتِ أي يبارك في المال الذي أخرجت منه في الدنيا والآخرة
وفي الحديث: «إن الملك ينادي كل يوم اللهم يسر لكل منفق خلفا ولممسك تلفا»
«١» . وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أي جاحد بتحريم الربا أَثِيمٍ (٢٧٦) أي فاجر بأخذه مع اعتقاد التحريم إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بالله ورسله وكتبه وبتحريم الربا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي فيما بينهم وبين ربهم وتركوا الربا وَأَقامُوا الصَّلاةَ أي أتموا الصلوات الخمس بما يجب فيها وَآتَوُا الزَّكاةَ أي أعطوا زكاة أموالهم لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ في الجنة وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من مكروه آت وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) على محبوب فات. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ أي قوا أنفسكم عقابه وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا أي اتركوا طلب ما بقي مما زاد على رؤوس أموالكم إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) أي مصدقين بقلوبكم في تحريم الربا فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ما أمرتم به بأن لم تتركوا الربا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أي فاستعدوا للعذاب من الله في الآخرة بالنار، وللعذاب من رسوله في الدنيا بالسيف وَإِنْ تُبْتُمْ من معاملة الربا فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ أي أصولها دون الزيادة لا تَظْلِمُونَ الغريم بطلب الزيادة على رأس المال وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) أي بنقصان رأس المال وبالمطل وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ أي وإن وقع غريم من غرمائكم ذو حالة يتعسر فيها وجود المال فيجب عليكم إمهاله إلى وقت يسار وسعة. وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ أي تصدقكم على المعسر برءوس أموالكم خير لكم من الأخذ والتأخير لأنه حصل لكم الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) فضل التصدق على الأنظار والقبض
وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ أي إلى حسابه لأعمالكم وهو يوم القيامة ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ أي توفى فيه كل نفس برة وفاجرة جزاء ما عملت من خير أو
شر وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١) بنقص حسنة أو زيادة سيئة. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بالله والرسول إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ أي إذا داين بعضكم بعضا، وعامله نسيئة معطيا أو آخذا إلى وقت معلوم بالأيام، أو الأشهر ونحوهما مما يرفع الجهالة لا بالحصاد ونحوه مما لا يرفعها، فاكتبوا الدين بأجله لأنه أوثق وأرفع للنزاع. والأكثرون على أن هذه الكتابة أمر استحباب، فإن ترك فلا بأس وهو أمر تعليم ترجع فائدته إلى منافع الخلق في دنياهم، فلا يثاب عليه المكلف إلا إن قصد الامتثال.
قال المفسرون: المراد بالمداينة السلم، فالله تعالى لما منع الربا في الآية المتقدمة أذن في السلم في جميع هذه الآية، مع أن جميع المنافع المطلوبة من الربا حاصلة في السلم ولهذا قال بعض العلماء: «لا لذة ولا منفعة يوصل إليها بالطريق الحرام إلا وضع الله تعالى لتحصيل مثل
стр. 101
تلك اللذة طريقا حلالا وسبيلا مشروعا» . والقرض غير الدين، لأن القرض أن يقرض الإنسان دراهم أو دنانير، أو حبا أو تمرا أو ما أشبه ذلك، ويسترد مثله ولا يجوز فيه الأجل. والدين يجوز فيه ذلك فذكر الأجل في القرض إن كان لغرض المقرض أفسده وإلا فلا يفسده ولا يجب الوفاء به لكنه يستحب.
قال ابن عباس: إن هذه الآية نزلت في السلف لأن النبيّ ﷺ قدم المدينة وهم يسلفون في التمر السنتين والثلاث فقال ﷺ : «من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم»
«١» .
وقال أكثر المفسرين: إن البياعات على أربعة أوجه:
أحدها: بيع العين بالعين وذلك ليس بمداينة ألبتة.
والثاني: بيع الدين بالدين. وهو باطل فلا يكون داخلا تحت هذه الآية.
وبيع العين بالدين: وهو إذا باع شيئا بثمن مؤجل.
وبيع الدين بالعين: وهو المسمى بالسلم وكلاهما داخلان تحت هذه الآية. وَلْيَكْتُبْ كتاب الدين بَيْنَكُمْ أي بين الدائن والمديون كاتِبٌ بِالْعَدْلِ أي بحيث لا يزيد في المال والأجل ولا ينقص في ذلك وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ أي ولا يمتنع أحد من أن يكتب كتاب الدين بين الدائن والمديون على طريقة ما علمه الله كتابة الوثائق فليكتب تلك الكتابة التي علمه الله إياها. وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ أي وليبين المديون للكاتب ما عليه من الدين لأنه المشهود عليه فلا بد أن يكون هو المقر وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً أي وليخش المديون ربه بأن يقر بمبلغ المال الذي عليه ولا ينقص مما عليه من الدين شيئا في إلقاء الألفاظ على الكاتب فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ أي فإن كان المديون ناقص العقل مبذرا أو عاجزا عن سماع الألفاظ للكاتب لصغر أو كبر مضعف للعقل، أو لا يحسن الإسماع بنفسه على الكاتب- لخرس أو جهل باللغة أو بما عليه- فليقر على
стр. 102
الكاتب ولي كل واحد من هؤلاء الثلاثة. والمراد بالولي هو الولي لغة وهو من له ولاية عليه بأي طريق كان كوصي وقيّم ومترجم بِالْعَدْلِ أي بالصدق من غير زيادة ونقص. وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ أي وأشهدوا على الدين شاهدين من الرجال البالغين الأحرار المسلمين.
وعند شريح وابن سيرين وأحمد تجوز شهادة العبيد. وأجاز أبو حنيفة شهادة الكفار بعضهم على بعض فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ أي فإن لم يكن الشاهدان رجلين بأن لم يقصد إشهادهما فرجل وامرأتان كائنون مِمَّنْ تَرْضَوْنَ لدينه وعدالته مِنَ الشُّهَداءِ يشهدون. وهذا تفسير للخير. أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى.
قرأ حمزة «أن تضل» بكسر «إن» ، «وتذكر» بالرفع والتشديد. وقرأ نافع وعاصم والكسائي «فتذكر» بالتشديد والنصب. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتخفيف والنصب. أما سائر القراء فقرأوا بنصب «أن» على حذف لام التعليل، أي وإنما اشترط التعدد في النساء لأجل أن تنسى إحدى المرأتين الشهادة لنقص عقلهن، فتذكر إحداهما الذاكرة للشهادة المرأة الأخرى الناسية لها وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا أي ولا يمتنع الشهداء إذا دعوا إلى تحمل الشهادة وأدائها عند الحكام، فيحرم الامتناع عليهم، لأن تحمل الشهادة وفرض كفاية مطلقا، والأداء كذلك إن زاد المتحملون على من يثبت بهم الحق وإلا ففرض عين. وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ أي ولا تملوا أن تكتبوا الدين لكثرة وقوع المداينة على أي حال كان الدين قليلا أو كبيرا، وعلى أي حال كان الكتاب مختصرا، أو مشبعا حال كون الدين مستقرا في ذمة المديون إلى وقت حوله الذي أقر به المديون. أي فاكتبوا الدين بصفة أجله ولا تهملوا الأجل في الكتابة وقوله تعالى:
وَلا تَسْئَمُوا معطوف على قوله تعالى: فَاكْتُبُوهُ. ذلِكُمْ أي الكتابة للدين أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ أي أعدل في حكم الله وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ أي أبين للشاهد بالشهادة إذا نسي وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا أي وأقرب إلى انتفاء شككم في قدر الدين وأجله إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ.
قرأ عاصم «تجارة» بالنصب على أنه خبر «تكون» . والباقون بالرفع على أنه اسم «تكون» والخبر «تديرونها» ، و «إلا» إما استثناء متصل راجع إلى قوله تعالى: إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ. والتقدير إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه إلا أن يكون الأجل قريبا وهو المراد من التجارة الحاضرة، وإما استثناء منقطع. فالتقدير: لكنه إذا كانت تجارتكم ومداينتكم تجارة حالة تتعاطونها يدا بيد، أو التقدير لكن إذا كانت تجارة حاضرة مقبوضة بينكم ولا أجل فيها فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها أي ليس عليكم مضرة في ترك الكتابة في المداينة الحاضرة كأن باع ثوابا بدرهم في الذمة بشرط أن يؤدى الدرهم في هذه الساعة، أي لا بأس بعدم الكتابة في ذلك
стр. 103
لبعده عن التنازع والنسيان. وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ بالأجل وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ بالكتابة وَلا شَهِيدٌ بالشهادة. وهذا إما مبني للفاعل فيكون نهيا للكاتب والشهيد عن إضرار من له الحق، وهو قول أكثر المفسرين والحسن وطاوس وقتادة، ويدل على ذلك قراءة عمر ﵁ ولا يضارر بالإظهار والكسر، واختار الزجاج هذا القول لقوله تعالى: وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ [البقرة: ٢٨٢] وذلك لأن اسم الفسق بمن يحرف الكتابة وبمن يمتنع عن الشهادة حتى يبطل الحق بالكلية ولأنه تعالى قال فيمن يمتنع عن الشهادة: وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [البقرة: ٢٨٣]- والآثم والفاسق متقاربان- وإما مبني للمفعول فيكون نهيا لصاحب الحق عن إضرار الكاتب والشهيد، كأنه يكلفهما ما لا يليق في الكتابة والشهادة ولا يعطي الكاتب جعله ولا الشهيد مؤنة مجيئه حيث كان فإن لهما الجعل، ولا يكلفان الكتابة والشهادة مجانا، وهو قول ابن مسعود وعطاء ومجاهد، ويدل على ذلك قراءة ابن عباس «ولا يضارر» بالإظهار والفتح، وهذا لو كان نهيا للكاتب والشهيد لقيل: وإن تفعلا فإنه فسوق بكما، ولأن دلالة الكلام من أول الآيات إنما هو في المكتوب له والمشهود له. وإذا كان هذا النهي متوجها للذين يقدمون على المداينة فالمنهيون عن الضرار هم وَإِنْ تَفْعَلُوا ما نهيتم عنه من الضرير فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ أي فإن فعلكم ذلك معصية منكم وخروج عن طاعة الله وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما حذر منه وهو هنا المضارة. أو المعنى اتقوا الله في جميع أوامره ونواهيه وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ما يكون إرشادا واحتياطا في أمر الدنيا كما يعلمكم ما يكون إرشادا في أمر الدين وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ من مصالح الدنيا والآخرة عَلِيمٌ (٢٨٢) فلا يخفى عليه حالكم وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو «فرهن» بضم الراء والهاء أو سكونه. والباقون «فرهان» بكسر الراء وفتح الهاء مع المد و «على» بمعنى في أو بمعنى إلى. أي وإن كنتم مسافرين أو متوجهين إلى السفر، ولم تجدوا كاتبا أو آلة الكتابة في المدينة فرهن مقبوضة بدل من الشاهدين، أو يقال في الوثيقة رهان مقبوضة فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ أي الدائن بَعْضاً أي المديون بالدين بلا رهن لحسن ظنه به فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ بالدين أَمانَتَهُ أي حق صاحبه وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ أي وليخش المديون ربه في أداء الدين عند حلول الأجل من غير مماطلة ولا إنكار بل يعامل الدائن معاملة حسنة كما أحسن ظنه فيه وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ عند الحكام بإنكار العلم بتلك الواقعة أو بالامتناع من أداء الشهادة عند الحاجة إلى إقامتها. وَمَنْ يَكْتُمْها أي الشهادة فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ أي فاجر قلبه وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ من كتمان الشهادة وإقامتها ومن الخيانة في الأمانة وعدمها عَلِيمٌ (٢٨٣) فيجازيكم على ذلك إن خيرا فخير وإن شرا فشر. لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وملكا من الخلق والعجائب يأمر عباده بما يشاء وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ من العزم على السوء بأن تظهروه للناس بالقول أو بالفعل أَوْ تُخْفُوهُ بأن تكتموه منهم وَلا يَأْبَ كاتِبٌ يوم القيامة. فالخواطر
стр. 104
الحاصلة في القلب على قسمين: ما يوطّن الإنسان نفسه عليه ويعزم على إدخاله في الوجود، وما لا يكون كذلك بل تكون أمورا خاطرة بالبال مع أن الإنسان يكرهها ولكنه لا يمكنه دفعها عن النفس. فالقسم الأول يكون مؤاخذا به، والثاني لا يكون مؤاخذا به فَيَغْفِرُ بفضله لِمَنْ يَشاءُ مغفرته وَيُعَذِّبُ بعدله مَنْ يَشاءُ تعذيبه وقد يغفر لمن يشاء الذنب العظيم، وقد يعذب من يشاء على الذنب الحقير. لا يسأل عما يفعل.
قرأ عاصم وابن عامر «فيغفر» ، «ويعذب» بالرفع. والباقون بالجزم. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من المغفرة والعذاب قَدِيرٌ (٢٨٤) آمَنَ الرَّسُولُ أي صدق محمد ﷺ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ أي من القرآن.
قال الزجاج: لما ذكر الله تعالى في هذه السورة فرض الصلاة والزكاة والصوم والحج، وذكر الطلاق والإيلاء والحيض والجهاد، وقصص الأنبياء، ختم السورة بذكر تصديق نبيه ﷺ والمؤمنين بجميع ذلك، انتهى. وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ أي كل واحد منهم آمَنَ بِاللَّهِ أي بوجوده وبصفاته وبأفعاله وبأحكامه وبأسمائه وَمَلائِكَتِهِ أي بوجودها وبأنهم معصومون مطهرون يخافون ربهم من فوقهم وأنهم وسائط بين الله وبين البشر. وأن كتب الله المنزّلة إنما وصلت إلى الأنبياء بواسطة الملائكة وَكُتُبِهِ. وقرأ حمزة والكسائي بكسر الكاف وفتح التاء مع المد بأن يعلم أن هذه الكتب وحي من الله تعالى إلى رسله، وأنها ليست من باب الكهانة ولا من باب السحر ولا من باب إلقاء الشياطين والأرواح الخبيثة وبأن يعلم أن الوحي بهذه الكتب، فالله تعالى لم يمكن أحدا من الشياطين من إلقاء شيء من ضلالاتهم في أثناء هذا الوحي الظاهر. وبأن يعلم أن هذا القرآن لم يغيّر ولم يحرّف، فمن قال: إن ترتيب القرآن على هذا الوجه شيء فعله عثمان ﵁ فقد أخرج القرآن عن كونه حجة وهو قول فاسد. وبأن يعلم أن القرآن مشتمل على المحكم والمتشابه وأن محكمه يكشف عن متشابهه وَرُسُلِهِ بأن يعلم كونهم معصومين من الذنوب. وبأن يعلم أن النبي أفضل ممن ليس بنبي وأن الرسل أفضل من الملائكة. وأن يعلم أن بعضهم أفضل من البعض لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ أي يقول المؤمنون لا نكفر بأحد من رسله بل نؤمن بصحة رسالة كل واحد منهم وَقالُوا أيضا سَمِعْنا قول ربنا وَأَطَعْنا أمر ربنا غُفْرانَكَ أي نسألك غفرانك من ذنوبنا رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) أي المرجع بعد الموت لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً من الطاعة إِلَّا وُسْعَها أي طاقتها لَها ما كَسَبَتْ أي ثوابه من الخير وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ أي وزره من الشرفان.
قلنا: إن هذا من كلام المؤمنين فوجه النظم إنهم لما قالوا: سمعنا وأطعنا فكأنهم قالوا:
كيف لا نسمع ولا نطيع، وإنه تعالى لا يكلفنا إلا ما في وسعنا وطاقتنا! فإذا كان هو تعالى بحكم
стр. 105
الرحمة الإلهية لا يطالبنا إلا بالشيء السهل الهين فكذلك نحن بحكم العبودية وجب أن نكون سامعين مطيعين. وإن قلنا: إن هذا من كلام الله تعالى فوجه النظم أنهم لما قالوا: سمعنا وأطعنا، ثم قالوا بعده: غفرانك ربنا، دل ذلك على أن قولهم: غفرانك، طلب للمغفرة مما يصدر عنهم من وجوه التقصير منهم على سبيل العمد، فلما كان قولهم غفرانك طلبا للمغفرة من ذلك التقصير فلا شك في أن الله تعالى خفف عنهم ذلك وقال: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها. والمعنى أنكم إذا سمعتم وأطعتم ولم تتعمدوا التقصير، فلو وقع منكم نوع تقصير على سبيل السهو والغفلة فلا تكونوا خائفين منه فإن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها. وبالجملة فهذا إجابة لهم من الله في دعائهم بقولهم غفرانك ربنا، اه. رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا أي يا ربنا لا تعاقبنا إِنْ نَسِينا طاعتك أَوْ أَخْطَأْنا في أمرك رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً أي تكليفا بالأمور الشاقة. كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا من بني إسرائيل أي لا تشدد علينا في التكاليف كما شددت على من قبلنا من اليهود.
قال المفسرون: إن الله تعالى فرض عليهم خمسين صلاة في اليوم والليلة، وأمرهم بأداء ربع أموالهم في الزكاة. ومن أصاب ثوبه نجاسة أمر بقطعها. وكانوا إذا نسوا شيئا عجلت لهم العقوبة في الدنيا، وكانوا إذا أتوا بخطيئة حرم عليهم من الطعام بعض ما كان حلالا لهم رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ أي قوة لَنا بِهِ من البلاء والعقوبة. أي ولا تحمل علينا أيضا ما لا راحة لنا فيه من الاستكراه. وَاعْفُ عَنَّا أي امح آثار ذنوبنا وَاغْفِرْ لَنا أي استر عيوبنا ولا تفضحنا بين عبادك. وَارْحَمْنا أي تعطّف بنا وتفضّل علينا. أَنْتَ مَوْلانا أي أنت سيدنا وناصرنا ونحن عبيدك ويقال: واعف عنا من المسخ كما مسخت قوم عيسى واغفر لنا من الخسف كما خسفت بقارون، وارحمنا من القذف كما قذفت قوم لوط. فلما دعوا بهذا الدعاء رفع الله عنهم ذنوب حديث النفس والنسيان والخطأ والاستكراه وعفا عنهم من الخسف والمسخ والقذف. فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦) أي انصرنا عليهم في محاربتنا معهم، وفي مناظرتنا بالحجة معهم، وفي إعلاء دولة الإسلام على دولتهم. ولما مدح الله تعالى المتقين في أول السورة بيّن في آخر السورة أنهم أمة محمد ﷺ فقال: وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وهذا هو المراد بقوله تعالى هناك: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ثم قال هاهنا:
وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا هو المراد بقوله تعالى هناك: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ثم قال هاهنا: غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ وهو المراد بقوله تعالى هناك: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ثم حكى الله تعالى عنهم هاهنا كيفية تضرعهم إلى ربهم في قولهم: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا إلى آخر السورة وهو المراد بقوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فانظر كيف حصلت الموافقة بين أول السورة وآخرها.
стр. 106
سورة آل عمران
مدنية، مائتان آية، ثلاثة آلاف وخمسمائة وثلاث كلمات، أربعة عشر ألفا وتسعمائة وسبعة وثمانون حرفا
الم (١) اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ أي الذي لا يموت ولا يزول الْقَيُّومُ (٢) أي القائم بذاته والقائم بتدبير خلقه.
قال الكلبي والربيع بن أنس، ومحمد بن إسحاق: نزلت هذه الآيات في شأن وفد نصارى نجران، وكانوا ستين راكبا قدموا على رسول الله ﷺ ودخلوا المسجد حين صلّى العصر، عليهم ثياب الحبرات، وفيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، وثلاثة منهم كانوا أكابر القوم:
أحدهم: أميرهم واسمه عبد المسيح.
والثاني: مشيرهم وذو رأيهم واسمه الأيهم.
والثالث: حبرهم يقال له: أبو حارثة بن علقمة. فكلم الأيهم وعبد المسيح فقال لهما رسول الله ﷺ : «أسلما» قالا قد أسلمنا قبلك. قال: «كذبتما يمنعكما من الإسلام ثلاثة أشياء:
إثباتكما لله ولدا، وعبادتكم للصليب، وأكلكما الخنزير» . قالوا: إن لم يكن عيسى ولد الله فمن أبوه! وخاصموه ﷺ في عيسى. فقال لهم النبيّ صلّى الله عليه
وسلّم: «ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟» . قالوا: بلى. قال: «ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟» .
قالوا: بلى. قال: «ألستم تعلمون أن ربنا قيّم على كل شيء يحفظه ويرزقه؟» . قالوا: بلى. قال:
«فهل يملك عيسى من ذلك شيئا؟» . قالوا: لا. قال: «ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟» . قالوا: بلى. قال: «فهل يعلم عيسى من ذلك إلا ما علمه الله؟» . قالوا:
لا. قال: «فإن ربنا صوّر عيسى في الرحم كيف يشاء فهل تعلمون ذلك؟» قالوا: بلى. قال:
«ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث؟» . قالوا: بلى، قال: «ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة، ثم غذي
стр. 107
كما يغذى الصبي، ثم كان يطعم ويشرب ويحدث؟» قالوا: بلى. قال: «وكيف يكون هذا كما زعمتم؟!» »
. فسكتوا، فأنزل الله تعالى من ابتداء السورة إلى آية المباهلة تثبيتا لما احتج به النبي عليهم
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ أي القرآن.
وقرئ قراءة شاذة بتخفيف نزل ورفع الكتاب بِالْحَقِّ أي بالعدل في أحكامه أو بالصدق في أخباره وفي وعده ووعيده، أو بالحجج المحققة أنه من عند الله تعالى، أو بالقول الفصل وليس بالهزل ولا بالمعاني الفاسدة المتناقضة. مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أي لما تقدمه من الكتب السالفة في الدعوة إلى الإيمان والتوحيد وتنزيه الله تعالى عما لا يليق بشأنه تعالى وفي الأمر بالعدل والإحسان، وفي أنباء الأنبياء والأمم الخالية وفي بعض الشرائع. وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ جملة على موسى بن عمران، وَالْإِنْجِيلَ (٣) جملة على عيسى ابن مريم مِنْ قَبْلُ أي من قبل تنزيل القرآن هُدىً لِلنَّاسِ أي حال كونهما هاديين من الضلالة، أو أنزل هذه الكتب الثلاثة لهداية الناس وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ قيل: المراد الزبور فإنه مشتمل على المواعظ الداعية إلى الخير، الزاجرة عن الشر، الفارقة بين الحق والباطل، ثم المختار عند الفخر الرازي أن المراد من الفرقان هو المعجزات التي قرنها تعالى بإنزال هذه الكتب الثلاثة لأنه لما أظهر الله تعالى تلك المعجزات على وفق دعوى الرسل حصلت المفارقة بين دعوى الصادق ودعوى الكاذب، فالمعجزة هي الفرقان.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أي القرآن وغيره كوفد بني نجران ونحوهم بأن كذبوا بالآيات الناطقة بالتوحيد والتنزيه المبشّرة بنزول القرآن ومبعث النبيّ ﷺ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بسبب كفرهم بها وَاللَّهُ عَزِيزٌ أي غالب لا يغلب ذُو انْتِقامٍ (٤) أي عقوبة عظيمة. فالعزيز إشارة إلى القدرة التامة على العقاب، وذو الانتقام إشارة إلى كونه فاعلا للعقاب. فالأول صفة الذات، والثاني صفة الفعل. إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ قصيرا أو طويلا، حسنا أو قبيحا، ذكرا أو أنثى، سعيدا أو شقيا. وهذه الآية واردة في الرد على النصارى. وذلك أن النصارى ادعوا إلهية عيسى بأمرين: بالعلم والقدرة. فإن عيسى كان يخبر عن الغيوب فيقول لهذا: أنت أكلت في دارك كذا، وصنعت في دارك كذا. وكان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا، ثم إنه تعالى استدل على بطلان قولهم في إلهية عيسى وفي التثليث بقوله تعالى: الْحَيُّ الْقَيُّومُ فالإله يجب أن يكون حيا قيوما، وعيسى لم يكن كذلك. فيلزم القطع بأنه لم يكن إلها. ولما قالوا: إن عيسى أخبر عن الغيوب فوجب أن يكون إلها، فرد الله عليهم بقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ. والمعنى لا يلزم من كونه عالما ببعض المغيبات أن يكون إلها
стр. 108
لاحتمال أنه علم ذلك بتعليم الله تعالى له ذلك. ولما قالوا: إن عيسى كان يحيي الموتى فوجب أن يكون إلها، فرد الله عليهم بقوله: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ. والمعنى إن حصول الإحياء على وفق قوله ﵇ في بعض الصور لا يدل على كونه إلها لاحتمال أن الله تعالى أكرمه بذلك الإحياء إظهارا لمعجزته وإكراما له. ولما قالوا: يا أيها المسلمون أنتم توافقوننا على أن عيسى لم يكن له أب من البشر فوجب أن يكون ابنا لله، فأجاب الله تعالى عن ذلك أيضا بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ فإن هذا التصوير لما كان من الله تعالى فإن شاء صوّر من نطفة الأب، وإن شاء صوّره ابتداء من غير أب. ولما قالوا للرسول ﷺ : ألست تقول: إن عيسى روح الله وكلمته؟ فهذا يدل على أنه ابن الله! فأجاب الله عن ذلك بأن هذا اللفظ من باب المتشابهات فوجب رده إلى التأويل وذلك هو المراد بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فظهر بذلك المذكور أن قوله تعالى: الْحَيُّ الْقَيُّومُ إشارة إلى أن عيسى ليس بالإله ولا ابن الإله. وأما قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فهو جواب عن الشبهة المتعلقة بالعلم. وقوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ جواب عن تمسكهم بقدرة عيسى على الإحياء ونحوه. لأنه لو قدر على الإحياء لقدر على الإماتة، ولو قدر على الإماتة لأمات اليهود الذين قتلوه- وعلى زعم النصارى- فثبت أن حصول الإحياء في بعض الصور لا يدل على كونه إلها، وهو جواب أيضا عن تمسكهم بأن من لم يكن له أب من البشر وجب أن يكون ابنا لله، فكأنه تعالى يقول كيف يكون عيسى ولد الله وقد صوّره في الرحم والمصوّر لا يكون أبا للمصوّر. وأما قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ إلى آخر الآيات فهو جواب عن تمسكهم بما ورد في القرآن: أن عيسى روح الله وكلمته، ثم إنه تعالى لما أجاب عن شبهتهم أعاد كلمة التوحيد زجرا لسائر النصارى عن قولهم بالتثليث فقال: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة، والحكيم إشارة إلى كمال العلم وهذا تثبيت لما تقدم من أن علم عيسى ببعض الغيوب وقدرته على الإحياء في بعض الصور لا يكفي في كونه إلها. فإن الإله لا بدّ وأن يكون كامل القدرة وهو العزيز وكامل العلم وهو الحكيم. هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ أي القرآن مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ أي محكمة العبارة محفوظة من الاحتمال، قطعية الدلالة على المعنى المراد.
هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ أي أصل في الكتاب وعمدة ترد إليها آيات متشابهات. ومثال المتشابه قوله تعالى: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ
[الإسراء: ١٦] . فظاهر هذا الكلام أنهم يؤمرون بأن يفسقوا والمحكم قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ [الأعراف: ٢٨] ردا على الكفار فيما حكى عنهم وإذا فعلوا فاحشة قالوا: وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها والآية المتشابهة قوله تعالى: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة: ٦٧] . والآية المحكمة قوله تعالى: وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا. [مريم: ٦٤] وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ أي وآيات أخر محتملات لمعان متشابهة لا يتضح
стр. 109
مقصودها لإجمال أو مخالفة ظاهرة إلا بنظر دقيق وتأمل أنيق فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ أي ميل عن الحق إلى الأهواء الباطلة فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ أي فيتعلقون بظاهر المتشابه من الكتاب ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ أي طلب الفتنة في الدين- وهي الضلال عنه- فإنهم متى أوقعوا تلك المتشابهات في الدين صار بعضهم مخالفا لبعض، وذلك يفضي إلى الهرج والتقاتل وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ أي وطلب تأويل المتشابه على ما ليس في كتاب الله عليه دليل ولا بيان، والمنصف يحمل الأمر في الآيات على أقسام ثلاثة:
أحدها: ما يتأكد ظاهرها بالدلائل العقلية فذلك هو المحكم حقا.
وثانيها: الذي قامت الدلائل القاطعة على امتناع ظواهرها فذاك هو الذي يحكم فيه بأن مراد الله تعالى غير ظاهره.
وثالثها: الذي لا يوجد مثل هذه الدلائل على طرفي ثبوته وانتفائه فيكون من حقه التوقف فيه، ويكون ذلك متشابها، بمعنى أن الأمر اشتبه فيه ولم يتميز أحد الجانبين
عن الآخر، إلا أن الظن الراجح حاصل في إجرائها على ظواهرها وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ أي وما يعلم تأويل المتشابه حقيقة إلا الله وحده. ونقل عن ابن عباس ﵄ أنه قال: تفسير القرآن على أربعة أوجه: تفسير لا يمكن لأحد جهله، وتفسير تعرفه العرب بألسنتها، وتفسير يعرفه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى. وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ أي بالكتاب كُلٌّ أي كل واحد من المحكم والمتشابه مِنْ عِنْدِ رَبِّنا والراسخ في العلم: هو الذي عرف ذات الله وصفاته بالدلائل اليقينية القطعية، وعرف أن القرآن كلام الله تعالى بالدلائل اليقينية، وعرف أنه تعالى لا يتكلم بالباطل والعبث، فإذا رأى شيئا متشابها ودل الدليل القطعي على أن الظاهر ليس مراد الله تعالى علم حينئذ قطعا أن مراد الله شيء آخر سوى ما دلّ عليه ظاهره، ثم فوض تعيين ذلك المراد إلى علمه تعالى وقطع بأن ذلك المعنى على أي شيء كان فهو الحق والصواب، لأنه علم أن ذلك المتشابه لا بدّ وأن يكون له معنى صحيح عند الله تعالى وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا أي وما يتعظ بما في القرآن إلا ذوو العقول الكاملة الخالصة عن الركون إلى الأهواء الزائفة- وهذا مدح للراسخين بجودة الذهن وحسن النظر- وهذه الآية دالة على علو شأن المتكلمين الذين يبحثون عن الدلائل العقلية، ويتوسلون بها إلى معرفة ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، ولا يفسرون القرآن إلا بما يطابق دلائل العقول ويوافق اللغة والإعراب، ومن تكلم في القرآن من غير أن يكون متبحرا في علم الأصول وفي علم اللغة والنحو كان في غاية البعد عن الله تعالى. ولما آمن الراسخون في العلم بكل ما أنزل الله تعالى من المحكمات والمتشابهات تضرعوا إلى الله تعالى بقولهم: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا أي لا تمل قلوبنا عن دينك بعد إذ هديتنا لدينك أو يقال: يا ربنا لا تجعل
стр. 110
قلوبنا مائلة إلى الباطل بعد أن تجعلها مائلة إلى الحق وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً أي نور الإيمان والتوحيد والمعرفة في القلب، ونور الطاعة والعبودية والخدمة في الأعضاء، وسهولة أسباب المعيشة من الأمن والصحة والكفاية في الدنيا، وسهولة سكرات الموت عند الموت، وسهولة السؤال والظلمة في القبر وغفران السيئات وترجيح الحسنات في القيامة. إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) لكل مطلوب فإن هذا الذي طلبته منك في هذا الدعاء عظيم بالنسبة إليّ لكنه حقير بالنسبة إلى كمال كرمك وغاية جودك ورحمتك.
وكان ﷺ يقول: «يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك»
«١» . رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ أي يا ربنا إنك تجمع الناس للجزاء في يوم لا شك في وقوعه فجازنا فيه أحسن الجزاء إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٩) أي الوعد وهذا من بقية كلام الراسخين في العلم، وذلك لأنهم لما طلبوا من ربهم أن يصونهم عن الزيغ وأن يخصهم بالهداية وأنواع الرحمة فكأنهم قالوا: ليس غرضنا من هذا السؤال ما يتعلق بمصالح الدنيا فإنها منقرضة وإنما غرضنا الأعظم منه ما يتعلق بالآخرة فإنا نعلم أنك يا إلهنا جامع الناس للجزاء في يوم القيامة ونعلم أن وعدك بالجزاء والحساب، والميزان والصراط والجنة والنار لا يكون خلفا، فمن زاغ قلبه بقي هناك في العذاب أبد الآباد، ومن أعطيته الهداية والرحمة بقي هناك في السعادة والكرامة أبد الآباد. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ أي إن الذين كفروا ككعب بن الأشرف وأصحابه وأبي جهل وأصحابه لن تنفعهم كثرة أموالهم وكثرة أولادهم. مِنَ اللَّهِ أي من عذاب الله أو عند الله شَيْئاً.
وقيل: إن المراد بهؤلاء وفد نجران. وذلك لأن أبا حارثة بن علقمة قال لأخيه كرز: إني لأعلم أن محمدا رسول الله حقا وهو النبي الذي كنا ننتظره، ولكنني إن أظهرت إيماني بمحمد أخذ ملوك الروم مني ما أعطوني من المال الكثير والجاه، فالله تعالى بيّن أن أموالهم وأولادهم لا تدفع عذاب الله في الدنيا والآخرة. نعم إن اللفظ عام وخصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ وَأُولئِكَ المتصفون بالكفر هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) أي حطب النار الذي تسعر به
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ أي شأن هؤلاء في تكذيب محمد ﷺ كشأن آل فرعون في التكذيب بموسى وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي من مكذبي الرسل كقوم هود وقوم صالح كَذَّبُوا بِآياتِنا وهي المعجزات. ومتى كذبوا بها فقد كذبوا بالأنبياء بلا شك فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ أي عاقبهم الله بتكذيبهم المعجزات الدالة على صدق الرسل. وإنما استعمل الأخذ في العقاب لأن من ينزل به العقاب يصير كالمأسور المأخوذ لا يقدر على التخلص وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (١١)
وعن سعيد بن جبير وعكرمة