ولأنها لا تثمر إلا عند اللقاح من ذكر النخل، وإذا قطعت رأسها ماتت. فكأنه تعالى قال: كما أن الأنثى لا تلد إلا مع الذكر، فكذا النخلة لا تثمر إلا عند اللقاح. ثم إني أظهر الرطب من غير اللقاح، ليدل ذلك على جواز ظهور الولد من غير ذكر فحملها بمجرد هزها أنسب شيء بإتيانها بولد من غير والد، قالَتْ لما خافت أن يظن بها السوء في دينها، فيقع في المعصية من يتكلم فيها وهي راضية بما بشّرها به جبريل: يا أي أنبهك يا مخاطب، لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا، الوقت الذي فيه الأمر العظيم.
وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي «مت» بكسر الميم. والباقون بالضم. وَكُنْتُ نَسْياً، أي شيئا تافها لا يعتدّ به أصلا كخرقة الطمث، ونحوها.
وقرأ حفص وحمزة وابن وثاب والأعمش بفتح النون، والباقون بالكسر. وقرأ محمد بن كعب القرظي «نسأ» بالهمز وبهما، وهو الحليب المخلوط بالماء الكثير ينساه أهله لقلته واستهلاكه في الماء، مَنْسِيًّا (٢٣) أي متروكا لم يذكر بالبال، وهو نعت للمبالغة. وهذا جرى على عادة الصالحين عند اشتداد الأمر عليهم، فإنهم يقولون مثل ذلك.
كما روي عن أبي بكر أنه نظر إلى طائر على شجرة فقال: طوبى لك يا طائر تقع على الشجرة، وتأكل من الثمر وددت أني ثمرة ينقرها الطائر. وعن عمر أنه أخذ تبنة من الأرض فقال:
يا ليتني هذه التبنة ولم أك شيئا. وعن علي أنه قال يوم الجمل: يا ليتني متّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة. وعن بلال أنه قال: ليت بلالا لم تلده أمه. وقرأ الأعمش: «منسيا» بكسر الميم اتباعا للسين. فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) .
وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي: ب «من» الجارة، أي فناداها جبريل من مكان أسفل منها تحت الأكمة، أي لا تحزني يا مريم على ولادة عيسى، قد جعل ربك بمكان أسفل منك، أو قريب منك نهرا صغيرا، أو إنسانا شريفا جليلا.
ويدل على ذلك قراءة ابن عيسى، فناداها ملك من تحتها، ويقال: فناداها المولود كائنا من تحت ذيلها، أي لا تحزني يا أمي، قد جعل ربك تحتك جدولا يجري، ويمسك بأمرك، أو نبيا مرتفع القدر. وقرأ الباقون ب «من» الموصولة.
وقرأ زر وعلقمة «فخاطبها» من تحتها بفتح الميم، أي فناداها عيسى الذي كان تحت ذيلها أي لا تحزني قد جعل ربك تحتك رئيسا عزيزا لا يكاد يوجد له نظير أو جدولا بضرب جبريل الأرض برجله.
ويقال: فناداها جبريل من تحتها يقبل الولد كالقابلة، أو من تحت النخلة بأن لا تحزني، قد جعل ربك قربك عين ماء عذب، تعظيما لشأنك فإن الله تعالى أرسل جبريل إليها ليناديها بهذه الكلمات. كما أرسل إليها في أول الأمر ليكون ذلك تذكيرا لها ما تقدم من أصناف البشارات، أو
стр. 667
يقال: إن الله تعالى أنطق عيسى لها حين وضعته تطييبا لقلبها، وإزالة للوحشة عنها، حتى تشاهد في أول الأمر ما بشّرها به جبريل من علوّ شأن ذلك الولد.
كما
قال الحسن بن علي ﵄: إن عيسى ﵇ لو لم يكن كلّمها لما علمت أنه ينطق، فما كانت تشير إلى عيسى بالكلام
. وحمل فاعل «نادى» على عيسى أقرب وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ أي حرّكي أصل النخلة تحريكا عنيفا إلى جهتك، تُساقِطْ عَلَيْكِ أي تسقط النخلة عليك إسقاطا متواترا بحسب تواتر الهز، رُطَباً جَنِيًّا (٢٥) أي طريا استحق أن يجنى.
وقرأ حمزة بفتح التاء والسين مخففة، وفتح القاف. وقرأ حفص بضم التاء، وكسر القاف.
والباقون بفتح التاء، وتشديد السين، وفتح القاف، فَكُلِي وَاشْرَبِي أي فكلي من الرطب، واشربي من النهر، أو كلي من الرطب، واشربي من عصيره. وَقَرِّي عَيْناً أي طيبي نفسا بولدك عيسى، فالعين إذا رأت ما يسّر النفس سكنت إليه من النظر إلى غيره، وأن دمعة السرور باردة، ودمعة الحزن حارة، ولذلك يقال: للمحبوب قرة العين، وللمكروه سخنة العين. فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) ، أن فإن تري يا مريم أحدا من الآدميين فيسألك عن ولدك، فقولي له إن استنطقك: إني نذرت للرحمن صمتا فلن أكلم اليوم آدميا، بعد أن أخبرتك بنذري وإنما أكلم الملائكة، وأناجي ربي. وإنما منعت مريم من الكلام ليكون عيسى المتكلم عنها، فيكون أقوى لحجتها في إزالة التهمة عنها، ولكراهة مجادلة السفهاء. فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ أي فجاءتهم مع ولدها عيسى حاملة له وهو ابن أربعين يوما.
روي عن ابن عباس أن يوسف انتهى بمريم إلى غار فأدخلها فيه أربعين يوما حتى طهرت من النفاس، ثم حملته إلى قومها، فكلّمها عيسى في الطريق، فقال: يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه.
فلما دخلت على أهلها ومعها الصبي بكوا وحزنوا وكانوا أهل بيت صالحين. قالُوا مؤنبين لها:
يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (٢٧) ، أي لقد فعلت شيئا منكرا عظيما، يا أُخْتَ هارُونَ، أي يا شبيهة هارون في العبادة وكان هارون هذا رجلا صالحا من أفضل الناس من بني إسرائيل، ينسب إليه كل من عرف بالصلاح وهذا لمّا مات تبع جنازته أربعون ألفا كلهم يسمّون هارون تبركا به وباسمه. والمراد أنك يا مريم كنت في الزهد كهارون، فكيف صرت هكذا! ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ، أي ما كان أبوك عمران رجلا زانيا، وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) ، أي وما كانت أمك حنة امرأة فاجرة فَأَشارَتْ، مريم إِلَيْهِ، أي إلى عيسى أن كلموه، قالُوا منكرين لجوابها: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ، أي في الحجر أو في السرير صَبِيًّا (٢٩) أي صغيرا ابن أربعين يوما.
روي أن عيسى كان يرضع، فلما سمع ذلك ترك الرضاع، وأقبل عليهم بوجهه، واتكأ على يساره، وأشار بسبابة يمينه، فتكلم عيسى قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ، وإنما نص عيسى على إثبات عبودية نفسه، لأن إزالة التهمة عن الله تعالى، تفيد إزالة التهمة عن الأم، لأن الله تعالى لا يخص
стр. 668
الفاجرة بولد في هذه الدرجة العالية. أما التكلم بإزالة التهمة عن الأم لا يفيد إزالة التهمة عن الله تعالى، فكان الاشتغال بذلك أولى. وقد وصف عيسى ﵇ نفسه بصفات ثمانية: أولها:
العبودية، فاعترف بها لئلا يتخذوه إلها. وآخرها: تأمين الله له في أخوف المقامات، وكل هذه الصفات تقتضي تبرئة أمه. آتانِيَ الْكِتابَ، أي علمني التوراة والإنجيل في بطن أمي، وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) بعد الخروج من بطن أمي،
وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أي نفاعا معلما للخير، أَيْنَ ما كُنْتُ، أي في أي مكان كنت.
روى الحسن عن النبي ﷺ قال: «سلمت مريم عيسى إلى الكتاب، فقالت للمعلم: أدفعه إليك على أن لا تضربه، فقال له المعلم: اكتب. فقال: أيّ شيء أكتب؟ فقال: اكتب أبجد.
فرفع عيسى ﵇ رأسه فقال: هل تدري ما أبجد؟ فعلاه بالدرة ليضربه، فقال: يا مؤدب لا تضربني، إن كنت لا تدري فاسألني فإني أعلمك الألف من آلاء الله، والباء من بهاء الله، والجيم من جمال الله، والدال من أداء الحق إلى الله»
. وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ أي أمرني بإقامة العبودية وتطهير النفس عن الصفات الذميمة. ما دُمْتُ حَيًّا (٣١) ، في الدنيا ليكون ذلك حجة على من ادعى أنه ﵇ إله، لأنه لا شك في أن من يعبد إلها ليس بإله، والله تعالى صيّره حين انفصل عن أمه عاقلا. وَبَرًّا بِوالِدَتِي أي وكلفني برا بأمي، وهذا إشارة إلى غير تنزيه أمه عن الزنا، إذ لو كانت زانية لما كان الرسول المعصوم مأمورا بتعظيمها. وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً، أي متعاظما. شَقِيًّا (٣٢) أي عاصيا لله، عنيدا له لفرط التكبر، بل جعلني متواضعا. وكان من تواضعه أنه كان يأكل ورق الشجر، ويجلس على التراب، ولم يتخذ له مسكنا. وروي أن عيسى ﵇، قال: قلبي لين وأنا صغير في نفسي. وَالسَّلامُ عَلَيَّ أي الأمان من الله علي، يَوْمَ وُلِدْتُ، أي حين ولدت من لمزة الشيطان، وَيَوْمَ أَمُوتُ، أي حين أموت من ضغطة القبر، وَيَوْمَ أُبْعَثُ من القبر، حَيًّا (٣٣) . وإنما خصّ هذه المواضع لكونها أخوف من غيرها. ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ، أي عيسى بن مريم كلمة الله، فالحق اسم الله، أو المعنى خبر عيسى ابن مريم خبر الحق، فعيسى عطف بيان.
وقرأ عاصم وابن عامر قول الحق بالنصب على المدح إن فسّر بكلمة الله فحينئذ الوقف في مريم وقف كاف وإن فسّر بالقول الصدق، كان مصدرا مؤكدا لقال: إني عبد الله، ف «عيسى» خبر المبتدأ وعلى قراءة النصب كان اسم الإشارة راجعا لمن بينت نعوته الجليلة. الَّذِي فِيهِ، أي في عيسى يَمْتَرُونَ (٣٤) ، أي يتنازعون.
فيقول اليهود: هو ساحر. ويقول بعض النصارى: هو ابن الله. ويقول بعضهم: هو الله.
ويقول: بعضهم هو شريكه. ما كانَ لِلَّهِ، أي ما صحّ له تعالى، أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ، لأنه يلتزم من اتخاذه ولدا الحاجة، وهو نقص، سُبْحانَهُ، أي تنزه الله عن ذلك، إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) . أي إذا أراد الله أن يحدث أمرا من الأمور، فإنما يريده ويعلق قدرته به، فيكون
стр. 669
حينئذ بلا تأخير. وقرأ ابن عامر بنصب «يكون» على الجواب. وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ.
قرأ ابن عامر والكوفيون بكسر «إن» عطف على قوله: «إني عبد الله» أو على الاستئناف، ويؤيده ما قرأه أبي «إن الله» بالكسر بغير واو. وقرأ أبو عمرو والمدنيون بالفتح على حذف حرف الجر متعلقا بما بعده، أي ولأن الله أو بسبب أنه تعالى ربي وربكم فاعبدوه. هذا التوحيد ونفي الولد والزوجة الذي أمرتكم به، صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦) ، يوصل إلى الجنة ورضا الله تعالى. فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ، أي اختلف النصارى في شأن عيسى ﵇ بعد رفعه إلى السماء. فأخرج كل قوم عالمهم، فأخرج منهم أربعة نفر، فقال أحدهم: هو الله تعالى هبط إلى الأرض، فأحيا من أحيا وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء، وهم: اليعقوبية. فقالت الثلاثة كذبت. ثم قال اثنان منهم للثالث: قل فيه، قال: هو ابن الله وهم النسطورية. فقال الاثنان: كذبت. ثم قال أحد الاثنين للآخر قل فيه. فقال: هو ثالث ثلاثة الله إله، وهو إله، وأمه إله، وهم الإسرائيلية، ملوك النصارى، ولذلك سموا ملكانية. فقال الرابع: كذبت، بل هو عبد الله، وروحه، ورسوله، وكلمته، فخصمهم، وقال: أما تعلمون أن عيسى كان يطعم، وينام، وأن الله تعالى لا يجوز عليه ذلك، وهم المسلمون. وكان لكل رجل منهم أتباع على ما قال، فاقتتلوا وغلبوا على المسلمين.
فذلك قول الله تعالى: وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ [آل عمران: ٢١] فصاروا أحزابا. وذلك قوله تعالى: فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فاختلفوا فيه، وهذا معنى قوله تعالى: الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ فَوَيْلٌ أي فشدّة عذاب، لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي اختلفوا في شأن عيسى، مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧) ، أي من حضور هول الحساب، والجزاء يوم القيامة، أو من مكان الحضور في الحساب وهو الموقف، أو من وقت حضوره، أو من شهادة ذلك اليوم عليهم، وهو شهادة الملائكة والأنبياء، وشهادة ألسنتهم وأيديهم، وأرجلهم بالكفر وسوء الأعمال، أو من وقت شهادة يوم عظيم الهول أو من مكانها. أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا، أي أن أسماعهم وأبصارهم يوم يأتوننا للحساب والجزاء، جدير بأن يتعجب منهما بعد ما كانوا صما وعميانا في الدنيا. لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٨) ، أي لكن الكافرون في الدنيا في ضلال مبين، حيث تركوا النظر بالكلية، وهم في الآخرة يعرفون الحق. وَأَنْذِرْهُمْ، أي خوف يا أشرف الخلق، كفار مكة يَوْمَ الْحَسْرَةِ، أي يوم الندامة، إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ أي فرغ من الحساب ببيان أمر الثواب والعقاب، فيندم في ذلك اليوم الناس، المسيء على إساءته في الدنيا، والمحسن على قلة إحسانه فيها.
روي أن النبي ﷺ ، سئل عن قوله تعالى: إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ، فقال: «حين يجاء بالموت على صورة كبش أملح فيذبح، والفريقان ينظران فينادي المنادي: يا أهل الجنة، خلود فلا موت، ويا أهل النار، خلود فلا موت، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرح، وأهل النار غما إلى
стр. 670
غم»
. «١» و «إذ» بدل من «يوم الحسرة» أو ظرف ل «الحسرة» ، و «يوم الحسرة» مفعول به، أي خوفهم نفس ذلك اليوم. وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٩) ، أي أنذرهم في حال كونهم في جهلة عن ذلك اليوم، وفي حال كونهم لا يصدقون به. إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها، أي إنا لا ندع في الأرض شيئا من عاقل وغيره ونسلب جميع ما في أيديهم وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٤٠) أي وإلى حكمنا يردّون للجزاء، وهذا تخويف عظيم للعصاة.
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ، أي واتل على كفار مكة قصة إبراهيم في هذه السورة، فإنهم ينتسبون إليه ﵇، فعساهم باستماع قصته يتركون ما هم فيه من القبائح. إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً أي يبلغ الصدق في أقواله، وأفعاله وأحواله. نَبِيًّا (٤١) ، رفيع القدر عند الله، وعند الناس، فلا رفعة أعلى من رفعة من جعله الله واسطة بينه، وبين عباده. إِذْ
قالَ لِأَبِيهِ
، آزر، متلطفا في الدعوة: يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ
، ثناءك عليه، وَلا يُبْصِرُ
، خشوعك بين يديه، وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً
(٤٢) ، أي ولا يقدر على أن يكفيك شيئا من جلب نفع، أو دفع ضرّ. يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي، من الله، مِنَ الْعِلْمِ، أي علم الوحي، ما لَمْ يَأْتِكَ، منه، فَاتَّبِعْنِي، بالتوجه إلى الله، أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا (٤٣) ، أي طريقا موصلا إلى أسنى المطلب، منجيا عن المعاطب. يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ، فإن عبادتك للأصنام عبادة له، إذ هو الذي يزيّنها بوسوسته. إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (٤٤) ، فطاعة العاصي عصيان، والعصيان يوجب العذاب. يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ. إن لم تؤمن به، فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (٤٥) أي قرينا في العذاب.
روي عن أبي هريرة أنه قال: قال ﷺ : «أوحى الله إلى إبراهيم ﵇، أنك خليلي، فحسّن خلقك، ولو مع الكفار، تدخل مداخل الأبرار، فإن كلمتي سبقت لمن حسّن خلقه، أن أظلّه تحت عرشي. وأن أسكنه حظيرة قدسي، وأن أدنيه من جواري»
«٢» . قالَ آزر: أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي، أي أمعرض أنت عن آلهتي! يا إِبْراهِيمُ، أنكر آزر نفس الانصراف عن الأصنام مع نوع من التعجب، كان الانصراف عنها مما لا يصدر من العاقل. لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ، عن مقالتك هذه، لَأَرْجُمَنَّكَ، أي لأقتلنك، أي لأظهرن، أمرك للناس ليقتلوك، وهذا تهديد عما كان إبراهيم عليه من العظة. وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) أي تباعد عني لكيلا أراك زمانا طويلا. قالَ
стр. 671
إبراهيم: سَلامٌ عَلَيْكَ، وهذا توادع ومتاركة، أي لا أشافهك بما يؤذيك بعد. سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي، أي أدعو لك ربي أن يهديك إلى الإيمان، فإن حقيقة الاستغفار للكافر طلب التوفيق للإيمان المؤدي للمغفرة. إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) ، أي بليغا في البرّ والألطاف. وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أي وأترككم وما تعبدون من الأصنام، بالارتحال من بلادكم.
وَأَدْعُوا رَبِّي، أي أعبده وحده. عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي، أي بعبادته، شَقِيًّا (٤٨) ، أي ضائع العمل كما ضاع عملكم بعبادة الأوثان. فارتحل سيدنا إبراهيم من كوثي إلى الأرض المقدسة. فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أي فلما فارقهم إبراهيم في المكان في طريقتهم من عبادة الأوثان وأبعد عنهم إلى الأرض المقدسة، والتشاغل بالعبادة، وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ، يأنس بهما لأنه عاش حتى رأى يعقوب. وَكُلًّا أي كل واحد منهم جَعَلْنا نَبِيًّا (٤٩) ، ينبئهم الله تعالى بعلوم المعارف، وهم ينبّئون الخلق بالله وبالإسلام. وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا، المال، والجاه والأتباع، والذرية الطيبة. وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠) ، أي جعلنا لهم ثناء صادقا يفتخر بهم الناس، ويثنون عليهم، ويذكرهم الأمم كلها إلى يوم القيامة، بما لهم من الخصال المرضية.
وتقول هذه الأمة في الصلوات الخمس: كما صلّيت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إلى قيام الساعة.
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً. قرأه عاصم وحمزة والكسائي، بفتح اللام أي معصوما من الأدناس، اختاره الله تعالى. والباقون بالكسر أي مخلصا لعبادته عن الرياء، ولنفسه عما سوى الله. وَكانَ رَسُولًا إلى بني إسرائيل والقبط، نَبِيًّا (٥١) يخبرهم عن الله تعالى. وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ أي الذي يلي يمين موسى، والطور: جبل بين مصر ومدين، وذلك حين توجه من مدين إلى مصر، أي تمثل له الكلام من تلك الجهة. يقول يا موسى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ [طه: ١٤] وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا (٥٢) ، أي مناجيا أي رفعنا قدره، وشرّفناه بالمناجاة، بأن أسمعه الله تعالى كلامه بلا واسطة. وقيل: رفعناه مكانا عاليا فوق السموات، حتى سمع صرير القلم حيث كتبت التوراة في الألواح. وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا (٥٣) ، أي وجعلنا أخاه هارون نبيا من أجل رأفتنا به، ليكون وزيرا له، ومعينا له في تبليغ الرسالة.
وهذا إشارة إلى أن النبوة ليست كسبية، بل هي من مواهب الله تعالى، يهب لمن يشاء النبوة والرسالة، وإشارة إلى أن لموسى اختصاصا بالقربة، والقبول عند الله تعالى، حتى يهب أخاه هارون النبوة والرسالة بشفاعته، كما يهب الأنبياء والرسل بشفاعة سيدنا محمد ﷺ ،
لقوله ﷺ : «الناس يحتاجون إلى شفاعتي حتى إبراهيم ﵇»
. وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ، فكان إذا وعد الناس بشيء أنجز وعده.
روي عن ابن عباس ﵄ إنه ﵇ وعد صاحبا له أن ينتظر في مكان، فانتظره
стр. 672
سنة. وقد وعد من نفسه الصبر على الذبح فوفى به، وَكانَ رَسُولًا إلى جرهم- وهم قبيلة من عرب اليمن نزلوا في وادي مكة- بشريعة أبيه، فإن أولاد إبراهيم كانوا على شريعته. نَبِيًّا (٥٤) ، يخبر عن الله، وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ، أي قومه، بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ، أي الصدقات الواجبة، وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥) ، أي فائزا في كل طاعاته بأعلى الدرجات. وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ، وهو سبط شيث وجدّ أبي نوح إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً، أي ملازما للصدق في جميع أحواله، نَبِيًّا (٥٦) ، وهذا مخصص للخبر الأول، إذ ليس كل صديق نبيا. وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (٥٧) ، وهو السماء الرابعة.
وكان سبب رفعه إليها، أنه سار ذات يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس، فقال: يا ربّ إني قد مشيت فيها يوما فأصابني منها ما أصابني، فكيف من يحملها مسيّرة خمسمائة في يوم واحد؟
اللهم خفف عنه من ثقلها، وحرّها، فلما أصبح الملك وجد من خفة الشمس وحرها، ما لا يعرف، فقال: يا ربّ خففت عني حرّ الشمس، فما الذي قضيت فيه؟ قال: إن عبدي إدريس، سألني أن أخفف عنك حملها وحرها فأجبته، قال: يا ربّ اجعل بيني وبينه خلة، فأذن الله تعالى له حتى أتى إدريس ورفعه إلى السماء. أُولئِكَ العشرة المذكورون في هذه السورة، الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، بفنون النعم الدينية والدنيوية، مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ، وهو إدريس، وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ أي ومن ذرية من مع نوح في السفينة وهو إبراهيم فإنه من ذرية سام بن نوح، وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ، وهم إسماعيل وإسحاق ويعقوب، وَإِسْرائِيلَ، أي ومن ذرية يعقوب، وهم يوسف، وإخوته، وموسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وَمِمَّنْ هَدَيْنا، أي ومن جملة من هديناهم إلى الحق. وَاجْتَبَيْنا أي اصطفيناهم للإسلام، كعبد الله بن سلام، وأصحابه واسم الموصول خبر اسم الإشارة، ومن النبيين بيان للموصول، ومن ذرية بدل بإعادة الجار، ومن للتبعيض. إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ وهي ما خصهم الله تعالى به من الكتب المنزلة عليهم، خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا (٥٨) ، من مخافة الله تعالى.
قال العلماء: ينبغي أن يدعو الساجد للتلاوة في سجدته بما يليق بآياتها، فههنا يقول:
اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم، المهديين، الساجدين لك، الباكين عند تلاوة آياتك، اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك، المسبحين بحمدك، وأعوذ بك من أن أكون من المستكبرين عن أمرك. فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ، أي حدث من بعد النبيين جماعة سوء ويقال لعقب الخير: «خلف» بفتح اللام ولعقب الشر: «خلف» بالسكون. أَضاعُوا الصَّلاةَ، أي تركوها، وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ.
قال ابن عباس ﵄: هم اليهود، تركوا الصلاة المفروضة، وشربوا الخمر، واستحلوا نكاح الأخت من الأب.
وعن علي ﵁: هم من بني المشيد، وركب المنظور، ولبس المشهور
. فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) أي واديا في جهنم، بعيدا قعره، تستعيذ منه
стр. 673
أوديتها، أعد للزناة، وشربة الخمر، وشهّاد الزور، وأكلة الربا، والعاقّين لوالديهم. إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ أي من اتصف بهذه الأمور الثلاثة: يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ، أي لا ينقصون من جزاء أعمالهم، شَيْئاً (٦٠) .
وتوقّف الأجر على العمل الصالح هو الغالب، لأنه لا تناط الأحكام إلا بالأعم الأغلب، ولا تناط بالنادر، كمن تاب عن كفره ولم يدخل وقت الصلاة، أو وجد الحيض، فإنه لا يجب عليه العمل قبل وجود سببه وشرطه، فلو مات في ذلك الوقت كان من أهل النجاة، مع أنه لم يصدر عنه عمل صالح، من صلاة وزكاة وصوم، وعلى هذا لا يتوقف الأجر على وجود العمل الصالح.
جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ، حال من المفعول أي وهم غائبون عنها لا يرونها، وإنما آمنوا بها بمجرد الإخبار منه تعالى، أي وعدهم بها وهم في الدنيا، ومن في الدنيا لا يشاهدها. إِنَّهُ تعالى أو إن الشأن، كانَ وَعْدُهُ تعالى، مَأْتِيًّا (٦١) ، أي مفعولا منجزا أي الوعد منه تعالى لا بد من وقوعه فهو وإن كان بأمر غائب، فكأنه حاصل مشاهد. لا يَسْمَعُونَ فِيها أي الجنة لَغْواً أي فضول كلام لا فائدة فيه إِلَّا سَلاماً من بعضهم على بعض، أو من الملائكة عليهم. فإن معنى السلام هو الدعاء بالسلامة. فأهل الجنة لا يحتاجون إلى هذا الدعاء لأنهم في دار السلام، فهذا من فضول الحديث لولا ما فيه من فائدة الإكرام. وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها أي طعامهم في الجنة، بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) أي لهم رزق واسع ودائم، فلهم ما يشتهون متى شاءوا، إذ لا ليل فيها، ولا بكرة، ولا عشيّ. وإنما ذكرهما ليرغب كل قوم بما أحبوه، لأنه لا شيء أحب إلى العرب من الغداء والعشاء، فوعدهم بذلك. ولذلك ذكر أساور الذهب، والفضة، ولباس الحرير، التي كانت عادة العجم، والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرة وهي كانت من عادة أشراف العرب في اليمن. تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (٦٣) من الكفر أي هذه الجنة التي عظم شأنها، نعطيها من أطاعنا عطاء لا يردّ كالميراث الذي يأخذه الوارث فلا يرجع فيه المورث. وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ.
قيل: احتبس جبريل عن النبي ﷺ حين سألوه في أمر الروح وأصحاب الكهف، وذي القرنين، فقال: «أخبركم غدا» ، ولم يقل: إن شاء الله، حتى شق على النبي ﷺ ، ثم نزل بعد أيام، فقال له رسول الله ﷺ : «أبطأت علي حتى ساءني، واشتقت إليك» «١» . فقال له جبريل: إني كنت أشوق، ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت، وإذا حبست احتبست، فأنزل الله تعالى: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ، حكاية قول جبريل أمره الله تعالى أن يقوله لمحمد جوابا لسؤاله بقوله: يا جبريل: «ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا»
«٢» والمعنى وما نتنزل من السماء وقتا غبّ وقت إلّا
стр. 674
بأمر الله تعالى على ما تقتضيه حكمته. لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ، أي لربك ما قدّامنا وما خلفنا من الجهات، وما نحن فيه، فلا ننتقل من جهة إلى جهة، ومن مكان إلى مكان، إلّا بأمره ومشيئته، فليس لنا أن ننقلب من السماء إلى الأرض إلا بأمره وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) أي تاركا لك بتأخير الوحي عنك، فعدم النزول لعدم الأمر به لحكمة بالغة فيه.
وقال أبو مسلم: ويجوز أن يكون قوله تعالى: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ، حكاية قول أهل الجنة يدخلونها، والمعنى: وما نتنزل الجنة إلا بأمر الله تعالى ولطفه، له ما بين أيدينا في الجنة مما يكون مستقبلا، وما خلفنا مما كان في الدنيا، وما بين ذلك فيما نحن فيه مما بين الوقتين. وقول تعالى: وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ابتداء كلام من الله تعالى، تقرير لقولهم أي وما كان الله ناسيا لأعمال العاملين وللثواب عليها بما وعدهم، لأنه عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة. رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما، فلا يجوز عليه النسيان، وهو بدل من ربك أو خبر مبتدأ مضمر أي هو فَاعْبُدْهُ، يا أكرم الرسل، وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ، وعدي الاصطبار باللام لأن العبادة جعلت بمعنى القرب، ففيه معنى الثبات لأن العبادة ذات شدائد ومشاق، فكأنه قيل: اثبت لعبادة الرب، ولا يضق صدرك، من قول الكافرين لك. هَلْ تَعْلَمُ لَهُ، أي للرب سَمِيًّا (٦٥) أي نظيرا فيما يقتضي العبادة، من كونه منعما بأصول النعم وفروعها، وشريكا في الاسم الخاص كرّب السموات والأرض وما بينهما وكالله. وعن ابن عباس ﵄: لا يسمّى بالرحمن غير تعالى. وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أبي بن خلف الجمحي بطريق الإنكار والاستبعاد فإنه أخذ عظاما بالية ففتّها، وقال: يزعم محمد أنا نبعث ما نموت، ونصير إلى هذه الحال أو الوليد بن المغيرة، أو أمية بن خلف. أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) ، أي أبعث من الأرض. أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ وقرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وقالون، عن يعقوب بسكون الذال، وضم الكاف، أي أيقول المجترئ بهذا الإنكار على ربه ولا يتفكر، أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ، أي من قبل الحالة التي هو فيها من نطفة منتنة، وَلَمْ يَكُ شَيْئاً (٦٧) أي والحال أنه لم يكن حينئذ شيئا أصلا، أي أولا يعلم ذلك من حال نفسه؟ لأن كل أحد يعلم أنه لم يكن حيا في الدنيا، ثم صار حيا فيها. فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ أي لنجمعنّ القائلين بعدم البعث بالسوق إلى المحشر، بعد ما أخرجناهم من الأرض أحياء. وَالشَّياطِينَ.
روي أن كل كافر يحشر مع شيطانه الذي يضلّه في سلسلة. ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ بعد طول الوقوف في المحشر حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ، أي باركين على الركب، لما يدهمهم من شدة الأمر الذي لا يطيقون معه القيام على أرجلهم. ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أي من كل أمة تبعث دينا من الأديان، أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٦٩) أي جراءة. أي فمن كان أشدهم تمردا في كفره، خصّ
стр. 675
بعذاب أعظم، لأن عذاب الضّال المضل، يجب أن يكون فوق من يضلّ تبعا لغيره، وليس عذاب من يتجبّر كعذاب المقلّد، وليس عذاب من يورد الشبه في الباطل، كعذاب من يقتدي به مع الغفلة. ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها أي أحقّ بجهنم صِلِيًّا (٧٠) أي دخولا فنبدأ بهم.
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها أي ما منكم أيها الإنسان أحد إلّا حاضر قرب جهنم، ويمرّ بها المؤمنون، وهي خامدة، وتنهار بعيرهم.
وعن جابر أنه ﷺ سئل فقال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال بعضهم لبعض: أليس قد وعدنا ربنا أن نرد النار؟ فيقال لهم: قد وردتموها وهي خامدة»
«١» .
وروي أنه ﷺ قال: «لا يدخل النار أحد شهد بدرا والحديبية» «٢» ، فقالت حفصة أليس الله يقول: وإن منكم إلّا واردها؟
فقال ﷺ : «ثم ننجي الذين اتقوا»
أي نبعدهم عن عذاب جهنم.
وقيل: ورود جهنم هو الجواز على الصراط الممدود عليها، وقيل: الورود: الدخول، فالمؤمنون يدخلون النار من غير خوف وضرر ألبتة، بل مع الغبطة والسرور. كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (٧١) أي كان ورودهم إياها أمرا محتوما أوجبه الله تعالى على ذاته. ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا من الكفر والمعاصي، أي نخرجهم منها، فلا يخلدون بعد أن أدخلوا فيها، وإنما دخلوا لهم فيها ليشاهدوا العذاب، ليصير ذلك سببا لمزيد التذاذهم بنعيم الجنة. وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ، بالكفر والمعاصي فِيها أي جهنم جِثِيًّا (٧٢) أي
منهارا بهم. وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ أي المشركين، آياتُنا الناطقة بحسن حال المؤمنين، وسوء حال الكفرة، بَيِّناتٍ أي مرتلات الألفاظ، مبينات المعاني، قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي مردوا منهم على الكفر، ومرنوا على العناد، وهم: النضر بن الحرث، وأتباعه الفجرة. لِلَّذِينَ آمَنُوا أي لفقراء المؤمنين الذين هم في خشونة عيش، ورثاثة ثياب وضيق منزل، واللام للتبليغ لأنهم شافهوا المؤمنين وخاطبوهم بقولهم: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أي المؤمنين والكافرين خَيْرٌ مَقاماً أي منزلا. وقرأ ابن كثير بضم الميم وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) أي مجلسا أي أنحن أو أنتم.
روي أنهم كانوا يرجلون شعورهم، ويدهنونها، ويتطيبون، ويتزينون بالزينة الفاخرة، ثم يدعون فقراء المؤمنين، ويقولون مفتخرين عليهم: انظروا إلى منازلنا فتروها أحسن من منازلكم، وانظروا إلى مجالسنا عند التحدث ومجلسكم، فترونا نجلس في صدر المجلس، وأنتم في طرفه الحقير. فإذا كنا بهذه المثابة، وأنتم بتلك، فنحن عند الله خير منكم، ولو كنتم على خير لأكرمكم بهذه الأمور، كما أكرمنا بها.
стр. 676
والمعنى أنهم لما سمعوا الآيات، بينات الإعجاز، وعجزوا عن معارضتها، شرعوا في الافتخار بما لهم من حظوظ الدنيا، فرد الله عليهم ذلك بقوله تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ، أي كثيرا أهلكنا بفنون العذاب قبل هؤلاء القريش، من أمم عاتية كعاد، وثمود وأمثالهم، هُمْ أَحْسَنُ من هؤلاء أَثاثاً أي أمتعة وَرِءْياً (٧٤) ، أي منظرا، أي فهم أفضل من هؤلاء فيما يفتخرون به، ولو كان ما آتيناهم لكرامتهم علينا لما فعلنا بهم ما فعلنا، أي فإن ما أنتم أيها الكفار فيه من النعم، محض استدراج لم ينفعكم الترفه شيئا عند نزول البلاء بكم، كما وقع للأمم الماضية، حيث كانوا في رفاهية أكثر منكم، ومع ذلك أهلكهم الله بكفرهم، ولم ينفعهم الترفه شيئا قُلْ يا أشرف الرسل لهؤلاء المفتخرين بما لهم من حظوظ: مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا، وهذا الأمر بمعنى الخبر، أي من كان مستقرا في الضلالة، مغمورا بالجهل والغفلة عن عواقب الأمور، فيمهله الله بطول العمر، وبسط المال، وإنفاقه فيما يستلذّ به من الأوزار، ولا يزال يمدّ له استدراجا وقطعا للمعاذير يوم القيامة. حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ، من الله تعالى إِمَّا الْعَذابَ الدنيوي بغلبة المسلمين عليهم، وتعذيبهم إياهم قتلا وأسرا، وَإِمَّا السَّاعَةَ، أي ما نالهم يوم القيامة من الخزي والنكال. فَسَيَعْلَمُونَ حينئذ، مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً أي منزلا من الفريقين وَأَضْعَفُ جُنْداً (٧٥) ، أي أقلّ ناصرا، أهم أم المؤمنون. وهذا ردّ لما كانوا يزعمون أن لهم أنصارا من الأخيار، ويفتخرون بذلك في المحافل، وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا بالإيمان، هُدىً أي بالإخلاص، وبالعبادات المتفرعة على الإيمان، وبالثواب على ذلك الإيمان.
وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ، أي الطاعات التي تبقى فوائدها خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً أي فائدة مما يتمتع به الكفرة من النعم الفانية التي يفتخرون بها وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦) أي عاقبة. أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ؟؟؟ بِآياتِنا، الناطقة بالبعث، وهو العاص بن وائل السهمي، وَقالَ لخباب بن الأرت:
لَأُوتَيَنَّ في الآخرة مالًا وَوَلَداً (٧٧) .
نزلت هذه الآية في شأن العاص بن وائل، عن خباب قال: كان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أقتضيه، فقال لي: لن أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لن أكفر به، حتى تموت ثم تبعث. قال: وإني لمبعوث من بعد الموت، قلت: نعم، قال: إني إذا بعثت وجئتني فسيكون لي ثمّ مال وولد، فأعطيك.
وقرأ حمزة والكسائي «وولدا» بضم الواو وسكون اللام. وقيل: صاغ خباب للعاص حليا فطلب الأجرة، فقال: إنكم تزعمون أنكم تبعثون، وأن في الجنة ذهبا، وفضة، وحرير، أفأنا أقضيك، ثم فإني أوتى مالا وولدا حينئذ فأجاب الله تعالى عن كلامه بقوله تعالى: أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أي أعلم الغيب، وأن يعطى ما قاله، أو أقد بلغ من عظمة الشأن، إلى أن ارتقى إلى علم الغيب، الذي انفرد الله به، حتى ادعى أن يؤتى في الآخرة مالا وولدا، وأقسم عليه. أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ
стр. 677
عَهْداً
(٧٨) ، بأن يؤتى ما قاله، وقيل: المعنى انظر في اللوح المحفوظ أن له ما يقول، أم اعتقد وحدة الله بكلمة الشهادة فيكون له ما يقول.
وعن قتادة: هل له عمل صالح قدمه فهو يرجو بدلك ما يقول: كَلَّا ردع له عن التفوّه بتلك الكلمة الشنيعة، وتنبيه على خطئه، أي لا يكون له ما يقول، سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ، أي سنظهر له أنا كتبنا قوله ونؤاخذه به، وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (٧٩) أي نطوّل به من العذاب ما يستحقه، ونضاعفه له لكفره وافترائه على الله تعالى، واستهزائه بآياته، وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ، أي ننزع ما آتيناه بموته، ونحرمه ما تمناه في الآخرة من مال، وولد، ونجعله لغيره من المسلمين، وَيَأْتِينا يوم القيامة فَرْداً (٨٠) لا يصحبه مال، ولا ولد، ولا عشيرة، ولا خير.
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً، أي اتخذ كفار قريش الأصنام آلهة متجاوزين الله تعالى، لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) أي ليكون الأصنام مانعين لهم من عذاب الله، كَلَّا أي لا مانع من عذابهم، فلا يعتقدوا أن الأصنام شفعاء لهم عنده تعالى، سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ أي سيجحد الأصنام بعبادتهم لها، بأن ينطقها الله تعالى، وتقول ما عبدتمونا، وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ أي تكون الأوثان التي كانوا يرجون أن تكون لهم منعة من العذاب، ضِدًّا (٨٢) ، أي أعداء وأعوانا بالعذاب، فإنهم وقود النار، ولأنهم عذّبوا بسبب عبادتهم. أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) أي ألم تنظر يا أشرف الرسل، أنا سلطنا الشياطين على الكافرين، تهيّجهم على المعاصي تهييجا شديدا بأنواع الوساوس، فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ، بطلب إهلاكهم حتى تستريح أنت والمؤمنون من شرورهم.
إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤) ، فليس بينك وبين ما تطلب من هلاكهم إلا أيام محصورة، وأنفاس معدودة، فنضبط عليهم ما يقع منهم، حتى نؤاخذهم به ولا نهمله. وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) بإيمانهم، إِلَى الرَّحْمنِ أي إلى محل كرامة ربهم الذي يغمرهم برحمته الواسعة، وَفْداً (٨٥) ، أي وافدين على ربهم، منتظرين لكرامتهم وأنعامهم، فبعضهم كانوا ركبانا على نجائب سرجها من ياقوت، وعلى نوق رحالها من ذهب، وأزمتها من زبرجد، من أول خروجهم من القبور، أو من منصرفهم من الموقف حتى يقرعوا باب الجنة. وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ بكفرهم ومعاصيهم إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً (٨٦) أي عطاشا بإهانة كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٨٧) ، أي لا يستحق هؤلاء المجرمون أن يشفع لهم غيرهم، إلا من اتخذ كلمة الشهادة بالتوحيد والنبوة، ولو كانوا أهل الكبائر.
وروى ابن مسعود أنه ﷺ قال لأصحابه ذات يوم: «أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهدا» قالوا: وكيف ذلك؟ قال: «يقول كل صباح ومساء: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدا عبدك ورسولك، فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر، وتبعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عهدا توفينيه يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد، فإذا قال ذلك طبع الله عليه بطابع، ووضع تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين لهم
стр. 678
عند الرحمن؟ عهد، فيدخلون الجنة»
«١» . وَقالُوا أي الكافرون اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً (٨٨) عزيرا، والمسيح، والملائكة، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (٨٩) أي لقد قلتم قولا منكرا عظيما تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ، أي يتشققن مِنْهُ أي من قولهم، وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ أي تنخسف بهم، وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أي تسقط الجبال منطبقة عليهم.
أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (٩١) أي من نسبهم ولدا للرحمن، وهذا بدل من الهاء في منه.
قال ابن عباس: فزعت السموات والأرض والجبال، وجميع الخلائق إلا الثقلين، وغضبت الملائكة حين قالوا: الله ولد، أي استعظاما للكلمة، وتهويلا من فظاعتها، وتصويرا لأثرها في الدين. وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً (٩٢) ، لأن الولد لا بد وأن يكون شبيها بالوالد، ولا مشبه لله تعالى. ولأن اتخاذ الوالد إنما يكون لأجل سرور الوالد به، واستعانته به، وذكر جميل به، وكل ذلك لا يليق به تعالى، محال عليه. وهذه الجملة حال من فاعل قالوا أو دعوا، إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (٩٣) ، أي ما من أحد فيهما إلا مملوك له، مقرّ له بالعبودية، مطيع له، غير الكافر. لَقَدْ أَحْصاهُمْ فلا يكاد يخرج منهم أحد من حيطة علمه، وقبضة قدرته وملكوته، لَكَ صَدْرَكَ (١) أي عدّ أشخاصهم، وأنفاسهم، وأفعالهم، وكل شيء عنده بمقدار، وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً (٩٥) أي كل واحد منهم يجيء إلى الله وحيدا، بلا مال، ولا أتباع. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦) أي سيحدث لهم في القلوب محبة، من غير تعرض للأسباب من قرابة، أو صداقة، أو اصطناع معروف، أو غير ذلك تخصيصا لأوليائه بهذه الكرامة. كما قذف في قلوب أعدائهم الرعب إعظاما لهم. أي إن الله تعالى وعدهم أن يؤلف بين قلوبهم في الدنيا إذا ظهر الإسلام، وأن يحبّبهم إلى خلقه يوم القيامة، بما يظهر من حسناتهم، وينشر من ديوان أعمالهم، على رؤوس الأشهاد.
فَإِنَّما يَسَّرْناهُ أي القرآن بِلِسانِكَ أي أنزلناه ميسرا بلغتك لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ، بامتثال ما فيه من الأمر والنهي، وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا (٩٧) ، أي الذين يجادلون فيه بالباطل وهم كفار مكة. وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ أي قرونا كثيرا أهلكنا قبل هؤلاء المعاندين، هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (٩٨) أي هلكوا جميعا فلم يبق منهم عين، ولا أثر فلا يرى منهم أحد، ولا يسمع منهم صوت حفي، أي فكما أهلكنا أولئك نهلك هؤلاء. وختم الله تعالى هذه السور بموعظة بليغة، لأنهم إذا تأملوا وعلموا أنه لا بد من زوال الدنيا ومن الانتهاء إلى الموت، خافوا ذلك وخافوا سواء العاقبة في الآخرة، فكانوا أقرب إلى الحذر من المعاصي.
стр. 679
سورة طه
مكية، مائة وخمس وثلاثون، ألف وثلاثمائة وإحدى وأربعون، خمسة آلاف ومائتان اثنان وأربعون
طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) . أي لتتعب بالمبالغة في محاورة الطغاة، وفرط التأسف على كفرهم، أو لتهلك نفسك بالعبادة وبكثرة الرياضة، وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة، إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣) ، أي ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب في تبليغه، ولكن تذكرة لمن يسلم. تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (٤) ، منصوب على المدح والاختصاص، أو منصوب ب «يخشى» مفعولا به أي أمدح تكليما من الله، أو أنزل الله القرآن تذكرة لمن يخشى، تكليم الله تعالى. الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥) أي الرحمن أوجد الكائنات، ودبر أمرها فالاستواء على العرش، مجاز عن الملك والسلطان، متفرع على الكناية فيمن يجوز عليه القعود على السرير، يقال: استوى فلان على سرير الملك، ويراد بهذا القول صار فلان ملكا، وإن لم يقعد على السرير أصلا. والمراد هنا بيان تعلّق إرادته تعالى بإيجاد الكائنات، وتدبير أمرها.
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، سواء كان فيهما جزءا منهما، أو حالا فيهما. وَما بَيْنَهُما، من الموجودات الكائنة في الجوّ دائما كالهواء، والسحاب، أو أكثريا كالطير وَما تَحْتَ الثَّرى (٦) ، أي والذي تحت الأرض السابعة السفلى، لأن الأرضين على ظهر الحوت، والحوت على الماء والماء على صخرة خضراء، فخضرة السماء منها والصخرة، على قرني ثور، والثور على الثرى، وهو التراب الندي، ولا يعلم ما تحته إلا الله أي أنه تعالى مالك لهده الأقسام الأربعة، تصرفا وإيجادا وإعداما، وإحياء، وإماتة. وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ، أي وإن تجهر بذكره تعالى ودعائه، فاعلم أنه تعالى غني عن جهرك. فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (٧) أي لأنه يعلم ما أسررته إلى غيرك في خفاء، وما أخطرته ببالك من غير أن تتفوه به أصلا. وهذا إما نهي عن الجهر وإما إرشاد للعباد إلى أن الجهر ليس لإسماعه تعالى، بل لغرض آخر كحضور القلب ودفع الشواغل، والوسوسة: اللَّهُ، أي ذلك الموصوف بصفات الكمال، هو الله لا إله إلا هو، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ.
стр. 680
قال ﷺ : «إن الله تعالى خلق ملكا من الملائكة قبل أن يخلق السموات والأرض، وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله مادا بها صوته، ولا يقطعها، ولا يتنفس فيها، ولا يتمّها، فإذا أتمها أمر إسرافيل بالنفخ في الصور، وقامت القيامة تعظيما لله »
اه.
وينبغي لأهل لا إله إلا الله، أن يحصلوا أربعة أشياء حتى يكونوا من أهل لا إله إلا الله:
التصديق، والتعظيم، والحلاوة، والحرية فمن ليس له التصديق فهو منافق. ومن ليس له التعظيم فهو مبتدع، ومن ليس له الحلاوة فهم مراء، ومن ليس له الحرية فهو فاجر. لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٨) ، فحسن الأسماء لحسن معانيها. وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى ناراً، أي أليس قد أتاك خبر موسى حين رأى نارا.
روي أن موسى ﵇ استأذن شعيبا في الرجوع إلى والدته، فأذن له، فخرج بأهله وأخذ على غير الطريق، مخافة من ملوك الشام، فلما وافى وادي طوى وهو بالجانب الغربي من الطور، ولد له ابن في الطريق في ليلة شاتية، مثلجة، وكانت ليلة الجمعة، وقد حاد عن الطريق، فقدح ﵇ النار فلم تنوّر المقدحة شيئا فبينما هو في مزاولة ذلك، إذ رأى نارا من بعيد على يسار الطريق من جانب الطور، فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا في مكانكم أي لا تتبعوني في الذهاب إلى النار، إِنِّي آنَسْتُ ناراً أي أبصرتها إبصارا بينا، لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ، أي لعلّي أجيئكم من النار بشعلة مقتبسة من معظم النار، أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (١٠) ، أي عند النار من يدلني على الطريق.
فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ أي فلما أتى النار رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها، كأنها نار بيضاء، فوقف متعجبا من شدة ضوء تلك النار، وشدة خضرة تلك الشجرة، فلا النار تغيّر خضرتها، ولا كثرة ماء الشجرة تغيّر ضوء النار، فسمع تسبيح الملائكة، ورأى نورا عظيما، ثم رمى موسى بنظره إلى فرعها، فإذا حضرته ساطعة في السماء، وإذا نور بين السماء والأرض له شعاع تكلّ عنه الأبصار، فلما رأى موسى ذلك، وضع يده على عينيه، فنودي يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ أي فلما نودي يا موسى أجاب سريعا فقال: لبيك، من المتكلم؟ إني أسمع صوتك ولا أراك، فأين أنت؟
فقال تعالى: أنا فوقك، ومعك، وأمامك، وخلفك، وأقرب إليك منك فعلم أن ذلك لا ينبغي، ولا يكون إلا من الله فأيقن به وسمع الكلام بكل أجزائه حتى إن كل جارحة منه كانت أذنا، وسمعه من جميع الجهات. فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ أمر ﵊ بالخلع، لأن الحفوة تواضع لله، وحسن أدب معه تعالى، إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ، أي المبارك طُوىً (١٢) ، اسم الوادي، أو اسم بئر قد طويت بالحجر في ذلك الوادي الذي كانت فيه الشجرة.
قال أهل الإشارة: والمراد بخلع النعلين، ترك الالتفات إلى الدنيا والآخرة. كأنه تعالى أمره ﵇، بأن يصير مستغرق القلب بالكلية في معرفة الله تعالى، ولا يلتفت بخاطره إلى
стр. 681
ما سواه تعالى. والمراد من الوادي المقدس: طهارة عزة الله تعالى وجلاله. والمعنى: إنك لما وصلت إلى بحر المعرفة، فلا تلتفت إلى المخلوقات اه. ويقال: معنى طوى قد طوته الأنبياء قبلك.
قال ابن عباس: إنه ﵇ مرّ بذلك الوادي ليلا فطواه، فكان المعنى: أنك بالوادي المقدس الذي طويته طيا، أي جاوزته حتى ارتفعت إلى أعلاه وعلى هذا إن «طوى» مصدر خرج عن لفظه. وَأَنَا اخْتَرْتُكَ للرسالة والكلام الذي خصصتك به.
وقرأ حمزة: «وأنا اخترناك» بنون العظمة، وبتشديد النون من «أنا» ، وبفتح الهمزة والكسر. وقرأ أبي بن كعب: «إني اخترتك» فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣) أي فاستمع
للذي يوحي إليك مني. وقوله تعالى: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ يفيد نهاية اللطف والرحمة. وقوله تعالى: فَاسْتَمِعْ يفيد نهاية الهيبة، فكأنه تعالى قال: لقد جاءك أمر عظيم، هائل، فتأهب له، واجعل كل خاطرك مصروفا إليه. فأرسله الله تعالى في ذلك الوقت، في ذلك المكان، وكان عمره حينئذ أربعين سنة إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ بدل مما يوحى، لا إِلهَ إِلَّا أَنَا وهذا إشارة للعقائد العقلية، فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) إي لتذكرني في الصلاة لاشتمالها على كلامي، أو لذكري إياك بالمدح والثناء، أو لإخلاص ذكري لا تقصد بالصلاة غرضا آخر. وهذا إشارة للأعمال الفرعية. إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أي كائنة لا بد، أَكادُ أُخْفِيها، أي أكاد أظهرها، أي قرب إظهارها.
ويؤيده قراءة فتح الهمزة أو المعنى، أكاد أزيل عنها إخفاءها لأن أفعل قد يأتي بمعنى السلب، كقولك أشكلت الكتاب، أي أزلت إشكاله، وهذا إشارة إلى العقائد السمعية، وهذه الثلاثة جملة الدين. فإن أصول هذا الباب ترجع إلى ثلاثة: علم المبدأ، وعلم الوسط، وعلم المعاد. فعلم المبدأ، هو معرفة الله تعالى، وهو المراد بقوله تعالى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا وعلم الوسط، هو علم العبودية، فقوله تعالى: فَاعْبُدْنِي إشارة إلى الأعمال الجسمانية وقوله: لِذِكْرِي، بمعنى لتكون ذاكرا لي غير ناس، إشارة إلى الأعمال الروحانية، فالعبودية أولها الأعمال الجسمانية، وآخرها الأعمال الروحانية، وعلم المعاد هو قوله تعالى: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها. لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ برة أو فاجرة بِما تَسْعى (١٥) أي بما تعمل من خير أو شر فقوله: لِتُجْزى متعلق ب «آتية» أو ب «أخفيها» . فَلا يَصُدَّنَّكَ أي فلا يصرفنّك يا موسى عَنْها، أي عن ذكر الساعة، مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ أي ميل نفسه إلى إنكار الساعة، فإن منكر البعث إنما أنكره اتباعا للهوى لا للدليل، فَتَرْدى (١٦) أي فتهلك بالنار. فالله تعالى راعى هذا الترتيب الحسن في هذا الباب، لأنه قال لموسى أولا فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ وهو إشارة إلى الأمر، بتطهير السر عما سوى الله تعالى، ثم أمره بتحصيل ما يجب تحصيله من التكاليف، وافتتحها بمحض اللطف، وهو قوله تعالى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ واختتمها بمحض القهر وهو قوله تعالى: فَلا
стр. 682
يَصُدَّنَّكَ عَنْها
الآية تنبيها على أن رحمته سبقت غضبه وإشارة إلى أن العبد لا بد له في العبودية من الرغبة، والرهبة، والرجاء، والخوف. وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ أي وما تلك مأخوذة بيمينك يا مُوسى (١٧) ، فقوله: وَما تِلْكَ، إشارة إلى العصا، وقوله: بِيَمِينِكَ إشارة إلى اليد.
أراد الله تعالى بالسؤال أن يثبت قلب موسى، ويزداد علمه، حتى إذا قلب الله تعالى العصا ثعبانا لا يخافه ولا يعتريه شك، وكذا إذا أخرج الله من يد موسى شعاعا، فيعرف أن ذلك بقدرة الله تعالى. والنكتة في ذلك السؤال، أنه لما غلبت الدهشة على موسى في الحضرة، أراد ربّ العزة إزالتها، فسأله عن أمر لا يغلط فيه وهي العصا. كذلك المؤمن إذا مات ووصل إلى حضرة ذي الجلال، فالدهشة تغلبه، والحياء يمنعه عن الكلام، فتسأله الملائكة عن الأمر الذي لم يقع الغلط فيه في الدنيا وهو التوحيد، فإذا ذكره زالت الدهشة والوحشة عنه. قالَ هِيَ أي التي قارة بيميني عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها أي أعتمد عليها عند النهوض إلى القيام، أو عند الإعياء، أو عند المشي. وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي أي أخبط بها ورق الشجر لغنمي. وقرأ عكرمة «وأهسّ» بالسين غير المنقوطة- وهو زجر الغنم وتعديته ب «على» لتضمن معنى الأنحاء والإقبال أي أزجر الغنم بها منحيا ومقبلا عليها وَلِيَ فِيها أي العصا؟؟؟ مَآرِبُ أُخْرى (١٨) ، أي حاجات شتى.
وأجمل موسى ﵇، رجاء أن يسأله ربه عن تلك المآرب، فيسمع كلام الله مرة أخرى، ويطول أمر المكالمة بسبب ذلك. ثم أراد الله أن يعرّفه ﵇، أن فيها أعظم من مآربه التي هي: حمل الزاد، والقوس، وعرض الزند، وإلقاء الكساء للاستظلال، وطرد السباع وغير ذلك، فأمره الله بإلقائها. قالَ أَلْقِها من يدك يا مُوسى (١٩) ؟؟؟ فَأَلْقاها من يده على الأرض، فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠) .
قيل كانت العصا أول انقلابها حية صفراء صغيرة في غلظ العصا، ثم انتفخت وتزايد جرمها، حتى صارت ثعبانا، فأول حالها جان، ومآلها ثعبان. وقيل: إنها كانت من أول الأمر في شخص الثعبان، وسرعة حركة الجان، وكان لها عرف كعرف الفرس، وكان بين فكّيها أربعون ذراعا، وابتلعت كل ما مرت به من الصخور والأشجار، حتى سمع موسى صرير الحجر في فمها، وجوفها، وعيناها تتّقدان كالنار، وهي تشتد رافعة رأسها فلما عاين موسى ذلك ولى هاربا منها.
قالَ تعالى له: خُذْها يا موسى بيمينك، وَلا تَخَفْ منها، سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١) أي سنعيدها بعد الأخذ إلى حالتها الأولى، التي هي الهيئة العصوية.
فلما قال له ربه لا تَخَفْ، ذهب خوفه حتى أدخل يده في فمها، وأخذ بلحييها، فعادت عصا كما كانت. وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ أي أدخل كفك اليمنى في إبطك الأيسر وأخرجها، تَخْرُجْ بَيْضاءَ أي متبرقة مثل البرق، أو مشرقة تضيء كشعاع الشمس، تغطي البصر عن الإدراك. ثم إذا ردّها إلى كفّه صارت إلى لونها الأول بلا نور، مِنْ غَيْرِ سُوءٍ أي من غير برص،
стр. 683
آيَةً أُخْرى (٢٢) أي معجزة أخرى غير العصا. فقوله تعالى: بَيْضاءَ حال من الضمير في تخرج، ومن غير سوء متعلق ببيضاء لما فيها من معنى الفعل، وهو ابيضت. وآية أخرى حال من ضمير تخرج. لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (٢٣) في الإعجاز وهي اليد فإنها أكبر آيات موسى لأنها لم تعارض أصلا، وأما العصا فقد عارضها السحرة. فقوله: لِنُرِيَكَ متعلق، بقوله تعالى:
وَاضْمُمْ أو بقوله: تَخْرُجْ وقوله: مِنْ آياتِنَا حال من الكبرى، ف «الكبرى» مفعول ثان «لنريك» ، والتقدير لنريك الآية الكبرى، حال كونها بعض آياتنا الدالة على قدرتنا اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ بما رأيته من الآيتين العظيمتين،؟؟؟ وادعه إلى عبادتي وحذّره نقمتي. إِنَّهُ طَغى (٢٤) أي جاوز الحدّ في الكبر، حتى تجاسر على دعوى الربوبية. قالَ مستعينا بالله تعالى: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) ، أي ليّن لي قلبي لأجترئ على مخاطبة فرعون، وكان موسى يخاف فرعون لشدة شوكته، وكثرة جنوده. فسأل الله تعالى أن يوسّع قلبه ليكون حمولا لما يستقبل من الشدائد والمكاره، بجميل الصبر وحسن الثبات. وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) أي هوّن عليّ تبليغ الرسالة إلى فرعون. وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧) متعلق باحلل.
روي أنه ﵇ كان في لسانه رتة، لأنه حال صباه أخذ لحية فرعون ونتفها لما كان فيها من الجوهر، فغضب فرعون وأمر بقتله، وقال: هذا هو الذي يزول ملكي على يده، وقالت آسية: إنه صبي لا يعقل وعلامته أن تقرّب منه التمرة، والجمرة، فقرّبا إليه فأخذ الجمرة، فجعلها في فيه. يَفْقَهُوا أي يفهموا قَوْلِي (٢٨) عند تبليغ الرسالة. وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠) . ف «وزيرا» مفعول ثان لأنه نكرة، و «هارون» مفعول أول لأنه معرفة، وقدم الثاني اعتناء بشأن الوزارة، و «أخي» عطف بيان، ولي متعلق بمحذوف على أنه حال من وزيرا، ومن أهلي متعلق بأجعل، والمعنى واجعل من أهلي هارون أخي، متحملا على الأعباء لي، ومعينا على أمري، يقوي أمري، وأثق برأيه،
اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) ، أي قوي بهارون ظهري، وأعنّي به وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) أي اجعله شريكي في أمر الرسالة حتى نتعاون على أدائها كما ينبغي.
وقرأ العامة على صيغة الطلب وهي ضم الهمزة من «أشدد» وهي همزة وصل، وفتح الهمزة من أشركه وهي همزة قطع. وقرأ ابن عامر وحده على صيغة الجواب، وهو فتح همزة «أشدد» ، وضم همزة «أشركه» ، وكلاهما همزة قطع للمتكلم فيهما، ويجوز لمن قرأ على لفظ الأمر، أن يجعل أخي مرفوعا على الابتداء، واشدد به خبره ويوقف على هارون. كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً (٣٤) ، أي كي ننزهك عمّا لا يليق بك من الصفات، والأفعال التي من جملتها ما يدعيه فرعون الطاغية، ويقبله منه جماعته الباغية، من ادّعاء الشركة في الألوهية، ونصفك بما يليق بك من صفات الكمال، والجمال، والجلال، زمانا كثيرا من جملته، زمان دعوة فرعون، وأوان المحاجة معه، وهذا إشارة إلى أن للجليس الصالح، والصديق الصديق، أثرا عظيما في
стр. 684
المعاونة على كثرة الطاعات، والمرافقة في اقتحام عقبات السلوك وقطع مفاوزه. إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً (٣٥) أي عالما بأن ما دعوتك به مما يفيدنا في تحقيق ما كلفته من إقامة مراسم الرسالة، وبأن هارون نعم الردء في أداء ما أمرت به. قالَ الله تعالى: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى (٣٦) أي قد أردت إعطاء مسؤولك ألبتة، وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً
أُخْرى
(٣٧) ، أي في وقت غير هذا الوقت من غير سابقة دعاء منك وطلب. فلأن أنعم عليك بمثل تلك النعم التامة وأنت طالب له أولى. إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨) أي ألهمنا أمك الذي يلهم، أو أريناها في منامها الذي يرى، لما ولدتك وخافت أن يقتلك فرعون. أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ، أي بأن تضعي الصبي في الصندوق، فَاقْذِفِيهِ أي فألقي الصبي، فِي الْيَمِّ أي في بحر النيل، فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ، أي فيلقي بحر النيل هذا الصبي على الشط. والأمر بمعنى الخبر، وحكمة صورة الأمر لوجوب وقوع ذلك، لتعلّق الإرادة الربانية به.
روي أن أم موسى اتخذت تابوتا، وجعلت فيه قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى ﵇، وقيرت رأس التابوت، وشقوقه بالقار، ثم ألقته في نيل مصر، وكان يشرع منه نهر كبير إلى دار فرعون، فرفعه الماء إليه، فأتى به إلى بركة في البستان، وكان فرعون جالسا على رأس البركة مع امرأته آسية بنت مزاحم، إذ بتابوت يجيء به الماء، فلما رآه فرعون أمر الغلمان والجواري بإخراج ما فيه، ففتحوا رأس التابوت فإذا صبي من أصبح الناس وجها، فلما رآه فرعون أحبه شديدا لا يتمالك أن يصبر عنه. يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ، وهو فرعون.
فالأول: باعتبار الواقع لكفره وعتّوه.
والثاني: باعتبار ما يؤول إليه، وما لو ظهر لفرعون حال موسى لقتله، وفي هذا الأمر بقذفه في البحر، وفي وقوعه في يد العدو، لطف خفي مندرج تحت قهر صوري. وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي أي وألقيت عليك محبة عظيمة حاصلة مني، واقعة بخلقي، فلذلك أحبتك امرأة فرعون، حتى قالت لفرعون: «قرة عين لي ولك» لا تقتلوه.
ويروى أنه ﵇، كانت على وجهه مسحة جمال، وفي عينيه ملاحة لا يكاد يصبر عنه من رآه. وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩) ، معطوف على علة مقدرة متعلقة بألقيت، والتقدير وألقيت عليك المحبة ليعطف عليك، ولتربى بالشفقة بحفظي. وقرأ العامة «لتصنع» بالبناء للمجهول، بإضمار «أن» بعد لام «كي» ، وقرئ بكسر اللام، وسكونها، وبالجزم بلام الأمر. وقرأ الحسن وأبو نهيك، بفتح التاء بالبناء للفاعل. أي ليكون تصرفك على رعاية مني. إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ، مريم وكانت شقيقته، وهي غير أم عيسى، وهذا الظرف متعلق بألقيت، أي ألقيت عليك محبة مني في وقت مشي أختك، أو بتصنع أي لتربى، ويحسن إليك في هذا الوقت، فَتَقُولُ لفرعون وآسية: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ أي يربيه، ويرضعه.
стр. 685
ويروى أنه لما فشا الخبر بمصر، أن آل فرعون أخذوا غلاما في النيل وكان لا يرتضع من ثدي كل امرأة يؤتى بها، واضطروا إلى تتبع النساء. فخرجت أخته مريم لتعرف خبره، فدخلت قصر فرعون، فقالت: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم. ثم جاءت بالأم، فقبل ثديها.
فرجع إلى أمه بما لطف الله تعالى له من هذا التدبير. فذلك قوله تعالى: فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ، معطوف على محذوف. أي فقالوا: دلينا على من تكفله، فجاءت بأمك فرددناك إلى أمك. كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها فتطيب نفسها بلقائك ورؤيتك. وَلا تَحْزَنَ أي ليزول عنها الحزن بسبب عدم وصول لبن غيرها إلى باطنك، أو كي لا تحزن أنت بفراقها.
وكانت أمه قد أرضعته ثلاثة أشهر، أو أربعة، قبل إلقائه في اليم. وَقَتَلْتَ نَفْساً قبطيا طباخا لفرعون اسمه قاب قان، وكان عمره إذ ذاك ثلاثين سنة. فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ أي من غم اقتصاص فرعون منه، بالإنجاء منه بالمهاجرة إلى مدين، ومن غم عقاب الله تعالى، حيث قتله لا بأمر الله بالمغفرة، وكان قتله للكافر خطأ. وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً أي أوقعناك في محنة بعد محنة، وخلّصناك منها.
فإنه ولد في عام يقتل فيه الولدان. وألقته أمه في البحر، والتقطه آل فرعون، وامتنع من ارتضاع الأجانب، وهمّ فرعون بقتله، ووضع الجمرة في فيه، وقتل قبطيا، ثم هرب إلى مدين.
فَلَبِثْتَ سِنِينَ أي مكثت عشر سنين، فِي أَهْلِ مَدْيَنَ وهي بلدة شعيب ﵇، على ثمان مراحل من مصر. ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (٤٠) أي ثم جئت إلى المكان الذي أونس فيه النار، ووقع فيه النداء كائنا على مقدار معين من الزمان وهو أربعون سنة، فنبأتك وأرسلتك حينئذ.
وَاصْطَنَعْتُكَ أي اصطفيتك لِنَفْسِي (٤١) بالرسالة وبالكلام. اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ أي وليذهب أخوك إلى فرعون، وقومه، وبني إسرائيل، بِآياتِي أي مع آياتي التي هي العصا واليد ففي كل منهما آيات شتى.
فانقلاب العصا حيوانا آية، وكونها ثعبانا عظيما لآية أخرى، وسرعة حركته مع عظيم جرمه آية أخرى، ثم إنه ﵇ يدخل يده في فيه فلا يضره آية أخرى، ثم انقلابه عصا آية أخرى.
وكذلك اليد فإن بياضها آية، وشعاعها آية أخرى، ثم رجوعها إلى حالتها الأولى آية أخرى. وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي (٤٢) أي لا تضعفا عن تبليغ رسالتي، فإن الذكر يطلق على كل عبادة، والتبليغ من أعظم العبادات. اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ.
روي أن الله تعالى أوحى إلى هارون وهو بمصر، أن يتلقى موسى ﵇ إِنَّهُ طَغى (٤٣) أي تكبر بادعائه الربوبية، فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً فإن تليين القول، مما يكسر سورة عناد العتاة، ويلين عريكة الطغاة، وإن فرعون كان قد ربّاه ﵇، فأمره أن يخاطبه بالرفق رعاية لتلك الحقوق. لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (٤٤) أي قولا له قولا ليّنا على أن تكونا راجيين لأن يقبل
стр. 686
وعظكما أو يخشى الله فيرجع من الإنكار، إلى الإقرار بالحق. فإن لم ينتقل من الإنكار، إلى الإقرار لكنه إذا حصل في قلبه الخوف ترك الإنكار. وإن لم ينتقل إلى الإقرار، فإن ترك الإنكار، خير من الإصرار على الإنكار. وفائدة إرسالهما مع علم الله بأن فرعون لا يؤمن إلزام الحجة من الله، وقطع المعذرة عن فرعون، وإظهار الآيات. ويروى عن كعب أنه لمكتوب في التوراة:
«فقولا له قولا لينا وسأقسي قلبه فلا يؤمن» . قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أي أن يعجّل علينا بالعقوبة، بأن لا يصبر إلى إتمام الدعوة وإظهار المعجزة. أي إنا نخاف فوات القيام لتبليغ الرسالة كما أمرتنا، إذا قتلنا. وقرئ «يفرط» بضم الياء، وكسر الراء، أي نخاف أن يحمله حامل من ادعاء الربوبية، أو حبه للرياسة، والمملكة، أو قومه المتمردين على المعالجة بالعقاب. أَوْ أَنْ يَطْغى (٤٥) ، أي يزداد تكبرا إلى أن يقول في شأنك ما لا ينبغي لجراءته عليك، وقساوة قلبه.
قالَ الله تعالى: لا تَخافا، مما عرض في قلبكما من أذية فرعون لكما، ومن ازدياد كفره.
إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (٤٦) ، أي إنني حافظكما سميعا وبصيرا.
قال القفال: يحتمل أن يكون قوله تعالى: أَسْمَعُ وَأَرى مقابلا لقولهما أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا، أي أن يعدو علينا بأن لا يسمع منا، أو أن يطغى، أي يغلب علينا بأن يقتلنا. فقال الله تعالى إِنَّنِي مَعَكُما أي معينكما، وعالم بما يليق من حالكما معه، أسمع كلامه معكما فأسخره للاستماع منكما، وأرى أفعاله فلا أتركه يفعل بكما ما تكرهانه. فَأْتِياهُ أي فلتكونا واصلين إلى فرعون، فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ إليك، فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ، نذهب بهم إلى أرضهم- وفي ذلك إدخال النقص على ملكه، لأنه كان محتاجا إليهم فيما يريده من الأعمال، من بناء أو غيره- وَلا تُعَذِّبْهُمْ بالأمور الشاقة كالحفر، ونقل الأحجار، وقتل ذكور أولادهم، عاما دون عام، واستخدام نسائهم. قَدْ جِئْناكَ؟؟؟ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ، أي بإثبات الدعوى ببرهانها. فهو بيان من عند الله. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى (٤٧) ، أي السلامة في الدارين، من عذاب الله لمن صدق آيات الله الهادية إلى الحق. وهذا من جملة قوله تعالى الذي أمرهما أن يقولاه لفرعون، أي وفقولا له والسلام إلخ. إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا، من جهة ربنا، أَنَّ الْعَذابَ الدنيوي والأخروي، عَلى مَنْ كَذَّبَ بآياته تعالى وَتَوَلَّى (٤٨) ، أي أعرض عن قبولها. قالَ أي فرعون بعد ما أتياه وبلّغا ما أمرا به، فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٤٩) ، لم يقل فمن ربي، مع أن حق الجواب كذلك، لغاية عتوّه أي إذا كنتما رسولي ربكما فأخبرا من ربكما الذي أرسلكما وتخصيص النداء بموسى، بعد مخاطبته لهما معا لأنه الأصل في الرسالة، وهارون وزيره.
قالَ أي موسى مجيبا له: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ، من أنواع المخلوقات خَلْقَهُ أي صورته اللائق بما نيط به من الخواص، والمنافع. أو أعطى خلقه كل شيء يحتاجون إليه وينتفعون به. وتقديم المفعول الثاني للاعتناء به. ثُمَّ هَدى (٥٠) ، إلى طريق الانتفاع من
стр. 687
الأكل، والشرب، والجماع.
قالَ أي فرعون لموسى: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (٥١) ، أي ما حال الأمم الماضية، وماذا جرى عليهم من الحوادث المفصلة، أي فلما ذكر موسى ﵇ برهانا نيرا على هذا المطلوب، خاف فرعون أن يزيد موسى في تصوير تلك الحجة، فيظهر للناس صدقه ﵇، وحقيقة مقالاته، وتبين عندهم بطلان خرافات نفسه. فأراد فرعون أن يصرف موسى ﵇ عن ذلك الكلام الذي يتعلق بالرسالة، إلى الحكايات. فعسى يظهر منه نوع غفلة، فيرتقي فرعون إلى أن يدعي قدام قومه نوع معرفة. فقال: ما حال القرون الحالية قالَ موسى: عِلْمُها أي علم حالهم عِنْدَ رَبِّي، فلا يعلمها إلا الله، وإنما أنا عبد لا أعلم منها إلا ما علمنيه. فِي كِتابٍ، أي ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ، يكون المكتوب فيه يظهر للملائكة، فيكون ذلك زيادة لهم في الاستدلال على أنه تعالى عالم لكل المعلومات، منزّه عن السهو، والغفلة، أو المعنى. إن بقاء المعلومات في علمه تعالى كبقاء المكتوب في الكتاب، فلا يزول شيء منها عن علمه تعالى. لا يَضِلُّ رَبِّي، أي لا يخطئ عن معرفة الأشياء، ولا يخفى شيء عن علمه، وَلا يَنْسى (٥٢) شيئا علمه. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً أي فراشا.
وقرأ عاصم وحمزة بفتح الميم وسكون الهاء. والباقون بكسر الميم وفتح الهاء مع الألف.
وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا، أي جعل لكم في الأرض طرقا تذهبون وتجيئون فيها. وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً، هذا تمام كلام موسى ﵇، ثم بعد ذلك أخبر الله تعالى عن صفة نفسه، تتميما لكلام موسى لخطاب أهل مكة فقال: فَأَخْرَجْنا بِهِ أي بذلك الماء، أَزْواجاً، أي أصنافا، مِنْ نَباتٍ شَتَّى (٥٣) ، أي مختلفة في الطعم والرائحة والشكل والنفع، بعضها صالح للناس، وبعضها للبهائم، على اختلاف وجوه الصلاح. وقيل: هذا من تمام كلام موسى ﵇، كأنه يقول: ربي الذي جعل لكم كذا وكذا، فأخرجنا نحن معشر عباده بذلك الماء بالحراثة، أزواجا من نبات شتى. وقال صاحب الكشاف: إن كلام موسى ﵇ تم عند قوله: وَلا يَنْسى ثم ابتدأ كلام الله، من قوله الَّذِي جَعَلَ فهو خبر مبتدأ محذوف، والتقدير هو الذي جعل، ويكون الانتقال من الغيبة إلى التكلم، التفاتا للدلالة على كمال القدرة والحكمة.
وللإعلام بأن ذلك لا يتأتى إلا من قادر مطاع عظيم الشأن. كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ، حال من ضمير، أخرجنا على إرادة القول، أي فأخرجنا أصناف النبات قائلين لكم: كلوا وارعوا أنعامكم، أي مبيحين لكم الأكل وعلف الأنعام، آذنين في الانتفاع بها. إِنَّ فِي ذلِكَ أي في اختلاف النبات في الشكل والطبع، لَآياتٍ واضحة الدلالة على شؤون الله تعالى، في ذاته، وصفاته، وأفعاله، لِأُولِي النُّهى (٥٤) أي لذوي العقول الناهية عن الأباطيل. مِنْها أي الأرض، خَلَقْناكُمْ وذلك إذا وقعت النطفة، فيخلق الله الولد من النطفة، ومن التراب. وأيضا أن تولّد الإنسان إنما هو من النطفة، ودم الطمث، وهما يتولّدان من الأغذية، وهي تنتهي إلى
стр. 688
النبات، وهي إنما تحدث من امتزاج الماء والتراب. وَفِيها نُعِيدُكُمْ، إلى الموضع الذي أخذ ترابكم منه مدفونين فيه. وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى (٥٥) ، يوم البعث على الهيئة السابقة. وَلَقَدْ أَرَيْناهُ أي والله لقد بصّرنا فرعون آياتِنا كُلَّها. روي أن موسى لما ألقى عصاه انقلبت ثعبانا أشعر فاغرا فاه، بين لحييه ثمانون ذراعا، وضع لحيه الأسفل على الأرض، والأعلى على سور القصر، وتوجّه نحو فرعون، فهرب وأحدث، وانهزم الناس مزدحمين، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا من قومه، فصاح فرعون يا موسى: أنشدك بالذي أرسلك ألا أخذته، فأخذه، فعاد عصا.
وروي أنها انقلبت حية ارتفعت في السماء قدر ميل، ثم انحطت مقبلة نحو فرعون، وجعلت تقول: يا موسى مرني بما شئت، ويقول فرعون: يا موسى أنشدك إلخ. ونزع موسى يده من جيبه، فإذا هي بيضاء بياضا نورانيا، خارجا عن حدود العادات، قد غلب شعاعه شعاع الشمس ففي تضاعيف كل من الآيتين آيات جمة، ولذلك أكدت بكلها. فَكَذَّبَ موسى ﵇، وَأَبى (٥٦) أن يؤمن ويطيع لعتوّه قالَ لموسى خوفا من أن يتبعه الناس: أَجِئْتَنا من مكانك الذي كنت فيه بعد ما غبت عنا، لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا مصر، بِسِحْرِكَ أي الذي هو العصا واليد البيضاء، يا مُوسى (٥٧) وليكون لك الملك فيها، فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ أي مثل سحرك في الغرابة. فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً أي وعدا لإتيانك بالسحر، لا نُخْلِفُهُ، أي ذلك الوعد، نَحْنُ وَلا أَنْتَ، ف «موعدا» مفعول أول، والظرف مفعول ثان. مَكاناً مفعول فيه منصوب ب «اجعل» ، سُوىً (٥٨) .
قرأ عاصم وحمزة وابن عامر بضم السين، أي تستوي مسافة المكان على الفريقين، والباقون بكسرها، أي غير هذا المكان الذي نحن فيه الآن. قالَ موسى: مَوْعِدُكُمْ أي أجلكم يَوْمُ الزِّينَةِ، وهو يوم النيروز، أو يوم عيد لهم، وكان يوم عاشوراء. واتفق أنه في هذه الواقعة يوم سبت. وقرأ الحسن، والأعمش، وعيسى، وعاصم، وغيرهم «يوم» بالنصب أي موعدكم يقع يوم الزينة، وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) ، عطف على الزينة أو على يوم. فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ، أي انصرف عن المجلس وفارق موسى، فَجَمَعَ كَيْدَهُ، أي ما يكاد به من السحرة وأدواتهم، ثُمَّ أَتى (٦٠) بهم الموعد وأتى موسى أيضا.
قالَ لَهُمْ. أي لأهل الكيد، مُوسى بطريق النصيحة: وَيْلَكُمْ أي ألزمكم الله ضيقا في الدنيا، لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً، بإتيان السحر في معارضة آيات الله وبادعائكم أن الآيات التي ستظهر على يدي سحر فَيُسْحِتَكُمْ.
قرأ حفص وحمزة والكسائي بضم الياء، وكسر الحاء والبيخقون بفتحهما، أي فيهلككم، بِعَذابٍ في الدنيا بالاستئصال أو في الآخرة بالنار. وَقَدْ خابَ أي حرم عن المقصود مَنِ
стр. 689
افْتَرى
(٦١) على الله. فَتَنازَعُوا أي السحرة، أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ، أي تشاوروا ليستقروا على شيء واحد حين سمعوا كلام موسى ﵇، وَأَسَرُّوا النَّجْوى (٦٢) من فرعون وملئه، فقالوا في نجواهم: إن غلب علينا موسى آمنا به. ثم قالُوا بطريق العلانية، أي قال السحرة، وقيل:
قال لهم فرعون ومن معه: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ. قرأ ابن كثير وحفص بسكون النون من «إن» ، وشدّدها الباقون. وشدّد ابن كثير نون «هذان» ، وقرأ عمرو «هذين» بالياء. يُرِيدانِ أي موسى وهارون، أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ، أي أرض مصر، بِسِحْرِهِما الذي أظهراه لكم، وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى (٦٣) ، أي يذهبا دينكم، الذي هو أفضل الأديان بإعلاء دينهما. أو يقال: يذهبا بإشراف قومكم بميلهم إليهما لغلبتهما- وهم بنو إسرائيل- فإنهم ذوو علم ومال. فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ.
وقرأ أبو عمرو بفتح الميم، وبوصل الهمزة، أي فأجمعوا أدوات سحركم فلا تتركوا شيئا منها. وقرأ الباقون بكسر الميم، وقطع الهمزة، أي ليكن عزمكم مجمعا عليه لا تختلفوا، ثُمَّ ائْتُوا للقاء موسى وهارون، صَفًّا، أي مصطفين مجتمعين لكي يكون الصف أنظم لأمركم، وأشد لهيبتكم.
قال ابن عباس: كانوا اثنين وسبعين ساحرا مع كل واحد منهم حبل وعصا. وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى (٦٤) ، أي وقد فاز بالمطلوب من غلب. ومرادهم بالمطلوب الأجر والتقريب من فرعون على ما وعدهم بذلك. ومرادهم بمن غلب أنفسهم جميعا، أو من غلب منهم حثا لهم على بذل المجهود في المغالبة. قالُوا أي السحرة لموسى: يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (٦٥) ، أي اختر إما إلقاءك ما معك قبلنا، وإما القاءنا ما معنا قبلك.
وهذا التخيير حسن أدب منهم، وتواضع لموسى ﵇، لأن لين القول مع الخصم إن لم ينفع، لم يضر، بل نفعهم، ولذلك رزقهم الله تعالى الإيمان ببركته. ثم إن موسى ﵇، قابل أدبهم بأدب أحسن من أدبهم، حيث بتّ القول بإلقائهم أولا لأنه فهم أن مرادهم الابتداء. قالَ بَلْ أَلْقُوا، أي قال لهم موسى: لا ألقي أنا أولا بل ألقوا أنتم أولا إن كنتم محقين، فألقوا ما معهم من الحبال والعصي، ميلا من هذا الجانب، وميلا من هذا الجانب.
فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أي موسى، مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها حيات تَسْعى (٦٦) . «فإذا» ظرفية تطلب متعلقا ينصبها من فعل المفاجأة، وجملة ابتدائية تضاف إليها. أي
ففاجأ موسى إذا حبالهم وعصيهم، مخيلة إلى موسى السعي، كسعي ما يكون حيا من الحيات، من أجل سحرهم، وذلك أنهم كانوا لطخوها بالزئبق، فلما ضربت عليه الشمس، اضطربت واهتزت فخيّل إليه أنها تتحرك فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (٦٧) أي أضمر موسى في قلبه بعض خوف من أن لا يظفر بهم، فيقتلون من آمن به ﵇ قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (٦٨) ، أي الغالب عليهم.
стр. 690
وقيل: إن موسى خاف من مفاجأته بمقتضى طبع البشرية من النفرة من الحيات، ومن الاحتراز من ضررها المعتاد من اللسع ونحوه، فإن خوف البشرية مركوز في جبلّة الإنسان، وذلك مثل ما خاف من عصاه أول ما رآها. ولذلك قال تعالى: إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى أي أعلى درجة من أن تخاف من المخلوقات دون الخالق. وَأَلْقِ، على الأرض ما فِي يَمِينِكَ، يا موسى وإنما لم يقل وألق عصاك تعظيما لشأنها، أي لا تحفل بهذه الأجرام فإن في يمينك شيئا أعظم منها كلها، وهذه على كثرتها أقل شيء عنده، فألقه، تَلْقَفْ ما صَنَعُوا، أي تلقم ما طرحوا من الحبال والعصي، الذي خيل إليك سعيها وخفتها.
وقرأ ابن عامر «تلقّف» بتشديد القاف، وبالرفع. والعامة بالجزم، وحفص بسكون اللام وبالجزم إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ أي لأن الذي صنعوه عمل ساحر. وقرأ حمزة، والكسائي و «كيد سحر» بكسر، فسكون، على أن الإضافة للبيان. وقرأ مجاهد، وحميد، وزيد بن علي، بنصب «كيد ساحر» ، على أنه مفعول به، و «ما» كافة مزيدة، وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ، أي لا يحصل له مقصوده بالسحر خيرا كان أو شرا، حَيْثُ أَتى (٦٩) أي أينما كان، وهذا من تمام التعليل.
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً أي فألقى موسى عصاه، فتلقّفت حبال السحرة وعصيّهم فسجدوا، فإنهم من سرعة سجودهم كأنهم ألقوا، فما أعجب أمرهم قد ألقوا حبالهم وعصيّهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم للشكر والسجود. روي أنهم في سجودهم رأوا الجنة، ومنازلهم التي يصيرون إليها، ثم رفعوا رؤوسهم، قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (٧٠) قال رئيسهم: كنا نغالب الناس بالسحر، وكانت الآلات تبقى علينا لو غلبنا، فلو كان هذا سحرا فأين ما ألقيناه؟!
قالَ لهم فرعون: آمَنْتُمْ لَهُ أي لموسى قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ أي من غير أن آذن لكم في الإيمان له، إِنَّهُ أي موسى لَكَبِيرُكُمُ أي أستاذكم، الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ، وأنكم تلامذته في السحر، فتوافقتم على أن تظهروا العجز من أنفسكم ترويجا لشأنه وتفخيما لأمره، فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ، أي في حال كونها مختلفات، والقطع من خلاف، أن تقطع اليد اليمنى، والرجل اليسرى، لا كل واحد من العضوين، فإن هذا يد، وذاك رجل، وهذا يمين وذاك شمال، وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ، أي عليها، وأتى بكلمة «في» ، للدلالة على إبقائهم عليها زمانا مديدا، تشبيها لاستمرارهم عليها باستقرار المظروف في الظرف، وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أي أنا أو موسى، أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى (٧١) . وهذا لقصد توضيع موسى ﵇ والهزء به، لأنه ﵇ لم يكن من التعذيب في شيء. أو لإرادة أن إيمانهم كان على خوف من موسى، حيث رأوا ابتلاع عصاه لحبالهم وعصيهم، فخافوا على أنفسهم أيضا، وفي ذلك تبجّح فرعون بما ألفه من تعذيب الناس بأنواع العذاب. قالُوا: أي السحرة لفرعون غير مكترثين بوعيده: لَنْ نُؤْثِرَكَ، أي لن نختار اتباعك عَلى ما جاءَنا من الله تعالى على يد موسى ﵇، مِنَ
стр. 691
الْبَيِّناتِ
أي المعجزات الظاهرة الدالة على صدق موسى. وَالَّذِي فَطَرَنا أي ولا على عبادة الذي خلقنا، فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ أي فاصنع ما أنت صانعه، إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (٧٢) ، أي لأنك إنما تحكم علينا في الدنيا فقط، وليس لك علينا سلطان في الآخرة، وأنت تجزى على حكمك في الآخرة، وما لنا من رغبة في حلاوة الدنيا ولا رهبة من عذابها. إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا، أي شركنا ومعاصينا، وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ، أي وليغفر لنا السحر الذي عملناه في معارضة موسى رغبة في خيرك، ورهبة من شرك، بإكراهك علينا في الحضور إليك من المدائن القاصية، وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (٧٣) أي فخيره تعالى أبقى من خيرك لمن أطاعه، وعذابه أبقى من عذابك لمن عصاه، إِنَّهُ أي لأنه الشأن، مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ يوم القيامة مُجْرِماً، بأن مات على الكفر، فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها، فينتهي عذابه ويستريح وَلا يَحْيى (٧٤) ، حياة ينتفع بها. وَمَنْ يَأْتِهِ يوم القيامة مُؤْمِناً، بما وعد من الثواب، وأوعد من العقاب على لسان أنبيائه، قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ التي جاءوا بها، فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (٧٥) ، أي المنازل الرفيعة في الجنان.
جَنَّاتُ عَدْنٍ، وهي في وسط الجنان، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ، أي الدرجات العلى، جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦) ، أي تطهر من الذنوب. وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي.
قرأ نافع وابن كثير بكسر النون، وهمزة وصل. أي سر ببني إسرائيل أول الليل من أرض مصر إلى البحر، فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً، أي اجعل لهم بالضرب بعصاك طريقا في البحر يابسا ليس فيه وحل ولا نداوة. لا تَخافُ دَرَكاً، أي إدراك فرعون، وَلا تَخْشى (٧٧) ، من الغرق. وقرأ حمزة «لا تخف» بالجزم جوابا للأمر. فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ، أي فلحقهم فرعون مع جموعه، فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (٧٨) ، أي فسترهم ما سترهم من البحر. وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ، أي سلك بهم مسلكا أدّاهم إلى الهلاك في الدين والدنيا معا، حيث ماتوا على الكفر بالعذاب الدنيوي المتصل بالعذاب الأخروي. وَما هَدى (٧٩) أي ما أرشدهم إلى طريق موصل إلى مطلب دنيوي وأخروي.
قال ابن عباس ﵄: لما أمر الله تعالى موسى أن يقطع بقومه البحر، وكان موسى وبنو إسرائيل استعاروا من قوم فرعون الحلي والدواب لعيد يخرجون إليه، فخرج بهم ليلا وهم ستمائة ألف وثلاثة آلاف ونيف، ليس فيهم ابن ستين ولا عشرين، وخرج فرعون في طلب موسى، وعلى مقدمته ألف وخمسمائة ألف سوى الجنبين والقلب. فلما انتهى موسى إلى البحر قال: هاهنا أمرت، فأوحى الله إليه: أن اضرب بعصاك البحر، فضرب، فانفلق، فقال لهم موسى ﵇: أدخلوا فيه. فقالوا: وأرضه رطبة، فدعا الله تعالى فهبت عليها الصبا فجفت.
فقالوا: نخاف الغرق في بعضنا، فجعل بينهم كوى حتى يرى بعضهم بعضا، ثم دخلوا حتى جاوزوا البحر.
стр. 692
فأقبل فرعون إلى تلك الطرق، فقال قومه له: إن موسى قد سحر البحر فصار كما ترى، وكان على فرس حصان، فأقبل جبريل على فرس أنثى في ثلاثة وثلاثين من الملائكة، فسار جبريل بين يدي فرعون، فأصبر الحصان الحجر، فاقتحم بفرعون على أثرها، فصاحت الملائكة في الناس: الحقوا الملك، حتى إذا دخل آخرهم، وكاد أولهم أن يخرج التقى البحر عليها فغرقوا، فسمع بنو إسرائيل خفقة البحر عليهم، فقالوا: ما هذا يا موسى؟ قال: قد أغرق الله فرعون وقومه، فرجعوا حتى ينظروا إليهم، وقالوا: يا موسى ادع الله أن يخرجهم لنا حتى ننظر إليهم، فدعا، فلفظهم البحر إلى الساحل وأصابوا من سلاحهم. يا بَنِي إِسْرائِيلَ أي وقلنا: يا أولاد يعقوب، قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ فرعون وقومه بإغراقهم، وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ، أي واعدناكم إتيان جانب الجبل الأيمن، لمن انطلق من مصر إلى الشام. فإن الله أمر أن يأتي منهم سبعون مع موسى إلى طور سيناء لأخذ التوراة، ففيه صلاح دينهم ودنياهم وأخراهم، وَنَزَّلْنا في التيه، عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى (٨٠) ، فالمنّ: هو شيء «حلو أبيض مثل الثلج، كان ينزل من الفجر إلى طلوع الشمس، لكل إنسان صاع» . والسلوى: «هو السماني يبعثه الجنوب عليهم فيذبح الرجل منهم ما يكفيه» .
كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ، أي من لذائذه. وقرأ حمزة والكسائي: «قد أنجيتكم» ، و «وعدتكم» ، و «رزقتكم» بتاء المتكلم. والباقون بنون العظمة، واتفقوا على ونزلنا بالنون. وأسقط أبو عمرو ألف «واعدنا» . وَلا تَطْغَوْا فِيهِ أي فيما رزقناكم بأن لم تشكروه.
قال ابن عباس: أي لا يظلم بعضكم بعضا فيأخذه من صاحبه، فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي، بكسر الحاء أي يجب عليكم عقوبتي. قرأ الأعمش والكسائي بضم الحاء أي ينزل وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى (٨١) ، أي هلك وو قرأ الكسائي بضم اللام الأولى. وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ من الشرك والمعاصي، وَآمَنَ بما يجب الإيمان به، وَعَمِلَ صالِحاً أي مستقيما عند الشرع والعقل، ثُمَّ اهْتَدى (٨٢) أي استمرّ على الهدى من غير تقصير، ومات على ذلك فلما ذهب موسى ﵇ مع السبعين إلى الميقات تعجّل إلى
الميعاد قبلهم، قال الله له: وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى (٨٣) أي وقلنا له: أي شيء أعجبك منفردا عن النقباء، قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي أي هم معي، وإنما سبقتهم بخطي يسيرة ظننت أنها لا تخلّ بالمعيّة ولا تقدح في الاستصحاب. وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (٨٤) عني بمسارعتي إلى الامتثال بأمرك، واعتنائي بالوفاء بعهدك، قالَ تعالى: يا موسى فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ، أي ابتليناهم بعبادة العجل من بعد ذهابك من بينهم.
وهم الذين خلفهم موسى مع هارون، وكانوا ستمائة ألف، ما نجا منهم من عبادة العجل إلا اثنا عشر ألفا. وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) ، حيث كان هو المدبّر في الفتنة، واسمه موسى بن
стр. 693
ظفر، وكان منافقا قد أظهر الإسلام، وكان من قوم يعبدون البقر، وكان قد ربّاه جبريل فكان يغذيه من أصابعه الثلاثة، فيخرج له من أحدها لبن، ومن الأخرى سمن، ومن الأخرى عسل.
وذلك لأن فرعون لما شرع في ذبح الولدان، كانت المرأة من بني إسرائيل، تأخذ ولدها وتلقيه في حفيرة أو كهف من جبل، أو غير ذلك، وكانت الملائكة تتعهد هذه الأطفال بالتربية حتى يكبروا فيدخلوا بين الناس.
وقرئ وأضلّهم السامري على صيغة التفضيل، أي أشدهم ضلالا السامري، وهو منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها السامرة. فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ، بعد ما استوفى الأربعين ليلة وأخذ التوراة غَضْبانَ أَسِفاً، أي حزينا.
روي أنه لما رجع موسى سمع الصياح، وكانوا يرقصون حول العجل، فقال للسبعين الذين كانوا معه: هذا صوت الفتنة، قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً بأن يعطيكم التوراة، فيها ما فيها من الهدى؟ أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أي أوعدكم ذلك فطال عليكم مدة الإنجاز، ومدة نعم الله تعالى عليكم من إنجائه إياكم من فرعون، أفنسيتم ذلك العهد أو تعمدتم المعصية؟! أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ بسبب عبادة العجل فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) ، بالإقامة على طاعة الله تعالى؟ قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا.
قرأ حمزة والكسائي بضم الميم، أي بسلطاننا وقوتنا. ونافع وعاصم، بفتح الميم. وأبو عمرو وابن عامر وابن كثير بالكسر أي بأمر كنا نملكه ونريده. وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ. قرأ ابن كثير، ونافع، وحفص، وابن عامر بضم الحاء، وكسر الميم مشددة، أي أمرنا أن نحمل أحمالا من حليّ القبط التي استعرناها منهم، حين هممنا بالخروج من مصر باسم العرس وفي الواقع ليس للعرس، أي فإن موسى أمرهم باستعارة الحليّ والخروج بها. وقرأ حمزة والكسائي، وأبو عمرو، وعاصم، في رواية أبي بكر بفتح الحاء والميم مخففة، أي حملنا مع أنفسنا ما كنا استعرناه من حليّ آل فرعون، فَقَذَفْناها أي فطرحنا الحليّ في النار بأمر السامري.
روي أنه قال لهم: إنما تأخر عنكم مجيء موسى ﵇ لما معكم من الأوزار، أي فهو محبوس عقوبة بالحلي، فالرأي أن تحفروا لها حفيرة، وتوقدوا فيها نارا، وتقذفوها فيها لتخلصوا من ذنبها. فَكَذلِكَ، أي فمثل ذلك القذف، أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) ما كان معه منها، فَأَخْرَجَ أي السامري لَهُمْ عِجْلًا أي صورة عجل من تلك الحلي المذابة، أي فصاغ لهم السامري من الذهب الذي ألقوا في النار في ثلاثة أيام، جَسَداً أي حال كون العجل جسدا صغيرا من ذهب بلا روح.
لَهُ خُوارٌ أي صوت يسمع. أي أن السامري صوّر صورة على شكل العجل. وجعل فيها منافذ ومخارق، بحيث تدخل فيها الرياح، فيخرج صوت يشبه صوت العجل.
стр. 694
قال ابن عباس: لا، والله ما كان له صوت قط، وإنما كان الريح يدخل في دبره فيخرج من فيه، فكان ذلك الصوت من ذلك. فَقالُوا أي السامري ومن تبعه في بادئ الرأي لمن توقف من بني إسرائيل: هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ (٨٨) ، أي موسى أن إلهه هنا فيطلبه في الطور.
وفي موضع آخر أو فنسي السامري الاستدلال على حدوث الأجسام، وأن الإله لا يحلّ في شيء ولا يحل فيه شيء. أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ أي العجل، إِلَيْهِمْ قَوْلًا. أي ألا يتفكر السامري وأصحابه فلا يعلمون أنه لا يرجع إليهم كلاما. وقرئ «يرجع» بالنصب، أي ألا ينظرون فلا يبصرون عدم رجعه إليهم، قولا من الأقوال، و «أن» الناصبة لا تقع بعد أفعال اليقين. وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً (٨٩) أي، ولا يقدر العجل على أن يدفع عنهم ضرا، ولا أن يجرّ لهم نفعا فيخافوا كما يخافون فرعون، ويرجوا منه كما يرجون من فرعون، فكيف يقولون ذلك؟ وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ، أي من قبل مجيء موسى ﵇: يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ، أي أوقعتم في الفتنة بالعجل، وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ أي إن ربكم المستحق للعبادة هو الرحمن. وإنما قال هارون ذلك شفقة منه على نفسه، وعلى الخلق.
كما
قال ﷺ : «من أصبح وهمّه غير الله فليس من الله في شيء، ومن أصبح لا يهتمّ بالمسلمين فليس منهم»
» .
ويروى: أن رسول الله ﷺ جالس ومعه أصحابه، إذ نظر إلى شاب على باب المسجد فقال:
«من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا» «٢» ، فسمع الشاب ذلك فولّى، فقال:
إلهي وسيدي هذا رسولك يشهد عليّ بأني من أهل النار، وأنا أعلم أنه صادق، فإذا كان الأمر كذلك، فأسألك أن تجعلني فداء أمة محمد ﷺ ، وتشعل النار بي حتى تبرّ يمينه، ولا تشعل النار بأحد آخر.
فهبط جبريل ﵇ وقال يا محمد: بشّر الشاب بأني قد أنقذته من النار بتصديقه لك، وفدائه أمتك بنفسه، وشفقته على الخلق.
قالُوا في جواب هارون ﵇: لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ، أي لن نزال مقيمين على عبادة العجل، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (٩١) . جعلوا رجوع موسى ﵇ إليهم، غاية لعكوفهم على عبادة العجل بطريق التعلل والتسويف، وقد دسّوا تحت ذلك، أن موسى لا يرجع بشيء مبين اعتمادا على مقالة السامري.
стр. 695
واعلم أن هارون ﵇ سلك في هذا الوعظ أحسن الطرق، لأنه زجرهم عن الباطل:
أولا: بقوله: إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ، وهو إزالة الشبهات- لأنه لا بدّ قبل كل شيء من إماطة الأذى عن الطريق- ثم دعاهم إلى معرفة الله تعالى.
ثانيا: بقوله: وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ، لأنها الأصل، وإنما خصّ هذا الموضع باسم الرحمن، لأنه ﵇ كان ينبئهم، بأنهم متى تابوا قبل الله توبتهم، لأنه هو الرحمن كما خلصهم من آفات فرعون برحمته، ثم دعاهم.
ثالثا: إلى معرفة النبوة بقوله: فاتبعوني، ثم دعاهم.
رابعا: إلى الشريعة بقوله: وَأَطِيعُوا أَمْرِي، ثم إنهم لجهلهم وتقليدهم قابلوا هذا الترتيب الحسن في الاستدلال، بقولهم لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى فجحدوا قول هارون كما هو عادة المقلّد. فكأنهم قالوا: لا نقبل حجّتك، ولكن نقبل موسى.
روي أنهم لما قالوا ذلك: اعتزلهم هارون ﵇، في اثني عشر ألفا، وهم الذين لم يعبدوا العجل. قالَ موسى: يا هارُونُ حين سمع جوابهم له وهو مغتاظ: ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) بعبادة العجل، أَلَّا تَتَّبِعَنِ في حالي الغضب لله تعالى، والمقاتلة مع من كفر به، أي أيّ شيء دعاك إلى أن لا تتبعني في سيرتي من الأخذ على يد الظالم طوعا أو كرها، فلم تركت قتالهم وتأديبهم، وتركت وصيتي، وأنت نبي الله، وأخي، ووزيري، وخليفتي في قومي؟ وأثبت الياء بعد النون ابن كثير، وقفا ووصلا، وأثبتها نافع وأبو عمرو، وصلا لا وقفا، وحذفها الباقون وصلا ووقفا أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) ، أي ألم تتبعني وعصيت أمري؟ وأمره ﵇ هو ما حكاه الله تعالى عنه في قوله تعالى: وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ فلما أقام هارون معهم ولم يبالغ في منعهم، نسبه إلى مخالفة أمره. الَ
هارون لموسى: ابْنَ أُمَ
ذكر هارون أمه، مع أن موسى أخوه الشقيق، ترقيقا لقلبه. قرأ حمزة والكسائي بكسر الميم تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي
، أي ولا بشعر رأسي.
روي أن موسى ﵇ أخذ شعر رأس هارون بيمينه ولحيته بشماله من فرط غضبه لله.
ِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ
، برأيك بسبب القتال تفريقا لا يرجى بعده الاجتماع. لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي
(٩٤) ، أي ولم تنتظر قدومي، فمن ذلك تركت القتال معهم. وإني رأيت أن الإصلاح، في المداراة معهم إلى أن ترجع إليهم لتكون أنت المتدارك للأمر حسبما رأيت، قالَ موسى ﵇ للسامري موبخا له بعد سماع الاعتذارين: فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ (٩٥) أي فيما شأنك الداعي إلى ما صنعت، وما مطلوبك مما فعلت من عبادة العجل؟
قالَ أي السامري مجيبا له ﵇: بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ، بضم الصاد فيهما.
وقرأ حمزة والكسائي، بالتاء على خطاب موسى وقومه، أي رأيت ما لم يره بنو إسرائيل، قال له
стр. 696
موسى: وما رأيت دونهم؟ قال: رأيت جبريل لما نزل على دابة الحياة فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ، أي حفنة من تربة موطئ فرس الملك الذي أرسل إليك ليذهب بك إلى الطور للمناجاة، وأخذ التوراة. وقرأ الحسن «قبضة» بضم القاف. وقرئ «قبصت قبصة» ، بالصاد المهملة، فالضاد المعجمة للأخذ بجميع الكف، والمهملة للأخذ بأطراف الأصابع.
فَنَبَذْتُها أي فطرحت المأخوذ في فم العجل المصوغ ودبره فخار، أو في الحلي المذابة.
قال أبو مسلم الأصفهاني: إن موسى ﵇، لما أقبل على السامري باللوم على الأمر الذي دعاه إلى إضلال القوم في باب العجل، فقال: بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ إلخ. أي عرفت أن الذي أنتم عليه ليس بحق. وقد كنت أخذت شيئا من سنتك أيها الرسول فطرحتها، وعلى هذا فالمراد بالأثر: الدين، وبالرسول: سيدنا موسى ﵇.
قال الرازي: وهذا القول أقرب إلى التحقيق لأن جبريل لم يجر له فيما تقدم ذكره، وليس بمشهور عندهم باسم الرسول ولأن إضمار الكلام خلاف الأصل، ولأن جبريل ربّى السامري حال طفولته فلا يعرفه، ولو عرفه بعد البلوغ لعرف قطعا أن موسى ﵇ نبي صادق، ولأنه لو جاز إطلاع بعض الكفرة أن تراب فرس جبريل له خاصية الإحياء، لاطلع موسى ﵇ على شيء آخر يشبه ذلك، فلأجله أتى بالمعجزات. وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) ، أي وزينت لي نفسي تزينا كائنا مثل ذلك التزيين الذي فعلته من القبص، والنبذ، فالمعنى لم يدعني إلى ما فعلته أحد غيري، بل اتبعت هواي فيه. قالَ له موسى: فَاذْهَبْ يا سامري من بين الناس، فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ، أي فإن قولك لا مساس ثابت لك في مدة حياتك لا ينفك عنك، فكان يصيح بأعلى صوته: لا مساس، أي إني لا أمسّ ولا أمسّ، وإذا مسّه أحدّهم أخذت الحمّى الماسّ والممسوس، فكان إذا أراد أحد أن يمسّه صاح خوفا من الحمى، وقال: لا مساس. وحرّم موسى عليهم مكالمته، ومبايعته، وغيرها مما يعتاد جريانه فيما بين الناس، فكان يهيم في البرية مع السباع والوحوش، ويقال: إن موسى همّ بقتل السامري،
فقال الله تعالى: «لا تقتله فإنه سخي» .
وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لعذابك في الآخرة لَنْ تُخْلَفَهُ.
قرأ أهل المدينة والكوفة، بفتح اللام أي لن يخلفك الله ذلك الوعد. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو والحسن بكسر اللام، أي لن تجد للوعد خلفا ولن يتأخر عنك. وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً، أي الذي أقمت عابدا على إلهك ثم لَنُحَرِّقَنَّهُ بالنار. ويؤيده قراءة «لنحرقنّه» بضم النون، وسكون الحاء أو «لنبردنّه» بالمبرد، ويعضده قراءة أبي جعفر، وابن محيصن «لنحرقنّه» بفتح النون، وضم الراء، أي لنبردنّه بعد أن أحميه بالنار، حتى لان فهان على المبارد. ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً (٩٧) أي لنذرينّه في هواء البحر ذروا إذا صار رمادا، أو مبرودا، كأنه هباء. ولقد فعل موسى ﵇ ذلك كله حينئذ، فلما فرغ موسى من إبطال ما
стр. 697
ذهب إليه السامري، عاد إلى بيان الدين الحق فقال: إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ أي إنما معبودكم المستحق للعبادة الله، الَّذِي لا إِلهَ أي لا معبود لشيء من الأشياء موجود، إِلَّا هُوَ، وحده من غير أن يشاركه شيء من الأشياء. وقرئ «الله لا إله إلا هو الرحمن رب العرش» ، وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً (٩٨) ، أي وسع علمه كل شيء فيعلم من يعبده ومن لا يعبده. كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ، أي نقص عليك يا أشرف الخلق- من الحوادث الماضية الجارية على الأمم الخالية- قصا مثل ذلك القصّ المارّ، زيادة في معجزاتك، وليكثر الاعتبار للمكلّفين بها في الدين. وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً (٩٩) أي ولقد أعطيناك من عندنا قرآنا مشتملا على هذه الأخبار. مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ أي عن ذلك الذكر، فَإِنَّهُ أي المعرض عنه، يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً (١٠٠) أي عقوبة ثقيلة،
خالِدِينَ فِيهِ أي في حمل العقوبة، وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا (١٠١) ، أي بئس لهم حملا عقوبتهم، أو بئس ما حملوا على أنفسهم من الإثم كفرا بالقرآن. يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، النفخة الثانية.
قرأ الجمهور بالياء المضمومة، وفتح الفاء، وقرأ أبو عمرو بنون مفتوحة، وضم الفاء، على إسناد النفخ إلى الآمر به تعظيما له، وقرئ بالياء المفتوحة، والضمير لله تعالى، أو لإسرافيل، وإن لم يجر ذكره لشهرته. وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ أي المشركين، يَوْمَئِذٍ أي يوم إذ ينفخ في الصور زُرْقاً (١٠٢) أي زرق العيون، سود الوجوه، لأن زرقة العيون أبغض ألوان العين إلى العرب، أو عميا، لأن حدقة الأعمى تزرق، أو عطاشا لأنهم من شدة العطش، يتغيّر سواد عيونهم حتى تزرق، أو طامعين فيما لا ينالونه. يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ، أي يقول بعضهم لبعض بطريق المخافتة لما يملأ صدورهم من الرعب، إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً (١٠٣) أي ما مكثتم في القبور إلّا عشرة أيام، لأنهم يرون من شدة أهوال ذلك اليوم، ما يقلل ذلك في أعينهم، فهم يحسبون أنهم ما لبثوا في القبور إلّا عشرة أيام، وهم حين يشاهدون البعث الذي كانوا ينكرونه في الدنيا لا يتمالكون من أن يقولوا ذلك، اعترافا به، وتحقيقا لسرعة وقوعه، كأنهم قالوا قد بعثتم، وما لبثتم في القبور، إلا مدة يسيرة. نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ في ذلك اليوم أي ليس كما قالوا. إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً. أي أصوبهم رأيا إِنْ لَبِثْتُمْ، أي ما مكثتم في القبور، إِلَّا يَوْماً (١٠٤) ، ونسبة هذا القول إلى أفضلهم عقلا لكونه أدلّ على شدة الهول. وَيَسْئَلُونَكَ أي يسألك يا أشرف الخلق، مشركو مكة على سبيل الاستهزاء، أو بنو ثقيف، عَنِ الْجِبالِ أي عن أمر الجبال كيف تكون يوم القيامة، فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (١٠٥) ، أي يصير الجبال كالرمل، ثم يرسل عليها الرياح، فَيَذَرُها أي فيترك الأرض بعد قلع الجبال، قاعاً أي مستويا صَفْصَفاً (١٠٦) أي ملساء لا نبات فيها، لا تَرى فِيها أي الأرض عِوَجاً أي لا تدرك فيها انخفاضا وَلا أَمْتاً (١٠٧) أي نتوءا يسيرا. يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ، أي يوم إذ نسفت الجبال، يتبع الناس
стр. 698
صوت الداعي إلى المحشر بعد القيام من القبور، فيقبلون من كل أوب إلى جهته. والراجح أن الداعي:
جبريل، والنافخ: إسرافيل، لا عِوَجَ لَهُ، أي لا يعدل الداعي عن أحد بدعائه، بل يحشر الكل.
وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ، أي سكنت لِلرَّحْمنِ، أي لهيبة الرحمن. فَلا تَسْمَعُ، يا أشرف الخلق، إِلَّا هَمْساً (١٠٨) ، أي وطأ خفيا كوطء الإبل- وهو خفق أقدامهم في مشيها إلى المحشر- وهذا قول ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وابن زيد. يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩) أي يوم إذ يتبعون الداعي، لا تنفع الشفاعة أحدا من الخلق، إلا شخصا أذن لأجله في أن يشفع له، وقبل منه قولا واحدا من أقواله، وهو شهادة «أن لا إله إلا الله» ، بأن مات على الإسلام وإن عمل السيئات، وهذه الآية من أقوى الدلائل على ثبوت الشفاعة في حق الفسّاق وهي نافعة لهم. يَعْلَمُ، أي الرحمن ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، أي المتبعين للداعي وهم الخلق جميعهم، وَما خَلْفَهُمْ أي يعلم ما مضى من أحوالهم وما بقي منها، وَلا يُحِيطُونَ بِهِ، أي بما بين أيديهم وما خلفهم عِلْماً (١١٠)
وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ، أي ذلّت المكلفون لله تعالى ذلّ الأسارى في يد الملك القهار. وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً (١١١) ، أي خسر من أشرك بالله ولم يتب. وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ، أي بعضا من الصالحات وهو الفرائض، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فإن الإيمان شرط في الصحة والقبول. فَلا يَخافُ ظُلْماً أي منعا من الثواب، وَلا هَضْماً (١١٢) أي نقصا من ثوابه.
وقال أبو مسلم: الظلم: نقص من الثواب، والهضم: عدم تمام حقه من التعظيم، لأن الثواب مع كونه من اللذات، لا يكون ثوابا، إلا إذا قارنه التعظيم. فنفى الله تعالى عن المؤمنين كلا الأمرين.
وقرأ ابن كثير: «فلا يخفّ» بالجزم على النهي، أي فليأمن فالنهي عن الخوف والأمر بالأمن. وَكَذلِكَ، ومثل إنزال هذه الآيات، أَنْزَلْناهُ، أي القرآن كله قُرْآناً عَرَبِيًّا ليفهمه العرب، وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ، أي وكرّرنا في القرآن نوعا من الوعيد، لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ. أي لكي يتقوا الكفر والفواحش. أَوْ يُحْدِثُ، أي القرآن لَهُمْ ذِكْراً (١١٣) . أي اتعاظا يدعوهم إلى الطاعات، وفعل ما ينبغي، فإن لم يحصل التقوى، فأقلّ ما يحصل أن يحدث القرآن لهم شرفا وصيتا حسنا. فَتَعالَى اللَّهُ أي تنزّه عن مماثلة المخلوقات في ذاته، وصفاته، وأفعاله. الْمَلِكُ، النافذ أمره ونهيه، الْحَقُّ، أي الثابت في ملكه. وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ. أي ولا تستعجل يا أشرف الخلق بقراءة القرآن، من قبل أن يفرغ جبريل من قراءة القرآن عليك. كان رسول الله ﷺ ، إذا ألقى إليه جبريل الوحي، يتبعه عند تلفّظ كل حرف، وكل كلمة، لكمال اعتنائه بالحفظ، فنهي عن ذلك، وأمر باستزادة العلم من الله تعالى فقيل: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (١١٤) أي فهما لإدراك حقائقه، فإنها غير متناهية.
стр. 699
روى الترمذي، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهم انفعني بما علمتني، وعلّمني ما ينفعني، وزدني علما والحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار»
«١» . وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية، قال: اللهم زدني علما ويقينا. وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ، أي وصّيناه أن لا يأكل من الشجرة، مِنْ قَبْلُ، أي من قبل أكله منها، فَنَسِيَ عهدنا وأكل منها.
وقرئ «فنسي» بالبناء للمجهول، وبتشديد السين، أي فنسّاه الشيطان. وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (١١٥) . أي تصميما على الاحتياط في كيفية الاجتهاد. فهو إنما أخطأ في الاجتهاد، أو لم نجد له عزما على الذنب فإنه أخطأ ولم يتعمّد، وهذا أقرب إلى المدح، ف «عزما» مفعول به، و «له» حال منه، أو متعلّق ب «نجد» ، أو ب «عزما» وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ، أي واذكر ما وقع في ذلك الوقت منا ومنه، حتى يتبين نسيانه لك، وفقدان صبره عما نهيناه عنه، فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ، رئيسهم أَبى (١١٦) ، أي أظهر الإباء، فَقُلْنا عقب ذلك: يا آدَمُ إِنَّ هذا الذي تكبّر عليك، عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ حواء، لأن إبليس رأى آثار نعم الله تعالى، في حق آدم ﵇، فإنه كان شابا عالما وإبليس كان شيخا جاهلا فأثبت فضله بفضيلة أصله، وهو النار. وبينها وبين أصل آدم وهو الماء، والتراب، عداوة فثبتت تلك العداوة. فَلا يُخْرِجَنَّكُما، بوسوسته مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (١١٧) . أي فتتعب ففي طلب القوت فذلك على الرجل دون المرأة.
روي أنه هبط إلى آدم ثور أحمر وكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه. إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها أي الجنة، وَلا تَعْرى (١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا، أي لا تعطش فِيها وَلا تَضْحى (١١٩) ، أي لا يصيبك حرّ الشمس، أو تعرق.
فالجوع: ذل الباطن. والعري: ذلّ الظاهر. والظمأ: حرّ الباطن. والضحو: حرّ الظاهر.
فنفى الله عن ساكن الجنة ذل الظاهر والباطن، وحرّ الظاهر والباطن.
وقرأ نافع، وأبو بكر، و «إنك» بكسر الهمزة استئناف أو عطف على «أن» الأولى.
والباقون بفتحها عطف على «أن لا تجوع» . فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ، أي أنهى إليه وسوسته، ثم بيّن الله صورة الوسوسة بقوله تعالى: قالَ؟؟؟ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (١٢٠) . أي لا يزول ولا يختل، أي هل أدلك على الشجرة التي من أكل منها خلّد، ولا يموت أصلا ودام ملكه، إما على حاله، أو على أن يصير ملكا.
فَأَكَلا مِنْها، أي الشجرة
стр. 700
فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما، أي ظهرت فروجهما لكل منهما، بسبب تساقط حلل الجنة عنهما لمّا أكلا من الشجرة. وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ أي شرعا يلزقان ورق التين بعضه ببعض، لأجل ستر عوراتهما، كلما ألزقا بعضه ببعض تساقط. وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ، بأكله من الشجرة أي خالف آدم نهي ربه، لأنه اعتقد أن النهي عن شجرة معينة، وأن غيرها ليس منهيا عنه فَغَوى (١٢١) . أي خاب من نعيم الجنة فلم يصب بأكله من الشجرة ما أراده، لأنه إنما أكل منها ليصير ملكه دائما، فلما أكل زال ملكه، وخاب سعيه. ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ أي قرّبه بالتوفيق للتوبة، فَتابَ عَلَيْهِ، أي قبل توبته حين تاب هو وزوجته، وَهَدى (١٢٢) إلى الثبات على التوبة والتمسك بأسباب العصمة. قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً أي انزلا يا لآدم وحواء من الجنة إلى الأرض، بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فالخطاب لآدم وحواء ولإبليس. وقيل: مع آدم، وذريته قابيل وأقليما، فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً، أي فإن يأتكم يا ذرية لآدم مني دلالة من كتاب ورسول فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ، أي دلالتي فَلا يَضِلُّ في الدين والدنيا وَلا يَشْقى (١٢٣) ، بسبب الدين فيها وفي الآخرة. وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي، أي عن الهدى الداعي إلي، فَإِنَّ لَهُ، في الدنيا، مَعِيشَةً ضَنْكاً. أي ضيقة، وهي معيشة الكافر فإنه يكون حريصا على الدنيا للزيادة أبدا، فحالته مظلمة، لأن مطامح نظره مقصورة على أمتعة الدنيا، وهو خائف من انتقاصها. أما المسلم فهو يعيش في الدنيا عيشا طيبا لتوكّله على الله تعالى، فإن المؤمن الطالب للآخرة يوسّع ببركة الإيمان. وَنَحْشُرُهُ أي المعرض عن الأدلة، يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤) ، أي فاقد البصر أي فإذا خرج هو من القبر خرج بصيرا، فإذا سيق إلى المحشر عمي، فإذا دخل النار زال عماه، ليرى محلّه وحاله. قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً (١٢٥) في الدنيا وعند البعث؟ قالَ كَذلِكَ، أي مثل ذلك فعلت أنت. ثم فسّره بقوله تعالى: أَتَتْكَ آياتُنا أي دلائلنا في الدنيا واضحة بحيث لا تخفى على أحد، فَنَسِيتَها أي تركتها، وَكَذلِكَ أي مثل تركك آياتنا في الدنيا الْيَوْمَ تُنْسى (١٢٦) . أي تترك في العذاب جزءا وفاقا وَكَذلِكَ أي مثل ذلك الجزاء الموافق للجناية، نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ، بالانهماك في الشهوات، وَلَمْ يُؤْمِنْ؟؟؟ بِآياتِ رَبِّهِ، بل كذّبها، وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى (١٢٧) ، من عذاب الدنيا وعذاب القبر. أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ، أي أغفلوا، فلم يفعل الهداية لهم كثرة إهلاكنا للقرون الأولى.
وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: أفلم نهد بالنون، أي أفلم نبيّن لأهل مكة بيانا يهتدون به كثرة من أهلكنا من القرون الماضية من أصحاب الحجر، وثمود، وقريات قوم لوط. يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ، حال من الضمير لهم، أي حال كون هؤلاء القريش ماشين في منازل تلك القرون إذا سافروا إلى الشام مشاهدين لآثار هلاكهم. إِنَّ فِي ذلِكَ أي الإهلاك لَآياتٍ ظاهرة الدلالة على الحق، لِأُولِي النُّهى (١٢٨) . أي لأهل العقول الناهية عن القبائح. وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ،
стр. 701
وهي عدة بتأخير عذاب هذه الأمة إلى الآخرة لحكمة تقتضيه. لَكانَ أي الإهلاك بجناياتهم، لِزاماً، أي لازما لهم بحيث لا يتأخر عن جناياتهم ساعة. وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) عطف على كلمة أي ولولا أجل مسمى، لعذابهم يوم القيامة، لما تأخر عذابهم أصلا، فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ، أي لا يضطرب قلبك يا أكرم الرسل، لما صدر منهم من الأذيّة، بالشتم والتكذيب، فيما تدعيه من النبوة.
فقالوا: إن محمدا ساحر، أو مجنون، أو شاعر، أو غير ذلك. فهذه الآية غير منسوخة. وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ، أي ساعاته. فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ.
عطف على محل من «آناء» المنصوب ب «سبّح» المقرون بالفاء الزائدة، أو عطف على «قبل» ، أي في طرفي نصفيه، أي في الوقت الذي يجمع الطرفين، وهو وقت الزوال، فهو نهاية للنصف الأول، وبداية للنصف الثاني، أي اشتغل بتنزيه الله تعالى في هذه الأوقات عما ينسبونه إليه تعالى مما لا يليق به، حامدا له على ما ميّزك بالهدى. أو المعنى صلّ وأنت حامد لربك على كمال هدايته إياك، صلاة الصبح وصلاة العصر، وصلاة المغرب، والعشاء، وصلاة الظهر.
لَعَلَّكَ تَرْضى (١٣٠) . رجاء أن تنتفع بذلك وترضي به نفسك.
وقرأ الكسائي، وأبو بكر، عن عاصم، بضم التاء أي لعلك تعطى ما يرضيك.
وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ أي لا تطل نظرهما، إِلى ما مَتَّعْنا، أي ألذذنا، بِهِ أَزْواجاً، أي أصنافا مِنْهُمْ، أي الكفرة من بني قريظة والنضير. زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي زينتها بدل من «أزواجا» ، أو حال من «ما» الموصولة، أو من «الهاء» في «به» . لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ أي لنعذبهم في الآخرة بسببه أو لنجعل ذلك فتنة لهم، بأن يزيدوا بذلك طغيانا وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٣١) . أي ما أوتيته من يسير الدنيا إذا قرنته بالطاعة، خير لك من حيث العاقبة. أبقى لأن أموالهم الغالب عليها الغصب، والسرقة، فالحلال خير وأبقى.
قال أبو رافع: نزل ضيق بالنبي ﷺ ، فبعثني إلى يهودي لبيع أو سلف، فقال: والله لا أفعل ذلك إلا برهن، فأخبرته ﷺ بقوله، فأمرني أن أذهب بدرعه الحديد إليه، فنزل قوله تعالى: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ. وقال أبو مسلم: أي لا تأسف على ما فاتك مما نالوه من حظ الدنيا، فالذي نهى عنه الأسف لا النظر. وَأْمُرْ أَهْلَكَ أي أهل دينك بِالصَّلاةِ، لئلا يهتموا بأمر المعيشة، ولا يلتفتوا لفت أرباب الثروة. وَاصْطَبِرْ عَلَيْها، أي على مشاقّها وثابر عليها غير مشتغل بأمر المعاش. لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً، أي لا نكلفك أن ترزق نفسك ولا أهلك. نَحْنُ نَرْزُقُكَ وإياهم، ففرّغ بالك بأمر الآخرة وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (١٣٢) أي العاقبة الجميلة لأهل تقوى الله تعالى.
وَقالُوا أي مشركو مكّة: لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ، أي هلا يأتينا محمد بآية تدل على صدقه في دعوى النبوة، وبآية مما اقترحناها. قال تعالى ردا عليهم: أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٣٣) أي ألم يكفهم اشتمال القرآن على بيان ما في التوراة، والإنجيل، وسائر الكتب
стр. 702
السماوية في كونه آية دالة على صدق محمد، حتى طلبوا غيرها، فإن في الصحف الأولى: بشارة بصفة محمد، ونبوته، وبعثته، وأنباء الأمم الماضية، وإهلاكهم بتكذيب الرسل وجحود الآيات. وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ، أي ولو أنا أهلكنا أهل مكة في الدنيا بعذاب مستأصل من قبل مجيء محمد إليهم بالقرآن، لَقالُوا يوم القيامة: رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا أي لم لم ترسل إلينا في الدنيا، رَسُولًا مع كتاب، فَنَتَّبِعَ آياتِكَ، أي فنطيع رسولك ونؤمن بكتابك مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ، أي أن يحصل لنا الذل بالعذاب في الدنيا وَنَخْزى (١٣٤) . أي أن يحصل لنا الفضيحة بدخول النار اليوم، ولكنا لم نهلكهم قبل إتيان البينات، فانقطعت معذرتهم، فعند ذلك قالوا: بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ، فَكَذَّبْنا، وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ [الملك: ٩] .
روي أن أبا سعيد الخدري ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «يحتج على الله تعالى يوم القيامة ثلاثة: الهالك، في الفترة يقول لم يأتني رسول وإلّا كنت أطوع خلقك لك، والمغلوب عقله، يقول: لم تجعل لي عقلا أنتفع به، ويقول الصبي: كنت صغيرا لا أعقل، فترفع لهم نار، ويقال لهم: ادخلوها، فيدخلها من كان في علم الله أنه سعيد، ويبقى من في علمه أنه شقي، فيقول الله تعالى لهم: عصيتم اليوم، فكيف برسلي لو أتوكم» .
«١» قُلْ لأولئك الكفرة المتمردين:
كُلٌّ أي كل واحد منا ومنكم مُتَرَبِّصٌ أي منتظر لما يؤول إليه أمرنا وأمركم. إما قبل الموت: بسبب الأمر بالجهاد، وبسبب ظهور القوة، وإما بالموت: فإن كل واحد من الخصمين ينتظر موت صاحبه. وإما بعد الموت: بظهور أمر الثواب والعقاب، فيظهر على المحق أنواع كرامة الله تعالى، وعلى المبطل أنواع إهانته. فَتَرَبَّصُوا. وقرئ «فتمتعوا» . فَسَتَعْلَمُونَ، عن قريب بوعد من الله لا خلف فيه، مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ أي العدل. وقرئ «السواء» أي الوسط الجيد. وقرئ «السوء» ، و «السوأى» ، و «السوي» ، تصغير السوء وَمَنِ اهْتَدى (١٣٥) إليه أنحن أم أنتم؟ وهذا تهديد الكفار.
стр. 703
سورة الأنبياء
مكية، مائة واثنتان وعشرة آية، ألف ومائة وثلاثون كلمة، أربعة آلاف وثمانمائة وستون حرفا
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ، أي قرب من كفار قريش وقت حساب أعمالهم الموجبة للعقاب، فإن كل آت قريب، وإن طالت أوقات ترقّبه، وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ، أي والحال أنهم منكرون للحساب، لا يتفكرون في عاقبتهم، مع اقتضاء عقولهم أنه لا بدّ من جزاء المحسن والمسيء، مُعْرِضُونَ (١) . عن الآيات المنبّهة لهم عن سنة الغفلة. ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ، أي من جزء نازل من القرآن ينبههم عن الغفلة أتمّ تنبيه، مِنْ رَبِّهِمْ، متعلق ب «يأتيهم» ، مُحْدَثٍ أي متجدد ننزله آية بعد آية، وسورة بعد سورة، بحسب اقتضاء الحكمة.
قرأ ابن أبي عبلة «محدث» بالرفع صفة ل «محل» ذكر، إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) . أي والحال أنهم يهزئون. لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ، حال من واو «يلعبون» . والمعنى: ما يأتيهم ذكر من ربهم محدث في حال من الأحوال، إلا حال استماعهم إياه مستهزئين به حال كون قلوبهم غافلة عن معناه، لفرط إعراضهم عن النظر في الأمور وعن التفكّر في العواقب.
وقرأ ابن أبي عبلة «لاهية» بالرفع خبر ثان، أو خبر مقدّم وَأَسَرُّوا النَّجْوَى، أي بالغوا في إخفاء التناجي، وجعلوه بحيث لا يفطن أحد لتناجيهم، الَّذِينَ ظَلَمُوا بدل من واو «أسرّوا» ، أو مبتدأ وخبره «أسرّوا النجوى» . والمعنى: وهم أسرّوا النجوى، فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلا على فعلهم بأنه ظلم، هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) ف «هل» بمعنى النفي، والهمزة للإنكار، والفاء للعطف على مقدّر يقتضيه المقام، و «أنتم» حال من فاعل «تأتون» مؤكدة للاستبعاد، فالجملتان الاستفهاميتان في محل نصب، على أنهما محكيتان للنجوى، لأنها في معنى القول. والمعنى: ما محمد إلّا بشر من جنسكم، فكيف يختص عنكم بالرسالة؟ وما أتى به سحر، أتعلمون ذلك فتحضرونه على وجه القبول والحال أنكم تبصرون بأعينكم أنه آدمي مثلكم، وأن ما ظهر منه من نوع السحر. قالَ أي محمد وهو حكاية من الله لقول رسوله، وهذا قراءة حمزة والكسائي وحفص، عن عاصم.
стр. 704
وقرأ الباقون «قل» - على الأمر للرسول ﷺ : رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ، الكائن فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ، سواء كان سرا أم جهرا وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) فيجازيهم بأقوالهم وأفعالهم.
بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ؟؟؟ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ.
وهذا متصل بقوله تعالى هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ، فإن الظالمين لم يقتصروا على قولهم في حقه ﷺ هل هذا إلّا بشر، وفي حق ما ظهر على يده من القرآن أنه سحر، بل قالوا: ما أتانا به محمد أباطيل أحلام كاذبة رآها في النوم، بل اختلق محمد ما أتانا به من تلقاء نفسه من غير أن يكون له. صل، بل محمد هو شاعر، فما أتى به كلام يخيّل للسامع معاني لا حقيقة لها، ويرغّبه فيها، فترتيب كلامهم كأنهم قالوا: ندّعي أن كون محمد بشرا مانع من كونه رسولا لله، فإن سلّمنا أنه غير مانع فلا نسلّم أن هذا القرآن معجز، فإن ساعده على أن فصاحته خارجة عن مقدور البشر.
قلنا: لم لا يجوز أن يكون ذلك سحرا وإن لم تساعده فصاحته عليه، فإن ادّعينا كونه في غاية الركاكة، قلنا: إنه أضغاث أحلام.
وإن ادعينا أنه متوسط بين الركاكة والفصاحة، قلنا: إنه افتراء، وإن ادعينا أنه كلام فصيح، قلنا: إنه من جنس فصاحة سائر الشعراء. وعلى هذه التقديرات فإنه لا يثبت كونه معجزا ولا يثبت كون محمد رسولا لله تعالى، وإن لم يكن كما قلنا، بل كان رسولا من الله تعالى، فليأتنا بآية كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) أي بآية كائنة مثل الآية التي أرسل بها الأولون، كاليد، والعصا والناقة، ونظائرها، حتى نؤمن به. قال الله تعالى مجيبا لهم: ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ، أي قبل مشركي مكة، مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها، بإهلاك أهلها لعدم إيمانهم بعد مجيء ما اقترحوه من الآيات، أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦) أي الأمم المهلكة لم يؤمنوا عند إعطاء ما اقترحوه من الآيات، أهم لم يؤمنوا، فهؤلاء يؤمنون لو أعطوا ما اقترحوا مع كونهم أشدّ عتّوا من أولئك. وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا، أي وما أرسلنا إلى الأمم قبل إرسالك إلى أمتك، إلا رجالا مخصوصين من أفراد جنسك، متأهلين للإرسال، ولم يكونوا ملائكة، نُوحِي إِلَيْهِمْ بواسطة الملك، كما نوحي إليك من غير فرق.
وقرئ «يوحى إليهم» بالياء على صيغة المبني للمفعول. فَسْئَلُوا أيها الجهلة أَهْلَ الذِّكْرِ، أي أهل الكتاب التوراة والإنجيل، فإنهم يخبرونكم بحقيقة الحال ليزول شككم إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧) أن الرسل بشر فأنتم إلى تصديقهم أقرب من تصديقكم للذين آمنوا بمحمد ﷺ . وَما جَعَلْناهُمْ، أي الرسل جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ، أي وما جعلناهم جسدا مستغنيا عن الأكل والشرب، بل محتاجا إلى ذلك لتحصيل بدل ما يخرج منه وَما كانُوا أي الرسل خالِدِينَ (٨) . في الدنيا بل يموتون كغيرهم لأن عاقبة التحلّل هو الفناء. ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ أي ثم صدقناهم في الوعد الذي وعدناهم بإهلاك من كذبهم، فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ
стр. 705
ممن يصدقونهم وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩) . أي المجاوزين للحدود في الكفر، بعذاب الاستئصال في الدنيا. لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ يا معشر قريش، كِتاباً أي قرآنا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أي فيه ما يوجب الثناء عليكم، لكونه بلسانكم وفيه موعظتكم، أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠) ؟ أي ألا تتفكرون فلا تعقلون؟ إن ذلك الكتاب شرفكم، وسبب اشتهاركم لكونه نازلا بينكم على لسان رسول منكم.
وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً أي وكثيرا كسرنا من أهل قرية كانوا كافرين بآيات الله، بأن قتلوا بالسيوف، وَأَنْشَأْنا بَعْدَها أي بعد إهلاك أهلها قَوْماً آخَرِينَ (١١) أي ليسوا منهم نسبا، ولا دينا فسكنوا ديارهم. فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا أي أدركوا عذابنا الشديد إِذا هُمْ مِنْها أي القرية يَرْكُضُونَ (١٢) أي يهربون مسرعين، فقيل لهم- بلسان الحال أو بلسان المقال-: لا تَرْكُضُوا أي لا تهربوا، وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ أي أنعمتم فِيهِ من العيش والحال الناعمة، وَمَساكِنِكُمْ التي كنتم تفتخرون بها، لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (١٣) . أي لكي يسألكم الوافدون عطاياكم، إما لأنهم كانوا أسخياء ينفقون أموالهم رئاء الناس، أو كانوا بخلاء، فقيل لهم ذلك، تهكما إلى تهكم. قالُوا لما أيقنوا بنزول العذاب: يا وَيْلَنا أي هلاكنا، إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (١٤) . أي بقتل نبينا. فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ، أي قولهم، أي فلم يزالوا يكرّرون هذه الكلمة فلم ينفعهم ذلك، حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً أي مثل الزرع المحصود بالمناجل في استئصالهم، خامِدِينَ (١٥) . أي ميتين لا يتحركون أي أنهم أهلكوا بالعذاب، حتى لم يبق لهم حسّ، ولا حركة، وجفّوا كما يجفّ الحصيد، وخمدوا كما تخمد النار.
وهذه قصة أهل قرية في جهة اليمن- يقال لها: حضور بفتح الحاء وبالضاد المعجمة- بعث الله لهم نبيا وهو موسى بن ميشا، بن يوسف، بن يعقوب، وكان قبل موسى بن عمران، فقتلوا ذلك النبي ﷺ ، فسلّط الله عليهم بختنصر. كما سلّطه الله على أهل بيت المقدس، فلما علموا أنهم مدركون، خرجوا هاربين، فقالت لهم الملائكة استهزاء لا تَرْكُضُوا إلخ.
فرجعوا، فقتلهم جميعا ولم يترك فيهم عينا تطرف. فلمّا رأوا القتل فيهم أقرّوا بذنوبهم وندموا وقالوا: يا وَيْلَنا أي يا ويل، احضر فهذا وقتك، ولم ينفعهم هذا الندم كقوله تعالى: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ. وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (١٦) . أي وما سوّينا هذا السقف المرفوع، وهذا المهاد الموضوع، وما بينهما من العجائب، التي لا تحصر أنواعها خالية عن الحكم، كما تسوّي الجبابرة سقوفهم وفروشهم للعب، وإنما سوّيناها لفوائد دينية، ودنيوية، ليتفكّر المتفكّرون فيها، ويستدلوا بها إلى معرفتنا، وللمنافع التي لا تحصى. لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً أي يلعب به لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا أي من جهة قدرتنا مما يليق بشأننا من المجردات، لا من الأجسام المرفوعة، والأجرام الموضوعة. لكن يستحيل إرادتنا له لمنافاته الحكمة، فيستحيل اتخاذنا له قطعا، إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ (١٧) اتخاذ اللهو أردناه لكنا لم نرده فلم نتخذه، ويجوز أن