وهي عدة بتأخير عذاب هذه الأمة إلى الآخرة لحكمة تقتضيه. لَكانَ أي الإهلاك بجناياتهم، لِزاماً، أي لازما لهم بحيث لا يتأخر عن جناياتهم ساعة. وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) عطف على كلمة أي ولولا أجل مسمى، لعذابهم يوم القيامة، لما تأخر عذابهم أصلا، فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ، أي لا يضطرب قلبك يا أكرم الرسل، لما صدر منهم من الأذيّة، بالشتم والتكذيب، فيما تدعيه من النبوة.
فقالوا: إن محمدا ساحر، أو مجنون، أو شاعر، أو غير ذلك. فهذه الآية غير منسوخة. وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ، أي ساعاته. فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ.
عطف على محل من «آناء» المنصوب ب «سبّح» المقرون بالفاء الزائدة، أو عطف على «قبل» ، أي في طرفي نصفيه، أي في الوقت الذي يجمع الطرفين، وهو وقت الزوال، فهو نهاية للنصف الأول، وبداية للنصف الثاني، أي اشتغل بتنزيه الله تعالى في هذه الأوقات عما ينسبونه إليه تعالى مما لا يليق به، حامدا له على ما ميّزك بالهدى. أو المعنى صلّ وأنت حامد لربك على كمال هدايته إياك، صلاة الصبح وصلاة العصر، وصلاة المغرب، والعشاء، وصلاة الظهر.
لَعَلَّكَ تَرْضى (١٣٠) . رجاء أن تنتفع بذلك وترضي به نفسك.
وقرأ الكسائي، وأبو بكر، عن عاصم، بضم التاء أي لعلك تعطى ما يرضيك.
وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ أي لا تطل نظرهما، إِلى ما مَتَّعْنا، أي ألذذنا، بِهِ أَزْواجاً، أي أصنافا مِنْهُمْ، أي الكفرة من بني قريظة والنضير. زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي زينتها بدل من «أزواجا» ، أو حال من «ما» الموصولة، أو من «الهاء» في «به» . لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ أي لنعذبهم في الآخرة بسببه أو لنجعل ذلك فتنة لهم، بأن يزيدوا بذلك طغيانا وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٣١) . أي ما أوتيته من يسير الدنيا إذا قرنته بالطاعة، خير لك من حيث العاقبة. أبقى لأن أموالهم الغالب عليها الغصب، والسرقة، فالحلال خير وأبقى.
قال أبو رافع: نزل ضيق بالنبي ﷺ ، فبعثني إلى يهودي لبيع أو سلف، فقال: والله لا أفعل ذلك إلا برهن، فأخبرته ﷺ بقوله، فأمرني أن أذهب بدرعه الحديد إليه، فنزل قوله تعالى: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ. وقال أبو مسلم: أي لا تأسف على ما فاتك مما نالوه من حظ الدنيا، فالذي نهى عنه الأسف لا النظر. وَأْمُرْ أَهْلَكَ أي أهل دينك بِالصَّلاةِ، لئلا يهتموا بأمر المعيشة، ولا يلتفتوا لفت أرباب الثروة. وَاصْطَبِرْ عَلَيْها، أي على مشاقّها وثابر عليها غير مشتغل بأمر المعاش. لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً، أي لا نكلفك أن ترزق نفسك ولا أهلك. نَحْنُ نَرْزُقُكَ وإياهم، ففرّغ بالك بأمر الآخرة وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (١٣٢) أي العاقبة الجميلة لأهل تقوى الله تعالى.
وَقالُوا أي مشركو مكّة: لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ، أي هلا يأتينا محمد بآية تدل على صدقه في دعوى النبوة، وبآية مما اقترحناها. قال تعالى ردا عليهم: أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٣٣) أي ألم يكفهم اشتمال القرآن على بيان ما في التوراة، والإنجيل، وسائر الكتب
стр. 702
السماوية في كونه آية دالة على صدق محمد، حتى طلبوا غيرها، فإن في الصحف الأولى: بشارة بصفة محمد، ونبوته، وبعثته، وأنباء الأمم الماضية، وإهلاكهم بتكذيب الرسل وجحود الآيات. وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ، أي ولو أنا أهلكنا أهل مكة في الدنيا بعذاب مستأصل من قبل مجيء محمد إليهم بالقرآن، لَقالُوا يوم القيامة: رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا أي لم لم ترسل إلينا في الدنيا، رَسُولًا مع كتاب، فَنَتَّبِعَ آياتِكَ، أي فنطيع رسولك ونؤمن بكتابك مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ، أي أن يحصل لنا الذل بالعذاب في الدنيا وَنَخْزى (١٣٤) . أي أن يحصل لنا الفضيحة بدخول النار اليوم، ولكنا لم نهلكهم قبل إتيان البينات، فانقطعت معذرتهم، فعند ذلك قالوا: بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ، فَكَذَّبْنا، وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ [الملك: ٩] .
روي أن أبا سعيد الخدري ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «يحتج على الله تعالى يوم القيامة ثلاثة: الهالك، في الفترة يقول لم يأتني رسول وإلّا كنت أطوع خلقك لك، والمغلوب عقله، يقول: لم تجعل لي عقلا أنتفع به، ويقول الصبي: كنت صغيرا لا أعقل، فترفع لهم نار، ويقال لهم: ادخلوها، فيدخلها من كان في علم الله أنه سعيد، ويبقى من في علمه أنه شقي، فيقول الله تعالى لهم: عصيتم اليوم، فكيف برسلي لو أتوكم» .
«١» قُلْ لأولئك الكفرة المتمردين:
كُلٌّ أي كل واحد منا ومنكم مُتَرَبِّصٌ أي منتظر لما يؤول إليه أمرنا وأمركم. إما قبل الموت: بسبب الأمر بالجهاد، وبسبب ظهور القوة، وإما بالموت: فإن كل واحد من الخصمين ينتظر موت صاحبه. وإما بعد الموت: بظهور أمر الثواب والعقاب، فيظهر على المحق أنواع كرامة الله تعالى، وعلى المبطل أنواع إهانته. فَتَرَبَّصُوا. وقرئ «فتمتعوا» . فَسَتَعْلَمُونَ، عن قريب بوعد من الله لا خلف فيه، مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ أي العدل. وقرئ «السواء» أي الوسط الجيد. وقرئ «السوء» ، و «السوأى» ، و «السوي» ، تصغير السوء وَمَنِ اهْتَدى (١٣٥) إليه أنحن أم أنتم؟ وهذا تهديد الكفار.
стр. 703
سورة الأنبياء
مكية، مائة واثنتان وعشرة آية، ألف ومائة وثلاثون كلمة، أربعة آلاف وثمانمائة وستون حرفا
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ، أي قرب من كفار قريش وقت حساب أعمالهم الموجبة للعقاب، فإن كل آت قريب، وإن طالت أوقات ترقّبه، وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ، أي والحال أنهم منكرون للحساب، لا يتفكرون في عاقبتهم، مع اقتضاء عقولهم أنه لا بدّ من جزاء المحسن والمسيء، مُعْرِضُونَ (١) . عن الآيات المنبّهة لهم عن سنة الغفلة. ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ، أي من جزء نازل من القرآن ينبههم عن الغفلة أتمّ تنبيه، مِنْ رَبِّهِمْ، متعلق ب «يأتيهم» ، مُحْدَثٍ أي متجدد ننزله آية بعد آية، وسورة بعد سورة، بحسب اقتضاء الحكمة.
قرأ ابن أبي عبلة «محدث» بالرفع صفة ل «محل» ذكر، إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) . أي والحال أنهم يهزئون. لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ، حال من واو «يلعبون» . والمعنى: ما يأتيهم ذكر من ربهم محدث في حال من الأحوال، إلا حال استماعهم إياه مستهزئين به حال كون قلوبهم غافلة عن معناه، لفرط إعراضهم عن النظر في الأمور وعن التفكّر في العواقب.
وقرأ ابن أبي عبلة «لاهية» بالرفع خبر ثان، أو خبر مقدّم وَأَسَرُّوا النَّجْوَى، أي بالغوا في إخفاء التناجي، وجعلوه بحيث لا يفطن أحد لتناجيهم، الَّذِينَ ظَلَمُوا بدل من واو «أسرّوا» ، أو مبتدأ وخبره «أسرّوا النجوى» . والمعنى: وهم أسرّوا النجوى، فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلا على فعلهم بأنه ظلم، هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) ف «هل» بمعنى النفي، والهمزة للإنكار، والفاء للعطف على مقدّر يقتضيه المقام، و «أنتم» حال من فاعل «تأتون» مؤكدة للاستبعاد، فالجملتان الاستفهاميتان في محل نصب، على أنهما محكيتان للنجوى، لأنها في معنى القول. والمعنى: ما محمد إلّا بشر من جنسكم، فكيف يختص عنكم بالرسالة؟ وما أتى به سحر، أتعلمون ذلك فتحضرونه على وجه القبول والحال أنكم تبصرون بأعينكم أنه آدمي مثلكم، وأن ما ظهر منه من نوع السحر. قالَ أي محمد وهو حكاية من الله لقول رسوله، وهذا قراءة حمزة والكسائي وحفص، عن عاصم.
стр. 704
وقرأ الباقون «قل» - على الأمر للرسول ﷺ : رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ، الكائن فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ، سواء كان سرا أم جهرا وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) فيجازيهم بأقوالهم وأفعالهم.
بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ؟؟؟ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ.
وهذا متصل بقوله تعالى هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ، فإن الظالمين لم يقتصروا على قولهم في حقه ﷺ هل هذا إلّا بشر، وفي حق ما ظهر على يده من القرآن أنه سحر، بل قالوا: ما أتانا به محمد أباطيل أحلام كاذبة رآها في النوم، بل اختلق محمد ما أتانا به من تلقاء نفسه من غير أن يكون له. صل، بل محمد هو شاعر، فما أتى به كلام يخيّل للسامع معاني لا حقيقة لها، ويرغّبه فيها، فترتيب كلامهم كأنهم قالوا: ندّعي أن كون محمد بشرا مانع من كونه رسولا لله، فإن سلّمنا أنه غير مانع فلا نسلّم أن هذا القرآن معجز، فإن ساعده على أن فصاحته خارجة عن مقدور البشر.
قلنا: لم لا يجوز أن يكون ذلك سحرا وإن لم تساعده فصاحته عليه، فإن ادّعينا كونه في غاية الركاكة، قلنا: إنه أضغاث أحلام.
وإن ادعينا أنه متوسط بين الركاكة والفصاحة، قلنا: إنه افتراء، وإن ادعينا أنه كلام فصيح، قلنا: إنه من جنس فصاحة سائر الشعراء. وعلى هذه التقديرات فإنه لا يثبت كونه معجزا ولا يثبت كون محمد رسولا لله تعالى، وإن لم يكن كما قلنا، بل كان رسولا من الله تعالى، فليأتنا بآية كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) أي بآية كائنة مثل الآية التي أرسل بها الأولون، كاليد، والعصا والناقة، ونظائرها، حتى نؤمن به. قال الله تعالى مجيبا لهم: ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ، أي قبل مشركي مكة، مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها، بإهلاك أهلها لعدم إيمانهم بعد مجيء ما اقترحوه من الآيات، أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦) أي الأمم المهلكة لم يؤمنوا عند إعطاء ما اقترحوه من الآيات، أهم لم يؤمنوا، فهؤلاء يؤمنون لو أعطوا ما اقترحوا مع كونهم أشدّ عتّوا من أولئك. وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا، أي وما أرسلنا إلى الأمم قبل إرسالك إلى أمتك، إلا رجالا مخصوصين من أفراد جنسك، متأهلين للإرسال، ولم يكونوا ملائكة، نُوحِي إِلَيْهِمْ بواسطة الملك، كما نوحي إليك من غير فرق.
وقرئ «يوحى إليهم» بالياء على صيغة المبني للمفعول. فَسْئَلُوا أيها الجهلة أَهْلَ الذِّكْرِ، أي أهل الكتاب التوراة والإنجيل، فإنهم يخبرونكم بحقيقة الحال ليزول شككم إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧) أن الرسل بشر فأنتم إلى تصديقهم أقرب من تصديقكم للذين آمنوا بمحمد ﷺ . وَما جَعَلْناهُمْ، أي الرسل جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ، أي وما جعلناهم جسدا مستغنيا عن الأكل والشرب، بل محتاجا إلى ذلك لتحصيل بدل ما يخرج منه وَما كانُوا أي الرسل خالِدِينَ (٨) . في الدنيا بل يموتون كغيرهم لأن عاقبة التحلّل هو الفناء. ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ أي ثم صدقناهم في الوعد الذي وعدناهم بإهلاك من كذبهم، فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ
стр. 705
ممن يصدقونهم وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩) . أي المجاوزين للحدود في الكفر، بعذاب الاستئصال في الدنيا. لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ يا معشر قريش، كِتاباً أي قرآنا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أي فيه ما يوجب الثناء عليكم، لكونه بلسانكم وفيه موعظتكم، أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠) ؟ أي ألا تتفكرون فلا تعقلون؟ إن ذلك الكتاب شرفكم، وسبب اشتهاركم لكونه نازلا بينكم على لسان رسول منكم.
وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً أي وكثيرا كسرنا من أهل قرية كانوا كافرين بآيات الله، بأن قتلوا بالسيوف، وَأَنْشَأْنا بَعْدَها أي بعد إهلاك أهلها قَوْماً آخَرِينَ (١١) أي ليسوا منهم نسبا، ولا دينا فسكنوا ديارهم. فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا أي أدركوا عذابنا الشديد إِذا هُمْ مِنْها أي القرية يَرْكُضُونَ (١٢) أي يهربون مسرعين، فقيل لهم- بلسان الحال أو بلسان المقال-: لا تَرْكُضُوا أي لا تهربوا، وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ أي أنعمتم فِيهِ من العيش والحال الناعمة، وَمَساكِنِكُمْ التي كنتم تفتخرون بها، لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (١٣) . أي لكي يسألكم الوافدون عطاياكم، إما لأنهم كانوا أسخياء ينفقون أموالهم رئاء الناس، أو كانوا بخلاء، فقيل لهم ذلك، تهكما إلى تهكم. قالُوا لما أيقنوا بنزول العذاب: يا وَيْلَنا أي هلاكنا، إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (١٤) . أي بقتل نبينا. فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ، أي قولهم، أي فلم يزالوا يكرّرون هذه الكلمة فلم ينفعهم ذلك، حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً أي مثل الزرع المحصود بالمناجل في استئصالهم، خامِدِينَ (١٥) . أي ميتين لا يتحركون أي أنهم أهلكوا بالعذاب، حتى لم يبق لهم حسّ، ولا حركة، وجفّوا كما يجفّ الحصيد، وخمدوا كما تخمد النار.
وهذه قصة أهل قرية في جهة اليمن- يقال لها: حضور بفتح الحاء وبالضاد المعجمة- بعث الله لهم نبيا وهو موسى بن ميشا، بن يوسف، بن يعقوب، وكان قبل موسى بن عمران، فقتلوا ذلك النبي ﷺ ، فسلّط الله عليهم بختنصر. كما سلّطه الله على أهل بيت المقدس، فلما علموا أنهم مدركون، خرجوا هاربين، فقالت لهم الملائكة استهزاء لا تَرْكُضُوا إلخ.
فرجعوا، فقتلهم جميعا ولم يترك فيهم عينا تطرف. فلمّا رأوا القتل فيهم أقرّوا بذنوبهم وندموا وقالوا: يا وَيْلَنا أي يا ويل، احضر فهذا وقتك، ولم ينفعهم هذا الندم كقوله تعالى: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ. وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (١٦) . أي وما سوّينا هذا السقف المرفوع، وهذا المهاد الموضوع، وما بينهما من العجائب، التي لا تحصر أنواعها خالية عن الحكم، كما تسوّي الجبابرة سقوفهم وفروشهم للعب، وإنما سوّيناها لفوائد دينية، ودنيوية، ليتفكّر المتفكّرون فيها، ويستدلوا بها إلى معرفتنا، وللمنافع التي لا تحصى. لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً أي يلعب به لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا أي من جهة قدرتنا مما يليق بشأننا من المجردات، لا من الأجسام المرفوعة، والأجرام الموضوعة. لكن يستحيل إرادتنا له لمنافاته الحكمة، فيستحيل اتخاذنا له قطعا، إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ (١٧) اتخاذ اللهو أردناه لكنا لم نرده فلم نتخذه، ويجوز أن
стр. 706
تكون «إن» نافية، أي ما كنا فاعلين اتخاذ اللهو لعدم إرادتنا به. بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ، أي يذهبه بالكلية، كما فعلنا بأهل القرى المحكية، فَإِذا هُوَ أي الباطل زاهِقٌ أي ذاهب بالكلية وهذا انتقال من إرادة اتخاذ اللهو إلى تنزيه ذاته تعالى، كأنه تعالى قال: سبحاننا أن نريد اتخاذ اللهو، بل شأننا بمقتضى حكمتنا، أن نغلب اللعب بالجدّ، وندحض الباطل بالحق. والمقصود من هذه الآية، تقرير نبوة محمد ﷺ ورد على منكريها، لأنه تعالى أظهر المعجزة عليه ﷺ فإن كان محمد كاذبا كان إظهار الله المعجزة عليه من باب اللعب، وذلك منفي عنه تعالى، وإن كان صادقا فهو المطلوب، وحينئذ يفسد كل ما ذكروه من المطاعن، وَلَكُمُ الْوَيْلُ أي ولكم يا كفار مكة شدة العذاب، مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) . أي من أجل قولكم بتكذيب الرسول ﷺ ، ونسب القرآن إلى أنه سحر وأضغاث أحلام، إلى غير ذلك من الأباطيل. وهذه الآية دالة على أن إهلاك الله أهل القرية لتكذيبهم الرسل عدل منه تعالى، ومجازاة على ما فعلوا.
وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، فهو تعالى منزّه عن طاعتهم، لأنه تعالى هو المالك لجميع المحدثات وَمَنْ عِنْدَهُ أي والملائكة مع كمال شرفهم، ونهاية جلالتهم، لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ أي لا يتعظمون عن طاعته تعالى، ولا يعدّون أنفسهم كبيرا فكيف يليق بالبشر مع نهاية الضعف، التمرّد عن طاعته، وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) أي لا يسأمون ولا يتعبون. يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (٢٠) أي ينزهونه تعالى في جميع الأوقات، فكما أن اشتغالنا بالتنفس لا يمنعنا من الكلام، فكذا اشتغالهم بالتسبيح لا يمنعهم من سائر الأعمال.
أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) . ف «أم» بمعنى: بل، والهمزة، ومعناها إنكار انشار الأصنام للموتى، لا إنكار نفس الاتخاد فإقدامهم على عبادتها، يوجب عليهم الإقرار، بكون الآلهة قادرين على الحشر، والنشر، والثواب، فإذا كانوا عير قادرين على أن يحيوا ويميتوا، ويضرّوا وينفعوا، فأيّ عقل يجوز اتخاذهم آلهة، فقوله: مِنَ الْأَرْضِ كقولك: فلان من مكة، أي فلان مكي، فمعنى نسبة الأصنام إلى الأرض، إعلام بأن الأصنام التي تعبد إما أن تكون منحوتة من بعض الحجارة، أو معمولة من بعض جواهر الأرض. وفي قوله تعالى: هُمْ يُنْشِرُونَ معنى الخصوصية، وحاصل المعنى بل أعبد أهل مكة آلهة أرضية لا يقدر على إحياء الموتى من القبور إلّا هم وحدهم، فذكر ذلك على سبيل التهكم بهم والتجهيل. لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا أي لو تولى أمور السموات والأرض إله غير الواحد الذي هو فاطرهما، لبطلتا بما فيهما جميعا، وحيث انتفى فسادهما علم انتفاء تدبير إلهين، ويدلّ العقل على ذلك، لأنّا لو قدرنا إليهن لكان أحدهما إذا انفرد صحّ منه تحريك الجسم، وإذا انفرد الثاني صحّ منه تسكينه، فإذا اجتمعا وجب أن يبقيا على ما كانا عليه وقت الانفراد، فيصحّ أن يحاول أحدهما التحريك، والآخر التسكين، فإما أن يحصل المرادان وهو محال لاجتماع الضدين، وإما أن يمتنعا، وهو محال أيضا لكون كل واحد منهما
стр. 707
عاجزا، فثبت فساد نظام العالم، فكان القول بوجود إلهين باطلا، فثبت أن مدبّر العالم إله واحد، وإذا عرفت حقيقة هذه الدلالة عرفت أن جميع ما في العالم السفلي والعلوي، دليل على وحدانية الله تعالى. فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) . أي نزهوا الله عما يقول الكفار، بوجود آلهة غير الله لأجل هذه الأدلة، فالاشتغال بالتنزيه إنما ينفع بعد إقامة الأدلة على كون الله تعالى منزها فنبّه الله تعالى على نكتة خاصة بعيدة الأصنام وهي:
كيف يجوز للعاقل، أن يجعل الجماد الذي لا يعقل شريكا في الألوهية لخالق العرش العظيم، وموجد السموات والأرضين، واللوح والقلم، ومدبر الخلائق، من النور والظلمة، والنباتات، وأنواع الحيوانات والذات والصفات؟ لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ أي عما يحكم في عباده من إعزاز، وإذلال، وهدى، وإضلال، وإسعاد وإشقاء، لأنه المالك القاهر. وَهُمْ أي العباد يُسْئَلُونَ (٢٣) . سؤال توبيخ يقال لهم يوم القيامة: لم فعلتم كذا؟ لأنهم عبيد يجب عليهم امتثال أمر مولاهم، والله تعالى ليس له شريك في الألوهية يقول له: لم فعلت كذا؟ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً أي بل أوصفوا الله تعالى بأن له شريكا وهذا استقباح أمرهم وإظهار جهلهم قُلْ يا أكرم الرسل: هاتُوا بُرْهانَكُمْ على إثبات الآلهة إما من جهة العقل أو من جهة النقل، كما أتيت أنا ببرهان النقل المؤيد بالعقل. هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي أي هذا إثبات وحدانية الله عظة أمتي وعظة الأمم الماضية، فهم متمسكون على التوحيد فأقيموا أنتم برهانكم على تعدّد الآلهة، ولا يمكن إثبات التعدد بالبرهان، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ، ولا يميزون بين الحق والباطل، فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) عن استماع الحق، أي أن وقوعهم في المذهب الباطل ليس لأجل دليل ساقهم إليه، بل ذلك لأن عندهم ما هو أصل الفساد، وهو عدم العلم، ثم تفرّع منه الإعراض عن طلب الحق. وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) ، أي فوحّدوني فالحكمة في بعث الرسل مقصورة على المصلحتين: إثبات وحدانية الله تعالى، وعبادته بالإخلاص.
وقرأ حفص وحمزة والكسائي: بالنون. والباقون على صيغة الغائب، مبنيا للمفعول.
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً أي وقال فرق من أجناس العرب، وهم: خزاعة، وجهينة، وبنو سلمة، وبنو مليح: الملائكة بنات الله، سُبْحانَهُ أي تنزّه الله تعالى تنزيها لائقا بذاته تعالى بَلْ عِبادٌ أي ليست الملائكة كما قالوا، بل هم عباد الله تعالى. فالعبودية تنافي الولدية، كما أن الولد للإنسان لا يكون عبده. مُكْرَمُونَ (٢٦) أي مقرّبون عنده تعالى، ومفضلون على سائر العباد بالعصمة. لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ، فإنهم يتبعونه في قوله تعالى ولا يقولون شيئا حتى يقوله، فلا يسبق قولهم قوله وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) أي فلا يعملون عملا ما لم يؤمروا به.
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ أي يعلم ما قدّموا، وما أخّروا من أعمالهم، أي لما علموا كونه
стр. 708
تعالى عالما بكل شيء، علموا كونه تعالى عالما بظواهرهم، وبواطنهم، فكان ذلك داعيا لهم إلى نهاية الخضوع وكمال العبودية. وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى. أي لمن هو مرضي عند الله، وهو من قال: «لا إله إلا الله» ، ولا يشفعون لمن لم يأذن الله بشفاعته مهابة من الله تعالى. وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ تعالى مُشْفِقُونَ (٢٨) ، أي مرتعدون، فلا يأمنون من مكره تعالى وهم خائفون أن يؤاخذهم الله بما قالوا، أو بما عملوا. وهذه المذكورات صفات للعبيد، لا صفات للأولاد.
وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ، أي الملائكة إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ، أي من غير الله فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ، فلا ينفعهم ما ذكر من صفاتهم السنيّة وأفعالهم المرضية، وهذا على سبيل التقدير، إذ لم يقع من واحد من الملائكة أنه قال ما ذكر وفي ذلك دلالة على قوة ملكوته تعالى وعزة جبروته.
كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩) . أي مثل ذلك الجزاء نجزي الذين يضعون الأشياء في غير مواضعها أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي ألم يتفكروا ولم يعلموا، أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً أي مستوية صلبة ملتزقا بعضها على بعض، لم تنزل من السماء قطرة من مطر، ولم ينبت على الأرض شيء من النبات، فَفَتَقْناهُما أي شققنا السماء بنزول المطر منها، وشققنا الأرض بظهور النبات عليها.
وقرأ ابن كثير «ألم ير» بغير واو، بين الهمزة «ولم» . وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أي خلقنا من ماء الذكر والأنثى، كل حيوان. أو صيّرنا كل شيء حييّ بسبب من الماء لا بدّله من ذلك وقرئ حيا بالنصب مفعولا ثانيا أَفَلا يُؤْمِنُونَ (٣٠) أي ألا يتدبرون هذه الأدلة فلا يؤمنون بتوحيدي!
وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أي جبالا ثوابت أوتادا لها أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ، أي كراهة أن تتحرك بهم. قال ابن عباس: إن الأرض بسطت على الماء، فكانت تتكفأ بأهلها، كما تتكفأ السفينة، فأرساها الله تعالى بالجبال الثقال، وَجَعَلْنا فِيها أي في الجبال فِجاجاً أي مسالك واسعة سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) ، أي لكي يهتدوا إلى منافعهم، وإلى وحدانية الله بالاستدلال. وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً على الأرض، مَحْفُوظاً من السقوط ومن الشياطين بالشهب، وَهُمْ عَنْ آياتِها أي عن الآيات الكائنة فيها، الدالة على وحدانية الله تعالى، وعلمه، وقدرته، وإرادته، مُعْرِضُونَ (٣٢) . لا يتفكرون فيبقون على الكفر والضلال. وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ، أي كل واحد منهما فِي فَلَكٍ أي طاحونة مستديرة كهيئة فلك المغزل، يَسْبَحُونَ (٣٣) أي يسيرون في سطح الفلك كالسبح في الماء. والجملة حال من الشمس والقمر، والجمع باعتبار المطالع. وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ، أي البقاء في الدنيا، أَفَإِنْ مِتَّ، يا أشرف الخلق، فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤) . في الدنيا أي إن متّ أنت يا خاتم الرسل، أيبقى هؤلاء حتى يشمتوا بموتك.
نزلت هذه الآية في قولهم ننتظر محمدا حتى يموت فنستريح. ويحتمل أنه لما ظهر أنه صلّى الله عليه وسلّم
стр. 709
خاتم الأنبياء، جاز أن يقدّر أنه لا يموت، إذ لو مات لتغير شرعه، فنبه الله تعالى على أن حاله كحال غيره من الأنبياء ﵈ في الموت. كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ، أي ذائقة مرارة مفارقتها جسدها في الدنيا، وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً، أي نعاملكم بالشرّ والخير معاملة المختبر اختبارا، لننظر أتصبرون عند الشر، وتشكرون عند الخير، أم لا؟ فالشرّ: هو المضار الدنيوية من الفقر والآلام، وسائر الشدائد النازلة على المكلفين، والخير: هو نعم الدنيا من الصحة واللذة والسرور، والتمكين من المرادات. وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٣٥) . أي إلى حكمنا ترجعون بعد الموت فنجزيكم بأعمالكم. وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً، يقولون في حال الهزء، أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ، بعيب ونقصان. ف «إن» نافية، وهي وما في حيّزها جواب، «إذا» ولا يجب إتيان الفاء في جواب «إذا» منفيا ب «إن» ، أو ب «ما» . والمعنى: وإذا رآك الذين كفروا كأبي جهل، وأبي سفيان، ما يفعلون بك إلا اتخاذك هزوا قائلين: أَهذَا الَّذِي إلخ. ويحتمل أن جواب إذا محذوف القول، وتكون الجملة المنفية معترضة بين الشرط وجوابه المقدّر، والتقدير، يقول بعضهم لبعض في حال السخرية: أهذا الذي إلخ. وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (٣٦) . و «هم» الأول مبتدأ وخبره «كافرون» ، و «بذكر» متعلق بالخبر. و «هم» الثاني تأكيد لفظي للأول، وهذه الجملة حال من فاعل القول المقدّر. والمعنى: أنهم يعيبون على النبي ﷺ ، أن يذكر بالسوء آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع.
والحال أنهم جاحدون بذكر الرحمن بما يليق به من التوحيد، وهو المنعم عليهم، الخالق، المحيي المميت، فإنهم كانوا يقولون: لا نعرف الرحمن، إلا رحمن اليمامة، وهو مسيلمة الكذاب. خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ أي خلق الإنسان عجولا.
روي أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحرث، حين استعجل العذاب بقوله: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر. والآية: سَأُرِيكُمْ آياتِي أي نقماتي في الآخرة، كعذاب النار، وغيره، في الدنيا، كوقعة بدر فإنها ستأتي في وقتها. فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) في طلب العذاب قبل الأجل.
وَيَقُولُونَ- أي كفار مكة بطريق الاستهزاء والإنكار، لا بطريق الإلزام في تعيين وقت العذاب-: مَتى هذَا الْوَعْدُ أي وعد إراءة الآيات التي تعدنا يا محمد؟ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) في وعدكم بأن العذاب يأتينا. لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ أي لا يدفعون، عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) . في دفع العذاب أي لو
يعلمون الوقت يسألون عنه، بقولهم متى هذا الوعد- وهو وقت صعب شديد- تحيط النار بهم فيه من كل جانب لا يقدرون على دفعها عن أنفسهم بأنفسهم، ولا يجحدون ناصرا ينصرهم في دفعها، لما استعجلوا العذاب ولما قاموا على إنكارهم ولرجعوا إلى طلب الحق فقوله حِينَ مفعول به ل «يعلم» . بَلْ تَأْتِيهِمْ، أي النار بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ أي فتحيّرهم، فَلا يَسْتَطِيعُونَ
стр. 710
بقوتهم، رَدَّها أي دفع النار عنهم بالكلية وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠) أي يمهلون ليستريحوا طرفة عين بشؤم الإنكار والاستهزاء.
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ، أي وبالله، لقد أستهزئ برسل أولي شأن خطير، وذوي عدد كثير، كائنين في زمان قبل زمانك، فَحاقَ أي أحاط عقب ذلك، بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ، أي من أولئك الرسل ﵈، وهو متعلق ب «حاق» . ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤١) أي جزاء الذي كانوا به يستهزئون، فكذلك يحيق بمن استهزءوا بك وبال استهزائهم. قُلْ يا أشرف الخلق للمستهزئين بك بطريق التقريع: مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ، أي من يحفظكم في الليل إذا نمتم، وفي النهار إذا انصرفتم إلى معايشكم مِنَ الرَّحْمنِ- أي من عذاب الرحمن الذي تستحقونه إن نزل بكم-؟ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) . أي بل هم لا يخطرون ببالهم ذكره تعالى، مع إنعامه عليهم ليلا ونهارا بالحراسة، فضلا أن يخافوا عذابه تعالى فلو تأمّلوا في أنه لا حافظ لهم سواه تعالى، لتركوا عبادة الأصنام التي لا حظّ لها في حفظهم، ولا في الإنعام عليهم، أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا، أي بل ألهم آلهة تمنعهم مما يحزنهم، كائنة من غيرنا ف «من دوننا» صفة ل «آلهة» ، لا يَسْتَطِيعُونَ أي آلهتهم نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ، أي حمايتها عن الآفات، فكيف تقدر على حماية غيرها وَلا هُمْ مِنَّا أي من عذابنا يُصْحَبُونَ (٤٣) . أي يمنعون، فكيف يمنعون غيرهم من العذاب؟ بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ، فحسبوا أن لا يزالوا كذلك، وأن ذلك بسبب ما هم عليه. أي دع ما زعموا من كونهم محفوظين بكلاءة آلهتهم، بل ما هم فيه من الحفظ إنما هو منّا حفظناهم من البأساء ومتعناهم بأنواع السّراء، لكونهم من أهل الاستدراج، والانهماك فبما يؤدّيهم إلى العذاب. أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها، أي ألا ينظر هؤلاء المشركون بالله، المستعجلون بالعذاب، فلا يرون أنّا نأخذ أرض الكفرة واحدا بعد واحد، ونفتح البلاد والقرى مما حول مكة لمحمد، ونميت رؤساء المشركين المتمتعين بالدنيا، وننقص من الشرك بإهلاك أهله. أَفَهُمُ الْغالِبُونَ (٤٤) على محمد وأصحابه؟! أما كان لهم عبرة في ذلك فكيف يتوهمون أنهم ناجون من بأسنا؟ قُلْ لهم: إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ الذي هو كلام ربكم، فلا تظنّوا أن ذلك من قبلي، بل الله أمرني بإنذاركم. وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (٤٥) .
قرأ ابن عامر: «ولا تسمع» بالتاء المضمومة، وكسر الميم، وبنصب الاسمين، أي ولا تقدر يا أشرف الرسل أن تسمع الدعاء من يتصامم. وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ أي وبالله لئن أصابهم شيء قليل، مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا، أي يا هلاكنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٤٦) .
على أنفسنا وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ، أي نقيم الموازين العادلة التي توزن بها صحائف الأعمال، لِيَوْمِ الْقِيامَةِ، أي فيه أو لأجل أهله، فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً أي حقا من حقوقها بل يوفّى كل
стр. 711
ذي حقّ حقّه، إن خيرا فخير وإن شرا فشر. وَإِنْ كانَ أي العمل مِثْقالَ حَبَّةٍ أي وزن حبة، مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها، أي أحضرنا ذلك العمل للوزن.
وقرأ نافع برفع «مثقال» على «إن كان» تامة. وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧) . أي محصين في كل شيء. وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) . أي والله لقد آتيناهما كتابا جامعا بين كونه فارقا بين الحق والباطل، وضياء يستضاء به في ظلمات الجهل، لما فيه من الشرائع، وذكرا يتعظ به الناس، الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ، حال من الفاعل، أي يخشون عذاب ربهم حال كونهم في الخلوات منفردين عن الناس، فخشيتهم من عقاب الله لازم لقلوبهم، لا، إن ذلك مما يظهرونه في الملأ، أو حال من المفعول، أي يخشون عذابه تعالى وهو غائب عنهم، غير مشاهد لهم، فيعلمون له تعالى، وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ أي ما يجري في يوم القيامة من الحساب، والسؤال، والميزان، مُشْفِقُونَ (٤٩) أي خائفون، فيعدلون بسبب ذلك الخوف عن معصية الله تعالى، وَهذا أي القرآن ذِكْرٌ مُبارَكٌ أي كثير النفع غزير العلم، أَنْزَلْناهُ، على أشرف الرسل محمد ﷺ ، أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠) ؟ أي أبعد أن علمتم أن شأن القرآن، كشأن التوراة، في كونه منزّلا من عندنا، فأنتم يا أهل مكة جاحدون للقرآن، خاصة دون كتاب اليهود، فإنهم كانوا يراجعون اليهود فيما عنّ لهم من المشكلات.
وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ، أي اهتداءه لوجوه الصلاح في الدين والدنيا ونبوته، مِنْ قَبْلُ أي من قبل إيتاء موسى وهارون التوراة، وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ (٥١) ، أي بأنه لائق بما آتيناه، يقوم يحقه، ويجتنب ما ينفّر قومه من القبول. إِذْ قالَ إبراهيم، لِأَبِيهِ آزر، وَقَوْمِهِ: - نمروذ بن كنعان- وأصحابه: ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ (٥٢) . أي ما هذه الصور التي أنتم عابدون لها، وكانت تلك الأصنام اثنين وسبعين صنما بعضها من ذهب، وبعضها من فضة، وبعضها من حديد، وبعضها من رصاص، وبعضها من نحاس، وبعضها من حجر، وبعضها من خشب، وكان كبيرها من ذهب، مكللا من جواهر. في عينيه ياقوتتان تتّقدان، تضيئان في الليل. قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ (٥٣) ، فنحن نعبدها اقتداء بهم، فلم يجدوا في جوابه إلّا طريقة التقليد. فأجابهم إبراهيم وأبطله على طريقة التوكيد القسمي بقوله، قالَ لهم إبراهيم: لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ الذين سنّوا لكم هذه السنّة الباطلة، فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٥٤) أي في خطأ بيّن، بحيث لا يخفى على أحد من العقلاء ذلك، والتقيّد إنما جاز لمن علم في الجملة أنه على الحق، قالُوا أَجِئْتَنا يا إبراهيم في قولك هذا بِالْحَقِّ إن بالجدّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥) ؟ أي من الممازحين بنا فيه. قالَ إبراهيم: بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ أي خلقهنّ على غير مثال سبق، وهو الذي خلقها لمنافع العباد، وهو الذي يستحق أن يعبد لأن من يقدر على ذلك، يقدر على أن يضر وينفع في الدار الآخرة بالعقاب، والثواب. وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ أي كون ربكم رب
стр. 712
السموات والأرض فقط، مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) بذلك، فأنا قادر على إثبات الحجة في ذلك، وأني لست مثلكم أقول بغير إثبات الحجة، كما لم تقدروا على الاحتجاج لمذهبكم، ولم تزيدوا على مجرّد التقليد بآبائكم. وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أي لأكسرنّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) أي بعد أن تنطلقوا ذاهبين إلى العيد.
روي أن آزر خرج في يوم عيد لهم، فبدءوا ببيت الأصنام، فدخلوا، فسجدوا لها ووضعوا بينها طعاما خرجوا به معهم، وذهب معهم إبراهيم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه، وقال:
إني سقيم أشتكي رجلي فتركوه ومضوا، ثم نادى في آخرهم وقد بقي ضعفاء الناس حيث قال:
وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ، فسمع قوله الضعفاء، فرجع إبراهيم إلى بيت الأصنام،
فَجَعَلَهُمْ، أي الأصنام، جُذاذاً أي قطعا إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لم يكسره، لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ أي إلى مقالة إبراهيم يَرْجِعُونَ (٥٨) . فيبكتهم، فيعدلون عن الباطل، أي أن إبراهيم ﵇ لما دخل بيت الأصنام، وجد قبالة الباب صنما عظيما وإلى جنبه أصغر منه، وهكذا كل صنم أصغر من الذي يليه، وكانوا وضعوا عند الأصنام طعاما يأكلون منه إذا رجعوا من عيدهم إليهم، فقال لهم إبراهيم: ألا تأكلون؟ فكسرها كلها بفأس في يده حتى لم يبق إلّا الكبير، ثم علّق الفأس في عنقه. قالُوا حين رجعوا من عيدهم ورأوا ما رأوا: مَنْ فَعَلَ هذا أي التكسير، بِآلِهَتِنا إِنَّهُ أي من فعل، لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) . إما لجراءته على إهانة الآلهة، أو لإفراطه في الكسر، أو لتعريض نفسه للهلكة. فإنهم كانوا يعتقدون في الأصنام أنها تماثيل الكواكب، وأنها طلسمات موضوعة، بحيث إن كل من عبدها انتفع بها، وكل من استخف بها ناله منها ضرر شديد. قالُوا أي الذين سمعوا حلف إبراهيم وأخبروا أكابرهم: سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ أي يعيب الأصنام ويسبها فلعلّه هو الذي فعل بها هذا الفعل، يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (٦٠) أي يطلق عليه هذا الاسم وهذه صفة ثانية ل «فتى» .
قالُوا أي فيما بينهم، والقائل لذلك القول هو النمروذ:
فَأْتُوا بِهِ، أي بإبراهيم عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ، أي حال كونه ظاهرا للناس، لَعَلَّهُمْ أي بعض الناس، يَشْهَدُونَ (٦١) عليه بفعله فكل حاكم يحكم على جماعة بالجناية من غير بينة، أسوأ حالا، فلا يحكم بعض الكفار على أهل الجناية إلا بحضور عدول قالُوا أي قال له نمروذ بعد إتيانه أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا أي الكسر بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (٦٢) ؟ قالَ إبراهيم
متهكما بهم وملزما بالحجة: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا، أي الذي الفأس على عنقه، وهو مشير إلى الذي لم يكسره، وسلك ﵇ مسلكا تعريضيا يؤديه إلى مقصده الذي هو إلزامهم الحجة على ألطف وجه يحملهم على التأمل في شأن آلهتهم، فهذا يستلزم نفي فعل الصنم الكبير للكسر وإثباته لنفسه ﵇، وهو إشارة لنفسه على الوجه الأبلغ مضمنا فيه الاستهزاء، والتضليل، إذ القاعدة أنه إذا دار فعل بين قادر عليه، وعاجز عنه، وأثبت للعاجز بطريق التهكم به، لزم منه
стр. 713
انحصاره في القادر، فهذا نعت لكبيرهم، أو بدل منه. وقيل: هو خبر «لكبيرهم» ، وتم الكلام عند قوله: بَلْ فَعَلَهُ، وفاعل الفعل محذوف، أي فعله من فعله.
ويروى عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله: بَلْ فَعَلَهُ، ثم يستبدي كَبِيرُهُمْ هذا.
وقرأ محمد بن السميفع: «فعله كبيرهم» بتشديد اللام أي فلعل الفاعل كبيرهم هذا، فَسْئَلُوهُمْ، أي الأصنام عن كاسرهم، إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) حتى يخبروكم من كسرهم، وجواب الشرط هو ما قبله، وهذا مرتبط بقوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ فيكون إسناد الفعل إلى كبيرهم مشروطا بكونهم ناطقين، فلما لم يكونوا ناطقين، امتنع أن يكون الكبير فاعلا.
والمعنى: بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون، فاسألوهم. وهذه التأويلات لنفي كذب سيدنا إبراهيم. والأولى هو الأول، فإن التعريض لا يسمى كذبا. وأيضا يجوز أن يكون الله تعالى قد أذن له في ذلك الكلام لقصد الصلاح، وتوبيخهم، والاحتجاج عليهم، كما أذن ليوسف ﵇، حين نادى مناديه فقال: أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ [يوسف: ٧٠] ولم يكونوا سرقوا فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ، بالتفكر فلاموها، فَقالُوا أي قال بعضهم لبعض فيما بينهم، أو قال لهم ملكهم نمروذ: إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ، بعبادة الأصنام، لا من كسرها ومن قلتم في حقه أنه لمن الظالمين، فإنهم علموا بعد التفكر أن عبادة الأصنام باطلة، وأنهم على غرور في ذلك، أو أنتم الظالمون لأنفسكم، حيث سألتم من إبراهيم عن كاسر الأصنام، حتى أخذ يستهزئ بكم في الجواب ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ أي انقلبوا عن الفكرة الصالحة إلى الحالة الأولى، فأخذوا في المجادلة بالباطل قائلين: والله لَقَدْ عَلِمْتَ يا إبراهيم، ما هؤُلاءِ الأصنام، يَنْطِقُونَ (٦٥) أي لقد علمت أنه ليس من شأنهم النطق، فكيف تأمرنا بسؤالهم.
وقرئ «نكّسوا» بالتشديد، و «نكسوا» بالبناء للفاعل، أي نكّسوا أنفسهم على رؤوسهم، وهي قراءة رضوان بن المعبود، قالَ إبراهيم مبكّتا لهم: أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أي أتعلمون ذلك فتعبدون متجاوزين عبادة الله تعالى، ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً، أي نفعا قليلا وَلا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ أي قذرا وقبحا لكم وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره، واللام لبيان المتضجّر لأجله، وعائد الموصول محذوف، وهذا تضجّر من سيدنا إبراهيم من إصرارهم على الباطل البيّن. أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٧) . أي ألا تتفكرون، فلا تعقلون قبح صنيعكم من عبادة ما لا يضر في ترك عبادته، ولا ينفع في عبادته. قالُوا أي قال بعضهم لبعض لما عجزوا عن المجادلة وضاقت عليهم الحيل، والقائل لهم ملكهم نمروذ بن كنعان، وقيل القائل رجل من أكراد فارس اسمه هينون، خسف الله به الأرض، حَرِّقُوهُ أي إبراهيم بالنار وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ أي انتقموا منه لآلهتكم إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٦٨) ، لنصرتها فاختاروا أشد العقوبات وهي الإحراق.
стр. 714
وروي أنهم لما اجتمعوا على إحراقه ﵇ بنوا له حظيرة في قرية كوثي، فجمعوا له أصناف الحطب شهرا، وأوقدوا نارا سبعة أيام، حتى لو مرّ الطير في أقصى الهواء لاحترق، ثم أخذوا إبراهيم فقيدوه ورفعوه على رأس البنيان، ووضعوه في المنجنيق مقيدا مغلولا فرموه به في النار، فجعل الله الحظيرة روضة وذلك قوله تعالى: قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ (٦٩) أي أبردي بردا غير ضارّ ومكث إبراهيم في النار سبعة أيام. وكان عنده عين ماء عذب، وورد أحمر، ونرجس، وأتاه جبريل بقميص من حرير الجنة، وقال: يا إبراهيم، إن ربك يقول أما علمت أن النار لا تضرّ أحبابي ولم تحرق النار منه إلّا وثاقه، فإن الله تعالى أزال عنها ما فيها من الحر والإحراق، وأبقى ما فيها من الإضاءة والإشراق.
وروي أنهم أوقدوا عليه النار سبعة أيام بعد إلقائه في ذلك البنيان، ثم أطبقوا عليه، ثم فتحوا عليه من الغد، فإذا هو غير محترق، ويعرق عرقا فقال لهم هاران- أبو لوط ﵇:
إن النار لا تحرقه لأنه سحر النار، ولكن اجعلوه على شيء وأوقدوا النار تحته فإن الدخان يقتله فجعلوه فوق بئر وأوقدوا النار تحته، فطارت شرارة فوقعت في لحية أبي لوط فأحرقته. وَأَرادُوا بِهِ أي إبراهيم كَيْداً أي مكرا عظيما في الإضرار به، فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠) فإنهم خسروا السعي والنفقة فلم يحصل لهم مرادهم، وهلكوا بإرسال الله عليهم البعوض، فأكلت لحومهم وشربت دماءهم ودخلت في دماغ نمروذ بعوضة فأهلكته
وَنَجَّيْناهُ أي إبراهيم من النار. وَلُوطاً ابن أخيه هاران الأصغر من الخسف وكان لهما أخ ثالث اسمه ناخور، والثلاثة أولاد آزر. وأما هاران الأكبر فكان عما لإبراهيم، وكانت سارة بنت عم إبراهيم، الذي هو هاران الأكبر. إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ (٧١) في الدين والدنيا أي بلغناهما من العراق، إلى الشام فنزل إبراهيم بفلسطين، ونزل لوط بالمؤتفكة وبينهما مسيرة يوم وليلة. وسبب بركة في الدين، لأن أكثر الأنبياء بعثوا منها، فانتشرت شرائعهم فيها وفي الدنيا لأن الله تعالى بارك فيها بكثرة الماء والشجر والثمر. وَوَهَبْنا لَهُ أي لإبراهيم ﵇ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أي وهبناهما لإبراهيم نافِلَةً أي عطية وفضلا من غير أن يكون جزاء مستحقا، ف «نافلة» منصوب على المصدر. وَكُلًّا أي كل واحد من هؤلاء الأربعة، جَعَلْنا صالِحِينَ (٧٢) في الدين والدنيا فصاروا كاملين. وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يقتدى بهم في أمور الدنيا، يَهْدُونَ أي يدعون الناس إلى الخيرات بِأَمْرِنا وإذننا، وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ، أي أن يعملوا الشرائع هم وأتباعهم، وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وهذان من عطف الخاص على العام، دلالة على إنافتهما فإن الصلاة أفضل العبادات البدنية، والزكاة أفضل العبادات المالية. وَكانُوا لَنا عابِدِينَ (٧٣) أي مخلصين في العبادة لا يخطر ببالهم غير عبادتنا. وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً أي فصلا بين الخصوم. قال الزجّاج: أي هذه الجملة عطف على قوله: وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ. وقال أبو
стр. 715
مسلم عطف على قوله: آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ، وآتينا لوطا. وَعِلْماً لائقا به وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ أي من أهل قرية سذوم. الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ، أي التي كان أهلها قبل إنجائنا له منها، يعملون الأعمال الخبائث من اللواط، ورمي المارة بالبندق، واللعب بالطيور، والتضارط في أنديتهم، وغير ذلك. إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ أي قوما يحزنون الناس بأفعالهم، فاسِقِينَ (٧٤) أي خارجين من كل خير وَأَدْخَلْناهُ أي لوطا فِي رَحْمَتِنا، بأن فتحت عليه أبواب المكاشفات، وتجلّت له أنوار الإلهية، إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) أي من المستعدّين لقبول ذلك وللدخول فيه. وَنُوحاً عطف على قوله: ولوطا وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً إِذْ نادى، أي دعا على قومه بالعذاب، بدل اشتمال من نوحا مِنْ قَبْلُ أي من قبل هؤلاء المذكورين، فَاسْتَجَبْنا لَهُ الدعاء، فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ، أي أهل دينه مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وهو الغرق وأذية قومه. وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ، أي عصمناه من مكروه القوم كما قاله المبرد. وقال أبو عبيدة: من بمعنى على، كقراءة أبيّ ابن كعب ونصرناه على القوم، الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا، الدالة على رسالته ﵇ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ لأجل تكذيبهم له، فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧) بالطوفان لإصرارهم على تكذيب الحق، ولانهماكهم في الشرّ وهذا بيان للوجه الذي خلّصه الله منهم به. وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ أي آتيناهما حكما إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ أي في حق الزرع، إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ أي انتشرت في الزرع غنم القوم في الليل ترعى بلا راع، وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ أي داود وسليمان شاهِدِينَ (٧٨) أي إنما حكما بإرشادنا لهما وأوقع الجمع موقع التثنية مجازا، ويدل على ذلك قراءة ابن عباس لحكمهما بصيغة التثنية.
فَفَهَّمْناها أي الفتيا سُلَيْمانَ وَكُلًّا أي كل واحد منهما، آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً، كثيرا.
روي أنه دخل على داود ﵇، رجلان فقال أحدهما: إن غنم هذا دخلت في حرثي ليلا فأفسدته، وما أبقت منه شيئا. فقال داود ﵇: اذهب فإن الغنم لك. وقد روي أنه لم يكن بين قيمة الحرث، وقيمة الغنم تفاوت، فخرجا، فمرا على سليمان ﵇، وهو ابن إحدى عشرة سنة، فقال: كيف قضي بينكما؟ فأخبراه بذلك، فقال: لو كنت أنا القاضي لقضيت بغير هذا وهو أرفق بالفريقين، فأخبرا بذلك داود ﵇، فدعاه وقال: كيف تقضي بينهما؟
فقال: ادفع الغنم إلى صاحب الحرث، فيكون له منافعها من الدّر، والنسل، والصواف، وأدفع الحرث إلى أرباب الغنم ليقوموا عليه حتى يعود كهيئته يوم أكل، ثم دفعت الغنم إلى أهلها وقبض صاحب الحرث حرثه فقال داود: القضاء ما قضيت، وأمضى الحكم بذلك. ورأى داود قياس، كما أن العبد إذا جنى على النفس، يدفعه المولى إلى المجني عليه، أو يفديه عند أبي حنيفة ببيعه في ذلك، أو يفديه عند الشافعي. ورأى سليمان استحسان كما قال أصحاب الشافعي، فيمن غصب عبدا فأبق منه، أنه يضمن القيمة فينتفع بها المغصوب منه، بإزاء ما فوّته الغاصب من منافع
стр. 716
العبد، فإذا ظهر ترادا وحكم هذه المسألة في مذهب الشافعي أن الغنم إن كانت وحدها ولو بصحراء، فأتلفت شيئا كزرع، ليلا أو نهارا ضمنه ذو يد إن فرّط في ربطها أو إرسالها كأن ربطها بطريق ولو واسعا وكأن أرسلها ولو في نهار لمرعى بوسط مزارع فأتلفتها، فإن لم يفرّط، كأن أرسلها المرعى لم تتوسطه مزارع لم يضمن. ومذهب أبي حنيفة وأصحابه، عدم الضمان بالليل والنهار، إلا أن يكون معها سائق أو قائد وَسَخَّرْنا أي ذللنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ أي ينطقن بالتسبيح، وكان داود يسبّح وحده فالله تعالى خلق فيها الكلام، كما سبّح الحصى في كف رسول الله ﷺ وسمع الناس ذلك. وَالطَّيْرَ أي إذا ذكر داود ﵇ ربّه، ذكرت الجبال والطير ربّها معه، وَكُنَّا فاعِلِينَ (٧٩) أي إنا قادرون على أن نفعل هذا وإن كان عجبا عندكم، أي مستغربا في اعتقادكم. وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ أي درع، لَكُمْ أي لأجلكم يا أهل مكة، فإن الله تعالى ألان الحديد لداود، فكان يعمل منه بغير نار كأنه طين لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ أي لتحرسكم من الجرح، والسيف، والسهم، والرمح. فقرأ شعبة: بالنون، وابن عامر وحفص بالتاء، فالضمير ل «لبوس» . والباقون بالياء التحتية، فالضمير ل «داود» ، أو ل «لبوس» ، وهذا بدل اشتمال من «لكم» مبيّن لكيفية الاختصاص والمنفعة فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (٨٠) أي اشكروا الله يأهل مكة على ما يسّر عليكم من هذه الصنعة بتصديق الرسل
وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً أي شديدة الهبوب، فإذا مرت بكرسيه ﵇، أبعدت به في مدة يسيرة أي جعلنا الريح طائعة لسليمان، فإن أرادها عاصفة كانت عاصفة، وإن أرادها ليّنة كانت ليّنة تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها.
قال الكلبي: كان سليمان ﵇ وقومه، يركبون عليها من إصطخر إلى الشام، وإلى حيث شاء، ثم يعود إلى منزله. قال وهب: كان سليمان ﵊، إذا أخرج إلى مجلسه عكفت عليه الطير، وقام له الإنس والجن حين يجلس على سريره، وكان امرأ غازيا قلّما كان يقعد عن الغزو، ولا يسمع في ناحية من الأرض بملك إلا أتاه حتى يذلّه.
وروي أن سليمان سار من أرض العراق فقال بمدينة بلخ متخللا بلاد الترك، ثم جاوزهم إلى أرض الصين يغدو على مسيرة شهر، ويروح على مثل ذلك، ثم عطف يمينه على مطلع الشمس على ساحل البحر، حتى أتى أرض السند وجاوزها، وخرج منها إلى مكران، وكرمان، ثم جاوزها حتى أتى أرض فارس، فنزلها أياما وغدا منها فقال بكسكر ثم راح إلى الشام وكان مستقره بمدينة يؤمر. وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (٨١) ، فنجري ما سخرنا له بحسب ما تقتضيه الحكمة وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ، أي وسخرنا لسليمان من الشياطين الكافرين من يدخلون في البحار ويخرجون الجواهر منها له، وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ، أي غير ذلك من بناء المدن والقصور، وصنع النورة، والطواحين، والقوارير، والصابون، والحمام، لأن
стр. 717
ذلك من استخراجاتهم وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ (٨٢) ، حتى لا يخرجوا من أمره، وحافظين من أن يفسدوا ما عملوا، فكان دأبهم أنهم يعلمون بالنهار، ثم يفسدونه في الليل، ومن أن يهيّجوا أحدا على أحد في زمانه ﵇. وَأَيُّوبَ أي آتيناه حكما إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) .
وكان أيوب ﵇ روميا من ولد عيص بن إسحاق، وكانت أمه من ولد لوط، وكان الله تعالى قد جعله نبيا وقد أعطاه من الدنيا حظا وافرا من النعم، والدواب، والبساتين، وأعطاه ولدا من رجال ونساء. وكان رحيما بالمساكين، وكان يكفل الأيتام، والأرامل، ويكرم الضيف.
فابتلاه الله تعالى بهلاك أولاده بهدم بيت عليهم، وذهاب أمواله والمرض في بدنه ثماني عشرة سنة. فإنه خرج من فرقه إلى قدمه ثآليل، وقد وقعت في جسده حكة لا يملكها، وكان يحكّ بأظفاره حتى سقطت أظفاره، ثم حكّها بالمسوح الخشنة، ثم حكها بالفخار والحجار ولم يزل يحكّها حتى تقطع لحمه وأنتن، فأخرجه أهل القرية وجعلوه على كناسة، وجعلوا له عريشا.
روي أن امرأته ما خير بنت ميشا بن يوسف ﵇، أو رحمة بنت إفرايم بن يوسف، قالت له يوما: لو دعوت الله تعالى. فقال: كم كانت مدة الرخاء؟ فقالت: ثمانين سنة. فقال:
أستحي من الله أن أدعوه، وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي. وروي أن إبليس أتاها على هيئة عظيمة فقال: أنا إله الأرض فعلت بزوجك ما فعلت، لأنه تركني وعبد إله السماء لو سجدت لي سجدة لرجعت المال والولد وعافيت زوجك. فرجعت إلى أيوب وكان ملقى في الكناسة، لا يقرب منه أحد، فأخبرته بالقصة فقال ﵇: «كأنك افتتنت بقول اللعين لئن عافاني الله تعالى لأضربنّك مائة سوط، وحرام علي أن أذوق بعد هذا شيئا من طعامك وشرابك، فطردها، فذهبت، فبقي طريحا في الكناسة لا يحوم حوله أحد من الناس، فلما نظر أيوب شأنه وليس عنده طعام، ولا شراب ولا صديق، وقد ذهبت امرأته خرّ ساجدا فقال: رب أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. فقال تعالى: ارفع رأسك فقد استجبت لك، اركض برجلك، فركض برجله، فنبعت من تحته عين ماء فاغتسل منها، فلم يبق في ظاهر بدنه دابة إلا سقطت منه، ولا جراحة إلا برئت، ثم ركض برجله مرة أخرى، بعد أن مشى أربعين خطوة فنبعت عين أخرى فشرب منها، فلم يبق في جوفه داء إلا خرج، وعاد صحيحا، ورجع إليه شبابه وجماله حتى صار أحسن، ثم كسي حلّة فلما قام جعل يلتفت فلا يرى شيئا مما كان له من الأهل والولد، والمال، إلا وقد ضاعفه الله تعالى، حتى روي أن الماء الذي اغتسل منه تطاير على صدره جرادا من ذهب، فخرج حتى جلس على مكان مشرف. ثم إن امرأته قالت في نفسها: هب أنه طردني أفأتركه حتى يموت جوعا وتأكله السباع، لأرجعنّ إليه، فلما رجعت ما رأت تلك الكناسة، ولا تلك الحال وقد تغيرت الأمور، فجعلت تطوف حيث كانت الكناسة وتبكي وهابت صاحب الحلّة أن تأتيه وتسأله
стр. 718
عنه، فأرسل إليها أيوب ودعاها فقال: ما تريدين يا أمة الله؟ فبكت وقالت: أردت ذلك المبتلى الذي كان ملقى على الكناسة، فقال لها أيوب ﵇: فما كان منك؟ فبكت، وقالت: بعلي فقال: أتعرفينه إذا رأيتيه؟ قالت: وهل يخفى علي؟ فتبسّم وقال: أنا هو فعرفته بضحكه فاعتنقته. ثم قال: إنك أمرتني أن أذبح سخلة لإبليس، وإني أطعت الله وعصيت الشيطان ودعوت الله تعالى فردّ علي ما ترين وذلك قوله تعالى: فَاسْتَجَبْنا لَهُ الدعاء، فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ أي مرض وهزال، وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ.
روي أن امرأته ولدت بعد ذلك ستة وعشرين ابنا. قال ابن عباس: أبدل بكل شيء ذهب منه ضعفا. وروي أن الله تعالى بعث إليه ملكا فقال: إن ربك يقرئك السلام بصبرك، فاخرج إلى أندرك، وهو الموضع الذي يداس فيه الطعام، فخرج إليه، فأرسل عليه جرادا من ذهب رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ (٨٤) أي آتيناه ما ذكر لرحمتنا أيوب، وتذكرة لغيره من العابدين، ليصبروا كما صبر فيثابوا كما أثيب. وَإِسْماعِيلَ ابن إبراهيم وَإِدْرِيسَ، بن شيب بن آدم وَذَا الْكِفْلِ واسمه بشر، أي أعطيناهم ثواب الصابرين، كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) على أمر الله والمرازي وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا أي في النبوة إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦) أي الكاملين في الصلاح.
فصلاحهم معصوم من كدر الفساد، فإسماعيل، قد صبر عند ذبحه، وعلى الإقامة في بلد لا زرع فيه، ولا ضرع، ولا بناء، وصبر في بناء البيت فأخرج منه خاتم النبيين. وإدريس قد صبر على دراسة الكتب وسمي إدريس لكثرة دراسته، وبعث إلى قومه داعيا لهم إلى الله تعالى، فأبوا، فأهلكهم الله ورفع إلى السماء الرابعة. وذو الكفل، قد صبر على قيام الليل، وصيام النهار، وأذى الناس في الحكومة بينهم، بأن لا يغضب. ومعنى الكفل: هو النصيب، وإنما سمي ذا الكفل بذلك على سبيل التعظيم، فيكون الكفل كفل الثواب، لأنه كان له ضعف عمل الأنبياء في زمانه، وضعف ثوابهم، وقد كان في زمنه أنبياء ﵈. وَذَا النُّونِ أي واذكر صاحب الحوت وهو يونس ﵇، إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً أي غضبان على قومه لما برم من طول دعوته إياهم، وشدة شكيمتهم، وتمادي إصرارهم مهاجرا عنهم قبل أن يؤمر، لأنهم لما لم يؤمنوا
وعدهم بالعذاب، فلما كشف العذاب عنهم بتوبتهم، وهو لم يعرف الخالد خرج منهم غضبان من ذلك، فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ أي ظن أنه لن نضيّق عليه، أي فإنه ظن أنه مخيّر إن شاء أقام وإن شاء خرج، وأنه تعالى لا يضيق عليه في اختياره.
فأتى بحر الروم فوجد قوما هيئوا سفينة فركب معهم، فلما تلجّجت السفينة تكفأت بهم، وكادوا أن يغرقوا فقال الملاحون: هاهنا رجل عاص، أو عبد آبق، لأن السفينة لا تكون هكذا من غير ريح، إلّا وفيها رجل عاص، فلا بد من أن نقترع ليظهر، فمن وقعت عليه القرعة ألقيناه في
стр. 719
البحر، فإن غرق واحد خير من أن تغرق السفينة، فاقترعوا ثلاث مرات، فوقعت القرعة فيها على يونس ﵇، فقال: أنا الرجل العاصي والعبد الآبق، وألقى نفسه في البحر، فجاء حوت فابتعله، فأوحى الله تعالى إلى ذلك الحوت لا تأكل له لحما ولا تهشم له عظما فإنه ليس رزقا لك، وإنما جعلتك له سجنا فَنادى فِي الظُّلُماتِ أي في ظلمات بطن الحوت، والبحر، والليل، وقيل: ابتلع حوته حوت آخر، فحصل في ظلمتي بطن الحوتين، وظلمة البحر والليل: أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أي بأنه ف «أن» مخففة من «أن» المشددة أو بمعنى أي سُبْحانَكَ أي أنزهك تنزيها لائقا بك من أن يعجزك شيء إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) بفراري من قومي بغير إذنك فكان ذلك ظلما، فعوقب على ترك الأفضل الذي هو المكث فيهم صابرا على أذاهم فإنه خرج لا على تعمّد المعصية، بل لظنه أن خروجه موسّع، يجوز أن يقدّم ويؤخّر. فقد وصف يونس ﵇ ربه، بكمال الربوبية. ووصف نفسه بضعف البشرية، والنقص في أداء حق الربوبية وهذا القدر يكفي في السؤال ولذا قال تعالى: فَاسْتَجَبْنا لَهُ دعاءه.
وعن رسول الله ﷺ : «ما من مكروب يدعو بدعوة ذي النون في بطن الحوت إلا استجيب له»
. وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ بسبب كونه في بطن خطيئته، فألقاه الحوت في الساحل من يومه أو بعد ثلاثة أيام، وَكَذلِكَ، أي كما أنجينا يونس من كرب الحبس إذ دعانا نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨) من كربهم إذا استغاثوا بنا داعين بهذا الدعاء. وَزَكَرِيَّا، أي واذكر خبره إِذْ نادى رَبَّهُ بقوله: رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً أي وحيدا بلا ولد يرثني إرث نبوّة وعلم، وحكمة، وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (٨٩) . أثنى ﵇ على ربه لأنه ينكشف عن علمه أن عاقبة الأمور راجعة إلى الله تعالى. فإنه تعالى الباقي بعد فناء الخلق. فَاسْتَجَبْنا لَهُ دعاءه وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى، نبيا حكيما عظيما وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ، للولادة بعد انتهائها إلى اليأس منها بحكم العادة. وقال ابن عباس ﵄:
كان سن زكريا مائة، وسن زوجته تسعا وتسعين إِنَّهُمْ أي زكريا وولده وأهله، كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ أي في طاعة الله تعالى، وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً أي يفزعون إلينا رغبة في ثوابنا، ورهبة من عقابنا، وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (٩٠) أي خائفين متواضعين في عبادتهم، حذرين عن الانبساط في الأمور.
وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها أي واذكر خبر مريم التي أحصنت فرجها إحصانا كليّا، من أن يصل إليه أحد بحلال أو حرام جميعا. فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا، أي فنفخنا الروح في عيسى فيها، أي أحييناه في جوفها، أي أجريناه فيه إجراء الهواء بالنفخ من جهة روحنا جبريل، وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (٩١) .
أما آيات مريم فظهور الحبل فيها لا من ذكر، ورزقها كان يأتيها به الملائكة من الجنة، وأنها لم تلتقم ثديا يوما قط. وتكلّمت في صباها، كما تكلّم عيسى في صباه، فجعلهما الله آية للناس، فيستدلّون بما خصا به من الآيات على قدرته تعالى وحكمته. إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً أي
стр. 720
إن ملة الإسلام وهي التوحيد، هي ملتكم أيها الناس، حال كونها غير مختلفة فيما بين الأنبياء ﵈، أي يجب عليكم أن تكونوا عليها، لا تنحرفوا عنها.
وقرأ الحسن «أمتكم» بالنصب على البدل من هذه، أو عطف بيان، و «أمة» بالرفع خبران، وبرفعهما معا خبرين. وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) أي وحّدوني واعرفوني أيها الكفار أو داوموا على عبادتي أيها المؤمنون. وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ أي تفرقوا في أمرهم بأن آمنوا بالبعض، وكفروا بالبعض، كُلٌّ، من الثابت على الدين الحق، والزائغ عنه إلى غيره، إِلَيْنا راجِعُونَ (٩٣) . فنجازيهم حينئذ بحسب أعمالهم. فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ أي الفرائض والنوافل، وَهُوَ مُؤْمِنٌ بالله ورسله فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ، أي لا حرمان لثواب عمله، وَإِنَّا لَهُ أي لسعيه، كاتِبُونَ (٩٤) أي مثبّتون في صحائف أعمالهم. وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (٩٥) . أي ممتنع على أهل قرية قدّرنا هلاكهم بالموت، عدم رجوعهم إلينا للجزاء، بأن يذهبوا تحت التراب باطلا من غير إحباس بالنعمة، أو بالعذاب. أو المعنى: واجب على أهل قرية أهلكناها بالموت، عدم رجوعهم عن الشرك، وعن الدنيا، فإن الحرام قد يجيء بمعنى الواجب كقوله تعالى: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [الأنعام: ١٥١] وترك الشرك واجب وليس بمحرّم. حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، أي يستمرون على الهلاك، حتى إذا قامت القيامة يرجعون إلينا ويقولون: يا ويلنا إلخ. أو لا يرجعون عن الكفر، حتى إذا قامت القيامة يرجعون عنه حين لا ينفعهم الرجوع، ويأجوج ومأجوج، قبيلتان من الإنس، والمراد حتى إذا فتحت سدّهما وذلك بعد نزول عيسى إلى الأرض، وبين موت عيسى والنفخة الأولى، قدر اثنتي عشرة سنة من السنين المعتادة.
وقرأ ابن عامر بتشديد التاء. وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) أي والحال أن يأجوج ومأجوج من مكان مرتفع يخرجون.
وقرأ ابن عباس «من كل جدث» أي والناس يخرجون من قبورهم، فيحشرون إلى موقف الحساب. وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ، أي وهو البعث والحساب والجزاء فَإِذا هِيَ، «فإذا» للمفاجأة تسد مسد الفاء، فإذا دخلتها الفاء، تعاونت على وصل الجزاء بالشرط، وتأكدت، والضمير للقصة، وما بعده خبر مقدم أي فالقصة شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا، أي أن القيامة إذا قامت ارتفعت أبصار هؤلاء من شدة الأهوال، فلا تكاد تطرف من شدة ما يخافونه قائلين:
يا وَيْلَنا أي يا هلاكنا، تعال فهذا أوان حضورك، قَدْ كُنَّا في الدنيا، فِي غَفْلَةٍ تامة مِنْ هذا، أي الذي أصابنا من البعث والجزاء ولم نعلم أنه حق، بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ (٩٧) .
أي لم نكن غافلين عنه، بل كنا ظالمين أنفسنا بتعمّد الكفر والإعراض عن الإيمان حيث كذبنا الرسل وعبدنا الأوثان. إِنَّكُمْ يا اهل مكة، وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي من غير
стр. 721
الله من الأوثان وغيرها، حَصَبُ جَهَنَّمَ أي حطب جهنم يرمون فيها، أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨) أي داخلون فيها.
وروي أن رسول الله ﷺ حين تلا هذه الآية وقال له ابن الزبعري- والد عبد الله القرشي-:
خصمتك ورب الكعبة، أليست اليهود عبدوا عزيرا، والنصارى المسيح، وبنو مليح الملائكة؟
رد ﷺ بقوله: «ما أجهلك بلغة قومك، أما فهمت أن «ما» لما لا يعقل؟» وقد أسلم ابن الزبعري بعد هذه القصة
. لَوْ كانَ هؤُلاءِ أي أصنامهم آلِهَةً كما يزعمون ما وَرَدُوها، أي ما دخلوا النار، وَكُلٌّ من العبدة والمعبودين، فِيها خالِدُونَ (٩٩) أي لا خلاص لهم عنها. لَهُمْ أي للعبدة فِيها زَفِيرٌ، أي أنين وتنفّس شديد، وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ (١٠٠) أصوات المعذّبين لشدة الهول وفظاعة العذاب.
وقد جرت عادة الله تعالى، أنه متى شرح عقاب الكفار أردفه بشرح ثواب الأبرار، فقال:
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى، أي الذين سبقت لهم كلمتنا بالبشرى بالثواب على الطاعة، أُولئِكَ عَنْها، أي جهنم مُبْعَدُونَ (١٠١) . عن ألمها فإنهم في الجنة. وشتان بينها وبين النار. لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها، أي صوت جهنم وحركة تلهّبها إذا نزلوا منازلهم في الجنة وهذه الجملة بدل من «مبعدون» ، أو حال من ضميره، أو خبر ثان، وهي مذكورة للمبالغة في إنقاذهم منها. وَهُمْ أي من تقدم لهم الوعد بالثواب، فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ، أي تمنت نعيم الجنة، خالِدُونَ (١٠٢) أي دائمون في غاية النعم. لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ، حين تغلق النار على أهلها وييأسون من الخروج منها، وحين يذبح الموت في صورة كبش أملح بين الجنة والنار، وينادى: يا أهل النار خلود بلا موت،
فييأس أهل النار من الخروج منها، وحين يؤمر بالكافر إلى الذهاب إلى النار. وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ، أي الحفظة الذين كتبوا أعمالهم وأقوالهم، على أبواب الجنة بالبشرى قائلين هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣) . أي هذا الوقت وقت ثوابكم الذي وعدكم ربكم به في الدنيا فأبشروا بفنون المثوبات، وبجميع ما يسركم بإيمانكم وطاعاتكم. يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ بنون العظمة.
وقرئ «يطوي» بالياء والتاء على البناء للمفعول، فالظرف منصوب ب «أذكر» أو ب «تتلقاهم» . كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ، أي يوم نطوي السماء طيا، كطيّ الطومار للمكتوبات. وقرأ حفص وحمزة والكسائي بصيغة الجمع. والباقون بصيغة الإفراد، واللام متعلقة بمحذوف وهو حال من السجل، ومعنى طي الطومار للمكتوب، كون الطومار ساترا لتلك الكتابة، ومخفيا لها لأن الطيّ ضد النشر الذي يكشف. كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ، أي نعيد ما خلقناه أو لا إعادة مثل بدئنا إياه في كونها إيجادا بعد عدم، أو جمعا للأجزاء المتبددة، فهو تشبيه للإعادة بالابتداء في تناول قدرة الله تعالى لهما على السواء وَعْداً عَلَيْنا أي وعدنا
стр. 722
بالإعادة، وعدا حقا علينا إنجازه بسبب الإخبار عن ذلك، وتعلق العلم بوقوعه. إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (١٠٤) أي إنا سنفعل ذلك لا بد فوقوع ما علم الله وقوعه واجب. وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أي وبالله لقد كتبنا في كتاب داود بعد ما كتبنا في التوراة، أو لقد كتبنا في جميع كتب الأنبياء بعد ما أثبتنا في اللوح المحفوظ، أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) . أي أن أرض الكفار يفتحها المسلمون، وهذا حكم من الله بإظهار الدين، وإعزاز المسلمين. إِنَّ فِي هذا أي في المذكور هذه السورة من البراهين الدالّة على التوحيد وصحة النبوة، لَبَلاغاً أي لكفاية، لِقَوْمٍ عابِدِينَ (١٠٦) أي عاملين بعلومهم وهم أهل الصلوات الخمس، وشهر رمضان. وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) أي وما أرسلناك يا أشرف الخلق بالشرائع، إلّا رحمة للعالمين أي إلّا لأجل رحمتنا للعالمين قاطبة في الدين والدنيا.
فإن الناس في ضلالة وحيرة، فبعث الله سيدنا محمد ﷺ ، فبيّن ﷺ سبيل الثواب وأظهر الأحكام، وميّز الحلال من الحرام. وإن كل نبيّ قبل نبيّنا إذا كذّبه قومه، أهلكم الله بالخسف، والمسخ، والغرق فالله تعالى أخّر عذاب من كذب نبينا إلى الموت، ورفع عذاب الاستئصال عنهم به ﷺ . قُلْ يا أكرم الرسل، إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ، أي إنما يوحى إليّ وحدانية إلهكم، فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) أي يا أهل مكة خصّصوا العبادة بإلهكم الواحد وهو الله تعالى، فالاستفهام بمعنى الأمر. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (١٠٩) أي فإن أعرضوا عن توحيد المعبود، فقل يا سيّد الرسل: إني أعلمتكم بأني محارب لكم على إعلان، ولكن لا أدري متى يأذن الله لي محاربتكم. فتبيّن بهذا أن السورة مكية، فإن الأمر بالجهاد كان بعد الهجرة إِنَّهُ تعالى، يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ أي ما تجاهرون به من الطعن في الإسلام، وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ (١١٠) ، من الأحقاد للمسلمين، ومن النفاق، فيجازيكم عليه.
وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (١١١) أي ما أدري لعلّ تأخير الجهاد استدراج وضرر لكم، وتمتع لكم إلى انقضاء آجالكم. قالَ أي رسول الله ﷺ ، وقرأ حفص بصيغة الماضي. والباقون بصيغة الأمر: رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ أي احكم بيننا وبين أهل مكة بالعدل المستلزم لتعجيل العذاب وقد استجيب دعاؤه ﷺ ، حيث عذّبوا في بدر، وأحد، والخندق، وحنين. وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ أي كثير الرحمة على عباده، الْمُسْتَعانُ أي المطلوب منه المعونة عَلى ما تَصِفُونَ (١١٢) أي تقولون: إن الشوكة تكون لهم، وإن راية الإسلام تخفق ثم تركد. فكذب الله ظنونهم وخذلهم، ونصر رسوله ﷺ والمؤمنين.
стр. 723
سورة الحج
مختلطة بين مكي ومدني ست وسبعون آية، ألف ومائتان وإحدى وتسعون كلمة خمسة آلاف ومائة وخمسة وثلاثون حرفا
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ بأن تطيعوه بفعل المأمورات واجتناب المنهيات. إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) . أي إن شدة حركة الأرض في قرب الساعة في نصف رمضان، معها طلوع الشمس من مغربها، أمر حادث، جليل، لا تدرك العقول كنهه.
روي عن رسول الله ﷺ في حديث الصور: «أنه قرن عظيم، ينفخ فيه ثلاث نفخات، نفخة الفزع، ونفخة الصعقة، ونفخة القيام، لرب العالمين، وأن عند نفخة الفزع، يسيّر الله الجبال، وتَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ، تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ «وتكون الأرض كالسفينة تضربها الأمواج، أو كالقناديل المعلّق ترجرجه الرياح»
«١» . يَوْمَ تَرَوْنَها
، منصوب ب «تذهّل» ، أو بدل اشتمال من «زلزلة» ، أي وقت رؤيتكم الزلزلة تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ
، أي تغفل مع دهشة عن طفلها الذي ألقمته ثديها، بحيث لا يخطر ببالها أنه ماذا، وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها
، أي تلقي الحوامل جنينها لغير تمام، وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى
، فالخطاب لكلّ أحد، أي يراهم كلّ أحد برؤية الزلزلة، كأنهم سكارى، وما هم بسكارى حقيقة. وقال ابن عباس، والحسن: أي وتراهم سكارى من الخوف، وما هم بسكارى من الشراب.
وقرأ حمزة والكسائي «سكرى» بفتح السين، وسكون الكاف. وقرئ: «ترى الناس» بالبناء للمجهول، والضمير للمخاطب، والناس بالنصب، أي تظنهم سكارى، وبالرفع نائب الفاعل على تأويله بالجماعة. وقرئ «تري» ، بضم التاء وكسر الراء، أي تري الزلزلة الخلق جميع الناس سكارى. وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ
(٢) أي ولكن ما أزهقهم من هول عذاب الله
стр. 724
تعالى، هو الذي أذهب عقولهم وطيّر تمييزهم. وَمِنَ النَّاسِ، أي وبعض الناس، كالنضر بن الحرث، وأبي جهل، وأبيّ بن خلف، مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ، أي في دين الله وكتابه وقدرته، بِغَيْرِ عِلْمٍ أي ملتبسا بغير علم، فإنهم ينكرون البعث، وقالوا: إن الله لا يقدر على إحياء من صار ترابا، ويكذّبون القرآن ويقولون: ما يأتيكم به محمد، كما كنت أحدثكم به عن القرون الماضية، فهو أساطير الأولين. وَيَتَّبِعُ في جداله، كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (٣) أي عات متجرد للفساد، والمراد: إما شياطين الإنس، وهم رؤساء الكفار الذين يدعون من دونهم إلى الكفر، وإما إبليس وجنوده. كُتِبَ عَلَيْهِ مبني للمفعول صفة ثانية، أي قد كتب على الشيطان في أمّ الكتاب لظهور ذلك من حاله، أَنَّهُ أي الشأن، مَنْ تَوَلَّاهُ أي من اتخذه وليا وأطاعه، فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ، بفتح الهمزة على أنه خبر مبتدأ محذوف. أي من يقبل الشيطان بقوله فشأنه أن الشيطان يضلّه عن طريق الجنة. وَيَهْدِيهِ أي يدعوه إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٤) أي إلى ما يؤدي إلى عذاب النار الوقود، من السيئات. يا أَيُّهَا النَّاسُ أي أهل مكة، إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فانظروا إلى مبدأ خلقكم ليزول ريبكم، فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ، أي خلقنا كلّ فرد منكم، مِنْ تُرابٍ، لأن المني ودم الطمث، يتولدان من الأغذية وهي من النبات، وهو يتولّد من الأرض والماء، ثُمَّ خلقناكم، مِنْ نُطْفَةٍ، أي مني ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ أي دم جامد، ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ أي لحمة صغيرة قدر ما يمضغ، مُخَلَّقَةٍ، أي تامة الصور، والحواس، والتخاطيط، وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ أي وناقصة في هذه الأمور. لِنُبَيِّنَ لَكُمْ، أي أخبرناكم في القرآن، بدء خلقكم لنبيّن لكم ما يزيل عنكم ذلك الريب في أمر بعثكم، فإن القادر على هذه الأشياء، كيف يكون عاجزا عن الإعادة وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، أي ونحن نقر بعد ذلك في الأرحام ما نشاء أن نقره فيها من الولد إلى وقت الوضع. ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ من بطون أمهاتكم بعد إقراركم فيها، عند تمام الوقت المقدر بالإرادة القديمة والحكمة الأزلية، طِفْلًا أي حال كونكم صغارا، ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ، أي ثم نسهل في تربيتكم أمورا لتبلغوا كما لكم في القوة والعقل والتمييز، وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى على كماله في ذلك، وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ أي إلى أخسه، وهو الهرم والخرف. لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً أي ليعود كهيئته الأولى في أوان الطفولية من ضعف البدن، وسخافة العقل، وقلة الفهم، فينسى ما علمه، وينكر ما عرفه، ويعجز عما قدّر عليه. وَتَرَى أيها المجادل الْأَرْضَ هامِدَةً أي يابسة خالية من النبات، فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ أي ماء المطر والعيون، والأنهار، اهْتَزَّتْ أي تحرّكت في رأي العين بسبب حركة النبات، وَرَبَتْ أي انتفخت للنبات، وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) أي وأخرجت بالماء كل نوع من أنواع النبات حسن، يسّر ناظره. ذلِكَ، أي الصنع البديع في الإنسان، والأرض حاصل بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ
الْحَقُ
أي الموجود الثابت، المتحقق في
стр. 725
الألوهية فهذه الموجودات دالة على وجود الصانع، وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى، أي شأنه إحياء الموتى كما أحيى الأرض الميتة، وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) فإذا دلّت المشاهدة على قدرته تعالى على إحياء بعض الأموات، لزم اقتداره تعالى على إحياء جميع الأموات، فلا بدّ وأن يكون قادرا على إعادة الموتى إلى الحياة، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧) .
وهذا كناية عن كونه تعالى حكيما، لأنه من روادف الحكمة، فالمعنى ذلك أي خلق الإنسان، وإحياء النبات، حاصل بسبب أنه تعالى قادر على إحياء الموتى، وأنه تعالى حكيم لا يخلف وعده وقد وعد بإتيان الساعة، والبعث، فلا بد أن يفي بما وعد. وَمِنَ النَّاسِ وهو أبو جهل بن هشام، مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ أي في شأنه تعالى، بِغَيْرِ عِلْمٍ أي كائنا بغير علم ضروري، وَلا هُدىً أي نظر صحيح هاد إلى المعرفة. وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٨) أي وحي مظهر للحق أي يجادل في شأنه من غير تمسّك بقياس ضروري ولا بحجة نظرية، ولا ببرهان سمعي. ثانِيَ عِطْفِهِ حال ثانية من فاعل «يجادل» ، أي معرضا بجانبه عن الحق متكبّر.
وقرأ الحسن بفتح العين أي مانعا لتعطّفه قاسيا. لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، متعلق ب «يجادل» أي فإن المجادل أظهر التكبّر لكي يتبعه غيره، فيضلّه عن طريق الحق بالتمويهات، فجمع بين الضلال والكفر وإضلال الغير.
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، بفتح الياء، فتكون اللام للعاقبة، أي فإن المجادل أظهر التكبّر فيستمر ضلاله عن دين الله، أو يزيد ضلاله عنه في عاقبة أمره، فلا هداية له بعده. لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وهو ما أصابه يوم بدر من القتل والإهانة. وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (٩) أي عذاب النار المحرقة. ذلِكَ، أي العذاب الدنيوي والأخروي، بِما قَدَّمَتْ يَداكَ أي بسبب ما عملته من الكفر والمعاصي، وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٠) ومحل «أن» رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف. أي والأمر أنه تعالى ليس بمعذب لعبيده بغير ذنب من جهتهم
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ أي على طرف من الدين، لا في وسطه، وعلى ضعيف يقين، والجار والمجرور حال من فاعل يعبد أي متزلزلا. فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ، دنيوي وهو ما يوافق الطبع، اطْمَأَنَّ بِهِ أي ثبت على ذلك الدين، بسبب ذلك الخير الذي يوافق هواه، وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ وهو ما يثقل على طبعه انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ أي رجع إلى دينه الأول، وهو الشرك بالله ولما كانت الشدة ليست بقبيحة لم يقل تعالى: وإن أصابه شر لأن ما ينفر عنه الطبع ليس شرا في نفسه، بل هو سبب القرب بشرط التسليم والرضا بالقضاء.
نزلت هذه الآية في أعراب كانوا يقدمون على النبي ﷺ بالمدينة مهاجرين من باديتهم، فكان أحدهم إذا صحّ في المدينة جسمه، ونتجت فرسه مهرا حسنا، وولدت امرأته غلاما، وكثر ماله، قال: هذا دين حسن واطمأن إليه، وإن أصابه مرض، وولدت امرأته جارية، أو أجهضت
стр. 726
رماكه، ولم تلد فرسه، وذهب ماله، وتأخرت عنه الصدقة، أتاه الشيطان وقال له: ما جاءتك هذه الشرور إلا بسبب هذا الدين، فينقلب عن دينه، وهذا قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد، وقتادة، والكلبي ﵁. خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ.
قرأ العامة «خسر» فعلا ماضيا وهو استئناف أو حال من فاعل «انقلب» ، أو بدل من «انقلب» . وقرأ مجاهد «خاسر» بصيغة اسم الفاعل منصوبا على الحال. وقرئ بالرفع على الفاعلية، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، وذلك لأنه يذهب في الدنيا الكرامة، وإصابة الغنيمة، وأهلية الشهادة، والإمامة، والقضاء، وعصمة ماله ودمه، ويفوت في الآخرة الثواب الدائم، ويحصل له العقاب الدائم. ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١١) أي الواضح إذ لا خسران مثله يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ استئناف مبين لعظم الخسران، وهي واردة في المشركين الذين قدموا إلى النبي ﷺ ، وعلى وجه النفاق وهم: بنو الحلاف، منافقو بني أسد وغطفان، أي أيعبد من ذكروهم بنو الحلاف متجاوزا عبادة الله تعالى، جمادا لا يضرّه إذا لم يعبده، ولا ينفعه إن عبده ذلِكَ العبادة هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٢) عن الصواب، وهو الكفر العظيم. يَدْعُوا بالقول لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ، استئناف مذكور لبيان عاقبة عبادته المذكورة، فالدعاء بمعنى القول، واللام داخلة على الجملة الواقعة مقولا له، و «من» مبتدأ، و «ضره» مبتدأ ثان، خبر «أقرب» ، والجملة صلة للمبتدأ الأول. أي يقول ذلك الكافر يوم القيامة بصراخ حين يرى تضرّره بمعبوده ودخوله النار بسببه، لمن ضرّه أقرب من نفعه والله، لَبِئْسَ الْمَوْلى أي الناصر هو، وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣) أي الصاحب هو إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لأن عبادتهم حقيقية، ومعبودهم يعطيهم أعظم المنافع وهو الجنة إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (١٤) بهم من أنواع الفضل والإحسان زيادة على أجورهم مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ (١٥) .
أي من ظن أن لن ينصر الله محمدا ﷺ في الدنيا بإعلاء كلمته، وإظهار دينه وفي الآخرة بإعلاء درجته والانتقام ممن كذبه، فليطلب سببا يصل به إلى سماء الدنيا فليقطع نصر الله لنبيه، ولينظر هل يتهيأ له الوصول إلى السماء بحيلة، وهل يتهيأ له أن يقطع بذلك نصر الله عن رسوله، فإذا كان ذلك ممتنعا كان غيظه عديم الفائدة، وهذا زجر للكفار عن الغيظ فيما لا فائدة فيه، فإن أعداءه ﷺ ، كانوا يتمنون أن لا ينصره الله، وأن لا يعليه على أعدائه، فمتى شاهدوا أن الله نصره غاظهم ذلك. وَكَذلِكَ أي مثل ذلك الإنزال أَنْزَلْناهُ أي القرآن آياتٍ بَيِّناتٍ أي واضحات الدلالة على معانيها الرائقة فآيات حال من الهاء وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦) هدايته، بأن يخلق له المعرفة ومحل الجملة، إما الجر على حذف الجار المتعلق بمحذوف مؤخر، أي ولأن الله يهدي من يريد أنزله كذلك، أو الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، والأمر أن الله يهدي
стр. 727
من يريد هدايته، ثم بيّن من يهديه ومن لا يهديه فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا، بكل ما يجب أن يؤمن به، وَالَّذِينَ هادُوا: أي تدينوا بدين اليهودية، وَالصَّابِئِينَ: وهم شعبة من النصارى- قيل:
سمّيت بذلك لنسبتها إلى صابئ عم نوح ﵇ وَالنَّصارى: وهم الذين انتحلوا دين النصرانية، وَالْمَجُوسَ: عبدة الشمس والنيران، وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا: هم عبدة الأوثان، إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ، في الأحوال والأماكن فيظهر المحق، من المبطل، فلا يجازيهم جزاء واحدا بغير تفاوت، ولا يجمعهم في موطن واحد، إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧) . أي فهو عالم بما يستحقه كلّ منهم، فلا يجري في ذلك الفصل حيف، ولا يغيب عن علمه شيء.
والأديان الحاصلة بسبب الاختلافات في الأنبياء ستة، فمن الناس من يعترفون بوجود الأنبياء، ومن لا، فالمعترفون بذلك: فإما أن يكونوا أتباعا لمن كان نبيا أو لمن كان متنبيا، فاتباع الأنبياء هم المسلمون، واليهود، والنصارى، وفرقة أخرى بين اليهود والنصارى، وهم الصابئون: فهم مختلفون في نبوة محمد، وموسى، وعيسى، فاليهود: نفوا نبوّة محمد وعيسى.
والنصارى: نفوا نبوّة سيدنا محمد ﷺ . والصابئون، تارة يوافقون النصارى في أصول دينهم، فتحلّ لنا مناكحتهم، وتارة يخالفونهم فلا تحلّ مناكحتهم، ويطلق الصابئون أيضا على قوم أقدم من النصارى يعبدون الكواكب السبعة، ويضيفون الآثار إليها، وينفون الصانع المختار، فهؤلاء لا تحلّ مناكحتهم وأتباع المتنبي هم المجوس، قيل: هم قوم يستعملون النجاسات.
والمنكرون للأنبياء على الإطلاق: هم عبدة الأصنام، وهم المسمّون بالمشركين ويدخل فيهم البراهمة على اختلاف طبقاتهم.
وقال قتادة: ومقاتل الأديان ستة، واحد لله تعالى وهو الإسلام، وخمسة للشيطان، وهي ما عداه. وقرأ نافع «الصابين» بالياء التحتية بعد الباء الموحدة. وقال الزجّاج: قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ خير لقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا كما نقول: إن أخاك إن الدين عليه لكثير، وأدخلت «إن» على واحد من جزء، أي الجملة لزيادة التأكيد. أَلَمْ تَرَ أي ألم تعلم يا أشرف الخلق بخبر الله تعالى لك أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ أي ينقاد لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ
فهؤلاء ينقادون لتدبيره تعالى انقيادا تاما يقبلون لما أحدثه الله تعالى فيهم من غير امتناع وَيسجد له تعالى كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ سجود طاعة وعبادة وهم المؤمنون. وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ بامتناعه من السجود وهو من لا يوحد الله تعالى.
وقرئ «حق» بالرفع، و «حقا» بالنصب أي حق عليه العذاب حقا وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ بالشقاوة فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ بالسعادة أي إن الذين وجب عليهم العذاب ليس لهم أحد يقدر على إزالة ذلك الهوان عنهم بطريق الشفاعة لهم. وقرأ ابن أبي عبلة «مكرم» بفتح الراء على أنه مصدر
стр. 728
ميمي أي فما له من إكرام إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (١٨) من الإكرام بالثواب والإهانة بالعقاب هذانِ خَصْمانِ أي طائفة المؤمنين وطائفة الكفار المنقسمة إلى الفرق الخمس فريقان مختصمان.
وقرأ ابن كثير «هذان» بتشديد النون.
وروي عن الكسائي «خصمان» بكسر الخاء اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ أي في شأنه قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في المسلمين وأهل الكتاب حيث قال أهل الكتاب: نحن أولى بالله وأقدم منكم كتابا ونبينا قبل نبيكم. وقال المسلمون: نحن أحق بالله منكم آمنا بنبينا محمد ﷺ ، وآمنا بنبيكم وبما أنزل الله من كتاب وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا، ثم تركتموه وكفرتم به حسدا. فهذه خصومتهم في ربهم فحكم الله بينهم فقال: فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ أي قدرت على مقادير جثثهم نيران تحيط بهم إحاطة الثياب بلابسها. فالمراد بالثياب إحاطة النار بهم أي جعلت النار محيطة بهم كقوله تعالى: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ [الأعراف: ٤١] ، كما روي عن أنس، وقال سعيد ابن جبير: أي قطعت قمص وجباب من نحاس أذيب بالنار كقوله تعالى: سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ [إبراهيم: ٥٠] . فليس شيء حمى بالنار أشد حرارة منه يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) أي الماء الحار يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) أي يذاب بالماء الحار إذا يصب على رؤوسهم ظاهرهم وباطنهم من الجلود والأمعاء.
وفي الحديث الذي رواه الترمذي: «إن الحميم ليصب من فوق رؤوسهم فينفذ من جمجمة أحدهم حتى يخلص إلى جوفه فيسلب ما في جوفه حتى يمرق من قدميه- وهو الصهر- ثم يعاد كما كان»
«١» .
وَلَهُمْ أي للكفرة مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) أي مطارق من حديد ف «اللام» للاستحقاق كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أي من النار مِنْ غَمٍّ شديد أُعِيدُوا فِيها بالمقامع.
روي عن الحسن أن النار تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهو وافيها سبعين خريفا وَقيل لهم: ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٢٢) أي عذاب الغليظ من النار لعظيم الإهلاك إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها بالبناء للمفعول وبتشديد اللام أي يزينون. وقرئ بسكون الحاء أي يبلسون في الجنة أي تحليهم الملائكة بأمره تعالى. وقرئ «يحلون» بفتح الياء وسكون الحاء أي يلبسون حليهم مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً بالجر في قراءة الجمهور عطفا على ذهب بناء على أن الأساور مركبة منهما بأن يرصع الذهب باللؤلؤ وفي سورة الكهف ليس فيها ذكر لؤلؤ وفي سورة هل أتى لم يذكر فيها اللؤلؤ ولا الذهب وهنا قد ذكرا فيجتمع لهم التزين بهذه الأمور بالذهب
стр. 729
وحده وبالفضة وحدها وبالذهب واللؤلؤ وبالنصب في قراءة نافع وعاصم عطفا على محل من أساور، لأنه يقدر ويحلون حليا من أساور ويحلون لؤلؤا فمن ذهب بيان للأساور وَلِباسُهُمْ فِيها أي الجنة حَرِيرٌ (٢٣) أي أن الحرير ثيابهم المعتادة في الجنة فلا يمكن عراؤهم منه وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وهو قولهم الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة الآية كما قاله ابن عباس في رواية عطاء وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ (٢٤) أي أرشدوا إلى الطريق إلى الله تعالى وهو دين الإسلام فالحميد هو الله فهو محمود في أفعاله إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي يصرفون الناس عن دين الله وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي وعن دخوله الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ أي المقيم فِيهِ وَالْبادِ أي الطارئ. وقرأ حفص عن عاصم ويعقوب «سواء» بالنصب مفعول ثان ل «جعلناه» و «العاكف» مرفوع به على الفاعلية وللناس متعلق «بسواء» ظرف له. والباقون «سواء» بالرفع على أنه خبر مقدم و «العاكف» مبتدأ والجملة مفعول ثان ل «جعلناه» . وقرئ «العاكف» بالجر على أنه بدل من الناس وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٥) فبإلحاد وبظلم حالان مترادفان ومفعول «يرد» متروك ليتناول كل متناول أي ومن يرد في مكة مرادا، مائلا عن الاعتدال ظالما أحدا نذقه من عذاب أليم فإن الواجب على من كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق العدل في جميع ما يقصده. وقرئ «يرد» بفتح الياء أي من أتى فيه بإلحاد كاحتكار الطعام، وكدخول مكة بغير إحرام وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أي واذكر حين جعلنا لإبراهيم مكان البيت مرجعا له بأن يكون موحدا بقلبه لرب البيت عن الشريك ومشتغلا بجسده بتنظيف البيت عن الأوثان أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً ف «أن» مفسرة ل «بوأنا» أي لا تشرك بي غرضا آخر في بناء البيت ولا تجعل في العبادة لي شريكا وكان البيت قد رفع إلى السماء أيام الطوفان وكان من ياقوتة حمراء فأعلم الله تعالى إبراهيم ﵇ مكانه بريح أرسلها فكشفت ما حوله، فبناه على أسه الأول، وَطَهِّرْ بَيْتِيَ من الأوثان والأقذار لِلطَّائِفِينَ حوله وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) أي المصلين الجامعين بين القيام والركوع والسجود وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ أي ناد فيهم بالأمر بالحج زوي أن سيدنا إبراهيم صعد أبا قبيس فقال: يا أيها الناس حجوا بيت ربكم فأجابه يومئذ بالتلبية من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء وأول من أجابه أهل اليمن فليس حاج يحج من يومئذ إلى يوم تقوم الساعة إلا من كان أجاب إبراهيم يومئذ فمن لبى مرة حج مرة، ومن لبى مرتين حج مرتين ومن لبى أكثر حج بقدر تلبيته يَأْتُوكَ أي يأتوا البيت الذي بنيته رِجالًا أي مشاة على أرجلهم. وقرئ بضم الراء وتخفيف الجيم وتشديدها. وقرئ «رجالي» كعجالي عن ابن عباس وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ أي وركبانا على كل بعير مهزول لطول سفره يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) أي تأتي جماعة الإبل من كل طريق بعيد. وقرئ «يأتون» أي الناس لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ
стр. 730
لَهُمْ
أي ليحضروا منافع مختصة بهذه العبادة كائنة لهم دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادة كحصول المغفرة والأموال وقوله تعالى: لِيَشْهَدُوا متعلق ب «يأتوك» وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ وهي أيام عشر ذي الحجة كما اختاره الشافعي وأبو حنيفة لأنه معلوم عند الناس لحرصهم على علمه من أجل أن وقت الحج في آخره. وقال ابن عباس في رواية عطاء: إن أياما معلومات يوم النحر وثلاثة أيام بعده، كما اختاره أبو مسلم وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى. والمراد بالذكر ما وقع عند الذبح كان يقول الذابح باسم الله، والله أكبر اللهم منك وإليك، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ أي لأجل ما رزقهم من الإبل والبقر والغنم، قال القفال: وكأن المتقرب بها وبإراقة دمائها متصور بصورة من يفدي نفسه بما يعادلها فكأنه يبذل تلك الشاة بدل مهجته طلبا لمرضاة الله تعالى واعترافا بأن تقصيره كاد يستحق مهجته فَكُلُوا مِنْها أي فاذكروا اسم الله على ضحاياكم فكلوا من لحومها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) .
تَفَثَهُمْ
أي ثم بعد خروجهم من الإحرام ليقطعوا أدرانهم كالشارب والأظفار والإبط والعانة وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ أي ما أوجبوه على أنفسهم ما لم يكن الحج يقتضي وجوب ذلك من الضحايا وغيرها.
وقرأ أبو بكر بفتح الواو وتشديد الفاء أي ليتموا ذلك وَلْيَطَّوَّفُوا الطواف الذي يتم به التحلل بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) أي القديم، لأنه أول بيت بني وقد أعتق من غرق الطوفان زمن نوح ومن تسلط كل جبار دخل فيه ليهدمه، وهو بيت كريم لم يملك قط. وفي قراءة أبي عمر وتحريك اللامات الثلاثة بالكسر. وفي قراءة ابن ذكوان بكسر اللامين الأخيرين. وفي قراءة الباقين بإسكان الكل ذلِكَ خبر مبتدأ محذوف ويذكر للفصل بين كلامين أي الشأن، ذلك المذكور من قوله تعالى: وَإِذْ بَوَّأْنا إلى هنا أو مبتدأ خبره محذوف أي ذلك الأمر لازم لكم أو مفعول لمحذوف أي احفظوا ذلك وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ أي ومن يعظم جميع تكاليف الله تعالى من مناسك الحج وغيرها بالعمل بموجبه فتعظيمه قربة عند الله يثاب عليها في الآخرة وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ أي رخصت لكم حال الإحرام ذبيحة الأنعام وأكل لحومها إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ أي إلا ما يتلى عليكم آية تحريمه مما حرم منها لعارض كالميتة
стр. 731
وما أهل به لغير الله تعالى فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ أي فاجتنبوا القذر الذي هو الأوثان فعبادة الأوثان قذر معنوي وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) أي القول المنحرف عن الواقع كالافتراء على الله تعالى بأنه حكم بتحريم البحائر والسوائب ونحوهما.
حُنَفاءَ لِلَّهِ أي مائلين عن كل دين زائغ إلى الدين الحق غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ شيئا من الأشياء وهذان حالان من واو «فاجتنبوا» فالأولى مؤسسة والثانية مؤكدة. وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (٣١) أي إن بعد من أشرك بالله عن الحق كبعد من سقط من السماء فذهب كالطير حيث تشاء فإن الأهواء المردية توزع أفكاره أو قذفت به الريح في مكان بعيد، فإن الشيطان قد طرحه في وادي الضلالة. أو المعنى من أشرك بالله فقد هلكت نفسه هلاكا شبيها باستلاب الطير لحمه وتفرق أجزائه في حواصلها أو بسقوطه في المكان البعيد بعصف الريح به ذلِكَ أي الأمر ذلك التباعد لمن أشرك بالله أو امتثلوا ذلك أمر الله وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ أي معالم الحج وهي الهدايا فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) أي فإن تعظيمها من أفعال دوي تقوى القلوب وتعظيمها اعتقاد أن التقرب بها من أجل القربات وأن يختارها حسانا سمانا غالية الأثمان. روي أنه ﷺ أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب. وأن عمر أهدى نجيبة طلبت منه بثلاثمائة دينار. وسميت الهدايا شعائر لتعليمها بعلامة يعرف بها أنها هدايا كطعن حديدة في سنامها وتعليق النعال في أعناقها وتعليق آذان القرب في آذان الغنم لَكُمْ فِيها أي الشعائر واجبة أو مندوبة مَنافِعُ مع تسمية الأنعام هدايا بأن تركبوها إن احتجتم إليها وتركبوها لغيركم بلا أجرة، فإن كان إركابها بأجرة حرم وإن تشربوا ألبانها الفاضلة عن ولدها إذا اضطررتم إليها إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي إلى أن تنحروها ولا تسمى الأنعام شعارا قبل أن تسمى هديا، كما اختاره الشافعي.
وروى أبو هريرة أنه ﷺ مر برجل يسوق بدنة وهو في جهد فقال ﷺ : «اركبها ويلك»
«١» . ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣) أي ثم أعظم هذه المنافع وقت وجوب نحر الهدايا منتهية إلى الحزم كله.
قال ﷺ : «كل فجاج منى منحر»
«٢» . وَلِكُلِّ أُمَّةٍ من الأمم السالفة من عهد إبراهيم ﵇ إلى من بعده جَعَلْنا مَنْسَكاً أي قربانا يتقربون إلى الله تعالى.
وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما «منسكا» بكسر السين، أي مذبحا وهو موضع ذبح القربان.
وقرأ الباقون بالفتح وهو إراقة الدم لوجه الله تعالى وهو ذبح القرابين لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ
стр. 732
أي عند ذبحها وفي هذا تنبيه على أن المقصود الأصلي من طلب الذبائح تذكر المعبود وعلى أن القربان يجب أن يكون من الأنعام فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فلا تذكروا على ذبائحكم غير اسم الله وفي هذا بيان أن الله تعالى واحد في ذاته كما أنه واحد في إلهيته لكل الخلق فَلَهُ أَسْلِمُوا أي فإذا كان إلهكم إلها واحدا فأخلصوا له الذكر بحيث لا يشوبه إشراك ألبتة وانقادوا له تعالى في جميع تكاليفه وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) أي المتواضعين فالحج من صفات المتواضعين كالتجرد عن اللباس، وكشف الرأس، والغربة من الأوطان الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ من مشاق التكليف والمصائب، فأما ما يصيبهم من قبل الظلمة فالصبر عليه غير واجب بل إن أمكنه دفع ذلك لزمه الدفع ولو بالمقاتلة وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ في أوقاتها.
وقرأ الحسن «والمقيمي الصلاة» بنصب «الصلاة» على تقدير النون. وقرأ ابن مسعود «والمقيمين الصلاة» على الأصل وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥) في وجوه الخيرات وأمر الله تعالى رسوله أن يبشر بالجنة المتواضعين المتصفين بوجل القلوب إذا أمروا بأمر من الله تعالى وبالصبر إذا أصابهم البلاء من الله تعالى وبإقامة الصلاة في وقت السفر للحج وبصدقة التطوع، أي لذلك الوجل أثران الصبر على البلايا التي من قبل الله تعالى والاشتغال بالخدمة بالنفس وبالمال وهما أعز الأشياء عند الإنسان، فالخدمة بالنفس: هي الصلاة. والخدمة بالنفس وبالمال: هي إنفاقه في وجوه الخيرات وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ أي أعلام دينه وهو مفعول ثان و «لكم» متعلق به «والبدن» عند الشافعي خاصة بالإبل، وعند أبي حنيفة الإبل والبقر لَكُمْ فِيها أي البدن خَيْرٌ أي منافع دينية ودنيوية هي درها ونسلها وصوفها وظهرها فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها أي على نحرها صَوافَّ أي قياما على ثلاث قوائم قد صفت رجليها ويدها اليمنى ويد أخرى معقولة فينحرها كذلك بأن تقولوا عند الذبح بسم الله والله أكبر اللهم منك وإليك.
وقرئ «صوافن» بضم النون. وقرئ «صوافي» أي خوالص لوجه الله تعالى، لا تشركوا بالله في التسمية أحدا على نحرها وخوالص من العيوب. وعن عمرو بن عبيد «صوافيا» بالتنوين عوضا عن حرف الإطلاق عند الوقف فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها أي سقطت على الأرض وذلك عند خروج الروح منها فَكُلُوا مِنْها إن شئتم إذا كانت الأضاحي تطوعا وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ أي الراضي بما يدفع إليه من غير سؤال وَالْمُعْتَرَّ أي الذي يعتر بالسلام ولا يسأل بل يري نفسه للناس كالزائر كَذلِكَ مع كمال عظمها ونهاية قوتها، أي فالله تعالى جعل الإبل والبقر بالصفة التي يمكننا تصريفها على ما نريد وذلك نعمة عظيمة من الله تعالى في الدنيا والدين لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) أي لتشكروا إنعامنا عليكم بالإخلاص لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ أي لن يصل إلى الله تعالى أي إلى مرضاته لحوم القرابين ولا دماؤها، ولكن يقبل
стр. 733
الله الأعمال الطاهرة منكم فمنها التصديق باللحم: وهو من عمل العبد فيرفع إلى الله وأما نفس اللحم المتصدق به: فلا يرفع إلى الله. والمعنى: إن الله لا يثيبكم على لحمها إلا إذا وقع موقعا من وجوه الخير وهو امتثال أمره تعالى وتعظيمه والإخلاص له تعالى.
وروي أنهم كانوا في الجاهلية يضربون لحم الأضاحي على حائط الكعبة ويلطخونها بدمها فأراد المسلمون أن يفعلوا فعل المشركين من الذبح وتشريح اللحم منصوبا حول الكعبة وتضميخ الكعبة بالدم تقربا إلى الله تعالى فنزلت هذه الآية: كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ أي إنما سخّر الله تعالى البدن لكم هكذا لتشكروا الله تعالى على إرشادكم إلى أعلام دينكم وإلى كيفية التقرب بها، وإلى طريق تذليلها ولتقولوا: الله أكبر على ما هدانا والحمد لله على ما أولانا وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)
أي المخلصين في كل ما يأتون وما يذرون في أمور دينهم إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو «يدفع» بفتح الياء وسكون الدال وفتح الفاء والباقون بضم الياء وفتح الدال مع الألف وكسر الفاء أي يبالغ في دفع ضرر المشركين عن الذين آمنوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ في أمانات الله تعالى وهي أوامره ونواهيه كَفُورٍ (٣٨) لنعمته وهم المشركون فإنهم أقروا بالصانع وعبدوا غيره فأي خيانة أعظم من هذا أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ.
قرأ أهل المدنية والبصرة وعاصم في رواية حفص «أذن» بالبناء للمجهول. والباقون بالبناء للفاعل. وقرأ أهل المدنية وعاصم «يقاتلون» بالبناء للمفعول. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي ببناء الفعلين للفاعل وأبو عمرو وأبو بكر بناء الأول للمفعول والثاني للفاعل. وابن عامر عكس هذا أي أذن الله بعد الهجرة للذين يريدون قتال المشركين في أن يقاتلوا بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا قيل:
نزلت هذه الآية في قوم خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدنية فاعترضهم مشركو مكة فأذن الله لهم في قتال الكفار الذين يمنعونهم من الهجرة بسبب أنهم مظلمون بالإيذاء. وقيل: كان مشركو مكة يؤذون أصحاب رسول الله ﷺ أذى شديدا، وكانوا يأتونه ﷺ من بين مضروب ومشجوج يشكون إليه فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر فأنزل الله تعالى هذه الآية. وهي أول آية أذن فيها بالقتال بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين آية وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ أي نصر المؤمنين الذين يقاتلهم المشركون عليهم لَقَدِيرٌ (٣٩) وعد الله للمؤمنين بالنصر على طريق الكناية كما وعد بدفع أذى الكفار عنهم الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ مكة المعظمة فالموصول إما نعت للموصول الأول أو الثاني، أو بيان له أو بدل منه، وإما منصوب على المدح أو مرفوع بإضمار مبتدأ على المدح بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ. وهذا بدل من حق أي أنهم أخرجوا من مكة بغير سبب إلا بقولهم: ربنا الله وحده ومحمد رسوله إلينا، فالتوحيد هو الذي ينبغي أن يكون سبب التمكين في مكة لا سبب الإخراج فالإخراج به إخراج بغير حق وَلَوْلا دَفْعُ
стр. 734
اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ
بتسليط المؤمنين على الكافرين في كل زمان لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ للرهبانية وَبِيَعٌ للنصارى وَصَلَواتٌ أي كنائس لليهود وَمَساجِدُ للمسلمين يُذْكَرُ فِيهَا أي في هذه المواضع الأربعة اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً.
قال الزجاج: أي ولولا دفاع الله أهل الشرك بالمؤمنين بالإذن لهم في جهادهم لاستولى أهل الشرك على أهل الأديان وعطلوا مواضع عبادات المؤمنين منهم فهدم في شرع كل نبي المكان الذي يصلى فيه، فلولا ذلك الدفع لهدم في زمن موسى الكنائس التي كانوا يصلون فيها في شرعه. وهي المسماة بالصلوات، وهي كلمة معربة أصلها بالعبرانية: «صلوثا» بفتح الصاد والثاء المثلثة والقصر وبه قرئ في الشواذ. ومعناه في لغتهم «مصلى» ، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع وهما للنصارى. لكن الصوامع هي التي يبنونها في الصحارى والبيع هي التي يبنونها في البلدان، وفي زمن نبينا محمد ﷺ المساجد.
وقرأ نافع «دفاع» بكسر الدال وفتح الفاء مع الألف وقرأ نافع وابن كثير «لهدمت» بتخفيف الدال وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ أي من ينصر دينه وأولياءه بأن يظفرهم بأعدائهم بالتجلد في القتال، وبإيضاح الأدلة وبالإعانة على الطاعات إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ على هذه النصرة التي وعدها للمؤمنين عَزِيزٌ (٤٠) أي لا يمنعه شيء وقد أنجز الله وعده بأن سلط المهاجرين والأنصار على صناديد العرب، وأكاسرة العجم وقياصرتهم، وأورثهم، أرضهم وديارهم.
الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ أي المأذون لهم في القتال المخرجون من ديارهم هم الذين إن أعطيناهم السلطنة ونفاذ القول على الخلق أتوا بالأمور الأربعة هي: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهذا دليل على صحة إمامة الخلفاء الأربعة لأن الله تعالى لم يعط نفاذ الأمر غيرهم من المهاجرين. أما الأنصار فلم يخرجوا من ديارهم وفي هذه الآية إخبار من الله تعالى بالغيب عما تكون عليه سيرة المهاجرين إن أعطاهم السلطنة على الأرض وثناء منه تعالى عليهم قبل إحداثهم الخير وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١) وفي هذه إشارة إلى حضور سلطنة من أخرجهم كفار مكة ووقوع ملكه مع السيرة العادلة- وهم الخلفاء الراشدون- ثم إن الأمور ترجع إلى الله تعالى في العاقبة فإنه تعالى هو الذي لا يزول ملكه أبدا، وفي هذا تأكيد للوعد بإعلاء دينه تعالى وإظهار أوليائه وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى أي وإن تحزن يا أشرف الخلق على تكذيب قومك إياك فأنت يا أكرم الرسل لست بأوحدي في التكذيب، فتسل بهم فإنه قد كذب سائر الأمم أنبياءهم قبل تكذيب قومك إياك. كذب قوم نوح الذين هم من أشد الناس نوحا ﵇، وكذب قوم هود الذين هم ذوو الأبدان الشداد هودا ﵇، وكذب قوم صالح الذين هم أولوا الأبنية الطوال في الجبال والسهول صالحا
стр. 735
عليه السلام، وكذب قوم إبراهيم المتكبرون إبراهيم ﵇، وكذب قوم لوط الأنجاس لوطا ﵇، وكذب قوم شعيب أرباب الأموال المجموعة شعيبا ﵇، وكذب أهل مصر وهم القبط موسى ﵇، فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ أي أمهلتهم حتى انصرمت حبال آجالهم ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ بعذاب الاستئصال فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٤) أي فانظر يا سيد الرسل كيف كان تغييري عليهم، فإن الله غيّر حياتهم بإهلاكهم بعذاب الاستئصال وعمارتهم بالخراب فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها.
وقرأ أبو عمرو ويعقوب «أهلكتها» على وفق «فأمليت» ثم «أخذتهم» ، أي فأهلكنا كثيرا من القرى بإهلاك أهلها، وَهِيَ ظالِمَةٌ أي كافرا أهلها. وهذه جملة حالية من مفعول أهلكنا فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها أي فهي ساقطة حيطانها على سقوفها، بأن خرت سقوفها على الأرض، ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف، أو فهي خالية عن الناس مع بقاء عروشها، وهذه معطوفة على «أهلكناها» فلا محل لها من الاعراب إن جعلت أهلكناها مفسرة لمضمر ناصب ل «كائن» ، ومحلها رفع إن جعل خبرا ل «كأين» وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ أي وكم بئر عامرة كثيرة الماء متروكة لا يستسقى منها لهلاك أهلها. وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أي مرفوع البنيان أو مجصص أخليناه عن ساكنه.
روى أبو هريرة أن هذه البئر نزل عليها صالح مع أربعة آلاف نفر ممن آمن به ونجاهم الله تعالى من العذاب وهم ب «حضرموت» وإنما سميت بذلك لأن صالحا حين حضرها مات. ثمّ وثمّ بلدة عند البئر اسمها «حاضورا» بناها قوم صالح، وأمّروا عليها حاسر بن جلاس، وجعلوا وزيره سنجاريب وأقاموا بها زمانا ثم كفروا وعبدوا صنما وأرسل الله تعالى إليهم حنظلة بن صفوان نبيا فقتلوه في السوق، فأهلكهم الله تعالى وعطّل بئرهم، وخرّب قصورهم. وعلى هذا فالمراد بالبئر بئر بسفح جبل بحضرموت وبالقصر مشرف على قلته أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ أي أغفل أهل مكة فلم يسافروا في تجاراتهم فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ما يجب أن يعقل من التوحيد بسبب ما شاهدوه من مواد الاعتبار أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ما يجب أن يسمع من أخبار الرسول فَإِنَّها الضمير للقصة يفسره ما بعده لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦) أي ليس الخلل في مشاعرهم، وإنما هو في عقولهم، باتباع الهوى والانهماك في الغفلة، والاعتماد في التقليد وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ أي تطلب قريش كالنضر بن الحرث أن تأتيهم بالعذاب عاجلا استهزاء بك وتعجيزا لك على زعمهم.
وكان رسول الله يهددهم بنقمات الله دنيا وأخرى، وهم يقولون: إن ما حذرتنا به لا يقع، وإنه لا بعث، فذكر الله تعالى نزول العذاب بهم في الدنيا والآخرة بقوله تعالى: وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ في إنزال العذاب بكم في الدنيا، وقد أنجز الله وعده يوم بدر، فقتل منهم سبعون، وأسر منهم سبعون وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) أي وإن يوما من أيام عذابكم في الآخرة كألف سنة من سني الدنيا في كثرة الآلام وشدتها، فلو عرفوا حال عذاب الآخرة أنه بهذا الوصف لما استعجلوه.
стр. 736
وقرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي بالياء التحتية فيكون مناسبا لقوله: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ.
وقرأ الباقون بالتاء فيكون التفاتا وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ أي وكم من أهل قرية أخرت إهلاكهم مع استمرارهم على ظلمهم فاغتروا بذلك التأخر ثُمَّ
أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ
(٤٨) أي ثم عاقبت أهل تلك القرية في الدنيا، بأن أنزلت العذاب بهم، ومع ذلك فعذابهم مدخر في الآخرة فإذا رجعوا إليّ بهم ما يليق بأعمالهم قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ أي يا أهل مكة إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) أي إنما أنذركم إنذارا بينا بما أوحي إلي من أنباء الأمم المهلكة وليس بي تعجيل للعذاب ولا تأخير، وإنما بعثت للإنذار فاستهزاؤكم بذلك لا يمنعني منه فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ من الذنوب الصغائر والكبائر وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) أي ثواب حسن في الجنة
وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا أي الذين اجتهدوا في إبطال آياتنا حيث قالوا: شعر أو سحر أو أساطير الأولين، مُعاجِزِينَ أي معارضين المؤمنين، فكلما طلب المؤمنون إظهار الحق طلب هؤلاء إبطاله. أو ظانين عجزنا عنهم بأن لا يدركهم عذابنا! وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «معجزين» بتشديد الجيم بعد العين المفتوحة، أي مثبطين الناس عن الإيمان، أو طامعين في عجز الرسول بالمكايد ظانين ذلك. أُولئِكَ الموصوفون بالسعي في إبطال القرآن واعتقاد العجز لله أو للرسول، أو للمؤمنين. أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٥١) أي ملازمو النار الموقدة. وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أي إذا قرأ النبي أو الرسول أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ، أي في قراءة ذلك النبي أو الرسول. وكان النبي ﷺ يرتّل قراءته للقرآن، فارتصد الشيطان سكتته، ونطق بقوله:
«تلك الغرانيق العلا ... وإن شفاعتهن لترتجى»
محاكيا نغمة النبي ﷺ بحيث يسمعه من دنا إليه، فظنها من قول النبي وأشاعها وفي هذا إخبار من الله تعالى بأن رسله إذا قالوا قولا زاد الشيطان فيه من قبل نفسه محاكيا صوتهم، فهذا نص في أن الشيطان زاد في قول نبينا ﷺ ، لأن نبينا قاله لأنه معصوم. وفي هذه الآية تسلية للنبي ﷺ لأنه قد حزن بذلك، وشبهت الأصنام بالغرانيق التي هي طيور الماء، التي تعلوا في السماء، وترتفع لاعتقاد الكفار أنها تقرّبهم من الله تعالى وتشفع لهم، وإنما سميت القراءة أمنية لأن القارئ إذا انتهى إلى آية رحمة تمنى حصولها، وإذا انتهى إلى آية عذاب تمنى أن لا يبتلى به فَيَنْسَخُ اللَّهُ أي يزيل ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ أي يثبت الله القرآن لنبيه لكي يعمل بها وَاللَّهُ عَلِيمٌ بمصالح عباده المخلصين حَكِيمٌ (٥٢) فيما يجري عليهم من الأعمال والأحوال، ومن حكمته تعالى فيما يلقي الشيطان لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي شك- وهم المنافقون- وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ، وهم المشركون المصرون على جهلهم ظاهرا وباطنا، فيرون الباطل حقا فأثبتوه ونفوا الحق فأبعدهم الله بهذا الامتحان عن حضرته وَإِنَّ الظَّالِمِينَ أي هؤلاء المنافقين والمشركين لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) أي عداوة شديدة.
стр. 737
قالت قريش: ندم محمد على ذكر منزلة آلهتنا عند الله فغير ذلك، وكانت الكلمتان اللتان زادهما الشيطان في قول نبينا ﷺ قد وقعتا في فم كل مشرك، فازدادوا شرا على ما كانوا عليه، وشدة على من أسلم. وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أي الذين رزقوا حسن بصيرة الذين يميزون بها بين الحق والباطل، أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ أي أن القرآن هو الحق النازل من عند ربك فَيُؤْمِنُوا بِهِ أي فيثبتوا على الإيمان بالقرآن، فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ أي فتنقاد قلوبهم بالقبول لما في القرآن من الأوامر والنواهي. وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا في الأمور الدينية إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤) أي إلى نظر صحيح موصل إلى الحق الصريح وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ أي في شك من القرآن حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ أي القيامة نفسها بَغْتَةً أي فجأة من دون أن يشعروا أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) أي عذاب يوم لا يوم بعده فيستمر ذلك اليوم كاستمرار المرأة على تعطل الولادة.
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ أي في يوم عقيم لِلَّهِ وحده فلا يكون فيه لأحد تصرف من التصرفات في أمر من الأمور لا حقيقة ولا مجازا ولا صورة لأحد ولا معنى كما في الدنيا، فإنه تعالى ملك فيها الأمور غيره صورة يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ، أي بين المؤمنين بالقرآن والممارين فيه، فَالَّذِينَ آمَنُوا امتثالا بما أمروا فيه فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) يكرمون بالتحف فضلا من الله وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أي أصروا على ذلك فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٥٧) ، أي شديد بسبب معاصيهم. أما إعطاء الثواب فبفضل الله لا بأعمالهم كما هو حكمة ذكر الفاء وتركه في الجانبين وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي هاجروا إلى المدينة لنصرة الرسول ﷺ وللتقرب إلى الله تعالى ثُمَّ قُتِلُوا أي قتلهم العدو.
وقرأ ابن عامر بتشديد التاء أَوْ ماتُوا في سفر أو حضر من غير قتل لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً لا ينقطع أبدا من نعيم الجنة لاستواء النوعين في القصد وأصل العمل.
وروي أن بعض أصحاب النبي ﷺ قالوا: يا نبي الله هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله قد علمنا ما أعطاهم الله تعالى من الخير ونحن نجاهد معك، كما جاهدوا، فما لنا إن متنا معك! فنزلت هذه الآية: وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) فإن ما يرزقه لا يقدر عليه أحد غيره والرزق الصادر منه لمحض الإحسان وإن غيره إنما يدفع الرزق من يده ليد غيره ولا يفعل نفس الرزق، ويرزق لانتفاعه إما لأجل خروجه عن الواجب أو لأجل أن يستحق بالإعطاء ثناء أو عوضا، أو لأجل الرقة الجنسية. وأما الله تعالى فإن كماله صفة ذاتية له فلا يستفيد من أحد كمالا زائدا فهو يرزق بغير حساب لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ بأن يدخلهم الجنة من غير مكروه تقدم إدخالا فوق ما يتمنونه ومدخلا فوق الذي يهوونه.
وقيل: هو خيمة من درة بيضاء لا فصم فيها ولا وصم، لها سبعون ألف مصراع. وقال ابن عباس: إنهم يرون في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر فيرضونه ولا يبغون عنها حولا.
стр. 738
وقرأ نافع «مدخلا» بفتح الميم أي مكانا. وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ بما يرضونه وبما يستحقونه فيعطيهم ذلك في الجنة ويزيدهم. حَلِيمٌ (٥٩) فلا يعجل من عصاه بالعقوبة لتقع التوبة منه فيستحق الجنة. ذلِكَ أي الأمر ذلك الذي قصصناه عليك من إنجاز الوعد للمهاجرين الذين قتلوا أو ماتوا وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ أي والذي قاتل من كان يقاتله من الكفار، ثم إن القاتل ظلم عليه بأن ألجئ إلى مفارقة الوطن، وابتدئ بالقتال لينصرن الله المظلوم على الظالم. قوله: بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ الباء الأولى: للآلة، والثانية:
للسببية. والعقاب مأخوذ من التعاقب. وهي مجيء الشيء بعد غيره.
قال مقاتل: نزلت هذه الآية في قوم من المشركين لقوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم. فقال بعضهم لبعض: إن أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام، فاحملوا عليهم، فناشدهم المسلمون أن يكفوا عن قتالهم لحرمة الشهر فأبوا، وقاتلوهم، وثبت المسلمون لهم فنصروا عليهم فحصل في أنفس المسلمين من القتال في الشهر الحرام شيء، فأنزل الله تعالى هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ عن هذه الإساءة غَفُورٌ (٦٠) لهم ما صدر عنهم من ترجيح الانتقام على العفو والصبر المطلوب إليهما وإنما عفا عنهم ذلك مع كونه محرما إذ ذاك، لأنهم فعلوه دفعا للصائل فكان من نوع الواجب عليهم. وهذا تنبيه على أنه تعالى قادر على العقوبة، إذ لا يوصف بالعفو إلا القادر على ضده
ذلِكَ أي النصر بسبب أنه تعالى قادر، ومن آيات قدرته كونه خالق الليل والنهار فذلك قوله تعالى: بِأَنَّ اللَّهَ تعالى يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ أي بسبب أن الله تعالى يزيد في أحد الملوين ما ينقص من الآخر من الساعات أو يحصل ظلمة أحدهما في مكان ضياء الآخر وعكسه، وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بكل المسموعات بَصِيرٌ (٦١) بجميع المبصرات أي أن الله كما يقدر على ما لا يقدر عليه غيره، فكذلك يدوم الاتصاف بالسمع والبصر فلا يحتاج لسمعه إلى سكون الليل ولا لبصره إلى ضياء النهار ذلِكَ أي الإنصاف بكمال القدرة والعلم بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ أي الثابت الذي يمتنع عليه التغير في ذاته وصفاته فعبادته هو الحق وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ أي وأن ما يعبده المشركون من غير الله هو الباطل ألوهيته، وأنه معدوم في حد ذاته.
وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر، وشعبة بالتاء على خطاب المشركين. وقرئ بالبناء للمفعول على أن «الواو» عائد ل «ما» فإنه كناية عن الآلهة وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢) أي وأن الله هو القاهر الذي لا يغلب القادر على الضر والنفع العظيم في سلطانه الذي لا تدرك حقيقته أَلَمْ تَرَ أي ألم تعلم أيها المخاطب أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ
السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً
أي فتصير الأرض نامية بما فيه رزق العباد وعمارة البلاد إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ أي رحيم بعباده في إخراج النبات خَبِيرٌ (٦٣) أي عالم بمقادير مصالحهم، وبما في قلوبهم لَهُ ما فِي
стр. 739
السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ فكل ذلك منقاد له. وهو تعالى غير ممتنع من التصرف فيه وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤) أي الغني عن الأشياء كلها، لأنه كامل لذاته والكامل لذاته غني عن كل ما عداه في كل الأمور، ولكنه لما خلق الحيوان خلق الأشياء رحمة للحيوانات، لا لحاجة إلى ذلك وكان إنعامه تعالى خاليا عن غرض عائد إليه فكان مستحقا للحمد فوجب أن يكون حميدا أَلَمْ تَرَ أيها المخاطب أَنَّ اللَّهَ تعالى سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ أي جعل ما فيها معدا لمنافعكم فلا أصلب من الحجر، ولا أشد من الحديد ولا أهيب من النار وهي مذللة لكم، وذلل لكم الحيوانات حتى تنتفعوا بها من حيث الأكل والركوب والحمل عليها، والانتفاع بالنظر إليها فلولا تسخيره تعالى الإبل والبقر والخيل لما انتفع بها أحد وَالْفُلْكَ معطوف على ما أو على اسم «أن» تَجْرِي فِي الْبَحْرِ حال من الفلك أو خبر بِأَمْرِهِ أي بإذنه فلولا أن الله سخر السفن بالماء والرياح لجريها لكانت تغوص أو تقف وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ أي ويمنع السماء من أن تقع على الأرض إِلَّا بِإِذْنِهِ أي إلا بمشيئته وذلك يوم القيامة، لأن النعم المتقدمة لا تكمل إلا بإمساك السماء من السقوط، لأنه جرم ثقيل مسكن الملائكة لا بد له من السقوط لولا مانع يمنع منه وهو القدرة، فأمسكها الله بقدرته لئلا تقع إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٦٥) حيث هيأ لهم أسباب معاشهم، وفتح عليهم أبواب المنافع وأوضح لهم مناهج الاستدلال بالآيات التكوينية والتنزيلية وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ بعد أن كنتم نطفا، بعد أن كنتم معدومين ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عند انقضاء آجالكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ يوم القيامة للثواب والعقاب إِنَّ الْإِنْسانَ أي المشرك كبديل بن ورقاء الخزاعي والأسود بن عبد الأسد، وأبي جهل، والعاص بن وائل، وأبيّ بن خلف. لَكَفُورٌ (٦٦) أي جحود لنعم الله مع ظهورها حيث ترك توحيده تعالى لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ أي لكل أمة معينة وضعنا شريعة خاصة تلك الأمة المعينة عاملون بها، فالأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث نبينا منسكهم الإنجيل، هم عاملون به لا غيرهم. وأما الأمة الموجودة عند مبعث النبي ومن بعدهم إلى يوم القيامة فهم أمة واحدة منسكهم الفرقان ليس إلا فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ أي يجب على أرباب الملأ أن يتبعوك وأن يتركوا مخالفتك في أمر الدين وقد استقر الأمر الآن على شرعك وَادْعُ إِلى رَبِّكَ أي ادعهم إلى شريعتك ولا تخص بالدعاء إلى توحيد ربك أمة دون أمة فكلهم أمتك. إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ (٦٧) أي على أدلة دين واضحة موصلة إلى الله تعالى، وَإِنْ جادَلُوكَ أي إن عدلوا عن النظر في هذه الأدلة إلى طريق المجادلة والتمسك بالعادة فَقُلِ لهم على سبيل التحذير من حكم يوم القيامة، الذي يتردد بين جنة لمن قبل ونار لمن أنكر: اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (٦٨) من المجادلة الباطلة وغيرها. اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ أي يفصل بين المؤمنين منكم والكافرين يَوْمَ الْقِيامَةِ بالثواب والعقاب فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩) من أمر الدين، فتعرفون حينئذ
стр. 740
الحق من الباطل أَلَمْ تَعْلَمْ أي قد علمت يا أشرف الخلق أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ فلا يخفى عليه شيء مما يقوله الكفرة وما يعملونه. إِنَّ ذلِكَ أي ما في السماء والأرض فِي كِتابٍ أي لوح محفوظ إِنَّ ذلِكَ أي إن علم ما في السماء والأرض بغير الكتاب جملة وتفصيلا عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠) أي هين وإن تعذر على الخلق.
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ أي ويعبد كفار مكة متجاوزين عبادة الله ما لم ينزل الله بجواز عبادته حجة من جهة الوحي، وما ليس لهم بجواز عبادته علم من دليل عقلي، أي أن عبادتهم لغير الله من الأصنام ليست مأخوذة من دليل سمعي ولا من دليل عقلي بل هو من تقليد أو جهل أو شبهة فوجب أن يكون ذلك باطلا وَما لِلظَّالِمِينَ أي المشركين مِنْ نَصِيرٍ (٧١) أي ليس لهم ناصر في مذهبهم بالحجة ولا في دفع عذاب الله عنهم، وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا أي القرآن بَيِّناتٍ أي واضحات في الدلالة على العقائد الحقة والأحكام الصادقة. تَعْرِفُ يا أشرف الخلق فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بالقرآن الْمُنْكَرَ أي الكراهية للقرآن وأثر الغضب يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا أي يكادون يثبون على من يقرءوا القرآن عليهم بالبطش من فرط الغضب. قُلْ ردا عليهم: أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ أي أخاطبكم فأخبركم بأشر من غيظكم على التالين، وقهركم عليهم ومن الضجر بسبب ما تلي عليكم. النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا إذا ماتوا على الكفر. ف «النار» إما مبتدأ وخبره ما بعده، أو خبر مبتدأ مقدر. وقرأه زيد بن علي، وابن أبي عبلة بالنصب على الاختصاص أو على أنه منصوب بفعل مقدر يفسره ما بعده.
وقرأه ابن أبي إسحاق، وإبراهيم بن نوح بالجر بدلا من شر وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢) النار.
يا أَيُّهَا النَّاسُ أي يا أهل مكة ضُرِبَ مَثَلٌ أي بيّن لكم حال عجيبة غريبة فَاسْتَمِعُوا لَهُ أي تدبروا المثل حق تدبره إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً أي أن الأصنام الذين تعبدونهم لن يقدروا على خلق الذباب مع صغره وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ أي لخلقه أي تعاونوا على خلقه فكيف يليق بالعاقل جعل الأصنام معبودا وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ أي وإن يأخذ الذباب من الأصنام شيئا من الطيب والعسل الذي لطخوا عليها لا تسترده من الذباب.
قال ابن عباس: إنهم كانوا يطلون الأصنام بالزعفران ورؤوسها بالعسل ويغلقون عليها الأبواب فيدخل الذباب من الكوى فيأكله ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) .
قال ابن عباس: أي ضعف الذباب والصنم، فالذباب طالب ما يأخذه من الذي على الصنم. وقال الضحاك: أي ضعف العابد والمعبود ولو حققت وجدت الصنم أضعف من الذباب وعابده أجهل من كل جاهل وأضل من كل ضال ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ أي ما عرفوا الله حق معرفته حيث أشركوا به وسموا باسمه ما هو أبعد الأشياء عنه مناسبة إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ على خلق