← Тафсир

Тафсир · id 22769

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

نووي الجاوي

Полный текст (1 343 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وقرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي بالياء التحتية فيكون مناسبا لقوله: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ. وقرأ الباقون بالتاء فيكون التفاتا وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ أي وكم من أهل قرية أخرت إهلاكهم مع استمرارهم على ظلمهم فاغتروا بذلك التأخر ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨) أي ثم عاقبت أهل تلك القرية في الدنيا، بأن أنزلت العذاب بهم، ومع ذلك فعذابهم مدخر في الآخرة فإذا رجعوا إليّ بهم ما يليق بأعمالهم قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ أي يا أهل مكة إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) أي إنما أنذركم إنذارا بينا بما أوحي إلي من أنباء الأمم المهلكة وليس بي تعجيل للعذاب ولا تأخير، وإنما بعثت للإنذار فاستهزاؤكم بذلك لا يمنعني منه فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ من الذنوب الصغائر والكبائر وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) أي ثواب حسن في الجنة وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا أي الذين اجتهدوا في إبطال آياتنا حيث قالوا: شعر أو سحر أو أساطير الأولين، مُعاجِزِينَ أي معارضين المؤمنين، فكلما طلب المؤمنون إظهار الحق طلب هؤلاء إبطاله. أو ظانين عجزنا عنهم بأن لا يدركهم عذابنا! وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «معجزين» بتشديد الجيم بعد العين المفتوحة، أي مثبطين الناس عن الإيمان، أو طامعين في عجز الرسول بالمكايد ظانين ذلك. أُولئِكَ الموصوفون بالسعي في إبطال القرآن واعتقاد العجز لله أو للرسول، أو للمؤمنين. أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٥١) أي ملازمو النار الموقدة. وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أي إذا قرأ النبي أو الرسول أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ، أي في قراءة ذلك النبي أو الرسول. وكان النبي ﷺ يرتّل قراءته للقرآن، فارتصد الشيطان سكتته، ونطق بقوله: «تلك الغرانيق العلا ... وإن شفاعتهن لترتجى» محاكيا نغمة النبي ﷺ بحيث يسمعه من دنا إليه، فظنها من قول النبي وأشاعها وفي هذا إخبار من الله تعالى بأن رسله إذا قالوا قولا زاد الشيطان فيه من قبل نفسه محاكيا صوتهم، فهذا نص في أن الشيطان زاد في قول نبينا ﷺ ، لأن نبينا قاله لأنه معصوم. وفي هذه الآية تسلية للنبي ﷺ لأنه قد حزن بذلك، وشبهت الأصنام بالغرانيق التي هي طيور الماء، التي تعلوا في السماء، وترتفع لاعتقاد الكفار أنها تقرّبهم من الله تعالى وتشفع لهم، وإنما سميت القراءة أمنية لأن القارئ إذا انتهى إلى آية رحمة تمنى حصولها، وإذا انتهى إلى آية عذاب تمنى أن لا يبتلى به فَيَنْسَخُ اللَّهُ أي يزيل ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ أي يثبت الله القرآن لنبيه لكي يعمل بها وَاللَّهُ عَلِيمٌ بمصالح عباده المخلصين حَكِيمٌ (٥٢) فيما يجري عليهم من الأعمال والأحوال، ومن حكمته تعالى فيما يلقي الشيطان لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي شك- وهم المنافقون- وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ، وهم المشركون المصرون على جهلهم ظاهرا وباطنا، فيرون الباطل حقا فأثبتوه ونفوا الحق فأبعدهم الله بهذا الامتحان عن حضرته وَإِنَّ الظَّالِمِينَ أي هؤلاء المنافقين والمشركين لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) أي عداوة شديدة.

стр. 737

قالت قريش: ندم محمد على ذكر منزلة آلهتنا عند الله فغير ذلك، وكانت الكلمتان اللتان زادهما الشيطان في قول نبينا ﷺ قد وقعتا في فم كل مشرك، فازدادوا شرا على ما كانوا عليه، وشدة على من أسلم. وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أي الذين رزقوا حسن بصيرة الذين يميزون بها بين الحق والباطل، أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ أي أن القرآن هو الحق النازل من عند ربك فَيُؤْمِنُوا بِهِ أي فيثبتوا على الإيمان بالقرآن، فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ أي فتنقاد قلوبهم بالقبول لما في القرآن من الأوامر والنواهي. وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا في الأمور الدينية إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤) أي إلى نظر صحيح موصل إلى الحق الصريح وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ أي في شك من القرآن حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ أي القيامة نفسها بَغْتَةً أي فجأة من دون أن يشعروا أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) أي عذاب يوم لا يوم بعده فيستمر ذلك اليوم كاستمرار المرأة على تعطل الولادة. الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ أي في يوم عقيم لِلَّهِ وحده فلا يكون فيه لأحد تصرف من التصرفات في أمر من الأمور لا حقيقة ولا مجازا ولا صورة لأحد ولا معنى كما في الدنيا، فإنه تعالى ملك فيها الأمور غيره صورة يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ، أي بين المؤمنين بالقرآن والممارين فيه، فَالَّذِينَ آمَنُوا امتثالا بما أمروا فيه فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) يكرمون بالتحف فضلا من الله وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أي أصروا على ذلك فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٥٧) ، أي شديد بسبب معاصيهم. أما إعطاء الثواب فبفضل الله لا بأعمالهم كما هو حكمة ذكر الفاء وتركه في الجانبين وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي هاجروا إلى المدينة لنصرة الرسول ﷺ وللتقرب إلى الله تعالى ثُمَّ قُتِلُوا أي قتلهم العدو. وقرأ ابن عامر بتشديد التاء أَوْ ماتُوا في سفر أو حضر من غير قتل لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً لا ينقطع أبدا من نعيم الجنة لاستواء النوعين في القصد وأصل العمل. وروي أن بعض أصحاب النبي ﷺ قالوا: يا نبي الله هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله قد علمنا ما أعطاهم الله تعالى من الخير ونحن نجاهد معك، كما جاهدوا، فما لنا إن متنا معك! فنزلت هذه الآية: وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) فإن ما يرزقه لا يقدر عليه أحد غيره والرزق الصادر منه لمحض الإحسان وإن غيره إنما يدفع الرزق من يده ليد غيره ولا يفعل نفس الرزق، ويرزق لانتفاعه إما لأجل خروجه عن الواجب أو لأجل أن يستحق بالإعطاء ثناء أو عوضا، أو لأجل الرقة الجنسية. وأما الله تعالى فإن كماله صفة ذاتية له فلا يستفيد من أحد كمالا زائدا فهو يرزق بغير حساب لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ بأن يدخلهم الجنة من غير مكروه تقدم إدخالا فوق ما يتمنونه ومدخلا فوق الذي يهوونه. وقيل: هو خيمة من درة بيضاء لا فصم فيها ولا وصم، لها سبعون ألف مصراع. وقال ابن عباس: إنهم يرون في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر فيرضونه ولا يبغون عنها حولا.

стр. 738

وقرأ نافع «مدخلا» بفتح الميم أي مكانا. وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ بما يرضونه وبما يستحقونه فيعطيهم ذلك في الجنة ويزيدهم. حَلِيمٌ (٥٩) فلا يعجل من عصاه بالعقوبة لتقع التوبة منه فيستحق الجنة. ذلِكَ أي الأمر ذلك الذي قصصناه عليك من إنجاز الوعد للمهاجرين الذين قتلوا أو ماتوا وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ أي والذي قاتل من كان يقاتله من الكفار، ثم إن القاتل ظلم عليه بأن ألجئ إلى مفارقة الوطن، وابتدئ بالقتال لينصرن الله المظلوم على الظالم. قوله: بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ الباء الأولى: للآلة، والثانية: للسببية. والعقاب مأخوذ من التعاقب. وهي مجيء الشيء بعد غيره. قال مقاتل: نزلت هذه الآية في قوم من المشركين لقوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم. فقال بعضهم لبعض: إن أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام، فاحملوا عليهم، فناشدهم المسلمون أن يكفوا عن قتالهم لحرمة الشهر فأبوا، وقاتلوهم، وثبت المسلمون لهم فنصروا عليهم فحصل في أنفس المسلمين من القتال في الشهر الحرام شيء، فأنزل الله تعالى هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ عن هذه الإساءة غَفُورٌ (٦٠) لهم ما صدر عنهم من ترجيح الانتقام على العفو والصبر المطلوب إليهما وإنما عفا عنهم ذلك مع كونه محرما إذ ذاك، لأنهم فعلوه دفعا للصائل فكان من نوع الواجب عليهم. وهذا تنبيه على أنه تعالى قادر على العقوبة، إذ لا يوصف بالعفو إلا القادر على ضده ذلِكَ أي النصر بسبب أنه تعالى قادر، ومن آيات قدرته كونه خالق الليل والنهار فذلك قوله تعالى: بِأَنَّ اللَّهَ تعالى يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ أي بسبب أن الله تعالى يزيد في أحد الملوين ما ينقص من الآخر من الساعات أو يحصل ظلمة أحدهما في مكان ضياء الآخر وعكسه، وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بكل المسموعات بَصِيرٌ (٦١) بجميع المبصرات أي أن الله كما يقدر على ما لا يقدر عليه غيره، فكذلك يدوم الاتصاف بالسمع والبصر فلا يحتاج لسمعه إلى سكون الليل ولا لبصره إلى ضياء النهار ذلِكَ أي الإنصاف بكمال القدرة والعلم بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ أي الثابت الذي يمتنع عليه التغير في ذاته وصفاته فعبادته هو الحق وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ أي وأن ما يعبده المشركون من غير الله هو الباطل ألوهيته، وأنه معدوم في حد ذاته. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر، وشعبة بالتاء على خطاب المشركين. وقرئ بالبناء للمفعول على أن «الواو» عائد ل «ما» فإنه كناية عن الآلهة وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢) أي وأن الله هو القاهر الذي لا يغلب القادر على الضر والنفع العظيم في سلطانه الذي لا تدرك حقيقته أَلَمْ تَرَ أي ألم تعلم أيها المخاطب أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً أي فتصير الأرض نامية بما فيه رزق العباد وعمارة البلاد إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ أي رحيم بعباده في إخراج النبات خَبِيرٌ (٦٣) أي عالم بمقادير مصالحهم، وبما في قلوبهم لَهُ ما فِي

стр. 739

السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ فكل ذلك منقاد له. وهو تعالى غير ممتنع من التصرف فيه وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤) أي الغني عن الأشياء كلها، لأنه كامل لذاته والكامل لذاته غني عن كل ما عداه في كل الأمور، ولكنه لما خلق الحيوان خلق الأشياء رحمة للحيوانات، لا لحاجة إلى ذلك وكان إنعامه تعالى خاليا عن غرض عائد إليه فكان مستحقا للحمد فوجب أن يكون حميدا أَلَمْ تَرَ أيها المخاطب أَنَّ اللَّهَ تعالى سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ أي جعل ما فيها معدا لمنافعكم فلا أصلب من الحجر، ولا أشد من الحديد ولا أهيب من النار وهي مذللة لكم، وذلل لكم الحيوانات حتى تنتفعوا بها من حيث الأكل والركوب والحمل عليها، والانتفاع بالنظر إليها فلولا تسخيره تعالى الإبل والبقر والخيل لما انتفع بها أحد وَالْفُلْكَ معطوف على ما أو على اسم «أن» تَجْرِي فِي الْبَحْرِ حال من الفلك أو خبر بِأَمْرِهِ أي بإذنه فلولا أن الله سخر السفن بالماء والرياح لجريها لكانت تغوص أو تقف وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ أي ويمنع السماء من أن تقع على الأرض إِلَّا بِإِذْنِهِ أي إلا بمشيئته وذلك يوم القيامة، لأن النعم المتقدمة لا تكمل إلا بإمساك السماء من السقوط، لأنه جرم ثقيل مسكن الملائكة لا بد له من السقوط لولا مانع يمنع منه وهو القدرة، فأمسكها الله بقدرته لئلا تقع إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٦٥) حيث هيأ لهم أسباب معاشهم، وفتح عليهم أبواب المنافع وأوضح لهم مناهج الاستدلال بالآيات التكوينية والتنزيلية وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ بعد أن كنتم نطفا، بعد أن كنتم معدومين ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عند انقضاء آجالكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ يوم القيامة للثواب والعقاب إِنَّ الْإِنْسانَ أي المشرك كبديل بن ورقاء الخزاعي والأسود بن عبد الأسد، وأبي جهل، والعاص بن وائل، وأبيّ بن خلف. لَكَفُورٌ (٦٦) أي جحود لنعم الله مع ظهورها حيث ترك توحيده تعالى لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ أي لكل أمة معينة وضعنا شريعة خاصة تلك الأمة المعينة عاملون بها، فالأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث نبينا منسكهم الإنجيل، هم عاملون به لا غيرهم. وأما الأمة الموجودة عند مبعث النبي ومن بعدهم إلى يوم القيامة فهم أمة واحدة منسكهم الفرقان ليس إلا فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ أي يجب على أرباب الملأ أن يتبعوك وأن يتركوا مخالفتك في أمر الدين وقد استقر الأمر الآن على شرعك وَادْعُ إِلى رَبِّكَ أي ادعهم إلى شريعتك ولا تخص بالدعاء إلى توحيد ربك أمة دون أمة فكلهم أمتك. إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ (٦٧) أي على أدلة دين واضحة موصلة إلى الله تعالى، وَإِنْ جادَلُوكَ أي إن عدلوا عن النظر في هذه الأدلة إلى طريق المجادلة والتمسك بالعادة فَقُلِ لهم على سبيل التحذير من حكم يوم القيامة، الذي يتردد بين جنة لمن قبل ونار لمن أنكر: اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (٦٨) من المجادلة الباطلة وغيرها. اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ أي يفصل بين المؤمنين منكم والكافرين يَوْمَ الْقِيامَةِ بالثواب والعقاب فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩) من أمر الدين، فتعرفون حينئذ

стр. 740

الحق من الباطل أَلَمْ تَعْلَمْ أي قد علمت يا أشرف الخلق أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ فلا يخفى عليه شيء مما يقوله الكفرة وما يعملونه. إِنَّ ذلِكَ أي ما في السماء والأرض فِي كِتابٍ أي لوح محفوظ إِنَّ ذلِكَ أي إن علم ما في السماء والأرض بغير الكتاب جملة وتفصيلا عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠) أي هين وإن تعذر على الخلق. وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ أي ويعبد كفار مكة متجاوزين عبادة الله ما لم ينزل الله بجواز عبادته حجة من جهة الوحي، وما ليس لهم بجواز عبادته علم من دليل عقلي، أي أن عبادتهم لغير الله من الأصنام ليست مأخوذة من دليل سمعي ولا من دليل عقلي بل هو من تقليد أو جهل أو شبهة فوجب أن يكون ذلك باطلا وَما لِلظَّالِمِينَ أي المشركين مِنْ نَصِيرٍ (٧١) أي ليس لهم ناصر في مذهبهم بالحجة ولا في دفع عذاب الله عنهم، وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا أي القرآن بَيِّناتٍ أي واضحات في الدلالة على العقائد الحقة والأحكام الصادقة. تَعْرِفُ يا أشرف الخلق فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بالقرآن الْمُنْكَرَ أي الكراهية للقرآن وأثر الغضب يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا أي يكادون يثبون على من يقرءوا القرآن عليهم بالبطش من فرط الغضب. قُلْ ردا عليهم: أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ أي أخاطبكم فأخبركم بأشر من غيظكم على التالين، وقهركم عليهم ومن الضجر بسبب ما تلي عليكم. النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا إذا ماتوا على الكفر. ف «النار» إما مبتدأ وخبره ما بعده، أو خبر مبتدأ مقدر. وقرأه زيد بن علي، وابن أبي عبلة بالنصب على الاختصاص أو على أنه منصوب بفعل مقدر يفسره ما بعده. وقرأه ابن أبي إسحاق، وإبراهيم بن نوح بالجر بدلا من شر وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢) النار. يا أَيُّهَا النَّاسُ أي يا أهل مكة ضُرِبَ مَثَلٌ أي بيّن لكم حال عجيبة غريبة فَاسْتَمِعُوا لَهُ أي تدبروا المثل حق تدبره إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً أي أن الأصنام الذين تعبدونهم لن يقدروا على خلق الذباب مع صغره وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ أي لخلقه أي تعاونوا على خلقه فكيف يليق بالعاقل جعل الأصنام معبودا وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ أي وإن يأخذ الذباب من الأصنام شيئا من الطيب والعسل الذي لطخوا عليها لا تسترده من الذباب. قال ابن عباس: إنهم كانوا يطلون الأصنام بالزعفران ورؤوسها بالعسل ويغلقون عليها الأبواب فيدخل الذباب من الكوى فيأكله ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) . قال ابن عباس: أي ضعف الذباب والصنم، فالذباب طالب ما يأخذه من الذي على الصنم. وقال الضحاك: أي ضعف العابد والمعبود ولو حققت وجدت الصنم أضعف من الذباب وعابده أجهل من كل جاهل وأضل من كل ضال ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ أي ما عرفوا الله حق معرفته حيث أشركوا به وسموا باسمه ما هو أبعد الأشياء عنه مناسبة إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ على خلق

стр. 741

الممكنات بأسرها وإفناء الموجودات عن آخرها عَزِيزٌ (٧٤) أي غالب على جميع الأشياء اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا إلى بني آدم كجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل والحفظة وَمِنَ النَّاسِ أي ويختار من الناس رسلا مختصين بالنفوس الزكية كإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلوات الله عليهم. نزلت هذه الآية لما قال الوليد بن المغيرة مع موافقة الباقي لم ينزل على محمد القرآن لأنه ليس بأكبرنا ولا بأشرفنا. إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لمقالتهم. بَصِيرٌ (٧٥) بأفعالهم، وبمن يستحق الرسالة يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ أي يعلم الله ما عملوه وما سيعملونه من أمور الدنيا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦) . وهذا إشارة إلى التفرد بالإلهية والحكم، وإلى الزجر عن مباشرة المعصية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا أي ارجعوا من تكبر قيام الإنسانية إلى تواضع الحيوانية وذلة النباتية. قال ابن عباس: إن الناس كانوا في أول الإسلام يركعون ولا يسجدون حتى نزلت هذه الآية: وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ بسائر ما كلفكم به خالصا لوجهه وَافْعَلُوا الْخَيْرَ واجبا ومندوبا وتوجهوا إلى الله تعالى في جميع أحوالكم لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) أي لتظفروا بنعيم الجنة، أي افعلوا هذه كلها وأنتم راجون بها الفلاح، غير متيقنين أنها مقبولة عند الله تعالى والعواقب مستورة وكل ميسر لما خلق له: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ أي لله أعداء دينه الظاهرة والباطنة من أهل الضلال والهوى والنفس حَقَّ جِهادِهِ أي جهادا من أجل الله، حقا لا رغبة في الدنيا من حيث الاسم أو الغنيمة. هُوَ اجْتَباكُمْ أي اختاركم للاشتغال بطاعته من بين سائر البريات وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ أي في أمر الدين مِنْ حَرَجٍ أي ضيق بتكليف ما يشق عليكم إقامته. مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ أي سهل الله عليكم الدين مثل ملة أبيكم إبراهيم، فإنه أبو رسول الله وهو كالأب لأمته، ولأن أكثر العرب كانوا من ذرية إبراهيم فغلبوا على غيرهم هُوَ أي الله. كما قرأ أبيّ بن كعب. سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ أي قبل هذا القرآن في كتب الأنبياء وَفِي هذا أي القرآن بقوله تعالى: ورضيت لكم الإسلام دينا. وقيل: الله سماكم المسلمين في الأزل من قبل أن خلقكم وبعد أن خلقكم لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ يوم القيامة بأنه بلغكم وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ أي الأمم الماضية، بتبليغ الرسل إليهم فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ أي فلما خصكم الله بهذه الكرامة، فاعبدوه وتقربوا إلى الله بأنواع الطاعات وتخصيصهما بالذكر لفضلهما. وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ. قال القفال: أي اجعلوا الله عصمة لكم مما تحذرون. وقال ابن عباس: أي سلوا الله العصمة عن كل المحرمات أي ولا تطلبوا الإعانة في كل الأمور إلا منه تعالى. هُوَ مَوْلاكُمْ أي حافظكم. فَنِعْمَ الْمَوْلى أي الحافظ. وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨) بل فلا حافظ ولا ناصر في الحقيقة سواه تعالى.

стр. 742

سورة المؤمنون مكية، مائة وثمان عشرة آية عند الكوفيين، وتسع عشرة عند البصريين، ألف وثمانمائة وأربعون كلمة أربعة آلاف وثمانمائة حرف قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) أي فازوا بالمراد. وقرأ طلحة بن مصرف «أفلح» على البناء للمفعول، أي أدخلوا في الفلاح الذي هو الوصول إلى الله تعالى. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) أي خاضعون للمعبود بالقلب، غير ملتفتين بالخواطر إلى شيء سوى التعظيم ساكنون بالجوارح، مطرقون ناظرون إلى مواضع سجودهم لا يلتفتون يمينا ولا شمالا، ويرفعون أيديهم. والخشوع من فروض الصلاة عند الغزالي. والحضور عندنا ليس شرطا للإجزاء بل شرط للقبول كما قاله الرازي وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) أي الذين هم تاركون لما لا حاجة إليه في أمور الدين والدنيا من الأقوال والأفعال في عامة أوقاتهم وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤) أي مؤدّون وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) أي ممسكون فلا يرسلونها على أحد إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ أي سراريهم فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) على عدم حفظها منهن إذا كان إتيانهن على وجه الحلال فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ أي فمن طلب غير ذلك المستثنى كإتيان بهيمة أو زنا أو لواط، أو استمناء بيد، فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) أي الكاملون في مجاوزة الحدود وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) أي قائمون بحفظ وإصلاح فكل ما يكون تركه داخلا في الخيانة فهو أمانة، والعهد هو ما عقده العبد على نفسه فيما يقربه إلى الله تعالى، وما أمر الله تعالى به، وذلك كالوضوء والاغتسال من الجنابة والصلاة، والصوم، والودائع، والأسرار وغير ذلك. وقرأ نافع وابن كثير «لأمانتهم» بالإفراد. وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩) لشروطها من وقت وطهارة وغيرهما، ولأركانها. وقرأ حمزة والكسائي «صلاتهم» بالإفراد أُولئِكَ أي المؤمنون المتصفون بتلك الصفات هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ.

стр. 743

روي أن الله تعالى بنى جنة الفردوس لبنة من ذهب، ولبنة من فضة وجعل خلالها المسك الأذفر، وغرس فيها من جيد الفاكهة وجيد الريحان. وروى أبو أمامة عن النبي ﷺ أنه قال: «سلوا الله الفردوس فإنها أعلى الجنان وإن أهل الفردوس يسمعون أطيط العرش» «١» . وسمى استحقاقهم الفردوس إرثا بأعمالهم بحسب وعده تعالى، لأن انتقال الجنة إليهم بدون محاسبة ومعرفة بمقاديرها هُمْ فِيها أي الفردوس خالِدُونَ (١١) لا يموتون ولا يخرجون منها أبدا. وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ أي جنس الإنسان مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) أي من خلاصة كائنة من طين ثُمَّ جَعَلْناهُ أي السلالة نُطْفَةً أي منيا، أربعين يوما فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) أي مكان حريز. فإن الله تعالى خلق جوهر الإنسان أولا طينا، ثم جعل جوهره بعد ذلك نطفة في صلب الأب فقذفه الصلب بالجماع إلى رحم الأم فصار الرحم مستقرا حصينا لهذه النطفة ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً أي ثم صيرنا المني الأبيض دما جامدا أربعين يوما، فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً أي ثم صيرنا الدم الجامد الأحمر لحما صغيرا، مقدار ما يمضغ أربعين يوما فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً أي فصيرنا اللحم الصغير عظاما بلا لحم بأن صلبناها وجعلناها عمودا للبدن على هيئات مخصوصة من رأس ورجلين وما بينهما. فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً وشددناها بالأعصاب والعروق. فاللحم يستر العظام كالكسوة. وقرأ ابن عامر وأبو بكر «عظما» و «العظم» بالإفراد في الموضعين. ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ أي حولنا العظام المستورة باللحم عن صفاتها إلى صفة لا يحيط بها شرح الشارحين فإن الله جعلها حيوانا ناطقا، سميعا بصيرا، عاقلا. وأودع كل جزء من أجزائه عجائب وغرائب لا يحيط بها وصف الواصفين فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤) أي فتعالى شأن الله تعالى أتقن المحولين ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ أي التركيب بالأمور العجيبة لَمَيِّتُونَ (١٥) أي لصائرون إلى الموت. وقرأ ابن أبي عبلة وابن محيص «لمائتون» . ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي عند النفخة الثانية تُبْعَثُونَ (١٦) من قبوركم للحساب والمجازاة بالثواب والعقاب. وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ أي سبع سموات طرائق بعضها فوق بعض وإنما قيل للسموات: طرائق لتطارقها، أي لكون بعضها موضوعا فوق بعض طاقا فوق، كمطارقة النعل. فجعل الله في السموات موضعا لأرزاقنا بإنزال الماء منها. وكان نزول الوحي ومقرا للملائكة وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ (١٧) بل كنا حافظين لهم عن أن تسقط عليهم الطباق السبع فتهلكهم، ولسنا تاركين لهم بلا أمر ولا نهي،

стр. 744

ولا غافلين من أعمالهم ومصالحهم. وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ أي بتقدير لائق لاستجلاب منافعهم ودفع مضارهم. قال الرازي: إن الله تعالى أصعد الأجزاء المائية من قعر الأرض إلى البحار منافعهم، ومن البحار إلى السماء حتى صارت عذبة صافية بسبب ذلك التصعيد، ثم ينزلها على قدر الحاجة إليها اه-. وفي الأحاديث: «إن الماء كان موجودا قبل خلق السموات والأرض، ثم جعل الله منه في السماء ماء وفي الأرض ماء» «١» . فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ أي جعلناه قارا فيها بعضه في بطنها وبعضه على ظهرها كالأنهار والغدران والعيون وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ أي على إزالته بالإفساد أو بالتصعيد أو بالتغوير في الأرض لَقادِرُونَ (١٨) كما كنا قادرين على إنزاله فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ أي بذلك الماء جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ. وإنما ذكرهما الله تعالى لكثرة منافعهما فإنهما يقومان مقام الطعام ومقام الإدام ومقام الفواكه رطبا ويابسا لَكُمْ فِيها أي البساتين فَواكِهُ كَثِيرَةٌ من ألوان شتى وَمِنْها تَأْكُلُونَ (١٩) أي ترزقون، وتحصلون معايشكم أي تتنعمون بفوائد البستان وتتعيشون بها وَشَجَرَةً أي وأنشأنا لكم زيتونة تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ وهو جبل نودي منه موسى ﵇ بين مصر وأيلة. وقيل: في فلسطين. ومن قرأ بفتح السين منع الصرف لألف التأنيث الممدودة. ومن قرأ بكسرها وهو نافع وابن كثير، وأبو عمرو فقد منع الصرف للعلمية والعجمة، فإن الهمزة ليست للتأنيث بل للإلحاق بقرطاس. قيل: إن الزيتونة أول شجرة نبتت بعد الطوفان. تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ أي تخرج الدهن. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «تنبت» بضم التاء وكسر الباء، أي تنبت الشجرة زيتونها وفيه الزيت وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠) معطوف على الدهن أي تنبت الشجرة بالشيء الجامع بين كونه دهنا يدهن به ويسرج منه وكونه إداما يغمس الخبز فيه للائتدام وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ أي الإبل لَعِبْرَةً تستدلون بأحوالها على تعظيم قدرة الله تعالى وسابغ رحمته وتشكرونه نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها أي تنتفعون بلبنها في الشرب وغيره. ووجه الاعتبار في اللبن أنه يجتمع في الضرع ويتخلص من بين الفرث والدم بإذن الله تعالى فيستحيل إلى طهارة ولون وطعم موافق للشهوة ويصير غذاء، فهذا اللبن الذي يخرج من بطونها إلى ضرعها تجده شرابا طيبا نافعا للبدن، وإذا ذبحتها لم تجد له أثرا، فمن استدل بذلك على قدرة الله تعالى وحكمته كان ذلك معدودا من النعم الدينية ومن انتفع به كان معدودا من النعم الدنيوية وَلَكُمْ فِيها أي الأنعام. مَنافِعُ كَثِيرَةٌ كالانتفاع بثمنها وأجرتها وَمِنْها أي الأنعام بعد ذبحها تَأْكُلُونَ (٢١) فتنتفعون بأعيانها كما تنتفعون بما يحصل منها عَلَيْها أي الأنعام عَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢) فإن الانتفاع بالإبل في المحمولات على البر

стр. 745

بمنزلة الانتفاع بالسفن في البحر، ولذلك جمع الله بينهما في إنعامه لكي يشكر على ذلك ويستدل به. وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ وهم جميع أهل الأرض. فَقالَ متعطفا عليهم: يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحده فلا تعبدوا سواه ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ بالرفع صفة ل «إله» باعتبار محله على أنه فاعل، أو مبتدأ مؤخر أو محذوف الخبر ولكم للتبيين أي ما لكم في العالم إله غيره تعالى. وقرأ الكسائي بجر غيره صفة ل «إله» على الاحتمالين الأولين باعتبار لفظه أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) أي أتعرفون انتفاء «الإله» غيره تعالى فلا تتقون أنفسكم عذابه تعالى بسبب إشراككم به في العبادة ما لا يستحق الوجود لولا إيجاد الله تعالى إياه فَقالَ الْمَلَأُ أي الرؤساء: الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لعوامهم ما هذا أي نوح إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ في الجنس والوصف من غير فرق بينكم وبينه يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ أي يريد أن يطلب الفضل عليكم، بادعاء الرسالة لتكونوا أتباعا له وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً أي لو شاء الله إرسال الرسول إلينا لأنزل ملكا من الملائكة ما سَمِعْنا بِهذا أي بالأمر بعبادة الله خاصة وترك عبادة ما سواه فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) أي الماضين قبل بعثة نوح ﵇ وذلك لكون آبائهم في زمان فترة متطاولة، وإما لغلوهم في التكذيب وانهماكهم في الضلال. ويقال: ما سمعنا بنوح أنه نبي في الذين مضوا قبلنا في زمنه ﵇ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ أي ما نوح إلا رجل فيه جنون، ومن كان مجنونا فكيف يجوز أن يكون رسولا، فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) أي انتظروه إلى زمن موته. أو المراد أنه مجنون فاصبروا إلى زمان تظهر عاقبة أمره فيه، فإن أفاق فذاك واضح وإلا فاقتلوه، قالَ نوح لما رآهم قد أصروا على التكذيب حتى يئس من إيمانهم بالكلية: رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٢٦) بالرسالة أي أبدلني من غير تكذيبهم سلوة النصر عليهم، أو أهلكهم بسبب تكذيبهم إياي. فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ عند ذلك أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ ف «أن» مفسرة لوقوعها بعد فعل فيه معنى القول بِأَعْيُنِنا أي بحفظنا لك عن أن تخطئ في صنعها أو يفسدها عليك غيرك فإن جبريل علمه عمل السفينة، ووصف له كيفية اتخاذها. وَوَحْيِنا أي وتعليمنا، فأوحى الله إليه جبريل فعلمه صنعة السفينة، وصنعها في عامين، وجعل طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسين وارتفاعها ثلاثين. وجعلها ثلاث طبقات. السفلى: للسباع والهوام. والوسطى للدواب والأنعام. والعليا: للإنس فَإِذا جاءَ أَمْرُنا أي وقت عذابنا عقب تمام الفلك وَفارَ التَّنُّورُ لآدم ﵇ عند طلوع الفجر وكان في موضع مسجد الكوفة عن يمين الداخل من باب كندة اليوم. وقيل: كان في عين وردة من الشام فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ فأدخل في الفلك من كل حيوان حضر في هذا الوقت فردين مزدوجين ذكرا وأنثى لكي لا ينقطع نسل ذلك الحيوان.

стр. 746

وقرأ حفص بتنوين «كل» ف «زوجين» مفعول به واثنين تأكيد أي من كل نوع. وقرأ الباقون بغير تنوين ف «اثنين» مفعول به وَأَهْلَكَ أي وأدخل في الفلك أهل بيتك من زوجك وأولادك. إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ أي الوعد الأزلي من الله تعالى بالإهلاك، وهو ولده كنعان وأم كنعان فهي كافرة. وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا بالدعاء لإنجائهم إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) أي أنهم محكوم عليهم بالغرق وبالطوفان فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ أي ركبت وَمَنْ مَعَكَ من المؤمنين والدواب وغيرها عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) ومن الغرق بالالتجاء إلى السفينة. وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً أي مكان نزول فيه خير كثير، وهو نفس السفينة، لأن من ركبها خلصته من الغرق. وقرأ أبو بكر «منزلا» بفتح الميم وكسر الزاي. والباقون بضم الميم وفتح الزاي وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) في الدنيا والآخرة. إِنَّ فِي ذلِكَ أي في قصة نوح وقومه لَآياتٍ جليلة. فإن اظهار تلك المياه العظيمة ثم الإذهاب بها لا يقدر عليه إلّا القادر على كل المقدورات، وظهور تلك الواقعة على وفق قول نوح ﵇ يدل على المعجز العظيم وإفناء الكفار وبقاء الأرض لأهل الدين من أعظم أنواع العبر في الدعاء إلى الإيمان والزجر عن الكفر، وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠) أي وإن الشأن كنا مصيبين قوم نوح ببلاء عظيم مختبرين به عبادنا فيما بعد للنظر من يتذكر، ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ أي من بعد إهلاكهم قَرْناً آخَرِينَ (٣١) هم عاد. فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ هو هود ﵇. أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي وقلنا لهم على لسان الرسول: اعبدوا الله وحده ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣٢) عذابه وَقالَ الْمَلَأُ أي الرؤساء مِنْ قَوْمِهِ أي الرسول الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ أي بلقاء ما فيها من الحساب والثواب والعقاب، وَأَتْرَفْناهُمْ أي نعمناهم بالأموال والأولاد فِي الْحَياةِ الدُّنْيا يخاطبون أتباعهم مضلين لهم: ما هذا أي الرسول إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ في الصفات والأحوال، يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) فكيف يكون رسولا وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ أي إن امتثلتم آدميا مثلكم في الخلق والحال بأوامره، إِنَّكُمْ إِذاً أي إن أطعتموه لَخاسِرُونَ (٣٤) أي مغلوبون في عقولكم جاهلون. أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً أي وصارت أجسامكم ترابا وَعِظاماً نخرة مجردة عن اللحوم والأعصاب أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) من القبور أحياء كما كنتم هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (٣٦) أي بعد حصول ما توعدون من خروجكم من القبور فلا يقع هذا. إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا أي ما الحياة إلا حياتنا في الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيا أي يموت بعضنا ويحيا بعضنا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) بعد الموت إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أي ما مدعي الرسالة إلا رجل تعمّد على الله كذبا فيما يدّعيه من إرساله، وفيما يعدنا من أن الله يبعثنا وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) أي بمصدقين فيما يقوله من البعث بعد الموت ومن دعوى الرسالة. قالَ أي هود بعد يأسه من إيمانهم: رَبِّ انْصُرْنِي بِما

стр. 747

كَذَّبُونِ (٣٩) أي انتقم لي منهم بسبب تكذيبهم إياي. قالَ تعالى عدة بالقبول عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (٤٠) أي بعد زمان قليل ليصيرن نادمين على التكذيب، وذلك عند معاينتهم للعذاب فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ أي دمرهم الله تعالى بالصيحة العظيمة وبالريح العقيم، بالعدل من الله تعالى وقد روي أن شداد بن عاد حين أتم بناء إرم سار بأهله إليها، فلما دنا منها بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً أي فجعلناهم بعد موتهم مثل ورق يابس يحمله السيل في عدم المبالاة بهم. فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١) «فبعدا» مصدر منصوب بفعل لا يستعمل إظهاره لأنه بمعنى الدعاء عليهم، و «للقوم» متعلق بمحذوف واللام للبيان. فالله تعالى ذكر ذلك على وجه الإهانة لهم وهو التبعيد من الخير. وقد نزل بهم العذاب دالا على ذلك مع أن الذي ينزل بهم في الآخرة من العذاب أعظم مما نزل بهم ليكون ذلك عبرة لمن يجيء بعدهم. والمعنى أهلكوا وخابوا من رحمة الله تعالى دنيا وأخرى. ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ أي بعد هلاكهم قُرُوناً آخَرِينَ (٤٢) هم قوم صالح، ولوط، وشعيب، ويونس، وأيوب. فالله تعالى ما أخلى الأرض من مكلفين بل أوجدهم وبلغهم حد التكليف حتى قاموا مقام من كان قبلهم في عمارة الدنيا. ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) فلا نهلك أمة قبل مجيء أجلها، ولا يستأخرون عنه بساعة. فالله تعالى عالم الأشياء قبل كونها، فلا توجد إلا على وفق العلم والمقتول ميت بأجله، إذ لو قتل قبل أجله لكان قد تقدم الأجل أو تأخر وذلك ينافيه هذا النص. ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا أي أرسلنا إلى كل قرن من القرون رسولا خاصا به تَتْرا أي واحدا بعد واحد بينهما زمان طويل. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو هريرة وهي قراءة الشافعي «تترى» بالتنوين، فألفه للإلحاق بجعفر، ف «لما» نون ذهبت ألفه لالتقاء الساكنين وباقي السبعة «تترى» بألف صريحة دون تنوين، والألف للتأنيث باعتبار أن الرسل جماعة، والتاء بدل من الواو، فإنه مأخوذ من الوتر وهو الفرد وهو مصدر بمعنى اسم الفاعل وقع حالا أي متواترة أي متتابعة فرادى. كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ وسلكوا في تكذيب أنبيائهم مسلك من أهلكوا. فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً أي بالهلاك وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ أي ما يتحدث به الناس تلهيا وتعجبا، فيعتبر منهم أهل السعادة ويتغافل منهم أهل الشقاوة. فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (٤٤) أي بعدوا من رحمة الله تعالى بعدا، إذ لم يؤمنوا ولم يعتبروا منهم. ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا التسع، وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٤٥) أي حجة واضحة ملزمة للخصم في الاستدلال على وجود الصانع وإثبات النبوة إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ أي أشراف قومه، فَاسْتَكْبَرُوا عن الانقياد لهما وَكانُوا قَوْماً عالِينَ (٤٦) في أمور الدنيا، قاهرين بني إسرائيل بالظلم فَقالُوا فيما بينهم بطريق المناصحة أَنُؤْمِنُ أي أننقاد لِبَشَرَيْنِ موسى وهارون مِثْلِنا في البشرية وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ (٤٧) أي والحال أن قومهما بني إسرائيل

стр. 748

خاضعون لنا خادمون كالعبيد لنا، فَكَذَّبُوهُما بالرسالة فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨) أي فصاروا من المغرقين في بحر القلزم وَلَقَدْ آتَيْنا بعد إهلاكهم وإنجاء بني إسرائيل مُوسَى الْكِتابَ أي التوراة لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩) أي لكي يهتدوا إلى الطريق الحق بالعمل بما فيها من الأحكام، وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ عيسى وَأُمَّهُ آيَةً دالة على عظيم قدرتنا بولادته من غير مسيس بشر، ونطقه في الصغر وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ أي أسكناهما في أرض مرتفعة. فقال عطاء عن ابن عباس: هي بيت المقدس فهو أقرب بقاع الأرض إلى السماء، ويزيد على غيره في الارتفاع ثمانية عشر ميلا. وقال عبد الله بن سلام: هي دمشق وعليه الأكثرون. وقرأ ابن عامر، وعاصم بفتح الراء. والباقون بالضم ذاتِ قَرارٍ أي مستوية مبسوطة ذات نعيم وَمَعِينٍ (٥٠) أي ماء ظاهر جار على وجه الأرض. يا أَيُّهَا الرُّسُلُ نودي بهذا المعنى كل رسول في زمانه ليعتقد السامع أن أمرا نودي له جميع الرسل وأمروا به حقيق أن يعمل به. والمعنى نخبرك يا محمد أنّا أمرنا الرسل المتقدمين وقلنا لهم إلخ، دالا على بطلان ما عليه الرهبان من رفض الطيبات، أي وقلنا لكل رسول: كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ أي الحلالات سواء كانت مستلذة أو لا، وَاعْمَلُوا صالِحاً أي عملا صالحا من فرض ونفل. والأكل إذا كان بأمر الشرع لا بأمر الطبع يكون من نتائجه الأعمال الصالحة، إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ من الأعمال الظاهرة والباطنة عَلِيمٌ (٥١) فأجازيكم عليه. وهذا تحذير لهم من الله تعالى من مخالفة ما أمرهم به، وإذا كان هذا تحذيرا للرسل مع علو شأنهم فبأن يكون تحذير الغير هم أولى وَإِنَّ هذِهِ أي العقائد أُمَّتُكُمْ أي دينكم أيها المخاطبون أُمَّةً واحِدَةً أي دينا واحدا، والاختلاف في الشرائع لا يسمى اختلافا في الدين. وقرأ الكوفيون بكسر همزة «إن» على الاستئناف الداخل فيما خوطب به الرسل والباقون بفتح الهمزة على حذف اللام أي ولأن، وقيل: «العطف على «ما» ، أي إني عليم بأن هذه أمتكم. وقرأ ابن عامر «وإن» بإسكان النون، فاسمها ضمير الشأن و «هذه» مبتدأ، و «أمتكم» خبر و «أمة» حال لازمة وَأَنَا رَبُّكُمْ من غير أن يكون لي شريك في الربوبية فَاتَّقُونِ (٥٢) أي فأطيعوني، فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً أي فجعل أتباع الأنبياء أمر دينهم مع اتحاده قطعا متفرقة وأديانا مختلفة بينهم ف «زبرا» جمع زبرة بمعنى قطعة كغرفة وغرف، فهو حال من «أمرهم» ، أو من واوا «تقطعوا» . كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) أي كل فريق منهم معجبون بما اتخذوه دينا فيرى كل منهم أنه المحق الرابح، وأن غيره المبطل الخاسر فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أي اترك يا أشرف الخلق كفار مكة في جهلهم إلى موتهم على الكفر أو إلى مجيء عذابهم بالقتل وغيره. أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ أي أيظنون أن الذي نعطيهم إياه من المال والبنين نسارع به لهم في إكرامهم ليكونوا فارغي البال من غير اشتغال بالتكاليف. بَلْ

стр. 749

لا يَشْعُرُونَ (٥٦) حتى يتفكروا في ذلك الإمداد أهو استدراج أم مسارعة في الخير أي فهم أشباه البهائم لا فطنة لهم. إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) أي إن الذين هم من خوف عذاب ربهم حذرون من أسباب العذاب دائمون في طاعته جادون في طلب مرضاته وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ المنصوبة والمنزلة يُؤْمِنُونَ (٥٨) أي يصدقون بأن يستدلوا بهذه المخلوقات على وجود الصانع ويصدقوا بأن ما في القرآن حق من ربهم، وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) بأن يكون العبد مخلصا في العبادة لا يقدم عليها إلا لطلب رضوان الله تعالى ومن الشرك ملاحظة الخلق في الرد والقبول، والفرح بمدحهم، والانكسار بذمهم، وقصور النظر في المسار والمضار على الأسباب عند انقطاع النظر عن المسبب، الذي هو الله تعالى كنظر حصول الشفاء من الدواء والشبع من الطعام، وليس المراد من عدم الإشراك هنا نفي الشريك لله تعالى، لأن ذلك داخل في ما تقدم وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أي والذين يعطون ما أعطوه من الصدقات، والحال أن قلوبهم خائفة أشد الخوف أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠) . وقرأت عائشة وابن عباس، والحسن، والأعمش «يأتون ما أتوا» من الإتيان، أي ويفعلون ما فعلوه من الطاعات، والحال أن قلوبهم خائفة من رجوعهم إلى ربهم فلا يقبل منهم ذلك، ولا يقع على الوجه اللائق فيؤاخذوا به حينئذ. وهذا مناط الوجل. وقرأ الأعمش «إنهم» بكسر الهمزة على الاستئناف أُولئِكَ أي أهل هذه الصفات الأربعة يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها أي يناولون في الدنيا أنواع النفع ووجوه الإكرام وَهُمْ لَها سابِقُونَ (٦١) أي هم فاعلون السبق لأجل الخيرات أي ينالونها قبل الآخرة حيث عجلت لهم في الدنيا وهذه الجملة مؤكدة لما قبلها وتفيد معنى الثبوت بعد ما تفيد معنى التجدد وقوله أولئك خبر عن أن الذين إلخ وقرئ يسرعون في الخيرات وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أي عادتنا جارية على أن لا نكلف نفسا من النفوس إلا ما في طاقتها أي فإن الله تعالى لا يكلف عباده إلا ما في وسعهم فإن لم يبلغوا في فعل الطاعات مراتب السابقين فلا عليهم بعد أن يبذلوا طاقتهم وَلَدَيْنا كِتابٌ أي صحائف الأعمال التي يقرءونها عند الحساب يَنْطِقُ بِالْحَقِّ أي يظهر المطابق للواقع، فأعمال العباد كلها مثبتة في صحائفهم فلا يضيع لعامل جزاء عمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر. وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٢) في الجزاء بنقص ثواب أو بزيادة عقاب بَلْ قُلُوبُهُمْ أي الكفرة فِي غَمْرَةٍ أي غفلة مِنْ هذا الذي بيناه في القرآن من أن لدينا ديوان الحفظة الذي يظهر لهم أعمالهم السيئة على رؤوس الأشهاد فيجزون بها، وَلَهُمْ أي الكفار أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ أي أعمال سيئة غير كون قلوبهم في غفلة عظيمة مما ذكر، وهي فنون معاصيهم كطعنهم في القرآن وإقامة إمائهم في الزنا هُمْ لَها عامِلُونَ (٦٣) هم مستمرون على أعمال سيئة حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ أي أكابرهم الذين أمدهم الله تعالى بالمال والبنين بِالْعَذابِ أي الأخروي إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) أي يرتفع صوتهم

стр. 750

بالاستغاثة في كشف العذاب عنهم لشدة ما هم عليه ويقال لهم على وجه التبكيت: لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ أي لا تلتجئوا اليوم إلينا إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ (٦٥) أي لأنه لا يلحقكم من جهتنا نصرة تنجيكم مما نزل بكم قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) أي فكنتم تعرضون عن تلك الآيات، وتنفرون عمن يتلوها وهذا مثل يضرب فيمن تباعد عن الحق كل التباعد. وقرأ علي بن أبي طالب ﵁ على أدباركم بدل على أعقابكم مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً فالجار والمجرور متعلق بقوله: مُسْتَكْبِرِينَ والباء سببية، والضمير يعود إلى الحرم أي متعظمين بالحرم أو متعلق ب «سامرا» والباء بمعنى في، والضمير يعود إلى البيت الحرام أي ساهرين في الليل المظلم يتحدثون حول البيت العتيق والذي يسوغ هذا الإضمار شهرتهم بالاستكبار بالبيت، ويجوز أن يكون متعلقا ب «تهجرون» والضمير يعود إلى القرآن تَهْجُرُونَ (٦٧) . قرأ نافع وابن محيصن بضم التاء وكسر الجيم، أي تسبون القرآن وتسمونه سحرا وشعرا. والباقون بفتح التاء وضم الجيم أي تتركون القرآن، وتعرضون عنه وكانوا يجتمعون حول الكعبة في الليل يتحدثون، وكان أكثر حديثهم ذكر القرآن والطعن فيه وتسميته سحرا وشعرا وسب رسول الله ﷺ وأصحابه وكانوا يقولون: لا يعلو علينا أحد لأنا أهل الحرم وقوله: مُسْتَكْبِرِينَ وقوله: سامِراً وقوله: تَهْجُرُونَ أحوال من الواو في «تنكصون» ، أو في كل واحدة حال من ضمير ما قبلها و «سامرا» ، اسم جمع كحاج وراكب وحاضر وغائب فالكل يطلق على الجمع أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ أي أفعلوا ما فعلوا من النكوص والاستكبار، والهجر، فلم يتدبروا القرآن ليعرفوا بما فيه من إعجاز النظم والإخبار بالغيب أنه الحق من ربهم، بل أجاءهم من الكتاب وبعثة الرسل ما لم يأت آباءهم الأولين كإسماعيل ﵇ وأعقابه من عدنان وقحطان، ومضر، وربيعة، وقس، والحرث بن كعب، وأسد بن خزيمة، وتميم بن مرة، وتبع وضبة بن أد فكلهم آمنوا بالله تعالى وكتبه ورسله. فإن مجيء الكتب من الله تعالى إلى الرسل عادة قديمة له تعالى، وإن مجيء القرآن على طريقته، فمن أين ينكرونه! بل ألم يعرفوا رسولهم محمد ﷺ بالأمانة والصدق، وحسن الأخلاق، وكمال العلم مع عدم التعلم من أحد وغير ذلك مما حازه من الكمالات اللائقة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام؟ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أي فهم جاحدون برسالة رسولهم، أي أنهم عرفوا منه ﷺ قبل ادعاء الرسالة كونه في غاية الفرار من الكذب، فكيف كذبوه بعد اتفاق كلمتهم على تسميته ﷺ بالأمين أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ أي بل أيقولون في رسولهم جنون ويقولون: إنما حمله على ادعائه الرسالة جنونه، مع أنه أرجح الناس عقلا وأوفرهم رزانة بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ أي جاءهم رسولهم

стр. 751

عليه الصلاة والسلام بالصدق الثابت الذي لا محيد عنه أصلا، وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ أي أيّ حق كان كارِهُونَ (٧٠) من حيث تمسكوا بالتقليد، ومن حيث علموا أنهم لو أقروا بمحمد ﷺ لزالت مناصبهم واختلت رئاساتهم، فلذلك كرهوه وكان منهم من ترك الإيمان استنكافا من توبيخ قومه أو لعدم فكرته لا لكراهة الحق. وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ أي ولو كان الحق الذي كرهوه موافقا لأهوائهم الباطلة لخرجت السموات والأرض ومن فيهن عن الصلاح والانتظام بالكلية، بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ أي بل جئناهم بالقرآن الذي فيه شرفهم. وقرأ أبو عمرو في رواية «آتيناهم» بمد الهمزة، أي أعطيناهم فخرهم، فالباء مزيدة في «بذكرهم» ، وقرأ ابن أبي إسحاق، وعيسى بن عمرو وأبو عمرو أيضا «أتيتهم» بتاء المتكلم وحده وقرأ الجحدري وأبو رجاء آتيتهم بالتاء على خطاب الرسول ﷺ وقرأ عيسى «بذكراهم» بألف التأنيث أي بوعظهم. وقرأ أبو قتادة «نذكرهم» بنون المتكلم مضارع «ذكر» مشدد الكاف، وهي جملة حالية. فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ أي فخرهم وشرفهم مُعْرِضُونَ (٧١) ، وكان يجب عليهم أن يقبلوا عليه أكمل إقبال أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً وقرأ حمزة والكسائي بفتح الراء وبالألف والباقون بسكونها فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ، وقرأ ابن عامر بسكون الراء. والباقون بفتحها وبالألف. أي أم تسألهم على هدايتهم قليلا من عطاء الخلق، فالكثير من عطاء ربك خير فلا يجوز أن ينفروا عن قبول قوله ﷺ لأجل هذه التهمة البعيدة، وهم غير معذورين ألبتة، وهم محجوجون من جميع الوجوه، فهذا توبيخ بوجه آخر كأنه قيل: أم يزعمون أنك تسألهم على أداء الرسالة جعلا فلأجل ذلك لا يؤمنون بك ولا تسألهم ذلك، فإن ما رزقك الله تعالى في الدنيا والآخرة خير لك من ذلك وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) أي أفضل المعطين في الدنيا والآخرة خير لك من ذلك وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) تشهد العقول السليمة باستقامته وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي بالبعث والثواب والعقاب عَنِ الصِّراطِ أي عن جنس الصراط لَناكِبُونَ (٧٤) أي منحرفون فلا يطلق على ما ذهبوا إليه اسم الصراط لغاية ضلالهم وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥) أي ولو كشفنا ما أصابهم من جمع وسائر مضار الدنيا لتمادوا في ضلالهم وهم متحيّرون عن الهدى لا يبصرون الحق، وقد كان الأمر كذلك. روي أنه لما أسلم ثمامة بن أثال الحنفي ولحق باليمامة، منع الميرة عن أهل مكة فأخذهم الله تعالى بالسنين سبع سنين حتى أكلوا الجلود والجيف والعلهز «١» ، فجاء أبو سفيان إلى رسول الله ﷺ وقال: ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين، ثم قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع فادع الله يكشف عنا هذا القحط، فدعا، فكشف عنهم، فأنزل الله هذه الآية وذلك بسبب

стр. 752

دعوة النبي ﷺ بقوله: اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنينا كسني يوسف. وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ وهو ما ينالهم يوم بدر من القتل والأسر فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ أي فما خضعوا لربهم بالتوحيد وَما يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) أي فما يؤمنون، أي محناهم بكل محنة من القتل والأسر والجوع الذي هو أشد منهما، فما رؤي منهم لين مقادة وتوجه إلى الإسلام قط. وأما ما أظهره أبو سفيان فليس من الاستكانة له تعالى والتضرع إليه تعالى في شيء، وإنما هو نوع خشوع إلى أن يتم غرضه، فجاء كما قيل: إذا جاء ضغا وإذا شبع طغى، وأكثرهم مستمرون على ذلك حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ هو عذاب الآخرة إِذا هُمْ فِيهِ أي في ذلك العذاب مُبْلِسُونَ (٧٧) أي آيسون من كل خير وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ وخصّ الله هذه الثلاثة بالذكر، لأن الاستدلال موقوف عليها قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (٧٨) أي شكرا قليلا غير معتد به تشكرون تلك النعم الجليلة يا أهل مكة. وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ أي هو الذي جعلكم في الأرض متناسلين وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) أي تجمعون يوم القيامة إلى موضع لا حاكم فيه سواه وجعل حشرهم إلى ذلك الموضع حشرا إليه وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وينقل من نعمة الحياة إلى دار الثواب والعقاب وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي هو المؤثر في تعاقبهما واختلافهما ازديادا وانتقاصا أَفَلا تَعْقِلُونَ (٨٠) أي أتتفكرون فلا تعقلون بالنظر أن الكل مناف أن قدرتنا تعم الممكنات التي من جملتها البعث بعد الموت بَلْ قالُوا أي فلم يعقل كفار مكة بل قالوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) من قوم نوح، وهود، وصالح وغيرهم في إنكار البعث مع وضوح الدلائل. قالُوا مقلدين للأولين: أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) بعد ذلك لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا أي البعث مِنْ قَبْلُ أي من قبل مجيء محمد أي لقد وعدنا وآباؤنا بالبعث فلم نر هذا الوعد صدقا، أي فلما لم يوجد البعث طول الزمان ظنوا أنه يكون في دار الدنيا ثم قالوا: إِنْ هذا أي ما هذا الذي تقول يا محمد إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣) أي إلا أكاذيبهم التي كتبوها قُلْ يا أشرف الرسل لكفار مكة: لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها من المخلوقات إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) فأخبروني بخالقهم سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ لهم بعد أن تجيبوا بما ذكر توبيخا لهم أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥) أي أتعلمون ذلك فلا تتذكرون أن من قدر على خلق الأرض وما فيها ابتداء قادر على إعادته ثانيا؟ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ: إفهاما لهم أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧) أي أتعلمون ذلك ولا تقون أنفسكم عقابه حيث تكفرون به، وتنكرون البعث وتثبتون له شريكا في الربوبية قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ أي من تحت قدرته ملك كل شيء من إنس وجن وغيرهما. وَهُوَ يُجِيرُ أي يغيث غيره إذا شاء وَلا يُجارُ عَلَيْهِ أي لا يغاث أحد منه إذا أراد هلاكه إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) ذلك فأجيبوني سَيَقُولُونَ لِلَّهِ.

стр. 753

وقرأ أبو عمرو «سيقولون الله» . في الأخيرتين من غير لام جر، مع رفع الجلالة جوابا على اللفظ لقوله: (من) لأن المسؤول به مرفوع المحل وهو «من» فجاء جوابه مرفوعا. والباقون «لله» باللام في الأخيرين، وهو جواب على المعنى، لأن التقدير في الموضع الأول منهما، قل من له السموات السبع والعرش، وفي الثاني: قل من له ملكوت كل شيء، ف «لام» الجر مقدرة في السؤال، فظهرت في الجواب نظرا للمعنى. وأما جواب السؤال الأول لله باللام باتفاق السبعة، لأنها قد صرح بها في السؤال. قُلْ لهم يا أشرف الخلق: فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) أي فمن أين تصرفون عن الرشد إلى الغي، بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ الذي هو التوحيد والوعد بالبعث وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٩٠) في ادعاء الشرك وإنكار البعث مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ لا من الملائكة ولا من غيرهم كما قال الكفار. وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ يشاركه في الألوهية كما يقوله الثنوية إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ ف «إذا» بمعنى لو الامتناعية أي لو كان معه آلهة كما يقولون لانفرد كل واحد من الآلهة بخلقه الذي خلقه وامتاز ملكه عن ملك الآخرين، ولغلب بعضهم على بعض كما هو حال ملوك الدنيا فلم يكن بيده تعالى حينئذ ملكوت كل شيء، وهو باطل لا يقول به عاقل قط سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) من إثبات الولد والشريك عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ. وقرأ نافع وشعبة وحمزة والكسائي بالرفع خبر مبتدأ محذوف. والباقون بالجر بدل من الجلالة وهذا دليل آخر على انتفاء الشريك بناء على توافقهم في تفرّده تعالى بذلك كأنه قيل: الله عالم الغيب والشهادة وغيره لا يعلمهما، فغيره ليس بإله فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢) فإن تفرده تعالى بذلك موجب لتنزهه عن أن يكون له شريك وشبيه قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) أي إن كان لا بد من أن تريني ما تعدهم من العذاب الدنيوي المستأصل فلا تجعلني قرينا لهم فيما هم فيه من العذاب وأعيد لفظ الرب مبالغة في التضرع، و «في» بمعنى مع. وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ من العذاب المستأصل لَقادِرُونَ (٩٥) ولكنا نؤخره للحكمة الداعية إلى التأخير وهذا يدل على صحة قدرته تعالى لا على خلاف علمه فإنه تعالى أخبر أنه قادر على تعجيل عقوبتهم، ثم لم يفعل ذلك لحكمة فصحة القدرة غير المعلوم والكافرون ينكرون التهديد بالعذاب ويضحكون به ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ أي قابل إساءتهم بما أمكن من الإحسان وتكذيبهم بالكلام الجميل وبيان الأدلة على أحسن الوجوه. قيل: هذه الآية محكمة لأن المداراة محثوث عليها ما لم تؤد إلى وهن في الدين أو نقصان في المروءة، نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ (٩٦) أي بما يصفونك به على خلاف ما أنت عليه وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (٩٧) أي وساوسهم المغرية على خلاف ما أمرت به وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨) أي من أن يحوموا حولي في حال من الأحوال، لأنهم إنما يحضرون بقصد سوء حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ وحتى متعلقة بيصفون

стр. 754

أي هي معمولة لمحذوف يدل عليه ذلك، أي يستمر كفار مكة على الوصف المذكور، حتى إذا جاء أحدهم وظهرت له أحوال الآخرة قال: رب، ردني إلى الدنيا لكي أعمل صالحا فيما قصرت في الإيمان، وفي العبادات البدنية والمالية والحقوق، وقوله: ارْجِعُونِ خطاب لله، وجمع الضمير تعظيما لله أو لتكرير قوله: «ارجعني» كأنه قال ارجعني، ارجعني، ارجعني ثلاث مرات كما قالوا في قوله: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ [ق: ٢٤] أنه بمعنى ألق، ألق، فثني الفعل للدلالة على ذلك. وقوله: رَبِّ منادى. وقيل: الخطاب للملائكة الذين يقبضون الأرواح وهم جماعة، ورب للقسم، فكأنه عند معاينة مقعده من النار وملك الموت وأعوانه قال: بحق الرب ارجعون إلى الدنيا لكي أصلح ما أفسدت، وأطيع في كل ما عصيت، ومكنوني من التدارك لعلي أتدارك فيما خلفت من المال كما قال رسول الله ﷺ : «إذا حضر الإنسان الموت جمع كل شيء كان يمنعه من حقه بين يديه فعند ذلك يقول: رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت» «١» . أي لكي أصير عند الرجعة مؤديا لحق الله تعالى فيما تركت التركة. كَلَّا أي لا يرد إلى الدنيا. وهذا كالجواب لهم في المنع مما طلبوا. روي أنه ﷺ قال لعائشة ﵂: «إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا: نرجعك إلى دار الدنيا. فيقول: إلى دار الهموم والأحزان لا بل قدوما على الله تعالى. وأما الكافر فيقال له: نرجعك فيقول: ارجعون فيقال له إلى أي شيء ترغب، إلى جمع المال، أو غرس الغراس، أو بناء البنيان، أو شق الأنهار؟ فيقول: لعلي أعمل صالحا فيما تركت. فيقول الجبار كلا» «٢» . إِنَّها أي قوله: رَبِّ ارْجِعُونِ إلى آخره كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها لا محالة لتسلط الحسرة عليه، ولكنها لا تفيده. وَمِنْ وَرائِهِمْ أي أمامهم بَرْزَخٌ أي حائل مانع لهم عن الرجوع إلى الدنيا، وهو مدة بين الموت والبعث وذلك قوله تعالى: إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠) من قبورهم فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ لقيام الساعة وهي النفخة الثانية التي يقع عندها البعث فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ أي فلا يتفاخرون بأنسابهم، ويتراحمون بها في ذلك اليوم وَلا يَتَساءَلُونَ (١٠١) عنها لاشتغال كل منهم بنفسه. قال ابن مسعود ﵁: يؤخذ العبد والأمة يوم القيامة على رؤوس الأشهاد وينادي مناد إلا أن هذا فلان، فمن له عليه حق فليأت إلى حقه فتفرح المرأة حينئذ أن يثبت لها حق على أمها أو أختها، أو أبيها، أو أخيها، أو ابنها، أو زوجها فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون. وعن قتادة: لا شيء أبغض إلى الإنسان يوم القيامة من أن يراه من يعرفه مخافة أن يثبت له عليه شيء.

стр. 755

والصور: آلة ينفخ فيه. وقال الحسن: الصور مجموع الصورة وكان يقرأ بفتح الواو. وقرأ أبو رزين بفتح الواو وكسر الصاد. والمعنى فإذا نفخ في الأجساد أرواحها فلا قرابة تنفعهم لزوال التعاطف من فرط الحيرة. وأما قوله تعالى: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ [الطور: ٢٥] فبعد ذلك. فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ أي فمن كانت له عقائد صحيحة وأعمال صالحة يكون لها قدر عند الله تعالى فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) أي الفائزون بكل مطلوب، الناجون من كل مرهوب وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ أي ومن لم يكن له قدر عنده تعالى من العقائد والأعمال وهم الكفار فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بأن صارت منازلهم من الجنان للمؤمنين فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (١٠٣) بدل من الصلة تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ أي تضربها وتأكل لحومها وتحرق جلودها وَهُمْ فِيها كالِحُونَ (١٠٤) أي متقلصو الشفتين عن الأسنان من شدة الاحتراق ويقال لهم: أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ في الدنيا تبين لكم بالدلائل الواضحة كيفية سلوك الطريق الحق فَكُنْتُمْ بِها أي بآياتي تُكَذِّبُونَ (١٠٥) فصرتم مستحقين للعذاب الأليم؟ قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا بسوء اختيارنا. وفي قراءة سبعية «شقاوتنا» بفتح الشين. وقرأ قتادة بالكسر وَكُنَّا بسبب ذلك قَوْماً ضالِّينَ (١٠٦) عن الحق رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ (١٠٧) أي يا ربنا أخرجنا من النار ومن هذه الدار إلى دار الدنيا فإن عدنا إلى الأعمال السيئة فإنا ظالمون على أنفسنا. قالَ الله لهم بلسان مالك: اخْسَؤُا فِيها أي ذلوا في النار وَلا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) بطلب الإخراج من النار وهذا آخر كلامهم في النار فلا يسمع لهم بعد ذلك إلا الزفير، والشهيق، والنباح كنباح الكلاب. وعن ابن عباس ﵄ أن لهم ست دعوات إذا دخلوا النار قالوا ألف سنة: ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا، فيجابون: حق القول مني. فينادون ألف سنة ثانية: ربنا أمتنا اثنتين، وأحييتنا اثنتين فيجابون: ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم. فينادون ألف ثالثة: يا مالك ليقض علينا ربك. فيجابون: إنكم ماكثون. فينادون ألفا رابعة: ربنا أخرجنا منها. فيجابون: أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال؟ فينادون ألفا خامسة: أخرجنا نعمل صالحا. فيجابون: أولم نعمركم؟ فينادون ألفا سادسة: رب ارجعون. فيجابون اخسئوا فيها إِنَّهُ أي الشأن. وقرأ أبيّ بفتح الهمزة أي «لأنه» ، كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ في الدنيا رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) أي أنت أرحم علينا من الوالدين فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا. وقرأ نافع وأهل المدنية، وأهل الكوفة عن عاصم بضم السين في جميع القرآن. وقرأ الباقون بالكسر هاهنا وفي ص. وقال الخليل وسيبويه. هما لغتان. وقال الكسائي والفراء: الكسر بمعنى الاستهزاء بالقول، والضم بمعنى السخرية والعبودية حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي أي طاعتي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ

стр. 756

تَضْحَكُونَ (١١٠) وذلك غاية الاستهزاء. والمعنى: اسكتوا عن الدعاء بقولكم: رَبَّنا أَخْرِجْنا ألخ لأنكم كنتم تستهزءون بالداعين بقولهم: رَبَّنا آمَنَّا ألخ وتتشاغلون باستهزائهم حتى أنساكم الاستهزاء بهم عن توحيدي وطاعتي. قال مقاتل: إن رؤساء قريش مثل أبي جهل وعتبة وأبي بن خلق كانوا يستهزئون بأصحاب رسول الله ﷺ ويضحكون بالفقراء منهم مثل: بلال، وخباب، وعمار، وصهيب. إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ (١١١) . وقرأ حمزة والكسائي «إنهم» بكسر الهمزة تعليل للجزاء. والباقون بالفتح ثاني مفعولي «جزيت» فمعنى الأول: فإنهم قد فازوا بسبب صبرهم على أذيتكم إياهم فجوزوا أحسن الجزاء. ومعنى الثاني: إنهم انتفعوا بأذيتكم إياهم بسبب صبرهم على أذيتكم فإني جزيتهم اليوم بفوزهم بمجامع مراداتهم مخصوصين به. قالَ أي الله لهم بلسان مالك توبيخا كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ أي في الدنيا التي تطلبون أن ترجعوا إليها عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) تمييز لكم. والغرض من هذا السؤال: التبكيت، لأنهم كانوا لا يعدون اللبث إلا في دار الدنيا، ويظنون أن الفناء يدوم بعد الموت، ولا إعادة، فلما حصلوا في النار وأيقنوا أنهم مخلدون فيها سألهم الله كم لبثتم في الأرض فإنهم فيها تمكنوا من العلم والعمل تذكيرا لهم بأن الذي ظنوه طويلا فهو قليل بالنسبة إلى ما أنكروه، فحينئذ تحصل لهم الحسرة على ما كانوا يعتقدونه في الدنيا من حيث أيقنوا خلافه قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ يشكون في ذلك لكثرة ما هم فيه من الأهوال، وقد اعترفوا بالنسيان حيث قالوا: فَسْئَلِ الْعادِّينَ (١١٣) أي الذين يحصون الأعمال وأوقات الحياة والممات، أو الذين يعدون أيام الدنيا وساعاتهم، فإنا قد نسيناه. وقرئ «العادين» بتخفيف الدال أي الظلمة، رؤساءنا الذين أضلونا. وقرئ «العاديين» أي القدماء المعمرين. قالَ الله لهم بلسان مالك: إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أي ما لبثتم في الدنيا إلا زمانا قليلا لو علمتم البعث فإن الدنيا قليل أيامها في مقابلة أيام الآخرة، ولكنكم لما أنكرتم ذلك كنتم تعدون الدنيا طويلا، ولو علمتم أن لبثكم في الآخرة لا نهاية له لأصلحتم أعمالكم في الدنيا، ولتقربتم بها إلى الله تعالى. وقرأ الأخوان «قل كم لبثتم؟» «قل: إن لبثتم» بالأمر في الموضعين خطاب للملك وابن كثير كالأخوين في الموضع الأول فقط. والباقون قال بالماضي في الموضعين: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً أي ألم تعلموا يا أهل مكة شيئا فحسبتم إنما خلقناكم لأجل العبث، بل لحكمة بالغة فخلقناكم بلا معنى يضركم أو ينفعكم حتى عشتم كما تعيش البهائم، فما تقربتم إلينا بالأعمال الصالحة حتى أنكرتم البعث وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (١١٥) فلولا القيامة لما تميّز المطيع من العاصي، والصديق من الزنديق. فخلقكم بغير بعث من نوع العبث، وإنما خلقناكم لنعيدكم ونجازيكم على أعمالكم.

стр. 757

وقرأ حمزة والكسائي بفتح التاء وكسر الجيم. فَتَعالَى اللَّهُ أي تبرأ الله عن العبث وعن خلو أفعاله عن المصالح والغايات الحميدة الْمَلِكُ أي المتصرف في كل شيء الْحَقُّ أي الثابت الذي لا يزول ملكه لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فإن كل ما عداه عبيده. رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) أي مالك السرير الحسن. وقرئ «الكريم» بالرفع صفة ل «رب» أي الجامع لصفات الكمال. وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وقوله: لا بُرْهانَ صفة لازمة ل «ألها» . وقوله: فَإِنَّما جواب الشرط. أي ومن يعبد إلها آخر لا حجة له بعبادته، فهو تعالى مجاز له في الآخرة بقدر ما يستحقه ويبلغ عقابه إلى حيث لا يقدر أحد على حسابه إلا الله تعالى. إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (١١٧) والجمهور على كسر همزة أنه على الاستئناف المفيد للعلة. وقرأ الحسن وقتادة بفتح الهمزة فيكون خبر حسابه، المعنى: حسابه في الآخرة عدم الفلاح. وَقُلْ يا أكرم الرسل: رَبِّ اغْفِرْ أي تجاوز عني وعن أمتي، وَارْحَمْ أمتي فلا تعذبهم وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨) أي أرحم الراحمين. وعن النبي ﷺ أنه قال: «لقد أنزلت علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة، ثم قرأ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون: ١] حتى ختم العشر» «١» . وروي: «أن أول سورة قَدْ أَفْلَحَ وآخرها: من كنوز العرش من عمل بثلاث آيات من أولها واتعظ بأربع من آخرها فقد نجا وأفلح» .

стр. 758

سورة النور مدنية، أربع وستون آية، ألف وثلاثمائة وست عشرة كلمة، خمسة آلاف وتسعمائة وثمانون حرفا سُورَةٌ قرأ العامة بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هذه الآيات الآتي ذكرها سورة. وقرأ الحسن بن عبد العزيز، وعيسى الثقفي، وعيسى الكوفي، ومجاهد، وأبو حيوة بالنصب بفعل يفسره ما بعده، أو بفعل آخر نحو «اقرءوا» أو «اتبعوا» . أَنْزَلْناها أي أعطيناها الرسول وَفَرَضْناها أي أوجبنا ما فيها من الأحكام إيجابا قطعيا. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتشديد الراء لكثرة المفروض عليهم وَأَنْزَلْنا فِيها أي في أثناء السورة آياتٍ نيطت بها الأحكام المفروضة. بَيِّناتٍ أي واضحة دلالتها على أحكامها كبراءة الصدّيقة ابنة الصدّيق لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١) أي تتذكرونها فتعلمونها. وقرأ حفص، وحمزة، والكسائي بتخفيف الذال وحذف، احدى التاءين. والباقون بالتشديد. الزَّانِيَةُ أي المرأة المطاوعة للزنا الممكنة منه، وَالزَّانِي وهما بكران فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ أي ضربة. وجملة «فاجلدوا» خبر المبتدأ، والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، إذ اللام بمعنى الموصول والتقدير. التي زنا والذي زنى وقرأ عيسى الثقفي، ويحيى بن يعمر وعمرو بن فائد، وأبو جعفر وأبو شيبة بنصب الاسمين على إضمار فعل يفسره الظاهر. وقرئ «والزان» بلا ياء وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ أي رحمة فِي دِينِ اللَّهِ أي في طاعة الله وإقامة حده فتعطلوه أو تسامحوه. وقرأ العامة «رأفة» هنا، وفي الحديد بسكون الهمزة، وابن كثير بفتحها. وقرأ ابن جرير كما روي عن ابن كثير وعاصم بمد الهمزة على وزن سحابة. إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وفي الحديث: «يؤتى بوال نقص من الحدود سوطا فيقول: رحمة لعبادك: فيقال له: أنت أرحم مني؟ فيؤمر به إلى النار. ويؤتى بمن زاد سوطا فيقول: لينتهوا عن معاصيك فيؤمر به إلى النار» . وعن أبي هريرة: إقامة حد بأرض خير من مطر أربعين ليلة. وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) . ي وليحضر ندبا حدّهما جمع يحصل به التشهير والزجر. وعن ابن عباس هم أربعة رجلا من المصدقين بالله تعالى الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً

стр. 759

وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وهذا كما قال القفال: المراد منه الأعم الأغلب وذلك لأن الفاسق الخبيث الذي من عادته الزنا والفسق لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء وإنما يرغب في فاسقه، أو في مشركة والفاسقة الخبيثة لا يرغب في نكاحها الصلحاء من الرجال، وإنما يرغب فيها الفسقة والمشركون بهذا على الأعم إلا غلب كما يقال: لا يفعل الخير إلا الرجل التقي وقد يفعل بعض الخير من ليس بتقي، فكذا هاهنا، وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣) أي إن صرف الرغبة بالكلية إلى الزواني وترك الرغبة في الصالحات محرم على المؤمنين أي الحصر المذكور وهو ان الزاني لا يرغب الا في الزانية محرم عليهم، ولا يلزم من حرمة هذا الحصر حرمة التزوج بالزانية وهذا هو المعتمد في تفسير هذه الآية. قال مجاهد وعطاء بن أبي رباح وقتادة: قدم المهاجرون المدينة وفيهم فقراء، ليس لهم أموال ولا عشائر، وبالمدينة نساء بغايا يكرين أنفسهن، وهن يومئذ أخصب أهل المدينة، ولكل واحدة منهن علامة على بابها كعلامة البيطار ليعرف أنها زانية وكان لا يدخل عليها إلا زان أو مشرك فرغب في كسبهن ناس من فقراء المهاجرين. وقالوا: نتزوج بهن إلى أن يغنينا الله عنهن فاستأذنوا رسول الله ﷺ فنزلت هذه الآية، فتقدير الآية: أولئك الزناة لا ينكحون الا تلك الزواني، وتلك الزواني لا ينكحهن إلا أولئك الزناة. وحرم نكاحهن بأعيانهن على المؤمنين، فالألف واللام في قوله: الزَّانِي وفي قوله: الْمُؤْمِنِينَ وإن كانت للعموم ظاهرا لكنه هاهنا مخصوص بالأقوام الذين نزلت في حقهم هذه الآية. ودليل جواز نكاح الزانية ما روي عن جابر أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن امرأتي لا تمنع يد لامس. قال: «طلقها» . قال: فإني أحبها وهي جميلة. قال: «استمتع بها» «١» ، وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ أي يقذفون الحرائر المسلمات المكلفات العفائف بالزنا ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا إلى الحكام بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ ذكور يشهدون على صحة ما رموهن به فَاجْلِدُوهُمْ أيها الحكام ثَمانِينَ جَلْدَةً لظهور كذبهم بعجزهم عن الإتيان بالشهداء وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أي لا تقبلوا منهم شهادة من الشهادات حال كونها حاصلة لهم عند الرمي أَبَداً أي مدة حياتهم وإن تابوا وأصلحوا، لأن رد الشهادة منهم تتمة للحد لما فيه من معنى الزجر، لأنه مؤلم للقلب كما ان الجلد مؤلم للبدن، فإن القاذف قد آذى المقذوف بلسانه فعوقب بإهدار منافعه وفائدة قوله تعالى لهم تخصيص الرد بشهادتهم الناشئة عن أهليتهم الثابتة لهم عند الرمي، وهو السر في قبول شهادة الكافر المحدود في القذف بعد التوبة والإسلام، لأنها ليست ناشئة عن أهليته السابقة بل عن أهلية حدثت له بعد إسلامه فلا يتناولها الرد وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) أي المحكوم عليهم بالفسق إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي من بعد اقترافهم ذلك

стр. 760

الذنب العظيم وَأَصْلَحُوا أعمالهم بعد التوبة فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) فحينئذ لا ينظمهم في سلك الفاسقين، ومحل المستثنى نصب، لأنه من مثبت وهو راجع إلى الفسق فقط كما قال أبو حنيفة: إن الفاسق لا تقبل شهادته وإن تاب أو هذا الاستثناء راجع إلى رد الشهادة وإلى الفسق كما هو مذهب مالك والشافعي، وكما يروى ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وجمع من الصحابة، فمحل المستثنى حينئذ الجر على البدلية من الضمير في «لهم» ، فعند الشافعي: أن التائب تقبل شهادته ويزول فسقه، ومعنى الأبد عنده مدة كونه قاذفا فتنتهي بالتوبة. قال الشافعي: التوبة من القذف إكذابه نفسه، كما روي عن عمر بن الخطاب أنه ضرب الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة، وهم أبو بكرة ونافع ونفيع، ثم قال لهم: من أكذب نفسه قبلت شهادته ومن لا يفعل لم أجز شهادته فأكذب نافع ونفيع وتابا وكان عمر يقبل شهادتهما، وأما أبو بكرة فكان لا يقبل شهادته، وما أنكر على عمر أحد من الصحابة، واتفق الأئمة الأربعة على عدم رجوع الاستثناء إلى قوله تعالى: فَاجْلِدُوهُمْ فالقاذف يجلد عند الجميع سواء تاب أو لم يتب وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ بالزنا وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ بدل من شهداء أو صفة لها على أن الا بمعنى غير، أو وجدت البينة ولكن لم يريدوا إظهارها فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) . وقرأ حفص وحمزة والكسائي برفع أربع خبر لشهادة وبالله متعلق بشهادات، والباقون بنصب «أربع» على أنه مفعول مطلق والعامل فيه شهادة وهو خبر لمبتدأ محذوف، أي فالواجب شهادة، أو مبتدأ محذوف الخبر أي فشهادة كل واحد منهم واجبة وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧) فيما رماها به من الزنا. وقرأ نافع بسكون نون «أن» ، ورفع لعنة. والباقون بتشديد النون ونصب «لعنة» وهو خبر، و «الخامسة» أو بدل منها أو على تقدير حرف الجر أي بأن لعنة الله، ويجوز أن تكون الخامسة معطوفا على المبتدأ، فالخبر المحذوف خبر عن المعطوف والمعطوف عليه وجملة و «الخامسة أن لعنة الله» إلخ معترضة بين المبتدأ وخبره المحذوف. وقرئ و «الخامسة» بالنصب على معنى: ويشهد الخامسة كما قاله الرازي: وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أي يدفع عن المقذوفة حد الزنا الذي ثبت بيمين القاذف أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) فيما رماها به من الزنا وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ أي زوجها مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) فيما قال عليها. وقرأ حفص و «الخامسة» بالنصب، أي وتشهد الشهادة الخامسة وما بعدها بدل منها أو على تقدير حرف الجر والباقون بالرفع وما بعدها خبرها. وقرأ نافع «أن» بالسكون و «غضب الله» بكسر الضاد، وضم الجلالة على أنه فعل وفاعل، والباقون بتشديد «أن» ، وقرئ غضب بالرفع مع تخفيف «أن» . روي أن هلال بن أمية قذف امرأته بالزنا عند النبي ﷺ بشريك بن سمحاء فقال ﷺ : «إما

стр. 761

البينة وإما إقامة الحد عليك» . فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل عليه والذين يرمون أزواجهم حتى بلغ إن كان من الصادقين فلما سرى عنه قال ﷺ : «أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجا» . قال: قد كنت أرجو ذلك من الله تعالى فقرأ عليهم هذه الآيات فقال ﷺ : «ادعوها» فدعيت، فكذبت هلال، فقال ﷺ : «الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟» وأمر بالملاعنة، فشهد هلال أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين فقال ﷺ عند الخامسة: «اتق الله يا هلال فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة» فقال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني رسول الله ﷺ وشهد الخامسة ثم قال رسول الله ﷺ : «أتشهدين؟» فشهدت أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين فلما أخذت في الخامسة قال لها: «اتقي الله فإن الخامسة هي الموجبة» ، فتفكرت ساعة وهمّت بالاعتراف، ثم قالت: «والله لا أفضح قومي وشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ففرق رسول الله ﷺ بينهما ثم قال: «انظروها فإن جاءت به أثيبج أصهب أحمش الساقين، فهو لهلال وإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين فهو لشريك بن سمحاء» «١» ، فجاءت به كذلك وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠) لكان ما كان أي لو لم يشرع الله لهم اللعان لوجب على الزوج حد القذف مع أن الظاهر أنه لا يفترى عليها لاشتراكهما في الفضيحة، ولأنه أعرف بحال زوجته، وإنما أوجب الله لهم أربعة شهداء للستر على من اقترف الكبائر وبعد ما شرع لهم ذلك لو جعل أيمانه موجبة لحد الزنا عليها لفات النظر لها، ولو جعل أيمانها موجبة لحد القذف عليه لفات النظر له فجعل أيمان كل منهما دارئة للغائلة الدنيوية مع كذب أحدهما حتما، وفي ذلك آثار التفضل والرحمة، أما على الصادق فظاهر، وأما على الكاذب فهو إمهاله في الدنيا بدرء الحد عنه لعله يتوب في الدنيا فغفر له. وكما ستر الله عليهم في الدنيا ولم يفضحهم بإظهار صدقهم وكذبهم وأجلهم بالعقوبة إلى الآخرة لدرك التوبة في الدنيا، كذلك جعل سنة اللعان باقية بين المسلمين لتكون الحكمة باقية بينهم سبحانه ما أعظم شأنه وأوسع رحمته وأدق حكمته، إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ أي بأبلغ الكذب عُصْبَةٌ مِنْكُمْ أي جماعة من المؤمنين وهم زيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وعباد بن المطلب، وحمنة بنت جحش، وهي زوجة طلحة بن عبيد الله. و «عصبة» خبر «إن» وهي من العشرة إلى الأربعين لا تَحْسَبُوهُ الإفك شَرًّا لَكُمْ والخطاب للنبي ﷺ وأبي بكر وعائشة وصفوان بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لاكتسابكم به الثواب العظيم، وظهور كرامتكم على الله تعالى بإنزال ثماني عشرة آية في براءتكم، وتعظيم شأنكم، فإن قصة الإفك كانت في حق النبي ﷺ ، وفي حق عائشة وأبويها، وفي حق جميع الصحابة امتحانا لهم

стр. 762

وتهذيبا فإن البلاء للأولياء كاللهب للذهب كما قال ﷺ : «إن أشد الناس بلاء: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل» «١» . وقال ﷺ : «يبتلى الرجل على قدر دينه» «٢» . أي وذلك لأن الله غيور على قلوب خواص عباده المحبوبين فإذا حصلت مساكنة بعضهم إلى بعض أجرى الله تعالى ما يرد كل واحد منهم عن صاحبه، ويرده إلى حضرته، وأن النبي ﷺ لما قيل له: أيّ الناس أحب إليك؟ قال: «عائشة» فساكنها «٣» وقال: «يا عائشة حبك في قلبي كالعقدة» وفي بعض الأخبار أن عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله إني أحبك وأحب قربك اه. فأجرى الله تعالى حديث أهل الإفك حتى رد الله رسوله عن عائشة إلى الله تعالى بانحلال عقدة حبها عن قلبه، ورد عائشة عنه ﷺ إلى الله تعالى حتى قالت لما ظهرت براءة ساحتها: بحمد الله لا بحمدك. وقصة الإفك: إن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج اسمها خرج بها معه، فأقرع بيننا في غزوة قبل غزوة بني المصطلق، فخرج فيها اسمي، فخرجت معه ﷺ وذلك بعد نزول آية الحجاب، فحملت في هودج، فسرنا حتى إذا رجعنا وقربنا من المدينة نزلنا منزلا ثم نودي بالرحيل، فقمت ومشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي، فلمست صدري فإذا عقدي من جزع أظفار قد انقطع، فرجعت والتمسته، وحبسني طلبه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي، فحملوا هودجي، فظنوا أني في الهودج، وذهبوا بالبعير، ووجدت عقدي فلما رجعت لم أجد في المكان أحدا فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي من وراء الجيش فلما رآني عرفني، فاستيقظت باسترجاعه فخمرت، وجهي بجلبابي وو الله ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، فنزل حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها، فقمت إليها، فركبتها، ثم قاد البعير حتى أتينا الجيش فتفقّدني الناس حين نزلوا وماجوا في ذكري فبينا الناس كذلك إذ هجمت عليها فخاض الناس في حديثي، والذي بدأ بالإفك وأذاعه بين الناس عبد الله بن أبيّ فقدمنا المدينة، فلحقني وجع ولم أر من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أعرفه منه حين أشتكي، إنما يدخل فيسلم، ثم يقول: «كيف تيكم؟» ثم ينصرف فلا أشعر بما جرى من الإفك حتى نقهت، فخرجت في بعض الليالي مع أم مسطح جهة المناصع، وكان متبرزنا ثم أقبلت أنا وهي قبل بيتي فعثرت، أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح. فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلا شهد بدرا؟! فقالت: أو ما بلغك الخبر؟ فقلت:

стр. 763

وما هو؟ فقالت: أشهد أنك من المؤمنات الغافلات، ثم أخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا على مرضي، ثم دخل علي رسول الله ﷺ . وقال: «كيف تيكم؟» فقلت له: ائذن لي أن آتي أبوي، فأذن لي فأتيت أبوي فقلت لأمي: يا أماه ماذا يتحدث الناس؟ فقالت: يا بنية هوني عليك فو الله ما كانت امرأة وصيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها، ثم قالت: ألم تكوني علمت ما قيل فيك حتى الآن، فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت، فدخل علي أبي وأنا أبكي فقال لأمي: ما يبكيها قالت: لم تكن علمت ما قيل فيها حتى الآن. فأقبل يبكي، ثم قال: اسكتي يا بنية فمكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي، فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ دخل علينا رسول الله ﷺ ، فسلم، ثم جلس ولم يجلس عندي منذ قيل فيّ ما قيل، ثم قال: «أما بعد، يا عائشة بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت برئية فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب تاب الله عليه» . قالت: فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته فاض دمعي، ثم قلت لأبي أجب عني رسول الله. فقال: والله ما أدري ما أقول، فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله فقالت: والله ما أدري ما أقول فقلت والله لقد علمت أنكم قد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به فإن قلت لكم: إني بريئة لا تصدقوني، وإن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة منه لتصدقوني، والله لا أجد لي ولكم مثلا إلّا ما قال العبد الصالح أبو يوسف، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون، ثم تحولت واضطجعت على فراشي، والله أنا أعلم أن الله يبرئني، وكنت أرجو أن يرى رسول الله في النوم رؤيا يبرئني الله بها. قالت: فو الله ما قام رسول الله من مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله الوحي على نبيه، فو الله ما سرى عن رسول الله ﷺ حتى ظننت أن نفس أبوي ستخرجان فرقا من أن يأتي الله بتحقيق ما قال الناس. فلما سرى عنه وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها، أن قال: «أبشري يا عائشة قد برأك الله» «١» فقلت بحمد الله لا بحمدك، ولا بحمد أصحابك. فقالت: أمي قومي إليه. فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد أحدا إلا الله الذي أنزل براءتي قالت: ولما نزل عذري قام رسول الله ﷺ على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن، فلما نزل ضرب الحد على عبد الله بن أبي ومسطح، وحمنة، وحسان لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أي على كل امرئ من أولئك العصبة مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ أي جزاؤه فقدر العقاب يكون مثل قدر الخوض في الإثم، وصار حسان أعمى أشل اليدين في آخر عمره، ومسطح بن أثاثة وابن خالة أبي بكر الصديق، مكفوف البصر وجلدت معهما امرأة من قريش وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ أي الذي تحمل أكثر الإفك من

стр. 764

أولئك العصبة فابتدأ به ورغب في إشاعته وهو عبد الله بن أبي لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١) في الآخرة بالنار وفي الدنيا بالحد، وبالطرد، وبأنه مشهور عليه بالنفاق لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) أي هلا ظننتم بأمثالكم من المؤمنين الذين هم كأنفسكم خيرا حين سمعتم الإفك، ولم لم تقولوا حينئذ هذا إفك ظاهر؟ فكيف بالصدّيقة ابنة الصدّيق، أم المؤمنين، حرمة رسول الله ﷺ ! كما روي أن أبا أيوب الأنصاري قال لأم أيوب: ألا ترين ما يقال؟ فقالت: لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرم رسول الله ﷺ سوءا قال: لا، قالت: ولو كنت أنا بدل عائشة ما خنت رسول الله ﷺ ، فعائشة خير مني وصفوان خير منك لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ أي هلا أتوا على ما قالوا بأربعة شهداء عاينوا الزنا فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٣) أي فحين لم يقيموا بينة على ما قالوا فأولئك الخائضون في حكمه تعالى، هم الكاملون في الكذب وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٤) أي ولولا فضل الله عليكم أيها السامعون والمستمعون ورحمته في الدنيا بالإمهال للتوبة، وفي الآخرة بالمغفرة بعد التوبة لأصابكم عاجلا بسبب حديث الإفك الذي خضتم فيه عذاب عظيم. إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ أي وقت أخذكم حديث الإفك من المخترعين حتى اشتهر بسبب إفاضتكم وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ أي تقولون بأفواهكم كلاما ليس تفسيرا عن علم في قلوبكم. وَتَحْسَبُونَهُ أي حديث الإفك هَيِّناً أي ذنبا صغيرا أو لا إثم فيه حيث سكتم عن إنكاره، وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ أي والحال أن حديث الإفك عنده تعالى عَظِيمٌ (١٥) في الوزر واستجرار العذاب وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا أي وهلا قلتم تكذيبا للمخترعين والمشيعين حين سمعتم حديث الإفك ما يليق لنا أن نتكلم بهذا القول، وأن يصدر عنا ذلك بوجه من الوجوه سُبْحانَكَ أي أتعجب ممن تفوه بهذا الكلام فإنه أمر عظيم وأنزه الله تعالى عن أن تكون زوجة نبيه فاجرة، هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (١٦) أي كذب عظيم عند الله تعالى لعظمة المتقول عليه ولاستحالة صدق هذا القول يَعِظُكُمُ اللَّهُ بهذه المواعظ التي تعرفون بها عظم هذا الذنب، كراهة أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً أي مدة حياتكم إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) فإن الإيمان وازع عنه. وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ أي لأجلكم الآيات الدالة على محاسن الآداب دلالة واضحة لتتأدبوا بها، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بجميع أحوال عباده، حَكِيمٌ (١٨) في جميع تدابيره وأفعاله. إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا أي إن الذين يريدون انتشار الخصلة المفرطة في القبح فيما بين الناس، فالجار متعلق بتشيع أو متعلق بمضمر هو حال من الفاحشة، أي إن العصبة الذين يقصدون شيوع الفاحشة كائنة في حق المؤمنين عائشة وصفوان. لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا من الحد واللعن والعداوة من الله والمؤمنين. ولقد ضرب رسول الله ﷺ عبد الله بن أبيّ، فظهر كفره بعد أن كتمه، وضرب رسول الله ﷺ حسانا ومسطحا حد القذف، وقعد صفوان

стр. 765

لحسان، فضربه ضربة بالسيف فكف بصره. وَالْآخِرَةِ من عذاب القبر وعذاب النار، ومما يعلمه الله تعالى، فالحدود جوابر للذنب المحدود به، كالقذف. وأما ذنب الأقدام فلا يكفره إلا التوبة وعذاب الآخرة لعبد الله بن أبيّ خاصة، وَاللَّهُ يَعْلَمُ جميع الأمور، ومن جملتها محبة ظهور الفاحشة وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (١٩) ما يعلمه الله تعالى، لأن محبة القلب كامنة، فالله تعالى لا يخفى عليه شيء وإن بالغ العبد في إخفاء تلك المحبة فهو يعلم ذلك منه، ويعلم قدر الجزاء منه، أما نحن فلا نعلم محبة القلب إلا بالأمارات وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ بكم وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (٢٠) لهلكتم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ أي لا تتبعوا آثار الشيطان ولا تسلكوا مسالكه في الإصغاء إلى الإفك وإشاعة الفاحشة في المؤمنين وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ أي ومن يتبع طرق تزيين الشيطان فقد فعل القبيح، وما لا يعرف في شريعة، ولا في سنة، لأن عادته يأمر بهما. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ بالتوفيق للتوبة الماحصة للذنوب، وبشرع الحدود المكفّرة لها، ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً أي ما طهر أحد منكم من دنس الذنوب إلى آخر الدهر. فإن العصبة قد تابوا وطهروا غير عبد الله بن أبي فإنه استمر على الشقاوة حتى مات. وقرأ يعقوب وابن محيصن «ما زكّى» بتشديد الكاف أي ما طهر الله تعالى أحدا من أولئك العصبة من تلك الذنوب أبدا وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ أي يطهره من الذنوب بحمله على التوبة وبقبولها، وَاللَّهُ سَمِيعٌ لما أظهروه من التوبة، ولأقوالكم في القذف، وفي إثبات البراءة لعائشة، عَلِيمٌ (٢١) بإخلاصكم في التوبة وبمحبة إشاعة الفاحشة وبكراهيتها. وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي ولا يقصر أولو الفضل في الدين والسعة في المال في أن يحسنوا إليهم- كذا قاله أبو مسلم، كما يروى عن أبي عبيدة- والمعنى عند أكثر المفسرين: ولا يحلف أولو الفضل منكم في الدين والبذل، والغنى بالمال على أن لا ينفقوا عليهم وعلى أن لا يعطوهم. وقرأ الحسن «ولا يتأل» ، وَلْيَعْفُوا أي وليتجاوزوا عن الخائضين في الإفك بالظاهر، وَلْيَصْفَحُوا أي ليعرضوا عن لومهم بالقلب بأن يتناسوا جرمهم. وقرئ الأفعال الثلاثة بتاء الخطاب. أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ بمقابلة عفوكم وصفحكم وإحسانكم إلى من أساء إليكم وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢) . قال المفسرون: نزلت هذه الآية في أبي بكر حيث حلف أن لا ينفق على مسطح- وهو ابن خالته- وكان من فقراء المهاجرين وقد كان يتيما في حجره، وكان ينفق عليه، وأن لا ينفق على ذوي قرابته لما خاضوا في أمر عائشة، فلما نزلت الآيات التي أبرأت عائشة من الإفك قال لهم أبو بكر: قوموا فلستم مني ولست منكم، ولا يدخلن أحد منكم علي. فقال مسطح: ننشدك الله والإسلام والقرابة أن لا تحوجنا إلى أحد، فما كان لنا في أول الأمر من ذنب وإنما كنت أغشى

стр. 766

مجلس حسان، وأسمع ولا أقول. فقال لمسطح: إن لم تتكلم فقد ضحكت وشاركت فيما قيل فقال: قد كان ذلك تعجبا من قول حسان، فلم يقبل عذره وقال: انطلقوا أيها القوم فإن الله لم يجعل لكم عذرا ولا فرجا فخرجوا لا يدرون أين يذهبون، وأين يتوجهون من الأرض. وبعض الصحابة أقسموا أن لا يتصدقوا على من تكلم بشيء من الإفك فبعث رسول الله ﷺ إلى أبي بكر، وقرأ عليه الآية، فلما وصل إلى قوله: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ» قال: بلى يا رب، إني أحب أن تغفر لي، فذهب أبو بكر إلى بيته، وأرسل إلى مسطح وأصحابه وقال: قبلت ما أنزل الله تعالى على الرأس والعين، وإنما فعلت بكم ما فعلت إذ سخط الله عليكم أما إذ عفا عنكم فمرحبا بكم، فرجع إلى مسطح نفقته، وحلف أن لا ينزعها منه أبدا وألطف بقرابته وأحسن إليهم وهذا من أعظم أنواع المجاهدات، فإن مجاهدة النفس أشد من مجاهدة الكفار. إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ أي العفائف من الفاحشة الْغافِلاتِ أي النقيات القلوب الْمُؤْمِناتِ أي المتصفات بالإيمان بكل ما يجب أن يؤمن به من الواجبات والمحظورات وغيرها إيمانا حقيقيا تفصيليا وهن أزواج رسول الله ﷺ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أي عذبوا في الدنيا بالحد وفي الآخرة بالنار وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٢٣) وهو عذاب الكفر، فإن كان القذفة مؤمنين فذلك الإبعاد عن الثناء الحسن على ألسنة المؤمنين، وهجرهم لهم، وزوالهم عن رتبة العدالة، وضرب الحد. يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) فإن الله تعالى ينطقها بقدرته فتخبر كل جارحة منها بما صدر عنها من أفاعيل صاحبها، يَوْمَئِذٍ أي يوم إذ تشهد جوارحهم بأعمالهم القبيحة يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ أي يعطيهم الله جزاء عملهم المقطوع بحصوله لهم، وَيَعْلَمُونَ عند معاينتهم الأهوال أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥) أي الثابت في ذاته وصفاته، وكلماته المنبئة عن الشؤون التي يشاهدونها، المظهر للأشياء كما هي في أنفسها، الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ أي النساء الخبيثات مختصات بالرجال الخبيثين. وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ أي والخبيثون لائقون بالنساء الخبيثات ويقال: المقالات الخبيثة من القذف مختصة بالخبيثين من أهل الإفك من الرجال والنساء. ويقال: المقالات الخبيثة من اللعن والذم ونحو ذلك مختصة بهم وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أي والنساء الطيبات للرجال الطيبين وبالعكس. أو المعنى: والكلمات الطيبات من قول منكري الإفك للطيبين من الرجال والنساء. ويقال: والطيبون من الفريقين لائقون بالكلمات الحسنة، وحيث كان رسول الله ﷺ أطيب الطيبين وأفضل الأولين والآخرين، تبين كون زوجاته أطيب الطيبات بالضرورة. أُولئِكَ أي أهل البيت مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ أي مما يقول الخبيثون من خبيثات الكلمات. فالله تعالى برأ أزواج النبي ﷺ من الأكاذيب الباطلة لكيلا يقدح فيهن أحد كما أقدموا على عائشة، ونزه رسول الله ﷺ عن أمثال هذا الأمر، فلا أحد أطهر منه فأزواجه إذا لا يجوز أن يكنّ إلا طيبات. لَهُمْ مَغْفِرَةٌ أي براءة من الله وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)

стр. 767

في الآخرة. وهذه الجملة خبر ثان لأولئك ويجوز أن يكون لهم خبر أولئك ومغفرة فاعله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ أي التي تسكنونها حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا أي تستكشفوا الحال هل يراد دخولكم أم لا؟ وحتى يؤذن لكم، وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها عند الاستئذان. روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن التسليم أن يقال السلام عليكم أأدخل؟ ثلاث مرات، فإن أذن له دخل وإلا رجع» . ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ أي التسليم مع الاستئناس خير لكم من تحية الجاهلية والدمور، وهو الدخول بغير إذن وفي الحديث: «من سبقت عينه استئذانه فقد دمر» . لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) أي أمرتم بهذا التأديب لكي تتذكروا به وتعملوا به. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص بتخفيف الذال. والباقون بالتشديد، وسبب نزول هذه الآية أن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد، لا والد ولا ولد، فيأتي الأب فيدخل علي وإنه لا يزال يدخل علي رجل من أهلي، وأنا على تلك الحال. فنزلت هذه الآية. فقال أبو بكر: يا رسول الله أفرأيت الخانات والمساكن في طرق الشام ليس فيها ساكن أفلا ندخلها إلا بإذن؟! فأنزل الله: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ [النور: ٢٩] الآية فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أي البيوت أَحَداً ممن يملك الإذن فَلا تَدْخُلُوها، واصبروا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ من جهة من يملك الإذن عند إتيانه، واستثنى ما إذا عرض فيه حرق أو غرق، أو كان فيه منكر ونحوه، وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا أي إن أمرتم من جهة أهل البيت بالرجوع، فارجعوا سواء كان الأمر ممن يملك الإذن أو لا، ولا تلحوا بتكرير الاستئذان، ولا تلجوا بالإصرار على الانتظار إلى أن يأتي الإذن هُوَ أي الرجوع أَزْكى لَكُمْ أي أصلح لكم من الوقوف على أبواب الناس، لأنه قد يكرهه صاحب الدار. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ من الدخول بإذن وبغيره عَلِيمٌ (٢٨) فيجازيكم عليه. لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أي إثم أَنْ تَدْخُلُوا بغير استئذان بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ كالربط والخانات والحوانيت، والحمامات ونحوها، فإنها معدة لمصالح الناس فِيها مَتاعٌ لَكُمْ أي حق انتفاع لكم كالاستكنان من الحر والبرد، وإيواء الأمتعة والشراء والبيع، والاغتسال وغير ذلك وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٢٩) من قصد صلاح، أو فساد، أو اطلاع على عورات في دخول هذه المواضع. قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ. ومقول القول أمر قد حذف لدلالة جوابه عليه، أي قل لهم: أن يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ أي يكفوا أبصارهم عن الحرام. «من» زائدة أو للتبعيض، لأن الغالب أن الاحتراز عن النظرة الأولى لا يمكن، فوقع قصد أو لم يقصدوه، ولا يجوز أن يكرر النظر إلى الأجنبية لقوله ﷺ : «يا علي، لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة» «١» . وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ عن الحرام ذلِكَ أي غض البصر عن

стр. 768

عمله وحفظ الفرج أَزْكى لَهُمْ أي أبعد لهم عن دنس الريبة، وأصلح من كل شيء نافع. إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (٣٠) من إجالة النظر وتحريك الجوارح للحظوظ وللحقوق. وقدم الأمر بمنع البصر على الأمر بحفظ الفرج، لأن النظر بريد الزنا ورائد الفجور والبلوى فيه أكثر. وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ فلا ينظرن إلى ما لا يحل لهن النظر إليه وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ بالتّصون عن الزنا، وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ وهي ثلاثة أمور: أحدها: الثياب. وثانيها: الحلي كالخاتم والسوار والخلخال، والدملج، والقلادة، والإكليل، والوشاح، والقرط. وثالثها: الأصباغ كالكحل والخضاب بالوسمة في حاجبيها، والغمزة في خديها، والحناء في كفيها وقدميها. إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها عند مزاولة الأمور التي لا بد منها عادة كالخاتم والكحل، والخضاب في اليدين، والغمزة، والثياب. والسبب في تجويز النظر إليها إن في سترها حرجا بينا، لأن المرأة لا بد لها من مناولة الأشياء بيديها والحاجة إلى كشف وجهها في الشهادة، والمحاكمة والنكاح، وفي ذلك مبالغة في النهي عن إبداء مواضعها كما لا يخفى. وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ أي وليرخين قناعهن على صدورهن. وقد كانت النساء على عادة الجاهلية يسدلن خمرهن من خلفهن، فتظهر نحورهن وقلائدهن من جيوبهن، فأمرن بإرسال مقانعهن على الجيوب ليتغطى بذلك أعناقهن ونحورهن. وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ الخفية المنهية عن إبدائها للأجانب إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ فإنهن المقصودون بالزينة، ولهم أن ينظروا إلى جميع بدنهن حتى الموضع المعهود، ولكنه يكره نظره أَوْ آبائِهِنَّ وإن علون من جهة الذكران والإناث، أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ في النسب أو اللبن أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ من غيرهن وإن سفلوا، أَوْ إِخْوانِهِنَّ في النسب أو اللبن أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ كذلك، لكثرة المخالطة الضرورية بينهم وبينهن فلهم أن ينظروا منهن ما يبدو عند الخدمة، وعدم ذكر الأعمام والأخوال لما أن الأحوط أن يتسترن عنهم حذرا من أن يصفوهن لأبنائهن، أَوْ نِسائِهِنَّ المختصة بهن من جهة الاشتراك في الحدين وهي حرائر المؤمنات أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ من الإماء دون العبيد فإنهم بمنزلة الأجانب من ساداتهم. وقيل: من الإماء والعبيد فيجوز لهن أن يكشفن لهم ما عدا ما بين السرة والركبة، وينظروا له وكذا العكس وذلك بشرط العفة، وعدم الشهوة من الجانبين أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أي الذين يتبعون الناس لينالوا من فضل طعامهم ولا حاجة لهم إلى النساء، لأنهم بله لا يعرفون شيئا من أمورهن. أو شيوخ صلحائهم قد ذهبت شهوتهم إذا كانوا معهن، غضوا أبصارهم، أو الممسوحون وهم ذاهبوا الذكر والأنثيين. وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر «غير» بالنصب على الاستثناء والحال. أَوِ

стр. 769

الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ أي الطفل الذين لم يتصوروا عورات النساء، ولم يدروا ما هي لعدم تمييزهم- كما قاله ابن قتيبة- أو الذين لم يبلغوا أن يطيقوا إتيان النساء- كما قاله الفراء والزجاج- فيجوز أن يبدين للتابعين والأطفال ما عدا ما بين السرة والركبة. وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ أي لا يضربن الأرض بأرجلهن ليتقعقع خلخالهن فيعلم أنهن ذوات خلخال، ومن فعل ذلك منهن بحليهن فهو مكروه، ومن فعل ذلك منهن تبرجا للرجال فهو حرام مذموم. وكذلك من ضرب بنعله الأرض من الرجال إن فعل ذلك عجبا حرم، فإن العجب كبيرة وإن فعل ذلك تبرجا لم يحرم. وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) أي توبوا من نوع تفريط في إقامة مواجب التكاليف كما ينبغي. وقال ابن عباس ﵄: توبوا مما كنتم تفعلونه في الجاهلية لعلكم تسعدون في الدنيا والآخرة، أي فإنه وإن جب بالإسلام لكن يجب الندم عليه، والعزم على تركه كلما خطر بباله كما قال بعض العلماء: من أذنب ذنبا ثم تاب عنه لزمه كلما ذكره أن يجدد التوبة، لأنه يلزم أن يستمر على ندمه إلى أن يلقى ربه. وقرأ ابن عامر هنا، وفي «الزخرف» ، وفي «الرحمن» بضم الهاء وصلا، ووجهه أن الهاء كانت مفتوحة لوقوعها قبل الألف فلما سقطت الألف لالتقاء الساكنين استثقلت الفتحة على حرف خفي، فضمت الهاء اتباعا للرسم واتباعا لحركة ما قبلها، وقد رسمت هذه الثلاثة دون ألف، فوقف أبو عمرو والكسائي بألف. والباقون بدونها ابتاعا للرسم، فالرسم سنة متبعة. وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ أي زوجوا أيها الأولياء والسادات من لا زوج له من الأحرار والحرائر وَالصَّالِحِينَ لأمر النكاح مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ ليحصن دينهم وهم الذين تنزلونهم منزلة الأولاد في المودة، وفي بذل المال والمنافع، وعدم اعتبار الصلاح في الأحرار والحرائر، لأن الغالب فيهم الصلاح لمساعدة الأولياء لهم، ولأنهم مستقلون في التصرفات المتعلقة بأنفسهم وأموالهم إِنْ يَكُونُوا أي الأحرار فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، أي لا تنظروا إلى فقراء أحد الجانبين، الخاطب والمخطوبة، ففي فضل الله ما يغني عن المال، فإنه غاد ورائح، يرزق من يشاء من حيث لا يحتسب، وَاللَّهُ واسِعٌ أي ذو سعة لخلقه، عَلِيمٌ (٣٢) بمقادير ما يصلحهم من الرزق، يبسطه لمن يشاء ويضيق وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً أي وليجتهد في قمع الشهوة من لا يتمكنون من الوصول إلى النكاح حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أي فمن لا يتمكن من المال فليطلب العفة عن الحرام ولينتظر أن يوصله الله إلى بغيته من النكاح وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أي والذين يطلبون المكاتبة من عبيدكم وإمائكم ليصيروا أحرارا فَكاتِبُوهُمْ أي فصيروهم أحرارا بعقد الكتابة، والاسم الموصول منصوب بفعل مقدر يفسره المذكور. إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً أي وفاء بأداء مال الكتابة، وصلاحا لا يؤذي الناس بعد العتق.

стр. 770

وهذا لندب الكتابة وليس لشرط الصحة. وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ أي حطوا أيها السادة عن المكاتبين جزءا من مال الكتابة، أو ادفعوا إليهم جزءا مما أخذ منهم. وذلك للندب عند مالك وأبي حنيفة، وللوجوب عند الشافعي. وقيل: هو أمر بإعطاء سهمهم من الزكوات، فالأمر للوجوب حتما. وقيل: هو أمر ندب لعامة المسلمين بإعانة المكاتبين بالتصدق عليهم. وروي أن غلاما لحويطب بن عبد العزى يقال له: صبيح سأله أن يكاتبه فأبى عليه، فنزلت هذه الآية فكاتبه على مائة دينار ووهب له منها عشرين دينارا وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ أي ولا تجبروا إماءكم على الزنا إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً أي تعففا عن الزنا، فالتقييد بهذا الشرط لأجل تحقق الإكراه المنهي عنه، لأنه لا يتحقق إلا عند إرادة التحصن. أما عند ميلهن للزنا فهو باختيارهن فلا يتصور الإكراه حينئذ. وفائدة الشرط بالمبالغة في النهي عن الإكراه أي إنهن إن أردن العفة فالسيد أحق بإرادتها وفي ذلك إشارة على أن السادة إكراههن على النكاح فليس للأمة أن تمتنع على السيد إذا زوجها لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي لتطلبوا بالإكراه الأمول بكسبهن وأولادهن وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ على الزنا فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) لهن لأنهن آثمات لأن الزنا لا يباح بإكراه. روي أنه كان لعبد الله بن أبيّ رئيس المنافقين ست جوار معاذة، ومسيكة، وأميمة وعمرة، وأروى، وقتيلة يكرههن على البغاء وضرب عليهن ضرائب، فشكت ثنتان منهن إلى رسول الله ﷺ ، فنزلت هذه الآية وقيل: إن عبد بن أبي أسر رجلا فراود الأسير جارية عبد الله وكانت الجارية مسلمة، فامتنعت لإسلامها وأكرهها ابن أبي على ذلك رجاء أن تحمل من الأسير فيطلب فداء ولده فنزلت هذه الآية: وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ. قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي بكسر الياء أي مبينات لكل ما بكم حاجة إلى بيانه من الحدود، وسائر الأحكام والآداب وغير ذلك. والباقون بفتحها، أي موضحات في هذه السورة من معاني الأحكام والحدود وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ أي وأنزلنا مثلا كائنا من نوع أمثال الذين مضوا من قبلكم من القصص العجيبة، والأمثال المضروبة لهم في الكتب السابقة، والكلمة الجارية على ألسنة الأنبياء ﵈، فتنتظم قصة عائشة لقصة يوسف وقصة مريم، وسائر الأمثال الواردة في السورة الكريمة انتظاما واضحا ولقد برأ الله تعالى أربعة بأربعة: برأ يوسف بلسان الشاهد، وبرأ موسى من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه، وبرأ مريم بإنطاق ولدها، وبرأ عائشة بتلك الآيات العظام. وَمَوْعِظَةً تنزجرون عما لا ينبغي من المحرمات والمكروهات، وسائر ما يخل بمحاسن الآداب لِلْمُتَّقِينَ (٣٤) . وهذا حث للمخاطبين على الاغتنام بالانتظام في سلك المتقين ببيان أنهم المغتنمون لآثار الموعظة، المقتبسون من أنوارها، ثم ذكر الله تعالى مثلين:

стр. 771

أحدهما: في بيان أن دلائل الإيمان في غاية الظهور. والثاني: في بيان أن أديان الكفرة في غاية الظلمة. أما المثل الأول فقوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. قال ابن عباس: أي الله هادي أهل السموات والأرض، فهم بنوره يهتدون وبهداه من حيرة الضلالة ينجون، فمعنى النور هو الهداية، أي ذو نور، أي ذو هداية مَثَلُ نُورِهِ أي صفة النور الفائض من الله تعالى على الأشياء المستنيرة به وهو القرآن كَمِشْكاةٍ أي كصفة كوة غير نافذة في الجدار في الإضاءة والتنوير، فِيها مِصْباحٌ أي سراج ضخم ثاقب. الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ أي قنديل من الزجاج الصافي الأزهر. الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ أي متلألئ وقّاد، شبيه بالدر في صفائه وزهرته. يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح التاء والواو وبتشديد القاف على صيغة الماضي. وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي بضم التاء الفوقية، وسكون الواو على المضارع المبني للمفعول. وعن نافع وحفص بياء كذلك. وعن عاصم بياء مضمومة وفتح الواو، وتشديد القاف و «زيتونة» بدل من «شجرة» ، و «لا شرقية» صفة لها، أي يبتدئ إيقاد المصابيح، وفتيلة الزجاج من زيت شجرة كثيرة المنافع، تبرز على جبل عال، أو صحراء واسعة فتطلع الشمس عليها حالتي الطلوع والغروب، أي تقع الشمس عليها طول النهار، لا شرقية وحدها، ولا غربية وحدها ولكنها شرقية وغربية. وكان زيتها الصفاء. وهذا قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة، واختيار الفراء والزجاج. وقال ابن عباس: في الزيتون منافع يسرج بزيته وهو إدام ودهان، ودباغ، ووقود يوقد بحطبه وثفله وليس فيه شيء إلا وفيه منفعة حتى الرماد يغسل به الإبريسم، وهو أول شجرة نبتت في الدنيا، وأول شجرة ثبتت بعد الطوفان، ونبتت في منازل الأنبياء والأرض المقدسة، ودعا له سبعون نبيا بالبركة منهم إبراهيم ومنهم محمد ﷺ فإنه قال مرتين: «اللهم بارك في الزيت والزيتون» «١» . يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ وهذه الجملة صفة ل «شجرة» أي يقرب زيت تلك الشجرة يضيء بنفسه من غير مساس نار أصلا لصفائه. قال ابن عباس: هذا مثل نور الله وهداه في قلب المؤمن، كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار، فإن الزيت إذا كان خالصا رؤي من بعيد كأن له شعاعا فإذا مسته النار إزداد ضوءا على ضوئه، كذلك قلب المؤمن يكاد يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاء العلم ازداد

стр. 772

نورا على نور، وهدى على هدى كقلب إبراهيم ﵇ من قبل أن تجيئه المعرفة، أي قبل أن يخبره أحد بأن له ربا، فإنه قال: هذا ربي، فلما أخبره الله بأنه ربه وقال له: أسلم زاد هدى وقال: أسلمت لرب العالمين. نُورٌ عَلى نُورٍ أي نور حاصل بالزيت، كائن مع نور بالنار في قنديل، فالزيت نور، والقنديل نور والمصباح نور فالمشكاة التي هي الطاقة غير النافذة أجمع للنور فيكون فيها أقوى مما لو كانت نافذة، فإن المصباح إذا كان في مكان متضايق كان أضوأ وأجمع لنوره بخلاف المكان المتسع، فإن الضوء ينتشر فيه، فالقنديل أعون على زيادة الإنارة، وكذلك ضوء الزيت. والمعنى: ذلك القرآن نور عظيم كائن على نور عظيم متضاعف من غير تحديد كتضاعف نور المشكاة بما ذكر يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ أي يهدي الله لنوره المتضاعف، وهو القرآن من يشاء هدايته من عباده هداية موصلة إلى المطلوب، بأن يوفقهم لفهم ما فيه من دلائل حقيقته من الأخبار عن الغيب، وغير ذلك من موجبات الإيمان. فالله تعالى بين الدلائل حتى بلغت في الوضوح إلى الحد الذي لا يمكن الزيادة عليه. فوضوح الدلائل لا ينفع ما لم يخلق الله الإيمان والعلم. وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ كافة تقريبا للمعقول من المحسوس. وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥) معقولا كان أو محسوسا ظاهرا كان أو خفيا. فِي بُيُوتٍ صفة ل «مشكاة» ، أي كمشكاة فيها مصباح في بيت من بيوت الله، أو صفة لزجاجة. والمعنى: ذلك القنديل معلق في مساجد أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ أي أمر الله أن نبنى رفيعة وتطهر عن الأنجاس والأقذار، وقد كره بعض العلماء تعليم الصبيان في المساجد ورأى أنه من باب البيع، وهذا إذا كان بأجرة، فلو كان بغير أجرة لمنع أيضا من وجه آخر وهو أن الصبيان لا يتحرزون عن الأقذار والأوساخ فيؤدي ذلك إلى عدم تنظيف المساجد، وقد أمر رسول الله ﷺ بتنظيفها وتطييبها فقال: «جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم، وجمروها في الجمع، واجعلوا لها على أبوابها المطاهر» «١» . وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ بجميع أذكاره تعالى. وقال ابن عباس: يتلى في المساجد كتابه تعالى يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦) رِجالٌ. وقرأ ابن عامر وشعبة عن عاصم بالبناء للمفعول ونائب الفاعل لفظ له، و «رجال» فاعل لفعل مقدر، أو خبر مبتدأ محذوف أي يسبح له رجال أو المسبح رجال، والوقف على الآصال حسن. والباقون بالبناء للفاعل و «رجال» فاعل ولا يوقف على «الآصال» لعدم تمام الكلام والصلاة التي تؤدي في الغداة صلاة الصبح، وفي العشي صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء. وقرئ و «الإيصال» أي الدخول في الأصيل لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ أي لا يشغلهم نوع من أنواع التجارة ولا فرد من أفراد البياعات عن حضور المساجد لطاعة الله،

стр. 773

وعن أداء الصلاة في وقتها جماعة. روى سالم عن ابن عمر ﵃ أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة فقام الناس، أغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد. فقال ابن عمر: نزلت هذه الآية في شأنهم. وروي عن أبي أمامة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من خرج من بيته متطهرا إلى صلاة مكتوبة كان أجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى المسجد إلى تسبيح الضحى لا يقصد إلا ذلك كان أجره كأجر المعتمر» «١» . وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من أحد يغدو ويروح إلى المسجد يؤثره على ما سواه إلا وله عند الله نزل يعد له في الجنة» «٢» . وفي رواية سهل بن سعد مرفوعا: «من غدا إلى المسجد وراح ليعلم خيرا وليتعلمه كان كمثل المجاهد في سبيل الله يرجع غانما» «٣» ، وَإِيتاءِ الزَّكاةِ أي وعن إعطاء المال الذي فرض إخراجه للمستحقين. قال ابن عباس: إذا حضر وقت أداء الزكاة لم يحبسوها يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ (٣٧) أي يخافون يوما تتقلب في ذلك اليوم القلوب بين طمع في النجاة وخوف من الهلاك وتتقلب الأبصار من أي ناحية يؤمر بهم أمن ناحية اليمين، أم من ناحية الشمال؟ ومن أي ناحية يعطون كتابهم أمن قبل اليمين أم من قبل الشمال؟ أي فإنهم وإن بالغوا في ذكر الله تعالى والطاعات خائفون لعلمهم بأنهم ما عبدوا الله حق عبادته، ف «يخافون» ، صفة ثانية ل «رجال» أو حال من مفعول «لا تلهيهم» و «يوما» مفعول به و «تتقلب» صفة له لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا أي أحسن جزاء أعمالهم بحسب وعده لهم من أن حسنة واحدة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وقوله: لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ متعلق بمحذوف، أي أيفعلون هذه القربات ليجزيهم الله ف «اللام» لام العاقبة والصيرورة وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ما لم يستحقوه بأعمالهم وما لم يخطر ببالهم وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٨) أي فالله يعطيهم غير جزاء أعمالهم مما لا يفي به الحساب، ووضع الموصول موضع الضمير للتنبيه على أن مناط الرزق محض مشيئته تعالى، وللإعلام بأنهم ممن شاء الله تعالى أن يرزقهم كما أنهم ممن شاء الله تعالى أن يهديهم لنوره، فإن جميع ما ذكر من أعمالهم الحسنة مقتبس من القرآن الذي هو المراد بالنور، وبذلك يتم أحوال من اهتدى بهداه على أوضح وجه. وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ أي من أنواع البر كصدقة وعتق ووقف ونحو ذلك من كل ما لا يتوقف على نية، كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ أي في أرض منبسطة. والسراب: ما يتراءى في

стр. 774

الفلوات شبيها بالماء الجاري، وليس بماء ولكن الذي ينظر إليه من بعيد يظنه ماء جاريا. وقيل: هو لمعان الشمس على الفلوات يظن أنه ماء يجري. يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ أي ويقصد الظمآن ما ظنه ماء ولا يزال جائيا إليه حتى إذا جاءه لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً أصلا، كما كان يراه من قبل. فالكافر الذي يأتي بأعمال البر، كصلة الرحم وسقاية الحاج، وعمارة الكعبة، وقرة الأضياف، وإغاثة الملهوفين يعتقد أن له ثوابا عند الله، فإذا مات ووافى عرصات القيامة لم يجد الثواب الذي كان يظنه، بل وجد العقاب العظيم، فعظمت حسرته، وتناهى غمّه. فيشبه حاله حال العطشان الذي اشتدت حاجته إلى الماء، فإذا شاهد السراب، تعلق قلبه به ويقوى طعمه فإذا جاءه أيس مما كان يرجوه فيعظم ذلك عليه. وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ أي وجدوا حكم الله عند المجيء يوم القيامة أو وجد الله بالمرصاد عليه فَوَفَّاهُ حِسابَهُ أي أعطاه جزاء عمله كاملا بالعقاب، فتغير ظن النفع العظيم إلى تيقن الضرر العظيم وإفراد الضمير الراجع إلى الذين كفروا لإرادة الجنس، أو لإرادة كل واحد منهم. وقد قيل: نزلت هذه الآية في شأن عتبة بن ربيعة بن أمية كان قد تعبّد في الجاهلية، ولبس المسوح، والتمس الدين فلما جاء الإسلام كفر. وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٣٩) لأنه عالم بجميع المعلومات فلا يشق عليه الحساب أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ. وروي عن ابن كثير أنه قرأ «سحاب» و «ظلمات» بالجر على البدل من «ظلمات» كقراءة قنبل بتنوين «سحاب» وبجر «ظلمات» بجعلها بدلا من «ظلمات» الأولى. وروي عن ابن كثير أيضا على إضافة «سحاب» كقراءة البزي بجعل الموج المتراكم بمنزلة السحاب. وقرأ الباقون «سحاب» و «ظلمات» كلاهما بالرفع والتنوين و «يغشاه» صفة ثانية ل «بحر» ، وجملة «من فوقه موج من» مبتدأ وخبر صفة ل «موج» وجملة «من فوقه سحاب» صفة ل «موج» الثاني و «ظلمات» خبر مبتدأ محذوف وقوله: أَوْ كَظُلُماتٍ عطف على ك «سراب» وأو للتقسيم أي إن عمل الكافر قسمان قسم كالسراب وهو العمل الحسن وقسم كالظلمات وهو العمل القبيح: والمعنى. أو الذين كفروا أعمالهم القبيحة كظلمات كائنة في بحر عميق يعلوه موج كائن، من فوقه موج كائن من فوق ذلك الموج سحاب ستر ضوء النجوم. وما تقدم ذكره ظلمات متراكمة، وهي ظلمة البحر، وظلمة الموج الأول، وظلمة الموج الثاني، وظلمة السحاب. وهذا بيان لكمال شدة الظلمات. كما أن قوله تعالى: نُورٌ عَلى نُورٍ بيان لغاية قوة النور، إلا أن ذلك متعلق بالمشبه، وهذا بالمشبه به إِذا أَخْرَجَ أي من في هذه الظلمات يَدَهُ لينظر إليها لَمْ يَكَدْ يَراها أي لم يقارب أن يراها ولم يحصل له رؤيتها مع أنها قريبة من عينه وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠) أي ومن لم يشأ الله أن يهديه لنوره الذي هو القرآن ولم يوفقه للإيمان به فما له هداية أصلا من أحد أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ أي قد علمت يا

стр. 775

أشرف الخلق بالوحي الصريح والاستدلال الصحيح أن الله ينزهه في ذاته وصفاته وأفعاله عن كل ما لا يليق بشأنه ما في السموات والأرض وتنزهه الطير تنزيها خاصا بها حال كونها باسطات أجنحتها في جو السماء، فإن كل موجود يدل على وجوب صانع واجب الوجود، متصف بصفات الكمال، مقدس عن كل ما لا يليق بشأن من شؤونه الجليلة كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ أي كل واحد من المخلوقات قد علم هو دعاءه وتسبيحه اللذين ألهمهما الله تعالى إياه، فالضمائر كلها عائدة على كل. وروي عن ابن ثابت قال: كنت جالسا عند محمد بن جعفر الباقر فقال لي: أتدري ما تقول هذه العصافير عند طلوع الشمس وبعد طلوعها قلت: لا، قال: فإنهن يقدسن ربهن، ويسألنه قوت يومهن. وقال بعض العلماء: إنا نشاهد أن الله تعالى ألهم الطيور وسائر الحشرات أعمالا لطيفة يعجز عنها أكثر العقلاء، وهذا دليل على أن الله يلهمها معرفته ودعاءه وتسبيحه وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٤١) أي بحقيقة ما يفعلونه بالكمال وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي أن جميع الموجودات في تصرفه تعالى إيجادا واعداما لأنه خالق لها وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢) أي رجوع الكل بالفناء والبعث. أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي أي يسوق سَحاباً متفرقا، ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ أي يجمع بين قطع السحاب فيجعلها سحابا واحدا، ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً أي مجتمعا بعضه فوق بعض فَتَرَى الْوَدْقَ أي المطر يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ أي من فتوق السحاب، وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ ف «من» الأولى ابتدائية، وكذا الثانية بدل اشتمال من «من» الأولى، و «من» الثانية تبعيضية، أي وينزل مبتدئا من السماء من جبال كائن في السماء بعض برد، ففي السماء جبال من برد، كما أن في الأرض جبالا من حجارة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون النون. والباقون بفتحها وتشديد الزاي فَيُصِيبُ بِهِ أي بالبرد مَنْ يَشاءُ أن يصيبه، فيضر ما يقع عليه من حيوان ونبات، وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ صرفه عنه فلا يسقط عليه. يَكادُ سَنا بَرْقِهِ أي يقرب ضوء برق السحاب يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (٤٣) أي يسلب الأبصار الناظرة له لشدة الإضاءة وسرعة ورودها، يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ بالمعاقبة بينهما، وبتغيير أحوالهما بالحر والبرد وغيرهما. إِنَّ فِي ذلِكَ أي فيما تقدم ذكره لَعِبْرَةً أي لدلالة واضحة على وجود الصانع القديم، وكمال قدرته وعلمه لِأُولِي الْأَبْصارِ (٤٤) أي لكل من له بصر يرجع إلى بصيرة. وهذا يدل أن الواجب على المرء أن يتفكر في هذه الأمور، ويدل على فساد التقليد. وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ أي كل حيوان يدب على الأرض من ماء، فمن صلة كل دابة لا صلة خلق، فكل دابة متولدة من الماء فهي مخلوقة لله تعالى وقيل: أصل جميع المخلوقات من الماء على ما روي أن أول ما خلق الله تعالى جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة، فصارت ماء، ثم خلق منه النار والهواء والتراب والنور. والمقصود من هذه الآية بيان أصل الخلقة، فكان أصل الخلقة الماء.
следующие страницы →