وقال أبو بكر الصديق وقت وَفَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بسقيفة بني ساعدة: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين: عمر، وأبا عبيدة.
قال الزبير بن بكار: قد انقرض نسل أبي عبيدة، وولد إخوته جميعا، وكان ممن هاجر إلى أرض الحبشة، قاله ابن اسحاق، والواقدي.
قلت: إن كان هاجر إليها، فإنه لم يطل بها الليث.
وكان أبو عبيدة معدودا فيمن جمع القرآن العظيم.
قال موسى بن عقبة في "مغازيه" غزوة عمرو بن العاص هي غزوة ذات السلاسل من مشارف الشام، فخاف عمرو من جانبه ذلك، فاستمد رسول الله ﷺ فانتدب أبا بكر وعمر في سراة من المهاجرين، فأمر نبي الله عليهم أبا عبيدة، فلما قدموا على عمرو بن العاص قال: أنا أميركم، فقال المهاجرون: بل أنت أمير أصحابك، وأميرنا أبو عبيدة. فقال عمرو: إنما أنتم مدد أمددت بكم. فلما رأى ذلك أبو عبيدة بن الجراح، وكان رجلا حسن الخلق، لين الشيمة، متبعا لأمر رسول الله ﷺ وعهده، فسلم الإمارة لعمرو.
وثبت من وجوه عَنْ أَنَسٍ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أبو عبيدة بن الجراح" ١.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد الفقيه وغيره، إجازة، قالوا: أخبرنا حنبل بن عبد الله، أنبأنا هبة الله بن محمد، أنبأنا أبو علي بن المذهب، أخبرنا أبو بكر القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، عن شريح بن عبيد، وراشد بن سعد، وغيرهما قالوا: لما بلغ عمر بن الخطاب سرغ، حدث أن بالشام وباء شديدا، فقال: إِنْ أَدْرَكَنِي أَجَلِي، وَأَبُو عُبَيْدَةَ حَيٌّ، اسْتَخْلَفْتُهُ، فإني سألني الله : لِمَ استخلفته على أمة محمد؟ قلت: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَأَمِينُ هَذِهِ الأمة أبو عبيدة بن الجراح". قال: فأنكر القوم ذلك وقالوا: ما بال علياء قريش؟ يعنون بني فهر،
стр. 1052
ثم قال: وإن أدركني أجلي، وقد توفي أبو عبيدة، أستخلف معاذ بن جبل، فإن سألني ربي قلت: إني سمعت نبيك يقول: "إنه يحشر يوم القيامة بين يدي العلماء برتوة" ١.
وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنِ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ عمرو بن العاص قال: قيل: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قال: "عائشة". قيل: من الرجال؟ قال: "أبو بكر"، قيل: ثم من؟ قال: "ثم أبو عبيدة بن الجراح" ٢.
كذا يرويه حماد، وخالفه جماعة، فرووه عن الجريري، عن عبد الله قال: سألت عائشة: أي أصحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ أحب إليه؟ قالت: أَبُو بكر، ثُمَّ عُمَر، ثُمَّ أَبُو عبيدة بن الجراح٣.
أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن المعدل، أنبأنا عبد الله بن أحمد الفقيه، أنبأنا محمد بن عبد الباقي، أنبأنا أبو الفضل بن خيرون، أنبأنا أحمد بن محمد بن غالب، بقراءته على أبي العباس بن حمدان، حدثكم محمد بن أيوب، أنبأنا أبو الوليد، أنبأنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمعت صلة بن "زفر"، عن حذيفة، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "إني أبعث إليكم رجلا أمينا" فاستشرف لها أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فبعث أبا عبيدة بن الجراح٤. اتفقا عليه من حديث شعبة.
واتفقا من حديث خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لكل أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بن الجراح" ٥.
أخبرنا أحمد بن محمد المعلم، أنبأنا أبو القاسم بن رواحة، أنبأنا أبو طاهر الحافظ، أنبأنا أحمد بن على الصوفي، وأبو غالب الباقلاني، وجماعة، قالوا:
стр. 1053
أنبانا أبو القاسم بن بشران، أنبأنا أبو محمد الفاكهي بمكة، حدثنا أبو يحيى بن أبي ميسرة، حدثنا عبد الوهاب بن عيسى الواسطى، أنبأنا يحيى بن أبي زكريا، حدثنا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ أبي الزبير، عن جَابِرٍ قَالَ: كُنْتُ فِي الْجَيْشِ الَّذِينَ مَعَ خالد، الذين أمد بهم أبا عبيدة، وهو محاصر دمشق، فلما قدمنا عليهم، قال لخالد: تقدم فصل، فأنت أحق بالإمامة؛ لأنك جئت تمدني. فقال خالد: ما كنت لأتقدم رجلا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لكل أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بن الجراح"١.
أبو بكر بن أبي شيبة: أنبأنا عبد الرحيم بن سليمان، عن زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن صلة، عن حذيفة قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ أسقفا نجران: العاقب والسيد، فقالا: أبعث معنا أمينا حق أمين فقال: "لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين" فاستشرف لها الناس، فقال: "قم يا أبا عبيدة" فأرسله معهم٢.
قال: وحدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق نحوه.
الترقفي٣ في "جزئه": حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان بن عمرو، حدثنا أبو حسبة مسلم بن أكيس مولى ابن كريز، عن أبي عبيدة قال: ذكر لي من دخل عليه فوجده يبكي، فقال: ما يبكيك يا أبا عبيدة؟ قال: يبكيني أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذكر يوما ما، يفتح الله على المسلمين، حتى ذكر الشام فقال: "إن نسأ الله في أجلك فحسبك من الخدم ثلاثة: خادم يخدمك، وخادم يسافر معك، وخادم يخدم أهلك ويرد عليهم وحسبك من الدواب ثلاثة: دابة لرحلك، ودابة لثقلك، ودابة لغلامك"، ثم هذا أنذا أنظر إلى بيتي قد امتلأ رقيقا، وإلى مربطي قد امتلأ خيلا، فكيف أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بعدها؟ وقد أوصانا: "أن أحبكم إلي، وأقربكم مني، من لقيني على مثل الحال التي فارقتكم عليها" ٤.
حديث غريب رواه أيضا أحمد في "مسنده" عن أبي المغيرة.
стр. 1054
وكيع بن الجراح، حدثنا مبارك بن فضالة عن الْحَسَنُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ما منكم من أحد إلا لو شئت لأخذت عليه بعض خلقه، إلا أبا عبيدة"١. هذا مرسل.
وكان أبو عبيدة موصوفا بحسن الخلق، وبالحلم الزائد والتواضع.
قال محمد بن سعد: حدثنا أحمد بن عبد الله، حدثنا ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، قَالَ عمر لجلسائه، تمنوا، فتمنوا، فقال عمر: لكني أتمني بيتا ممتلئا رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح.
وقال ابن أبي شيبة: قال ابن علية: عن يونس، عن الْحَسَنُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ما من أصحابي أحد إلا لو شئت أخذت عليه، إلا أبا عبيدة"٢.
وسفيان الثوري: عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة قال: قال ابن مسعود: أخلائي مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثلاثة: أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة٣.
خالفه غيره، ففي "الجعديات": أنبأنا زهير، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله فذكره.
قال خليفة بن خياط: وقد كان أبو بكر ولي أبا عبيدة بيت المال.
قلت: يعني أموال المسلمين، فلم يكن بعد عمل بيت مال، فأول من اتخذه عمر.
قال خليفة: ثم وجهه أبو بكر إلى الشام سنة ثلاث عشرة أميرا، وفيها استخلف عمر، فعزل خالد بن الوليد، وولى أبا عبيدة.
قال أبو القاسم بن يزيد: حدثنا سفيان، عن زياد بن فياض، عن تميم بن سلمة، أن عمر لقي أبا عبيدة، فصافحه، وقبل يده، وتنحيا يبكيان.
وقال ابن المبارك في "الجهاد" له: عَنْ هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ،
стр. 1055
عن أبيه قال: بلغ عمر أن أبا عبيدة حصر بالشام، ونال منه العدو، فكتب إليه عمر: أما بعد، فإنه ما نزل بعبد مؤمن شدة، إلا جعل الله بعدها فرجا، وإنه لا يغلب عسر يسرين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ الآية١.
قال: فكتب إليه أبو عبيدة: أما بعد، فإن الله يقول: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ إلى قوله: ﴿مَتَاعُ الْغُرُور﴾ ٢، قال: فخرج عمر بكتابه، فقرأه على المنبر فقال: يا أهل المدينة! إنما يعرض بكم أبو عبيدة أو بي، ارغبوا في الجهاد٣.
ابن أبي فديك، عن هشام بن سعد، عن زيد، عن أبيه قال: بلغني أن معاذا سمع رجلا يقول: لو كان خالد بن الوليد، ما كان بالناس دوك، وذلك في حصر أبي عبيدة، فقال معاذ: فإلى أبي عبيدة تضطر المعجزة لا أبا لك! والله إنه لخير من بقي على الأرض٤.
رواه البخاري في "تاريخه" وابن سعد.
"وفي الزهد" لابن المبارك: حدثنا معمر، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قدم عمر الشام، فتلقاه الأمراء والعظماء، فَقَالَ: أين أخي أَبُو عبيدة؟ قالوا: يأتيك الآن، قال: فجاء على ناقةٍ مخطومةٍ بحبْل، فسلم عليه، ثُمَّ قَالَ للناس: انصرفوا عنا. فسار معه حتى أتى منزله، فنزل عليه، فلم ير في بيته إلا سيفه وتُرْسَه ورحْلَه، فَقَالَ له عُمَر: لو اتخذت متاعًا، أو قَالَ شيئا، فقال: يا أمير المؤمنين! إنّ هذا سيبلِّغُنا الْمَقِيلَ٥.
ابن وهب: حدثني عَبْد اللَّه بْن عُمَر، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عمر: أن عمر حين قدم الشام، قال لأبي عبيدة: اذهب بنا إلى منزلك، قال: وما تصنع عندي؟ ما تريد إلا أن تُعصِّر عينيك علي: قال: فدخل، فلم ير شيئا، قال: أين متاعك؟ لا أرى إلا لبدا وصحفة وشنا، وأنت أمير، أعندك طعام؟ فقام أبو عبيدة إلى
стр. 1056
جونة، فأخذ منها كسيرات، فبكى عمر، فقال أبو عبيدة: قد قلت لك: إنك ستعصر عينيك عليَّ يا أمير المؤمنين، يكفيك ما يبلغك المقبل. قال عمر: غيرتنا الدنيا كلنا غيرك يا أبا عبيدة١.
أخرجه أبو داود في سنته من طريق ابن الأعرابي.
وهذا والله هو الزهد الخالص، لا زهد من كان فقيرا معدما.
معن بن عيسى، عن مالك: أن عمر أرسل إلى أبي عبيدة بأربعة آلاف، أو بأربعمائة دينار، وقال للرسول: انظر ما يصنع بها، قال: فقسمها أبو عبيدة، ثم أرسل إلى معاذ بمثلها، قال: فقسمها، إلا شيئا قالت له امرأته نحتاج إليه، فلما أخبر الرسول عمر، قال: الحمد لله الذي جعل في الإسلام من يصنع هذا٢.
الفسوي: حدثنا أبو اليمان، عن جرير بن عثمان، عن أبي الحسن عمران ابن نمران، أن أبا عبيدة كان يسير في العسكر فيقول: ألا رُبَّ مبيض لثيابه، مدنس لدينه! ألا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين! بادروا السيئات القديمات بالحسنات الحديثات.
وقال ثابت البناني: قال أبو عبيدة: يا أيها الناس! إني امرؤ من قريش، وما منكم من أحمر ولا أسود يفضلني بتقوى، إلا وددت أني في مسلاخه٣.
معمر: عن قتادة، قال أبو عبيدة بن الجراح: وددت أني كنت كبشا، فيذبحني أهلي، فيأكلون لحمي، ويحسون مرقي٤.
وقال عمران بن حصين: وددت أني رماد تسفيني الريح.
شعبة: عن قيس بن مسلم عن طارق: أن عمر كتب إلى أبي عبيدة في الطاعون: إنه قد عرضت لي حاجة، ولا غنى بي عنك فيها، فعجل إلي. فلما قرأ الكتاب، قال: عرفت حاجة أمير المؤمنين، إنه يريد أن يستبقى من ليس بباق، فكتب: إني قد عرفت حاجتك، فحللني من عزيمتك، فإني في جند من أجناد
стр. 1057
المسلمين، لا أرغب بنفسي عنهم، فلما قرأ عمر الكتاب، بكي، فقيل له: مات أبو عبيدة؟ قال: لا. وكأن قد.
قال: فتوفي أبو عبيدة، وانكشف الطاعون.
قال أبو الموجه محمد بن عمرو المروزي: زعموا أن أبا عبيدة كان في ستةٍ وثلاثين ألفًا من الجُنْد، فلم يبق منهم إلا ستة آلاف رجل.
أخبرنا محمد بن عبد السلام، عن أبي روح، أنبأنا أبو سعد، أنبأنا ابن حمدان، أنبأنا أبو يعلى، حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، حدثنا مهدي بن ميمون، حدثنا واصل مولى أبي عيينة، عن "ابن" أبي سيف المخزومي، عن الوليد بن عبد الرحمن، شامي فقيه، عن عياض بن عطيف، قال: دخلت على أبي عبيدة بن الجراح في مرضه، وامرأته تحيفه جالسة عند رأسه، وهو مقبل بوجهه على الجدار، فقلت: كيف بات أبو عبيدة؟ قالت: بات بأجر، فقال: إني والله ما بت بأجر! فكأن القوم ساءهم، فقال: ألا تسألوني عما قلت؟ قالوا: إنا لم يعجبنا ما قلت، فكيف نسألك؟ قال: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله، فبسبعمائة، ومن أنفق على عياله، أو عاد مريضا، أو ماز أذى فالحسنة بعشر أمثالها، والصوم جنة ما لم يخرقها، ومن ابتلاه الله ببلاء في جسده فهو له حطة" ١.
أنبأنا جماعة قالوا: أنبأنا ابن طبرزد، أنبأنا ابن الحصين، أنبأنا ابن غيلان، أنبأنا أبو بكر الشافعي، أنبأنا عبد الله بن أحمد، حدثنا محمد بن أبان الواسطي، حدثني جرير بن حازم، حدثني بشار بن أبي سيف، حدثني الوليد بن عبد الرحمن، عن عياض بن عطيف، قال: مرض أبو عبيدة، فدخلنا عليه نعوده، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الصيام جنة ما لم يخرقها"٢.
وقد استعمل النبي ﷺ أبا عبيدة غير مرة، منها المرة التي جاع فيها عسكره، وكانوا ثلاثمائة، فألقى لهم البحر الحوت الذي يقال له العنبر، فقال
стр. 1058
أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: لا، نحن رسل رسول الله، وفي سبيل الله، فكلوا، وذكر الحديث١، وهو في "الصحيحين".
ولما تفرغ الصديق من حرب أهل الردة، وحرب مسيلمة الكذاب، جهز أمراء الأجناد لفتح الشام، فبعث أبا عبيدة، ويزيد بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة، فتمت وقعة أجنادين بقرب الرملة، ونصر الله المؤمنين، فجاءت البشرى، والصديق في مرض الموت، ثم كانت وقعة فحل، ووقعة مرج الصفر وكان قد سير أبو بكر خالدا لغزو العراق، ثم بعث إليه لينجد من بالشام.
فقطع المفاوز على برية السماوة، فأمر الصديق على الأمراء كلهم، وحاصروا دمشق، وتوفي أبو بكر، فبادر عمر بعزل خالد، واستعمل على الكل أبا عبيدة، فجاءه التقليد، فكتمه مدة، وكل هذا من دينه ولينه وحلمه، فكان فتح دمشق على يده، فعند ذلك أظهر التقليد، ليعقد الصلح للروم، ففتحوا له باب الجابية صلحًا، وإذا بخالد قد افتتح البلد عنوة من الباب الشرقي، فأمضى لهم أبو عبيدة الصلح.
فعن المغيرة، أن أبا عبيدة صالحهم على أنصاف كنائسهم ومنازلهم، ثم كان أبو عبيدة رأس الإسلام يوم وقعة اليرموك، التي استأصل الله فيها جيوش الروم، وقتل منهم خلق عظيم.
روى ابن المبارك في "الزهد" له، قال: أنبأنا عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، قال: حدثني عبد الرحمن بن غنم، عن حديث الحارث بن عميرة قال: أخذ بيدي معاذ بن جبل، فأرسله إلى أبي عبيدة، فسأله كيف هو! وقد طعنا، فأراه أبو عبيدة طعنة، خرجت في كفه، فتكاثر شأنها في نفس الحارث، وفرق منها حين رآها، فأقسم أبو عبيدة بالله، ما يحب أن له مكانها حمر العمر٢.
وعن الأسود، عن عروة، إن وجع عمواس كان مُعافًى منه أبو عبيدة.
стр. 1059
وأهله، فَقَالَ: اللَّهُمَّ نصيبك في آل أبي عبيدة! قال: فخرجت بأبي عبيدة في خنصره بثرة، فجعل ينظر إليها، فقيل له: إنها ليست بشيء. فقال: أرجو أن يبارك الله فيها، فإنه إذا بارك في القليل كان كثيرا.
الوليد بن مسلم: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْر بْن أَبِي مريم، عَنْ صالح بن أبي المخارق قال: انطلق أبو عبيدة من الجابية إلى بيت المقدس للصلاة، فاستخلف على الناس معاذ بن جبل.
قال الوليد: فحدثني من سمع عروة بن رويم قال: فأدركه أجله بحل فتوفي بها بقرب بيسان.
طاعون عمواس منسوب إلى قرية عمواس، وهي بين الرملة وبين بيت المقدس، وأما الأصمعي فقال: هو من قولهم زمن الطاعون: عم وآسي.
قال أبو حفص الفلاس: توفي أبو عبيدة في سنة ثمان عشرة، وله ثمانٌ وخمسون سنة، وكان يخضب بالحناء، والكتم، وكان له عقيصتان. وقال كذلك في وفاته جماعة، وانفرد ابن عائذ، عن أبي مسهر، أنه قرأ في كتاب يزيد بن عبيدة، أن أبا عبيدة توفي سنة سبع عشرة.
٧- "ع" طلحة بن عبيد "ت ٣٦هـ" الله بن عثمان بن عَمْرو بن كَعْب بْنِ سَعْدِ بْن تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ ابن كنانة القرشي التيمي المكي، أبو محمد.
أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، له عدة أحاديث عن النبي ﷺ وله في "مسند بقي بن مخلد" بالمكرر ثمانية وثلاثون حديثا.
له حديثان متفق عليهما، وانفرد له البخاري بحديثين، ومسلم بثلاثة أحاديث.
حدث عنه: بنوه: يحيى، وموسى، وعيسى، والسائب بن يزيد، ومالك بن أوس بن الحدثان، وأبو عثمان النهدي، وقيس بن أبي حازم، ومالك بن أبي عامر الأصبحي، والأحنف بن قيس التميمي، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وآخرون.
стр. 1060
قال أبو عبد الله بن منده: كان رجلا آدم، كثير الشعر، ليس بالجعد القطط ولا بالسَّبط، حَسَنَ الوجْه، إذا مشى أسرع، ولا يغير شعره.
وقال إبراهيم بن المنذر الحزامي، عن عبد العزيز بن عمران، حدّثني إسحاق بن يحيى، حدّثني موسى بن طلحة قَالَ: كان أبي أبيض يضرب إلى الحمرة، مربوعا، إلى القصر هو أقرب، رَحْب الصَّدْر، بعيد مَا بين المِنْكَبين، ضخم القدمين، إذا التفت التفت جميعا١.
قلت: كان ممن سبق إلى الإسلام وأوذي في الله، ثم هاجر، فاتفق أنه غاب عن وقعة بدر في تجارة له بالشام وتألم لغيبته، فضرب لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بسهمه وأجره.
قال أبو القاسم ابن عساكر الحافظ في ترجمته: كان مع عمر لما قدم الجابية، وجعله على المهاجرين، وقال غيره: كانت يده شلاء مما وقى بها رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أحد٢.
الصَّلْتُ بْنُ دِينَارٍ: عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى شَهِيدٍ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْهِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى طَلْحَةَ بن عبيد الله" ٣.
أخبرنيه الأبرقوهي، أنبأنا ابن أبي الجود، أنبأنا ابن الطلابة، أنبأنا عبد العزيز الأنماطي، أنبأنا أبو طاهر المخلص، أخبرنا البغوي، أخبرنا داود بن رشيد، حدثنا مكي، حدثنا الصلت.
وفي جامع أبي عيسى بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ: "أوْجَبَ طَلْحَةُ" ٤.
стр. 1061
قال ابن أبي خالد عن قيس قال: رأيت يد طلحة التي وَقَى بِهَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ شلاء١. أخرجه البخاري.
وأخرج النسائي من حديث يحيى بن أيوب وآخر، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جابر قال: لما كان يوم أحد، وولى الناس، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ناحية اثني عشر رجلا، منهم طلحة، فأدركهم المشركون، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ للقوم"؟ قال طلحة: أنا، قال: "كما أنت". فقال رجل: أنا. قال: "أنت"، فقاتل حتى قتل، ثم "التفت" فإذا المشركون، فقال: "من لهم"؟ قال طلحة: أنا. قال: "كما أنت"، فقال رجل من الأنصار: أنا، قال: "أنت". فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى بقي مع نبي الله طلحة، فقال: "من للقوم"؟ قال طلحة: أنا، فقاتل طلحة، قتال الأحد عشر، حتى قطعت أصابعه، فقال: حسن، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لو قلت: باسم الله لرفعتك الملائكة، والناس ينظرون" ثم رد الله المشركين٢. رواته ثقات.
أخبرنا أبو المعالي بن أبي عصرون الشافعي، أنبأنا عبد المعز بن محمد، في كتابه، أنبأنا تميم بن أبي سعيد، أنبأنا محمد بن عبد الرحمن، أنبأنا محمد بن أحمد، أنبأنا أحمد بن علي التميمي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، وعبد الأعلى، قالا: حدثنا المعتمر، سمعت أبي، حدثنا أبو عُثْمَانَ قَالَ: لَمْ يَبْقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي تلك الأيام التي كان يقاتل بها رسول الله ﷺ غير طلحة وسعد عن حديثهما٣ أخرجه الشيخان عن المقدمي.
стр. 1062
وبه إلى التميمي: حدثنا أبو كريب، حدثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عن موسى وعيسى ابني طلحة، عن أبيهما إنّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالوا لأعرابي جاء يسأله عمن قضى نحبه: من هو، وكانوا لا يجترئون على مسألته ﷺ يوقرونه ويهابونه، فسأله الأعرابي، فأعرض عنه، ثم سأله، فأعرض عنه، ثم إني طلعت من باب المسجد -على ثياب خضر- فلما رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أين السائل عمن قضى نحبه"؟ قال الأعرابي: أنا. ثم قال: "هذا ممن قضى نحبه" ١.
وأخرجه الطيالسي في مسنده من حديث معاوية، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "طلحة ممن قضى نحبه" ٢.
وفي "صحيح مُسْلِمٍ" مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ كَانَ عَلَى حِرَاءٍ هُوَ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، فَتَحَرَّكَتِ الصَّخْرَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "اهْدَأْ! فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شهيد" ٣.
سويد بن سعيد: حدثنا صالح بن موسى، عن معاوية بن إسحاق، عن عائشة بنت طلحة، عَنْ عَائِشَةُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "من سره أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض قد قضى نحبه، فلينظر إلى طلحة"٤.
قال الترمذي: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو عبد الرحمن نضر بن منصور، حدثنا عقبة بن علقمة اليشكري، سمعت عليًّا يوم الجمل يقول: سمعت من في رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ جَارَايَ فِي الْجَنَّةِ"٥.
стр. 1063
وهكذا رواه ابن زيدان البجلي، وأبو بكر الجارودي، عن الأشج، وشذ أبو يعلى الموصلي، فقال عن نصر، عن أبيه، عن عقبة.
دحيم: حدثنا محمد بن طلحة، عن موسى بن محمد، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: ابْتَاعَ طَلْحَةُ بِئْرًا بِنَاحِيَةِ الْجَبَلِ، وَنَحَرَ جَزُورًا، فَأَطْعَمَ النَّاسَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنْتَ طلحة الفياض" ١.
سليمان بن أيوب بن عيسى بن موسى بن طلحة: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنْ مُوسَى بْنِ طلحة، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، سماه النبي ﷺ طلحة الخبر. وفي غزوة ذي العشيرة، طلحة الفياض. ويوم خيبر، طلحة الجود٢.
إسناد لين.
قال مجالد، عن الشعبي، عن قبيصة بن جابر قال: صَحِبْتُ طَلْحَةَ، فَمَا رَأَيْتُ أَعْطَى لِجَزِيلِ مَالٍ من غير مسألة منه٣.
أبو إسماعيل الترمذي: حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عِيسَى بن موسى، حدثني أبي، عن جدي، عن موسى، عن أبيه، أنه أَتَاهُ مَالٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ سَبْعُمِائَةِ أَلْفٍ، فَبَاتَ لَيْلَتَهُ يَتَمَلْمَلُ. فَقَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ. مَا لَكَ؟ قال: تفكرت منذ الليلة، فَقُلْتُ: مَا ظَنُّ رُجلٍ بِرَبِّهِ يَبِيتُ وَهَذَا المال في بيته؟ قالت: فأين أنت من بعض أخلائك فإذا أصبحت، فادع بجفان وقصاع فقسمه. فقال لها: رحمك الله، إنك موفقة بنت موفق، وهي أم كلثوم بنت الصديق، فلما أصبح، دعا بجفان، فَقَسَّمَهَا بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَبَعَثَ إِلَى عَلِيٍّ منها بجفنة، فقالت له زوجته: أبا محمد! أما كان لنا في هذا المال من نصيب؟ قال: فأين كنت منذ اليوم؟ فشأنك بما بقي. قالت: فكانت صرة فيها نحو ألف درهم٤.
أخبرنا المسلم بن علان، وجماعة، كتابة، قالوا: أنبأنا عمر بن محمد،
стр. 1064
أنبأنا هبة الله بن الحصين، أنبأنا بن غيلان، أنبأنا أبو بكر الشافعي، حدثنا إبراهيم الحربي، حدثنا عبد الله بن عمر، حدثنا محمد بن يعلي، حدثنا الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ قال: جاء أعرابي إلى طلحة يسأله، فتقرب إليه برحم فقال: إن هذه لَرَحِمٌ مَا سَأَلَنِي بِهَا أَحَدٌ قَبْلَكَ، إِنَّ لِي أَرْضًا قَدْ أَعْطَانِي بِهَا عُثْمَانُ ثَلاثَمِائَةِ ألف، فاقبضها، وإن شئت بعتُها عن عثمان، ودفعت إليك الثمن، فقال: الثمن. فأعطاه١.
الكديمي: حدثنا الأصمعي، حدثنا ابن عمران قاضي المدينة، أن طلحة فدى عشرة من أسارى بدر بماله، وسئل مرة برحم، فقال: قد بعت لي حائطا بسبعمائة ألف، وأنا فيه بالخيار، فإن شئت، خذه، وإن شئت، ثمنه. إسناده منقطع مع ضعف الكديمي٢.
قال ابن سعد: أنبأنا سعيد بن منصور، حدثنا صالح بن موسى، عن معاوية ابن إسحاق، عن عائشة وأم إسحاق بنتي طلحة قالتا: جُرِحَ أبونا يوم أُحُد أربعًا وعشرين جراحة، وقع منها في رأسه شجعه مربعة، وقطع نساه -يعني العرق- وشلت أصبعه، وكان سائر الجراح في جسده، وغلبه الغشي، ورسول الله ﷺ مكسورة رباعيته، مشجوج في وجهه، قد علاه الغشي، وطلحة محتمله، يرجع به القهقري، وكلما أدركه أحد من المشركين، قاتل دونه، حتى أسنده إلى الشعب.
ابن عيينة، عن طلحة بن يحيى، حدثتني جدتي سعدي بنت عوف المرية قالت: دخلت على طلحة يوما وهو خاثر فقلت: ما لك؟ لعل رابك من أهلك شيء؟ قال: لا والله، ونعم حليلة المسلم أنت، ولكن مال عندي قد غمني: فقلت: ما يغمك؟ عليك بقومك، قال: يا غلام! ادع لي قومي. فقسمه فيهم، فسألت الخازن: كم أعطى؟ قال: أربعمائة ألف.
هشام وعوف: عن الحسن البصري أن طلحة بن عبيد الله باع أرضا له بسبعمائة ألف. فبات أرقا من مخافة ذلك المال، حتى أصبح ففرقه.
محمد بن سعد: حدثنا محمد بن عمر، حدثنا موسى بن محمد بن إبراهيم
стр. 1065
التيمي، عن أبيه قال: كان طلحة يغل بالعراق أربعمائة ألف، ويغل بالسراة عشرة آلاف دينار أو "أقل أو" أكثر، و"بالأعراض له غلات" وكان لا يدع أحدا من بني تيم عائلا إلا كفاه، وقضى دينه، ولقد كان يرسل إلى عائشة "إذا جاءت غلته" كل سنة بعشرة آلاف، ولقد قضى عن فلان التيمي ثلاثين ألفا١.
قال الزبير بن بكار: حدثني عثمان بن عبد الرحمن أن طلحة بن عبيد الله قضى عن عبيد الله بن معمر، وعبد الله بن عامر بن كريز ثمانين ألف درهم.
قال الحميدي: حدثنا ابن عيينة، حدثنا عمرو بن دينار، أخبرني مولى لطلحة قال: كانت غلة طلحة كل يوم ألف واف٢.
قال الواقدي: حدثنا إسحاق بن يحيى، عن موسى بن طلحة أنّ معاوية سأله: كم ترك أَبُو محمد من العين، قال: ترك ألفي ألف درهم ومائتي ألف درهم، ومن الذهب مائتي ألف دينار، فقال معاوية، عاش حميدا سخيا شريفا، وقتل فقيدا٣ -رحمه الله٤.
وأنشد الرياشي لرجل من قريش:
أيا سائلي عن خيار العباد ... صادفت ذا العلم والخبره
خيار العباد جميعا قريش ... وخير قريش ذوو الهجره
وخير ذوي الهجرة السابقون ... ثمانية وحدهم نصره
علي وعثمان ثم الزبير ... وطلحة واثنان من زهره
وبران قد جاورا أحمدا ... وجاور قبرهما قبره
فمن كان بعدهم فاخرا ... فلا يذكرن بعدهم فخره
يحين بن معين: حدثنا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مصعب، أخبرني موسى بن عقبة، سمعت علقمة بن وقاص الليثي قال: لما خرج طلحة والزبير وعائشة للطلب بدم عثمان، عرجوا عن منصرفهم بذات عرق، فاستصغروا عروة
стр. 1066
بن الزبير، وأبا بكر بن عبد الرحمن فردوهما، قال: ورأيت طلحة، وأحب المجالس إليه أخلاها، وهو ضارب بلحيته على زوره، فقلت: يا أبا محمد! إني أراك وأحب المجالس إليك أخلاها، إن كنت تكره هذا الأمر، فدعه، فقال: يا علقمة! لا تلمني، كنا أمس يدا واحدة على من سوانا، فأصبحنا اليوم جَبَلَيْن من حديد، يزحف أحدنا إلى صاحبه، ولكنه كان مني شيء في أمر عثمان، مما لا أرى كفارته إلا سفك دمي، وطلب دمه.
قلت: الذي كان منه في حق عثمان تمغفل وتأليب، فعله باجتهاد، ثم تغير عندما شاهد مصرع عثمان، فندم على ترك نصرته ﵄، وكان طلحة أول من بايع عليًّا، أرهقه قتله عثمان، وأحضروه حتى بايع.
قال البخاري: حدثنا موسى بن أعين، حدثنا أبو عوانة، عن حصين في حديث عمرو بن جاوان، قال: التقى القوم يوم الجمل، فقام كعب بن سور معه المصحف، فنشره بين الفريقين، وناشدهم الله والإسلام في دمائهم، فما زال حتّى قتل. وكان طلحة من أول قتيل. وذهب الزبير ليلحق ببنيه، فقتل.
يحيى القطان: عن عوف، حدثني أبو رجاء قال: رأيت طلحة على دابته وهو يقول: أيها الناس أنصتوا، فجعلوا يركبونه ولا ينصتون، فقال: أف! فراش النار، وذباب طمع.
قال ابن سعد: أخبرني من سمع إسماعيل بن أبي خالد، عن حكيم بن جابر قال: قال طلحة: إنا داهنا في أمر عثمان، فلا نجد اليوم أمثل من أن نبذل دماءنا فيه، اللَّهُمَّ خذ لعثمان منّي اليوم حتّى ترضى١.
وكيع: حدثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ: رأيت مَروان بن الحكم حين رمى طلحة يومئذٍ بسهمٍ، فوقع في رُكبته، فما زال ينسح حتى مات.
رواه جماعة عنه، ولفظ عبد الحميد بن صالح عنه: هذا أعان على عثمان ولا أطلب بثأري بعد اليوم.
قلت: قاتل طلحة في الوزر، بمنزلة قاتل علي.
стр. 1067
قال خليفة بن خياط: حدثنا من سمع جويرية بن أسماء، عن يحيى بن سعيد، عن عمه، أن مروان رمى طلحة بسهم، فقتله، ثم التفت إلى أبان فقال: قد كفيناك بعض قتلة أبيك.
هشيم: عن مُجالد، عن الشَّعْبيَّ قَالَ: رأى عليّ طلحة في واد ملقى، فنزل، فمسح التراب عن وجهه، وقال: عزيز على أبا محمد بأن أراك مجدلا في الأودية تحت نجوم السماء، إلى الله أشكو عُجَري وبُجَري. قَالَ الأصمعيّ: معناه: سرائري وأحزاني التي تموج في جَوْفي١.
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ: عَنْ لَيْثٍ، عَنْ طلحة بن مُصَرِّف إنّ عليًّا انتهى إلى طلحة وقد مات، فنزل عن دابته وأجلسه، ومسح الغُبار عن وجهه ولحيته، وهو يترحم عليه، وقال: ليتني متُّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة. مرسل٢.
وروى زيد بن أبي أنيسة، عن محمد بن عبد الله من الأنصار، عن أبيه أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: بَشِّرُوا قَاتِلَ طَلْحَةَ بِالنَّارِ.
أخبرنا ابن أبي عصرون، عن أبي روح، أنبأنا تميم، حدثنا أبو سعد، أنبأنا ابن حمدان، أنبأنا أبو يعلى، حدثنا عمرو الناقد، حدثنا الخضر بن محمد الحراني، حدثنا محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التميمي. عن مالك بن أبي عامر، قال: جاء رجل إلى طلحة فقال: أرأيتك هذا اليماني هو أعلم بحديث رسول الله منكم -يعني أبا هريرة- نسمع منه أشياء لا نسمعها منكم قال: أما إن قد سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما لم نسمع، فلا أشك، وسأخبرك: إنا كنا أهل بيوت، وكنا إنما نأتي رسول الله غدوة وعشية، وكان مسكينا لا مال له، إنما هو على باب رسول الله، فلا أشك أنه قد سمع ما لم نسمع، وهل تجد أَحَدًا فِيهِ خَيْرٌ يَقُولُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَمْ يَقُلْ؟ ٣.
وروى مجالد، عن الشعبي، عن جابر أنه سمع عمر يقول لطلحة: ما لي أراك شعثت واغبررت مذ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ لعله أن ما بك إمارة ابن عمك، يعني أبا بكر، قال: معاذ الله، إني سمعته يقول: "إني لأعلم كلمة لا
стр. 1068
يقولها رجل يحضره الموت، إلا وجد روحه لها روحا حين تخرج من جسده، وكانت له نورا يوم القيامة" فلم أسأل رسول الله ﷺ عنها، ولم يخبرني بها فذاك الذي دخلني. قال عمر: فأنا أعلمها. قال: فلله الحمد، فما هي؟ قال: الكلمة التي قالها لعمه، قال: صدقت١.
أَبُو مُعَاوِيَةَ وَغَيْرُهُ: حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ الأَشْجَعِيُّ، عن أبي حبيبة، مولى لطلحة، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ مَعَ عِمْرَانَ بْنِ طلحة بعد وقعة الجمل، فرحب به وأدناه، ثم قال: إني لأرجو أن يجعلني الله وَأَبَاكَ مِمَّنْ قَالَ فِيهِمْ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ ٢. فقال رجلان جالسان، أحدهما الحارث الأعور: الله أعدل من ذلك أن يقبلهم ويكونوا إخواننا في الجنة، قال: قُومَا أَبْعَدَ أَرْضٍ وَأَسْحَقَهَا. فَمَنْ هُوَ إِذَا لم أكن أنا وطلحة! يا ابن أَخِي: إِذَا كَانَتْ لَكَ حَاجَةٌ، فَأْتِنَا.
وعن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لقد رأيتني يوم أحد، وما قُربي أحد غير جبريل عن يميني، وطلحة عن يساري"٣، فقيل في ذلك:
وطلحة يوم الشعب آسى محمدا ... لدى ساعة ضاقت عليه وسدت
وقاه بكفيه الرماح فقطعت ... أصابعه تحت الرماح فشلت
وكان إمام الناس بعد محمد ... أقر رحا الإسلام حتى استقرت
وعن طلحة قال: عقرت يوم أحد في جميع جسدي حتى في ذكري.
قال ابن سعد: حدثنا بن عمر، حدثني إسحاق بن يحيى، عن جدته سُعدى، بنت عوف، قالت: قتل طلحة وفي يد خازنه ألف ألف دِرْهِم ومائتا ألف دِرْهم، وَقُوِّمَتْ أصولُه وعقاره ثلاثين ألف ألف درهم٤.
стр. 1069
أعجب ما مر بي قول ابن الجوزي في كلام له على حديث قال: وقد خلف طلحة ثلاثمائة حمل من الذهب.
وروى سعيد بن عامر الضبعي، عن المثني بن سعيد قال: أتى رجل عائشة بنت طلحة فقال: رأيت طلحة في المنام، فقال: قل لعائشة تحولني من هذا المكان! فإن النز قد آذاني. فركبت في حشمها، فضربوا عليه بناء واستثاروه. قال: فلم يتغير منه إلا شعيرات في إحدى شقي لحيته، أو قال رأسه، وكان بينهما بضع وثلاثون سنة وحكى المسعودي أن عائشة بنته هي التي رأت المنام.
وكان قتله في سنة ست وثلاثين في جمادى الآخرة، وقيل في رجب، وهو ابن اثنتين وستين سنة أو نحوها، وقبره بظاهر البصرة.
قال يحيى بن بكير، وخليفة بن خياط، وأبو نصر الكلاباذي: إن الذي قتل طلحة، مروان بن الحكم.
ولطلحة أولاد نجباء، أفضلهم محمد السجاد. كان شابا، خيرا، عابدا، قانتا لله.
وُلِدَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ قتل يوم الجمل أيضا، فحزن عليه علي، وقال: صرعه بره بأبيه.
٨- "ع" الزبير بن العوام "ت ٣٦هـ" بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصيّ بْنُ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لؤي بن غالب.
حواريّ رسول اللَّه ﷺ وابن عمته صفية بنت عبد المطلب، وأحدُ العشرة المشهود لهم بالجنّة، وأحد السّتّة أهل الشورى، وأول من سل سيفه في سبيل الله، أبو عبد الله ﵁ أسلم وهو حدث، له ست عشرة سنة.
وروى الليث، عن أبي الأسود، عن عروة قال: أسلم الزبير، "وهو" ابن ثمان سِنِينَ، وَنَفَحَتْ نَفْحَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ أَنَّ رَسُولَ الله أُخِذَ بِأَعْلَى مَكَّةَ، فَخَرَجَ الزُّبَيْرُ وَهُوَ غُلامٌ، ابن اثنتي عشرة سنة، بيده السَّيْفُ، فَمَنْ رَآهُ عَجِبَ، وَقَالَ:
стр. 1070
الغلام معه السيف، حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "مَا لك يا زبير"؟ فأخبره وقال: أتيت أضرب بسيفي من أخذك١.
وقد ورد أن الزبير كان رجلا طويلا، إذا كرب خطت رجلاه الأرض، وكان خفيف اللحية والعارضين.
روى أحاديث يسيرة.
حدث عنه بنوه: عبد الله، ومصعب، وعروة، وجعفر، ومالك بن أوس بن الحدثان، والأحنف بن قيس، وعبد الله بن عامر بن كريز، ومسلم بن جندب، وأبو حكيم مولاه، وآخرون.
اتفقا له على حديثين، وانفرد له البخاري بأربعة أحاديث، ومسلم بحديث.
أخبرنا المسلم بن محمد وجماعة، إذنا، قالوا: أنبأنا حنبل، أنبأنا ابن الحصين، حدثنا ابن المذهب، أنبأنا أبو بكر القطيعي حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي "ح" وأنبأنا محمد بن عبد السلام، أنبأنا عبد المعز بن محمد، أنبأنا تميم، أنبأنا أبو سعد الطبيب، أنبأنا أبو عمرو الحيري، أنبأنا أبو يعلى، حدثنا زهير، قالا: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا شعبة، عن جامع بن شداد عن عامر -ولفظ أبي يعلى: سَمِعْتُ عَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عن أبيه- قال: قلت لأبي: ما لك لا تحدث عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كما يحدث عنه فلان، وفلان؟ قال: ما فارقته منذ أسلمت، ولكن سمعت منه كلمة، سمعته يَقُولُ: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النار" ٢، لم يقل أبو يعلى متعمدا.
أخبرنا أبو سعيد سنقر بن عبد الله الحلبي، أنبأنا عبد اللطيف بن يوسف، أنبأنا عبد الحق اليوسفي، أنبأنا علي بن محمد، أنبأنا علي بن أحمد المقرئ، حدثنا عبد الباقي بن قانع، حدثنا أحمد بن علي بن مسلم، حدثنا أبو الوليد "ح" وحدثنا بشر، حدثنا عمرو بن حكام، قالا: حدثنا شعبة، عن جامع بن شداد، عن عامر بن عبد الله، عن أبيه، قال: قلت لأبي: ما لك لا تحدث عن
стр. 1071
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا يحدث ابن مسعود؟ قال: أما إني لم أفارقه منذ أسلمت، ولكن سمعته يقول: "من كذب علي عامدا متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار" ١.
رواه خالد بن عبد الله الطحان، عَنْ بَيَانِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ وَبَرَةَ، عَنْ عامر بن عبد الله نحوه. أخرج طريق شعبة البخاري، وأبو داود، والنسائي، والقزويني.
قال إسحاق بن يحيى: عن موسى بن طلحة قال: كان علي، والزبير، وطلحة، وسعد، عذار عام واحد، يعني ولدوا في سنة.
وقال المدائني: كان طلحة، والزبير، وعلي، أترابا.
وقال يتيم عروة: هاجر الزبير وهو ابن ثمان عشرة سنة، وكان عمه يعلقه ويدخن عليه وهو يقول: لا أرجع إلى الكفر أبدا.
وقال عروة: جاء الزبير بسيفه، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا لك"؟ قال: أخبرت أنك أخذت، قال: "فكنت صانعا ماذا"؟ قال: كنت أضرب به من أخذك. فدعا له ولسيفه٢.
وروى هشام عن أبيه عروة، أن الزبير كان طويلا تخط رجلاه الأرض إذا ركب الدابة، أشعر، وكانت أمه صفية تضربه ضربا شديدا وهو يتيم، فقيل لها: قتلته، أهلكته، قالت:
إنما أضربه لكي يدب ... ويجر الجيش ذا الجلب
قال: وكسر يد غلام ذات يوم، فجيء بالغلام إلى صفية، فقيل لها ذلك، فقالت:
كيف وجدت وبرا
...
أأقطا أم تمرا
أم مشمعلا صقرا
قال ابن إسحاق: وأسلم على ما بلغني على يد أبي بكر: الزبير، عثمان، وطلحة، وعبد الرحمن، وسعد.
стр. 1072
وعن عمر بن مصعب بن الزبير قال: قاتل الزبير مع نبي الله، وله سبع عشرة.
أسد بن موسى، حدثنا جامع أبو سلمة، عن إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ الْبَهِيِّ قَالَ: كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فارسان: الزبير على فرس على الميمنة، والمقداد بن الأسود على فرس على الميسرة١.
وقال هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كانت عَلَى الزُّبَيْرِ يَوْمَ بَدْرٍ عِمَامَةٌ صَفْرَاءُ، فَنَزَلَ جبريل على سيماء الزبير٢.
الزبير بن بكار: عن عقبة بن مكرم، حدثنا مصعب بن سلام، عن سعد بن طريف، عن أبي جعفر الباقر، قال: كانت على الزبير يوم بدر عمامة صفراء، فنزلت الملائكة كذلك٣.
وفيه يقول عامر بْن صالح بْن عَبْد الله بْن الزُّبَيْر:
جَدِّي ابنُ عَمِّهِ أحمدٍ ووزِيرُه ... عند البَلاء وفارِسُ الشَّقْراءِ
وغداة بدْرٍ كان أوّلَ فارسٍ ... شهِدَ الْوَغَى في الّلأمَةِ الصَّفْراء
نَزَلَتْ بسِيماه الْمَلَائِكُ نُصْرَةً ... بالحوض يوم تألب الأعداء
وهو ممن هاجر إلى الحبشة فيما نقله موسى بن عقبة، وابن إسحاق ولم يطول الإقامة بها.
أبو معاوية، عن هشام "بن عروة" عن أبيه، قالت عائشة: يابن أختي! كان أبواك -تَعْنِي الزُّبَيْرَ وَأَبَا بَكْرٍ- مِنَ ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ ٤.
لَمَّا انْصَرَفَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أُحُدٍ، وَأَصَابَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ مَا أَصَابَهُمْ، خَافَ أَنْ يَرْجِعُوا، فَقَالَ: مَنْ يَنْتَدِبُ لِهَؤُلَاءِ في آثارهم، حتى يعلموا أن
стр. 1073
بنا قوة، فانتدب أبو بكر والزبير في سبعين، فخرجوا في آثار المشركين، فسمعوا بهم، فانصرفوا١، قال تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ الآية٢ "أي" لم يلقوا عدوا.
وقال البخاري، ومسلم. "عَنْ" جَابِرٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يوم الخندق: مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ بَنِي قُرَيْظَةَ؟ فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا، فَذَهَبَ عَلَى فَرَسٍ، فَجَاءَ بِخَبَرِهِمْ، ثُمَّ قال الثانية، فقال الزبير: أنا، فذهب، ثم الثالثة، فقال النبي ﷺ : "لكل نبي حواري، وحواري الزبير" ٣. رواه جماعة عن ابن المنكدر عنه.
وروى جماعة، عن هشام عن أبيه، عن ابن الزبير قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إن لكل نبي حواريا، وإن حواري الزبير" ٤.
أبو معاوية: عن هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الزبير ابن عمتي، وحواري من أمتي"٥.
يونس بن بكير: عن هشام عن أبيه عن الزبير قال: أخذ رَسُولَ اللَّهِ- ﷺ بِيَدِي فقال: "لكل نبي حواري وحواري الزبير وابن عمتي" ٦.
وبإسنادي في المسند إلى أحمد بن حنبل، حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن عاصم، عن زر قال: اسْتَأْذَنَ ابْنُ جُرْمُوزٍ عَلَى عَلِيّ وَأَنَا عِنْدَهُ، فقال علي: بَشِّرْ قَاتِلَ ابْن صَفيَّةَ بِالنَّارِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "لِكُلِّ نبي حواري وحواري الزبير" ٧. تابعه شيبان، وحماد بن سلمة.
стр. 1074
وروي جرير الضبي، عن مغيرة، عن أم موسى قالت: استأذن قاتل الزبير، فذكره.
وروى يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد اليزني أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "وحواري من الرجال الزبير، ومن النساء عائشة"١.
ابن أبي عروبة: عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنه سمع رجلا يقول: يا ابن حواري رسول الله! فقال ابن عمر: إن كنت من آل الزبير، وإلا فلا.
رواه ثقتان عنه، والحواري: الناصر.
وَقَالَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ: الْحَوَارِيُّ: الْخَالِصُ مِنْ كُلِّ شيء. وقال الكلبي: الحواري: الخليل.
هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبويه٢.
أخبرنا ابن أبي عصرون، أنبأنا أبو روح، أنبانا تميم المقرئ، أنبأنا أبو سعد الأديب، أنبأنا أبو عمرو الحيري، أنبأنا أبو يعلى الموصلي، حدثنا حوثرة بن أشرس، حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أبيه، أن ابن الزبير قال له: يا أبة! قد رأيتك تحمل على فرسك الأشقر يوم الخندق، قال: يا بني، رأيتني؟ قال: نعم، قال: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يومئذ ليجمع لأبيك أبويه، يقول: "ارم فداك أبي وأمي" ٣.
أحمد في "مسنده": حدثنا أبو أسامة، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير قال: لما كان يوم الخندق، كنت أنا وعمر بن أبي سلمة في
стр. 1075
الأطم الذي فيه نساء النبي ﷺ أطم حسان، فكان عمر يرفعني وأرفعه، فإذا رفعني، عرفت أبي حين يمر إلى بني قريظة، فيقاتلهم.
الرياشي: حدثنا الأصمعي، حدثنا ابن أبي الزناد قال: ضرب الزُّبَيْر يوم الخَنْدَق عثمانَ بنَ عبد الله بن المغيرة بالسيف على مغفره، فقطعه إلى القُرْبُوس، فقالوا: مَا أجْوَدَ سيفك! فغضب الزبير، يريد أن العمل ليده لا للسيف.
أبو خيثمة: حدثنا محمد بن الحسن المديني، حدثني أم عزوة بنت جعفر، عن أختها عائشة، عن أبيها عن جدها الزبير أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أعطاه يوم فتح مكة لواء سعد بن عبادة، فدخل الزبير مكة بلواءين.
وعن أسماء قالت: عندي للزبير ساعدان من ديباج، كان النبي ﷺ أعطاهما إياه، فقاتل فيهما١.
رواه أحمد في "مسنده" من طريق ابن لهيعة.
علي بن حرب: حدثنا ابن وهب، عن ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أبيه، أعطى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزُّبَيْرُ يلمق حرير محشو بالقز، يقاتل فيه.
وروى يحيى بن يحيى الغساني، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ الزبير: ما تخلفت عن غزوة غزاها المسلمون إلا أن أقبل فألقى ناسا يعقبون.
وعن الثوري قالا: هؤلاء الثلاثة نجدة الصحابة: حمزة، وعلي، والزبير.
حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، أخبرني من رأي الزبير وفي صدره أمثال العيون من الطعن والرمي.
معمر، عن هشام عن عروة قال: كان في الزُّبَيْر ثلاث ضربات بالسيف: إحداهُنَّ في عاتقه، إنْ كنت لأدْخِلُ أصابعي فيها، ضُرِبَ ثِنْتَيْنِ يوم بدْر، وواحدة يوم اليَرْمُوك٢.
стр. 1076
قال عروة: قال عبد الملك بن مروان، حين قتل ابن الزبير: يا عروة! هل تعرف سيف الزبير؟ قلت: نعم، قال: فما فيه؟ قلت: فلة فلها يوم بدر، فاستله فرآها فيه، فقال:
بهن فلول من قراع الكتائب
ثم أغمده ورده عليَّ، فأقمناه بيننا بثلاثة آلاف، فأخذه بعضنا، ولوددت أني كنت أخذته.
يحيى بن سعيد الأنصاري: عَنْ سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَلَى حراء، فتحرك. فقال: "اسْكُنْ حِرَاءُ! فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ، أَوْ صِدِّيقٌ، أَوْ شهيد"، وكان عليه أبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير١.
الحديث رواه معاوية بن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا، وذكر فيهم عليًّا.
وقد مر في تراجم الراشدين أن العشرة في الجنة، ومر في ترجمة طلحة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "طلحة والزبير جاراي في الجنة"٢.
أبو جعفر الرازي: عن حصين، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: إنهم يقولون: استخلف علينا، فإن حدث بي حدث، فالأمر في هؤلاء الستة الذين فارقهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عنهم راض، ثم سماهم.
أحمد في "مسنده": حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عَلِيُّ بْنُ مُسْهَرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن مروان، ولا إخاله متهما علينا، قال: أصاب عثمان رعاف سنة الرعاف، حتى تخلف عن الحج وأوصى، فدخل عليه رجل من قريش، فقال: استخلف، قال: وقالوه؟ قال: نعم. قال: من هو؟ فسكت، قال: ثم دخل عليه رجل آخر، فقال له مثل ذلك، ورد عليه نحو ذلك. قال: فقال عثمان: قالوا الزبير؟ قال: نعم. قال: أما والذي نفسي بيده، إن كان لخيرهم ما علمت، وأحبهم إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٣.
стр. 1077
رواه أبو مروان الغساني، عن هشام نحوه.
وقال هشام، عن أبيه، قال عمر: لو عهِدْت أو تركتُ ترِكَةً، كان أحبّهم إليّ الزُّبَيْر، إنّه رُكْنٌ من أركان الدين.
ابن عيينة: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه قال: أوصى إلى الزبير سبعة من الصحابة، منهم عثمان، وابن مسعود، وعبد الرحمن، فكان يُنْفِقُ على الوَرَثة من ماله، ويحفظ أموالهم.
ابن وهب: حدثنا عمرو بن الحارث، حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، أن الزبير خرج غازيا نحو مصر، فكتب إليه أمير مصر: إن الأرض قد وقع بها الطاعون، فلا تدخلها، فقال: إنما خرجت للطعن والطاعون، فدخلها، فلقي طعنة في جبهته فأفرق.
عوف: عن أبي رجاء العطاردي، قال: شهدت الزبير يوما، وأتاه رجل، فقال: ما شأنكم أصحاب رسول الله؟ أراكم أخف الناس صلاة! قال: نبادر الوسواس.
الأوزاعي: حدثني نهيك بن مريم، حدثنا مغيث بن سمي، قال: كان للزبير بن العوام ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، فلا يدخل بيته من خراجهم شيئا.
رواه سعيد بن عبد العزيز نحوه، وزاد: بل يتصدق بها كلها.
وقال الزبير بن بكار: حدثني أبو غزية محمد بن موسى، حدثنا عبد الله بن مصعب، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ المنذر، عن جدتها أسماء بنت أبي بكر قالت: مر الزبير بمجلس مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وحسان ينشدهم من شعره، وهم غير نشاط لما يسمعون منه فجلس معهم الزبير ثم قال: ما لي أركم غير أذنين لما تسمعون من شعر ابن الفريعة. فلقد كان يعرض به رَسُول الله ﷺ فيحسن استماعه، ويجزل عليه ثوابه، ولا يشتغل عنه، فقال حسان يمدح الزبير:
أقام على عهد النّبيّ وهدْيهِ ... حَوَارِيُّهُ والقولُ بالفعل يعدل
أقام على مِنْهاجِه وطريِقهِ ... يُوَالِي وَلِيَّ الْحَقِّ والحقُّ أعْدَلُ
هو الفارسُ المشهورُ والبطل الَّذِي ... يصولُ إذا مَا كان يَوْمٌ مُحَجَّلُ
стр. 1078
إذا كَشَفَتْ عن ساقِها الحربُ حَشَّها ... بأبيضَ سباق إلى الموت يرقل
وإن امرءا كانت صفية أمه ... ومن أسد في بيتها لمؤثل
له من رسول الله قربى قريبة ... ومن نصرة الإسلام مجد مؤثل
فكم كُربةٍ ذبَّ الزُّبَيْر بسيْفِه ... عن الْمُصْطَفَى والله يعطي فيجزل
ثناؤك خيرٌ من فِعالِ معاشِرٍ ... وَفِعْلُكَ يابنَ الهاشمية أفضل١
قال جويرية بن أسماء: باع الزبير دارا لها بستمائة ألف، فقيل له: يا أبا عبد الله! غبنت! قال: كلا، هي في سبيل الله.
الليث: عن هشام بن عروة، أن الزبير لما قتل عمر، محا نفسه من الديوان، وأن ابنه عبد الله لما قتل عثمان، محا نفسه من الديوان.
أحمد في "المسند" حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم: حدثنا شداد بن سعيد، حدثنا غيلان بن جرير، عن مطرف: قلت للزبير: ما جاء بكم؟ ضيعتم الخليفة حتى قتل، ثم جئتم تطلبون بدمه؟ قال: إنا قرأنا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبي بكر، وعمر، وعثمان: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ ٢، لم تكن نحسب أن أهلها، حتى وقعت منا حيث وقعت٣.
مبارك بن فضالة، عن الحسن، أن رجلا أتى الزبير وهو بالبصرة فقال: ألا أقتل عليًّا؟ قال: كيف تقتله ومعه الجنود؟ قال: ألحق به، فأكون معك، ثم أفتك به، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن"٤.
هذا في المسند، وفي "الجعديات".
الدولابي في "الذرية الطاهرة": حدثنا الدقيقي، حدثنا يزيد، سمعت شريكا، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، حَدَّثَنِي مَنْ رَأَى الزبير يقتفي آثار الخيل قعصا بالرمح، فناداه علي: يا أبا عبد الله! فأقبل عليه، حتى التقت أعناق دوابهما،
стр. 1079
فَقَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، أَتَذْكُرُ يَوْمَ كُنْتُ أُنَاجِيكَ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: تُنَاجِيهِ! فَوَاللَّهِ لَيُقَاتِلَنَّكَ وَهُوَ لَكَ ظَالِمٌ؟ قَالَ: فَلَمْ يَعْدُ أَنْ سَمِعَ الْحَدِيثَ، فَضَرَبَ وجه دابته، وذهب١.
قال أبو شهاب الحناط وغيره: عن هلاك بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ للزبير يوم الجمل: يابن صفية! هذه عائشة تملك الملك طلحة، فأنت علام تقاتل قريبك عليا؟
زاد فيه غير أبي شهاب: فرجع الزبير، فلقيه ابن جرموز فقتله.
قتيبة: حدثنا الليث عن ابن أَبِي فَرْوَةَ أَخِي إِسْحَاقَ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: حاربني خمسة: أَطْوَعُ النَّاسِ فِي النَّاسِ: عَائِشَةُ، وَأَشْجَعُ النَّاسِ: الزبير، وأمكر الناس: طلحة لم يدركه مكر قط، وأعطى الناس: يعلى بن منية، وأعبد الناس: محمد بن طلحة، كان محمودا حتى استزله أبوه، وكان يعلى يعطي الرجل الواحد ثلاثين دينارا والسلاح والفرس على أن يحاربني.
قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الرقاشي: عن جده، عن أبي جرو المازِنّي، قَالَ: شهِدْت عليًّا والزُّبَيْر حتى توافقا، فقال عليّ: يا زُبير! أنْشُدُك الله، أسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إنك تقاتلني وأنت لي ظالم؟ قَالَ: نعم، ولم أَذْكُرُه إلّا في موقفي هذا، ثم انصرف.
رواه أبو يعلى في "مسنده" وقد روى نحوه من وجوه سقنا كثيرا منها في كتاب "فتح المطالب".
قال يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: انصرف الزُّبَيْر يوم الجمل عن علي، فلقيه ابن عبد الملك، فقال: وجبنا جبنا! قال: قد علم النّاس أنّي لست بجبانٍ، ولكن ذكَّرني عليّ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فحلفت أن لَا أقاتله، ثمّ قَالَ:
تَرْكُ الأمورِ التي أخشي عواقِبَها ... في الله أحْسَنُ في الدُّنيا وفي الدين٢
стр. 1080
وقيل: إنه أنشد:
ولقد علمت لو أن علمي نافعي ... أن الحياة من الممات قريب
فلم ينشب أن قتله ابن جرموز.
وروى حُصَيْن بن عبد الرحمن، عن عَمْرو بن جاوان قال: قتل طلحة وانهزموا، فأتى الزبير سفوان فلقيه النعر المجاشعي، فقال: يا حواري رسول الله! أين تذهب؟ تعال، فأنت في ذمّتي، فسار معه، وجاء رجلٌ إلى الأحنف فقال: إن الزبير بسفوان، فما تأمر إن كان جاء فحمل بين المُسْلِمين، حتّى إذا ضرب بعضُهم حواجِبَ بعضٍ بالسيف، أراد أن يلحق ببنيه؟ قَالَ: فسمعها عمير بن جرموز، وفضالة بن حابس، ورجل يقال له نفيع، فانطلقوا حتى لقوه مقبلا مع النعر، وهم في طلبه، فأتاه عمير من خلفه، وطعنه طعنةً ضعيفة، فحمل عليه الزُّبَيْر، فلمّا استلْحمه وظنّ أنّه قاتله، قَالَ: يا فضّالة! يا نفيع! قال: فحملوا على الزبير حتى قتلوه.
عبيد الله بن موسى: حدثنا فُضَيْل بن مرزوق، حدّثني شقيق بن عقبة عن قُرَّةَ بن الحارث، عن جون بن قَتَادة قَالَ: كنت مع الزُّبَيْر يوم الجمل، وكانوا يسلمون عليه بالإمرة، إلى أن قال: فطعنه ابن جرموز ثانيا، فأثبته، فوقع، ودفن بوادي السباع، وجلس علي ﵁ يبكي عليه هو وأصحابه.
قرة بن حبيب: حدثنا الفضل بن أبي الحكم، عن أبي نضرة قال: جيء برأس الزبير إلى علي، فقال علي: تبوأ يا أعرابي مقعدك من النار، حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ قاتل الزبير في النار١.
شعبة، عن منصور بن عبد الرحمن، سمعت الشعبي يقول: أدركت خمسمائة أو أكثر من الصحابة يقولون: عليّ، وعثمان، وطلحة، والزُّبَيْر في الجنة.
قلت: لأنهم من العشرة المشهود لهم بالجنة، ومن البدريين، ومن أهل بيعة الرضوان، ومن السابقين الأولين الذين أخبر تعالى أنه رضي عنهم ورضوا عنه،
стр. 1081
ولأن الأربعة قتلوا، ورزقوا الشهادة، فنحن محبون لهم، باغضون للأربعة الذين قتلوا الأربعة.
أبو أسامة، حدثنا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الزُّبَيْرِ قال: لقيت يوم بدر عبيدة بن سعيد بن العاص، وهو مدجج لا يرى إلا عيناه، وكان يكنى أبا ذات الكرش، فحملت عليه بالعنزة، فطعنته في عينه، فمات، فأخبرت١ أن الزبير قال: لقد وضعت رجلي عليه، ثم تمطيت، فكان الجهد أن نزعتها، يعني الحربة، فلقد انثنى طرفها.
قال عروة: فسأله إياها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَاهُ إياها، فلما قبض، أخذها، ثم طلبها أبو بكر، فأعطاه إياها، فلما قبض أبو بكر، سألها عمر، فأعطاه إياها، فلما قبض أخذها، ثم طلبها عثمان منه، فأعطاه إياها، فلما قبض، وقعت عند آل علي، فطلبها عبد الله بن الزبير، فكانت عنده حتى قتل٢. غريب، تفرد به البخاري.
ابن المبارك: أنبأنا هشام، عن أبيه إنّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالوا للزبير: ألا تشد فنشد معك؟ قال: إني إن شددت، كذبتم، فقالوا: لا نفعل.
فحمل عليهم حتى شق صفوفهم، فجاوزهم وما معه أحد، ثم رجع مقبلا، فأخذوا بلجامه فضربوه ضربتين، ضربة على عاتقه بينهما ضربة ضربها يوم بدر.
قال عروة: فكنت أدخل أصابعي في تلك الضربات ألعب وأنا صغير، قال: وكان معه عبد الله بن الزبير وهو ابن عشر سنين، فحمله على فرس، ووكل به رجلا٣.
قلت: هذه الوقعة هي يوم اليمامة إن شاء الله٤، فإن عبد الله كان إذا ذاك ابن عشر سنين.
أبو بكر بن عياش: حدثنا سليمان، عن الحسن قال: لما ظفر علي بالجمل،
стр. 1082
دخل الدار والناس معه، فقال علي: إني لأعلم قائد فتنة دخل الجنة، وأتباعه إلى النار! فقال الأحنف: من هو؟ قال: الزبير١.
في إسناده إرسال، وفي لفظه نكارة، فمعاذ الله أن نشهد على أتباع الزبير، أو جند معاوية أو علي بأنهم في النار، بل نفوض أمرهم إلى الله، ونستغفر لهم. بلى: الخوارج كلاب النار، وشر قتلى تحت أديم السماء؛ لأنهم مرقوا من الإسلام، ثم لا ندري مصيرهم إلى ماذا، ولا نحكم عليهم بخلود النار، بل نقف.
ولبعضهم:
إنّ الرَّزِيةَ مَن تَضَمَّنَ قبرَه ... وادي السِّباع لِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ
لمّا أتى خبرُ الزُّبَيْر تواضعت ... سور المدينة والجبال الجشع
قال البخاري وغيره: قتل في رجب سنة ست وثلاثين.
وادي السِّباع: على سبعة فَرَاسخ من البصْرة.
قال الواقدي وابن نمير: قتل وله أربع وستون سنة. وقال غيرهما: قيل وله بضع وخمسون سنة، وهو أشبه.
قال القحذمي: كانت تحته أسماء بنت أبي بكر، وعاتكة أخت سعيد بن زيد، وأم خالد بنت خالد بن سعيد، وأم مصعب الكلبية.
قال ابن المديني: سمعت سفيان يقول: جاء ابن جُرْمُوز إلى مُصْعَب بن الزُّبَيْرِ -يعني لما ولي إمرة العراق لأخيه الخليفة عبد الله بن الزبير- فقال: أقدني بالزبير، فكتب في ذلك يشاور ابن الزبير، فجاءه الخبر: أنا أقتل ابن جرموز بالزبير؟ ولا بشسع نعله.
قلت: أكل المغتر يديه ندما على قتله، واستغفر، لا كقاتل طلحة، وقاتل عثمان، وقاتل علي.
الزبير: حدثني علي بن صالح، عن عامر بن صالح، عن مسالم بن
стр. 1083
عبد الله بن عروة، عن أبيه، أن عمير بن جرموز أتي، حتى وضع يده في يد مصعب، فسجنه، وكتب إلى أخيه في أمره، فكتب إليه أن بئس ما صنعت، أظننت أني قاتل أعرابيا بالزبير؟ خل سبيله، فخلاه فلحق بقصر بالسواد عليه "أزج"، ثمّ أمر إنسانًا أن يطرحه عليه، فطرحه عليه، فقتله، وكان قد كرِه الحياة لما كان يهول عليه ويرى في منامه.
قال ابن قتيبة: حدثنا محمد بن عتبة، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه أن الزبير ترك من العروض بخمسين ألف ألف دِرْهم، ومن العين خمسين ألف ألف درهم، كذا هذه الرواية. وقال ابن عيينة: عن هشام، عن أبيه قَالَ: اقتُسِم مالُ الزُّبَيْر على أربعين ألف ألف.
أبو أسامة: أخبرني هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ الزبير قال: لما وقف الزبير يوم الجمل، دعاني، فقمت إلى جنبه، فقال: يا بني! إنه لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم، وإني لا أراني إلا سأقتل اليوم مظلوما، وإن من أكبر همي لديني، أفترى ديننا يبقى من مالنا شيئا؟ يا بني! بع ما لنا، فاقض ديني، فأوصى بالثلث وثلث الثلث إلى عبد الله، فإن فضل من مآلنا بعد قضاء الدين شيء، فثلث لولدك.
قال هشام: وكان بعض ولد عبد الله قد وازى بعض بني الزبير وخبيب وعباد، وله يومئذ تسع بنات، قال عبد الله: فجعل يوصيني بدينه، ويقول: يا بني! إن عجزت عن شيء منه، فاستعن بمولاي، قال: فوالله ما دريت ما عنى حتى قلت: يا أبة! من مولاك؟ قال: الله ! قال: فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقض عنه، فيقضيه.
قال: وقتل الزبير، ولم يدع دينارا ولا درهما، إلا أرضين بالغابة، ودارا بالمدينة، ودارا بالبصرة ودارا بالكوفة، ودارا بمصر، قال: وإنما كان الذي عليه أن الرجل يجيء بالمال، فيستودعه، فيقول الزبير: لا ولكن هو سلف، إني أخشى عليه الضيعة: وما ولي إمارة قط، ولا جباية، ولا خراجا، ولا شيئا، إلا أن يكون في غزو مع النبي ﷺ أو مع أبي بكر، وعمر، وعثمان، فحسبت دينه، فوجدته ألفي ألفي ومائتي ألف، فلقي حكيم بن حزام الأسدي عبد الله فقال: يا
стр. 1084
ابن أخي! كم على أخي من الدين؟ فكتمه، وقال: مائة ألف، فقال حكيم: ما أرى أموالكم تتسع لهذه! فقال عبد الله: أفرأيت إن كانت ألفي ألفي ومائتي ألف! قال: ما أراكم تطيقون هذا، فإن عجزتم عن شيء، فاستعينوا بي، وكان الزبير قد اشتى الغابة بسبعين ومائة ألف، فباعها عبد الله بألف ألف وستمائة ألف، وقال: من كان له على الزبير دين، فليأتنا بالغابة. فأتاه عبد الله بن جعفر، وكان له على الزبير أربعمائة ألف، فقال لابن الزبير: إن شئت، تركتها لكم قال: لا، قال: فاقطعوا لي قطعة، قال: لك من ههنا إلى ههنا، قال: فباعه بقضاء دينه، قال: وبقي منها أربعة أسهم ونصف، فقال المنذر بن الزبير، قد أخذت سهما بمائة ألف، وقال عمرو بن عثمان: قد أخذت سهما بمائة ألف، وقال ابن ربيعة، قد أخذت سهما بمائة ألف، فقال معاوية، كم بقي؟ قال: سهم ونصف، قال: قد أخذته بمائة وخمسين ألفا، قال: وباع ابن جعفر نصيبه من معاوية بستمائة ألف، فلما فرغ ابن الزبير من قضاء دينه، قال بنو الزبير، اقسم بيننا ميراثنا، قال: لا والله! حتى أنادي بالموسم أربع سنين: ألا من كان له على الزبير دين فليأتنا فلنقضه، فجعل كل سنة ينادي بالموسم، فلما مضت أربع سنين قسم بينهم. فكان للزبير، أربع نسوة. قال: فرفع الثلث، فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائة ألف، فجمع ماله خمسون ألفا ألفا ومائتا ألف١.
للزبير في "مسند بقي بن مخلد" ثمانية وثلاثون حديثا، منها في "الصحيحين" حديثان وانفرد البخاري بسبعة أحاديث.
قال هشام: عن أبيه، قال: بلغ حصة عاتكة بنت زيد بْن عمرو بْن نُفَيْلٍ زوجة الزبير من ميراثه ثمانين ألف درهم.
وقالت ترثيه:
غدر ابن جرموز بفارس بهمة ... يوم اللقاء وكان غير معرد
يا عمرو لو نبهته لوجدته ... لا طائشا رعش البنان ولا اليد
ثكلتك أمك إن ظفرت بمثله ... فيما مضى مما تروح وتغتدي
كم غمرة قد خاضها لم يثنه ... عنها طرادك يا ابن فقع الفدفد
والله ربك إن قتلت لمسلما ... حلت عليك عقوبة المتعمد
стр. 1085
٩- "ع" عبد الرحمن بن عوف "ت ٣٢هـ" بن عبد عوف بن عبد بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ بْنُ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لؤي، أبو محمد.
أحد العشرة، وأحد الستة أهل الشورى، وأحد السابقين البدريين، القرشي الزهري، وهو أحد الثمانية الذين بادروا إلى الإسلام، له عدة أحاديث.
روى عنه ابن عباس، وابن عمر، وأنس بن مالك، وبنوه: إبراهيم، وحميد، وأبو سلمة، وعمرو، ومصعب بنو عبد الرحمن، ومالك بن أوس، وطائفة سواهم. له في "الصحيحين" حديثان. وانفرد له البخاري بخمسة أحاديث. ومجموع ما له في "مسند بقي" خمسة وستون حديثا.
وكان اسمه في الجاهلية عبد عمرو، وقيل عبد الكعبة، فسمّاه النّبيّ ﷺ عبد الرحمن١.
وحدث عنه أيضا من الصحابة: جبير بن مطعم، وجابر بن عبد الله، والمسور بن مخرمة، وعبد الله بن عامر بن ربيعة.
وقدم الجابية مع عمرو، فكان على الميمنة، وكان في نوبة سرغ على الميسرة.
أخبرنا محمد بن حازم بن حامد، ومحمد بن علي بن فضل، قالا: أنبأنا أبو القاسم بن صصري، أنبأنا أبو القاسم بن البن الأسدي "ح" وأنبأنا محمد بن على السلمي، وأحمد بن عبد الرحمن الصوري، قالا: أنبأنا أبو القاسم الحسين بن هبة الله التغلبي، أنبأنا أبو القاسم بن البن، ونصر بن أحمد السوسي، قالا: أنبأنا علي بن محمد بن علي الفقيه، أنبأنا أَبُو منصور محمد، وأبو عبد الله أَحْمَد، أنبأنا الحسين بن سهل بن الصباح، ببلد، في ربيع الآخر سنة سبع وعشرين وأربعمائة، قالا: حدثنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن أحمد الإمام، حدثنا علي بن حرب الطائي، حدثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، سمع بجالة يقول: كنت كاتبا لجزء بن معاوية، عم الأحنف بن قيس، فأتانا كتاب عمر قبل موته بسنة، أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، وفرقوا بين كل ذي محرم من المجوس، وانهوهم عن الزمزمة٢. فقتلنا ثلاث سواحر، وجعلنا نفرق بين الرجل
стр. 1086
وحريمته في كتاب الله. وصنع لهم طعاما كثيرا، ودعا المجوس، وعرض السيف على فخذه، وألقي وقر١ بغل أو بغلين من ورق، وأكلوا بغير زمزمة. ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس، حتى شهد عبد الرحمن بْن عَوْفُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أخذها من مجوس هجر٢.
هذا حديث غريب مخرج في صحيح البخاري، وسنن أبي داود، والنسائي، والترمذي من طريق سفيان، فوقع لنا بدلا. ورواه حجاج بن أرطاة عن عمرو مختصرا، وروى منه أخذ الجزية من المجوس أبو داود، عن الثقة، عن يحيى بن حسان، عن هشيم، عن داود بن أبي هند، عن قشير بن عمرو، عن بجالة بن عبدة، عن ابن عباس، عن ابن عوف.
أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد العلوي، أنبأنا محمد بن أحمد القطيعي، أنبأنا محمد بن عبيد الله المجلد "ح" وأنبأنا أحمد بن إسحاق الزاهد، أنبأنا أبو نصر عمر بن محمد التيمي، أنبأنا هبة الله بن أحمد الشبلي، قالا: أنبأنا محمد بن محمد الهاشمي، أنبأنا أبو طاهر المخلص، حدثنا عبد الله البغوي حدثنا أبو نصر التمار، حدثنا القاسم بن فضل الحداني عن النضر بن شيبان قال: قلت لأبي سلمة: حدثني بشيء سمعته من أبيك يحدث به عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال: حدثني أبي في شهر رمضان قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فرض "الله" عليكم شهر رمضان، وسننت لكم قيامة، فمن صامه وقامه إيمانا واحتسابا، خرج من الذنوب كيوم ولدته أمه"٣.
هذا حديث حسن غريب. أخرجه النسائي، عن أبي راهويه، عن النضر بن
стр. 1087
شميل. وابن ماجه، عن يحيى بن حكيم، عن أبي داود الطيالسي، جميعا عن الحداني.
قال النسائي: الصواب حديث الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
أخبرنا محمد بن عبد السلام العصروي، أنبأنا عبد المعز بن محمد الهروي، أنبأنا تميم الجرجاني، أنبأنا محمد بن عبد الرحمن النيسابوري، أنبأنا محمد بن أحمد الحيري، أنبأنا أحمد بن على الموصلي، حدثنا أبو خيثمة، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني مكحول، عن كريب، عن ابن عباس قال: جلسنا مع عمر، فقال: هل سَمِعْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شيئا أمر به المرء المسلم إذا سها في صلاته، كيف يصنع؟ فقلت: لا والله، أو ما سمعت أنت يا أمير المؤمين من رسول الله في ذلك شيئا؟ فقال: لا والله. فبينا نحن في ذلك أتى عبد الرحمن بن عوف فقال: فيم أنتما؟ فقال عمر: سألته، فأخبره.
فقال له عبد الرحمن: لكني قد سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يأمر في ذلك. فقال له عمر: فأنت عندنا عدل، فماذا سمعت؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إذا سها أحدكم في صلاته حتى لا يدري أزاد أم نقص، فإن كان شك في الواحدة والثنتين، فليجعلها واحدة، وإذا شك في الثنتين أو الثلاث، فليجعلها ثنتين، وإذا شك في الثلاث والأربع، فليجعلها ثلاثا حتى يكون الوهم في الزيادة، ثم يسجد سجدتين، وهو جالس، قبل أن يسلم، ثم يسلم" ١.
هذا حديث حسن، صححه الترمذي، ورواه عن بندار، عن محمد بن خالد بن عثمة، عن إبراهيم بن سعد، فطريقنا أعلى بدرجة. ورواه الحافظ ابن عساكر في صدر ترجمة ابن عوف وفيه: فقال: فحدثنا، فأنت عندنا العدل والرضا.
فأصحاب رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّ كانوا عدولا فبعضهم أعدل من بعض وأثبت. فهنا عمر قنع بخبر عبد الرحمن، وفي قصة الاستئذان يقول: ائت بمن
стр. 1088
يشهد معك١، وعلي بن أبي طالب يقول: كان إذا حدثني رجل عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ استحلفته، وحدثني أبو بكر، وصدق أبو بكر٢، فلم يحتج على أن يستحلف الصديق، والله أعلم.
قال المدائني: ولد عبد الرحمن بعد عام الفيل بعشر سنين٣.
وقال الزبير: ولد الحارث بن زهرة عبدا، وعبد الله، وأمهما قيلة. ومن ولد عبد عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد.
وكذا نسبه ابن إسحاق، وابن سعد، وأسقط البخاري والفسوي "عبدا" من نسبه، وقاله قبلهما عروة، والزهري.
وقال الهيثم الشاشي وأبو نصر الكلاباذي وغيرهما: عبد عَوْف بْن عبد الحارث بْن زُهْرَةَ. وأم عبد الرحمن هي: الشفاء بنت عوف بن عبد الحارث بن زهرة. قاله جماعة. وقال أبو أحمد الحاكم: أمه صفية بنت عبد مناف بن زهرة بن كلاب، ويقال: الشفاء بنت عوف.
إبراهيم بن سعيد: حدثني أبي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قال: كان اسمي عبد عمرو، فلما أسلمت، سمّاني رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ الرحمن٤.
إبراهيم بن المنذر: حدثنا عبد العزيز بن أبي ثابت، عن سعيد بن زياد، عن حسن بن عمر، عن سهلة بنت عاصم قالت: كان عبد الرحمن بن عوف أبيض.
стр. 1089
أعين، أهدب الأشفار، أفتى، طويل النابين الأعليين، وربما أدمى نابه شفته، له جمة أسفل من أذنيه، أعنق، ضخم الكتفين.
وروى زياد البكائي عن ابن إسحاق قال: كان ساقط الثنيتين، أهتم، أعسر، أعرج. كان أُصيب يوم أُحُدٍ فَهَتِم، وجُرِح عشرين جراحةً، بعضها في رجله، فعرج.
الواقدي: حدثنا عبدَ الله بْن جَعْفَر، عَنْ يعقوب بن عتبة قال: وكان عبد الرحمن رجلا طوالا، حسن الوجه، رقيق البشرة، فيه جنأ، أبيض، مشربا حمرة، لا يغير شيبه.
وقال ابن إسحاق: حدثنا صَالِحُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ قال: كنا نسير مع عثمان في طريق مكة، إذ رأى عبد الرحمن بن عوف، فَقَالَ عثمان: مَا يستطيع أحدٌ أن يعتدَّ على هذا الشيخ فضلًا في الهجرتين جميعًا.
وروى نحوه العقدي عن عبد الله بن جعفر، عن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عن أبيه، عن المسور بن مخرمة، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد، وجماعة، قالوا: أنبأنا عبد الله بن عمر، أنبأنا أبو الوقت، أنبأنا أبو الحسن الداودي، أنبأنا أبو محمد عبد الله بن عمر، أنبأنا أبو الوقت، أنبأنا أبو الحسن الداودي، أنبأنا أبو محمد بن حمويه، أنبأنا إبراهيم بن خزيم، حدثنا عبد بن حميد، حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا عمارة بن زاذان، عن ثابت، عن أنس أن عبد الرحمن بن عوف لما هاجر رسول الله ﷺ آخى بينه وبين عثمان، كذا هذا، فقال: إن لي حائطين، فاختر أيهما شئت. قال: بل دلني على السوق، إلى أن قال: فكثر ماله، حتى قدمت له سبعمائة راحلة تحمل البر والدقيق والطعام، فلما دخلت سمع لأهل المدينة رجة، فبلغ عائشة، فَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "عبد الرحمن لَا يدخل الجنة إلَّا حَبْوًا".
فلمّا بلغه قال: يا أمه! إني أُشْهِدُكِ أَنَّها بأحمالها وأحلاسها١ في سبيل الله٢.
стр. 1090
أخرجه أحمد في "مسند" عن عبد الصمد بن حسان، عن عمارة، وقال: حديث منكر.
قلت: وفي لفظ أحمد: فَقَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قد رأيت عبد الرحمن لا يدخل الجنة إلا حبوا"، فقال: إن استطعت لأدخلنها قائما. فجعلها بأقتابها وأحمالها في سبيل الله١.
أخبرنا جماعة، كتابة، عن أبي الفرج بن الجوزي، وأجاز لنا ابن علان وغيره، أنبأنا الكندي، قالا: أنبأنا أبو منصور القزاز، أنبأنا أبو بكر الخطيب أنبأنا ابن المذهب، أنبأنا القطيعي حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، حدثنا هذيل بن ميمون، عن مطرح بن يزيد، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "دخلت الجنة فسمعت خشفة، فقلت: ما هذا؟ " قيل: بلال.
إلى أن قال: "فاستبطأت عبد الرحمن بن عوف، ثم جاء بعد الإياس. فقلت: عبد الرحمن؟ " فقال: بأبي وأمي يا رسول الله! ما خلصت إليك حتى ظننت أني لا أنظر إليك أبدا. قال: "وما ذاك" قال: من كثرة مالي أحاسب، وأمحص٢.
إسناده واه. وأما الذي قبله فتفرد به عمارة، وفيه لين.
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: يُكْتَبُ حَدِيثُهُ، وَقَالَ ابْنُ معين: صالح.
وقال ابن عدي: عندي لا بأس به. قلت: لم يحتج به النسائي.
وبكل حال فلو تأخر عبد الرحمن عن رفاقه للحساب، ودخل الجنة حبوا على سبيل الاستعارة، وضرب المثل، فإن منزلته في الجنة ليست بدون منزلة علي والزبير، رضي الله عن الكل.
ومن مناقبه أن النبي ﷺ شهد له بالجنة، وأنه من أهل بدر الذين قيل