أحداث سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة:
الخلاف بين السلطان ملكشاه وأخيه:
فيها: عرضَ السّلطان ملِكْشاه جيشه بالرَّيّ، فأسقط منهم سبعة آلاف لم يرض حالهم. فساروا إلى أخيه تكش، فقوي بهم وأظهر العصيان، واستولى على مَرْو وتِرْمذ، وسار إلى نَيْسابور؛ فسبقه إليها السّلطان، فردَّ وتحصّن بتِرْمذ، ثمّ نزل إليه، فعفا عنه١.
стр. 10607
أحداث سنة أربع وسبعين وأربعمائة:
خطبة الخليفة المقتدي بنت السّلطان:
فيها: بعث الخليفة المقتدي بالله الوزير أبا نصر بن جهير يخطُب ابنَة السّلطان. فأجابوا: على أن لا يتسرّى عليها١، ولا يبيت إلّا عندها.
حصار مدينة قابس:
وفيها: حاصر تميم صاحب إفريقية مدينة قابس، وأتلفَ جُندُه بساتينها، وضيَّق على أهلها.
стр. 10608
فتح تتش لأنطرطوس:
وفيها: سار تتش صاحب دمشق، فافتتح أَنْطَرَطُوس، وغيرها.
أخذ صاحب الموصل لحرّان:
وفيها: أخذ شرف الدّولة صاحب الموصل حرّان من بني وثّاب النُّمَيْريّين، وصالحه صاحب الرُّها وخطب له.
وفاة الأمير داود بن ملكشاه:
وفيها: مات الأمير داود ولد السّلطان ملكشاه، فجزع عليه، ومنع مِن دفنه حتّى تغيرت رائحته، وأراد قتل نفسه مرّات فيمنعونه. كذا نقل صاحب الكامل.
تملّك عليّ بن مقلّد حصن شَيْزر:
وفيها: تملك الأمير سديد الدولة أبو الحَسَن عَليّ بن مُقَلّد بن نصر بن مُنْقذ الكِنَانيّ حصن شَيْزَر، وانتزعه من الفرنج. وكان له عشيرة وأصحاب، وكانوا ينزلون بقرب شَيْزَر، فنازلها ثمّ تسلّمها بالأمان.
فلم تزل شَيْزَر بيده ويد أولاده، إلى أن هدمتها الزَّلزلة وقتلت أكثر مَن بها، فأخذها السّلطان نور الدين محمود، وأصلحها وجدَّدها.
وفاة سديد الدّولة ابن منقذ:
وأما سديد الدّولة فلم يحيى بعد أن تملّكها إلّا نحو السّنة. وكان فارسًا شجاعًا شاعرًا. وتملَّك بعده ابنه أبو المرهف نصر.
وفاة الأمير دُبَيْس الأسَديّ:
وفيها: مات نور الدّولة دُبَيْس بن الأمير سند الدّولة عليّ بن مزيد الأسديّ، وقد وُلْي الإمارة صبيًّا بعد أبيه من سنة ستًّ وأربعمائة، وبَقِي رئيس العرب هذه المدّة كلّها. وكان كريمًا عاقلًا شريفًا، قليل الشّرّ والظلم١.
стр. 10609
أحداث سنة خمس وسبعين وأربعمائة:
الخلاف بين الواعظ الأشعريّ والحنابلة ببغداد:
فيها: قدِم الشريف أبو القاسم البكْريّ الواعظ الأشعريّ بغداد، وكان جاء من الغرب وقصد نظام المُلْك فأحبّه ومال إليه، وبعثه إلى بغداد، فوعظ بالنّظامية، وأخذ يذكر الحنابلة ويرميهم بالتّجسيد، ويثني على الإمام أحمد ويقول: ﴿مَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢] .
ثمّ وقَعَ بينه وبين جماعة من الحنابلة سبٌّ، فَكَبَس دُورَ بني الفرّاء، وأخذ كتابَ أبي يَعْلَى الفرّاء، ﵀، في إبطال التّأويل، فكان يُقرأ بين يديه وهو جالس على المنبر، فيشنَّع به، فلقّبوه عَلَم السّنَّة.
ولمّا مات دفنوه عند قبر أبي الحَسَن الأشعريّ.
إيفاد الشيرازيً رسولًا:
وفي آخر السّنة بعث الخليفة الشّيخ أبا إسحاق الشّيرازيّ رسولًا إلى السّلطان يتضمّن الشَّكوى من العميد أبي الفتح.
ضرب الطبول لمؤيد المُلْك:
وفيها: قدِم مؤيد الملك بن نظام المُلْك من إصبهان، ونزل بالنّظاميّة، وضُربت على بابه الطُّبول أوقات الصَّلوات الثلاثة، فأعطي مالًا جزيلًا حتّى قطعها وبعث بها إلى تِكْرِيت.
стр. 10610
أحداث سنة ست وسبعين وأربعمائة:
وزارة ابن المسلمة:
فيها: عُزِل عميد الدّولة بن جَهير عن وزارة الخليفة، ووُلْي أبو الفتح المظفَّر بن رئيس الرؤساء ابن المسلمة.
وسار ابن جَهير وأبوه إلى السّلطان فأكرمهم.
ولاية فخر الدّولة على ديار بكر:
وعقد لابنه فخر الدّولة على ديار بكر وأعطاه الكوسات والعساكر، وأمره أن ينتزعها من بني مروان.
عصيان أهل حرّان على مسلم بن قريش:
وفيها: عصى أهلُ حرّان١ على شرف الدّولة مسلم بن قريش، وأطاعوا قاضيهم ابن جلبة الحنبليّ، وعَزَموا على تسليم حَرّان إلى جَنق أمير التّركمان لكونه سُنّيا، ولكون مسلم رافضيًّا.
وكان مسلم على دمشق يحاصر أخا السّلطان تاج الدّولة تُتُش في هوى المصريّين، فأسرع إلى حرّان ورماها بالمنجنيق، وافتتح البلد، وقتل القاضي وولديه، ﵏.
قصْد تاج الدّولة أنطاكية:
وكان تاج الدّولة قد سار فقصد أنطاكية.
عزل المظفّر ووزارة أبي شجاع:
وفيها: عزل المظفّر ابن رئيس الرؤساء من وزارة الخليفة، وولي أبو شجاع محمد بن الحُسين، ولقّبه الخليفة ظهير الدّين، ومَدَحته الشعراء فأكثروا.
مقتل سيّد الرؤساء ابن كمال المُلْك:
وفيها: قتلة سيد الرؤساء أبي المحاسن بن كمال المُلْك بن أبي الرّضا، وكان قد قرُب من السّلطان مَلِكْشاه إلى الغاية. وكان أبوه كمال المُلْك يُكْتَب الإنشاء للسلطان. فقال أبو المحاسن: أيُّها الملك، سلِّم إليَّ نظام المُلْك وأصحابَه وأنا أعطيك ألف ألف دينار، فإنَّهم قد أكلوا البلاد.
стр. 10611
فبلغ ذلك نظام المُلْك، فمدَّ سماطًا١ وأقام عليه مماليكه، وهم أُلُوف من الأتراك، كذا قال ابن الأثير، وأقام خَيْلهم وسلاحهم. فلمّا حضر السّلطان قال له: إنّني في خدمتك وخدمة أبيك وجدّك، وُلْي حقّ خدمة. وقد بَلَغَكَ أخذي لأموالك، وصَدَق القائل. أنا آخذ المال وأعطيه لهؤلاء الغلمان الذين جمعتهم لك. وأصرفه أيضًا في الصَّدقات والوقوف والصِّلات التي مُعظم ذِكرها وأجرها لك. وأموالي وجميع ما أملكه بين يديك، وأنا أقنع بمرقَّعة وزاوية.
فصفَا له السّلطان، وأمر أن تُسْمَل عينا أبي المحاسن، ونفَّذه إلى قلعة ساوة. فسمع أبوه كمال المُلْك الخبر. فاستجار بنظام المُلْك وحمل مائتي ألف دينار، وعُزِل عن الطُّغراء، يعني كتابة السّرَّ، ووليها مؤيَّد الملك ابن النظام.
محاصرة المهدية والقيروان:
وفيها: خرج على تميم بن المُعزّ: ملكُ بنُ علويّ أمير العرب، وحاصر المهديّة، وتعب معه تميم، ثمّ سار إلى القيروان فملكها، فجهز إليه تميم جيوشه، فحاصروه بالقيروان، فعجز وخرج منها، وعادت إلى يد تميم.
رخْص الأسعار:
وفيها: رخصت الأسعار بسائر البلاد، وعاش النّاس، ولله الحمد.
стр. 10612
أحداث سنة سبع وسبعين وأربعمائة:
الحرب بين العرب والتركمان عند آمِد:
فيها: بعث السّلطان جيشًا عليهم الأمير أُرْتُق بن أكسُب نجدةً لفخر الدّولة بن جَهير. وكان ابن مروان قد مضى إلى مشرف الدّولة صاحب الموصل، واستنجد به، على أن يُسلّم إليه آمد، وحلف له على ذلك، وكانت بينهما إحنٌ قديمة، فاتفقا على حرب ابن جهير وسارا، فمالَ ابنُ جهير إلى الصُّلْح، وعلمت التُّرْكُمان نيّته، فساروا في الليل، وأتوا العرب فأحاطوا بهم، والْتَحم القتال، فانهزمت العرب، وأُسِرَت أمراء بني عقيل، وغنمت التُركمان لهم شيئًا كثيرًا.
واستظهر ابن جَهير وحاصر شرف الدّولة، فراسَلَ شرف الدّولة أرتق وبذل له مالًا، وسأله أن يمُن عليه، ويمكنه من الخروج من آمد. فإذن له، فساق على حميّةٍ، وقصد الرَّقة، وبعث بالمال إلى أرتق. وسافر فخر الدّولة إلى خلاط.
وبلغ السّلطان أنّ شرف الدّولة قد انهزم وحُصر بآمد، فجهَّز عميد الدّولة ابن جهير في جيشٍ مدادًا لأبيه، فقدِم الموصل، وفي خدمته من الأمراء: قسيم الدّولة آقسنقر جد السّلطان نور الدين ﵀، والأمير أرتق، وفتح له أهل الموصل البلد فتسلّمه.
مصالحة السّلطان وشرف الدّولة:
وسار السّلطان بنفسه ليستولي على بلاد شرف الدّولة ابن قريش، فأتاه البريد بخروج أخيه تكش بخُراسان، فبعث مؤيّد الدّولة ابن النظام إلى شرف الدّولة، وهو بنواحي الرحبة، وحلف له، فحضر إلى خدمة السّلطان، فخلع عليه، وقدَّم هو خيلًا عربيّة من جملتها فرسَه بَشّار، وكان فرسًا عديم النظير في زمانه، لا يُسْبق. فأُجري بين يديه، فجاء سابقًا، فوثب قائمًا من شدّة فرحه، وصالح شرف الدّولة.
عصيان تكش على أخيه السّلطان:
وعاد إلى خُراسان لحرب أخيه، وكان قد صالحه. فلما رأى تكش الآن بُعد السّلطان عنه عاد إلى العصيان، فظفر به السّلطان فكحّله وسجنه، وليته قتله، فإنّه قصد مَرْو، فدخلها وأباحها لعسكره ثلاثة أيام، فنهبوا الأموال، وفعلوا العظائم١، وشربوا في الجامع في رمضان.
استرجاع أنطاكية من الروم:
وفيها: سار سُليمان بن قُتْلُمِش السلْجوقيْ صاحب قونية وأقصرا بجيوشه إلى الشّام، فأخذ أنطاكية، وكانت بيد الروم من سنة ثمانٍ وخمسين وثلاثمائة، وسبب أخذها أنّ صاحبها كان قد سار عنها إلى بلاد الروم، ورتَّب بها شحنة. وكان مسيئًا
стр. 10613
إلى أهلها وإلى جُنده حتّى أنه حبس ابنه. فاتّفق ابنه والشّحنة على تسليم البلد إلى سُليمان، فكاتبوه يستدعونه، فركب في البحر في ثلاثمائة فارس، وجمع من الرّجّالة، وطلع من المراكب، وسار في جبالٍ وعرة ومضائق صعبة حتّى وصل إليها بغتةً ونصب السلالم ودخلها في شعبان. وقاتلوه قتالًا ضعيفًا، وقتل جماعة وعفا عن الرعيّة، وعدل فيهم، وأخذ منها أموالًا لا تُحصى. ثمّ أرسل إلى السّلطان ملكشاه يبشّره، فأظهر السّلطان السرور، وهنأه النّاس.
وفيها يقول الأبِيوَرْدِيّ قصيدته:
لَمَعْت كناصية الحِصان الأشقرِ ... نارٌ بمعتَلِج الكثيبِ الأعفَرِ
منها:
وفتحتَ أنطاكيَّة الرّوم التي ... نَشَرَتْ مَعَاقِلَها على الإسكندرِ
وطِئَتْ مناكبَها جيادُك فانْثَنَت ... تُلقِي أجنتَّها بناتُ الأصفرِ
وأرسل شرف الدّولة مسلم بن قريش إلى سُليمان يطلب منه الحَمل الذي كان يحمله إليه صاحبُ أنطاكية. فبعث يقول له: إنّما ذاك المال كان جزية رأس الفردروس، وأنا بحمد اللَّه فمؤمن، ولا أعطيك شيئًا.
فنهب شرف الدّولة بلاد أنطاكيّة، فنهب سُليمان أيضًا بلاد حلب، فاستغاث له أهلُ القرى، فرقَّ لهم، وأمرَ جُنْدَه بإعادة عامّة ما نهبوه.
مقتل شرف الدولة بنواحي أنطاكية:
ثمّ إنّ شرف الدّولة حشد العساكر، وسار لحصار أنطاكية، فأقبل سُليمان بعساكره، فالتقيا في صَفَر سنة ثمانٍ وسبعين بنواحي أنطاكية، فانهزمت العرب، وقُتل شرف الدّولة بعد أن ثبت، وقتِل بين يديه أربعمائة من شباب حلب.
وكان أخوه إبراهيم في سجنه، فأخرجوه وملّكوه.
حصار حلب:
وسار سُليمان فنازل حلب وحاصرها أكثر من شهر، وترحّل عنها.
ولاية آقسنقر شحنكية بغداد:
وفيها: وُلْي شحنكيّة١ بغداد قسيم الدّولة آقسنقر.
стр. 10614
أحداث سنة ثمان وسبعين وأربعمائة:
استيلاء الأدفُونش على طليطلة:
كان قد جمع الأدفونش، لعنه الله، جيوشَه، وسار فنزل على مدينة طُليطلَة من بلاد الأندلس في السّتين الماضية، فحاصرها سبْع سِنين، وأخذها في العام من صاحبها القادر بالله ولد المأمون يحيى بن ذي النون، فازداد قوّةً وطغى وتجبَّر.
موقعة الملثّمين بالأندلس:
وكان ملوك الأندلس، حتّى المعتمد صاحب قُرْطُبة وإشبيلية، يحمل إليه قطيعة كلّ عام. فاستعان المعتمد بن عبّاد على حربه بالملثّمين من البربر، فدخلوا إلى الأندلس، فكانت بينهم وقعة مشهورة، ولكن أساء يوسف بن تاشفين ملك الملثمين إلى ابن عبّاد، وعمل عليه، وأخذ منه البلاد، وسجنه بأغمات إلى أن مات.
رواية ابن حزم عن كتاب الأدفونش إلى المعتمد بن عبّاد:
وذكر اليَسَع بن حَزْم قال: كان وجّه أدفونش بن شانجة رسولًا إلى المعتمد. وكان من أعيان ملوك الفرنج يقال له: البرهنس، معه كتاب كتبه رجلٌ من فقهاء طُلَيْطلة تنصَّر ويُعرف بابن الخيّاط، فكان إذا عُيِّر قال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] والكتاب: من الإنبراطور ذي الملّتين الملك أدفونش بن شانجة، إلى المعتمد بالله، سدّد الله آراءه، وبصّره مقاصد الرشاد. قد أبصرت تَزَلْزُل أقطار طُلَيْطُلة، وحصارها في سالف هذه السّنين، فأسلمتم إخوانكم، وعطّلتم بالدَّعة زمانكم، والحذر من أيقظ بالَهَ قبل الوقوع في الحبالة. ولولا عهدٍ سَلَفَ بيننا نحفظ ذِمامه نهض العزم، ولكن الإنذار يقطع الأعذار، ولا يعجل إلا من يخاف الفوت فيما يرومه، وقد حمّلنا الرّسالة إليك السّيد البرهانس، وعنده من التسديد الذي يلقى به أمثالك، والعقل الذي يدبّر به بلادك ورجالك، ما أوجب استنابته فيما يدق ويجلّ.
стр. 10615
فلمّا قدم الرسول أحضر المعتمد الأكابر، وقرئ الكتاب، فبكى أبو عبد الله بن عبد البَر وقال: قد أبصرنا ببصائرنا أنَّ مآل هذه الأموال إلى هذا، وأن مسالمة الّعين قوّة بلاده، فلو تضافرنا لم نصبح في التّلاف تحت ذلّ الخلاف، وما بَقِي إلّا الرجوع إلى الله والجهاد.
وأما ابن زيدون وابن لَبُون فقالا: الرأي مهادنته ومسالمته. فجنح المعتمد إلى الحرب، وإلى استمداد ملك البربر، فقال جماعة: نخاف عليك من استمداده. فقال: رعْي الْجِمال خيرٌ من رعي الخنازير.
جواب المعتمد بن عبّاد إلى الأدفونش:
ثمّ أخذ وكتب جواب أدفونش بخطِّهِ، ونصّه:
الذّلُّ تأباه الكرامُ ودِيننا ... لك ما ندين به من البأساءِ
سمناك سلمًا ما أردت وبعد ذا ... نغزوك في الإصباح والإمساءِ
الله أعلى من صليبك فادرع ... لكتيبة خطبتك في الهيجاء
سوداء غابت شمسها في غَيْمها ... فجرت مدامُعها بفَيْض دماءِ
ما بيننا إلّا النّزال وفتنة ... قدحت زِناد الصّبر في الغماءِ
من الملك المنصور بفضل الله المعتمد على الله محمد بن المعتضد بالله، إلى الطّاغية الباغية أدفونش الّذي لقَّب نفسه ملك الملوك، وتسمّى بذي الملَّتين. سلام على من اتَّبع الهُدى، فأول ما نبدأ به من دعواه أنه ذو المِلَّتين والمسلمون أحقّ بهذا الاسم؛ لأنّ الذي نملكه من نصارى البلاد، وعظيم الاستعداد، ولا تبلغه قدرتكم، ولا تعرفه ملّتكم. وإنّما كانت سِنَةُ سعدٍ اتَّعظ منها مناديك، وأغفل عن النّظر السّديد جميل مُناديك، فركبنا مركب عجز يشحذ الكْيس، وعاطيناك كؤوس دعةٍ، قلت في أثنائها: ليس. ولم تستحي أن تأمر بتسليم البلاد لرجالك، وإنّا لنعجب من استعجالك وإعجابك بصنعٍ وافقك فيه القَدَر، ومتى كان لأسلافك الأخدمين مع أسلافنا الأكرمين يدٌ صاعدة، أو وقفة مساعدة، فاستعد بحربٍ، وكذا وكذا.. إلى أن قال: فالحمد لله الذي جعل عقوبة توبيخك وتقريعك بما الموت دونه، والله ينصر دينه ولو كره الكافرون، وبه نستعين عليك.
стр. 10616
ثمّ كتب إلى يوسف بن تاشفين يستنجده فأنجده.
استيلاء ابن جهير على آمد وميافارقين:
وفيها: استولى فخر الدّولة ابن جهير على آمد وميافارقين، وبعث بالأموال إلى السّلطان مَلِكْشاه.
ملْكَ ابن جهير جزيرة ابن عَمْر:
ثمّ ملك جزيرة ابن عَمْر بمخامرة من أهلها، وانقرضت دولة بني مروان.
محاصرة أمير الجيوش دمشق:
وفيها: وصل أمير الجيوش في عساكر مصر، فحاصر دمشق، وضيّق على تاج الدّولة تُتُش، فلم يقدر عليها، فعاد إلى مصر.
الفتنة بين السُّنة والشيعة:
وفيها: كانت فتنة كبيرة بين أهل الكرْخ الشيعة وبين السّنة، وأحرقت أماكن واقتتلوا.
الزلزلة بأرَّجان ١:
وجاءت زلزلة مهُولة بأرَّجان، مات خَلقُ منها تحت الردم.
الريح والرعد والبرق ببغداد:
وفيها: كانت الرّيح السّوداء ببغداد، واشتدّ الرَّعد والبرق، وسقط رملٌ وتراب كالمطر، ووقعت عدّة صواعق، وظنّ النّاس أنّها القيامة، وبقيت ثلاث ساعات بعد العصر، نسأل الله السلامة.
وقد سقت خبر هذه الكائنة في ترجمة الإمام أبي بكر الطُّرطوشيّ؛ لأنّه شاهدها وأوردها في أماليه. وكان ثقة ورعًا، رحمه الله تعالى.
стр. 10617
أحداث سنة تسع وسبعين وأربعمائة:
مقتل ابن قُتْلُمش عند حلب:
لمّا قُتِل شرف الدّولة نازل سُليمان بن قُتْلُمش حلب، وأرسل إلى نائبها ابن الحتيتيّ العبّاسيّ منه أن يسلِّمه إليه، فقدَّم تقدمة، واستمهله إلى أن يكاتب السّلطان ملكشاه. وأرسل العبّاسيّ إلى صاحب تُتُش، وهو أخو السّلطان يحرضه على المجيء ليتسلم البلد. فسار تُتُش بجيشه، فقصده قبل أن يصل إليها سُليمان، وكان مع تُتُش أرتق التُّركمانيّ جدّ أصحاب ماردين، وكان شجاعًا سعيدًا، لم يحضر مصَافًا١ إلًا وكان الظَّفر له. وقد كان فارق ابن جَهير لأمرٍ بدا منه، ولحق بتاج الدّولة تُتُش، فأعطاه القدس. والتقى الجمعان، وبلى يومئذٍ أرتق بلاءً حسنًا، وحرَّض العرب على القتال، فانهزم عسكر سُليمان، وثبت سُليمان بخواصه إلى أن قُتِل، وقيل: بل أخرج سِكّينًا عند الغَلَبة قتلَ بها نفسه. ونهب أصحاب تُتُش شيئًا كثيرًا.
ثمّ إنه سار لأخذ حلب، فامتنعوا، فحاصرها وأخذها بمخامرةٍ جَرَت.
دخول السّلطان حلب:
وأما السّلطان فإنّ البُرْدَ وصلت إليه بشُغُور حلب من ملكٍ، فساق بجيوشه من إصبهان، فقدمها في رجب، وهرب أخوه عنها ومعه أرتق.
وكانت قلعة حلب عاصيةً مع سالم ابن أخي شرف الدّولة، فسلّمها إلى السّلطان، وعوضه عنها بقلعة جَعْبَر، فبقيت في يده ويد أولاده إلى أن أخذها نور الدين.
إقرار الأمير نصر بن عليّ على شَيْزَر:
وأرسل الأمير نصر بن عليّ بن منقذ إلى السّلطان ملكشاه ببذْل الطاعة، وسلَّم إليه لاذقيه وكفر طاب وفامية، فترك قصده وأقرَّه على شَيْزَر. ثمّ سلمَّ حلب إلى قسيم الدّولة أقسنقر، فعمّرها وأحسن السّيرة.
стр. 10618
افتقار ابن الحُتَيتي:
وأمّا ابن الحُتَيتيّ فإنّ أهلها شكوه، فأخذه السّلطان معه، وتركه بديار بكر، فافتقر وقاسى. وأمّا ولده فقتلته الفرنج بأنطاكية لمّا ملكوها.
خبر وقعة الزلاقة بالأندلس:
وهو أنّ الأدفونش، لعنه الله، تمكّن وتمرَّد، وجمع الجيوش فأخذ طُلَيْطُلة، فاستعان المسلمون بأمير المسلمين يوسف بن تاشفين صاحب سبتة ومراكش، فبادر وعدَّى بجيوشه، واجتمع بالمعتمد بن عبّاد بإشبيلية، وتهيَّأ عسكرها وعسكر قُرْطُبة، وأقبلت المطَّوَّعة من النواحي.
وسار جيش الإسلام حتّى أتوا الزلاقة، من عمل بطليوس، وأقبلت الفرنج، وتراءى الجمعان، فوقع الأدفونش على ابن عبّاد قبل أن يتواصل جيش ابن تاشفين، فثبت ابن عبّاد وأبلى بلاءً حسنًا، وأشرف المسلمون على الهزيمة، فجاء ابن تاشفين عرضًا، فوقع على خيام الفرنج، فنهبها وقتل من بها، فلم تتمالك النصارى لما رأت ذلك أن انهزمت، فركب ابن عبّاد أقفيتهم، ولقيهم ابن تاشفين من بين أيديهم، ووضع فيهم السيف، فلم ينج منهم إلّا القليل. ونجا الأدفونش في طائفة. وجمع المسلمون من رؤوس الفرنج كومًا كبيرًا، وأذّنوا عليه، ثمّ أحرقوها لما جيفت.
وكانت الوقعة يوم الجمعة في أوائل رمضان، وأصاب المعتمد بن عبّاد جراحات سليمة في وجهه. وكان العدو خمسين ألفًا، فيقال: لم يصل منهم إلى بلادهم ثلاثمائة نفس. وهذه ملحمة لم يعهد مثلها. وحاز المسلمون غنيمة عظيمة.
استيلاء ابن تاشفين على غرناطة:
وطابت الأندلس للملثَّمين، فعمل ابن تاشفين على أخذها، فشرع أوّلًا، وقد سار في خدمته ملك غرناطة، فقبض عليه وأخذ بلده، واستولى على قصره بما حوى، فيقال: إنّ في جملة ما أخذ أربعمائة حيّة جوهر، فقوَّمت كلّ واحدةٍ بمائة دينار.
стр. 10619
تلقيب ابن تاشفين بأمير المسلمين:
ونقل ابن الأثير أنّ ابن تاشفين أرسل إلى المقتدي بالله العباسيّ يطلب أن يسلطنَه، فبعث إليه الخِلع والأعلام والتّقليد، ولقِّب بأمير المسلمين.
دخول السّلطان ملكشاه بغداد:
ولمّا افتتح السّلطان ملكشاه حلب وغيرها رجع ودخل بغداد، وهو أوّل دخوله إليها، فنزل بدار المملكة ولعب بالكُرة، وقدَّم تقادم للخليفة، ثمّ قدِم بعده نظام المُلْك. ثمّ سار فزار قبور الصالحين.
وفيه يقول ابن زكَرَوْيه الواسطيّ:
زُرْتَ المشاهدَ زَوْرةً مشهودةً ... أرْضت مضاجع من بها مدفونُ
فكأنّك الغَيْثُ استهلّ بتُربها، ... وكأنّها بك روضةٌ ومعينٌ
ثمّ خرج وتصيّد، وأمر بعمل منارة القرون من كثرة ما اصطاد من الغزلان وغيرها.
ثمّ جلس له الخليفة ودخل إليه وأفرغ الخِلَع عليه. ولم يزل نظام المُلْك قائمًا يقدَّم أميرًا أميرًا إلى الخليفة، وكلما قدَّم أميرًا قال: هذا العبد فلان، وأقطاعه كذا وكذا، وعدّة رجاله وأجناده كذا وكذا؛ إلى أن أتى على آخرهم. ثمّ خلع على نظام المُلْك. وكان يومًا مشهودًا. وجلس نظام المُلْك بمدرسته، وحدَّث بها، وأملى مجلسًا.
ثمّ سار السّلطان من بغداد إلى إصبهان في صفر من سنة ثمانين.
الفتنة بين السُّنة والشيعة:
وفيها: كانت فتنة هائلة بين السُّنّة والشّيعة، وكادت الشيعة أن تملك، ثمّ حجز بينهم الدّولة.
تدريس الدبّوسيّ بالنظامية:
وفيها: قدِم الشريف أبو القاسم عليّ بن أبي يَعْلَى الحُسينيّ الدّبّوسيّ بغداد في تجمُّل عظيم لم يُرَ مثلُه لِعالِم، ورُتب مدرسًا بالنظامية بعد أبي سعْد المتولّي.
стр. 10620
زواج ابن صاحب الموصل وإقطاعه البلاد:
وفيها: زوّج السّلطان أخته زليخا بابن صاحب الموصل، وهو محمد بن شرف الدّولة مسلم بن قريش، وأقطعه الرحْبَة، وحَرّان، والرَّقَّة، وسَرُوج، والخابور. وتسلَّم هذه البلاد سوى حَرّان، فإنّ محمد بن الشّاطر امتنع من تسليمها مدّة، ثمّ سلّمها.
عزْل ابن جهير عن ديار بكر:
وفيها: عزل فخر الدّولة ابن جهير عن ديار بكر بالعميد أبي على البلْخيّ، بعثه السّلطان وجعله عاملًا عليها.
الخطبة للمقتدي بالحرمين:
وفيها: أُسقطت خطبة صاحب مصر المستنصر بالحَرَمَيْن، وخُطِب لأمير المؤمنين المقتدي.
إسقاط المكوس بالعراق:
وفيها: أسقط السّلطان المُكوُس والاجتيازات بالعراق.
محاصرة قابس وسفاقس:
وفيها: حاصر تميم بن باديس قابِس وسَفَاقُس، وفرق عليهما جيوشه١.
стр. 10621
أحداث سنة ثمانين وأربعمائة:
عرس الخليفة المقتدي:
في أوّلها عُرْسُ أمير المؤمنين على بنت السّلطان ملكشاه، عندما ذهب السّلطان للصّيد. فنُقل جهازها إلى دار الخليفة، فيما نقل ابن الأثير، على مائةٍ وثلاثين جَمَلًا مجلَّلة بالدّيباج الروميّ، وعلى أربعة وسبعين بغلًا مجلَّلة بألوان الدّيباج، وأجراسها
وقلائدها الذَّهب، فكان على ستة بغال اثنا عشر صندوقًا فيها الحُلِيّ والمَصَاغ، وثلاثة وثلاثون فرشًا عليها مراكب الذَّهب مرصّعة بأنواع الجوهر والحُلِيّ، ومهْد كبير كثير الذّهب، وبين يدي الجهاز الأميران كوهرائين وبُرسق. فأرسل الخليفة وزيره أبا شجاع إلى تركان خاتون، وبين يديه ثلاثمائة مركبيّة، ومثلها مشاعل، ولم يبق في الحريم دكّان إلّا وقد أشعل فيها الشّمع. وأرسل الخليفة محفّة لم يُرَ مثلها.
وقال الوزير لتُرْكان: يقول أمير المؤمنين: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] ، وقد أَذِن في نقل الوديعة إليه.
فأجابت، وحضر نظام المُلْك فمن دونَه، وكلٌّ معهم الشمع والمشاعل. وكان نساء الأمراء بين أيديهن الشّمع والمشاعل. ثمّ أقبلت الخاتون في محفّةٍ مجلَّلة بألوان الذَّهب والجواهر الكوشيّ، قد أحاط بالمحفة مائتا جارية من الأتراك بالمراكب العجيبة، فسارت إلى دار الخلافة. وكانت ليلة مشهودة لم يُرَ ببغداد مثلها. وعمل الخليفة من الغد سِماطًا لأمراء السّلطان، يُحكى أنّ فيه أربعين ألف مَنًّا من السُّكّر، وخلع عليهم. وجاءه منها ولد في ذي القعدة سمّاه جعفرًا.
وجاء السّلطان في هذه السّنة من تركان خاتون ولده محمود الذي ولي الملك.
стр. 10622
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وفيات الطبقة الثامنة والأربعون:
وفيات سنة إحدى وسبعين وأربعمائة:
"حرف الألف":
١- أحمد بن الحافظ أبي عَمْرو عثمان بْن سَعِيد الدّاني١.
المقرئ أبو العبّاس.
قرأ على أبيه، وأقرأ الناس بالروايات.
أخذ عنه: أبو القاسم بن مُدير.
تُوُفّي في ثامن رجب.
٢- أحمد بن عليّ بن محمد بن الفضل.
أبو الحَسَن بن أبي الفرج البغداديّ البَشّاريّ، المعروف أيضًا بابن الوازع٢.
شيخ معمّر، وجدَ ابن ماكولا سماعَه من أبي الطّاهر المخلّص في جزء من الفتوح لسيف. فأفادَه الناسَ، وسمعوه منه.
روى عنه: مكّيّ الرُّميليّ، وإسماعيل بن السَّمرقنديّ.
تُوُفّي في ربيع الأوّل وله ٩٤ سنة.
٣- أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن هبة اللَّه.
أبو الحسين الدّمشقيّ الأكفانيّ٣ والد الأمين أبي محمد.
حدَّث عن: المسدَّد الأمْلُوكيّ، وعبد الرحمن بن الطُّبيز. وعنه: ابنه.
مات في ربيع الأوّل.
стр. 10623
٤- أتْسِز بن أوّق الخُوارَزْميّ التُركيّ١.
صاحب دمشق.
قال ابن الأكفاني: غلت الأسعار في سنة حصار الملك أتْسِز بن الخُوارَزْميّ دمشق، وبلغت الغرارة أكثر من عشرين دينارًا. ثمّ ملك البلد صُلحًا، ونزل دار الإمارة داخل باب الفراديس، وخطب لأمير المؤمنين المقتدي بالله عبد الله بن أبي العبّاس، وقُطِعت دعوة المصريّين، وذلك في ذي القعدة سنة ثمانٍ وستين.
وقال ابن عساكر: إنّه ولي دمشق بعد حصاره إيّاها دفعات، وأقام الدّعوة لبني العبّاس، وتغلب على أكثر الشّام، وقصد مصر ليأخذها فلم يتمّ له ذلك.
ثمّ وجّه المصريّون إلى الشّام عسكرًا ثقيلًا في سنة إحدى وسبعين، فلمّا عجز عنهم راسل تُتُش بن ألب أرسلان يستنجد به. فقدم تتش دمشق، وغلب على دمشق، وقتل أتْسِز في ربيع الآخر، واستقام الأمر لتتش.
وكان أتسز لمّا أخذ دمشق أنزل جُنْدَه في دُور النّاس، واعتقل من الرُّؤساء جماعةً وشمّسهم بمرج راهط حتّى افتدوا نفوسهم منه بمالٍ كثير، ونزح جماعة إلى طرابُلُس. وقَتَلَ بالقُدس خلقًا كثيرًا كما مرَّ في الحوادث إلى أن أراح النّاس منه.
٥- إبراهيم بن إسماعيل.
أبو سعْد اليعقوبيّ٢.
مات بمرْو في شعبان.
٦- إبراهيم بن عليّ.
الشّيخ أبو إسحاق القبانيّ٣.
شيخ الصُّوفيّة بدمشق.
أقام بدمشق، وأقام بصور أربعين عامًا.
стр. 10624
وسمع بالرملة من: شيخه أبي الحسين بن التّرجُمان، وبصيدا من: الحَسَن بن جُمَيْع.
روى عنه: نصر المقدسيّ، وغيث الأرمنازيّ، وجماعة.
وكان صالحًا صدوقًا له معاملة.
"حرف الحاء":
٧- الحَسَن بن أحمد بن عبد الله١.
الفقيه أبو عليّ بن البنّا البغداديّ الحنبليّ، صاحب التّصانيف والتّخاريج. سمع من: هلال الحفّار، وأبي الفتح بن أبي الفوارس، وأبي الحَسَن بن رزقوَيْه، وأبي الحسين بن بِشْران، وعبد اللَّه بن يحيى السُّكَّريّ، وهذه الطبّقة فأكثر.
روى عنه: أحمد بن ظَفَر المَغَازِليّ، وأبو منصور عبد الرحمن القزّاز، وإسماعيل بن السَّمرقنديّ، وجماعة، وولداه يحيى وأحمد، وأبو الحسين بن الفرّاء، وقاضي المرِستان.
وقرأ بالرّوايات على أبي الحسن الحمَّاميّ.
وعلّق الفقه والخلاف عن القاضي أبي يَعْلَى قديمًا.
ودرّس في أيّامه، وله تصانيف في الفقه والأصول والحديث.
وكان له حلقتان للفتوى وللوعْظ؛ وكان شديدًا على المُبْتَدِعَة، ناصرًا للسُّنَّة.
آخر من روى عنه بالإجازة الحافظ محمد بن ناصر.
قال القفطيّ: كان من كبار الحنابلة. سأل فقال: هل ذكرني الخطيب في تاريخه مع الثقات أو مع الكذابين؟ فقيل له: ما ذكرك أصلًا.
فقال: ليته ذكرني ولو مع الكذابين.
قال القفطيّ: كان مشارًا إليه في القراءات واللّغة والحديث. حكي عنه أنّه قال: صنّف خمسمائة مصنَّف.
стр. 10625
قال: إلًا أنّه كان حنبليّ المعتَقَد، تكلّموا فيه بأنواع.
تُوُفّي في رجب.
قلت: ما تكلَّم فيه إلّا أهل الكلام لكونه كان لهجًا بمخالفتهم، كثير الذّمّ لهم، مَعْنِيا بأخبار الصِّفات.
قرأ عليه جماعة. ولم يذكره الخطيب في تاريخه؛ لأنّه أصغر منه، ولا ذكر أحدًا من هذه الطّبقة إلّا من مات قبله.
وذكره ابن النّجّار فقال: كان يؤدَّب بني جَرْدَة. قرأ بالرّوايات على الحمّاميّ، وغيره. وكتب بخطه كثيرًا.
إلى أن قال: وتصانيفه تدلّ على قلّة فَهْمه، كان صحفيًّا قليل التحصيل. روى الكثير، وأقرأ ودرّس، وأفتى، وشرح الإيضاح لأبي عليّ الفارسي. إذا نظرت في كلامه بانَ لك سوء تصرُّفه.
ورأيت له ترتيبًا في غريب أبي عُبَيْد قد خَبَطَ كثيرًا وصحّف.
حدَّث عنه: أولاده أحمد ومحمد ويحيى، وابن الحُصَين، وإسماعيل بن السَّمرقنديّ، وأبو منصور القزاز، وأحمد بن ظَفَر المَغَازِليّ.
قال شجاع الذُّهليّ: كان أحد القراء المجوّدين، سمعنا منه قطعة من تصانيفه.
وقال المؤتمن السّاجيّ: كان له رواء ومنظر، ما طاوعتْني نفسي للسَّماع منه.
وقال إسماعيل بن السَّمرقنديّ: كان واحدٌ من المحدّثين اسمه الحَسَن بن أحمد بن عبد الله النَّيسابوريّ. سمع الكثير، فكان ابن البنّا يكشِط بُورِي منه ويمدّ السّين، فتصير البنّا كذا قيل: إنّه كان يفعل ذلك.
٨- الحَسَن بْن عَلِيّ بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن جعفر.
الحافظ أبو عليّ البلْخيّ الوَخْشي١، ووَخْش: من أعمال بلْخ.
رحال حافظ كبير سمع بدمشق من: تمّام الرّازيّ، وعَقِيل بن عَبْدان.
وببغداد من: أبي عَمْر بن مهديّ.
стр. 10626
وبالبصرة من: أبي عَمْر الهاشميّ.
وبمصر من: أبي محمد عبد الرحمن بن عَمْر بن النَّحّاس.
وبخُراسان من: أصحاب الأصمّ.
قال أبو بكر الخطيب: علّقت عنه ببغداد، وإصبهان.
وقال ابن السَّمعانيّ: كان حافظًا فاصلًا ثقة، حَسَن القراءة. رحل إلى العراق، والجبال، والشّام، والثغور، ومصر. وذاكَرَ الحُفّاظ.
وسمع ببلْخ من: أبي القاسم عليّ بن أحمد الخُزَاعيّ؛ وبنَيْسابور من: أبي زكريّا المزكّي، والحِيريّ؛ وببغداد من: أبي مهديّ، وابن أبي الفوارس؛ وبإصبهان من: أبي نُعَيْم.
روى لنا عنه: عمر بن محمد بن عليّ السَّرخسيّ، وعمر بن عليّ المحموديّ.
روى عنه الخطيب في تصانيفه، وذكر الحافظ عبد العزيز النَّخشبيّ أنّه كان يتَّهم بالقَدَر.
قال السَّمعانيّ: وُلِد سنة خمسٍ وثمانين وثلاثمائة.
وتُوُفّي في خامس ربيع الآخر سنة إحدى وسبعين ببلْخ.
قلت: انتقى على أبي نُعَيم خمسة أجزاء مشهورة بالوَخْشِيّات، وسمعنا جزءًا من حديثه رواه من حِفْظه.
سُئِل عن إسماعيل بن محمد التَّيميّ فقال: حافظ كبير.
قلت: روى عن الوخْشِيّ كتاب السُّنن لأبي داود: الحسنُ بن عليّ الحُسَيْنيّ البلْخيّ، والذي قيّد وفاته صاحبُه عَمْر السَّرخسيّ. وقد حدَّث المحموديّ عنه في سنة ستًّ وأربعين وخمسمائة وقال: كنتُ قد راهقت لمّا تُوُفّي الوخْشِيّ وحضرتُ جنازته، فلمّا وضعوه في القبر، سمعنا صيحةً، فقيل: إنّه لمّا وضع في القبر خرجت الحشرات من المَقْبُرَة؛ وكان في طَرفنا وادي، فانحدَرَت إليه الحشرات، فذهبتُ وأبصرتُ البَيْضَ الصِّغار، والعقارب، والخنافس، وهي منحدرة إلى الوادي بعينيَّ، والنّاس ما كانوا يتعرَّضون لها.
стр. 10627
قال ابن النّجّار: سمع ببلْخ من عليّ بن أَحْمَد الخزاعيّ، وبهَمَذان محمد بن أحمد بن مَزْدين، وبحلب، وبعَكّا.
وسمع منه: نظام المُلْك ببلخ، وصدّره بمدرسته ببلْخ.
وقال: جُعتُ بعسقلان أيامًا حتّى عجزت عن الكتابة، ثمّ فتح الله.
وقال فيه إسماعيل التيَّميّ: حافظ كبير.
٩- الحسين بن عَقِيل بن محمد بن عبد المنعم بن ريش الدّمشقيّ البّزار١.
الشاعر.
سمع: عبد الرحمن بن أبي نصر.
روى عنه: الخطيب مع تقدُّمه، وأبو الحَسَن بن المسلم الفقيه.
"حرف السين":
١٠- سعْد بْن علي بْن مُحَمَّد بْن علي بْن حسين.
أبو القاسم الزَّنجانيّ، الحافظ الزّاهد٢.
سمع: أبا عبد الله محمد بن الفضل بن نظيف، وأبا عليّ الحسين بن ميمون الصّدَفيّ بمصر؛ وبغزة عليّ بن سلامة، وبزَنْجَان محمد بن أبي عُبَيْد؛ وبدمشق عبد الرحمن بن ياسر، وأبا الحَسَن الحبّان، وجماعة.
روى عنه: أبو بكر الخطيب وهو أكبر منه، وأبو المظفّر منصور السَّمعانيّ الفقيه، ومكّيّ الرُّميليّ، وهبة الله بن فاخر، ومحمد بن طاهر المقدسيّ، وعبد المنعم القُشَيْريّ، وآخرون.
وجاوَرَ بمكة زمانًا، وصار شيخ الحَرَم.
قال أبو الحَسَن محمد بن أبي طالب الفقيه الكَرَجيّ: سألت محمد بن طاهر عن أفضل من رأى، فقال: سعد الزَّنجانيّ، وعبد الله بن محمد الأنصاريّ، فسألته أيُّهما أفضل؟ فقال: عبد الله كان متفننًا، وأمّا الزَّنجانيّ فكان أعرف بالحديث منه. وذلك
стр. 10628
أنّي كنت أقرأ على عبد الله فأترك شيئًا لأجرّبه، ففي بعضٍ يرُد، وفي بعضٍ يسكت، والزَّنجانيُّ، كنتُ إذا تركت اسمَ رجلٍ يقول: تركتَ بين فُلان وفُلان اسمَ فُلان.
قال ابن السَّمعانيّ: صَدَق. كان سعد أعرف بحديثه لقلَّته، وعبد الله كان مكثرًا.
قال أبو سعد السَّمعانيّ: سمعتُ بعض مشايخي يقول: كان جدّك أبو المظفّر قد عزم على أن يُقيم بمكّة ويجاور بها، صُحْبَةَ الإمام سعْد بن عليّ، فرأى ليلةً من اللّيالي والدته كأنّها قد كشفت رأسها وقالت له: يا بُنَيّ، بحقّي عليك إلّا ما رجعتَ إلى مرو، فإنّي لا أطيق فِراقَك.
قال: فانتبهتُ مغمومًا، وقلت أشاور الشّيخَ سعْد، فمضيتُ إليه وهو قاعد في الحَرَم، ولم أقدر من الزّحام أن أكلّمه، فلمّا تفرَّق النّاس وقام تبِعْتُه إلى داره، فالتفت إليّ وقال: يا أبا المظفَّر، العجوز تنتظرك. ودخل البيت.
فعرفت أنّه تكلَّم على ضميري، فرجعتُ مع الحاجّ تلك السّنة.
قال أبو سعْد: كان أبو القاسم حافظًا، متقِنًا، ثقة، ورِعًا، كثير العبادة، صاحب كرامات وآيات. وإذا خرج إلى الحرم يخلون المطاف، ويقبّلون يده أكثر ممّا يقبلون الحجر الأسود١.
وقال محمد بن طاهر: ما رأيت مثله، سمعتُ أبا إسحاق الحبّال يقول: لم يكن في الدّنيا مثل أبي القاسم سعْد بن عليّ الزَّنجانيّ في الفضل. وكان يحضر معنا المجالس، ويُقرأ الخطأ بين يديه، فلا يردّ على أحدٍ شيئًا، إلّا أن يُسأل فيُجيب.
قال ابن طاهر: وسمعت الفقيه هياج بن عبيد إمام الحرم ومفتيه يقول: يومٌ لا أرى فيه سعد بن علي لا أعتد أني عملت خيرًا.
وكان هياج يعتمر ثلاث مرات. وسيأتي ذكره.
قال ابن طاهر: كان الشّيخ سعْد لمّا عزم على المجاورة عزم على نيِّفٍ وعشرين عزيمة أنّه يُلْزِمَها نفسَه مِن المجاهدات والعبادات. ومات بعد أربعين سنة ولم يخلّ منها بعزيمةٍ واحدة.
стр. 10629
وكان يُملي بمكّة، ولم يكن يُمْلي بها حين تولّى مكة المصريّون، وإنّما كان يُمْلي سرًّا في بيته.
وقال ابن طاهر: دخلتُ على الشّيخ أبي القاسم سعْد وأنا ضيّق الصَّدر من رجلٍ من أهل شيراز لا أذكره، فأخذت يده فقبَّلتها، فقال لي ابتداءً من غير أن أُعْلِمه بما أنا فيه: يا أبا الفضل، لا تضيِّق صدْرَك، عندنا في بلاد العجم مَثَلٌ يُضْرَب، يقال: بُخْلُ أهوازيّ، وحَمَاقةُ شِيرازيّ، وكَثْرةُ كلام رازيّ.
ودخلتُ عليه في أول سنة سبعين لمّا عزمتُ على الخروج إلى العراق حتّى أودّعه، ولم يكن عنده خبرٌ من خروجي. فلمّا دخلت عليه قال:
أَرَاحِلُون فنبكي، أم مُقِيمونا؟ ... فقلت: ما أمر الشّيخ لا نتعدّاه
فقال: على أيَّ شيءٍ عَزَمْت؟ قلت: على الخروج إلى العراق لألحق مشايخ خُراسان. فقال: تدخل خُراسان، وتبقى بها، وتفوتك مصر، ويبقى في قلبك. فاخرج إلى مصر، ثمّ منها إلى العراق وخراسان، فإنه لا يفوتك شيء.
ففعلتُ، وكان في ذلك البركة.
سمعتُ سعد بن عليّ -وجرى بين يديه ذِكْر الصّحيح الذي خرَّجه أبو ذَر الهَرَويّ- فقال: فيه عن أبي مسلم الكاتب، وليس من شرط الصّحيح.
قال أبو القاسم ثابت بن أحمد البغداديّ: رأيتُ أبا القاسم الزَّنجانيّ في المنام يقول لي مرة بعد أخرى: إنّ الله بنى لأهل الحديث بكلّ مجلسٍ يجلسونه بيتًا في الجنّة.
ولد سعد في حدود سنة ثمانين وثلاثمائة، أو قبلها.
وتُوُفّي في سنة إحدى وسبعين، أو في أواخر سنة سبعين بمكّة. وله قصيدة مشهورة في السُّنّة.
وقد سئل عنه إسماعيل الطّلْحيّ فقال: إمامٌ كبيرٌ عارفٌ بالسُّنَّة.
١١- سُلمان بن الحَسَن بن عبد الله١.
أبو نصر، صاحب ابن الذّهبيّة البغداديّ.
رجل صالح معمَّر.
стр. 10630
روى عن: أَبِي الحَسَن مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن محمد بن مَخْلَد صاحب الصّفّار.
روى عنه: محمد بن عبد الباقي الأنصاري، وعبد الوهّاب الأنماطيّ وقال: عاش أكثر من مائة سنة.
مات أبو نصر في رجب.
١٢- سهل بن عَمْر بن محمد بن الحسين.
أبو عمر بن المؤَّيد أبي المعالي البِسْطاميّ ثمّ النيَّسابوريّ١.
من بيت الإمامة والحشمة، وهو خَتَن عمه الموفّق بابنته.
روى عن: أبي الفضل عَمْر بن إبراهيم الهَرَويّ، وأصحاب الأصم.
تُوُفّي في شوّال.
"حرف الطاء":
١٣- طاهر بن محمد شاه فور.
أبو المظفّر الطٌّوسيّ٢.
مات بطوس في شوّال.
يروي عن: ابن مَحْمِش الزّياديّ، وغيره.
وعنه: زاهر الشحّاميّ.
وكان إمامًا مفسِّرًا أُصوليا.
وسمّاه عبد الغافر. شاهفور.
"حرف العين":
١٤- عَبْد اللَّه بْن سبعون بْن يحيى:
أبو محمد المسلّميّ القيروانيّ٣.
стр. 10631
محدَّث عارف. سكن بغداد ونقل بخطّه الكثير، وقرأ بنفسه.
سمع: أبا القاسم عبد العزيز الأَزَجيّ وأبا طالب بن غيلان، وجماعة.
وبمكة: أبا نصر السِّجزيّ، وأبا الحَسَن بن صخْر.
وبمصر: عليّ بن منير.
روى عنه: أبو القاسم السَّمرقنديّ، وأبو الحَسَن بن عبد السّلام.
تُوُفّي في رمضان.
١٥- عبد الباقي بن محمد بن غالب١.
أبو منصور بن العطّار الأزجيّ وكيل أميرَيِ المؤمنين: القائم، والمقتدي.
قال السمعانيّ: كان حَسَن السِّيرة، جميل الأمر، صحيح السّماع.
سمع: أبا طاهر المخلّص، وأحمد بن محمد بن الْجُنْديّ.
روى عنه: يوسف بن أيّوب الهَمذانيّ، وعبد المنعم القُشَيْريّ، وأبو نصر أحمد بن عَمْر الغازي، وآخرون.
قلت: كان قليل الرّواية، رئيسًا.
قال الخطيب: كتبتُ عنه، وكان صدوقًا. قال لي: وُلِدتُ سنة أربع وثمانين وثلاثمائة.
تُوُفّي ابن العطّار في ربيع الآخر.
١٦- عبد الحميد بن الحَسَن بن محمد.
أبو الفَرَج الهَمَذانيّ الدّلّال الفُقَاعيّ٢.
روى عن: أبي بكر بن لال، وعبد الرحمن الإمام، وعبد الرحمن المؤَّدب الهمذانيين.
قال شيرويه: سمعتُ منه وليس التّحديث من شأنه. وسماعه مع أخيه علي.
стр. 10632
ولد سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة.
وتوفي في ثامن عشر ذي القعدة.
١٧- عَبْد الرَّحْمَن بْن عَلِيّ بْن عبد الله بن منصور الطَّبريّ١.
قال السَّمعانيّّ: أبو القاسم بن الزُّجاجي كان ينزل باب الطّاق من بغداد، وكان خيّرًا ثقة صدوقًا.
سمع من: أبي أحمد الفَرَضيّ، وثنا عنه أبو بكر الأنصاريّ، وأبو محمد بن الطّرّاح، وإسماعيل بن السَّمرقنديّ، وأبو نصْر أحمد بن عَمْر الغازي.
تُوُفّي فِي ربيع الأوّل.
١٨- عَبْد الرَّحْمَن بْن عُلْوان بن عَقِيل.
أبو القاسم الشَّيْبانيّ البغداديّ، أخو عبد الواحد٢.
سمع من: عبد القاهر بن عِترة.
روى عنه: قاضي المَرِسْتان؛ ووثَّقه أبو الفضل بن خَيْرُون.
١٩- عبد العزيز بن عليّ بن أحمد بن الحسين الأنْماطيّ٣.
أبو القاسم ابن بنت السُّكّريّ العتّابيّ. من محلّة العتابين ببغداد.
قال الخطيب: حدَّث عن أبي طاهر المخلِّص. كتبتُ عنه، وكان سماعه صحيحًا.
قلت: روى عنه: أبو بكر الأنصاريّ، وعبد الوهّاب الأنماطيّ، وإسماعيل بن السَّمرقنديّ.
وقال عبد الوهّاب الأنماطيّ: هو ثقة.
وُلِد أبو القاسم في سنة ثمانٍ وثمانين وثلاثمائة، ومات في رجب. وآخر من حدَّث عنه أحمد بن الطّلّاية.
قَرَأْتُ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ: أَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ أَبِي الْجُودِ، أَنَا أَحْمَدُ بن أبي غالب
стр. 10633
الزَّاهِدُ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ سَنَةَ ثمانٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمَائَةٍ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الذَّهَبِيُّ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، ثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ شُرَحْبِيلَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لأَنْ يتصدَّق الرَّجُلُ فِي حَيَاتِهِ بدرهمٍ خيرٌ مِنْ أَنْ يتصدَّق بِمَائَةِ دينارٍ عِنْدَ مَوْتِهِ"١.
٢٠- عبد القاهر بن عبد الرحمن.
أبو بكر الْجُرْجانيّ النَّحويّ المشهور٢.
أخذ النَّحو بجُرْجان عن: أبي الحسين محمد بن الحَسَن الفارسيّ ابن أخت الشّيخ أبي عليّ الفارسيّ.
وعنه أخذ عليّ بن أبي زيد الفَصِيحيّ.
وكان من كبار أئمّة العربيّة. صنَّفَّ كتاب "المغني في شرح الإيضاح" في نحوٍ من ثلاثين مجلَّدًا، وكتاب "المقتصد في شرح الإيضاح" أيضًا، ثلاث مجلّدات، وكتاب "إعجاز القرآن" الكبير، وكتاب "إعجاز القرآن" الصغير، وكتاب "العوامل المائة"، وكتاب "المفتاح"، وكتاب "شرح الفاتحة" في مجلَّد، وكتاب "العُمَد في التّصريف"، وكتاب "الْجُمَل" وهو مشهور. وله كتاب "التّلْخيص" في شرح هذا الْجُمَل.
وكان شافعيَّ المذهب، متكلّمًا على طريقة الأشعريّ، مع دين وسكون٣.
وقد ذكره السَّلفيّ في مُعْجَمه فقال: كان ورِعًا قانعًا، دخل عليه لصٌّ وهو في الصلاة فأخذ ما وجد، وعبد القاهر ينظر، فلم يقطع صلاته.
سمعتُ أبا محمد الأبِيوَردِيّ يقول: ما مَقَلَتْ عيني لُغَويًّا مثله. وأمّا في النَّحْو فعبد القاهر. وله نظمٌ، فمنه:
كبِّر على العقل لا تَرُمْه ... ومِلْ إلى الْجَهْل مَيْلَ هائِمْ
وعِشْ حمارًا تَعشْ سعيدًا ... فالسَّعد في طالع البهائم
стр. 10634
تُوُفّي عبد القاهر، ﵀ سنة إحدى وسبعين، وقيل: سنة أربعٍ وسبعين، فالله أعلم.
٢١- عليّ بن أحمد بن عليّ١.
أبو القاسم السَّمْسار الأصبهانيّ.
مات فِي ربيع الأول.
٢٢- علي بن مُحَمَّد بن أحمد بن حمدان بن عبد المؤمن.
أبو الحَسَن المَيْدانيّ، ميدان زياد الذي على باب نَيْسابور.
سكن هَمَذان.
روى عن: محمد بن يحيى العاصميّ، وأبي حفص بن مسرور.
ورحل فسمع من: عبد الملك بن بُشْران، وبِشْر الفاتنيّ، وطائفة كبيرة.
قال شيروَيْه: سمعتُ منه. وكان ثقة، صدوقًا، مَعْنِيا بها الشّأن، متقنًا، زاهدًا، صامتًا، لم تَرَ عيناي مثله.
وسمعتُ أحمد بن عمر الفقيه يقول: لم يَرَ أبو الحَسَن المَيْدانيّ مثلَ نفسه.
قال شيروَيْه: ازدحموا على جنازته، وأطنبوا٢ في وصْفه وفضله.
تُوُفّي يوم الجمعة ثامن عشرة صَفَر.
قلت: روى عنه هبة الله بن الفَرَج.
٢٣- عليّ بن محمد بن عليّ بن هارون.
أبو القاسم التَّيميّ الكوفيّ ابن الإدلابيّ النَّيسابوريّ٣.
حدَّث عن: أبي بكر بن المُزكّى، وعبد الرحمن بن محمد السّرّاج، وأبي بكر الحِيريّ، وابن نظيف المصريّ، وعبد الملك بن بشران.
وحدَّث ببغداد بمسند الشّافعيّ.
стр. 10635
روى عنه: إسماعيل بن السَّمرقنديّ، وأبو البركات بن أبي سعّد، ومحمد بن طلحة الرّازيّ.
وكان ثقة.
مات في ربيع الأوّل سنة إحدى وسبعين.
٢٤- عَمْر بن عبد الملك بن عَمْر بن خَلَف.
أبو القاسم بن الرّزّاز١.
أحد عُدول بغداد وفقهائها.
سمع: أبا الحَسَن بن رزقويه، وأبا القاسم الحرفيّ، وابن شاذان.
روى عنه: ابن السَّمرقنديّ.
تُوُفّي في رجب.
٢٥- عَمْر بْن عَبْد اللَّه بْن عَمْر.
أَبُو الفضل بن البقّال البغداديّ الأَزَجيّ المقرئ٢.
قرأ القرآن على أبي الحَسَن الحمّاميّ.
وسمع: أبا أحمد بن أبي مسلم الفَرَضيّ.
وختم عليه خلْق.
وكان وِرْدُه كلَّ يومٍ ختمة.
روى عنه: أبو بكر الأنصاريّ، وأبو القاسم بن السَّمرقنديّ، وأحمد بن عَمْر الغازي.
وكان مولده سنة ٣٩٥.
"حرف الفاء":
٢٦- الفُضيل بن يحيى بن الفضيل.
стр. 10636
أبو عاصم الفُضَيْليّ الهَرَويّ، الفقيه١.
راوي المائة وغيرها.
عن: عبد الرحمن بن أبي شُرَيْح، وأقرانه.
ذكره أبو سعد السَّمعانيّ، فقال: كان فقيهًا، مزكِّيًا، صدوقًا، ثقة. عمِّر حتّى حُمِل عنه الكثير.
روى عنه: أبو الوقت.
وكان مولده في سنة ثلاثٍ وثمانين وثلاثمائة، وتوفّي في جمادى الأولى.
روى عن: أبي عليّ منصور بن عبد الله الخالديّ، وأبي الحسين بن بشران.
وقدم بغداد.
وروى عنه: عبد السّلام بَكْبَرة، ومحمد بن الحسين العَلَويّ.
"حرف الميم":
٢٧- مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن أبي توبة٢.
أَبُو بكر الكُشْمِيهَنيّ.
تُوُفّي بمرّو، وكان واعظًا فقيهًا.
تفقَّه على أبي بكر القفّال، وسمع من جماعة.
٢٨- محمد بْن عَبْد الواحد بْن عَبْد اللَّه.
أبو بكر المستعمل السِّمسار٣.
سمع: البرقانيّ، وأبا عليّ بن شاذان.
روى عنه: عبد الله، وإسماعيل ابنا السَّمرقنديّ.
٢٩- محمد بن عثمان بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن علي بْن مزدين.
стр. 10637
أبو الفضل القومساني، ثمّ الهَمَذانيّ، ويُعرف بابن زيرَك١.
قال شيرُوَيْه: هو شيخ عصره ووحيد وقته في فنون العلم، روى عن: أبيه، وعمّه أبي منصور محمد، وخاله أبي سعد عبد الغفار، وابن جانجان، وعلي بن أحمد بن عبدان، ويوسف بن كج، والحسين بن فنجويه الثقفي، وعبد الله بن الأفشين، وجماعة.
وروى بالإجازة عن أبي عبد الرحمن السُّلميّ، وأبي الحَسَن بن رزقوَيْه. وسمعتُ منه عامة ما مرَّ له. وكان صدوقًا ثقة، له شأن وحشمة. وله يد في التفسير، حَسَن العبارة والخطّ، فقيهًا، أديبًا، متعّبدًا. تُوُفّي في سَلْخ ربيع الآخر. وقبره يُزار ويتبرَّك به.
وسمعته يقول: ولدت سنة تسعٍ وتسعين وثلاثمائة.
قَالَ شِيرُوَيْهِ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَكِّيٍّ: سَمِعْتُ أَبَا الْفَضْلِ الْقُومَسَانِيَّ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ: رَأَيْتُ رَجُلا دَفَعَ إليَّ كِتَابًا، فَأَخْذُتُه، فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْقُومَسَانِيِّ، سلامٌ عَلَيْكُمْ.
وسمعتُ إبراهيم بن محمد القزّاز الشّيخ الصّالح يقول: رأيتُ ابن عَبَدان ليلة مات أبو الفضل القُومَسَانّي، فأخذ بيدي ساعة، ثمّ قرأ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١] يريد موته.
سَمِعْتُ أَبَا الْفَضْلِ الْقُومَسَانِيّ يَقُولُ: رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ أَمْتِعْنِي بِسَمْعِي وَبَصَرِي، وَاجْعَلْهُمَا الْوَارِثَ مِنِّي" ٢.
مَعْنَاهُ مشكلٌ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ قَالُوا: كَيْفَ يَكُونُ سَمْعُهُ وَبَصَرُهُ يَرِثَانِهِ بَعْدَهُ دُونَ سَائِرِ أَعْضَائِهِ؟ فَتَأَوَّلُوهُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ الدُّعَاءَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: "إِنِّي لَا غِنَى بِي عَنْهُمَا، فَإِنَّهُمَا مِنَ الدِّينِ بِمَنْزِلَةِ السَّمع وَالْبَصَرِ مِنَ الرَّأْسِ" ٣. فَكَأَنَّهُ دَعَا بِأَنْ يُمَتَّعَ بِهِمَا في حياته، وأن يرثا خِلَافَةَ النُّبوَّة بَعْدَ وَفَاتِهِ. وَلَا يَجِدُ الْعُلَمَاءُ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَجْهًا وَلَا تَأْوِيلًا غَيْرَ هَذَا.
стр. 10638
فرأيتُ أبا هريرة في النّوم، وكنتُ مارًا في مقبرة سراكسلهر فقال لي: أتعرفني؟ فقلت: لا. قال: أنا أبو هريرة. أصبتَ ما قلتَ، أنا رويتُ هذا الحديث وكذا أراد به النّبيّ ﷺ ما فسرتَ١.
سمعتُ أبا الفضل يقول: مرضتُ حتّى غلب علي ظنّي أنّي سأموت، فأشتدّ الأمرُ وعندي أبي وعمر خادم لنا، فكان أبي يقول: يا بُنَيّ أَكْثِر من ذِكْر الله. فأشهدته وعمر على نفسي، أنّي على دين الإسلام، وعلى السُّنّة. فرأيتُ وأنا على تلك الحال كأنّ هَيْبةً دخلت قلبي، فنظرتُ فإذا أنا برجلٍ يأتي من جهة القِبْلة، ذو هَيْبة وجمال، كأنّه يسبح في الهواء، فازدَدْتُ له هيبة. فلمّا قرُب مني قال لي: قلْ.
قلت: نعم. وهِبْته أنْ أقول له: ماذا أقول؟
وكرَّر عليّ وقال: قلْ.
قلت: نعم، أقول.
فقال: قل: الإيمان يزيد وينقُص، والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته، وأنّ الله تعالى يُري في الآخرة، وقُلْ: بفضل الصّحابة، فإنّهم خيرٌ من الملائكة بعد الأنبياء.
قلتُ: لست أطيق أن أقول ذلك من الهيبة.
فقال: قُلْ معي. فأعاد الكلام فقلتها معه، فتبسَّم وقال: أنا أشهد لك عند العرش.
فلمّا تبسَّم سكن قلبي، وذهبت عنّي الهَيبة، فأردت أن أسأله هل أنا ميت؟ فكأنه عرف فقال: أنا لا أدري. أو قال: من أين أدري؟ فقلت في نفسي: هذا ملك. وعُوفيتُ من المرض.
وسمعته يقول: أصابني وجعٌ شديد، فرأيتُ في المنام كأنّ قائلًا يقول لي: أقرأ على وَجَعِك الآيات التي فيها اسمُ الله الأعظم.
فقلت: ما هي؟ قال: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠١-١٠٣] فقرأتها فعوفيت.
стр. 10639
وسمعته يقول: أتاني رجلٌ من خُراسان فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أتاني في منامي وأنا في مسجد المدينة، فقال لي: إذا أتيتَ هَمَذان فاقرأ على أبي الفضل بن زيرَك منّي السَّلام.
قلت: يا رسول الله، لماذا؟ قال: لأنه يُصلّى عليَّ في كلّ يومٍ مائة مرّة.
وقال: أسألك أن تعلّمنيها.
فقلتُ: إنّي أقولُ كل يوم مائة مرّة أو أكثر: اللهمَّ صلَّ على محمد النّبيّ الأُمّيّ، وعلى آل محمد، جزى الله محمدًا، ﷺ ، عنّا ما هو أهله. فأخذها عنّي، وحَلَفَ لي: وإني ما كنتُ عرفتك ولا اسمك حتّى عرَّفك لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فعرضت عليه بِرًّا؛ لأنّي ظنَنْتُه متزيِّدًا في قوله، فما قبِل منّي وقال: ما كنتُ لأبيع رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بعرضٍ من الدّنيا.
ومضى فما رأيته بعد ذلك.
٣٠- مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن مُحَمَّد بْن يَحْيَى بن المهديّ بالله١.
الهاشميّ العبّاسيّ البغدادي الشّاعر. ويعرف بابن الحنْدَقُوقيّ.
سمع: أبا الحَسَن بن رزقوَيْه، وأبا الحسين القطّان.
وسمع بالبصرة من القاضي أبي عمر الهاشميّ.
روى عنه: إسماعيل بن السَّمرقنديّ.
تُوُفّي فِي ذي الحِجّة، وهو فِي عَشْر الثمانين.
٣١- محمد بن عَمْر.
أبو طاهر الأصبهاني، النّقّاش٢.
٣٢ - محمد بن أبي عمران موسى بن عبد الله.
أبو الخير المَرْوَزِيّ الصّفّار٣.
آخر من روى صحيح البخاريّ في الدّنيا بعلوٍّ.
стр. 10640
رواه عن أبي الهيثم الكُشْمِيهنيّ.
قال ابن طاهر المقدسي: ظهر سماعه على الأصل بالصّحيح، فقُرئ عليه. ثمّ استحضره الوزير نظام المُلْك، وسمعوا منه. فسقط يومًا عن دابّته، وحُمِل إلى بيته فمات.
قلت: روى عَنْهُ: أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل المروزي الخراجي، والحافظ أبو جعفر محمد بن أبي علي الهمذاني، وأبو الفتح محمد بن عبد الرحمن الكشميهني الخطيب، وهو آخر أصحابه.
قال الحافظ ابن طاهر: سمعتُ عبد الله بن أحمد السَّمرقنديّ يقول: لم يصحّ لهذا الرجل، أبي الخير بن أبي عمران، من الكُشْمِيهنيّ سَمَاع، وإنّما وافق الاسمُ الاسمَ، وكان هذا آخر من روى الكتاب بمرْو.
حُمِل إلى الوزير نظام الملك ليقرأ عليه، فقرئ عليه بعضه، وطرحته البغلة فمات، ولم يتمّ. وقد رأيتُ أهل مرْو يحكون: إذا قيل: إنّ أبا الخير بن أبي عمران سمع من أبي الهيثم، ويشيرون إلى أنّ هذا غير ذلك.
وقال أبو سعد السَّمعانيّ: كان صالحًا سديد السِّيرة. حدَّث بالبخاريّ، وحدَّث ببعض الجامع للتِّرْمِذيّ، عن أحمد بن محمد بن سراج الطّحّان. وعُمّر، وصار شيخ عصره. تكلَّم بعضهم في سماعه، وليس بشيء. أنا رأيتُ سماعَه في القدر الموجود من أصل أبي الهيثم، وأثنى عليه والدي١.
وقال الأمير ابن ماكولا: سألتُ أبا الخير عن مولده، فقال: كان لي وقت ما سمعتُ الصحيح عشْر سِنين.
وسمع في سنة ٨٨، وتُوُفّي في رمضان.
٣٣- محمد بن المهديّ٢.
وهو محمد بن عبد العزيز بن العبّاس ابن المهديّ الهاشميّ البغداديّ، والد أبي عليّ محمد.
стр. 10641
روى عن: أبي عَمْر الهاشمي البصْريّ.
وعَنْه: ابنه.
٣٤- مهديُّ بنُ نصْر.
أبو الحَسَن الهَمَذانيّ الفقيه المِشظّيّ١.
روى عن: نافع القاضي، وطاهر الإمام.
قال شيرُوَيْه: صدوق، سمعتُ منه.
"حرف الهاء":
٣٥- هبة الله بن حسين بن المهلَّب البزّاز٢.
أبو محمد.
بغداديّ.
سمع: أبا عَمْر بن مهدي، وأبا الحسين بن بشران، وابن رزقوَيْه، وغيرهم.
روى عنه: أبو القاسم بن السَّمرقنديّ، وأبو بكر القاضي، وأبو نصر الغازي.
قال ابن خيرون: كان سماعه صحيحًا.
قال السمعانيّ: كان من ملاح البغداديّين ممّن يُشار إليه في الدّعابة والولع.
مات في ربيع الآخر.
وفيات سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة:
"حرف الألف":
٣٦- أَحْمَد بْن الْحَسَن بْن مُحَمَّد.
أبو العبّاس القارئ مسكويه٣.
стр. 10642
مات في جُمَادَى الْآخرة.
٣٧- أَحْمَد بن محمد بن أحمد.
أبو ذَرّ الإسكاف١.
حدَّث بأصبهان عن: أبي سعيد محمد بن موسى الصَّيرفيّ.
روى عنه: سعيد بْن أَبِي الرجاء.
٣٨- أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عثمان.
الأستاذ أبو عمر البَشْخُوانيّ٢.
شيخ الصُّوفيّة.
كان مولده في سنة أربعمائة، وهو من ذرّية الحسن بن سُفيان النَّسويّ.
وبَشْخُوان: من قرى نَسَا.
وُلْي الخطابة ونيابة القضاء، ثمّ ترك ذلك وتجرَّد، وحجّ ورجع، فخدم أبا سعيد المِيهنيّ، وأبا القاسم القُشَيْريْ، وظهرت عليه أحوال الطريقة، وصار من أصحاب الكرامات، وسمع من شيخ الإسلام أبي عثمان الصّابونيّ، وبنى بقريته الخانقاه، وصار شيخ تلك الناحية.
أضرّ في آخر عمره٣.
وذكره السمعانيّ.
"حرف التاء":
- تُبّع.
تقدَّم في السّنة الماضية في تقريبها.
стр. 10643
"حرف الحاء":
٣٩- الْحَسَن بْن إسماعيل بن صاعد بن محمد١.
قاضي القضاة أبو عليّ الحنفيّ النيَّسابوريّ.
سمع الكثير من: أبي يَعْلَى حمزة، وعبد الله بن يوسف، وأبي الحسن بن عبدان.
تُوُفّي في جُمادى الأولى.
٤٠- الحَسَن بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الحَسَن بْن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن عبد الله بن العبّاس بن جعفر بن أبي جعفر المنصور العبّاسيّ٢.
أبو عليّ المكّيّ الشّافعيّ الحنّاط.
شيخ ثقة، كان يبيع الحنطة.
روى عن: أَحْمَد بن إبراهيم بن فِراس، وعُبَيْد الله بن أحمد السَّقطيّ. وغيرهما.
روى عنه: أبو المظفر منصور السَّمعانيّ، وعبد النعم بن القشيري، ومحمد بن طاهر، وأحمد بن محمد العباسي المكي، وطائفة من حجاج المغاربة، وغيرهم.
قيل: إنه توفي في شهر ذي القعدة.. وكان أسند من بقي بالحجاز.
وثقه ابن السَّمعانيّ في الأنساب.
وقال محمد بن محمد بن يوسف الفاشاني: كنت أقرأ على هبه الله بن عبد الوارث الشيرازي فقال: قرأتُ على أبي عليّ الشّافعيّ بمكة:
ألَا لَيْتَ شِعْري هِل أبيتنَّ ليلةً ... بفَخٍّ................................
قال هبة الله: فقرأته بالتّصحيف بفَجٍّ.
فقال أبو عليّ: وأخرجني إلى ظاهر مكّة، وأتى بي إلى موضعٍ فقال: يا بنّي، هذا هو الفخّ، بالخاء المعجمة، وهو الموضع الّذي تمنّى بلال أن يكون به.
стр. 10644
وقد سأل ابنَ السّمعانيّ إسماعيلُ بنُ محمد الحافظ، عن أبي عليّ المذكور فقال: عدلٌ ثقة، كثير السّماع.
٤١- الحسين بْن عليّ بْن أبي شريك الحاسب١.
كان آيةً في الهندسة والحساب، ولم يكن بذاك.
سمع: عبد الودود بن عبد المتكبِّر.
روى عنه: أبو القاسم هبة الله الحاسب.
"حرف العين":
٤٢- عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن عُبَيْد اللَّه بْن عثمان٢.
أبو محمد بن أبي الخير البغداديّ السكَّريّ صاحب الزّاهد عبد الصّمد.
كان أمينًا مطبوعًا، صحيح الأُصُول.
سمع: أبا أحمد الفَرَضيّ، ومحمد بن بكران الرّازيّ.
روى عنه: أبو نصر الغازي بإصبهان، ويحيى بن الطّرّاح، وإسماعيل بن السَّمرقنديّ.
وكان يعرف بابن المّطوِّعة.
٤٣- عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَحّاف.
أبو المطرِّف المَعَافِريّ، الفقيه البَلَنْسيّ٣.
قاضي بَلَنْسِيَة.
روى عن: خَلَف بن هانئ الطُّرطوشيّ.
روى عنه: أبو بحر سُفيان بن العاص الأسَديّ، وأبو اللَّيث السَّمرقنديّ.
وسمع خَلَف من أحمد بن الفضل الدَّينوريّ.
стр. 10645
٤٤- عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بن عبّاس.
أبو محمد القُرْطُبيّ المقرئ١.
قرأ على: مكّيّ بن أبي طالب بالروايات.
وسمع من: حاتم بن مُحَمَّد، وَأَبِي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن عتّاب.
قال ابن بَشْكُوال: كان مع جلَّة المقرئين، وخيارهم. عارفًا بالقراءات، ضابطًا لها، مجوَّدًا، مع الدّين والعَفاف.
أنبا عنه جماعة.
وتُوُفّي ﵀ في ذي الحِجّة.
٤٥- عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بن محمد بن مسلم.
أبو سعيد الأبْهريّ المالكيّ٢.
سمع بمصر من: عليّ بن منير، وعبد الله بن الوليد الأندلسيّ.
وحدَّث بدمشق.
روى عنه: نصر المقدسيّ، وهبة الله بن الأكفانيّ، ونصر الله المصِّيصيّ وآخرون.
٤٦- عبد الملك بن الحسين بن خَيْران.
أبو نصر الدّلّال٣.
سمع: أبا بكر بن الإسكاف.
مات في جُمَادَى الأولى.
٤٧- علي بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد.
أَبُو القاسم المحميّ٤.