وتُوُفّي في عاشر رجب، وله خمسُ وثمانون سنة.
١٧٦- عَمْر بن عَمْر بن يونس بن كُرَيِب.
أبو حفص الأصبحيّ السَّرقسطيّ. نزيل طُلَيْطُلة١.
روى عن: عليّ بن موسى بن حزب الله، ويحيى بن محارب، وأبي عَمْرو الدّانيّ، وخَلَف بن هشام العَبْدريِ القاضي.
وكان فاضلًا ثقة.
عمَّر وأسنّ. قاله ابن بَشْكُوال.
١٧٧- عَمْر بْن واجب بْن عُمَر بْن واجب.
أَبُو حفص البَلَنْسيّ٢.
روى عن: أبي عَمْر الطَّلمنكيّ.
وسمع من أبي عبد الله بن الحذّاء صحيح مسلم.
وكان صاحب أحكام بَلنْسِيَة.
روى عنه: حفيده أبو الحَسَن محمد بن واجب بن عَمْر، وأبو عليّ بن سكَّرة.
"حرف الفاء":
١٧٨- فَرَج:
مولى سيّد بن أحمد الغافقيّ الكُتُبيّ.
أبو سعيد الطُّليطليّ.
حجّ وسمع: أبا ذر الهَرَويّ.
وكان صالحًا ثقة.
روى عنه: عبد الرحمن بن عبد الله المعدّل، وغيره.
стр. 10712
"حرف الميم":
١٧٩- مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن عَمْر بن شَبُوَيْه١.
أبو نصر الأصبهاني التاجر، سمع بَنْيسابور من: أبي بكر الحِيَريّ، وأبي سعيد الصَّيرفيّ.
روى عنه: الرُّستميّ، ومسعود الثقفيّ.
تُوُفّي فِي المحرَّم.
١٨٠- مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بن إسماعيل.
أبو طاهر بن أبي الصَّقر اللّخْميّ الأنباريّ، الخطيب٢.
له مشيخة في جزءين، سمعناها.
وله رحلة إلى الشّام، والحجاز، ومصر.
وسمع: عبد الرحمن بن أبي نصر التّميميّ، وأبا نصر بن الحِبّان، وأبا عبد الله بن نظيف، ومحمد بن الحُسَين الصَّنعانيّ، وإسماعيل بن عَمْرو الحدّاد المصريّ، وعبد الوهّاب المُرّيّ، وأبا العلاء بن سُليمان المعرَّيّ، وأبا محمد الجوهريّ، وصلة بن المؤمل المصريّ.
وكان دخوله إلى مصر سنة ثلاثٍ وعشرين.
وأكبر شيوخه ابن أبي نصر.
روى عنه: أبو بكر الخطيب، وعبد الله بن عبد الرّزّاق بن الفُضَيل، وإسماعيل بن أحمد السَّمرقنديّ، وأبو الفتح محمد بن أحمد الأبياريّ الخلّال، وعبد الوهّاب الأنماطيّ، والحافظ ابن ناصر، وموهوب بن أحمد بن الْجَوَالِيقيّ.
وآخر من رَوَى عَنْهُ أَبُو بَكْر بن الزَّعْفرانيّ.
ولد سنة ستًّ وتسعين وثلاثمائة.
стр. 10713
قال السّمعانيّ: سمعتُ خليفة بن محفوظ بالأنبار يقول: كان ابن أبي الصَّقر صوامًا قوَّامًا. سأله بعض النّاس: كم مسموعات الشّيخ؟ قال: وقر جملٍ، سوى ما شذّ عنّي.
قال خليفة: وكان قد أصيب ببعضها.
وقال السّمعانيّ: سمعتُ خطيب الأنبار أبا الفتح بن الخلَّال يقول: خرج شيخنا ابن أبي الصَّقر إلى الرحلة قبل سنة ثمان عشر وأربعمائة.
وله شعرٌ، فمنه:
حبيبٌ خصَّ بالكَرَم ... إمام الحُسَن في الأُممِ
بوجه نور جوهره ... يريك البدرَ في الظُّلم
مهذَّبة خلائقُهُ ... شُمًّا بالأصل والشِّيمِ
حلفتُ على الوِدادِ لهُ ... بربّ البيتِ والحَرمِ
لأنتَ أعزّ مِن بَصَري ... عليَّ وكلّ ذِي رحِمِ
فقال: لك الوفاء بِذا ... ولو لم تأتِ بالقَسَمِ
تُوُفّي ﵀ بالأنبار فِي جُمَادَى الآخرة.
١٨١- مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن الحَسَن بن جَرْدة.
أبو عبد الله العكبريُّ التّاجر١.
كان رأس ماله نحو مائتي درهم يتَّجر بها من عُكْبرا إلى بغداد، فاتَّسعت عليه الدّنيا، إلى أن ملك ثلاثمائة ألف دينار. وصاهَرَ أبا منصور بن يوسف على بنته، وبنى دارًا عظيمة في غاية الكِبَر والحُسن، واتَّخذ لها بابين، وعلى كلّ باب مسجدًا.
ولمّا دخل البساسيريُّ بغداد بذل لقُرَيش بن بدران عشرة آلاف دينار حتّى حمى داره، واختفت عنده زوجة السّلطان طُغرُلْبَك فلمّا قدِم طُغْرُلْبَك بغداد جاء إلى داره متشكرًا.
стр. 10714
وله برٌّ معروف، وأوقاف، وآثار جميلة. روى شعرًا عن الوزير أبي القاسم المغربيّ.
وروى عنه: أبو العزّ بن كادش، وغيره.
ومات في عاشر ذي القعدة عن إحدى وثمانين سنة. وكان سِبْط الخيّاط إمام مسجده الكبير.
١٨٢- محمد بن أحمد بن علان.
أبو الفرج الكَرَجيّ، ثمّ الكوفيّ١.
ثقة، مُسْند، مشهور.
روى عن: أبي الحَسَن بن النّجّار، وأبي عبد الله الهروانيّ.
كتب عنه: أبو الغنائم النَّرسيّ، وغيره.
وآخر من بقي من أصحابه أبو الحسن بن غبرة الذي أجاز لكريمة.
قال النَّرسيّ: كان ثقة، من عدول الحاكم.
تُوُفّي في شعبان.
١٨٣- محمد بن الحسن بن محمد بن القاسم بن المنثور.
أبو الحسن الجهني الكوفي٢.
من الرؤساء لكنّه سّيئ المعتقد، شيعي.
وهو آخر من حدَّث عن محمد بن عبد اللَّه الْجُعْفيّ الهَرَوانيّ.
تُوُفّي في شعبان.
روى عنه: إسماعيل بن السَّمرقنديّ، وعَمْر بن إبراهيم الحُسَيْنيّ، ومحمد بن طُرْخان.
وعاش اثنتين وثمانين سنة.
стр. 10715
١٨٤- محمد بن الحسين.
أبو بكر البغداديّ البنّا١. ويعرف بأخي فُبَيْدة، بالضّمّ وبموحّدة.
سمع: البَرْقانيّ، وأبي عليّ بن شاذان.
وعنه: إسماعيل، وعبد الله ابنا السَّمرقنديّ.
وكان مقرئًا خيرًا، مات في شهر رجب.
ذكره ابن نقطة.
١٨٥- محمد بن شريح بن أحمد بن محمد بن شُرَيْح٢.
أبو عبد الله الرُّعينيّ الإشبيليّ المقرئ، مصنَّف كتاب "الكافي"، وكتاب "التّذكير"، وخطيب إشبيلية.
كان من جلَّة المقرَّبين في زمانه بالأندلس.
رحل وحجّ، وسمع من أبي ذرَّ الهَرَويّ، وأجاز له مكّيّ القَيْسيّ.
وسمع بمصر من: أبي العبّاس بن نفيس، وأبي القاسم الكحّال؛ وبإشبيلية من: عثمان بن أحمد القيشطاليّ.
وقرأ بالروايات بمكّة على القنطريّ، وبمصر على ابن نفيس.
روى عنه: ابنه الخطيب أبو الحَسَن شُرَيْح، وقال: تُوُفّي عصر يوم الجمعة الرابع من شوّال، وله ٨٤ عامًا إلّا ٥٥ يومًا.
١٨٦- محمد بن طلحة بن محمد.
أبو مسعد الْجُنَابَذِيّ النَّيسابوريّ التّاجر٣.
سمع من أصحاب الأصمّ.
وسمع بدمشق من عبد الرحمن بن الطُّبيز.
стр. 10716
روى عنه: عبد الغافر بن إسماعيل وقال: كان صالحًا ثقة كثير البِر.
وروى عنه بالإجازة وجيه الشحاميّ.
١٨٧- محمد بن عليّ بن أَحْمَد بن الحسين.
أبو الفضل السَّهلكيّ البسْطاميّ الفقيه١.
شيخ الصُّوفية. له الأصحاب والتصانيف في الطّريق.
سمع: أبا بكر الحِيريّ، وغيره. وحدَّث بَنْيسابور.
وقيل: تُوُفّي سنة ٧٧، فالله أعلم.
"حرف الياء":
١٨٨- يوسف بن سُليمان بن عيسى٢.
أبو الحَجَّاج الأندلسيّ النَّحويّ المعروف بالأَعْلَم.
من أهل شَنْتَمَريّة.
رحل إلى قُرْطُبة في سنة ثلاثٍ وثلاثين، وأتى أبا القاسم إبراهيم بن محمد الإفْلِيليّ فلازمه.
وأخذ عن: أبي سهل الحَرّانيّ، ومسلم بن أحمد الأديب.
وكان عالما باللُّغات والإعراب والمعاني، واسع الحفظ، جيد الضَّبط، كثير العناية بهذا الشأن. اشتهر اسمه، وسار ذكره. وكانت الرحلة إليه في وقته.
أخذ عنه: أبو علي الغساني، وطائفة كبيرة.
وكف بصره في آخر عمره.
وكان مشقوق الشَّفة العليا شقا كبيرا.
توفي بإشبيلية، وله ستٌّ وستون سنة.
قال أبو الحسين شريح بن محمد: توفي أبي في منتصف شوال فأتيت أبا الحجّاج
стр. 10717
الأعلم فأعلمته بموته، فإنّهما كانا كالأخوين، فانتخب وبكى، وقال: لا أعيش بعده إلّا شهرًا. فكان كذلك١.
"الكنى":
١٨٩- أبو الخطاب الصّوفيّ.
هو أحمد بن عليّ بن عبد الله المقرئ البغداديّ المؤدَّب٢.
أحد الحذَّاق.
قرأ القراءات على الحمّاميّ.
وله قصيدة مشهورة في السُّنَّة، رواها عنه عبد الوهّاب الأنْماطيّ.
وقصيدة في آي القرآن، رواها عنه قاضي المَرِسْتان.
قرأ عليه: هبة الله بن المجليّ، والخطيب أبو الفضل محمد بن المهتدي بالله.
قال أبو الفضل بن خَيْرون: كان عنده عن ابن الحمّاميّ السّبعةُ تلاوةً.
وقال شُجاع الذَّهليّ: كان أحد الحفّاظ للقرآن المجوِّدين. يذكر أنه قرأ بالرّوايات على الحمَّاميّ، ولم يكن معه خطٌّ بذلك، فأحسن النّاسُ به الظّنّ، وصدقوه، وقرأوا عليه.
مات في رمضان سنة ستّ. كذا ورّخه ابن خَيْرُون.
ووُلِد سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة.
وفيات سنة سبع وسبعين وأربعمائة:
"حرف الألف":
١٩٠- أحمد بن الحسين بن محمد بن محمد.
أبو الحسين البغداديّ العطّار٣.
стр. 10718
سمع: أبا الحَسَن بن رزقُوَيْه، وأبا الفضل عبد الواحد التّميميّ، وأبا القاسم الحرفيّ.
وعنه: إِسْمَاعِيل بْن السَّمرقنديّ، وعبد الوهاب بْن الأنْماطيّ.
وأثنى عليه عبد الوهّاب، ووصفه بالخير، وقال: ما كان يعرف شيئًا من الحديث.
ولد سنة سبعٍ وتسعين وثلاثمائة، ومات في سادس ذي القعدة.
١٩١- أَحْمَد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن محمد.
أبو الحسين النَّيسابوريّ الكيّاليّ المقرئ١.
سمع أبا نصر محمد بن عليّ بن الفضل الخُزاعيّ صاحب محمد بن الحسين القطّان.
رَوى عَنْه: إِسْمَاعِيل بْن أَبِي صالح المؤذّن.
١٩٢- أحمد بن محمد بن الفضل.
أبو بكر الفَسَويّ نزيل سَمَرقند٢.
كان إمامًا ذا فنون وورع وديانة.
سمع: أبا نُعَيم الحافظ، وأبا بكر الحِيريّ، ومحمد بن موسى الصَّيرفيّ، والحسين بن إبراهيم الحمّال.
مات في رمضان عن بضعٍ وسبعين سنة.
روى عنه بالإجازة أحمد بن الحسين الفراتيّ.
١٩٣- أحمد بن عبد العزيز شيبان:
أبو الغنائم بن المُعَافَى التّميميّ الكرخيّ٣.
سمع: أبا الحسين بن بِشْران، وأبا محمد السُّكَّريّ.
стр. 10719
روى عنه: إسماعيل بن السَّمرقنديّ، وعبد الوهاب الأنماطيّ.
مات في ربيع الأوَّل.
١٩٤- أحمد بْن محمد بْن عبد الله الأصبهاني البقّال١.
تُوُفّي في رجب.
١٩٥- أحمد بْن مُحَمَّد بْن رِزْق بن عبد الله.
أبو جعفر القُرْطُبيّ، الفقيه المالكيّ٢.
تفقّه بابن القطّان، وأخذ عن: أبي عبد الله بن عتاب، وأبي شاكر بن قَهْب، وابن يحيى المرييّ.
ورحل إلى ابن عبد البر فسمع منه. وكان فقيها، حافظا للرأي، مقدّمًا فيه، ذاكرًا للمسائل، بصيرًا بالنّوازل.
كان مدار طلبة الفقه بقرطبة عليه في المناظرة والتَّفقُّه، نفع الله به كلَّ من أخذ عنه. وكان صالحا، دينا، متواضعا، حليما. على هدى واستقامة.
وصفه بذلك ابن بشكوال وقال: أنا عنه جماعة من شيوخنا، ووصفوه بالعلم والفضل.
وقال عياض القاضي: تخرّج به جماعة كأبي الوليد بن رُشْد، وقاسم بن الأصْبَغ، وهشام بن أحمد شيخنا.
وذكره أبو الحَسَن بن مغيث فقال: كان أذْكى مَن رأيت في علم المسائل، وألْيَنَهُم كلمةً، وأكثَرَهُم حرصا على التعليم، وأنفقهم لطالب فرُع على مشاركةٍ له في علم الحديث.
تُوُفّي ابن رزق فجأةً في ليلة الإثنين لخمسٍ بقين من شوّال، وكان مولده سنة سبعٍ وعشرين وأربعمائة.
١٩٦- أحمد بن المحسِّن بن محمد بن عليّ بن العبّاس.
أبو الحَسَن بن أبي يَعْلَى البغداديّ العطّار الوكيل٣.
стр. 10720
أحد الدُّهاة المتبحّرين في علم الشُّروط والوثائق والدَّعاوي، يُضرب به المثل في التّوكيل.
قال أبو سعْد السّمعانيّ: سمعتُ محمد بن عبد الباقي الأنصاريّ يقول: طلّق رجل امرأته، فتزوَّجت بعد يوم، فجاء الزوج إلى القاضي أبي عبد الله بن البيضاوي، فطلبها القاضي ليشهِّرها، فجاءت إلى ابن المحسّن الوكيل، وأعطته مبلغًا، فجاء إلى القاضي فقال: الله الله، لا يسمع النّاس.
فقال: أين العُدّة؟ قال: كانت حاملًا فوضعت البارحة ولدًا ميتًا، أفلا يجوز لها أن تتجوَّز؟!.
قال عبد الوهّاب الأنماطيّ: كان صحيح السّماع، قليل الأفعال والحيْل.
قلت: روى عن: أبي القاسم الحرقيّ، وأبي عليّ بن شاذان، ومحمد بن سعيد بن الرُّوزبهان. قرأ القرآن على أبي العلاء الواسطيّ، وأقرأ مدّة.
روى عنه: مكّيّ الرُّميليّ، وإسماعيل بن السَّمرقنديّ، وَيَحْيَى بن الطّرّاح، وَعَبْد الوهاب الأنماطيّ.
تُوُفّي في رجب. ووُلد في سنة إحدى وأربعمائة.
وأبوه اسمه المحسّن عند ابن السّمعانيّ، والحسين ابن النّجّار، فلعلّهما إسمان، واتفقت وفاتهما في سنةٍ واحدة. ويقوّي أنّهُما اثنان اختلاف كُنْيتهما ونسبهما، وأنّ كنية أحمد بن الحسين: أبو الحسين، وأنّ اسم جدّه محمد بن محمد بن سلمان، وأنّه ليس بوكيل، وأنّه مات في ذي القعدة، وغير ذلك.
١٩٧- إسماعيل بن مَسْعَدة بن إسماعيل بن الإمام أَبِي بَكْر أحْمَد بْن إِبْرَاهِيم بْن إِسْمَاعِيل.
المفتي أبو القاسم الإسماعيليّ الْجُرْجانيّ١.
صدر محتشم، نبيل القدر، تامّ المروءة، واسع العلم، صدوق.
стр. 10721
كان يعِظُ ويُمْلي على فهمٍ ودراية. وحدَّث ببلاد كثيرة.
وكان عارفًا بالفقه، مليح الوعْظ، له يدٌ في النَّظم والنَّثر والتَّرسُّل.
حدَّث بكتاب "الكامل" وبـ"المعجم" لابن عديّ، وبـ"تاريخ جُرْجان".
سمع: أباه، وعمّه المُفَضَّل، وحمزة السَّهميّ، والقاضي أبا بكر محمد بن يوسف الشالنجي، وأحمد بن إسماعيل الرَّباطيّ، وجماعة.
روى عنه: زاهر ووجيه ابنا الشحامي، وأبو نصر أحمد بن عمر الغازي، وأبو سعد أحمد بن محمد البغدادي، وإسماعيل بن السَّمرقندي، وأبو منصور بن خيرون، وأبو الكرم الشهرزوري، وأبو البدر الكرخيّ، وآخرون.
ولد في سنة سبعٍ وأربعمائة.
قال إسماعيل السَّمرقنديّ: سمعتُ ابن مَسْعَدة: سمعتُ حمزة بن يوسف: سمعتُ أبا بكر الإسماعيليّ يقول: كتْبه الحديث رِق الأبد.
تُوُفّي ابن مَسْعَدة بجُرْجان.
"حرف الباء":
١٩٨- بيبي بنت عبد الصّمد بن عليّ بن محمد١.
أم الفَضل، وأم عزَّي الهرثميَّة الهَرَويّة. راوية الجزء المنسوب إليها.
عن: عبد الرحمن بن أبي شُرَيْح صاحب البغويّ، وابن صاعد.
توفيت فِي هذا العام أو فِي الّذِي بعدَه. وقد كمَّلت التسعين وتعدَّتها.
روى عنها: ابن طاهر المقدسي، ووجيه الشحامي، وأبو الوَقْت السِّجزيّ، وَعَبْد الجليل بن أَبِي سَعْد الهروي وهو آخر من روى عنها.
قال أبو سعد السَّمعانيّ: هي من أهل بخشة، قرية على أربعة فراسخ من هراة، صالحة عفيفة. عندها جزء من حديث ابن أبي شريح تفرَّدت برواية ذلك في عصرها.
سمع منها عالمٌ لا يُحصون. وكانت ولادتها في حدود سنة ثمانين وثلاثمائة.
стр. 10722
قال: وماتت في حدود خمسٍ وسبعين بهراة.
روى لنا أبو الفتح محمد بن عبد الله الشيرازيّ، وعبد الجبّار بن أبي سعْد الدّهّان، وجماعة.
قلت: وقد روى أبو عليّ الحدّاد في معجمه، عن ثابت بن طاهر الهَرَويّ، عن بيبي الهرثمية.
وَقَدْ أَدْخَلَ بَعْضُ الْمُتَفَضِّلِينَ فِي الْجُزْءِ الَّذِي رَوَتْهُ حَدِيثًا مَوْضُوعًا، رَوَاهُ أَيْضًا ابْنُ أَخِي مِيمِيٍّ، عَنِ الْبَغَوِيِّ. أخبرناه أبو الْحُسَيْن اليُونِينيّ. وأبو عَبْد اللَّه بْن النّحاس النَّحويّ، وآخرون أنّ أبا المنجَّى بن اللُّتّيّ أخبرهم، وَأَنَاهُ أَبُو الْمَعَالِي الْأَبَرْقُوهِيُّ، أَنَا زَكَرِيَّا الْعُلَبِيُّ قَالَا: أَنَا عَبْدُ الْأَوَّلِ السِّجزيّ. ح. وَأَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ إِجَازَةً، أَنَا عَبْدُ الْقَادِرِ الْحَافِظُ، أَنَا عَبْدُ الْجَلِيلِ بْنُ أَبِي سَعْدٍ الْمُعَدَّلُ، قَالَا: أَخْبَرَتْنَا بيبي: أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ الْبَغَوِيُّ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبير،. وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ فِي مَلَأٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، إِذْ دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فِي بَعْضِ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، مَعَهُمَا فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ يَتَمَارَوْنَ، وَقَدِ ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ، يَرُدُّ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "مَا الَّذِي كُنْتُمْ تُمَارُونَ قَدِ ارْتَفَعَتْ فِيهِ أَصْوَاتُكُمْ وَكَثُرَ لَغَطُكُمْ"؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَيْءٌ تكلَّم فِيهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَاخْتَلَفَا، فَاخْتَلَفْنَا لاخْتِلَافِهِمْ.
فَقَالَ: "وَمَا ذَاكَ"؟ قَالُوا: فِي الْقَدَرِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُقَدِّرُ اللَّهُ الْخَيْرَ، وَلَا يقدَّر الشَّرَّ. وَقَالَ عُمَرُ: يُقَدِّرُهُمَا جَمِيعًا.
فَقَالَ: "أَلَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا فِيهِ بِقَضَاءِ إِسْرَافِيلَ بَيْنَ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ١؟ قَالَ جِبْرِيلُ مَقَالَةَ عُمَرَ، وَقَالَ مِيكَائِيلُ مَقَالَةَ أَبِي بَكْرٍ"؛ وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ.
تأملتُ هذا الحديث يومًا فإذا هو يشبه أقوال الطُّرقيّة، فجزمت بوضعه، لكونه بإسنادٍ صحيح. ثمّ سألت شيخنا ابن تيمية عنه، فقال: هذا كذب، فاكتب على النُّسخ أنّه موضوع.
стр. 10723
قلت: والظّاهر أنّ بعض الكذابين أدخله على البغويّ لمّا شاخ وانهزم.
وأمّا ابن الجوزيّ فقال في الموضوعات: المتَّهم به: يحيى بن زكريّا، قال ابن مَعِين: هو دجّال هذه الأمّة.
"حرف الثاء":
١٩٩- ثابت بن أحمد بن الحسين.
أبو القاسم البغداديّ١.
قدِم دمشق من بغداد حاجًّا، وذكر أنّه سمع أبا القاسم بن بِشْران، وأبا ذر عبد بن أحمد الهَرَويّ، ومحمد بن جعفر الميماسيّ.
روى عنه: الفقيه نصر المقدسيّ، وأحمد بن حسين سبط الكامليّ.
قال غَيْث الأرمنازيّ: قدِم علينا وذكر أنّه سمع من عبد الملك بن بشران وأبي ذرّ. وأجاز لنا في ربيع الأوّل سنة سبعٍ وسبعين، وانّ مولده في أوّل سنة إحدى وأربعمائة.
وروى نصر في أماليه، أنّ ثابتًا هذا حدّثه أنه شاهد رجلًا أذّن بمدينة الرسول ﷺ عند قبره ﷺ للصبح، وقال في الأذان: الصّلاة خير من النوم، فجاء بعض خَدَم المسجد فلطمَهُ، فبكى الرجل وقال: يا رسول الله في حضْرتك يُفعل بي هذا! ففُلِج الخادم في الحال، فحملوه إلى بيته، فمات بعد ثلاثٍ.
"حرف الحاء":
٢٠٠- الحُسين بن أحمد بن عليّ بن البقال٢.
أبو عبد الله الأزجيّ، الفقيه الشّافعيّ، تلميذ أبي الطّيّب الطَّبريّ. علَّامة مدقّق، زاهد متعبد. وُلْي قضاء الحريم مدّة. ودرَّس وأفتى. وحدَّث عن: عبد الملك بن بِشْران.
في شعبان عن ستٍّ وسبعين.
стр. 10724
٢٠١- الحسين بن عثمان بن أبي بكر النَّيسابوريّ١.
حدَّث عن عبد الله بن يوسف الأصبهاني، وغيره.
تُوُفّي في ربيع الأوّل.
٢٠٢- الحسين بن محمد بن الحُسين.
أبو الغنائم بن السّراج الشّاذانيّ. بغداديّ٢.
سمع من: عبد الله بن يحيى السُّكَّريّ.
روى عنه: إسماعيل بن السَّمرقنديّ.
وله سميٌّ في الطبقة الآتية.
"حرف الخاء":
٢٠٣- خَلفَ بْن إبراهيم بْن محمد.
أبو القاسم القيسيّ الطُّليطليّ٣، نزيل دانِية.
قرأ على: أبي عَمْرو الدّانيّ.
وأقرأ النّاس.
مات ﵀ في ربيع الأوّل.
"حرف الطاء":
٢٠٤- طاهر بن هشام بن طاهر.
أبو عثمان الأزْديّ، الفقيه المالكيّ الأندلسيّ٤.
مفتي المريّة.
стр. 10725
روى عن: المهلب بن أبي صُفْرة؛ ورحل وأخذ عن: أبي عمران الفاسي، وأبي ذر الهَرَويّ.
قال ابن بشكوال: أنبا عنه جماعة من شيوخنا.
وقيل: إنّه عاش ستًا وثمانين سنة.
"حرف العين":
٢٠٥- عَبْد اللَّه بْن عَبْد الكريم بن هوازن.
الإمام أبو سعْد بن القُشَيْريّ١.
كان أكبر أولاد الشّيخ، وكان كبير الشّأن في السُّلوك والطّريقة، ذكيًّا أصوليًّا، غريز العربيّة.
سمع: أبا بكر الحِيريّ، وأبا سعيد الصَّيرفيّ، وهذه الطبقة.
ومولده سنة أربع عشرة وأربعمائة، وقدم بغداد مع أبيه.
وسمع من: أبي الطَّيِّب الطَّبريّ، وأبي محمد الجوهريّ.
قال السّمعانيّ: كان رضيع أبيه في الطريقة، وفخر ذويه وأهله على الحقيقة.
ثمّ بالغ في تعظيمه في التَّصوُّف، والأصول، والمناظرة، والتفسير.
قال: وكانت أوقاته ظاهرًا مستغرقًا في الطّهارة والاحتياط فيها، ثمّ في الصلوات والمبالغة في وصل التّكبير، وباطنًا في مراقبة الحقّ، ومشاهدة أحكام الغيب. لا يخلو وقته عن تنفُّس الصُّعداء وتذكر البُرَحاء، وترنُّم بكلامٍ منظومٍ أو منثور، يُشعرُ بتذكر وقتٍ مضى، وتأسُّفٍ على محبوب مَرّ وانقضى.
وكان أبوه يعاشره معاشرة الإخْوة، وينظر إلى أحواله بالحُرمة.
روى عنه: ابن أخته عبد الغافر بن إسماعيل الفارسيّ، وابن أخيه هبة الرحمن، وعبد الله بن الفُرَاويّ، وعائشة بنت أحمد الصّفّار، وجماعة.
وذكر عبد الغافر أنّ خاله أصابته علّة احتاج في معالجتها إلى الأدوية الحارّة،
стр. 10726
فظهر به علّةٌ من الأمراض الحادّة، وامتدّت مدّة مرضه ستة أشهر، إلى أن ضعف ومات في سادس ذي القعدة قبل أمّه بأربع سنين، وهي فاطمة بنت الدّقّاق.
قال عبد الغافر: هو أكبر الإخوة، من لا ترى العيون مثله في الدُّهور، ذو حظٍّ وافر من العربيّة، وحصّل الفقه، وبرع في علم الأصول بطبْع سيّال، وخاطر، إلى مواقع الإشكال ميّال، سباق إلى درَك المعاني، وقاف على المدارك والمباني.
وأمّا علوم الحقائق فهو فيها يشقّ الشَّعر.
قلت: وطوّل ترجمته.
٢٠٦- عبد الرحمن بن محمد بن عفيف١.
أبو منصور البّوشنجيّ الهَرَويّ، المعروف بكُلّاريّ.
سمع: عبد الرحمن بن أبي شُرَيْح.
وقيل: إنّه آخر من روى عَنْهُ.
روى عَنْهُ: أَبُو الوقت، ووجيه الشّحّاميّ، وأبو عليّ الحَسَن بن محمد بن السَّنجبستيّ، ومحمد وفضيل ابنا إسماعيل الفُضَيْليّان، وضحاك بن أبي سعْد الخباز، وزهير بن عليّ بن زهير الجذاميّ السرَّخسيّ، وعبد الجليل بن أبي سعْد.
وقع لنا من طريقه بعُلُوّ حكايات شُعْبة للبَغَويّ. وكان صالحًا معمَّرًا.
مات في رمضان ببُوشَنْج.
٢٠٧- عبد السّيّد بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَحْمَدَ بن جعفر٢.
ابن الصّبّاغ الفقيه أبو نصر البغداديّ الشّافعيّ، فقيه العراق، ومصِّنف كتاب "الشامل".
كان يقدَّم على الشّيخ أبي إسحاق في معرفة المذهب. ذكره السّمعانيّ فقال: ومن جملة التّصانيف الّتي صنَّفها: "الشّامل"، و"الكامل"، و"تذكرة العالم والطريق السالم".
قال: وكان يضاهي أبا إسحاق. وكانوا يقولون: هو أعرف بالمذهب من أبي إسحاق. وكانت الرحلة إليهما في المختلف والمتفق.
стр. 10727
قال: وكان أبو نصر ثبتا حجة ديِّنًا خيرا. ولي النظامية بعد أبي إسحاق، وكفَّ بصره في آخر عمره.
وحدَّث بجزء ابن عرفة، عن محمد بن الحسين القطّان.
وسمع أيضًا أبا عليّ بن شاذان.
روى لنا عنه: ابنُه أبو القاسم عليّ، وإسماعيل بن السَّمرقنديّ، وأبو نصر الغازي، وإسماعيل بن محمد بن الفضل، وغيرهم.
ومولده في سنة أربعمائة.
وقال الحاكم، وابن خلَّكان: كان تقيا، صالحًا، له كتاب "الشّامل"، وهو من أصحّ كُتُب أصحابنا، وأثبتها أدِلةً. درَّس بالنظامية ببغداد أوّل ما فتحت، ثمّ عُزِل بأبي إسحاق بعد عشرين يومًا. وذلك في سنة تسعٍ وخمسين وأربعمائة.
وكان النّظّام أمر أن يكون المدرَّس بها أبو إسحاق، وقرروا معه أن يحضر في هذا اليوم للتدريس، فاجتمع النّاسُ، ولم يحضر أبو إسحاق، فطلب، فلم يوجد، فأُرسل إلى أبي نصر وأحضِر، ورتَّب مدرَّسها، وتألم أصحاب أبي إسحاق، وفَتَرُوا عن حضور درسه، وراسلوه أنّه إنْ لم يدرس بها لزِموا ابن الصّبّاغ وتركوه. فأجاب إلى ذلك، وصُرف ابن الصّبّاغ.
قال شُجاع الذُّهليّ: تُوُفّي أبو نصر بن الصَّبَّاغ في يوم الثّلاثاء ثالث عشر جُمَادَى الأولى، ودفن من الغد في داره بدرب السَّلوليّ.
قال ابن السّمعانيّ: ثمّ نُقِل إلى مقابر باب حرب. وقد درس بعد أبي إسحاق سنة، ثمّ عُزِل أيضًا وعَمِي.
٢٠٨- عبد الوهّاب بن عليّ بن عبد الوهّاب:
البغداديّ السُّكّريّ البزاز المعروف بابن اللَّوح١.
سمع من: هلال الحفّار.
стр. 10728
وعنه: إسماعيل بن السَّمرقنديّ.
وتُوُفّي في رمضان وله ٧٦ سنة.
وسمع من: أبي أحمد الفرضيّ أيضًا.
٢٠٩- عليّ بن أحمد بن عبد العزيز بن طُبَيز.
أبو الحَسَن الأنصاريّ المَيُورْقيّ، الأندلسيّ١.
حكى عن: أبي عَمْر بن عبد البرّ، وغيره.
وسمع بدمشق من: عبد العزيز الكتّانيّ، وابن طلّاب.
وكان من علماء اللغة والنَّحو، دينًا، فاضلًا، فقيهًا، عارفًا بمذهب مالك كتبَ بصور عامَّة تصانيف أبي بكر الخطيب وحصلها.
وحدَّث بالقُدس، والبحرين، وبغداد.
حكى عنه: شيخاه: الخطيب، والكتّانيّ، وعَمْر الرُّؤاسيّ.
وأثنى عليه الحافظ ابن ناصر وقال: انحدر إلى البصرة وتُوُفّي بها.
وقال: سمعتُ أبا غالب محمد بن الحَسَن الماوَرْديّ يقول: قدِم علينا أبو الحَسَن سنة تسعٍ وستِّين، فسمع السُّنن من أبي عليّ التُّستريّ، وأقام عنده نحوًا من سنتين، ثمّ ذهب بعد ذلك إلى عُمان، والتقيتُ به بمكّة في سنة ثلاثٍ وسبعين. وأخبرني أنّه ركبَ البحر إلى بلاد الزَّنج، وكان معه من العلوم أشياء فما نفق عندهم إلَّا النَّحو.
وقال: لو أردت أن أكسب منهم آلافًا لأمكن ذلك، وقد حصل لي نحوٌ من ألف دينار، وأسِفوا على خروجي من عندهم.
ثمّ إنّه عاد إلى البصرة على أن يقيم بها، فلمّا وصل إلى باب البصرة وقع عن الجمل، فمات بعد رجوعه من الحجّ.
وقال ابن عساكر: ثنا عنه هبة الله بن الأكفانيّ ووثقه.
قلت: وذكر وفاته هبة الله في هذه السُّنّة. وأما ابن السّمعانيّ وغيره فقالوا: تُوُفّي سنة أربعٍ وسبعين، وهو أشبه.
стр. 10729
٢١٠- عليّ بن محمد:
أبو الحَسَن الغَزْنَويّ١.
ولي قضاء دمشق في أيام تاج الدّولة تُتُش بن ألْب أرسلان. وفي هذه السّنة ضُرِب وسجن، وولي القضاء نجم القضاة.
وذكره ابن عساكر مختصرًا.
"حرف الفاء":
٢١١- الفضل بن محمد.
أبو عليّ الفارَمْذِيّ٢.
تُوُفّي ﵀ في شهر ربيع الآخر. وكان شيخ الصُّوفيّة في زمانه.
ذكره عبد الغافر فقال: هو شيخ الشيوخ في عصره وزمانه، المنفرد بطريقته في التذكير التّي لم يُسبق إليها في عبارته وتهذيبه، وحسن آدابه، ومليح استعاراته، ودقيق إشارته ورقة ألفاظه، ووقع كلامه في القلوب.
دخل نَيْسابور، وصحب زينَ الإسلام القُشَيْريّ، وأخذ في الاجتهاد البالغ. وكان ملحوظًا من الإمام بعين العناية، موفرًا عليه منه طريقة الهداية.
وقد مارس في المدرسة أنواعًا من الخدمة، وقعد سنين في التفكير، وعَبَر قناطر المجاهدة، حتّى فُتِح عليه لوامع من أنوار المشاهدة.
ثمّ عاد إلى طُوس، واتصل بالشيخ أبي القاسم الكركانيّ الزّاهد مصاهرةً، وصُحبةً، وجلس للتذكير، وعفّى على من كان قبله بطريقته، بحيث لم يعهد قبله مثله في التذكير. وصار من مذكّري الزّمان، ومشهوري المشايخ. ثمّ قدِم نَيْسابور، وعقد المجلس، ووقع كلامه في القلوب، وحصل له قبول عند نظام المُلْك خارج عن الحدّ، وكذلك عند الكبار.
وسمعتُ ممّن أثق به أنّ الصّاحب خدمه بأنواع من الخدمة، حتّى تعجَّب الحاضرون منه.
стр. 10730
وكان ينفق على الصوفية أكثر مما يُفتح له به. وكان مقصدًا من الأقطار للصُّوفيّة.
وكان مولده في سنة سبعٍ وأربعمائة.
وسمع من: أبي عبد الله بن باكويه، وأبي حسّان المزكّى، وأبي منصور البغداديّ، وابن مسرور، وجماعة.
روى عنه عبد الغافر، وعبد الله بن عليّ الحركوشيّ، وعبد الله بن محمد الكوفيّ العلويّ، وأبو الخير صالح السّقّاء، وآخرون.
٢١٢- أبو الفضل بن القاضي أبي بكر أحمد بن الحَسَن بن أحمد الحِيريّ١.
تُوُفّي فِي صفر.
"حرف الميم":
٢١٣- مُحَمَّدُ بْن أَحْمَد بْن إبراهيم بن سلة.
أبو الطّيِّب الأصبهاني٢.
عن: أبي عليّ الحَسَن بن عليّ بن أحمد البغداديّ.
وعنه: الحافظ أبو سعْد البغداديّ، وأبو القاسم الطّلْحيّ، وأبو الخير الباغبان، وآخرون.
حدَّث في ذي الحِجّة من السنة، وانقطع خبره.
٢١٤- مُحَمَّد بْن أحْمَد بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن القاسم.
أبو الفضل ابن العلّامة أبي الحَسَن المَحَامليّ٣.
الفقيه الشّافعيّ.
سمع: أبا الْحُسَيْن بْن بشران، وأبا عليّ بْن شاذان، وجماعة.
أخذ عنه: مكّيّ الرُّميليّ، وغيره.
стр. 10731
وكان من الأذكياء.
مات في رجب عن إحدى وسبعين سنة.
٢١٥- مُحَمَّد بْن سَعِيد بْن مُحَمَّد بْن فرُّوخ زاد.
القاضي أبو سعيد النَّوقانيّ، الفرخزاديّ الطُّوسيّ١.
قال السّمعانيّ: فاضل، عالم، سديد السّيرة، مُكثر من الحديث.
وسمع من: ابن مَحْمِش، وعبد اللَّه بن يوسف الأصبهاني، والسُّلميّ، ويحيى المُزَكّيّ، وأبي عَمْر البسطاميّ.
وسمع من: الثَّعلبيّ أكثر تفسيره.
مولده سنة تسعين. وقيل: نيّفٌ وتسعين وثلاثمائة.
حدَّث عنه: أبو سعد محمد بن أحمد الحافظ، والعباس بن محمد العصّاريّ، وأحمد بن محمد بن بِشْر النَّوقانيّ، ومحمد بن أحمد بن عثمان النَّوقانيّ، وصخر بن عبيد الطّابَرَانيّ.
تُوُفّي سنة سبعٍ وسبعين.
قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ عَسَاكِرَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ السَّمْعَانِيِّ: أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ بِنُوقَانَ: أنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ، أنا أَبُو طَاهِرٍ مَحْمِشٌ، أنا صَاحِبُ ابْنِ أَحْمَدَ، نا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَرْوَزِيُّ، نا ابْنُ الْمُبَارَكِ، نَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ: حدَّثنيّ الْحَسَنُ، عَنْ أَنَسٍ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيُسْنِدُ ظَهْرَهُ إِلَى خَشَبَةٍ، فَلَمَّا كَثُرَ النَّاسُ قَالَ: "ابْنُوا لِي مِنْبَرًا لِلْحَدِيثِ" ٢.
٢١٦- محمد بن عمّار.
أبو بكر المهري الأندلسيّ، ذو الوزارتين٣.
стр. 10732
شاعر الأندلس. كان هو وابن زيدون الأندلسيّ القُرْطُبيّ كَفَرَسَيْ رِهان. وكان ابن عمّار قد اشتمل عليه المعتمِد بن عبّاد، وبلغ الغاية القصوى، إلى أن استوزره، ثمّ جعله نائبًا له على مَرْسِية، فعصى بها على المعتمد، فلم يزل يحتال عليه ويتلطف إلى أن وقع في يده، فذبحه صبرًا بيده، لعصيانه، ولكونه هجا المعتمِد وآباءه، بقوله:
مما يُقَبِّحُ عندي ذِكْر أندلسٍ ... سماعُ معتمدٍ فيها ومُعْتَضِد
أسماءُ مملكةٍ في غير موضعها ... كالهرّ يَحكي انتفاخًا صَوْلَةَ الأسدِ
وقيل: قتله في سنة تسعٍ وسبعين.
ومن شعره:
أَدرِ الزُّجاجة فالنّسيمُ قد انْبَرى ... والنَّجم قد صرف العِنانَ عن السُّرى
والصُّبح قد أهدى لنا كافورِهُ ... لمّا استردّ اللَّيل منّا العنبرَا
ومنه:
ملكٌ إذا ازدحم الملوكُ بموردٍ ... ونَحَاهُ لا يردوه حتّى يصدُرا
أنْدَى على الأكباد من قَطْرِ النَّدى ... وأَلَذُّ في الأجفان من سِنة الكرى
قدَّاح زند المجد لا ينفكُّ من ... نار الوَغَى إلَّا إلى نار القِرى
جلَّلت رمحك من رؤوس كُمَاتِهِم ... لمّا رأيت الغُصْنَ يُعَشْق مُثِمرًا
والسَّيف أفصحُ من زيادٍ خُطْبةً ... في الحرب إنْ كانت يمينُك مِنْبَرا١
وله:
عليَّ وإلَّا ما بكاءُ الغمائمِ؟ ... وفيَّ وإلَّا ما نِياحُ الحمائمِ؟
وعنيّ أثارَ الرَّعد صَرْخَةَ طالبٍ ... لثأرٍ وهزَّ البْرقُ صفحة جارم
وما لبست زهر النُّجوم جدادها ... لغيري ولا قامت له في مأتمِ
ومنه:
أبى الله أنْ تَلْقاه إلَّا مقلَّدًا ... حَمِيلةَ سيفٍ أو حمالة غارم٢
стр. 10733
وقد جال ابن عمّار في الأندلس، ومدح الملوك والرؤساء، حتّى السُّوقة؛ حتّى أنّه مدح رجلًا مرة، فأعطاه مِخلاة شَعِير لحماره، وكان ذلك الرجل فقيرًا. ثمّ آل بابن عمّار الأمر إلى أن نفق على المعتمد، وولَّاه مدينة شِلْب، فملأ لصاحب الشعير مخلاةً دراهم، وقال للرسول: لو ملأتها بُرًا لملأناها تِبْرًا.
ولمّا استولى على مُرْسِية خلع المعتمد، ثمّ عمل عليه أهل مُرْسية فهربَ ولجأ إلى بني هُود بسرَقُسْطَة، فلم يقبلوه، ثمّ وقع إلى حصن شقُّورة فأحسن متولّيه نُزُلَه، ثمّ بعد أيّام قيَّده، ثمّ أُحضر إلى قُرْطُبة مقيَّدًا على بغلٍ بين عِدْلي تبنٍ لِيَراه النّاس.
وقد كان قبل هذا إذا دخل قُرْطُبة اهتزت له، فسجنه المعتمد مدَّةً، فقال في السّجن قصائد لو توسل بها إلى الزّمان لنَزَع عن جَوْره، أو إلى الفُلْك لكَفّ عن دَوْره، فكانت رقيً لم تنْجَع، وتمائم لم تنفع، منها:
سجاياكَ -إن عافَيتَ- أنْدى وأسْجحُ ... وعُذرك -إنّ عاقبتَ- أجْلَى وأوْضحُ
وإنْ كان بين الخطَّتين مزيَّة ... فأنتَ إلى الأدْنى من الله تجنح
حنانيك في أخْذي برأيك، لا تُطِعْ ... عِدايَ، ولو أثْنَوا عليك وأفصحوا
أقِلْني بما بيني وبينك مِن رضى ... له نحو روح الله بابٌ مفتَّح
ولا تلتفت قولَ الوشاة ورأيهم ... فكُل إناءٍ بالّذي فيه يَرْشَحُ
٢١٧- محمد بن محمد بن أصبغ:
أبو عبد الله الأزْديّ القُرْطُبيّ١، خطيب قرطبة.
جوَّد القرآن على مكّيّ بن أبي طالب.
وأخذ عن: حاتم بن محمد، ومحمد بن عتّاب، وجماعة.
وكان فاضلًا، ديّنًا، متواضعًا، مقرئا، كثير العناية بالعِلم.
ولا نعلمه حدَّث.
٢١٨- محمد بن محمود بن سَوْرة٢.
الفقيه أبو بكر التّميميّ النَّيسابوريّ، ختن أبي عثمان الصابونيً على ابنته.
стр. 10734
سمع: ابن مَحْمِش الزياديّ، وأبا عبد الرحمن السُّلميّ.
روى عنه: زاهر ووجيه ابنا الشّحّاميّ، وجماعة.
تُوُفّي في ربيع الأوّل.
وروى عنه: سعيدة بنت زاهر، وعبد الله بن الفُراويّ.
٢١٩- محمد بن محمد بن جعفر.
أبو الحَسَن النّاصحّي النَّيسابوري الفقيه١.
كان ديِّنًا ورِعًا فاضلًا.
روى عن: أصحاب الأصمّ.
روى عنه: عبد الغافر بن إسماعيل.
يروى عن: الحِيريّ، والسُّلميّ.
وتفقه على أبي محمد الْجُوَيْنيّ.
٢٢٠- مسعود الرَّكّاب٢.
الحافظ.
قال ابن النّجّار: قدم بغداد بعد الثّلاثين وأربعمائة، فسمع من بُشْرَى مولى فاتن، وجماعة.
وبواسط من: أحمد بن المظفّر العطّار.
سمع منه الصُّوريّ، وهو شيخه.
وقال عبد الغافر الفارسيّ: كان متقنًا ورعًا، قصير اليد، زجّى عمره كذلك إلى أن ارتبطه نظام المُلْك بَبْيَهق مدّةً، ثمّ بطُوس للاستفادة منه. وكان يُسمع إلى آخر عمره.
وقال أحمد بن ثابت الطُّرفيّ: سمعتُ ابن الخاضبة يقول: كان مسعود قدريا. سمعته قرأها: "فحجَّ آدم"، بالنَّصب.
стр. 10735
٢٢١- مسعود بن ناصر بن أبي زيد عبد الله بن أحمد١.
أبو سعيد السِّجزيّ الرّكّاب الحافظ. أحد الرّحّالين والحُفّاظ، صنَّف التّصانيف وجمع الأبواب؛ وسمع بسِجِسْتان من: أبي الحَسَن عليّ بن بُشْرَى، وأبي سعيد عثمان النُّوقانيّ.
وبَهَراة من: محمد بن عبد الرحمن الدّبّاس، وسعيد بن العبّاس القُرَشيّ، وأبي أحمد منصور بن محمد بن محمد الأزْديّ.
وبنيسابور من: أبي حسان محمد بن أحمد المزكي، وأبي سعد النَّصرويي، وأبي حفص بن مسرور.
وبَبغداد من: ابن غَيْلان، وأبي محمد الخلَّال، والتَّنوخيّ.
وبإصبهان من: ابن رِيذَة، وخلْق كثير.
روى عنه: محمد بن عبد العزيز العِجْليّ المَرْوَزِيّ، وأبو بكر عبد الواحد بن الفضل الطُّوسيّ، وأبو نصر الغازي، وهبة الرحمن بن القُشَيْريّ، وأبو الغنائم النّرْسيّ، والحافظ أبو بكر الخطيب مع تقدُّمه، ومحمد بن عبد الواحد الدّقّاق وقال: ولم أر فيهم -يعني المحدّثين- أجود إتقانًا ولا أحسن ضَبْطًا منه.
وقال زاهر الشّحّاميّ: كان مسعود بن ناصر يذهب إلى رأي القدريّة، ويميل إليهم - وكان يقرؤها في الحديث: "فحجَّ آدَمَ مُوسَى" ٢.
وقد روى أبو بكر الخطيب عن مسعود.
стр. 10736
وتُوُفّي بَنْيسابور في جُمَادَى الأولى، وصلى عليه أبو المعالي الْجُوَيْنيّ، ووقفَ كُتُبَه بَنْيسابور، وكانت كثيرة نفيسة.
٢٢٢- منصور بْن عَبْد الله بْن محمد بْن منصور المنصوريّ.
الفقيه أبو القاسم الطُّوسيّ١.
روى عن أصحاب الأصمّ، مثل أبي بكر الحِيريّ، وأبي سعيد الصَّيرفيّ، وروى عنه عبد الغافر وقال: تُوُفّي ليلة عيد الأضحى، وكان صالحًا مكثرًا.
"حرف النون":
٢٢٣- نصْر بن بِشْر.
أبو القاسم الشَّافعيّ٢.
سمع: أبا عليّ بن شاذان، وجماعة.
وتفقه على القاضي أبي الطّيّب.
ونزل البصرة.
سمع منه: الحُمَيْدِيّ، وشُجاع الذَّهليّ.
وفيات سنة ثمان وسبعين وأربعمائة:
"حرف الألف":
٢٢٤- أحمدُ بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد بْن أبي الحسين.
الشّيخ أبو الحَسَن الكيّاليّ النَّيسابوريّ المشّاط المقرئ٣.
شيخ ثقة، جليل، عالم، ذو ثروة وحِشْمة.
روى عن: أبي نصر محمد بن الفضل بن عقيل، وابن مَحْمِش الزِّياديّ، وعبد الله بن يوسف الأصبهانيّ.
стр. 10737
ثم سمع الكثير مع ابنه مسعود من: أبي بكر الحيريّ، وأبي الحسين السّقّاء، وأبي سعْد الصَّيرفيّ.
ذكره عبد الغافر فأثنى عليه وقال: قيل: كان له سماع من أبي الحُسين الخفّاف.
وُلِد سنة أربعٍ وثمانين. وتوفّي في سابع عشر جُمَادَى الأولى سنة ثمانٍ.
روى عنه: عبد الغافر المذكور، وإسماعيل بن المؤذّن، وإسماعيل بن عبد الرحمن العصائديّ، وأحمد بن الحَسَن الكاتب، وآخرون.
وقلَّ ما روى.
٢٢٥- أحمد بن عَمْر بن أنّس بن دُلْهاث بن أنّس بن فَلْذان بن عَمْر بن مُنيب.
أبو العبّاس العُذْريّ الدَّلايي١. ودَلايةَ من عمل المَريّة.
رحل مع أبَوَيْه فدخلوا مكَّة في رمضان سنة ثمانٍ وأربعمائة، وجاوروا بها ثمانية أعوام، فأكثر عن أبي العبّاس الرّازيّ راوي صحيح مسلم، وأبي الحسن بن جهضم، وأبي بكر بن نوح، وعليّ بن بندار القزوينيّ.
وصحب أبا ذرّ، وسمع منه البخاريّ سبْعَ مرات.
وسمع من جماعة من الحَجَّاج، ولم يسمع بمصر شيئًا.
وكتب بالأندلس عن أبي عليّ البجَّانيّ الحسين بن يعقوب صاحب سعيد بن فَحْلُون، وعن أبي عَمْر بن عفيف، والقاضي يونس بن عبد الله، والمهلَّب بن أبي صُفْرة، وأبي عمرو السَّفاقسيّ.
وكان معينًا بالحديث، ثقة، مشهورًا، عالي الإسناد، ألحَقَ الأصاغر بالأكابر حدَّث عَنْه: إماما الأندلس: أبو عُمَر بْن عَبْد البَرَّ، وأبو محمد بن حَزْم، وأبو الوليد الوَقْشيّ، وطاهر بن مفوَّز، وأبو عليّ الغسّانيّ، وأبو عبد الله الحُمَيْدِيّ وأبو عليّ الصَّدفيّ، وأبو بحر سُفيان بن العاص، والقاضي أبو عبد الله بن شبرين، وجماعة كثيرة.
ووُلِد في رابع ذي القعدة سنة ثلاثٍ وتسعين وثلاثمائة.
ومات في سَلْخ شعبان. وصلى عليه ابنه أنس.
стр. 10738
وقد صنَّف كتاب "دلائل النُّبوَّة"، وكتاب "المسالك والممالك".
قلت: أحسبه آخر من روى عن ابن جَهْضَم في الدُّنيا.
قال ابن سكَّرة: أنا أبو العبّاس العُذريّ، ثنا محمد بن نوح الأصبهاني بمكّة، ثنا أبو القاسم الطّبَرانيّ، فذكر حديثًا.
٢٢٦- أحمد بن عيسى بن عبّاد بن عيسى بن موسى.
أبو الفضل الدَّينوريّ، المعروف بابن الأستاذ١.
قدم هَمَذان قبل السَّبعين، وحدَّث عن: أبيه أبي القاسم، وأبي بكر بن لال، وأحمد بن تُرْكان، وعبد الرحمن الإمام، وعبد الرحمن الصَّفَّار، وطاهر بن ماهلة، وأبي عمر بن مهديّ، وعليّ البيِّع، وجماعة.
قال شيرُوَيْه: سمعتُ منه بهمذان، والدَّينور، وكان صدوقًا. سألته عن مولده فقال: وُلدتُ سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة.
ومات بالدِّينور سنة ثمانٍ.
قلت: فيكون عمره سبْعًا وتسعين سنة، وكان ﵀ مُسْنِد تلك الدِّيار في زمانه.
٢٢٧- أحمد بن محمد.
أبو العبّاس النَّيسابوريّ التّاجر الصّوفيّ، المعروف بأحمد محمود٢. خادم الفقراء في مدرسة الحدّادين سنين.
وقد خدم الشّيخ محمود الصُّوفي مدّة، ولِذا نُسب إليه.
وقد ورث عن أبيه أموالًا جمَّة، أنفقها على الفقراء.
وقد تخرَّج به جماعة، وكان له نفسُ صادق، وقَبُول بين الأكابر. يفتح على يديه ولسانه للفقراء أنواع الفتوح.
وقد سمع من أبي حفص بن مسرور.
وتُوُفّي ﵀ بناحية جوين في شعبان كهلًا.
стр. 10739
٢٢٨- أحمد بن محمد بْن الحَسَن بْن فُورَك١.
أبو بَكْر الزُّهريّ النَّيسابوريّ سبط الأستاذ أبي بكر بن فورك.
كان أحد الكتَّاب والمترسِّلين، يلبس الحرير.
سمع مسند الشّافعيّ من أبي بكر الحِيريّ.
وسمع من أبي حفص بن مسرور، وجماعة.
وكان زوج بنت القُشَيْريّ، ذكيًّا مُناظرًا، واعظًا، شَهْمًا، مُقبِلًا على طلب الجاه والتّقدُّم، وبسببه وقعت فتنةٌ ببغداد بين الحنابلة والأشاعرة.
وقد روى عنه: إسماعيل بن محمد التَّميميّ الحافظ، وأبو القاسم إسماعيل بن السَّمرقنديّ، وغيرهما.
ووعظ ببغداد، ونَفَقَ سُوقُه وزادت حشمته وأملاكه ببغداد، وتردّد مرّاتٍ إلى المعسكر. وكان نظام المُلْك يُكرمه ويحترمه.
قال ابن ناصر: كان داعيةً إلى البدْعة، يأخذ مَكْس الفحْم من الحدادين.
٢٢٩- أحمد بن محمد بن الحَسَن بن داود الأصبهاني.
الخيّاط، سِبْط محمد بن عَمْر الجرواآنيّ٢.
مات فجأةً في سَلخ ذي القِعْدة.
٢٣٠- أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أحمد بن يحيى ين خليل بن ماسوَيْه.
أبو العبّاس بن الحدّاد الأنصاريّ البَلَنْسِيّ٣.
حجّ سنة اثنتين وخمسين، ودخل إلى خُراسان، وعاد إلى مصر.
وكان واسع العلم والرواية.
ذكره ابن الآبّار في تاريخه.
стр. 10740
٢٣١- إسماعيل بن أحمد بن عبد العزيز.
أبو القاسم السّياريّ العطّار النَّيسابوريّ١.
شيخ، معتَمَد، رئيس.
صحب أبا محمد الْجُوَيْنيّ، وسمع ابن مَحْمِش الزّياديّ.
وحدَّث ببغداد بعد السّبعين.
وتُوُفّي سنة ثمانٍ.
ثمّ حضر إليَّ تاريخ عبد الغافر فإذا فيه:
٢٣٢- إسحاق بن أحمد بن عبد العزيز بن حامد.
أبو يعقوب المحمَّداباذيّ الزّاهد، المعروف بإسحاقك٢.
شيخ ثقة من العُبّاد، عديم النَّظير في زُهْده وورعه. وكان من أصحاب أبي عبد الله. قليل الاختلاط بالناس، محتاط في الطهارة والنّظافة.
وُلِد سنة أربعمائة.
وسمع من أبي سعيد الصَّيرفيّ.
وتُوُفّي عاشر جُمَادَى الأولى سنة ٧٨.
٢٣٣- إسماعيل بن عَمْرو بْن محمد بْن أحمد بْن جعفر.
أبو سعيد البَحِيريّ النَّيسابوري٣.
حدَّث في هذا العام -لمّا حجّ- بَهَمَذان، عن: أبيه أبي عثمان، وأبي حسان محمد بن أحمد المزكي، وأبي سعد النَصروييّ، والحسين بن إبراهيم الكَيْسَليّ، ومحمد بن عبد العزيز النّيليّ، وبِشْرُوَيْه بن محمد المغفَّليّ، وأبي إبراهيم إسماعيل بن إبراهيم النَّصراباذيّ.
قال شيرُوَيْه: سمعت منه، وكان صدوقًا.
стр. 10741
"حرف الحاء":
٢٣٤- الحسين بن عليّ بن أبي نزار.
الحاجب الصدر أبو عبد الله المردوسيّ١، حاجب باب النُّوبيّ.
محمود السيرة، ديِّن، خيِّر، متعبّد.
مات فِي ذي القعدة، وله أربعٌ وتسعون سنة.
لم يروِ شيئًا.
٢٣٥- حمزة بن عليّ بن محمد بن عثمان بن السّوّاق.
أبو الغنائم البغداديّ البُنْدار٢.
ولد سنة اثنتين وأربعمائة.
وسمع: أبا الحسين بن بِشْران، وأبا الفَرَج أحمد بن عَمْر العَصائديّ صاحب جعفر الخُلديّ.
وعنه: أبو بكر الأنصاريّ، وأبو القاسم بن السَّمرقنديّ، وعبد الوهاب الأنماطي، والمبارك بن أحمد.
مات في شعبان.
"حرف الزاي":
٢٣٦- زياد بْن عَبْد اللَّه بْن محمد بْن زياد٣.
أبو عبد الله الأنصاريّ الأندلسيّ، خطيب قُرْطُبة.
أخذ عن: يونس بن عبد الله.
وحجّ فسمع من: أبي محمد بن الوليد.
وأجاز له أبو ذرّ.
стр. 10742
قال ابن بَشْكُوال: وكان فاضلًا، ديَّنًا، ناسكًا، خطيبًا، بليغًا، محبَّبًا إلى النّاس، معظَّمًا عند السُّلطان، جامعًا لكلّ فضيلة، حَسَن الخُلُق، وافر العقل.
أخبروني عن: محمد بن فَرَج الفقيه، قال: ما رأيت أعقل من زياد بن عبد الله.
تُوُفّي زياد في رمضان، وله ستٌّ وثمانون سنة. أنبا عنه أبو الحَسَن بن مغيث.
"حرف السين":
٢٣٧- سُليمان بن أحمد الواسطيّ١:
عن: ابن شاذان.
وعنه: إسماعيل بن السَّمرقنديّ.
"حرف الطاء":
٢٣٨- طلْحة بن عليّ بن يوسف.
أبو محمد الرّازيّ. ثمّ البغداديّ، الصُّوفيّ الفقيه٢.
من ساكني رباط أبي سعْد.
كان حسن السيرة.
سمع: أبا الحسين بن بِشْران، وأبا القاسم الخِرَقِيّ.
وعنه: ابنه محمد بن طلْحة، وإسماعيل بن السَّمرقنديّ.
تُوُفّي ﵀ في صَفَر.
"حرف الظاء":
٢٣٩- ظَفَر بن عبد الواحد بن عبد الرّحيم.
أبو محمد الأصبهاني٣.
مات في ذي الحجّة.
стр. 10743
"حرف العين":
٢٤٠- عَبْد اللَّه بْن إِسْمَاعِيل بْن محمد بن خَزْرَج.
أبو محمد اللَّخميّ الإشبيليّ الحافظ المؤرِّخ١.
ولد سنة سبعٍ وأربعمائة.
وروى عن: أبي عَمْرو المرشانيّ، وأبي الفتوح الْجُرْجانيّ، وأبي عبد الله الخَوْلانيّ، وخلْق.
وعدد شيوخه مائتان وستّون رجلًا.
وكان مع حِفْظه فقيهًا مشاورًا. أكثر النّاسُ عنه.
روى عنه: شُرَيْح بن محمد، وأبو محمد بن يَرْبُوع.
مات ﵀ في شوّال بإشبيلية.
٢٤١- عبد الرحمن بن الحَسَن.
أبو القاسم الشّيرازيّ الفارسيّ٢.
إمامٌ ذو فنون، سافر الكثير، وسكن ميهنة، قَصَبة خابران، في آخر عمره، وكان من مُريدي أبي سعيد بن أبي الخير المَيْهَنيّ.
سمع ببغداد: أبا يَعْلَى بن الفرَّاء؛ وبدمشق: الحسين بن محمد الحِنّائيّ، وبالمعرَّة: أبا صالح محمد بن المهذَّب، وجماعة.
روى عنه: أبو بكر المحتاجي الخطيب بمَيْهَنَة.
وحدَّث في هذا العام، ولم نعرف وفاته.
٢٤٢- عَبْد اللَّه بْن عَلِيّ بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ الباجيّ٣.
أبو محمد اللَّخميّ. من أهل إشبيلية.
стр. 10744
سمع من: جدّه.
وكان فقيهًا فاضلًا.
روى عنه: أحمد بن عبد الله بن جابر.
٢٤٣- عبد الرحمن بن مأمون بن عليّ.
الإمام أبو سعْد المتولّي النيَّسابوري، الفقيه الشّافعيّ١.
أحد الكبار.
قدِم بغداد، وكان فقيهًا محقِّقًا، وحبْرًا مدقِّقًا. وُلْي تدريس النّظاميّة بعد الشّيخ أبي إسحاق، ودرَّس وروى شيئًا يسيرًا.
ثمّ عُزِل بابن الصّبّاغ في أواخر سنة ستٍّ وسبعين، ثمّ أُعيد إليها سنة سبعٍ وسبعين.
وقد تفقّه على القاضي حسين بمَرْو الرُّوذ، وعلى أبي سهل أحمد بن عليّ الأَبيوَرْديّ ببُخَارى، وعلى أبي القاسم عبد الرحمن الفورانيّ بمَرْو، حتّى برع وتميَّز.
وكان مولده في سنة ستٍّ وعشرين وأربعمائة.
وتُوُفّي ببغداد.
وله كتاب "التَّتمَّة" تمَّم به "الإبانة" لشيخه الفورانيّ، ولكنّه لم يُكْمِلْه، وعاجَلَتْه المنيَّة، وانتهى فيه إلى الحدود. وله مختصر في الفرائض، ومصنَّف في الأصول، وكتاب في الخلاف جامعٌ للمآخِذ.
٢٤٤- عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بن زياد.
أبو عيسى الأصبهاني الأديب الزّاهد٢.
لا أعرف متى توفّي.
وتوفّ في هذه الحدود.
وسمع: أبا جعفر بن المرزبان الأبهريّ.
стр. 10745
روى عنه: إسماعيل بن محمد الحافظ، ويحيى بن عبد الله بن أبي الرجاء، ومحمد بن أبي القاسم الصالحاني، ومسعود الثقفيّ، والحسن بن العبّاس الرُّستميّ، وآخرون.
وكان ﵀ من بقايا الصّالحين والعُلماء.
٢٤٥- عبد الرحمن بن محمد بن سَلَمة.
أبو المطرِّف الطُّليطليّ١.
عن: أبيّ عَمْر الطَّلمنكيّ، وأبي عَمْر بن عبّاس الخطيب.
وكان من كبار الفقهاء المُفْتِين.
مات فجأةً. في صَفَر، وله سبعٌ وسبعون سنة.
٢٤٦- عَبْد الكريم بْن عَبْد الصمد بْن مُحَمَّد بن عليّ.
أبو مَعْشَر الطّبريّ القطّان المقرئ٢، مقرئ مكّة.
كان إمامًا مجودًا، بارعًا، مصنفًا، له كُتُبُ في القراءات.
قرأ بحرّان على أبي القاسم الزَّيديّ، وبمصر على أصحاب السّامرّيّ، وأبي عديّ عبد العزيز. قرأ بمكة على أبي عبد الله الكارَزينيّ.
وسمع بمصر من: أبي عبد الله بن نظيف، وأبي النُّعمان تُراب بن عَمْر، وعبد الله بن يوسف بتنيس، وأبي الطّيّب الطَّبريّ ببغداد، وعبد الله بن عَمْر بن العبّاس بغزّة.
وسمع بمنْبج، وحَرّان، وآمِد، وحلب، وسَلَمَاس، والجزيرة.
روى عنه: أبو نصر أحمد بن عَمْر الغازي، ومحمد بن عبد الباقي الأنصاريّ، وأبو تمّام إبراهيم بن أحمد الصَّيمريّ.
قال ابن طاهر: سمعتُ أبا سعْد الحَرَميّ بهَرَاة يقول: لم يكن سماع أبي مَعْشَر الطَّبريّ في جزء ابن نظيف صحيحًا، وإنّما أخذ نسخةً فرواها.
стр. 10746
قلت: قرأ القراءات خلق، منهم أبو عليّ بن العرجاء، وأبو القاسم خَلَف بن النّحّاس، وأبو عليّ بن بَليّمة.
وله كتاب "سوق العروس"، يقال: فيه ألف وخمسمائة طريق.
تُوُفّي بمكّة.
وله كتاب "الدُّرر" في التفسير، وكتاب "الرّشاد" في شرح القراءات الشاذّة، وكتاب "عيون المسائل"، وكتاب "طبقات القرّاء"، وكتاب "مخارج الحروف"، وكتاب "الورد"، وكتاب "هجاء المصاحف"، وكتاب في اللّغة.
وقد روى كتاب "شفاء الصُّدور" للنّقّاش، عن الزَّيديّ، عنه، و"مسند أحمد" عن الزَّيديّ، عن القطيعيّ، و"تفسير الثّعلبيّ".
رواه عن مؤلِّفه. وكان فقيهًا شافعيا، ﵀.
٢٤٧- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بْن عَبْد اللَّه بْن يوسف بْن محمد بن حيُّويه١.
إمام الحَرَمَيْن أبو المعالي ابن الإمام أبي محمد الْجُوَيْنيّ، الفقيه الملقَّب ضياء الدّين. رئيس الشّافعيّة بَنْيسابور.
قال أبو سعْد السّمعانيّ: كان إمام الأئّمة على الإطلاق، المُجْتَمع على إمامته شرقًا وغربًا، لم تَرَ العيون مثله.
وُلِد سنة تسع عشرة وأربعمائة في المحَّرم، وتفقَّه على والده، فأتى على جميع مصنفاته، وتُوُفّي أبوه وله عشرون سنة، فأُقعِد مكانه للتّدريس، فكان يدرّس ويخرج إلى مدرسة البَيْهقيّ.
وأحكم الأصول على أبي القاسم الإسفرائينيّ الإسكاف. وكان ينفق من ميراثه وممّا يَدْخله من معلومه، إلى أن ظهر التعّصُّب بين الفريقين، واضطّربت الأحوال، واضطُر إلى السَّفر عن نَيْسابور، فذهب إلى المعسكر، ثمّ إلى بغداد.
وصحب أبا نصْر الكُنْدُريّ الوزير مدّةً يطوف معه، ويلتقي في حضرته بالأكابر من العلماء، ويُناظرهم، ويحتكّ بهم، حتّى تهذَّب في النَّظر وشاع ذكْرُه. ثمّ خرج
стр. 10747
إلى الحجاز، وجاور بمكّة أربع سنين، يدرّس ويفتي، ويجمع طرق المذاهب، إلى أن رجع إلى بلده بَنيْسابور بعد مُضِي نوبة التعصب، فأُقعِد للتّدريس بنظاميّة نَيْسابور، واستقامت أمور الطَّلبة، وبَقِيّ على ذلك قريبًا من ثلاثين سنة غير مُزاحَم ولا مُدافَع، مسلَّم له المحراب، والمِنبر، والخطابة والتّدريس، ومجلس الوعْظ يوم الجمعة.
وظهرت تصانيفه، وحضَر درسَه الأكابر والْجَمْع العظيم من الطَّلبة.
وكان يقعد بين يديه كلَّ يومٍ نحو من ثلاثمائة رجل. وتفقه به جماعة من الأئّمة.
وسمع الحديث من أبيه، ومن: أبي حسّان محمد بن أحمد المزكّي، وأبي سعد البصروييّ، ومنصور بن رامش، وآخرين.
ثنا عنه: أبو عبد اللَّه الفرَّاويّ، وأبو القاسم الشّحّاميّ، وأحمد بن سهل المسجديّ، وغيرهم.
أخبرنا أبو الحسين اليُونينيّ، أنا الحافظ زكيّ الدّين المنذريّ قال: تُوُفّي والد أبي المعالي، فأُقعِد مكانه، ولم يكمّل عشرين سنةً، فكان يدرِّس، وأحكم الأُصول على أبي القاسم الإسكاف الإسفرائينيّ.
وجاوَرَ بمكّة أربع سنين، ثمّ رجع إلى نَيْسابور، وجلس للتدريس بالنّظاميّة قريبًا من ثلاثين سنة، مسلَّم له المحراب، والمِنْبَر، والخطابة، والتّدريس، والتّذكير.
سمع من أبيه، ومن: عليّ بن محمد الطِّرازيّ، ومحمد بن إسحاق المزكّى، وأبي سعْد بن عليَّك، وفضل الله أبي الخير الميهنيِّ، والحسن بن عليّ الجوهريّ البغداديّ.
وأجاز له أبو نُعَيم الحافظ.
قال المؤلف: في سماعه من الطِّرازيّ نظر، فإنّه لم يَلْحق ذلك، فلعلّه أجاز له.
قال السّمعانيّ: قرأتُ بخطّ أبي جعفر محمد بن أبي عليّ الهَمَذانيّ: سمعتُ أبا إسحاق الفَيْرُوزآباديّ يقول: تمتَّعوا بهذا الإمام، فإنّه نزهة هذا الزمان، يعني أبا المعالي الْجُوَيْنيّ.
قال: وقرأتُ بخط أبي جعفر أيضًا: سمعتُ أبا المعالي يقول: قرأت خمسين ألفًا
стр. 10748
في خمسين ألفًا، ثمّ خلّيت أهل الإسلام بإسلامهم فيها وعلومهم الظّاهرة وركبت البحر الخضمَّ١ العظيم، وغُصْتُ في الذي نُهي أهل الإسلام منها، كلّ ذلك في طلب الحقّ. وكنتُ أهربُ في سالف الدّهر من التّقليد، والآن رجعتُ من الكُلّ إلى كلمة الحقّ. عليكم بِدِين العجائز. فإنْ لم يدركْني الحقُّ بلطيف بِرّه، فأموت على دين العجائز، ويختُم عاقبة أمري عند الرحيل على بُرهة أهل الحقّ، وكلمة الإخلاص: لا إله إلَّا الله، فالويْلُ لابن الْجُوَيْنيّ يريد نفسه٢.
وكان أبو المعالي مع تبحُّره في الفقه وأصوله لا يدري الحديث. ذكر في كتاب "البرهان" حديث مُعَاذ في القياس، فقال: هو مدوَّنُ في الصّحاح، متَّفق على صحته. كذا قال، وأنَّى له الصّحّة، ومداره على الحارث بن عَمْرو، مجهول، عن رجالٍ من أهل حمص لا يُدْري من هم، عن مُعاذ.
وقال المازِريّ ﵀ في شرح البرهان في قوله: إنّ الله تعالى يعلم الكلّيات لا الْجُزْئيّات: ودِدْتُ لو مَحَوْتُها بدمي.
قلت: هذه لفظة ملعونة.
قال ابن دِحْية: هذه كلمة مكذِّبة للكتاب والسَّنة، مكفّر بها، هَجَره عليها جماعة، وحلف القُشَيْريّ لا يكلّمه أبدًا؛ ونُفي بسببها مدّةً. فجاورَ وتاب٣.
قال السّمعانيّ: وسمعت أبا الفَرَج بن أبي بكر الأُرْمَويّ مذاكرةً يقول: سمعتُ أستاذي غانم الموُشيليّ. سمعتُ الإمام أبا المعالي الْجُوَيْنيّ. يقول: لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا اشتغلت بالكلام.
وقال أبو المعالي الْجُوَيْنيّ في كتاب "الرسالة النظاميّة": اختلفت مسالك العلماء في الظّواهر الَّتي وردت في الكتاب والسُّنّة، وامتنع على أهل الحقّ اعتقاد فَحْواها، فرأى بعضهم تأويلها، والتزم ذلك في آي الكتاب وما يصح من السُّنن. وذهب أئّمةُ السَّلف إلى الانكفاف عن التّأويل، وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب تعالى.
стр. 10749
والذي نرتضيه رأيا، وندين الله به عقدا اتِّباع سلف الأمة؛ فالأولى الاتِّباع وترك الابتداع، والدليل السَّمعيُّ القاطع في ذلك أنّ إجماع الأمّة حُجّةٌ متبعة وهو مُسْتَنَدُ معظَم الشريعة. وقد دَرَج صَحْبُ الرسول ﷺ على ترك التّعريض لمعانيها، ودَرْك ما فيها، وهو صفوة الإسلام المستقلون بأعباء الشريعة، وكانوا لا يأْلُون جهدًا في ضبط قواعد الملَّة، والتّواصي بحفظها، وتعليم النّاس أن يكون اهتمامهم ما يحتاجون إليه منها، فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغًا أو محتومًا لأوْشَك أن يكون اهتمامهم بفروع الشريعة، فإذا تصرَّمَ عصرهم وعصْر التابعين. على الإضراب عن التأويل، كان ذلك قاطعّا بأنّه الوجه المتَّبع، فحقَّ على ذي الدّين أن يعتقد تنزه الباري تعالى عن صفات المُحْدَثين، ولا يخوض في تأويل المشْكَلات، وَيَكل معناها إلى الرّبّ فَلْيُجْر آية الاستواء والمجيء وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] ، و ﴿يَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] ، و ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] ، وما صح من أخبار الرسول كخبر النُّزُول وغيره على ما ذكرناه١.
وقال محمد بن طاهر الحافظ: سمعتُ أبا الحسن القروانيّ الأديب بَنْيسابور، وكان يسمع معنا الحديث، وكان يختلف إلى درس الأستاذ أبي المعالي الْجُوَيْنيّ، يقرأ عليه الكلام، يقولُ: سمعتُ الأستاذ أبا المعالي اليوم يقول: يا أصحابنا، لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفتُ أنَّ الكلام بلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به٢.
وحكى أبو عبد الله الحَسَن بن العبّاس الرُّستميّ فقيه إصبهان قال: حكى لنا أبو الفتح الطَّبرّي الفقيه قال: دخلتُ على أبي المعالي في مرضه فقال: اشهدوا عليَّ أنّي قد رجعت عن كلّ مقالةٍ تخالف السَّف، وأنّي أموت على ما تموت عليه عجائز نيسابور٣.
وذكر محمد بن طاهر أنّ المحدِّث أبا جعفر الهَمَذانيّ حضر مجلس وعْظ أبي المعالي فقال: كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان عليه.
فقال أبو جعفر: أخبرنا يا أستاذ عن هذه التي نجدها، ما قال عارفٌ قطّ: يا الله؛ إلّا وجَدَ من قلبه ضرورة تطلب العلوَّ، لا نلتفت يَمْنَةً ولا يَسْرَة، فكيف ندفع هذه الضرورة عن أنفُسنا؟ أو قال: فهل عندك من دواء لدفع هذه الضرورة التي نجدها؟ فقال: يا حبيبي، ما ثمَّ إلَّا الحَيْرَة. ولَطَمَ على رأسه ونزل، وبَقِيّ وقتُ عجيب، وقال فيما بعد: حيرَّني الهمذانيّ٤.
стр. 10750
ولأبي المعالي من التصانيف: كتاب "نهاية المَطْلَب في المذهب"، وهو كتابٌ جليل في ثمانية مجلَّدات، وكتاب "الإرشاد في الأصول"، وكتاب "الرسالة النظاميّة في الأحكام الإسلامية"، وكتاب "الشامل في أصول الدّين"، وكتاب "البرهان في أصول الفِقه"، و"مدارك العُقُول" لم يتمُّه، وكتاب "غياث الأُمم في الإمامة"، وكتاب "مغيث الخلق في اختيار الأحقِّ"، و"غنية المسترشدين" في الخلاف.
وكان إذا أخذ في علم الصُّوفية وشرح الأحوال أبكى الحاضرين١.
وقد ذكره عبد الغافر في تاريخه فأسهب وأطْنَب، إلى أن قال: وكان يذكر في اليوم دروسًا يقع كلّ واحدٍ منها في عدّة أوراق، لا يتلعثم في كلمةٍ منها، ولا يحتاج إلى استدراك عثرةٍ، مارًّا فيها كالبرق بصوت كالرَّعد.
وما يوجد في كُتُبه من العبارات البالغة كُنْه الفصاحة غَيْض من فيض ما كان على لسانه، وغره من أمواج ما كان يعهد من بيانه، تفقّه في صباه على والده. وذكر التّرجمة بطولها.
وقال عليّ بن الحَسَن الباخَرْزِيّ في "الدُمْية"، وذكر الإمام أبا المعالي فقال: فالفقه فقه الشَّافعيِّ، والآدب أدب الأصمعيّ، وفي بصره بالوعظ الحَسَن البصْريّ. وكيف ما هو، فهو إمامُ كلّ إمام، والمستَعْلي بهمّته على كلّ هُمام.
والفائز بالظَّفر على إرغام كلّ ضِرْغام. إذا تصدَّر للفقه، فالمزنيّ من مُزْنَتِه قَطْرَه، وإذا تكلَّم فالأشعريّ من وفْرته شَعْرَه، وإذا خطب ألجم الفصحاء بالعي شقاشقه الهادرة، ولثم البلغاء بالصَّمت حقائقه البادرة.
وقد أخبرنا يحيى بن أبي منصور الفقيه وغيره في كتابهم عن الحافظ عبد القادر الرّهاويّ أنّ الحافظ أبا العلاء الهَمَذانيّ أخبره قال: أخبرني أبو جعفر الهَمَذانيّ الحافظ قال: سمعتُ أبا المعالي الْجُوَيْنيّ، وقد سُئل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فقال: كان الله ولا عرش. وجعل يتخبَّط في الكلام، فقلت: قد علِمنا ما أشرت عليه، فهل عندك للضّرورات من حيلة؟ فقال: ما تريد بهذا القول وما تعني بهذه الإشارات؟ فقلتُ: ما قال عارف قطّ يا ربّاه، إلَّا قبل أن يتحرّك لسانه قام من باطنه قصْدٌ، لا يلتفت يَمْنَةً ولا يَسْرةً، يقصد الفَوق. فهل لهذا القصد