← История

История · id 22771

تاريخ الإسلام - ط التوفيقية

شمس الدين الذهبي

Полный текст (11 937 стр.). Показаны 10991–11030 · переход к 10996.

стр. 10991

"حرف الشّين": ٢٦٦- شافع بن عليّ١. أبو الفضل الطُّرَيْثيثيّ، الصُّوفيّ النَّيْسابوريّ الزّاهد. كان عالِمًا عامِلًا، قانتًا عابدًا، ناسكًا كبير القْدر، صاحب مقامات وأحوال. من سكان دويرة أبي عبد الرحمن السلمي. توفي في ذي الحجة. وقد سمع بمكة من ابن صخْر؛ وبالبصرة من إبراهيم بن طلحة بن غسّان. روى عنه: عبد الله بن الفُرَاويّ، وعبد الخالق الشّحّاميّ. "حرف الصّاد": ٢٦٧- صالح بن أحمد بن رضوان بن محمد بن رضوان جالينوس. أبو عليّ التّميميّ البغداديّ المعدّل. روى عن: عبد الملك بن بشْران، وغيره. روى عنه: محمد بن عليّ بن عبد السّلام الكاتب. تُوُفّي في رجب. "حرف العين": ٢٦٨- عَبْد اللَّه بْن الْحَسَن بْن حمزة بن الحسن بن حمدان بن ذكوان٢. أبو محمد البَعْلَبَكيّ. يُعرف بابن أبي فجّة. سمع: عليّ بن محمد الحِنّائيّ، وعبد الرحمن بن ياسر الْجَوْبَريّ، وعليّ بن السّمْسار، وأحمد بن محمد العتيقيّ، وأبا نصر بن الحبّان. وأجاز له الحسين بن أبي كامل صاحب خيثمة.

стр. 10992

سمع منه: عبد الرحمن وعبد الله ابنا صابر. قال ابن عساكر: ثنا عنه ابن ابنه عليّ بن حمزة، والخَضِر بن عليّ. وتُوُفّي في ذي القعدة. ٢٦٩- عبد الله بن طاهر بن محمد شَهْفُور١. أبو القاسم التّميميّ الفقيه، نزيل بلْخ. من أهل إسْفَرائين. قال السّمعانيّ: كان إمامًا فاضلًا نبيلًا، بَرَعَ في الفقه والأصول، ودرَّس بالمدرسة النّظاميّة ببلْخ. حَسَن الأخلاق، ظهرت له الحشمة التّامّة حتّى صار من أهل الثروة. وكان له مروءة وحسان، وتفقُّد للفقراء، وسَعْيٌ جميل في الحقوق. سمع بنَيْسابور: عليّ بن محمد الطّرّازيّ، وعبد الرحمن النصرويي، وجده أبا منصور عبد القاهر البغدادي. روى لنا عنه: أبو القاسم بن السمرقندي، وعبد الوهاب الأنماطي، والمبارك بن خيرون الوزان. سمعوا منه لمّا حجّ. وثنا عنه بهَرَاة: أبو شُجاع البسْطاميّ؛ وببلْخ: أخوه أبو الفتح محمد البسّطاميّ. ٢٧٠- عبد الجبّار بن الحسين بن محمد بن القاسم. أبو يَعْلَى الهاشميّ البغداديّ الشُّرُوطيّ، المعروف بابن أبي عيسى. وهم أربعة أخوة: محمد, وعبد الجبّار، وعبد السّميع، وعبد المهيمن. سمع: أبا عليّ بن شاذان. وعنه: إسماعيل بن السَّمَرْقَنْديّ، وعليّ بن عبد العزيز بن السّمّاك. تُوُفّي في شعبان. ٢٧١- عبد الرحيم بن عثمان بن أحمد٢. أبو القاسم السُّنِّيّ الحنفي النيسابوري.

стр. 10993

حدَّث عن: أبي سعيد الصَّيْرَفيّ، وأصحاب الأصمّ، وعنه: عبد الغافر، وقال: تُوُفّي في رمضان. ٢٧٢- عبد السّلام بن محمد بن يوسف بن بُنْدَار١. أبو يوسف القَزْوينيّ. شيخ المعتزلة. نزل بغداد، وسمع: أبا عمر بن مَهْديّ الفارسيّ، وعبد الجبّار بن أحمد الهَمَذَانيّ القاضي المعتزليّ، ودرس عليه الكلام بالرَّيّ. وسمع بهَمَذَان: أبا طاهر بن سَلَمَة، وبِحَرّان: أبا القاسم عليّ بن محمد الزَّيْديّ؛ وبإصبهان: أبا نُعَيْم الحافظ. وسمع من: أبيه، وعمّه إبراهيم، وسماعه قبل الأربعمائة. روى عنه: أبو القاسم بن السمرقندي، وأبو غالب بن البنّاء، وهبة الله بن طاوس، ومحمود بن محمد الرَّحْبيّ، وإسماعيل بن محمد الأصبهاني الحافظ، وأبو بكر قاضي المَرِسْتان، وأبو البركات الأنْماطيّ، وأحمد بن محمد أبو سعْد البغداديّ، وآخرون. قال السّمعانيّ: كان أحد المعمَّرين المقدَّمين، جمع "التّفسير الكبير" الّذي لم يُرَ في التّفاسير كتابٌ أكبر منه، ولا أجمع للفوائد، ولولا أنّه مَزَجَه بكلام المعتزلة، وبثَّ فيه مُعْتَقَدَه، وما اتَّبع نهج السَّلَف فيما صَنَّفه من الوقوف على ما ورَدَ في الكتاب والسُّنّة والتّصديق بهما. وأقام بمصر سِنين، وحصَّل أحْمالًا من الكُتُب، وحملها إلى بغداد، وكان داعيةً إلى الاعتزال. سمعتُ أبا سعْد البغداديّ الحافظ يقول: كان يصرّح بالاعتزال، وقال ابن عساكر: هو مُصنِّفٌ مشهور. سكن طَرَابُلُس مدّةً، ثمّ عاد إلى بغداد. سمعتُ الحسين بن محمد البلْخيّ يقول: إنّ أبا يوسف صنَّف "التّفسير" في ثلاثمائة مجلَّد ونيّف، وقال: من قرأه عليّ وهبْتُه النسخة. فلم يقرأه عليه أحد.

стр. 10994

وسمعتُ هبة الله بن طاوس يقول: دخلتُ على أبي يوسف ببغداد وقد زمن، من أين أنت؟ قلت: من دمشق. قال: بلد النَّصْب١. وقال ابن النّجّار: قرأتُ بخطّ أبي الوفاء بن عقيل الفقيه: قدِم علينا أبو يوسف القَزْوينيّ من مصر، وكان يفتخر بالاعتزال. وكان فيه توسُّع في القدْح في العلماء الّذين يخالفونه وجُرأة. وكان إذا قصد باب نظام المُلْك يقول لهم: استأذِنوا لأبي يوسف القَزْوينيّ المعتزليّ. وكان طويل اللّسان بعلمٍ تارةٍ، وبسفهٍ يؤذِي به النّاسَ أخرى. ولم يكن محقّقًا إلّا في التّفسير، فإنّه لَهِجَ بالتفاسير حتى جمع كتابًا بلغ خمسمائة مجلد، حشى فيه العجائب، حتى رأيت منه مجلَّدةً في آيةٍ واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿وَاتَبَعُوا مَا تَتْلُو الشَيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] فذكر فيه السَّحَرة والملوك الّذين نَفَقَ عليهم السِّحْرُ وأنواع السِّحر وتأثيراته٢. وقال أبو الحَسَن محمد بْن عَبْد المُلْك: ملكَ أبو يوسف القَزْوينيّ كُتُبًا لم يملك أحدٌ مثلَها. فكان قومٌ يقولون ابتاعها من مصر بالخبز وقت شدة الغلاء. وحدَّثني أبو منصور عبد المحسن بن محمد أنّه ابتاعها بالأثمان الغالية. وكان يحضر بيع كُتُب السِّيرافيّ، وهو شاهدٌ معروف بمصر، وبيعت كُتُبُه في سنتين، وزادت على أربعين ألف مجلَّدة. قال: وكان أبو يوسف يبتاع في كلّ أسبوع بمائة دينار، ويقول: قد بعتُ رَحْلي وجميعَ ما في بيتي. وكان الرُّؤساء هناك يواصلونه بالذَّهب. وقيل: إنّه قدِم بغداد معه عشرة أحمال كُتُب، وأكثرها بالخطوط المنسوبة. وعنه قال: ملكتُ ستين تفسيرًا، منها "تفسير ابن جرير"، و"تفسير الجبائي"، و"تفسير ابنه أبي هاشم"، و"تفسير أبي مسلم بن بحر"، و"تفسير البلخي".

стр. 10995

قال محمد بن عبد الوهّاب: وأهدى أبو يوسف لنظام المُلْك أربعة أشياء ما لأحدٍ منها: "غريب الحديث" لإبراهيم الحربيّ في عشر مجلدات بخط أبي عمر بن حيويه، و"شعر الكميت" في ثلاث عشر مجلدات بخط أبي منصور، و"عهد القاضي عبد الجبّار بن أحمد" بخطّ الصّاحب بن عبّاد وإنشائه، فسمعتُ أبا يوسف يقول: كان سبعمائة سطر، كل سطر في ورقة سَمَرْقَنْديّ، وله غلاف آبنُوس يطبق كالأُسْطُوانة الغليظة، وأهدى له مُصْحَفًا بخطٍّ منسوب واضح، وبين الأسطر القراءات بالحُمْرة، وتفسير غريبه بالخُضْرة، وإعرابه بالزُّرْقَة، وكتب بالذّهب علامات على الآيات التّي تصْلُح للانتزاعات في العهود، والمكاتبات، والتعازي، والتهاني، والوعيد. فأعطاه نظام الملك ثلاثمائة دينار. فسمعت من يسأل أبا يوسف عند نظام المُلْك فقال: أعطيته أكثر ممّا أعطاني، وإنما رضيت منه بالإكرام، وغدرته حين قال: ليس عندي حلال لا شُبْهة فيه سوى هذا القدر١. وسُئل عنه المؤتَمَن السّاجيّ فقال: قطعته رأسًا لِما كان يتظاهر به من خِلاف الطّريق. وقال محمد بن عبد الملك في "تاريخه": كان أبو يوسف فصيح العبارة، حُلْو الإشارة، يحفظ غرائب الحكايات والأخبار. وكان زَيْديَّ المذهب، وفسَّر بمصر القرآن في سبعمائة مجلدٍ كبار. قلت: وقد دخل عليه الإمام أبو حامد الغزاليّ، وجلس بين يديه، فسأله: من أين أنت؟ فقال: من المدرسة ببغداد. وقال الغزاليّ: علمتُ أنّه ذو اطّلاعٍ ومعرفة، فلو قلت إنّني من طوس، لذكر ما يُحكى عن أهل طُوس من التّغفيل، من أنّهم توسَّلوا إلى المأمون بقبر أبيه، وكونه عندهم، وطلبوا منه أن يحوِّل الكعبة، وينقلها إلى عندهم: وأنّه جاء عن بعضهم أنّه سُئل عن نجمه، فقال بالتّيس. فقيل له في ذلك، فقال: من سِنين كان بالْجَدْي، والآن فقد كَبُر. قال ابن عساكر٢: وسمعتُ من يحكي أنّه كان بأَطْرابُلُس، فقال له ابن البرّاج: متكلِّم الرّافضة: ما تقول في الشيخين؟ فقال: سفلتان ساقطان.

стр. 10996

قال: مَن تَعْني؟ قال: أنا وأنت. وقال أبو عليّ بن سُكَّرَة الصَّدَفيّ: أبو يوسف القَزْوينيّ كان معتزليًّا داعيةً، كان يقول: لم يبقَ مَن ينصُرُ هذا المذهبَ غيري، وكان قد بلغ من السّنّ مبلغًا يكاد أن يُخفى في الموضع الّذي كان يجلس فيه، وله لسانٌ شاب١. ذكر لي أن تفسيرًا في القرآن في نحو ثلاثمائة مجلد، سبعة منها في سورة الفاتحة. كان عنده جزءٌ ضخمٌ، من حديث محمد بن عبد الله الأنصاريّ، رواية أبي حاتم الرّازيّ، عنه، كنتُ أودّ أن يكون عند غيره بما يشقّ عليّ. قرأت عليه بعضه، رواه عن القاضي عبد الجبّار المعتزليّ، عنه. وكان سبب مَشْيي إليه أنّ شيخنا ابن سوار المقرئ سألني أنْ أمضي مع ابْنَيه لأُسْمِعَهُمَا عليه، فأَجَبْتُه، وقرأ لهما شيئًا من حديث المحاملي، وأنا أنّه سمع ذلك سنة سبعٍ وتسعين وثلاثمائة، وهو ابن أربع سِنين أو نحوها٢. قال لي: كنتُ في سنّ هذا، يعني وَلَد شيخنا ابن سِوَار، وكنتُ أعقل من أبيه. وكان لا يُسالم أحدًا من السَّلَف؛ وكان يقول لنا: أُخرجوا تدخل الملائكة يريد المحدِّثين. قال: ولم أكتب عنه حرفًا؛ يعنى ابن سُكَّرَة أنّه لا يحدِّث عنه؛ وقد روى عنه شِعْرًا، وذكره في مشيخته. قال شجاع الذُّهْليّ: أبو يوسف القَزْوينيّ أحد شيوخ المعتزلة، عاش ستًّا وتسعين سنة، ذكر لي أنّ مولده في سنة ثلاثٍ وتسعين وثلاثمائة. وقل ابن ناصر: مات في رابع عشر ذي القعدة، وقال مرةً: ولدت نصف شعبان. ١٧٣- عبد الصمد بن أحمد ابن الرُّوميّ: أبو القاسم البغداديّ. سمع: أبا عليّ بن شاذان.

стр. 10997

روى عنه: عبد الوهاب الأنماطي، ومحمد بن عليّ بن عبد السّلام. تُوُفّي في صَفَر. ٢٧٤- عبد الغفار بن نصر. أبو طاهر الهَمَذَانيّ المقرئ البزّاز ويُعرف بابن هاموش. قال شيروَيْه: روى عن: ابن عَبْدان، وعبد الغافر الفارسيّ، وأبي حفص ابن مسرور، والنيسابوريين. قرأت عليه القرآن، وتوفي المحرَّم. ٢٧٥- عبد الملك بن عبد الله١. أبو سهل الدَّشْتيّ الفقيه. نَيْسابوريّ عالى الإسناد. سمع: أبا طاهر الزّياديّ، وعبد الله بن يوسف بن ماموَيْه، وأبا عبد الرحمن السُّلَميّ. ومات في شوّال. روى عنه: عبد الغافر الفارسيّ، وقال؛ شيخ من بيت العِلم والتّصوّف والثّروة. وقال السّمعانيّ٢: كان شيخًا مستورًا، صدوقًا من بيت العلم والصلاح. ولد سنة ست وأربعمائة. قلت: روى عنه: عبد الخالق بن زاهر، وعمر بن أحمد الصّفّار، وأبو البركات بن الفرواي، وعبد الرحمن بن الحسن الكَرْمانيّ، وآخرون. ٢٧٦- عُبَيْد الله بن عبد الله بن حَسكوَيْه٣. أبو سعد النَّيْسابوريّ. شيخ مُسْنِد، روى عن: أبي بكر الحيري، والطرازي، والصيرفي.

стр. 10998

روى عنه: وجيه، وعبد الخالق بن زاهر. وقد مرّ أبوه سنة ثلاثٍ وخمسين. ٢٧٧- عليّ بن أحمد بن عليّ بن زُهَير١. أبو الحسن التّميميّ المالكيّ. دمشقي مشهور. روى عن: عليّ بن الخضر، وعليّ بن السّمْسار، ومحمد بن عبد الله بن بُنْدَار، وأحمد بن الحسن بن الطّيّان، وأبي عثمان الصّابونيّ، وجماعة. روى عنه: جمال الإسلام السُّلَميّ، ونصر بْن أَحْمَد بْن مقاتل، وناصر بْن محمود القُرَشيّ. قال أبو محمد بن جابر: لم يكن المالكيّ ثقة. وكذلك قال أبو القاسم بن جابر، وقال: أخرج لنا جزءًا من حديث ابن زَبر، قد كتب عليه سمَاعَه من ابن السِّمْسار سنة خمسٍ وثلاثين. ومات ابن السّمْسار سنة أربعٍ وثلاثين. تُوُفّي في ذي القعدة، وله ثلاثٌ وسبعون سنة. ٢٧٨- عليّ بن أحمد بن خُشْنَام٢. أبو سعيد الصَّيْدلانيّ. شيخ نَيْسابوريّ صالح. سمع: محمد بن محمد بن مَحْمِش. وهو أخو شبيب البَسْتيغيّ٣. روى عنه: عمر بن أحمد الصفار وإسماعيل العصايدي.

стр. 10999

٢٧٩- عليّ بن عَمْرو الحرّانيّ١. الفقيه الحنبليّ، الرّجل الصّالح. يُكنى أبا الحسن. مات بسَرُوج. وكان من أصحاب القاضي أبي يَعْلَى. تُوُفّي في شعبان. ٢٨٠- عليّ بن عبد الصّمد بن عثمان بن سلامة٢. أبو الحسن العسقلانيّ، المعروف بطيف. سمع: أبا عبد الله بن نظيف بمصر، ومحمد بن جعفر الميماسيّ بغزّة، وعليّ بن السِّمّسار بدمشق. قال غيث بن عليّ: سمعتُ منه في سنة ثمانٍ وثمانين، ما علمتُ من أمره إلّا خيرًا. ٢٨١- عليّ بن عبد الغنيّ٣. أبو الحسن الفِهْريّ المقرئ الحُصْريّ. الشَّاعر الضّرير. أقرأ النّاس بسَبْتَة وغيرها. قال ابن بَشْكُوال٤: ذكره الحُمَيْديّ٥ وقال: شاعر أديب، رخيم الشِّعْر، دخل الأندلس ولقي ملوكها؛ وشعره كثير، وأدبه موفور. قلت: وكان عالِمًا بالقراءات وطُرُقَها. قال ابن بَشْكُوال: روى لنا عنه أبو القاسم بن صواب، أخبرنا عنه بقصيدته الّتي نَظَمَها في قراءة نافع، وهي مائتا بيت وتسعة أبيات، قال: لقيته بمُرْسِية. ومن شعره، وقد كتب إليه المعتمد وبعث خمسمائة دينار يتجهز بها ليفد عليه، فقال:

стр. 11000

أمرتني بركوب البحر أَقْطَعُهُ ... غيري لك الخير فاخْصُصْه بذا الدّاءِ ما أنتَ نوحٌ فَتُنْجِيني سفينَتُهُ ... ولا المسيحُ أنا أمشي على الماءِ "حرف الفاء": ٢٨٢- الفضل بْن أحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عيسى١. أَبُو القاسم بن أبي حرب الْجُرْجَانيّ الزّجّاجيّ. شيخٌ نَيْسابوريّ الدّار، ثقة، صالح، حسن السّيرة، تاجر أمين. سمع: أبا عبد الرحمن السّلَميّ، وابن مَحْمِش، والحِيريّ، وغيرهم. روى عنه: إسماعيل بن السَّمَرْقَنْديّ، وأحمد بن سعْد العجلي الهمذاني، وأبو عثمان العصايدي المرزوي، وعمر ابن أحمد الصّفّار، وعبد الله بن الفُرَاويّ، وأحمد بن مبارك بن قُفْرَجَل، وصَدَقَة بن محمد السّيّاف. حدَّث ببُلْدان، وحكى عنه جيرانه كثرةَ تِلاوةٍ وبُكاء. ولد سنة خمسٍ وأربعمائة، وتُوُفّي في رمضان. قال ابن النّجّار: أمين صدوق، صالح، عفيف، من التّجّار، كثير الصَّدَقة. وقيل: كان أبوه حاتم وقته. "حرف الميم": ٢٨٣- مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن عَبْد الله بْن إبراهيم٢. الوزير ظهير الدّين أبو شُجاع الرُّوذرَاوَريّ. وَزَرَ للمقتدي بالله بعد عزْل عميد الدّولة منصور بن جهير سنة ستٍّ وسبعين، وصُرِف سنة أربعٍ وثمانين، وأُعيد ابن جَهِير. ولمّا عُزِل قال: تولّاها وليس له عدوّ ... وفارقها وليس له صديق٣

стр. 11001

ثمّ إنّه حجّ وجاوَرَ بالمدينة إلى أن مات بها كَهْلًا. وكان ديِّنًا عالمًا، من محاسن الوزراء. قال العِماد الكاتب: لم يكن في الوزراء من يحفظ أمر الدّين والشَّرع مثله. وكان عصره أحسن العصور ﵀. "ذكره" صاحب "المرآة"١. ولمّا ولي وزارةَ المقتدي كان سليمًا من الطَّمع في المال، لأنّه كان يملك حينئذٍٍ ستمائة ألف دينار، فأنفقها في الخيرات والصَّدقات. قال أبو جعفر الخرفي: كنتُ أنا واحدًا من عشرة نتولّى إخراج صَدَقَاته، فحسبْت ما خرج على يديّ، فكان مائة ألف دينار. وكان يبيع الخطوط الحَسَنة، ويتصدَّق بها، ويقول: أنا أَحَبّ الأشياء إليَّ الدّينار والخطّ الحسن، فأنا أتصدَّق بمحبوبي لله. وجاءته قصة بأن امرأةً وأربعة أيتام عرابًا، فبعث من يكسوهم، وقال: والله لا ألبس ثيابي حتّى ترجعَ. وتعرَّى، فعاد الغلام وهو يرعد من البرد. وكان قد ترك الاحتجاب ويكلِّم المرأة والصّبيّ، ويحضر مجالسة الفُقَهاء والعَوَامّ، ولا يمنع أحدًا. وأُسقطت المُكُوس في أيّامه، وألبسَ الذّمّة الغيار. ومحاسنه كثيرة، وصَدَقَاته غزيرة، وتواضعه أمر عجيب، فرحمه الله تعالى. ٢٨٤- محمد بن عبّاد بن محمد بن إسماعيل بن قُريش٢. السّلطان المعتمد على الله أبو القاسم ابن السّلطان المعتضد بالله أبي عمرو ابن الإمام الفقيه قاضي إشبيليّة، ثمّ سلطانها الظّافر المؤيّد بالله أبي القاسم بن أبي الوليد اللَّخْميّ، من ولد النُّعْمان بن المنذر صاحب الحِيرة. كان المعتمد صاحب إشبيليّة وقُرْطُبة، وأصلهم من بلاد العريش الّتي كانت في أوّل رمل مصر، فدخل أبو الوليد الأندلس. مات المعتضد سنة إحدى وستين وأربعمائة، فتملك بعده المعتمد هذا. وكان

стр. 11002

عالمًا، ذكيًّا، أديبًا، شاعرًا مُحْسِنًا، وكان أندى الملوك راحةً، وأَرْحَبَهم مساحةً، كانت حضرته مَلْقَى الرّحال، وموسم الشُّعراء، وقِبلة الآمال ومَأْلَفَ الفُضَلاء. وشِعره في غاية الحُسْن، وهو مدوَّن موجود. قال أبو بكر محمد بن عيسى اللَّخْميّ الدّانيّ المعروف بابن اللّبّانة الشّاعر: ملك المعتمد بن مسوَّرات البلاد ما بين أمصارٍ ومُدُنٍ وحصون مائتي مسوَّر وإحدى وثلاثين مسوَّرًا. وخُلِع من ملكه عن ثمانمائة سريّة١، ووُلِد له مائةٌ وثلاثةٌ وسبعون ولدًا. وكان راتبه كل يومٍ ثمانمائة رِطْل لحم. وكان له ثمانية عشر كاتبًا. وذكر القاضي شمس الدين ابن خلكان٢، قال: كان الأذفونش بن فرذلَنْد ملك الفرنج بالأندلس قد قوي أمُره، وكانت ملوك الطّوائف من المسلمين بجزيرة الأندلس يصالحونه، ويؤدُّون إليه ضريبة، ثمّ إنّه أخذ طليطلة في سنة ثمانٍ وسبعين وأربعمائة بعد حصارٍ شديد، وكانت للقادر بالله بن ذي النُّون. وكان المعتمد مع كونه أكبر ملوك الجزيرة يؤدي الضريبة للأذفونش، فلمّا ملك الكلب طُلَيْطُلَة قويت نفسه، ولم يقبل ضريبة المعتمد، وأرسل إليه يتهدده ويقول: تنزل عن الحصون الّتي بيدك، ويكون لك السَّهْل. فضربَ المعتمدُ الرسولَ، وقتلَ من كان معه. فبلغ الأدفونش الخبر وهو متوجهٌ لحصار قُرْطُبة، فرجع إلى طُلَيْطُلَة لأخْذ آلات الحصار، فأتى المشايخ والعلماء إلى أبي عبد الله محمد بن أدهم، وفاوضوه فيما نزل بالمسلمين، فاجتمع رأيهم أن يكتبوا إلى الأمير أبي يعقوب يوسف بن تاشَفين صاحب مرّاكش، يستنجدونه ليُعدّي بجيوشه إلى الأندلس، ويُنجد الإسلام. واجتمع القاضي بالمعتمد على الله، وأعلمه بما جرى فقال: مَصْلَحَة٣. ثمّ، إنّ ابن تاشَفين نزل سَبْتَة، وأمر جيشه، فعبروا إلى الجزيرة الخضراء، ولمّا تكامل له جُنْدُه عبرَ هو في السّاقة. ثمّ إنّه اجتمع بالمعتمد. وقد عرض المعتمد عساكره. وأقبل المسلمون من كلّ النّواحي طلبًا للجهاد. وبلغ الأذفونش الخبر فخرج

стр. 11003

في أربعين ألف فارس، وكتبَ إلى ابن تاشَفين يتهدّده، فكتب ابن تاشَفين جوابه في ظهر كتابه: "الّذي يكون سَتَراه". وردّه إليه. فلمّا وقف عليه ارتاع لذلك، وقال: هذا رجل عازم. ثمّ سارَ حزبُ الإسلام وحزبُ الصّليب والتقى الْجَمْعَان بالزّلّاقة من بلد بَطَلْيُوس، فكانت ملحمةً كبرى، وهزم الله الأذفونش، بعد استئصال عسكره، ولم يَسْلَم معه سوى نفرٍ يسير. وذلك في يوم الجمعة من رمضان سنة تسعٍ وسبعين. وأصاب المعتمدَ جراحاتٌ في وجهه وبدنه، وشهدوا له بالشّجاعة، وغنم المسلمون شيئًا كثيرًا١. وعاد ابن تاشَفين إلى بلاده. ثمّ إنّه في العام المقبل، عدَّى إلى الأندلس، وتلقّاه المعتمد، وحاصرا بعض حصون الفرنج، فلم يقدروا عليها، فرحل ابن تاشَفين، ومر بغرناطة إليه صاحبها عبد الله بن بُلُكِّين تقادُم سَنِيّه، وتلقّاه، فغدر به ابن تاشَفين، ودخل بلده وقصره، وأخذ منه ما لا يُحصى، ثمّ رجع إلى مَرّاكش، وقد أعجبه حَسْن الأندلس وبساتينها وبُناها ومطاعمها الّتي لا توجد بمَرّاكش، فإنّها بلاد بربر وأجْلاف العُربان. وجعل خواصُّ ابن تاشَفين يُعظِّمون عنده الأندلس، ويُحسِّنون له أخذها، ويُغْرون قلبه على المعتمد بأشياء٢. وقال عبد الواحد بن عليّ المَرّاكشيّ في "تاريخه": غلبَ المعتمد على قُرْطُبة في سنة إحدى وسبعين، فأخرج منها ابن عُكّاشة، ثمّ رجع إلى إشبيلية؛ واستخلف عليها ولده عبّادًا، ولقّبه المأمون. وفي سنة تسعٍ وسبعين جاز المعتمد البحرَ إلى مَرّاكش مستنصرًا بيوسف بن تاشَفِين على الرُّوم، فَلَقِيه أحسن لقاء، وأسرع إجابته وقال: أنا أول منتد لنِصْرة الدّين. فرجع مسرورًا، ولم يدرِ أنّ تدميره في تدبيره، وسلَّ سيفًا عليه لا له. فأخذ ابن تاشَفِين في أُهْبة العبور إلى الأندلس، واستنفر النّاس، وعبر في سبعة آلاف فارس، سوى الرّجّالة، ونزل الجزيرة الخضراء، وتلقاه المعتمد، وقدم له تحفًا

стр. 11004

جليلة، وسأله أن يدخل إشبيلية، فامتنع وقال: نريد الجهاد. ثمّ سار بجيوشه إلى شرقيّ الأندلس. وكان الأدفونش، لعنه الله يحاصر حصنًا، فرجع إلى بلاده يستنفر الفرنج، وتلقّى ابن تاشَفِين ملوك الأندلس الّذين كانوا على طريقه كصاحب غَرْناطة، وصاحب المَرِيّة، وصاحب بَلَنْسِيَة، ثمّ استعرض جُنْدَه على حصن لُورَقَة، وقال للمعتمد: هَلُمَّ ما جئنا له من الجهاد. وجعل يصغّر قدر الأندلس ويقول: في أوقاتٍ كان أمر هذه الجزيرة عندنا عظيمًا، فلما رأياها وقعت دون الوصف. وهو في ذلك كلّه يُسِّرُّ حَسْوًا في ارتقاء. فسار المعتمد بين يديه، وقصد طُلَيْطُلَة، فتكامل عدد المسلمين زُهاء عشرين ألفًا، فالتقوا هم والعدوّ بأوّل بلاد الرّوم، لعنهم الله، وجاء الأدفونش في جيشٍ عظيم بمرّة، فلمّا رآهم يوسف قال للمعتمد: ما كنت أظن هذا الخنزير يبلغ هذا الحدّ. فالتقوا في ثاني عشر رمضان، وصَبَر البربر، وأبلوا بلاء حَسَنًا، وهزم الله النَّصارى، وكانت ملحمة مشهودة. ونجا الأدفونش في تسعةٍ من أصحابه. وتُسمَّى هذه وقعة الزّلّاقة. ففرح أهل الأندلس بالبربر، وتيمَّنوا بهم، ودعوا لابن تاشَفِين على المنابر، فقوي طمعه في الأندلس. وقد كانت الفرنج تأخذ الإتاوة من ملوكها قاطبة. ثم جال ابن تاشَفِين في الأندلس على سبيل التَّفرُّج، وهو يُضْمر أشياءً، ويُظْهر إعظام المعتمد ويقول: إنّما نحن في ضيافته، وتحت أمره. وكان المعتصم مَعْن بن محمد بن صُمادِح، صاحب المَرِيّة، يحسد المعتمد، فداخَلَ ابنَ تاشَفِين، وحظي عنده، فأخذ يعيب المعتمد، وقدَّم لابن تاشَفِين هدايا فاخرة، ولم يدرِ ابن صُمادِح أنّه يسقط في البئر الّذي حَفَر. وأعانه جماعةٌ على تغيير قلب ابن تاشفين يقول الزُّور، وبأنّه يَتَنَقَّصَك. فعبرَ إلى بلاده مُرّاكش. وفهِم المعتمد أنّه قد تغيّر عليه. ثمّ اتّفق رأي ابن تاشَفِين أن يراسل المعتمد، يستأذنه في رجالٍ صُلَحاء أصحاب ابن تاشَفِين رغِبوا في الرّباط في حصون الأندلس. فاذِن له. وأراد ابن تاشَفِين أن يكون له بالأندلس أعوانًا لوقت الحاجة. وقد كانت قلوب الأندلسيّين قد أُشْرِبَت حُبَّ ابن تاشَفِين، فانتخب رجالًا، وأمّر عليهم قرابته بُلَّجِين، وقرَّر معه أمورًا، فبقوا بالأندلس إلى أن ثارت الفتنة. ومبدؤها في شوّال سنة ثلاثٍ وثمانين. فملك المرابطون جزيرة طريف، ونادوا فيها بدعوة أمير المسلمين يوسف.

стр. 11005

ثمّ زحف المرابطون الّذين في الحصون إلى قُرْطُبة فحاصروها، وفيها المأمون بعد أن أبدى عذرًا وأظهر في الدّفاع جَلَدًا وصبرًا في صَفَر سنة أربعٍ وثمانين. فزادت الإحْنة والمحنة، وعَلَت الفتنة. قال ابن خَلِّكان١: وحاصروا إشبيليّة، وبها المعتمد، أشدّ المحاصرة، وظهر من شدّة بأس المعتمد ومصابرته وتَرَاميه على الموت بنفسه، ما لم يسمع بمثله. فلما كان في رجب سنة أربعٍ هجم ابن تاشَفِين البلدَ، وشنُّوا فيه الغارات. ولم يتركوا لأحدٍ شيئًا. وخرج النّاس يسترون عوراتهم بأيديهم. وقبضوا على المعتمد. وقال عبد الواحد المذكور: وفي نصف رجب ثاروا على المعتمد، فبرز من قصْره وسيفه بيده، وغلالته ترفّ على جسده، لا درع عليه، ولا دَرَقَة معه، فلقي فارسًا مشهور النَّجْدة فرماه الفارس بحربةٍ، فأصاب غِلالَتَه، وضرب هو الفارس بالسّيف على عاتقه، فخرَّ صريعًا. فانهزمت تلك الْجُموع، وظنَّ أهل إشبيليّة أن الخِناق قد تنفّس. فلمّا كان وقت العصر، عاودهم البربر، فظهروا على البلد من واديه، وشبّت النّار في شوانيه٢، فعندها انقطع العمل. وكان الّذي ظهر عليها من جهة البَرّ جُدَيْر بن البربريّ، ومن الوادي الأمير أبو حمامة. والْتَوَتِ الحال أيّامًا، إلى أن قدِم سِير ابن أخي يوسف بن تاشَفِين بعساكره، والنّاسُ في تلك الأيّام يرمون أنفسهم من الأسوار. فاتَّسع الخَرْق على الرّاقع بمجيء سِير، ودُخِل البلد من واديه، وأُصيب حاضره وبادِيه بعد أن جدّ الفريقان في القتال، وشُنَّت الغارة في إشبيليّة، ولم يترك البربر لأهلها سبدًا ولا لبدًا. ونُهِبت قصور المعتمد، وأُخِذ أسيرًا. ثمّ أُكْرِه على أن يكتب إلى ولديه: أن تُسلِّما الحصنَيْن، وإلّا قُتِلتُ. وإنّ دمي رهنٌ على ذلك. وهما الراضي بالله، والمعتمد بالله، وكانا في رُنْدَة ومارْتلة، فنزلا بعد عهودٍ مبرمة. فأما المعتمد، فعند نزوله قبض عليه القائد الواصل إليه، وأخذ كلّ أمواله، وأمّا الآخر فقتلوه غِيلَةً. وذهبوا بالمعتمد وآلِه بعد استئصال جميع أحواله، وعبروا بِهِ إِلى طنجة، فبقي بها أيامًا، ثُمَّ نقلوه إلى مِكْناسَة، فتُرِك بها أشهرًا، ثم نقلوه إلى مدينة

стр. 11006

أغْمات، فبقي بها أكثر من سنتين محبوسًا. ومات. وللمعتمد مراثٍ في ولديه اللّذين قتلوهما. وله في حاله: تَبَدَّلْتُ من ظِلِّ عزِّ البُنُود ... بِذُلِّ الحديد وثِقْل القُيُودِ وكان حديدي سِنانًا ذَلِيقًا ... وعَضْبًا رَقيقًا صَقيلَ الحديد وقد صار ذاك وذا أدهمًا ... يعض بساقي الأسُودِ١ وقيل: إنّ بنات المعتمد دخلن عليه السّجنَ في يوم عيدٍ، وكُنَّ يغْزِلن للنّاس بالأُجرة في أغْمات، فرآهنّ في أطمارٍ رثَّةٍ، فَصَدَعْنَ قلبه، فقال: فيما مضى كنتَ بالأعياد مسرورًا ... فساءك العيدُ في أَغْماتَ مأسورا ترى بناتِك في الأطمار جائعةٍ ... يغزلن للناس لا يملكن قِطْميرا بَرَزْنَ نحوك للتّسليم خاشعةً ... أبصارهُنَّ حسيراتٍ مَكَاسيرا يَطَأْنَ في الطِّين والأقدامُ حافيةٌ ... كأنّها لم تَطَأَ مِسْكًا وكافورا من بات بعدَكَ في ملكٍ يُسَرُّ به ... فإنّما بات بالأحلام مسرورا ودخل عليه ولده أبو هاشم، والقيود قد عضّت بساقيه، فقال: قَيْدي أما تَعْلَمُني مُسْلمًا ... أبيتَ أن تُشْفق أو تَرْحما دمي شرابٌ لك واللّحم قد ... أكلْتَه لا تهشم الأعظُما يُبصرني فيك أبو هاشمٍ ... فينثني والقلب قد هُشِّما ارْحم طُفَيْلًا طائشًا لُبُّه ... لم تَخشَ أن يأتيك مسترحما وارحم أخياتٍ له مثله ... جرّعتهُنَّ السُّمّ والعَلْقَما وللمعتمد، وقد أُحيط به: لمّا تماسكتِ الدّموعُ ... وتَنَهْنَهَ القلبُ الصَّدِيعُ قالوا الخضوعُ سياسةٌ ... فَلْيَبْدُ منك لهم خضوع

стр. 11007

وألذ من طعم الخضو ... ع على فمي السم النقيع إن تسلب عنِّي الدُّنَا ... مّلْكي وتُسْلِمُني الْجُمُوعُ فالقلبُ بين ضُلُوعِهِ ... لم تُسّلِمِ القلبَ الضُّلُوعُ قد رُمْتُ يوم نِزَالِهم ... أنْ لا تحصِّنني الدُّرُوعُ وبرزت ليس سوى قميـ ... ـصٍ عن الحشَى شيءٌ دَفُوعُ أجَليَ تأخّر لم يكُنْ ... بِهَوَايَ ذُلِّي والخُضُوعُ ما سِرتُ قطُّ إلى القتا ... ل وكان في أملي الرجوعُ شِيَمُ الأُولَى أنا منهمُ ... والأصل تتْبعهُ الفروعُ ولأبي بكر محمد بن اللّبّانة الدّانيّ فيه قصائد سائرة، وكان منقطعًا إليه؛ من ذلك: لكلّ شيءٍ من الأشياء ميقاتُ ... وللمُنى من مناياهنّ غاياتُ والدّهر في صِيغة الحِرْباء منغمسٌ ... ألوانُ حالاته فيها استحالاتُ ونحن من لعب الشّطرنج في يده ... ورُبّما قُمِرت بالبَيْدق الشّاةُ أنفض يديك من الدّنيا وساكِنها ... فالأرضُ قد أقْفرتْ والنّاسُ قد ماتوا وقُلْ لعالَمِها الأرضيّ قد كَتَمتْ ... سريرةَ العالَمِ العُلْويِّ أَغْماتُ وهي طويلة. وله فيه قصائد طنّانة، هي: تنشَّق رياحينَ السّلامِ فإنّما ... أفُضُّ بها مِسْكًا عليك مُخَتَّما وقل لي مَجازًا إن عَدِمْتَ حقيقةً ... بأنّك في نُعْمَى فقد كنتَ مُنْعِمَا أفكِّرُ في عصرٍ مضى لك مُشْرقًا ... فيرجعُ ضَوءُ الصُّبْح عندي مُظْلِما وأعْجَبُ من أُفْقِ المجَرَّةِ إذ رأى ... كُسُوفَكَ شمسًا كيف أطْلَعُ أنْجُمَا فتاةٌ سَعَتْ للطَّعنِ حتّى تقَصَّدَتْ ... وسيفٌ أطال الضَّربَ حتّى تثلَّما بكى آلُ عَبّادٍ ولا لمحمدٍ ... وأبنَائهِ صَوْبُ الغَمَامة إذ هُمَا

стр. 11008

صَبَاحُهُمْ كُنَّا به نَحْمَدُ السُّرَى ... فلمَّا عَدِمْنَاهُمْ سَرَيْنَا على عَمَى وكُنّا رَعَيْنا العزَّ حولَ حِمَاهُمُ ... فقد أجْدَبَ المَرْعَى وقد أقفر الحِمى وقد أَلْبَسَت أيْدي اللّياليَ مَحَلَّهُم ... منَاسِيجَ سَدَّى الغَيْثُ فيها وألحَمَا قصورٌ خَلَتْ من ساكنيها فما بها ... سوى الأدم تمشي حولَ وَاقِفَةِ الدُّما كأنْ لم يكنْ فيها أنيسٌ ولا التَقَى ... بها الوفدُ جَمْعًا والْجَميشُ عَرَمْرَمَا حكيتَ وقد فارقْتَ مُلْكَكَ مالكًا ... ومِن وَلَهِي أبكي عليك مُتمَّما تضيقُ عليَّ الأرضُ حتّى كأنّني ... خُلِقْتُ وإيّاها سِوارًا ومعْصَمَا وإنّي على رسْمي مقيمٌ فإن أَمُتْ ... سأجْعلُ للباكِينَ رسْمي مَوْسِمَا بَكَاكَ الحَيَا والرّيحُ شقَّتْ جُيُوبَها ... عليكَ وناح الرَّعْدُ باسمِكَ مُعْلِما ومُزِّق ثوبُ البَرْق واكتَسَتِ السّما ... حِدَادًا وقامتْ أنْجُم اللّيل مأْتَمَا وما حلَّ بدْرُ التَّمِّ بعدَك دارَةً ... ولا أظْهَرَتْ شمس الظَّهِيرة مبسما سيُنْجيك مَن نجَّى من الْجُبُّ يُوسُفًا ... ويؤويك من آوى المسيح ابن مرْيَمَا ثمّ إنّه وفد على المعتمد وهو في السّجن وفادةَ وفاءٍ لا استجداء، وحكى أنّه لمّا عزم على الانفصال عنه بعث إليه عشرين دينارًا، وتفصيلة، وأبياتًا يعتذر فيها، قال: فَرَدَدْتُها عليه لعلمي بحاله، وأنّه لم يترك عنده شيئًا. قال ابن خَلِّكان: مولده سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. ومات في شوال سنة ثمانٍ وثمانين. قلت: وقد سمّى ابن اللّبّانة أولاد المعتمد الّذين في الحياة بأسمائهم وألقابهم، فذكر نحوًا من ثلاثين ذكرًا. قال: وعدد بناته أربعٌ وثلاثون بنْتًا. ٢٨٥- مُحَمَّد بن عَبْد الواحد. أَبُو بَكْر الإصبهاني. عُرف بخوروسْت. شيخ مسن.

стр. 11009

قال السِّلَفيّ: لم يَمُت أحدٌ من شيوخي قبله. روى عن: أبي منصور بن مَهْرُيَرْد. ٢٨٦- محمد بن عثمان بن عليّ بن حسّان١. أبو سعيد البُسْتيّ الغازيّ القّوّاس، ابن الأديب النَّحْويّ أبي طاهر. سمع من أصحاب الأصمّ. وكان أحد الرُّماة المذكورين. وتُوُفّي في ذي الحجَّة عَنْ أربعٍ وثمانين سنةٍ بنَيْسابور. روى عنه: أبو البركات الفُرَاويّ، وأُمُّ سَلَمَة بنت عبد الغافر. ٢٨٧- محمد بن عليّ بن الحسين بن يحيى بن حميدون٢. القاضي أبو عبد الله الصُّوريّ تُوُفّي بصُور في رمضان. ٢٨٨- محمد بن عليّ بن أبي عثمان. أبو الغنائم. قال شُجاع الذُّهْليّ: تُوُفّي فيها. وقد مرّ سنة ثلاث. ٢٨٩- مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَبْد الله. أبو عليّ الشّاذياخيّ الصُّوفيّ. حدَّث عن: أبي حسّان محمد بن أحمد المزكيّ، وأبي بكر بن الحارث، وأبي عبد الله محمد بن إبراهيم المزكيّ. وُلِد سنة خمس عشرة وأربعمائة. وتوفي في صفر. ٢٩٠- محمد ين عليّ بن أبي صالح البَغَويّ الدّبّاس. سمع: الجراحيّ، ومسعود بن محمد البِغِويّ، وعليّ بن أحمد الإسْتِراباذيّ٣ وغيرهم. وهو آخر من روى "جامع" التِّرْمِذِيّ بِعُلُوّ. روى عنه: ابنه عثمان، وأبو الفتح محمد بن عبد الله الشّيرازيّ، وأحمد بن

стр. 11010

ياسر المقرئ، وأبو الفتح محمد بن أبي علي، ومحمد بن عبد الرحمن الحمدويي، وآخرون كثرون. وتُوُفّي ببغشُور في ذي القعدة. وكان من الفقهاء. عاش ثمانيا وثمانين. وكنْيته أبو سعيد. ٢٩١- محمد بن المظفّر بن بكران بن عبد الصّمد١. العلّامة قاضي القُضاة أبو بكر الشّاميّ الحموي الفقيه الشافعي. ولد بحماة سنة أربعمائة، ورحل إلى بغداد شابًّا، فسكنها وتفقّه بها. وسمع الحديث من: عثمان بن دُوَسّت، وأبي القاسم بن بشْران، وأبي طالب بن غَيْلان، وأبي محمد الخلّال، وأبي الحسن العتيقيّ، وجماعة. روى عنه: أبو القاسم بن السمرقندي، وإسماعيل بن محمد الحافظ، وهبه الله بن طاوس المقرئ. وكان دخوله بغداد في سنة عشرين. قال السّمعانيّ: هو أحد المتقنين لمذهب الشّافعيّ، وله اطّلاع على أسرار الفقه. وكان ورِعًا زاهدًا متَّقيا. وجَرَت أحكامه على السَّداد. ولي قضاء القُضاة ببغداد بعد موت أبي عبد الله الدّامغانيّ سنة ثمانٍ وسبعين، إلى أن تغيّر عليه المقتدي بالله لأمرٍ، فمنع الشُّهُود من حضور مجلسه مدّةً، فكان يقول: ما أنعزِل ما لم يتحقَّقوا عليِّ الفِسْق. ثمّ إنّ الخليفة خلع عليه، واستقام أمره٢. وسمعت الفقيه أحمد بن عبد الله بن الأبنوسيّ يقول: جاء أمير إلى قاضي القُضاة الشّاميّ، فادّعى شيئًا، فقال: بيّنتي فلان والمشطّب الفَرَغانيّ الفقيه. فقال: لا أقبل شهادة المشطّب؛ لأنه يلبس الحرير. فقال: السّلطان ملِكْشاه ووزيره نظام الملك يلبسانه.

стр. 11011

فقال: ولو شهِدا عندي ما قَبِلتُ شهادتهما أيضًا١. وقال ابن النّجّار: كان ﵀ قد تفقّه على أبي الطّيّب الطّبريّ، وكان يحْفظ تعليقته، وولي قضاء القُضاة، وأبى أن يأخذ على القضاء رِزْقًا. ولم يغيّر مأكَلَه ولا مَلْبَسه، ولا استناب أحدًا في القضاء. وكان يسوّي بين الشّريف والوضيع في الحُكْم، ويقيم جاه الشَّرْع. فكان هذا سبب انقلاب الأكابر عنه، فألصقوا به ما كان منه بريًّا من أحاديث مُلَفَّقّةٍ، ومعاييب مزوَّرة. وصنَّف كتاب "البيان عن أُصول الدّين". وكان على طريقة السَّلَف، ورِعًا نَزِهًا. وأنبأنا أبو اليُمْن الكِنْديّ أنّ أحمد بن عبد الله بن الأبنوسي أخبره قال: كان لقاضي القُضاة الشّاميّ كِيسان، أحدهما يجعل فيه عمامته، وهي كتّان، وقميصًا من القطْن الحَسَن، فإذا خرج لبسهما. والكيس الآخر فيه فتيت، فإذا أراد الأكل جعل منه في قصْعة، وجعل فيه قليلًا من الماء، وأكل منه٢. وكان له كادك في الشّهر بدينار ونصف، كان يقتات منه. فلمّا ولي القضاء جاء إنسان فدفع فيه أربعة دنانير، فأبى، وقال: لا أغير ساكني. وقد ارتبتُ بك؛ لِمَ لا كانت هذه الزّيادة مِن قِبل القضاء؟ وكان يشدّ في وسَطِه مِئْزرًا، ويخلع في بيته ثيابه، ويجلس. وكان يقول: ما دخلتُ في القضاء حتّى وجب عليّ، وأعصي إن لم أقبله. وكان طُلّاب المنصب قد كثُروا، حتّى أنّ أبا محمد التّميميّ بذل فيه ذهبًا كثيرًا، فلم يُجب. وقال "ابن" الجوزيّ: لمّا مات الدّامغانيّ سنة ثمانٍ وسبعين أشار الوزير أبو شجاع على الخليفة٣ أن يولّيه القضاء، فامتنع، فما زالوا به حتّى تقلَّده، وشرط أن لا يأخذ رزقًا، ولا يقبل شفاعة، ولا يغيّر ملبوسه، فأجيب إلى ذلك، فلم يتغيّر حاله، بل كان في القضاء كما كان قبله ﵀. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْوَهَّابِ الْأَنْمَاطِيَّ يَقُولُ: كان قاضي القضاة الشامي حسن الطريقة؛ ما كَانَ يَتَبَسَّمُ فِي مَجْلِسِهِ، وَيَقْعُدُ مُعْبِسًا، فَلَمَّا منعت الشهود

стр. 11012

مِنْ حُضُورِ مَجْلِسِهِ، وَقَعَدَ فِي بَيْتِهِ، نَفَّدَ إِلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو يُوسُفَ الْقَزْوِينِيُّ الْمُعْتَزَلِيُّ١: مَا عَزَلَكَ الْخَلِيفَةُ، إِنَّمَا عَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ . قَالَ: كَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ قَالَ: "لَا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ" ٢. وَأَنْتَ طُولُ عُمْرِكَ غَضْبَانُ. وقال محمد بن عبد الملك الهَمَذَانيّ: كان حافظًا لتعليقة أبي الطّيّب، كأنّها بين عينيه، لم يقبل من سلطانٍ عطيّةً، ولا من صديقٍ هديّة. وكان يُعاب الحِدّة وسوء الخُلُق. وقال أبو عليّ بن سُكَّرَة: ورعٌ زاهدٌ، وأمّا العِلْم فكان يقال: لو رُفِع مذهب الشّافعيّ أمكنه أن يُمْليه من صدْرِه٣. علّق عنه القاضي أبو الوليد الباجيّ. قال عبد الوهّاب الأنْماطيّ: كان قاضي القضاة الشامي حسن الطريقة، ما كان يتبسم في مجلس قضائه. قال السّمعانيّ: تُوُفّي في عاشر شعبان، ودُفِن في تربةٍ له عند أبي العباس بن سريح. وله ثمانية وثمانون عامًا. ٢٩٢- محمد بن أبي نصر فتُّوح بن عبد الله بن فتُّوح بن حُمَيْد بن يصل٤. الحافظ أبو عبد الله الأزْديّ الحُمَيْديّ الأندلسيّ المَيُورقيّ. ومَيُورقة جزيرة قريبة من الأندلس. سمع بالأندلس، ومصر، والشّام، والحجاز، وبغداد واستوطنها. وكان من كبار أصحاب أبي محمد بن حزْم الفقيه. قال: ولدت قبل العشرين وأربعمائة.

стр. 11013

سمع: ابن حزْم، وأخذ عنه أكثر كُتُبه؛ وأبا العبّاس أحمد بن عمر العُذْريّ، وأبا عمر بن عبد البَرّ. ورحل سنة ثمانٍ وأربعين وأربعمائة، فسمع بإفريقيّة كثيرًا، ولقي كريمة١ بمكّة. وسمع بمصر: القاضي أبا عبد الله القضاعي، وعبد العزيز بن الضّرّاب، وابن بقاء الورّاق، والحافظ أبا زكريّا البخاريّ. وبدمشق: أبا القاسم الحسين الحِنائيّ، وعبد العزيز الكتّانيّ، وأبا بكر الخطيب. وببغداد: أبا الغنائم بن المأمون، وأبا الحسين بن المهتدي بالله، والطّبقة. وبواسط: أبا غالب بن بشْران اللُّغَويّ. ولم يزل يسمع ويُكْثِر حتى كتب عن أصحاب الجوهريّ. روى عنه: شيخه الخطيب في مصنَّفاته، وأبو نصر بن ماكولا، وأبو عليّ بن سُكَّرَة، وأبو الحَسَن بن سَرْحان، وأبو بكر بن طَرْخَان، وهبة الله بن الأكفانيّ، وأبو القاسم بن السَّمَرْقَنْديّ، والحافظ إسماعيل بن محمد، وصدّيق بن عثمان التِّبْريزيّ، وأبو إسحاق الغَنَويّ، وأبو الفضل محمد بن ناصر، وطائفة آخرهم أبو الفتح بن البطّيّ. سمع الكثير ورحل وتعب. وكان من كبار الحفّاظ. كان ثقة، متدينًا، يصيرًا بالحديث، عارفًا بفنونه، خبيرًا بالرجال، لاسيما بأهل الأندلس وأخبارها، مليح النَّظر، حَسَن النِّغْمة في قراءة الحديث، صيِّنًا ورِعًا، جيّد المشاركة في العلوم. وكان ظاهريّ المذهب، ويُسِرّ ذلك بعض الشيء٢. قال ابن طَرْخَان: سمعتُه يقول: كنتُ أُحْمَلُ للسّماع على الكتِف سنة خمسٍ وعشرين وأربعمائة، وأوّل ما سمعتُ من الفقيه أبي القاسم أَصْبَغ بن راشد. وكنتُ أفهم ما يُقرأ عليه. وكان ممّن تفقّه على أبي محمد بن أبي زيد. وأَصْلُ أبي من قُرْطُبة، من محلةٍ يُقال لها: الرّصافة، وسكن جزيرة ميورقة، وبها ولدت٣.

стр. 11014

قال يحيى بن البنّا: كان الحُمَيْديّ مِن حِرصه واجتهاده ينسخ باللّيل في الحَرّ، فكان يجلس في إجّانة١ ماءٍ يتبرّد به. وقال الحسين بن محمد بن خسْرُو: جاء أبو بكر بن ميمون، فدّق على الحُمَيْديّ، وظنّ أنّه قد أُذِن له فدخل، فوجده مكشوف الفخذ، فبكى الحُمَيْديّ وقال: والله لقد نظرت إلى موضعٍ لم ينظره أحدٌ منذ عَقَلْت٢. وقال ابن ماكولا: لم أرَ مثل صديقنا الحُمَيْديّ في نزاهته وعفّته وورعه وتشاغله بالعلم. صنَّف تاريخًا للأندلس. وقال السِّلَفيّ: سألت أبا عامر محمد بن سعدون العبديّ، عن الحُمَيْديّ فقال: لا يُرى قطٌّ مثله، وعن مثله يسأل! جمع بين الفقيه والحديث والأدب، ورأى علماء الأندلس. وكان حافظًا. قلت: لقي حفّاظ العصر ابن عبد البَرّ، وابن حَزْم، والخطيب، والحبّال. وقال يحيى بن إبراهيم السلماسي: قال أبي: لم تَرَ عينايَ مثل الحُمَيْديّ في فضله ونُبْله وغزارة عِلْمه وحرْصه على نشر العلم. قال: وكان ورِعًا تقيًّا إمامًا في الحديث وعِلَله ورُواته، متحقّقًا في علم التّحقيق والأصول على مذهب أصحاب الحديث، بموافقة الكتاب والسُّنّة، فصيح العبارة، متبحِّرًا في علم الأدب والعربيّة والترسل. وله كتاب "الجمع بين الصحيحين"٣، و"تاريخ الأندلس"، و"جمل تاريخ الإسلام"، وكتاب "الذَّهَب المسبوك في وعظ الملوك"، وكتاب في "التَّرسُّل"، وكتاب "مخاطبات الأصدقاء"، وكتاب "ما جاء من الآثار في حفظ الجار"، وكتاب "ذمّ النّميمة". وله شعرٌ رصينٌ في المواعظ والأمثال. قلت: وقد جاء عن الحُمَيْديّ أنّه قال: صيّرني "الشّهاب" شهابًا. وكان يُسمع عليه كثيرًا، عن مصنّفه القُضَاعيّ. وقال ابن سُكَّرَة: كان يدلّني على المشايخ، وكان متقلّلًا من الدنيا، يمونه ابن

стр. 11015

رئيس الرؤساء. ثم جرت لي معه قصص أوجبت انقطاعي عنه. وكان يبيت عند ابن رئيس الرّؤساء كلّ ليلة. وحدَّثني أبو بكر ابن الخاضبة أنّه لم يسمعه يذكر الدّنيا قطّ١. وقال أبو بكر بن طرْخان: سمعت أبا عبد الله الحُمَيْديّ يقول: ثلاثة كُتُب من علوم الحديث يجب تقديم الهِمم بها: كتاب "العِلل" وأحسن كتاب وُضع فيه كتاب الدَّارَقُطْنيّ، وكتاب "المؤتلف والمختلف" وأحسن كتاب وُضِع فيه كتاب الأمير ابن ماكولا، وكتاب "وَفَيات الشّيوخ" وليس فيه كتابٌ، وقد كنت أردت أن اجمع في ذلك كتابًا، فقال لي الأمير: رتبه على حروف المعجم، بعد أن ترتبه على السِّنين٢. قال ابن طرْخان: فشغله عنه الصّحيحان، إلى أن مات. قلت: قد فتح الله بكتابنا هذا، يسّر الله إتمامه، ونفع به، وجعله خالصًا من الرياء والرياسة. وقد قال الحُمَيْديّ في "تاريخ الأندلس": أنا عمر بن عبد البَرّ، أنا أبو محمد عبد الله بن محمد الْجُهَنيّ، بمصنّف أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النَّسَائيّ، قراءةً عليه، عن حمزة بن محمد الكنَانيّ، عن النَّسَائيّ. وللحُمَيْديْ رحمه الله تعالى: كتابُ الله قَولي ... وما صحَّتْ به الآثارُ ديني ما اتّفق الجميعُ عليه بَدْءًا ... وعَودًا فهو عن حقٍّ مُبينِ فَدَعْ ما صَدَّ عن هذا وخُذْها ... تكُنْ منها على عين اليقينِ٣ وقال القاضي عياض: محمد بن أبي نصر أبو عبد الله الأزْديّ الأندلسيّ، سمع بمَيُورْقَة من أبي محمد بن حَزْم قديمًا. وكان يتعصَّب له، ويميل إلى قوله. وكانت قد أصابته فيه فتنة، ولمّا شُدِّد على ابن حَزْم وأصحابه خرج الحُمَيْديّ إلى المشرق. ومن شِعْره: طريقُ الزُّهْد أفضلُ ما طريق ... وتَقْوَى الله تأدية الحقوق

стр. 11016

فثِقْ بالله يكْفِكَ واسْتَعِنْهُ ... يُعِنْكَ ودَعْ بُنيّات الطريق وله: لقاء النّاس ليس يُفيدُ شيئًا ... سوى الهَذَيان من قيلٍ وقالِ فاقْللْ من لقاءِ النّاس إلّا ... لأخْذِ العلمِ أو إصلاح حالِ قال السّمعانيّ: روى لنا عنه: يوسف بن أيّوب الهَمَذَانيّ، وإسماعيل الحافظ، ومحمد بن عليّ الحلابيّ، والحسين بن الحسن المقدسيّ، وغيرهم. وتُوُفّي في سابعٍ عشر ذي الحجّة، ودُفِن بمقبرة باب أبْرَز بالقرب من قبر الشّيخ أبي إسحاق الشّيرازيّ، وصلّى عليه الفقيه أبو بكر الشّاشيّ بجامع القصر. ثمّ نُقِل في سنة إحدى وتسعين وأربعمائة إلى مقبرة باب حرب، ودُفِن عند قبر بِشْر الحافي. ونقل ابن عساكر في "تاريخه" إنّ الحُمَيْديّ أوصى إلى الأجلّ مظفّر ابن رئيس الرّؤساء أن يُدْفن عند بِشْر بن الحارث، فخالف وصيّته، فلمّا كان بعد مدّة رآه في النّوم يُعاتبه على ذلك، فنقله في صَفَر سنة إحدى وتسعين، وكان كَفَنَه جديدًا، وبدنه طَرِيًّا، يفُوح منه رائحة الطِّيب. ووقفَ كُتُبَه ﵀. وقع لنا "تذكرة الحُمَيْديّ" بِعُلُوّ. ٢٩٣- محمد بن محمد بن جُمَاهر١. أبو بكر الحَجْريّ الطُّلَيْطُلِيّ. روى عن: عمّه جُماهر، وقاسم بن هلال، وأبي عمر بن سُميْق. وحجّ، وسمع من: أبي العبّاس بن نفيس، والقُضَاعيّ. وكان شديد العناية بالسّماع، وليس عنده كبير علم. ورّخه ابن بَشْكُوال. ٢٩٤- محمد بن منصور بن عمر. أبو بكر الكَرْخيّ، الفقيه الشافعي.

стр. 11017

والد أبي البدر إبراهيم الكرْخيّ. فقيه صالح؛ سمع: أبا الحسن بن مَخْلَد، وأبا عليّ بن شاذان. وعنه: إسماعيل بن السَّمَرْقَنْديّ، وعبد الوهّاب الأنْماطيّ. تُوُفي في جُمَادى الأولى. ٢٩٥- موسى بن محمد بن موسى. أبو عِمران الأصبهاني، ثمّ البغداديّ المؤدّب. سمع: عبد الملك بن بِشْران، وغيره. روى عنه: أبو غالب بن البنّا، وابنه سعيد بن البنّا. "حرف النون": ٢٩٦- نجيب بن ميمون بن سهل بن عليّ١. أبو سهل الواسطيّ، ثمّ الهَرَويّ. سكن أبوه هَرَاة. وسمع نجيب من: والده؛ ومن: أبي عليّ منصور بن عبد الله الخالديّ، ورافع بن عُصم الضّبيّ، وطائفة من مُسْندي هَرَاة في زمانه. روى عنه: ابن طاهر المقدسيّ، ووجيه الشحامي، وأبو النصر الفامي، وخلْق سواهم منهم: عُبَيْد الله بن حمزة الموسويّ، وأخوه عليّ بن حمزة، والمطهّر بن يَعْلَى العَلَويّ، ومحمد بن المفضل الدّهّان، والْجُنَيْد بن محمد القاينيّ، ومحمد بن رَيْحان النَّسَائيّ، وأبو الفتح نصر بن سيّار، وعليّ بن سهل الشّاشيّ، وأَمَةُ الله بنت محمد العارف، وعبد الملك بن عبد الله العَلَويّ. قال الدّقّاق: ليس بقي في الدّنيا من يروي عن الخالديّ سواه٢. وسمع من: حاتم بن محمد بن أبي حاتم الهَرَويّ، وأحمد بن عليّ بن أحمد الشّارعيّ ومحمد بن منصور الْجُولَكيّ، ومحمد بن محمد الأزدي القاضي. \

стр. 11018

وكان مولده في شعبان سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، ومات في الثّاني والعشرين من رمضان سنة ثمان. "حرف الهاء": ٢٩٧- هبة اللَّه بْن مُحَمَّد بْن الطيب. أبو القاسم بن أبي الصّبّاغ. من سُراة البغداديّين. سمع: أباه، وعثمان بن دُوَسْت، وغيرهما. روى عنه: إسماعيل بن السَّمَرْقَنْديّ، وعمر بن ظَفَر الشَّيْبانيّ، وأبو الفتح محمد بن عبد السّلام. قال ابن ناصر: تُوُفّي في سادس ذي القِعْدَة. "حرف الياء": ٢٩٨- يعقوب بن سليمان بن داود. أبو يوسف الإِسْفَرَايِينِيّ. نزيل بغداد وخازن كُتُب النّظاميّة. حدَّث "بسُنَن النَّسَائيّ" عن أبي نصر الكسّار. وحدَّث عن: عبد العزيز الأزجيّ، والطّبريّ. وتُوُفّي في العشرين من ذي القعدة. ٢٩٩- يَلْبَرْ بن خَطْلع. أبو منصور الفانيذيّ الكرْخيّ. سمع مشيخة أبي عليّ بن شاذان منه. روى عنه: إسماعيل بن السَّمَرْقَنْديّ، وعبد الوهّاب الأنْماطيّ. وكان صالحًا، صحيح السّماع. تُوُفّي في جُمَادى الآخرة.

стр. 11019

"الكنى": - أبو شُجاع الوزير١. اسمه محمد كما تقدم. وفيات سنة تسع وثمانين وأربعمائة: "حرف الألف": ٣٠٠- أحمد بْن الحسن بْن أحمد بن الحسن بن خُداداد٢. أبو طاهر الكَرَجيّ الباقلاني. ولد سنة ست عشرة وأربعمائة٣. وسمع: أبا علي بن شاذان، وأبا القاسم بن بشْران، وأبا بكر البَرْقانيّ. وسمع كُتُبًا كِبارًا، وتفرَّد بها، من ذلك: "سُنَن سعيد بن منصور"، تفرد به على أبي عليّ بن شاذان. ولأبي طاهر السِّلَفيّ منه إجازة، بمروياته. روى عنه: ابن ناصر، وعمر الدّهسْتانيّ، وعبد الوهّاب الأنْماطيّ، وأبو عليّ بن سُكَّرَة. وهو ابن خال ابن خَيْرُون. قال السّمعانيّ: كان شيخًا عفيفًا، زاهدًا، منقطعًا إلى الله، ثقة، فهمًا، لا يظهر إلّا يوم الجمعة. سمعت عبد الوهّاب الحافظ يقول: كان أبو طاهر الباقلّانيّ أكثر معرفة من أبي الفضل بن خَيْرُون. وكان زاهدًا حَسَن الطّريقة٤، وما كان له حلقة في الجامع، ولا قرئ فيه حديث. كان يقول لأصحاب الحديث: أنا لكم من السّبت إلى الخميس، ويوم الجمعة أنا بحكم نفسي للتكبير٥ والتلاوة.

стр. 11020

وسمعتُ عبد الوهاب يقول: جاء نظام المُلْك إلى بغداد، وأراد أن يسمع من شيوخها، فكتبوا له أسماء الشيوخ، وكتبوا في جملتهم اسمه، وسألوه أن يحضر دار نظام المُلْك حتّى يسمع منه. فامتنع، وألحّوا عليه، فما أجاب، ثمّ قال: إنّ ابن خَيْرُون قرابتي، وما انفردت أنا بشيء، بل كلّ ما سمعت أنا سمعه هو، وهو في خزانة الخليفة على عملكم، فسمعوا منه. تُوُفّي في رابع ربيع الآخر. ٣٠١- أحمد بن عبد الرحمن بن مظاهر١. أبو جعفر الأنصاريّ الطُّلَيْطُلِيّ. روى عن: خاله جُماهر بن عبد الرحمن، ومحمد بن إبراهيم بن عبد السّلام الحافظ، وقاسم بن هلال، وجعفر ابن عبد الله، وجماعة كثيرة. وعُني بسماع العِلم ولقاء الشّيوخ، وكان ذا بَصَرٍ بالمسائل، ومَيْلٍ إلى الأثَر. صنِّف "تاريخ فُقهاء طُلَيْطُلَة". رواه عنه: القاضي أبو الحسن بن بَقِيّ. وكان ثقة. ٣٠٢- أحمد بن عمر بن الأشعث٢. ويقال: ابن أبي الأشعث. أبو بكر السَّمَرْقَنْديّ المقرئ. نزيل دمشق، ثم نزيل بغداد. سمع: أبا عثمان الصّابونيّ، وأبا عليّ بن أبي نصر، وأبا عليّ الأهوازيّ وقرأ عليه بالرّوايات. روى عنه: أبو الكرم الشّهْرُزُورِيّ، وابنه أبو القاسم إسماعيل بن السَّمَرْقَنْديّ، وأبو الفتح بن البطّيّ. وقال أبو الحسن عليّ بن أحمد بن قُبَيْس الغسّانيّ: كان أبو بكر يكتب المصاحف من حفظه.

стр. 11021

وكان إذا فرغ من الوجه كتب الوجه الآخر إلى أن يجفّ، ثمّ يكتب الوجه الّذي بينهما فلا يكاد أن يزيد ولا ينقص، مع كونه يكتب قطعٍ كبير، وقطع لطيف. قال: وكان مزّاحًا. وخرج مع جماعة في فُرْجة، فقدَّموه يُصلّي بهم، فلمّا سَجَد بهم تركهم في الصّلاة، وصعِد شجرة، فلمّا طال عليهم، رفعوا رءوسهم من السَّجْدَة، فلم يجدوه، ثمّ إذا به في الشّجرة يصيح: نَوّ نَوْ؛ فسقط من أعينهم وانتحس، وخرج إلى بغداد، وترك أولاده بدمشق. قلت: ثمّ أرسل أخذ أهله. وسمَّع ابنيه بدمشق سنة بضعٍ وخمسين. وببغداد سنة نيفٍ وستين وأربعمائة. وأقرأ القرآن ببغداد. قال ابن النّجّار: هو من أهل سَمَرْقَنْد، سافر إلى الشّام، وكان محمودًا، متقنًا، عارفًا بالرويات، محقّقًا في الأخذ، متحرِّيا، صدوقًا ورِعًا. وكان يكتب على طريقة الكوفيّين، ويجمع بين نَسْخ المُصْحف من حِفْظه، وبين الأخذ على ثلاثة، ويضبط ضبطًا حَسَنًا. ثنا ابن الأخضر، ثنا ابن البطّيّ: أنا أحمد بن عمر السَّمَرْقَنْديّ: أنبا الحسين بن محمد الحلبيّ: ثنا أحمد بن عطاء الرُّوذْباريّ إملاءً بِصُور. قلت: مات الحلبي١ سنة ستٍّ وثلاثين، وهو أقدم شيخ للسَّمَرْقَنْديّ. قال: الحسين بن محمد البلْخيّ: كان شيخنا أبو بكر السَّمَرْقَنْديّ لا يكتب لأحدٍ خطّه إذا قرأ عليه، إلّا أن يكون مجوّدًا في الغاية. وما رأيته كتب إلّا لمسعود الحلاويّ، وقال: ما قرأ عليّ أحدٌ مثله. فجاء إليه الطّبّال، فقرأ خَتْمات، وأعطى وَلَد الشّيخ دنانير، فردّها الشّيخ وقال: لا أستحلّ أن أكتبَ له. قال البلْخيّ: وكان أبو بكر لمّا جاء من دمشق اتّصل بعفيف القائميّ الخادم، فأكرمه وأنزله، فكان إذا جاءه الفرّاش بالطعام بكى، فسأله عن بكائه، فقال: إن لي بدمشق أولادًا في ضيق.

стр. 11022

فأخبر الفرّاش عفيفًا، فأرسل مَن جاء بهم من دمشق، فجاءوا أباهم بغتةً، ولم يزالوا في ضيافة عفيف حتّى مات١. وُلِد أبو بكر سنة ثمان وأربعمائة، ومات في سادس عشر رمضان. قال محمد بن عبد الملك الهَمَذَانيّ في "تاريخه": هو مشهور في التَّقدُّم بالقرآن ونسْخ المصاحف، جَعَل دأبَه أن ينسخ، ويُقرئ جماعةً بروايات مختلفة، ويرد على المخطئ منهم. فكان له في هذا كلّ عجيبة، ﵀. قلت: قرأ عليه جماعة، وكانت قراءته على الأهوازيّ في سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. ٣٠٣- أحمد بن محمد بن عليّ٢. أبو بكر الهَرَويّ المقرئ الضّرير. سكن دمشق، وسمع بها، رشأ بن نظيف، وأبا عليّ الأهوازيّ، وعليّ بن الخضر السُّلَميّ. وسمع بصور من: عبد الوهاب بن برهان. سمع منه: عمر الدّهسْتانيّ، وطاهر الخُشُوعيّ، وأبو محمد بن صابر ووثّقه. وتُوُفّي بالقدس في ربيع الآخر. قرأ على الأهوازيّ، وعاش اثنتين وثمانين سنة، ووُلِد بهَرَاة. وقد صنف في القراءات الثمان كتابًا سمّاه "التّذكرة". قرأ عليه القراءات: إبراهيم بن حمزة ابن الْجَرْجَرائيّ، وغيره. ٣٠٤- إسماعيل بن حَمْد بن محمد بن خيران٣. أبو محمد الهَمَذانيّ البزّاز. سمع: أبا الحسين الفارسي، وعمر بن مسرور.

стр. 11023

وحدَّث ببغداد. روى عنه: محمد بن سعدون العبْدَريّ أبو عامر، وأبو البركات بن السَّقَطيّ. وكان محدِّثًا مُكثِرًا. ٣٠٥- إسماعيل بن حمزة بن فَضَالَة. أَبُو القاسم الهَرَويّ الحنفيّ العطّار. عالم صدوق. حدَّث بصحيح الإسماعيليّ، عن الحسين بن محمد الباشانيّ. وسمع أيضًا من سعيد بن العبّاس القُرَشيّ. روى عنه: الْجُنَيْد بن محمد "القاينيّ"، والقاسم بن الحسين الحصيريّ، مات في ربيع الأوّل. ٣٠٦- إسماعيل بن عبد الملك١. الفقيه أبو القاسم الطُّوسيّ، الفقيه المعروف بالحاكميّ. قدِم دمشق. عديل الإمام أبي حامد الغزاليّ. وسمع من: نصر المقدسيّ في سنة تسعٍ وثمانين. قال أبو المفضل يحيى بن عليّ القُرَشيّ القاضي: كان أعلم بالأصول من الغزاليّ، وكان شافعيًّا. قلت: لا أعلم وفاته مَتى هي. ٣٠٧- إسماعيل بن عثمان بن عمر الأبْرِيسَميّ٢. نَيْسابوريّ. روى عن: أبي سعيد محمد بن موسى الصَّيْرفيّ. روى عنه: زاهر الشّحّاميّ، وغيره. وقيل: تُوُفّي سنة تسعين.

стр. 11024

٣٠٨- أَمةُ الرحمن بنت أبي القاسم عبد الواحد بن حسين بن الْجُنَيْد. امرأة عالمة صالحة، متبركٌ بها. سمعت أبا القاسم بن بشْران. روى عنها: إسماعيل بن السَّمَرْقَنْديّ، وابن عبد السلام الكاتب. وولدت سنة أربعمائة، وعُمّرت. "حرف الحاء": ٣٠٩- الحُسَين بْن مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن عَبْد اللَّه بن عمر. أبو عبد الله بن السّرّاج البغداديّ النّصريّ. كان من أهل الصّلاح والسَّداد. سمع: أبا القاسم الحرفي، وعثمان بن دُوَسْت العلّاف، وعبد الملك بن بشْران، ونصْر بن علالة. روى عنه: أبو القاسم بن السَّمَرْقَنْديّ، وعبد الوهّاب الأنْماطيّ، وعبد الخالق اليوسفي، ومسعود بن محمد ابن شُنَيْف، وآخرون. تُوُفّي في صَفَر. أخبرونا عن ابن اللُّتّيّ، عن مسعود، عنه، بجزء ابن عفّان. ٣١٠- حمزَة بْن مُحَمَّد بْن الحسن بْن مُحَمَّد١. أبو القاسم القُرَشيّ الأسَديّ الزُّبَيْريّ البغداديّ. شيخ صالح. سمع: أبا القاسم الحرفيّ، وأبا عليّ بن شاذان. روى عنه: الأنْماطيّ، وعمر بن ظَفَر، وابن ناصر، وآخرون. تُوُفّي في شعبان عن نيفٍ وثمانين سنة.

стр. 11025

"حرف السّين": ٣١١- سُلَيْمَان بْن أَحْمَد بْن محمد١. أبو الربيع الأندلسيّ السَّرَقُسْطيّ. دخل بغداد، وسمع بها من: أبي القاسم بن بِشْران، وأبي العلاء الواسطيّ، وجماعة٢. وكان عارفًا باللُّغَة، لكن قال ابن ناصر: كان كذّابًا، وكان يُلْحِق اسمه. قال السّمعانيّ: ثنا عنه: عبد الوهّاب الأنْماطيّ، وإسماعيل بن السَّمَرْقَنْديّ، وابنه منصور بن سليمان. وسألتُ أبا منصور بن خَيْرُون عنه، فأساء القول فيه، وقال: نهاني عمّي أبو الفضل أن أقرأ عليه. وتُوُفّي في ربيع الآخر. "حرف الشين": ٣١٢- شافع بْن عليّ بْن أَبِي الفضل الطُّرَيْثيثيّ٣. الصُّوفيّ. من ساكني نَيْسابور. شيخ صالح ظريف، له مجاهدة وحفظ أوقات وجمع همة. صحِب السّادة وحجّ؛ وسمع بمكة: أبا الحسن بن صخْر. وبالبصرة: إبراهيم بن طَلْحة بن غسّان. روى عنه: وجيه الشّحّاميّ. ولد سنة أربعمائة، وتوفي في ذي الحجة.

стр. 11026

"حرف الظّاء": ٣١٣- ظَفَرُ بنُ هبة الله بن القاسم. أبو نصر الكِسائيّ الهَمَذَانيّ التّانيّ١. قال شيروَيْه: روى عن: ابن المحتسب، وعليّ بن إبراهيم بن حامد، وأبي طاهر بن سَلَمَة، وابن عَبْدان، وأبي بكر الأردستاني٢. سمعت منه وولداي شهردار وزينب، وهو شيخ. توفي في جمادى الأولى، وصلينا عليه يوم الجمعة. "حرف العين": ٣١٤- عَبْد اللَّه بْن الْحُسَيْن بْن علي بْن حسين الأموي٣. أبو محمد السعيداني، البصري. من ولد أمير مكة عتاب بن أسيد ﵁. كان أبو محمد محتسب البصرة. وقد سمع الكثير من: عليّ بن هارون المالكيّ، والمبارك بن عليّ بن حمدان، والحسن بن أحمد الدّبّاس، وطلحة بن يوسف المواقيتيّ، وجماعة. ورحل إلى بغداد، وسمع وحدَّث. ولد سنة تسعٍ وأربعمائة، وأوّل سماعه سنة ثمان عشرة. وكان حافظًا محدَّثًا، حدَّث عنه: أبو عبد الله البارع، وأبو غالب الماوَرْديّ. ووثّقه الحافظ جابر بن محمد البصْريّ، وقال: عنهُ أخذتُ عِلْمَ الحديث. وقد كتب عن السَّعِيدَانيّ: أبو عبد الله الحُمَيْديّ، ومكّيّ الرُّمَيّليّ، وشجاع الذهلي.

стр. 11027

وقد تقدَّم ذكره. ورَّخ ابن النّجّار وفاته في هذه السّنة. ٣١٥- عبد الله بن يوسف١. القاضي أبو محمد الْجُرْجَانيّ المحدِّث. صنَّف "فضائل الشافعي" و"فضائل أحمد بن حنبل". ودخل هَرَاة. وتُوُفّي في ذي القعدة. وسماعاته في حدود الثلاثين وأربعمائة. روى عنه: وجيه الشّحّاميّ، وغيره، وعبد الغافر الفارسيّ. سمع من: عمر بن مسرور، وأبي الحسين الفارسيّ، وأبي سعْد الكَنْجرُوذيّ، وأبي عثمان البَحِيريّ، وطبقتهم، ومَن بعدهم فأكثر. وهو ثقة صاحب حديث. قال السّمعانيّ: وُلِد بجُرْجَان سنة تسعٍ وأربعمائة سمع من: حمزة السَّهْميّ، وأحمد بن محمد الخَنْدقيّ، ومحمد بن عليّ بن محمد الطّبريّ، وكريمة بنت محمد المَغَازليّ، والأربعة سمعوا من ابن عدِيّ. وسمع من: أبي نُعَيْم عبد المالك بن محمد الأسْتِراباذيّ، الصّغير صاحب الإسماعيليّ. روى لنا عنه: الْجُنَيْد بن محمد القاينيّ، وعبد الملك بن عبد الله العدويّ، وأخوه أبو الفتح سالم، وعليّ بن حمزة المُوسُويّ، وهبة الرحمن القُشَيْريّ، وآخرون٢. قال: ومات في تاسع ذي القعدة. ٣١٦- عبد الجبّار بن عبد الواحد بن أحمد بن سبوَيْه. أبو الفضل بن أبي طاهر، التّاجر، الأصبهاني. حدَّث عن: أبي نعيم.

стр. 11028

سمع منه: المؤتَمَن السّاجيّ، وإسماعيل بن السَّمَرْقَنْديّ، وأبو الفتح بن عبد السّلام. وُلِد سنة ثلاثٍ وعشرين وأربعمائة، وتُوُفّي ببغداد في شوّال سنة تسعٍ وثمانين. ٣١٧- عبد المحسن بْن مُحَمَّد بْن عليّ بْن أَحْمَد بْن عليّ١. أبو منصور الشِّيحيّ التّاجر السفار المعروف بابن شُهْدَانْكه، من أهل محلّة النَّصْريّة ببغداد. سمع الكثير من: أبي منصور محمد بن محمد بن السّوّاق، وأبي بكر أحمد بن محمد بن الصَّقْر، وعبد العزيز بن عليّ الأزجيّ، وابن غَيْلان، وأبي محمد الخلّال، والعتيقيّ، وطبقتهم. وكتب بخطّه أكثر مسموعاته. وسمع بمصر: أبا الحسن الطّفّال، وأبا القاسم عليّ بن محمد الفارسيّ، وعبد الملك بن مسكين. وبدمشق: أبا الحسين محمد بن عبد الرحمن بن أبي نصر، وأبا القاسم الحِنّائيّ، وأبا عبد الله محمد بن يحيى بن سلوان. وبالرَّحْبة: عُبَيْد الله بن أحمد الرَّقّيّ، وطائفة سواهم. وكتب بخطّه أكثر مصنَّفات الخطيب. وروى الكثير. حدَّث عنه: شيخه أبو بكر الخطيب، وأبو السُّعُود أحمد بن عليّ، وأبو حامد العَبْدَرِيّ، وأبو القاسم بن السَّمَرْقَنْديّ، وأبو الفتح محمد بن عبد السّلام، وسعيد بن محمد الرزّاز الفقيه، وأبو بكر بن الزّاغُونيّ، وأبو الفضل بن ناصر، وخلْق سواهم. سُئل إسماعيل بن محمد الحافظ عنه فقال: شيخ فاضل ثقة. وقال شُجاع الذُّهْليّ: كان صَدُوقًا. وقال أبو عامر العَبْدَرِيّ: كان من أنبل من رأيت وأوثقه.

стр. 11029

وقال أبو عليّ الصَّدَفيّ: كان فقيهًا نبيلًا كيِّسًا ثقة. وكان عنده أصل أبي بكر الخطيب بتاريخه، خصَّه به. قلت: لأنّه فيما قال السّمعانيّ هو الّذي حمل الخطيب إلى العراق، فأهدى إليه الخطيب تاريخه بخطّه. وقال غيْث بن عليّ: سألته عن مولده، فقال: سنة إحدى وعشرين وأربعمائة. وأوّل سماعي سنة سبعٍ وعشرين١. وقال أبو عليّ البَرَدَانيّ: كان من المتموّلين، وكان أمينًا سَرِيًّا، كتب كثيرًا. وتُوُفّي في جُمَادى الأولى. قال السّمعانيّ: سمعتُ شيخًا لنا يقول: إنّ الخطيب لمّا حدَّث بالجزء الأوّل من "تاريخه" استأذنه أبو الفضل بن خَيْرُون أو شجاع الذُّهْليّ في التّسميع في أيّ موضعٍ يكتب، فقال: استأذِنوا الشّيخ عبد المحسن، فإنَّ النُّسخة له، ولو كان عندي شيءٌ أعزّ منه أهديته له٢. وقال أبو الفضل محمد بن عطّاف: كان شيخنا عبد المحسن على طريقةٍ حَسَنة مَرْضِيّة، حَسَن العناية بالعِلْم، وكان مالكيًّا ثقة أمينًا. قال لي: وُلِدتُ في رجب سنة إحدى وعشرين. وقال ابن ناصر: تُوُفّي شيخنا عبد المحسن بن الشِّيحيّ في سادس عشر جُمَادى الأولى. قلت: وأبوه من شِيحة، قريةٌ من قرى حلب. ٣١٨- عبد الملك بن إبراهيم بن أحمد٣. أبو الفضل المقدسيّ الهَمَذَانيّ الفَرَضيّ، نزيل بغداد. كان واحد عصره في الفرائض.

стр. 11030

سمع: الحسن بن محمد الشّاموخيّ١ بالبصرة، وعبد الواحد بن هبيرة العِجْليّ، وجماعة. روى عنه: ابن السَّمَرْقَنْديّ، وعبد الوهّاب الأنْماطيّ. وقيل: كان معتزليًّا. تُوُفّي في رمضان ببغداد، وهو والد المؤرّخ محمد. ٣١٩- عبد الملك بن سِراج بن عبد اللَّه بن محمد بن سِراج٢. الإمام أبو مَرْوان الأُمَويّ، مولاهم القُرْطُبيّ. إمام اللُّغَة بالأندلس. غير مدافع. روى عن: أبيه، ويونس بن عبد الله القاضي، وإبراهيم بن محمد الإفْليليّ، ومكّيّ بن أبي طالب، وأبي عَمْرو السَّفاقِسيّ، وجماعة. روى عنه: أبو عليّ الصَّدَفيّ، وقال: هو أكثر مَن لقيته عِلْمًا وبضروب الآداب ومعاني القرآن والحديث. وقال القاضي أبو عبد الله بن الحاجّ: كان شيخنا أبو مروان بن سِراج يقول: حدَّثنا وأخبرنا واحدٌ، ويحتجّ بقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤] فجعل الحديث والخبر واحدًا٣. وقال القاضي عياض٤: الوزير أبو مروان الحافظ اللُّغَويّ النَّحْويّ إمام الأندلس في وقته في فنّه، وأَذْكرهم للسان العرب، وأوثقهم على نقله. وكان أبوه أبو القاسم قاضي قُرْطُبة من أفضل العلماء. قال عياض: وأخبرني ابنه أبو الحسين الحافظ أنّ أبا محمد مَكِّيًّا المقرئ كان يعرض عليه بعض مصنَّفاته، ويأخذ رأيه فيها، وإليه كانت الرّحلة من أقطار الأندلس.
следующие страницы →