"حرف الظّاء":
٣١٣- ظَفَرُ بنُ هبة الله بن القاسم.
أبو نصر الكِسائيّ الهَمَذَانيّ التّانيّ١.
قال شيروَيْه: روى عن: ابن المحتسب، وعليّ بن إبراهيم بن حامد، وأبي طاهر بن سَلَمَة، وابن عَبْدان، وأبي بكر الأردستاني٢.
سمعت منه وولداي شهردار وزينب، وهو شيخ.
توفي في جمادى الأولى، وصلينا عليه يوم الجمعة.
"حرف العين":
٣١٤- عَبْد اللَّه بْن الْحُسَيْن بْن علي بْن حسين الأموي٣.
أبو محمد السعيداني، البصري. من ولد أمير مكة عتاب بن أسيد ﵁.
كان أبو محمد محتسب البصرة. وقد سمع الكثير من: عليّ بن هارون المالكيّ، والمبارك بن عليّ بن حمدان، والحسن بن أحمد الدّبّاس، وطلحة بن يوسف المواقيتيّ، وجماعة.
ورحل إلى بغداد، وسمع وحدَّث.
ولد سنة تسعٍ وأربعمائة، وأوّل سماعه سنة ثمان عشرة.
وكان حافظًا محدَّثًا، حدَّث عنه: أبو عبد الله البارع، وأبو غالب الماوَرْديّ.
ووثّقه الحافظ جابر بن محمد البصْريّ، وقال: عنهُ أخذتُ عِلْمَ الحديث.
وقد كتب عن السَّعِيدَانيّ: أبو عبد الله الحُمَيْديّ، ومكّيّ الرُّمَيّليّ، وشجاع الذهلي.
стр. 11027
وقد تقدَّم ذكره.
ورَّخ ابن النّجّار وفاته في هذه السّنة.
٣١٥- عبد الله بن يوسف١.
القاضي أبو محمد الْجُرْجَانيّ المحدِّث.
صنَّف "فضائل الشافعي" و"فضائل أحمد بن حنبل". ودخل هَرَاة.
وتُوُفّي في ذي القعدة.
وسماعاته في حدود الثلاثين وأربعمائة.
روى عنه: وجيه الشّحّاميّ، وغيره، وعبد الغافر الفارسيّ.
سمع من: عمر بن مسرور، وأبي الحسين الفارسيّ، وأبي سعْد الكَنْجرُوذيّ، وأبي عثمان البَحِيريّ، وطبقتهم، ومَن بعدهم فأكثر.
وهو ثقة صاحب حديث.
قال السّمعانيّ: وُلِد بجُرْجَان سنة تسعٍ وأربعمائة سمع من: حمزة السَّهْميّ، وأحمد بن محمد الخَنْدقيّ، ومحمد بن عليّ بن محمد الطّبريّ، وكريمة بنت محمد المَغَازليّ، والأربعة سمعوا من ابن عدِيّ.
وسمع من: أبي نُعَيْم عبد المالك بن محمد الأسْتِراباذيّ، الصّغير صاحب الإسماعيليّ.
روى لنا عنه: الْجُنَيْد بن محمد القاينيّ، وعبد الملك بن عبد الله العدويّ، وأخوه أبو الفتح سالم، وعليّ بن حمزة المُوسُويّ، وهبة الرحمن القُشَيْريّ، وآخرون٢.
قال: ومات في تاسع ذي القعدة.
٣١٦- عبد الجبّار بن عبد الواحد بن أحمد بن سبوَيْه.
أبو الفضل بن أبي طاهر، التّاجر، الأصبهاني.
حدَّث عن: أبي نعيم.
стр. 11028
سمع منه: المؤتَمَن السّاجيّ، وإسماعيل بن السَّمَرْقَنْديّ، وأبو الفتح بن عبد السّلام.
وُلِد سنة ثلاثٍ وعشرين وأربعمائة، وتُوُفّي ببغداد في شوّال سنة تسعٍ وثمانين.
٣١٧- عبد المحسن بْن مُحَمَّد بْن عليّ بْن أَحْمَد بْن عليّ١.
أبو منصور الشِّيحيّ التّاجر السفار المعروف بابن شُهْدَانْكه، من أهل محلّة النَّصْريّة ببغداد.
سمع الكثير من: أبي منصور محمد بن محمد بن السّوّاق، وأبي بكر أحمد بن محمد بن الصَّقْر، وعبد العزيز بن عليّ الأزجيّ، وابن غَيْلان، وأبي محمد الخلّال، والعتيقيّ، وطبقتهم.
وكتب بخطّه أكثر مسموعاته.
وسمع بمصر: أبا الحسن الطّفّال، وأبا القاسم عليّ بن محمد الفارسيّ، وعبد الملك بن مسكين.
وبدمشق: أبا الحسين محمد بن عبد الرحمن بن أبي نصر، وأبا القاسم الحِنّائيّ، وأبا عبد الله محمد بن يحيى بن سلوان.
وبالرَّحْبة: عُبَيْد الله بن أحمد الرَّقّيّ، وطائفة سواهم.
وكتب بخطّه أكثر مصنَّفات الخطيب.
وروى الكثير.
حدَّث عنه: شيخه أبو بكر الخطيب، وأبو السُّعُود أحمد بن عليّ، وأبو حامد العَبْدَرِيّ، وأبو القاسم بن السَّمَرْقَنْديّ، وأبو الفتح محمد بن عبد السّلام، وسعيد بن محمد الرزّاز الفقيه، وأبو بكر بن الزّاغُونيّ، وأبو الفضل بن ناصر، وخلْق سواهم.
سُئل إسماعيل بن محمد الحافظ عنه فقال: شيخ فاضل ثقة.
وقال شُجاع الذُّهْليّ: كان صَدُوقًا.
وقال أبو عامر العَبْدَرِيّ: كان من أنبل من رأيت وأوثقه.
стр. 11029
وقال أبو عليّ الصَّدَفيّ: كان فقيهًا نبيلًا كيِّسًا ثقة. وكان عنده أصل أبي بكر الخطيب بتاريخه، خصَّه به.
قلت: لأنّه فيما قال السّمعانيّ هو الّذي حمل الخطيب إلى العراق، فأهدى إليه الخطيب تاريخه بخطّه.
وقال غيْث بن عليّ: سألته عن مولده، فقال: سنة إحدى وعشرين وأربعمائة. وأوّل سماعي سنة سبعٍ وعشرين١.
وقال أبو عليّ البَرَدَانيّ: كان من المتموّلين، وكان أمينًا سَرِيًّا، كتب كثيرًا. وتُوُفّي في جُمَادى الأولى.
قال السّمعانيّ: سمعتُ شيخًا لنا يقول: إنّ الخطيب لمّا حدَّث بالجزء الأوّل من "تاريخه" استأذنه أبو الفضل بن خَيْرُون أو شجاع الذُّهْليّ في التّسميع في أيّ موضعٍ يكتب، فقال: استأذِنوا الشّيخ عبد المحسن، فإنَّ النُّسخة له، ولو كان عندي شيءٌ أعزّ منه أهديته له٢.
وقال أبو الفضل محمد بن عطّاف: كان شيخنا عبد المحسن على طريقةٍ حَسَنة مَرْضِيّة، حَسَن العناية بالعِلْم، وكان مالكيًّا ثقة أمينًا. قال لي: وُلِدتُ في رجب سنة إحدى وعشرين.
وقال ابن ناصر: تُوُفّي شيخنا عبد المحسن بن الشِّيحيّ في سادس عشر جُمَادى الأولى.
قلت: وأبوه من شِيحة، قريةٌ من قرى حلب.
٣١٨- عبد الملك بن إبراهيم بن أحمد٣.
أبو الفضل المقدسيّ الهَمَذَانيّ الفَرَضيّ، نزيل بغداد.
كان واحد عصره في الفرائض.
стр. 11030
سمع: الحسن بن محمد الشّاموخيّ١ بالبصرة، وعبد الواحد بن هبيرة العِجْليّ، وجماعة.
روى عنه: ابن السَّمَرْقَنْديّ، وعبد الوهّاب الأنْماطيّ.
وقيل: كان معتزليًّا.
تُوُفّي في رمضان ببغداد، وهو والد المؤرّخ محمد.
٣١٩- عبد الملك بن سِراج بن عبد اللَّه بن محمد بن سِراج٢.
الإمام أبو مَرْوان الأُمَويّ، مولاهم القُرْطُبيّ.
إمام اللُّغَة بالأندلس. غير مدافع.
روى عن: أبيه، ويونس بن عبد الله القاضي، وإبراهيم بن محمد الإفْليليّ، ومكّيّ بن أبي طالب، وأبي عَمْرو السَّفاقِسيّ، وجماعة.
روى عنه: أبو عليّ الصَّدَفيّ، وقال: هو أكثر مَن لقيته عِلْمًا وبضروب الآداب ومعاني القرآن والحديث.
وقال القاضي أبو عبد الله بن الحاجّ: كان شيخنا أبو مروان بن سِراج يقول: حدَّثنا وأخبرنا واحدٌ، ويحتجّ بقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤] فجعل الحديث والخبر واحدًا٣.
وقال القاضي عياض٤: الوزير أبو مروان الحافظ اللُّغَويّ النَّحْويّ إمام الأندلس في وقته في فنّه، وأَذْكرهم للسان العرب، وأوثقهم على نقله.
وكان أبوه أبو القاسم قاضي قُرْطُبة من أفضل العلماء.
قال عياض: وأخبرني ابنه أبو الحسين الحافظ أنّ أبا محمد مَكِّيًّا المقرئ كان يعرض عليه بعض مصنَّفاته، ويأخذ رأيه فيها، وإليه كانت الرّحلة من أقطار الأندلس.
стр. 11031
وقال الْيَسَعُ بنُ حَزْم: لكن ابن سِراج زَيْن الإيمان، وحَسَنة الزّمان، العلّامة، النّسّابة، ذو الدعوة المستجابة، والتسهيل والإجابة. كان المعتمد يزوره ويعظّمه.
وقال أبو الحسن بن مُغِيث: كان أبو مروان من بيت خيرٍ وفضل، من مشاهير الموالي بالأندلس. كان جدّهم سِراج من موالي بني أُمَيّة، على ما حكاه أهل النَّسَب، إلّا أنّ أبا مروان قال لي غير مرّةٍ: أنّه من العرب، من كَلْب بن وَبْرَة، أصابهم سِبَاء.
اختلفت إليه كثيرًا ولازمته، وكان واسع الرّواية والمعرفة، حافِلَهُما، بحرُ علمٍ، عالمًا بالتّفاسير، ومعاني القرآن، ومعاني الحديث، أحفظ النّاس للسان العرب، وأصدَقهم فيما يحمله، وأقَوَمَهم بالعربيّة والأشعار والأخبار والأيّام والأنساب. عنده يسقط حفظ الحفّاظ ودونه يكون علم العلماء. فاق النّاس في وقته، وكان حَسَنَة من حسنات الزمان، وبقية الأشراف والأعيان.
قال أبو عليّ الغسّانيّ: سمعته يقول: مولدي في ثاني عشر ربيع الأول سنة أربعمائة. ومُتِّع بجوارحه على اعتلاء سنِّه، إلى أن تُوُفّي، وهو حسن البقيّة، متوقِّد الذّهن، سريع الخاطر، في تاسع ذي الحجّة يوم عَرَفَة، وصلّى عليه ابنه أبو الحسن سِراج. ﵀.
وأبا بكر الحِيريّ، وأبا سعيد الصَّيْرَفيّ، وعبد الرَّحْمَن بْن محمد بْن أَحْمَد بْن حبيب القاضي، ومحمد بن محمد بن بالوَيْه الصائغ، والحسين بن عبد الرحمن التاجر، وعبدا لرحمن بن بالوَيْه، وعليّ بن أحمد بن عَبْدان الشّيرازيّ، وأبا عَمْرو محمد بن عبد الله الرَّزْجاهيّ، وعليّ بن محمد بن خَلَف، وأبا حازم عمر بن أحمد العبدوي، وجماعة بنَيْسابور.
وهلال بن محمد الحفّار، وأبا الحسين بن بِشْران، وابن الفضل القطّان والغَضَائريّ، والإياديّ، وجماعة ببغداد.
وأبا عبد الله بن نظيف بمكّة.
روى عنه: إسماعيل بن محمد الحافظ، وأبو نصر أحمد بن عمر الغازي، وأبو طاهر أحمد بن حامد الثّقفيّ، ونُعمان بن محمد الكُنْدُوج، وشَيْبان بن عبد الله المؤدّب، وبُنْدَار بن غانم، وعبد الجبّار بن محمد بن علي الصالحاني.
стр. 11032
"حرف القاف":
٣٢٠- القاسم بْن الفضل بْن أَحْمَد بْن أَحْمَد بن محمود١.
أبو عبد الله الثّقفيّ الأصبهاني. رئيس إصبهان وكبيرها ومُسْنِدُها.
وُلِد سنة سبعٍ وتسعين وثلاثمائة.
وأوّل سماعه في ذي الحجّة سنة ثلاثٍ وأربعمائة.
سمع: أبا الفَرَج عثمان بْن أحمد بْن إِسْحَاق بْن بُنْدار البُرْجيّ، وعبد الله بن أحمد بن حولة الأبْهَريّ، ومحمد بن إبراهيم الْجُرْجَانيّ، وأبا بكر بن مردوَيْه٢، وعليّ بن فيلة الفَرَضيّ، وأحمد بن عبد الرحمن اليَزْديّ، وجماعة بإصبهان.
ومحمد بن محمد بن مَحْمِش، ومحمد بن الحُسَين السُّلَميّ، ويحيى بن إبراهيم المزكّيّ، وأبو المطهَّر الصَّيْدَلانيّ القاسم بن الفضل، وأَبُو جعْفَر مُحَمَّد بن الْحَسَن الصَّيْدلانيّ، وأَبُو رشيد محمد بن عليّ بن محمد البَاغْبَان٣، وأبو عبد الله الحسن بن العبّاس الرُّسْتُميّ، وحفيده مسعود بن القاسم الثّقفيّ، والحافظ أبو طاهر السِّلَفيّ، وأبو رشيد عبد الله بن عمر الأصبهاني، وخلْق سواهم.
قال السّمعانيّ: كان ذا رأيٍ وكفاءةٍ وشهامة. وكان أيسر أهل عصره ثروةً ونعمةً وبضاعةً ونقْدًا٤.
وكان منفقًا كثير الصَّدَقة، دائم الإحسان إلى الطّارئين والمقيمين وأهل الحديث عمومًا، وإلى العَلَويّة خصوصًا، كثير الإنفاق عليهم. وصُرِف في آخر عمره، يعني عن رئاسة البلد، وصودر، فدفع مائة ألف دينار حُمْر في مدةٍ يسيرة، لم يَبع في أدائها ضياعًا ولا عقارًا، ولا أظهر من نفسه انكسارًا إلى أن خرج من عُهْدة ذلك. وكان رجلًا من رجال الدّنيا. وعُمّر حتّى سُمع منه، الكثير، وانتشرت عنه الرّواية في الأقطار، ورحلت الطَّلَبة من الأمصار. وكان صحيح السماع، غير أنه كان يميل إلى التَّشيُّع على ما سمعتُ جماعةً من أهل أصبهان.
стр. 11033
وقال يحيى بن مَنْدَهْ: لم يحدِّث في وقته أوثق في الحديث منه وأكثر سماعًا، وأعلى إسنادًا، إلّا أنّه كان يميل إلى الرَّفْض فيما قيل. سمع "تاريخ يعقوب الفَسَويّ" من ابن الفضل القطّان، عن ابن درستُوَيْه، عَنْهُ. وسمع "تاريخ ابن مَعِين" من أبي عبد الرحمن السُّلَميّ١.
حُكي لي أنّه وُلِد سنة خمسٍ وتسعين وثلاثمائة، وقيل: سنة سبعٍ.
وقال غيره: تُوُفّي في رجب.
وقال السِّلَفيّ كان الرّئيس الثّقفيّ عظيمًا كبيرًا في أعيُن النّاس، على مجلسه هيبةٌ ووقار. وكان له ثروة وأملاك كثيرة.
وذكر ابن السّمعانيّ في تخريجٍ لولده عبد الرّحيم فقال: كان محمود السّيرة في ولايته، مُشْفِقًا على الرّعيّة. سمعتُ أنّ السّلطان ملِكْشاه أراد أن يأخذ مالًا من أهل البلد إصبهان، فقال الرّئيس: أنا أُعطي النِّصْف، ويُعطي الوزير يعني النّظام، وأبو سعد المستوفي النّصف. فما قام حتّى وَزَنَ ما قال.
وظنِّي أنّ المال كان أكثر من مائة ألف دينار أحْمَر.
وكان يَبَرُّ المحدِّثين بمالٍ كثير، ورحلوا إليه من الأقطار.
"حرف الميم":
٣٢١- مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن عَبْد الباقي بن منصور٢.
الحافظ أبو بكر ابن الخاضبة٣، البغداديّ الدّقّاق.
مفيد بغداد، والمشار إليه في القراءة الصحيحية مع الصّلاح والورع.
حدَّث عن: أبي بكر الخطيب، وأبي جعفر ابن المسلمة، وأبي الحسين ابن النقور، وعبد الرّحيم بن أحمد البخاريّ، وأحمد بن علي الدينوري.
وأكثر عن أصحاب المخلص.
стр. 11034
ورحل إلى الشّام، والقدس.
وسمع بدمشق من: إمام الجامع عبد الصّمد بن محمد بن تميم.
وأقدم شيخٍ له: مؤدّبه أبو طالب عُمَر بن محمد بن الدَّلْو، فإنّه يروي عن أبي عُمَر بن حَيَّوَيْهِ، وتُوُفّي سنة ست وأربعين وأربعمائة.
وسمع بالقدس من: محمد بن مكّيّ بن عثمان الأزْديّ، وعبد الرّحيم البخاريّ، وأبي الغنائم محمد بن الفرّاء.
روى عنه: أبو عليّ بن سُكَّرَة.
وكان محبوبًا إلى النّاس كلّهم، فاضلًا، حَسَن الذِّكْر. ما رأيت مثله على طريقته. وكان لا يأتيه مستعير كتابًا إلّا أعطاه، أو دلّه عند مَن هو.
وسمعتُ أبا الوفاء بن عقيل الحنبليّ الإمام يقول، وذَكَر شدَّةً أصابته بمطالبةٍ طُولِب بها، وأنّه كانت له عند ذلك خَلوات يدعو ربَّه فيها ويناجيه، فقرأ في مناجاته: فَلَئنْ قلتَ لي يا ربّ: هل واليتَ فيَّ وليًّا؟ أقول: نعم يا رب، أبو بكر ابن الخاضبة. ولئن قلتَ هل عاديتَ فيَّ عدُّوًا؟ أقول: نعم يا ربّ فُلانًا ولم يُسمِّه لنا.
فأخبرت ابن الخاضبة بقوله. فقال: اغترّ الشّيخ.
وقال ابن السّمعانيّ: نسخَ "صحيح مسلم" سنة الغرق بالأُجرة سبْع مرّات.
وقال ابن طاهر: ما كان في الدّنيا أحسن قراءةً للحديث من ابن الخاضبة في وقته، لو سمع بقراءته إنسانٌ يومين لَمَا ملَّ من قراءته.
وقال السِّلَفيّ١: سألتُ أبا الكرم الحَوْزِيّ عن ابن الخاضبة، فقال: كان علّامةً في الأدب، قُدْوَةً في الحديث، جيّد اللّسان، جامعًا لخلال الخير، ما رأيتُ ببغداد من أهلها أحسنَ قراءةً للحديث منه، ولا أعرف بما يقوله.
وقال ابن النّجّار: كان ابن الخاضبة ورِعًا، تقيًّا، زاهدًا، ثقة، محبوبًا إلى النّاس. روى اليسير.
وقال أبو الحسن عليّ بن محمد الفصيحيّ: ما رأيت في أصحاب الحديث أقوم باللغة من ابن الخاضبة.
стр. 11035
وقال السِّلَفيّ: سألت أبا عامر العَبْدَرِيّ عنه، فقال: كان خيرَ موجودٍ في وقته. وكان لا يحفظ، إنّما يعوّل على الكُتُب.
وقال ابن طاهر: سمعتُ ابن الخاضبة، وكنتُ ذكرت له أنّ بعض الهاشميّين حدَّثني بإصبهان، أنّ الشّريف أبا الحسين بن الغريق١ يرى الاعتزال، فقال لي: لا أدري، ولكن أحكي لك حكاية: لمّا كان في سنة الغَرَق وقعت داري على قماشي وكُتُبي، ولم يكن لي شيء. وكان عندي الوالدة والزّوجة والبنات، فكنتُ أنسخ للنّاس، وأُنفق عليهنّ، فأعرف أنّني كتبتُ "صحيح مسلم". في تلك السَّنة سبْع مرّات، فلما كان ليلة من اللّيالي رأيتُ كأنّ القيامة قد قامت، ومناديا ينادي: أين ابن الخاضبة؟ فأُحْضِرتُ، فقيل لي: أدخل الجنة. فلما دخلت الباب وصرت من داخل استلقيت على قفاي، ووضعت إحدى رِجْليَّ على الأخرى، وقلت: استرحتُ والله من النّسخ. فرفعتُ رأسي، فإذا ببغْلة في يد غلام فقلت: لمن هذه؟ فقال: للشريف أبي الحسين ابن الغريق. فلمّا أصبحت نُعي إلينا الشّريف٢.
وقال ابن عساكر٣: سمعتُ أبا الفضل محمد بن محمد بن عطاف يحكي أنه طلع في بعض بني الرّؤساء ببغداد إصبعٌ زائدة، فاشتدّ تألُّمُه منها ليلةً، فدخل عليه ابن الخاضبة، فشكا إليه وجَعَه، فمسح عليها وقال: أمرُها يسير. فلمّا كانت اللّيلة الثّانية نام وانتبه، فوجدها قد سقطت. أو كما قال.
تُوُفّي ﵀ في ثاني ربيع الأوّل ببغداد، وكان يومًا مشهودًا، وخُتِم على قبره خَتْمات.
٣٢٢- محمد بن الحسن٤.
أبو بكر الحضْرميّ، المعروف بالمُرَاديّ القيرواني.
دخل الأندلس، وأخذ عنه أهلها.
стр. 11036
روى عنه: أبو الحسن المقرئ ابن الباذش، وقال فيه: كان رجلًا نبيهًا عالمًا بالفقه، وإمامًا في أصول الدّين، وله في ذلك تصانيف حِسان مفيدة، وله حظٌّ وافر من البلاغة والفصاحة.
وقال أبو العبّاس: دخل قُرْطُبة في سنة سبعٍ وثمانين رجل من القَرَويّين، وهو أبو بكر المُرَاديّ، له نُهُوضٌ في علم الاعتقادات، ومشاركة في الأدب والقريض. اختلف إلى أبي مروان بن سِراج في سماع "التَّبْصرة" لمكّيّ، وحدَّثني بكتاب "فقه اللّغة" مشافهةً، عن عبد الرحمن بن عُمَر التّميميّ القصديريّ، عن محمد بن عليّ التّميميّ، عن إسماعيل بن عَبْدوس النَّيْسابوريّ، عن مصنِّفه أبي منصور الثَّعالبيّ، وبلغني موته سنة ٨٩.
قلت: له رسالة "الإيماء إلى مسألة الاستواء".
٣٢٣- محمد بن عليّ بن محمد بن عُمَير الزّاهد١.
أبو عبد الله العُمَيْريّ الهَرَويّ، الرّجل الصّالح.
وُلِد سنة ثمانٍ وتسعين وثلاثمائة.
وأول سماعه سنة سبعٍ وأربعمائة.
سمع من أبيه عليّ بن محمد بن عُمَيْر بن محمد بن عُمَير، عن العبّاس بن الفضل النَّضْرويّ.
وسمع من: عليّ بن أبي طالب الخَوارَزْميّ، وعليّ بن جعفر القُهُندُزِيّ٢، وعبد الرحمن بن محمد أبي الحسن الدّيناريّ، ومحمد بن أبي اليمان منصور الخطيب وأبي إسماعيل محمد بن عبد الرحمن الحدّاد، ويحيى بن عبد الله البزّاز، ومحمد بن إبراهيم بن أُمَيَّة، وأبي بِشْر الحسن بن محمد بن أحمد القُهُندُزِيّ، وشُعَيب بن محمد البُوسَنْجيّ، وضمام بن محمد الشَّعْرانيّ، وخلْق كثير بهَرَاة؛ وأبي بكر أحمد بن الحسن الحِيريّ النَّيْسابوريّ بها. وأبي عليّ بن شاذان، وطبقته ببغداد.
وقال الفامِيّ في "تاريخ هَرَاة": العُمَيْريّ تفرَّد عن أقرانه، وتوحّد عن أبناء زمانه
стр. 11037
بالعِلْم والزُّهْد في الدّنيا، والإتقان في الرّواية، والرغبة في التحديث، والتجرد من الدّنيا، والإعراض عن حطامها والإقبال على الآخرة.
وقال محمد بن عبد الواحد الدقاق: أبو عبد الله العُمَيْريّ ليس له نظيرٌ بخُراسان، فكيف بهَرَاة.
وقال في رسالته: ولم أرَ في شيوخي كالإمام الزّاهد المتقن أبي عبد الله العُمَيْريّ، رحمةُ الله عليه.
وقال غيره: كان فقيهًا إمامًا ورعًا قدوة، واسع الرواية، حدَّث بالكثير وقد حجّ في سنة عشرين وأربعمائة.
قال السّمعانيّ: ودخل بلاد اليمن، ورجع، فقدِم بغداد سنة ثلاثٍ وعشرين.
وسمع بمكّة من محمد بن الحُسَين الصَّنْعانيّ.
وبنَيْسابور من: أبي بكر الحِيَريّ، وأبي سعيد الصَّيْرفيّ.
وببغداد من: الحرفي، وابن شاذان، وعثمان بن دُوَسْت.
وبهَرَاة من: يحيى بن عمّار، وأبي يعقوب القرّاب، ومحمد بن جبريل بن ماحٍ.
روى عنه: أبو طاهر المقدسيّ، والمؤتَمَن السّاجيّ، وأبو عبد الله الدّقّاق، وأبو الوقت عبد الأوّل، وعليّ بن حمزة، والْجُنَيد بن محمد، والقاسم بن عمر الفصّاد ومحمد بن أبي عليّ الهَمَذَانيّ وأبو النَّضْر الفامِيّ.
وقال أبو جعفر محمد بن أبي عليّ: قال لي أبو إسماعيل الأنصاريّ: احفظ الشّيخ أبا عبد الله العُمَيْريّ، واكتب عنه، فإنّه متقنٌ. مع ما كان بينهما من الوحشة.
قال أبو جعفر: وكان فقيهًا محدّثًا سُنّيًّا.
وسُئل إسماعيل الحافظ عنه: فقال: إمامٌ زاهد.
تُوُفّي العُمَيْريّ ﵀ في المحرَّم.
٣٢٤- محمد بن عليّ بن محمد الحماميّ١.
أبو ياسر البغدادي.
стр. 11038
قال السّمعانيّ: كان إمامًا في القراءات، ضابطًا لها. كتب بخطّه الكثير من القراءات والحديث والكُتُب الكبار في معاني القرآن.
وكان ثقة.
قرأ على: أَبِي بَكْر محمد بْن عليّ بْن موسى الحنّاط.
ورحل إلى غلام الهرّاس فأكثر عنه.
وسمع من: أبي جعفر ابن المسلمة، وجماعة.
وتُوُفّي في المحرَّم.
٣٢٥- محمد بن عليّ١.
القاضي أبو سعيد البَغَوي الدّبّاس.
مرَّ في العام الماضي.
أعدتّه لقول بعضهم: تُوُفّي سنة تسعٍ وثمانين.
روى عنه: محمد بن عبد الرحمن الحمدونيّ، وأحمد بن ياسر المقرئ، وأبو الفضل اللّيث بن أحمد، وعبد الصّمد ابن محمد الخطيب، وعبد الرحمن بن محمد بن عمر، وخلق كثير.
٣٢٦- محمد بن محمد بن أحمد بن هميماه٢.
أبو نصر الرّامشيّ النَّيْسابوريّ المقرئ، ابن بنت الرّئيس منصور بن رامش.
سمع من أصحاب الأصمّ.
وسمع بمكّة، والعراق، والشّام، وهراة.
وحدَّث عن: أبي الفضل عمر بن إبراهيم الزّاهد، وعبد الرحمن بن محمد السّرّاج، وعليّ بن محمد الطّرازيّ، وعليّ بن محمد بن عليّ السّقّاء، والحسين بن محمد بن فَنْجُوَيْه الثّقفيّ، ومحمد بن الحسين بن التُّرْجُمان الرَّمْليّ، وأبي عليّ بن أبي نصر التّميميّ، وأبي العلاء بن سليمان المقرئ.
стр. 11039
قال عبد الغافر١: ولد سنة أربعٍ وأربعمائة. وسمع مع أخواله. وعقد مجلس الإملاء في المدرسة العميديّة فأملى سِنين.
وأنشدني لنفسه:
سَوَّدَ أيّامي المَشِيبُ ... وابْيَضَّتِ الرَّوضةُ العشيبُ
وكان روضُ الشّبابِ غَضًّا ... نوّارُ أشجارِهِ رطيبُ
فصار عَيْشي مريرَ طعمٍ ... وعَيْشُ ذي الشَّيْب لا يَطيبُ
وله:
وكنت صحيحًا والشّبابُ مُنادِمي ... فأنْهَلَني صَفْوَ الشّراب وعلَّني
وزدتُ على خمسٍ ثمانين حجّةً ... فجاء مشيبي بالضَّنَى فأعلّني
قال ابن عساكر: كان عارفًا بالنَّحْوِ وعلوم القرآن. حدَّثنا عنه: عمر بن أحمد الصّفّار، وعبد الله بن الفُرَاويّ.
وقال عبد الغافر: لمّا طعن في السّنّ تبرّز في القراءات وعلوم القرآن، وكان له حظٌّ صالح من النحو. وهو إمام في فنّه. ارتبطه نظام المُلْك في المدرسة المعمورة بنَيْسابور، ليُقرِئ في المسجد المَبْنِيّ فيها، فتخرَّج به جماعة.
وتُوُفْي في جُمَادى الأولى.
قلت: وروى عنه: عبد الخالق بن زاهر، وإسماعيل العَصَائدي، وجماعة.
٣٢٧- محمد بن عبد الواحد بن محمد.
أبو بكر الأصبهاني.
سمع: أبا منصور بن مهريُزد صاحب أبا عليّ الصّحّاف.
قال أبو طاهر السِّلَفيّ: لم يمت أحدٌ من شيوخي قبله، ولا أنا عن ابن مهرزاد سواه.
قلت: مات قبيل الرئيس الثقفي٢.
стр. 11040
٣٢٨- محمد بن مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن١.
أبو عَبْد اللَّه المَدِينيّ المقرئ.
سمع مجلسًا من أحمد بن عبد الرحمن اليَزْديّ في سنة تسعٍ وأربعمائة. وهو من كبار شيوخ السِّلَفيّ، لا أعلم وفاته، بل سُمِع منه في هذه السّنة.
قال السِّلَفيّ: هو أوّل من كتبتُ عَنْهُ الحديث.
ثمّ وجدت في "تاريخ ابن النّجّار" قد زاد في نسبه محمد بن إبراهيم بن عبد الوهّاب بن بَهْمَن بن كُوشِيذ.
سمع: القاضي أبا بكر اليَزْديّ، وأبا بكر بن أبي عليّ المزكّيّ، وعبد الرحمن بن محمد بن عُبَيْد الله، ومحمد بن صالح العطّار.
وحدَّث ببغداد.
سمع منه: أبو بكر محمد بن منصور السّمعانيّ، والسِّلَفيّ.
وقال أبو زكريّا يحيى بن مَنْدَهْ: كان شُرُوطيًّا، ثقة، أمينًا، أديبًا، وَرِعًا.
قرأ كتاب "الحُجّة" لأبي عليّ الفارسيّ، على أبي عليّ المَرْزُوقيّ، ولزِمه مدّة.
ولد سنة تسعٍ وتسعين وثلاثمائة. ومات في حادي عشر شعبان سنة ٨٩.
٣٢٩- مُظهر بن أحمد بن عبد الله.
أبو سعْد المُضَريّ٢ السُّكّريّ الأصبهاني.
قدِم بغداد للحجّ.
وحدَّث عن: أبي بكر بن أبي علي الذكواني، وأبي الحسين بن فاذشاه.
روى عنه: عمر بن ظفر، وغيره.
وله شعرٌ حسن.
توفي في شعبان.
стр. 11041
٣٣٠- مُعَمّر بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن محمد بن أبان١.
أبو منصور العبدي اللنباني الأصبهاني.
شيخ الصوفية.
قال السلفي: هو شيخ شيوخ أصبهان. لم يكن يدانيه في رتبته أحدٌ. روى لنا عن: أبي الحسين بن فاذشاه، وأبي بكر بن رُنْدَة، وعليّ بن أحمد بن مهْران الصّحّاف.
وله إجازة من أبي علي بن شاذان.
وتفقه على أبي محمد الكروني الشافعي، ورزق جاها وهيبة عند السلاطين.
وتوفي في شهر رمضان سنة تسعٍ وثمانين.
وجدهم أحمد يروي عن: ابن أبي الدّنيا، والحارث بن أبي أُسامة.
٣٣١- منصور بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الجبار بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن أَحْمَد بْن عبد الجبار بن الربيع بن مسلم بن عبد الله٢.
الإمام أبو المظفّر السَّمعانيّ التّميميّ المَرْوَزِيّ، الفقيه الحنفيّ ثمّ الشّافعيّ.
تفقّه على والده الإمام أبي منصور حتّى برع في مذهب أبي حنيفة وبرّز على أقرانه.
وسمع: أباه، وأبا غانم أحمد بن عليّ الكُراعيّ٣ وهو أكبر شيوخه، وأبا بكر التُّرابيّ.
وبنَيْسابور: أبا صالح المؤذّن، وجماعة.
وبجُرْجَان: أبا القاسم الخلّال.
وببغداد: عبد الصّمد بن المأمون، وأبا الحسين بن المهتدي بالله.
стр. 11042
وبالحجاز: أبا القاسم سعد بن عليّ، وأبا عليّ الشّافعيّ، وطائفة سواهم.
قال حفيده الحافظ أبو سعْد: نا عنه عمّي الأكبر، وعمر بن محمد السَّرْخَسِيّ، وأبو نصر محمد بن محمد بن يوسف الفاشانيّ، ومحمد بن أبي بكر السنجي، وإسماعيل بن محمد التيمي الحافظ أبو القاسم، وأبو نصر أحمد بن عمر الغازيّ، وأبو سعْد البغداديّ، وجماعة كثيرة سواهم.
ودخل بغداد في سنة إحدى وستّين وأربعمائة، وسمع الكثير بها. واجتمع بأبي إسحاق الشّيرازيّ، وناظر أبا نضر بن الصّبّاغ في مسألةٍ.
وانتقل إلى مذهب الشّافعيّ. وسار إلى الحجاز في البرّيّة. وكان الرَّكْبُ قد انقطع لاستيلاء العرب، فقصد مكّة في جماعة، فأُخِذوا، وأُخِذ جدّي معهم، ووقع إلى حلل العرب، وصبرَ إلى أن خلّصه الله، وحملوه إلى مكّة، وبقي بها في صُحْبة الشّيخ أبي القاسم الزَّنْجانيّ.
وسمعتُ محمد بن أحمد المَدِينيّ يحكي عن الحسين بن الحسن الصوفي المرزوي، عن أبي المظفّر السّمعانيّ قال: لمّا دخلت البادية انقطعتُ، وقطعَت العرب علينا الطّريق، وأُسِرنا وكنتُ أخرج مع جِمالهم أرعاها. وما قلتُ لهم أنّي أعرِف شيئًا من العلم، فاتّفق أنّ مقدَّم العرب أراد أن يزّوج بنتَه من رجلٍ، فقالوا: نحتاج أنْ نخرج إلى بعض البلاد، ليعقد هذا العقْد بعضُ الفُقهاء. فقال واحدٌ من المأخُوذين: هذا الرّجل الّذي يخرجُ مع جِمالكم إلى الصّحراء فقيه خُراسان. فاستدعوني، وسألوني عن أشياء، فأجبتهم، وكلّمتهم بالعربيّة، فخجلوا واعتذروا، وعقدت لهم العقْد، وقرأتُ الخطبة، ففرحوا، وسألوني أن أقبل منهم شيئًا، فامتنع، فحملوني إلى مكّة في وسط السّنة١.
وذكره أبو الحسن عبد الغافر في "سياقه"٢، فقال: هو وحيد عصره في وقته فضلًا، وطريقة، وزُهدًا، وورعًا، من بيت العلم والزُّهْد. تفقّه بأبيه، وصار من فُحُول أهل النَّظر، وأخذ يُطالع كُتُب الحديث، وحجّ، فلمّا رجع إلى وطنه، ترك طريقته الّتي ناظر عليها أكثر من ثلاثين سنة، وتحوَّل شافعيًّا. أظهر ذلك في سنة ثمانٍ
стр. 11043
وستين وأربعمائة. واضطّرب أهل مرْو لذلك، وتشوَّش العَوَامّ، إلى أن وردت الكتب من جهة بلكا بك من بلْخ في شأنه والتّشديد عليه، فخرج من مرْو في أوّل رمضان، ورافقه ذو المجدين أبو القاسم المُوسَويّ، وطائفة من الأصحاب. وخرج في خدمته من الفقهاء وصار إلى طُوس، وقصد نَيْسابور، فاستقبله الأصحاب استقبالًا عظيمًا.
وكان في نوبة نظام المُلْك وعميد الحضرة أبي سعد محمد بن منصور، فأكرموا مورده، وأنزلوه في عزٍّ وحِشْمة، وعقد له مجلس التّذكير في مدرسة الشّافعيّة.
وكان بحرًا في الوعْظ، حافظًا لكثير من الرّوايات والحكايات والنُّكَت والأشعار، فظهر له القبول عند الخاصّ والعامّ.
واستحكم أمره في مذهب الشّافعيّ ثمّ عاد إلى مرْو، ودرّس بها في مدرسة أصحاب الشّافعيّ، وقدّمه نظام المُلْك على أقرانه، وعلا أمرُه، وظهر له الأصحاب. وخرج إلى إصبهان، ورجع إلى مرْو. وكان قبوله كلَّ يومٍ في عُلُوّ. واتّفقت له تصانيف في الخلاف مشهورة، مثل كتاب "الاصطلام"، وكتاب "البرهان"، و"الأمالي" في الحديث. وتعصب للسُّنّة والجماعة وأهل الحديث. وكان شوكًا في أعيُن المخالفين، وحُجّةً لأهل السُّنّة.
قال أبو سعْد١: صنَّف في التّفسير، والفقه، والأصول، والحديث، "فالتفسير" في ثلاث مجلدات، وكتاب "البرهان" و"الاصطلام " الّذي شاع في الأقطار، وكتاب "القواطع" في أصول الفقه.
وله في الآثار كتاب "الانتصار" و"الرد على المخالفين"، وكتاب "المنهاج لأهل السنة"، وكتاب "القدر".
وأملى قريبًا من تسعين مجلسًا٢.
وسمعتُ بعض المشايخ يحدّث عن رفيق جدّي في الحجّ الحُسَين بن الحسن الصُّوفيّ قال: اكْترينا حمارًا ركِبه الإمام أبو المظفّر إلى خَرَق، وهي ثلاثة فراسخ من مرو، فنزلها بها، وقلت: ما مَعَنَا إلّا إبريق خَزَف، فلو اشترينا آخر. فأخرج من جيبه
стр. 11044
خمسة دراهم، وقال: يا حُسَين، ليس معي إلّا هذا، خُذ واشترِ ما شئت، ولا تطلب بعد هذا منّي شيئًا. فخرجنا على التّجريد، وفتح الله لنا.
سمعتُ شهردار بن شيروَيْه بهَمَذَان يقول: سمعتُ منصور بن أحمد الإسفزاري، وسأله أبي، فقال: سمعتُ أبا المظفّر السّمعانيّ يقول: كنتُ على مذهب أبي حنيفة، فبدا لي أن أرجع إلى مذهب الشّافعيّ، وكنتُ متردّدًا في ذلك. فحججْتُ، فلمّا بلغت سميراء، رَأَيْت ربّ العِزّة فِي المنام، فقال لي: عُدْ يا أبا المظفّر. فانتبهت، وعلمتُ أنّه يريد مذهب الشّافعيّ، فرجعتُ إلى مذهب الشّافعيّ١.
وقال الحسين بن أحمد الحاجيّ: خرجتُ مع الإمام أبي المظفّر إلى الحجّ، فكلّما دخلنا بلدةً نزل على الصُّوفيّة، وطلب الحديث من المشيخة. ولم يزل يقول في دعائه: اللهمّ بيّن لي الحقّ من الباطل. فلمّا دخلنا مكّة، نزل على أحمد بن عليّ بن أسد، ودخلتُ في صُحْبة سعْد الزَّنْجانيّ، ولم يزل معه حتّى صار ببركته من أصحاب الحديث. فخرجنا من مكّة، وتركنا الكُلّ، واشتغل هو بالحديث٢.
قرأتُ بخطّ أبي جعفر الهِمَذَانيّ الحافظ قال: سمعتُ أبا المظفّر يقول: كنت في الطّواف، فوصلتُ إلى الملتَزَم، وإذا برجلٍ قد أخذ بطرف ردائي، فالتفت، فإذا بالإمام سعْد الزَّنْجانيّ، فتبسّمت إليه، فقال: أما ترى أين أنت؟ هذا مقام الأنبياء والأولياء. ثمّ رفعَ طرْفه إلى السّماء وقال: اللهمّ كما أوصلته إلى أعزّ المكان، فأعطه أشرف عزٍّ في كلّ مكان وزمان. ثمّ ضحك إليَّ، وقال لي: لا تخالفني في سِرّك، وارفع معي يدك إلى ربِّك، ولا تقولنّ البتّة شيئًا، واجمع لي همّتك، حتّى أدعو لك، وأَمِّن أنتَ، ولا تخالفني عهَدَك القديم.
فبكيتُ، ورفعتُ معه يدي، وحرَّك شفتيه، وأمَّنت.
ثمّ قال: مُرْ في حفْظ الله، فقد أُجِيب فيك صالح دُعاء الأُمّة.
فمضيت من عنده، وما شيءٌ في الدّنيا أبغض إليَّ من مذهب المخالفين.
قرأتُ بخطّ أبي جعفر أيضًا: سمعتُ الإمام أوحد عصره في علمه أبا المعالي الْجُوَيْنيّ يقول: لو كان من الفقه ثوبًا طاويا لكان أبو المظفّر بن السمعاني طرازة.
стр. 11045
وقرأتُ بخطّه: سمعتُ الإمام أبا عليّ بن أبي القاسم الصّفّار يقول: إذا ناظرتُ أبا المظفّر السّمعانيّ فكأنّي أُناظِرُ رجلًا من أئمةّ التّابعين، ممّا أرى عليه من آثار الصّالحين سمْتًا، وحُسْنًا، ودينًا.
سمعتُ أبا الوفاء عبد الله بن محمد الدُّشّتيّ المقرئ يقول: سمعتُ والدك أبا بكر محمد بن منصور السِّمعانيّ يقول: سمعتُ أبي يقول: ما حفظتُ شيئًا فنسيته١.
سمعتُ أبا الأسعد هبة الرحمن القُشَيْريّ يقول: سُئل جدّك أبو المظفّر في مدرستنا هذه، بحضور والدي، عن أحاديث الصّفات فقال: عليكم بدين العجائز٢.
ثمّ قال: غُصْتُ في كلّ بحرٍ، وانقطعت في كلّ بادية، ووضعتُ رأسي على كلّ عَتَبة، ودخلتُ من كلّ باب. وقد قال هذا السّيّد، وأشار إلى أبي عليّ الدّقّاق، أو إلى أبي القاسم القُشَيْريّ: لله وصفٌ خاصٌ لا يعرفه غيره.
وُلِد جدّي في ذي الحجّة سنة ستٍّ وعشرين وأربعمائة.
وتوفي يوم الجمعة الثّالث والعشرين من ربيع الأوّل.
"حرف الهاء":
٣٣٢- هشام بن أحمد بن خالد بن سعيد٣.
أبو الوليد الكِنانيّ الطُّلَيْطُلِيّ، ويُعرف بالوَقَّشِيّ.
ووقَّش قرية على اثني عشر ميلًا من طليطلة.
أخذ العلم عن: أبي عمر الطَّلَمَنْكيّ، وأبي محمد بن عباس الخطيب، وأبي عمر السَّفاقِسيّ، وأبي عمر بن الحذاء، وجماعة.
قال أبو القاسم صاعد: أبو الوليد الوقَّشيّ أحد رجال الكمال في وقته، باحتوائه على فنون المعارف، وجَمْعه لكليّات العلوم. هو من أعلم النّاس بالنَّحْو، واللُّغة، ومعاني الشِّعْر، وعلم العَرَوض، وصناعة البلاغة. بليغ، شاعر، حافظ للسُّنَن وأسماء
стр. 11046
الرّجال. بصير بالاعتقادات وأُصُول الفِقْه، واقف على كثير من فتاوى فقهاء الأمصار، نافذ في علوم الشُّرُوط والفرائض، متحقّق بعلم الحساب والهندسة، مشرف على جميع آراء الحكماء، حَسَن النَّقْد للمذاهب، ثاقب الذّهن، يجمع إلى ذلك آداب الأخلاق، مَعَ حُسْن المعاشرة، ولِين الكَنَف، وصدْق اللهجة.
وقال ابن بَشْكُوال١: أنبا عنه أبو بحر الأَسَديّ، وكان مختصًّا به، وكان يعظّمه ويقدّمه على من لَقِيَه من شيوخه، ويصفه بالاستبحار في العلوم. وقد نُسِبتْ إليه أشياء الله أعلم بحقيقتها، وسائلهُ عنها ومُجَازِيه بها.
وكان الشّيخ أبو محمد الرُيْوَاليّ يقول فيه:
وكان من العلوم بحيث يُقْضَى ... لَهُ في كلِّ عِلْمٍ بالجميع
وقال عتيق بن عبد الحميد: تُوُفّي في جُمَادى الآخرة. وكان مولده سنة ثمانٍ وأربعمائة.
وقال القاضي عياض: كان غايةً في الضَّبْط والإتقان، نسّابة، له تنبيهات ورُدود على كِبار التّصانيف التّاريخية والأدبية، وناهيك من حُسن كتابه في "تهذيب الكنَى" لمسلم، الّذي سمّاه بعكس الرُّتْبة، ومن تنبيهاته على أبي نصر الكَلابَاذِيّ، و"مؤتلف" الدارقطني. لكنه اتُّهِم بالاعتزال، وظهر له تأليف في القدَر، والقرآن. فزهد فيه النّاسُ، وتركه جماعة من الكبار٢.
وفيات سنة تسعين وأربعمائة:
"حرف الألف":
٣٣٣- أحْمَد بْن مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن عَلِيّ بْن زكريّا بن دينار٣.
أبو يَعْلَى العبْدي البصْري، الفقيه، شيخ مالكيّة العراق، ويُعرف بابن الصّوّاف. كان ينزل القَسَامِل، إحدى محال البصرة.
ولد سنة أربعمائة.
стр. 11047
وسمع بالبصْرة: محمد بن عبد الرحمن الكازْرُونيّ١، ومحمد بن أحمد بن داسة، وعليّ بن هارون التّميميّ، والحسن القَسَامِليّ، وإبراهيم بن طلحة بن غسّان، وجماعة.
وقدِم بغداد سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، وسمع بها من: أبي عليّ بن شاذان، وأبي بكر البَرْقانيّ.
روى عنه: أبو عليّ بن سُكَّرَة الصَّدَفيّ، وقاضي سَبْتَة أبو بكر عتيق النَّفْرَاويّ، وجابر بن محمد البصْريّ، وأبو الحسن الصُّوفيّ البُوشَنْجيّ، وآخرون.
وتفقّه على القاضي أبي الحسن عليّ بن هارون المالكيّ؛ وصنَّف التّصانيف، ودرَّس بالبصرة، وتخرَّج به الأصحاب.
تفقّه عليه أبو منصور بن باخي، وأبو عبد الله بن ضَابِح، ومالكيّة البصرة.
قال القاضي عياض٢: كان يُمْلي الحديث وعلى رأسه مستمليان يُسمعان النّاس.
سمعَ منه عالَم عظيم.
وقال أبو سعْد السّمعانيّ: كان فقيهًا، مدرّسًا، متزّهدًا، خشن العيش، مجدًا في عيادته، ذا سمتٍ ووقار٣.
وكان جابر بن محمد البصري يقول: ثنا أبو يَعْلَى العبْديّ فريد عصره. وكان به معرفة الحديث.
وقال غيره: كان إمامًا، زاهدًا، عابدًا، إمامًا في عشرة أنواع من العلم.
قال جابر: تُوُفّي في ثالث عشر رمضان.
قلت: قد أكمل تسعين سنة، ﵀.
٣٣٤- أحمد بن محمد.
أبو بكر بن أبي طالب البغداديّ المقرئ الملقن، ويعرف بابن الكسائي.
стр. 11048
سمع أبا الحسن القزويني، وأبا محمد الخلال.
وعنه: إسماعيل بن السَّمَرْقَنْديّ، وعبد الخالق اليُوسُفيّ.
توفي في ذي الحجة.
٣٣٥- أَحْمَد بن محمد بن إسماعيل بن عليّ١.
أبو الحسن الشُّجاعيّ النَّيْسابوريّ أمين مجلس القضاء بنَيْسابور.
كان من ذوي الرّأي الكامل. ومن الشّافعيّة المتعصّبين لمذهبه.
وكان له ثروة ودُنيا ورئاسة، وولي أوقافًا وأنظارًا، ولم يكن بالمتحرّي فيها. وقد أملى سنين.
وحدَّث عن أصحاب الأصمّ، كابي بكر الحِيريّ، وغيره.
وكان مولده في سنة عشرٍ وأربعمائة. وتُوُفّي في ثامن عشر المحرَّم سنة تسعين.
روى عنه: عبد الغافر بن إسماعيل، ومن "تاريخه" اختصرته؛ ومحمد بن جامع خيّاط الصُّوف، وعمر بن أحمد الصّفّار، ومحمد بن أحمد بن الْجُنَيْد الخطيب، وعبد الخالق بن زاهر، وعبد الله بن الفُرَاويّ، وهبة الرحمن القُشَيْريّ.
روى عنه: عبد الغافر بن إسماعيل.
أمّا:
٣٣٦- أبو حامد أحمد بن محمد الشُّجاعيّ الفقيه٢.
فقد ذكرنا وفاته ببلْخ في سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة. وهو أشهر مِن ذا.
٣٣٧- إبراهيم بن عبد الوهّاب بن محمد بن إسحاق بن مَنْدَهْ٣.
الشّيخ الصّالح أبو إسحاق.
تُوُفّي في ذي الحجة في طريق الحج ﵀.
стр. 11049
سمع: ابن رَيْدة، وأبا يَعْلَى الصّابونيّ، وعدّة.
روى عنه: السِّلَفيّ، وغيره.
٣٣٨- أرغش النّظاميّ١.
الأمير.
مملوك نظام الملك. كان من أكب أمراء دولة بَرْكيارُوق، فزوّجه بنت عمّه.
وثبَ عليه باطنيّ بالرَّيّ فقتله.
٣٣٩- إسماعيل بن عثمان بن عمر٢.
أبو عثمان الإبريسميّ النَّيْسابوريّ.
ذكره عبد الغافر فقال: ثقة صالح مشتغل بالتّجارة.
حدث عن: أبي القاسم السراج، وأبي بكر الحيري، وأبي إسحاق الإسفرائيني.
قلت: روى عنه: عبد الله بن الفُرَاويّ، والعبّاس بن محمد العصاريّ ومحمد بن جامع الصيرفي.
قال عبد الغافر: سمعتُ منه. وتُوُفّي فِي ربيع الأول.
"حرف الباء":
٣٤٠- بُرْسُق الأمير٣.
من كبار الدّولة الملكشاهيّة.
وثَبَ عليه دَيْلَميٌّ من الباطنيّة فضَرَبه بسِكِّينٍ بين كتفَيْه، فقضى عليه.
وكان بُرْسُق من أصحاب طُغْرُلْبَك. وهو أوّل شِحْنة ولي بغدادَ للسَّلْجُوقيّة.
٣٤١- بنجير بن منصور بن عليّ.
أبو ثابت الهَمَذَانيّ. شيخ الصوفية.
стр. 11050
روى عن: شيخه جعفر الأبْهَريّ، ومحمد بن عيسى، وأبي الفضل عمر بن إبراهيم الهَرَويّ، وغيرهم.
قال شيروَيْه: سمعتُ منه عامّة ما مر له. وكان صدوقًا.
تُوُفّي في ذي الحجّة وأنا تولّيتُ غسْله. وكان شيخ وقته، ووحيد عصره في خدمة الفقراء واحتمالهم، ﵀.
قلت: أجاز للسِّلَفيّ.
"حرف الحاء":
٣٤٢- الحسن بن أحمد بن محمد بن إسماعيل الشُّجاعيّ.
النَّيْسابوريّ.
تُوُفّي في المحرم.
٣٤٣- الحسين بن علي بن محمد بن مَسْلَمَة بن نجاح١.
القاضي أبو عليّ الأزْديّ.
سمع: أبا عثمان الصّابونيّ بدمشق.
روى عنه: جمال الإسلام.
وتُوُفّي في ربيع الأوّل.
٣٤٤- الحسين بن محمد بن الحسين.
أبو القاسم الدِّهْقان المقرئ الصَّرِيفينيّ٢؛ صَرِيفين الكوفة. ختم عليه القرآن خلقٌ. وكان أحد العارفين بمذهب زيد بن عليّ. وكان الزَّيْديّة، يستفتونه.
سمع من: جناح بن نذير المحاربيّ، وزيد بن جعفر العلوي.
وحدث، وعاش ستًّا وثمانين سنة.
стр. 11051
روى عنه: ابن السَّمَرْقَنْديّ، وإسماعيل الطَّلْحيّ، وعبد الوهّاب الأنْماطيّ، وأحمد بن سعْد العِجْليّ الهَمَذَانيّ، وغيرهم.
تُوُفّي في المحرَّم.
٣٤٥- الحسين بن محمد بن أحمد.
القزّاز. أبو نصر العتّابيّ.
سمع: عبد الملك بن بشران.
روى عنه: عبد الوهّاب الأنْماطيّ، وغيره.
ومات في صَفَر.
٣٤٦- الحسين بن المظفّر بن الحسن.
أبو عبد الله الصائغ.
ويعرف بصهر ابن لؤلؤ البغداديّ.
مُعَمَّر، وُلِد سنة ثمانٍ وتسعين وثلاثمائة.
وسمع: أبا بكر أحمد بن طلحة المُنَقّيّ.
روى عنه أيضًا: عبد الوهّاب.
وتُوُفّي في خامس المحرَّم.
"حرف الذّال":
٣٤٧- ذو النُّون بن سهل.
أبو بكر الأُشْنانيّ١ الأصبهاني.
سمع: أبا نعيم.
روى عنه: السلفي.
стр. 11052
"حرف السّين":
٣٤٨- سُتَيْك بنتُ الشّيخ أبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصّابونيّ١.
فقيرة، عابدة، صوفية.
ولدت سنة خمس عشرة وأربعمائة.
وسمعت من: أبي الحسن الطّرّازيّ صاحب الأصمّ.
وعنها: عبد الله بن الفُرَاويّ، ومحمد بن عبد الكريم المطرّز.
ماتت في جُمَادى الأولى.
٣٤٩- سعْد بْن عبد الله بْن أَبِي الرجاء محمد بن عليّ:
القاضي أبو المطهَّر بن القاضي الأثير الأصبهاني.
حجّ في هذه السّنة.
وحدث بغداد "بمُسْنَد الحارث"، عن أبي نُعَيّم.
روى عنه: عبد الوهاب الأنْماطيّ، ومحمد بن ناصر.
٣٥٠- سعد بن عبد الرحمن٢.
الفقيه أبو محمد الأسترباذي.
سمع: أبا الحسين الفارسيّ، وأبا حفص بن مسرور الكَنْجَرُوذيّ٣.
وكان فقيهًا بارعًا، إمامًا، مختصًّا، بإمام الحَرَمين.
وتفقّه أيضًا على القاضي حسين المَرْوَرُّوذِيّ.
تُوُفّي في نصف شوّال.
"حرف الشين":
٣٥١- شُعْبة بن عبد الله بن علي٤.
стр. 11053
أبو بكر الطُّوسيّ الأثريّ.
سمع: عبد الرحمن بن حمدان النصروني، وأبا حسّان المزكيّ.
ومات في رجب.
"حرف العين":
٣٥٢- عبد الرَّحْمَن بْن عليّ بن القاسم١.
أبو القاسم الصوفي العدل.
ويُعرف بابن الكامليّ.
سمع: أبا الحسين بن أبي نصر، وأبا عليّ الأهوازيّ، وسُلَيم بن أيّوب، وجماعة.
روى عنه: أبو بكر الخطيب وهو أكبر منه، وغيث الأرمنازي، وابن أخيه أحمد بن الحسين الكامليّ.
وسكن صُور، وبها تُوُفّي في رمضان.
ووُلِد سنة تسع عشرة.
٣٥٣- عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن يوسف٢.
أو نصر الأصبهاني السِّمْسار.
آخر من حدَّث عَنْ أَبِي عَبْد الله محمد بْن إبراهيم الجرجاني.
روى عنه، وعن: عليّ بن ميْلة الفقيه، وأبي بكر بن أبي عليّ الذَّكْوانيّ، وغيرهم.
روى عنه: السِّلَفيّ، وقال: تُوُفّي في المحرَّم.
وسئل عنه إسماعيل الحافظ فقال: شيخ لا بأس به.
стр. 11054
٣٥٤- عبد الرحيم بن أحمد بن عليّ١.
أبو الحسن النَّيْسابوريّ الدرديرانيّ.
شيخ صالح عفيف.
سمع: أبا بكر الحِيريّ، ومن بعده.
وعنه: عبد الغافر، وقال: تُوُفّي في ربيع الأوّل.
٣٥٥- عبد الملك بن منصور بن حمد بن زائدة.
أبو المعاليّ الكاتب.
إصبهانيّ من شيوخ السّلَفيّ القُدماء.
مات في جُمَادى الأولى.
سمع: ابن حَسْنَوَيْه.
٣٥٦- عبد المهيمن بن الحسين بن محمد بن القاسم.
أبو منصور الهاشميّ البغداديّ.
تُوُفّي في حدود هذه السّنة.
سمع: أبا عليّ بن شاذان.
وعنه: عبد الوهّاب الأنْماطيّ، وعمر المَغَازِليّ، وغيرهما.
٣٥٧- عَبْدُوس بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الله بن عَبْدُوس٢.
أبو الفتح بن أبي محمد الرُّوذَبَاريّ٣، الفارسيّ، ثمّ الهَمَذَانيّ.
رئيس هَمَذَان.
سمع: أباه، وعمَّ أبيه عليّ بن عَبْدُوس، ومحمد بن أحمد بن حمدويه
стр. 11055
الدُّوسيّ، شيخ روى عن الأصمّ، وأبا طاهر الحسين بن سَلَمة، ومحمد بن عيسى المحتسب، ورافع بن محمد القاضي، وحمْد بن سهل، وحميد بن المأمون، والحسين بن محمد بن فَنْجُوَيْه.
وسمع بالدِّينَوَر: أبا نصر الكسّار.
وبنَيْسابور: منصور بن رامِش، وأبا عثمان الصّابونيّ، وعبد الغافر الفارسيّ، وجماعة.
أجاز له أبو بكر أحمد بن علي بن لال، وأبو عبد الرحمن السُّلَميّ، وأبو الحسن بن جهضم.
وكان أَسْنَد مَن بقي بهَمَذَان.
حدَّث ببغداد في سنة ستٍّ وستّين، فروى عنه: أبو الحُسين بن الطُّيُوريّ، وأبو القاسم بن السَّمَرْقَنْديّ، وأبو الفضل محمد بن بُنَيْمان الهَمَذَانيّ.
قال شيروَيْه: وسمعتُ من عَبْدُوس، وكان صدوقًا، متقنًا، فاضلًا، ذا حشمةٍ وصِيت؛ حَسَن الخطّ، حُلْو المنطق. كُفّ بصره، وصُمّت أُذُناه في آخر عمره. وسماع القدماء١ منه أصحّ إلى سنة نيفٍ وثمانين.
ومات في جُمَادى الآخرة، وأنا غسّلته.
وقال: وُلِدتُ سنة خمسٍ وتسعين وثلاثمائة.
وقال محمد بن طاهر: لمّا دخلت هَمَذَان بأولادي، كنتُ سمعتُ أنّ "سُنَن النَّسَائيّ" يرويه عَبْدوُس، فقصدته، وأَخْرَج إليَّ الكتاب، والسّماع فيه ملحقٌ بخطّه، سماعًا طريًّا. فامتنعت من قراءته. وبعد مدّة خرجت بابني أبي زُرْعة إلى الدُّونيّ٢، وقرأته على هارون بن حمْدله.
قلت: أبو زُرْعة آخِر من روى عن عَبْدُوس، وله عنه جزءان من حديث الأصمّ، رواهما عبد اللّطيف بن يوسف، عنه.
وأنا التّاج عبد الخالق، عن الموفّق، عن أبي زُرْعة، عن عبدوس بحديثٍ واحد.
стр. 11056
٣٥٨- عليّ بن طاهر بن أحمد بن الملقّب.
أبو الحسن الموصلي البزار.
سمع: أبا الحسن محمد بن محمد بن مَخْلَد.
روى عنه: ابنه إسماعيل، وعبد الوهّاب الأنماطي، وإسماعيل السَّمَرْقَنْديّ.
وقرأ القرآن على ابن شِيطا.
وتُوُفّي في رجب، وله ستٌ وثمانون سنة.
٣٥٩- عليّ بن عبد الملك.
أبو الحسن الدّبيقيّ المالكيّ.
مات بعكاء في جُمَادى الأولى.
ورّخه هبة الله بن الأكفانيّ.
٣٦٠- عليّ بْن مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن عليّ الحاكم١.
أبو الحسن الأشقر.
نَيْسابوريّ صالح.
روى عن: أبي نصر المفسّر صاحب الأصمّ، وغيره.
وتُوُفّي في ربيع الآخر.
٣٦١- عليّ بْن محمد بْن عُبَيْد الله٢.
أبو القاسم الْجُوزجانيّ النَّيْسابوريّ.
سمع: أَبَا القاسم عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السّرّاج.
روى عنه: عبد الله بن الفُرَاويّ، ومنصور بن محمد الصّاعديّ، وعائشة بنت الصّفّار.
مات في جمادى الآخرة.
стр. 11057
"حرف الفاء":
٣٦٢- الفضل بن عبد الواحد الأصبهاني الخبّاز.
يروى عن: أبي نُعَيْم.
روى عنه: أبو طاهر بن سِلَفَة، وقال: مات فِي ذي الحجَّة.
٣٦٣- الفضل بْن محمد بن أحمد بن سعيد الحدّاد.
أخو أبي الفتح الحدّاد الأصبهاني.
روى عن: أبي بكر بن عليّ الذَّكْوانيّ، وعليّ بن عبدكوَيْه، والحسين بن إبراهيم الجمّال.
وعنه: السِّلَفيّ، وقال: مات في ذي القعدة.
"حرف الكاف":
٣٦٤- كمشتكين الرومي.
عتيق بن مروان الأصبهاني، يكنى أبا طاهر.
تُوُفّي غريبًا بالبصرة.
روى عن: أبي القاسم بن البُسّريّ.
وعنه: السِّلَفيّ.
"حرف الميم":
٣٦٥- ماجد بن عليّ.
أبو الجيش الأعْرَابيّ الضّبيّ.
حدَّث في هذا العام بإصبهان.
سمع سنة عشر وأربعمائة من أبي بكر الذَّكْوانيّ.
وعنه: عبد الله بن علي الطامذي١.
стр. 11058
المجلد الرابع والثلاثون
الطبقة الخمسون
أحداث سنة إحدى وتسعين وأربعمائة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الطبقة الخمسون:
أحداث سنة إحدى وتسعين وأربعمائة:
ابتداء دولة الإفرنج:
قَالَ ابن الأثير: ابتداء دولة الإفرنج، لعنهم اللَّه، في سنة ثمان وسبعين فملكوا طُلَيْطُلَة وغيرها من الأندلس، ثمّ قصدوا صقلية في سنة أربع وثمانون فملكوها، وأخذوا بعض أطراف إفريقية.
بدء حملات الإفرنج إلى بلاد الشام:
وخرجوا في سنة تسعين إلى بلاد الشّام، فجمع ملكهم بردويل جَمْعًا كثيرًا، وبعث إلى الملك رُجَار صاحب صِقِلّية يَقُولُ: أَنَا واصل إليك وسائرٌ من عندك إلى إفريقية أفتحها، وأكون مجاورًا لك، فاستشار رُجَار أكابر دولته، فقالوا: هذا جيّد لنا وله، وتصبح البلاد بلاد النّصرانيّة، فضرط١ ضرطةً وقال: وحقّ ديني هذا خيرٌ من كلامهم.
قَالُوا: ولِمَ ذلك؟
قال: إذا وصل احتاج إلى كلْفة كبيرة ومراكب وعساكر من عندي فإن فتحوا إفريقية كانت له ويأخذون أكثر مُغَلّ بلادي، وإن لم يفتحوا رجعوا إلى بلادي وتأذَّيْت. ويقول تميم يعني ابن بادريس: غدرت ونقضت العهد ونحنُ إنْ وجدنا قوة أخذنا إفريقية. ثمّ أحضر الرَّسُول، إذا عزمتم عَلَى حرب المسلمين فالأفضل فتح بيت المقدس، تخلّصونه من أيديهم، ويكون لكم الفخر، وأمّا إفريقيّة فبيني وبين صاحبها عُهُود وأَيْمان. فتركوه وقصدوا الشّام.
وقيل: إنّ صاحب مصر لمّا رأى قوّة السَّلْجُوقيّة واستيلائهم عَلَى الشام ودخول أَتْسِز إلى القاهرة وحصارها، كاتب الإفرنج يدعوهم إلى المجيء إلى الشام ليملكوه.
стр. 11059
عبور الإفرنج خليج القسطنطينية إلى أنطاكية:
وقيل: إنهم عبروا خليج القسطنطينية وقدموا إلى بلاد قليج أرسلان بْن سلمان بْن قُتُلْمش السَّلْجوقيّ، فالتقاهم، فهزموه في رجب سنة تسعين. واجتازوا ببلاد ليون الأرمني فَسَلكوها. وخرجوا إلى أنطاكية فحاصروها، فخاف ياغي سِيان من النَّصارى الذين هُمْ رعيته، فأخرج المسلمين خاصّة لعمل الخندق أيضًا، فعملوا فيه إلى العصر، ومنعهم من الدخول، وأغلق الأبواب، وأَمِن غائلة النّصارى. وحاصرته الإفرنج تسعة أشهر، وهلك أكثر الإفرنج قتلًا وموتًا بالوباء وظهر من شجاعة ياغي سيان وحزْمه ورأيه ما لم يُشاهد من غيره، وحفظ بيوت رعية النّصارى بما فيها. ثمّ إنّ الإفرنج راسلوا الزّرّاد أحد المقدَّمين، وكان متسلّمًا برجًا من الوادي، فبذلوا لَهُ مالًا، فعامد عَلَى المسلمين يطلعوا إلى أن تكاملوا خمسمائة، فضربوا البوق وقت السَّحَر، ففتح ياغي سيان الباب، وهرب في ثلاثين فارسًا، ثمّ هرب نائبه قي جماعة.
استباحة الإفرنج أنطاكية:
واستُبيحت أنطاكية فإنا لله وإنا إِلَيْهِ راجعون، وذلك في جُمَادَى الأولى من سنة إحدى وتسعين. وأُسْقِط في يد يغيسيان صاحبها، وأكل يديه ندمًا حيث لم يعد ويقاتل عَنْ حُرَمه حتّى يقتل. فلشدة ما لحقه سقط مغشيا عَلَيْهِ، وأراد أصحابه أنّ يُرْكِبُوه، فلم يكن فيه حَيْلٌ يتماسك بِهِ، بل قد خارت قوّته فتركوه ونجوا. فاجتاز بِهِ أَرمنيّ حطّاب، فرآه بآخر رَمَق، فقطع رأسه وحمله إلى الإفرنج.
رواية سبط ابن الجوزي:
وقال صاحب "المرآة": وكثر النّفير عَلَى الإفرنج، وبعث السّلطان بَرْكِيارُوق إلى العساكر يأمرهم بالميسر إلى عميد الدّولة للجهاد. وتجهّز سيف الدّولة فمنعه ابن مُزْيَد. فجاءت الأخبار إلى بغداد بأنّ أنطاكية أُخذت، وأنّ الإفرنج صاروا إلى المعرة،
стр. 11060
وكانوا في ألف ألف إنسان، فنصبوا عليهم السّلالم، ودخلوها، وقتلوا منها مائة ألف إنسان، وسبوا مثل ذلك، وفعلوا بكفر طاب كذلك. قلت: دافع أهل المَعَرّة عَنْهَا وقاتلوا قتال موت حتى خذلوا، فقتل بها عشرون ألف، فهذا أصحّ.
رواية ابن القلانسي:
وقال أبو يَعْلَى بْن قلانسيّ: وأمّا أنطاكيّة فقُتِل بها وسُبِي بها من الرجال والنّساء والأطفال ما لم يدركه حصر. وهرب إلى القلعة تقديرُ ثلاثة آلاف تحصنوا. قَالَ أبو يَعْلَى: وبعد ذَلِكَ أخذوا المَعَرّة في ذي الحجّة.
رواية ابن الأثير:
قَالَ ابن الأثير: ولمّا سمع قوام الدولة كبر بوقا صاحب المَوْصِل بذلك، جمع الجيوش وسار إلى الشّام، ونزل بمرج دابق فاجتمعت معه عساكر الشام، تُركها وعَرَبُها سوى جُنْد حلب. فاجتمع معه دقاق وطغتكين أتابك، وجناح الدّولة صاحب حمص، وأرسلان صاحب سُنْجار، وسليمان بْن أُرْتُق وغيرهم، فعظمت المصيبة عَلَى الإفرنج، وكانوا في وهْن وقَحْط. وسارت الجيوش فنازلتهم. ولكن أساء السّيرةَ كبربوقا في المسلمين، وأغضب الأمراء وتحامق، فأضمروا لَهُ الشّرّ، وأقامت الإفرنج في أنطاكيّة بعد أنّ ملكوها ثلاثة عشر يومًا، وليس لهم ما يأكلونه، وأكل ضعفاؤهم الميتة وورق الشجر، فبذلوا البلد بشرط الأمان، فلم يعطهم كبربوقا.
حربة المسيح ﵇ المزعومة:
وكان بردويل، وصنجيل وكندفري، والقمص صاحب الرُّها وبَيْمُنْت صاحب أنطاكيّة، ومعهم راهب يراجعون إلَيْهِ، فقال: إنّ المسيح كانت لَهُ حَرْبَةٌ مدفونة بأنطاكية، فإن وجدتموها نُصِرْتُم، ودفن حرْبةً في مكانٍ عفّاه، وأمرهم بالصَّوم والتّوبة ثلاثة أيام، ثم أدخلهم في مكان، أمر بحفْره، فإذا بالحَرْبة، فبشّرهم بالظَّفَر وخرجوا للقاء، وعملوا مصافًا، فولّى بعض العساكر حرب كبربوقا، لِما في قلبهم منه، وما كَانَ ذا وقت ذا، فاشتغل بعضهم ببعض، ومالت عليهم الإفرنج فهزمتم، وهربوا من غير أن يقاتلوا، فظنت الإفرنج أنها مكيدة، إذا لم يجر قتال يوجب الهزيمة. وثبت
стр. 11061
جماعة من المجاهدين، وقاتلوا خشية، فحطمتهم الإفرنج، واستشهد يومئذ ألوف، وغنمت الإفرنج من المسلمين معظم ثقلهم ودوختهم.
دخول الإفرنج المَعَرّة:
ثمّ ساروا إلى المَعَرّة فحاصروها أيامًا، ثمّ دخل المسلمين فشل هلع، وظنوا أنهم إذا تحصنوا بالدُّور الكبار امتنعوا بها، فنزلوا من السور إلى الدور، فرآهم طائفة أخرى، ففعلوا كفعلهم، فخلا مكانهم من السُّور، فصعدت الإفرنج عَلَى السّلالم، ووضعوا فيهم السيف ثلاثة أيّام، وقتلوا ما يزيد عَلَى مائة ألف، وملكوا جميع ما فيها.
محاصرة الإفرنج عرقة:
وساروا إلى عرقة، فحصروها أربعة أشهر، ونقّبوا أماكن، ثمّ صالحهم عليها صاحب شيزر ابن منقذ.
منازلة الإفرنج حمص:
فساروا ونازلوا حمص، ثمّ صالحهم جناح الدولة عَلَى طريق عكا.
شغب الْجُنْد عَلَى السلطان بَركيَارُوق:
وفيها شغب الْجُنْد عَلَى السلطان بَركيَارُوق وقالوا: لا نسكت لك حتّى تسلّم لنا مجد المُلْك القُمّيّ المستوفي -وكان قد أساء السّيرة، وضيّق الأرزاق-. فقال: واللَّه لا أمكنهم منك. وعزم إلى إخفائه، فقيل لَهُ: متي خرج عنك قتلوه، ولكن اشفع فيه. فبعثه وقال للأمراء: السلطان يشفع إليكم فيه فثاروا بِهِ وقتلوه. ثمّ جاءوا وقبلوا الأرض من بين يدي بَركيَارُوق، فسكت.
خروج بيت المقدس من يد ابن أُرْتُق:
وقال أبو يَعْلَى: وسار أمير الجيوش أحمد حتّى نازل بيت المقدس وحاصره، وأخذه من سقمان بن أرتق١.
стр. 11062
أحداث سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة:
مقتل أُنَرْ عامل بَركيَارُوق:
لمّا سار السلطان بَركيَارُوق إلى خُراسان، استعمل أُنَرْ عَلَى فارس وبلادها، وكان قد تغلب عليها خوارج الأعراب، واغتضدوا بصاحب كرْمان ابن قاروت، فالتقاهم أُنَرْ، فهزموه وجاءَ مَفْلُولًا. ثمّ ولي إمارة العراق، يعني قبل بَركيَارُوق، فأخذ يكاتب الأمراء المجاورين لَهُ، وعسكر بأصبهان، ثم سار إلى إقطاعه بأذربيجان، وقد عاد، وانتشرت دعوة الباطنية بأصبهان، فانتدب لقتالهم، وحاصر قلعةً لهم بأرض أصبهان. واتصل به مؤيد الملك ابن نظام الملك، وجرت له الأمور. ثمّ كاتب غياث الدين محمد بْن ملكشاه، وهو إذ ذاك بكنجة، ثمّ سار إلى الرّيّ في نحو عشر آلاف، وهَمَّ بالخروج على بركياروق، فوثب عليه ثلاثة فقتلوه في رمضان بعد الإفطار. فوقعت الصيحة ونهبت خزائنه، تفرق جَمْعُه، ثمّ نقل إلى إصبهان، فدفن في داره.
استيلاء الإفرنج عَلَى بيت المقدس:
وفيها أحدق الإفرنج ببيت المقدس. لما كَسَرَت الإفرنج خذلهم اللَّه، المسلمين عَلَى أنطاكية في العام الماضي قووا وطغوا، وكان تاج الدّولة تتش قد استولى عَلَى فلسطين وغيرها، وانتزع البلاد من نُوّاب بني عُبَيْد، فأقطع الأمير سُقْمان بْن أُرْتُق التُّرْكيّ بيتَ المقدس، فرتبه وحصّنه، فسار الأفضل بْن بدر أمير الجيوش، فحاصر الأمير سُقْمان وأخاه إيلغازي، ونصبوا عَلَى القدس نيفًا وأربعين منجنيقًا، فهدموا في سوره. ودام الحصار نيفًا١ وأربعين يومًا، وأخذوه بالأمان في شَعْبان سنة تسع وثمانين. وأنعم الأفضل عَلَى سُقْمان وأخيه، وأجزل لهم الصِّلات. فسار سُقْمان واستولى عَلَى الرُّها، وذهب أخوه إلى العراق. ووُلّي عَلَى القدس افتخار الدّولة، فدام فيه إلى هذا الوقت. وسارت الجيوش النصرانية من حمص،
стр. 11063
ونازلت عكّا أيّامًا، ثمّ ترحّلوا وأتوا القدس، فحاصروه شهرًا ونصف، ودخلوا من الجانب الشمالي ضحوة نهار الجمعة لسبعٍ بقين من شَعْبان، واستباحوه، فإنا لله وإنا إِلَيْهِ راجعون. واحتمى جماعة ببرج دَاوُد، ونزلوا بعد ثلاثٍ بالأمان، وذهبوا إلى عَسْقَلان.
رواية ابن الأثير عَنْ دخول الإفرنج بيت المقدس:
قَالَ ابن الأثير: قتلت الإفرنج بالمسجد الأقصى ما يزيد عَلَى سبعين ألفًا، منهم جماعة من العلماء والعبّاد والزُّهّاد، وممّا أخذوا أربعين قِنْديلًا من الفضّة، وزن القنديل ثلاثة آلاف وستمائة درهم. وأخذوا تنُّورًا١ من فضة، وزنه أربعون رِطْلًا بالشّاميّ، وغنموا ما لا يُحْصَى.
وورد المستنفرون من الشام إلى ببغداد صحبة القاضي أَبِي سعْد الهَرَوِيّ، فأوردوا في الديوان كلامًا أبكى العيون وجرح القلوب. وبعث الخليفة رُسُلًا، فساروا إلى حلوان، فبلغهم قتل مجد الملك الباسلانيّ، فردّوا من غير بلوغ أربٍ، ولا قضاء حاجة، واختلف السلاطين، وتمكنت الإفرنج من الشام.
وللأَبِيوَرْدِيّ:
مزجنا دماء بالدموع السواجم ... فلم يبق منا عرضة للمراحم
وشر سلاح المرء دمع يفيضه ... إذا الحرب شبت نارها بالصوارم
فإيها بني الإسلام، إنّ وراءكم ... وقائع يلحقن الذرى بالمناسم
أتهويمةٌ في ظل أمنٍ وغبطةٍ ... وعيش كنوار الخميلة ناعم
وكيف تنام العين ملء جفونها ... عَلَى هفوات أيقظت كلّ نائم؟
وإخوانكم بالشام يضحي مقيلهم ... ظهور المذاكي أو بطون القشاعم
تسومهم الروم الهوان وأنتم ... تجرون ذيل الخفض فعل المسالم
فكم من دماءٍ قد أبيحت، ومن دمي ... توارى حياءً حسنها بالمعاصم
بحيث السيوف البيض محمرة الظبا ... وسمر العوالي داميات اللهاذم
стр. 11064
يكاد لهن المستجن بطيبةٍ ... ينادي بأعلى الصوت: يا آل هاشم
أرى أُمتي لا يشرعون إلى العدى ... رماحهم، والدين واهي الدعائم
ويجتنبون النار خوفًا من الردى ... ولا يحسبون العار ضربة لازم
أترضى صناديد الأعاريب بالأذى ... وتغضي على ذلِّ كماة الأعاجم
فليتهم لم يردوا حمية ... عن الدين ضنوا غيرة بالمحارم
رواية سبط ابن الجوزي:
قَالَ أَبُو المظفّر سبط ابن الْجَوْزيّ: سارت الإفرنج ومقدمهم كُنْدفْري في ألف ألف، بينهم خمسمائة ألف مقاتل، عملوا برجين من خشب مُطلين عَلَى السور، فأحرق المسلمون البرج الّذي كَانَ بباب صهيون، وقتلوا من فيه، وأمّا الآخر فزحفوا بِهِ حتى ألصقوه بالسور وحكموا بِهِ عَلَى البلد وكشفوا من كَانَ بإزائهم، ورموا بالمجانيق والسّهام رمية رجلٍ واحدٍ، فانهزم المسلمون من السور. قلت: هذه مجازفة بينة، بل قَالَ ابن منقذ: إنّ جزءًا كَانَ بخيل، وإن قومًا وقفوا عَلَى سورها بأمر الوالي في مضيق لا يكاد يعبر منه إلّا واحدٌ بعد واحد.
قَالَ: فكان عدد خيلهم ستة آلاف ومائة فارس، والرجالة ثمانية وأربعون ألفًا. ولم تزل دار الإسلام منذ فتحها عُمَر -رضى الله عنه. وكان الأفضل لما بلغه نزولهم عَلَى القدس تجهز وسار من مصر في عشرين ألف، فوصل إلى عسقلان ثاني يوم الفتح، ولم يعلم. وراسل الإفرنج.
قَالَ ابن الأثير: فأعادوا الرَّسُول بالجواب، ولم يعلم المصريون بشيء فبادلوا السلاح بالخيل، وأعجلتهم الإفرنج فهزموهم، وقتلوا منهم من قُتِل، وغنموا خيامهم بما فيها. ودخل الأفضل عسقلان، وتمزق أصحابه. فحاصرته الإفرنج بعسقلان، فبذل لهم ذهبًا كثيرًا، فردوا إلى القدس. قال أبو يعلى بن القلانسيّ: قتلوا بالقدس خلقًا كثيرًا وجمعوا اليهود في الكنيسة وأحرقوها عليهم، وهدموا المساجد.
ابتداء دولة محمد بْن ملكشاه:
وفيها ابتداء دولة محمد بن ملكشاه. لمّا مات أبوه ببغداد سار مَعَ أخيه محمود والخاتون تركان إلى إصبهان، ثمّ إنّ أخاه بَركيَارُوق أقطعه كنجة، وجعل لَهُ أتابكًا،
стр. 11065
فلما قوي محمد قتل أتابك قتلغ تكين، واستولى عَلَى مملكة أرّان، وطلع شهمًا شجاعًا مهيبًا، قطع خطبة أخيه، واستوزره مؤيد الملك عَبْد اللَّه بن نظام المُلْك. فإنه التجأ إِلَيْهِ بعد قتل مخدومه أُنَرْ. واتفق قتل مجد الملك الباسلاني، واستيحاش١ العسكر من بَركيَارُوق، ففارقوه وقدموا عَلَى محمد، وكثر عسكره فطلب الرّيّ، وعرّج أخوه إلى إصبهان، فعصوا عَلَيْهِ، ولم يفتحوا لَهُ، فسار إلى خوزستان. وأما محمد فاستولى عَلَى الرّيّ وبها زبيدة والدة السلطان بَركيَارُوق، فسجنها مؤيد الملك الوزير، وصادرها وأمر بخنقها. ولكن أظفر اللَّه بَركيَارُوق بالمؤيد فقتله.
الخطبة للسلطان محمد:
وسار سعْد الدولة كوهرائين من بغداد إلى خدمة السلطان محمد، فخلع عَلَيْهِ وردّه إلى بغداد نائبًا لَهُ، وأقيمت الخطبة ببغداد، ولقب "غياث الدنيا والدين" في آخر السنة.
الغلاء والوباء بخراسان:
وفيها، وفي العام الماضي، كَانَ بخراسان الغلاء المفرط٢، والوباء، حتى عجزوا عن الدفن، وعظم البلاء.
نقل المُصْحَف العُثْمانيّ من طبرية إلى جامع دمشق:
وفيها نقل الأتابك طغتكين من طبرية المُصْحَف العُثْمانيّ خوفًا عَلَيْهِ إلى دمشق، وخرج النّاس لتلقيه، فأقره في خزانةٍ بمقصورة الجامع٣.