وسمع: أبا محمد الجوهريّ، وجماعة.
وحدَّث بإصبهان، ونهاوند.
روى عَنْهُ: مَهْديّ بْن إسماعيل الْعَلَويّ.
وتُوُفّي في المحرَّم.
٢٥٥- حَمْدُ بْن نصر بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن معروف١. أبو العلاء الأديب، ويُعرف بالأعمش.
هَمَذَانيّ، حافظ، مُكثِر، ثقة.
سَمِعَ بهَمَذَان مِن: عُبَيْد الله بْن أَبِي عَبْد الله بْن مَنْدَهْ، وأبي مُسْلِم بْن غزو النهاوندي، وأبي محمد بن ماهلة.
وولد في سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة.
قَالَ أبو سَعْد السّمعانيّ: أجاز لي في ذي القِعْدة سنة تسعٍ.
قلت: روى عَنْهُ: السّلَفيّ، وأبو العلاء العطّار، وجماعة.
وكان مَعَ بصره بالحديث عارفًا بمذهب أحمد، ناصرًا للسُّنّة، وافر الحُرْمة.
أملى عدّة مجالس مِن حفظه، رحمه الله تعالى.
وكان أحد الأدباء بارعًا في فضائله. وقع لنا من روايته في السلماسية، مات سنة اثنتي عشرة. وسيُعاد فيُضمّ ما هنا إلى هناك.
"حرف الشين":
٢٥٦- شِيرَوَيْه بْن شُهْردَار بْن شِيرَوَيْه بْن فَنّاخسرو بن خَسْرُكان٢. الحافظ، أبو شجاع الدَّيْلَميّ، الْهَمَذَانيّ، مؤرّخ هَمَذَان، ومصنف كتاب "الفِرْدوس".
سَمِعَ الكثير بنفسه، ورحل.
стр. 11412
سَمِعَ: أبا الْفَضْلُ محمد بن عثمان القُومَسَانيّ، ويوسف بْن محمد بْن يوسف المستملي، وسُفْيان بْن الحُسَيْن بْن محمد بْن فَنْجُوَيْه الدّيَنَوريّ، وعبد الحميد بْن الْحَسَن الفقاعي الدلال، وأبا الْفَرَج علي بن مُحَمَّد بن علي الجريري الْبَجَليّ، وأحمد بْن عيسى بْن عبّاد الدّيَنَوريّ، وخلقًا سواهم.
وببغداد: أبا منصور عَبْد الباقي بن محمد العطار، وأبا القاسم بن البسري، وخلقًا.
وبإصبهان: أبا عَمْرو بْن مَنْدَهْ، وغيره.
وبقزوين والجبال.
قَالَ فيه يحيى بْن مَنْدَهْ: شاب كيّس، حسن الخلق والخُلُق، زكيّ القلب، صلْب في السُّنَّة، قليل الكلام.
روى عَنْهُ ابنه شهردار، ومحمد بْن الْفَضْلُ الإسْفرائينيّ، ومحمد بن أبي القاسم الساوي، وأبو العلاء أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن الْفَضْلُ الحافظ، وآخرون.
وتُوُفّي في تاسع عشر رجب.
وهو متوسط المعرفة، وليس هُوَ بالمُتْقِن.
وُلِد سنة خمس وأربعين وأربعمائة. وكان صلْبًا في السُّنَّة.
دخل إصبهان في سنة خمس وخمسمائة، فروى عَنْهُ أبو موسى الْمَدِينيّ، وطائفة.
"حرف الصاد":
٢٥٧- صَدَقة بْن محمد بْن صَدَقة. أبو الْكَرَم الإسكاف.
شيخ صالح بغداديّ.
سَمِعَ: أبا يَعْلَى بْن الفرّاء، وأبا الحُسَيْن بْن المهتدي بالله.
روى عَنْهُ: عُمَر بْن ظَفَر.
"حرف الظاء":
٢٥٨- ظفر بن عبد الملك. الخلال، والأصبهاني.
стр. 11413
ورّخه عبد الرحيم الحاجّيّ.
تُوُفّي في ربيع الأوّل.
كأنّه أخو الحُسَيْن.
"حرف العين":
٢٥٩- عَبْد الله بن بننان١. أبو محمد النَّحْويّ، نزيل إشبيلية.
روى عَنْهُ: أَبِي عَبْد الله بْن يونس الحجازيّ، وعاصم بْن أيّوب، وابن الحجاج الأعلم.
روى عَنْهُ: أبو الوليد بْن خيرة، وأبو عامر بْن ربيع الأشعريّ، وهارون بْن أبي الْغَيْث، وأبو الحسن بن فيل.
وكان حافظًا لكتب الآداب، ذاكرًا "للكامل" للمبردّ، "وأمالي القالي".
علّم النّاسَ النَّحْو بقُرْطُبَة.
وكان حيا في هذه السنة. قاله ابن الأبّار.
٢٦٠- عبد الرَّحْمَن بن عبد العزيز بْن ثابت٢. أبو محمد الأُمَويّ، الأندلسيّ. خطيب شاطبة.
روى كثيرًا عَنْ أَبِي عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ.
وعن: أَبِي العبّاس العُذْريّ.
وكان زاهدًا، ورِعًا، فاضلًا، منقبضًا.
سَمِعَ منه جماعة، ورحلوا إِليْهِ، واعتمدوا عَليْهِ.
وُلِد سنة ست وأربعين وأربعمائة.
وقال: زارنا ابن عَبْد الْبَرّ مرّةً في منزلنا، فحفظت مِن لفظه يَقُولُ:
لَيْسَ المزارُ عَلَى قدْر الودادِ ولو ... كانا كفيّيْن كنّا لا نزال معًا
стр. 11414
٢٦١- عَبْد الله بْن عَبْد العزيز بْن المؤمّل. الأديب، أبو نصر الزَّيْتُونّي.
كَانَ إخباريا، علّامة.
روى عن: أحمد بن عمر النهرواني، وعلي بْن محمود الزّوزَنيّ، ومحمد بْن الحُسَيْن بْن الشّبْل، وجماعة مِن الشُّعراء.
روى عنه: عبد الخالق اليوسفي، وعبد الرحيم ابن الإخوة، والسّلَفيّ، وآخرون.
قَالَ السّمعانيّ: ما كَانَ مَرْضِيّ السّيرة. كَانَ جماعة مِن شيوخي يسيئون الثّناء عَليْهِ.
تُوُفّي في ذي القِعْدة، وله تسعون سنة.
٢٦٢- عَبْد الوهّاب بْن أحمد بْن عُبَيْد الله بْن الصَّحْنائيّ١. أبو غالب المستعمل.
عَنْ: جدّه لأمّه عَبْد الوهّاب بْن أحمد الدّلّال، وابن غَيْلان، وعبد العزيز الأَزَجيّ، وعدّة.
وعنه: عُمَر المغازليّ، وآخرون.
مات في ذي الحجّة عن تسعين سنة.
٢٦٣- عليّ بْن أحمد بْن سعيد٢. أبو الْحَسَن الْيَعْمريّ، الشّاعر، الأندلسيّ، الأديب.
أخذ بقُرْطُبَة عَنْ أَبِي مروان بْن سِراج.
وأقرأ العربيّة والأدب.
وكان كاتبًا، شاعرا، فقيهًا.
توفي وهو في عشر الثمانين.
٢٦٤- عليّ بْن عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد٣. أَبُو الْحَسَن النيسابوري، الواعظ.
стр. 11415
وأصلة من إصبهان.
سمع: أبا حفص بن مسرور، وأبا الحسين بن عبد الغافر، وغيرهما.
قال السلفي: بلغني أنه تُوفي سنة تسع وخمسمائة.
وقال ابن عساكر: أجاز لي سنة عشر.
قلت: سأعيده سنة عشر.
٢٦٥- عليّ بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه١. أبو الْحَسَن الْجُذَاميّ، الأندلسي، مِن أهل الْمَريّة، ويُعرف بالْبَرْجيّ، بفتح الباء.
أخذ القراءات عن: أبي داود، وابن الدش.
وسمع مِن أبي عليّ الغسّانيّ.
وكان مقرئًا حاذقًا، وفقيهًا، مُفْتيا، مِن أهل الخير، والصّلاح، والتّفنُّن في العِلْم.
قَالَ ابن الأبّار: دارت لَهُ مَعَ قاضي الْمَريّة مروان بْن عَبْد المُلْك قصّة غريبة في إحراق ابن حمْدين كتب الغزالي وأوجب فيها حين اسفتي تأديب مُحرقها، وضمّنه قيمَتَها. وتبِعه عَلَى ذَلِكَ أبو القاسم بْن ورد، وعمر بْن الفصيح.
أخذ عَنْهُ: عُمَر بْن نَمارة، والشّيخ أبو العبّاس بْن العريف.
٢٦٦- عَلِيّ بْن مُحَمَّد بْن عَلِيّ. أَبُو الْحَسَن الأنْدش، النَّيْسابوريّ، الشّعريّ.
وُلِد سنة خمس عشرة وأربعمائة.
وسمع: أبا العلاء صاعد بْن محمد، وابن مسرور.
قال السمعاني: حضرت عليه "جزء ابن نُجَيْد".
ومات في رمضان.
"حرف الغين":
٢٦٧- غْيث بْن عليّ بن عبد السلام بْن محمد٢.
стр. 11416
أبو الفَرَج الصُّوري، الأَرْمَنَازيّ. خطيب صور، ومحدّثها مُفيدها.
سَمِعَ: أبا بَكْر الخطيب، وعليّ بْن عُبَيْد الله الهاشميّ، وجماعة.
وقدم دمشق، وسمع: أبا نصر بْن طلاب، وأبا الحَسَن أحمد بْن عَبْد الواحد بْن أَبِي الحديد، وجماعة.
ورحل إلى تِنّيس، فسمع بها في سنة تسعٍ وستّين مِن: رمضان بْن عليّ.
وبمصر، والإسكندرية.
وكتب الكثير، وسوَّد تاريخًا لصُور. وكان ثقة، ثْبتًا، حسن الخطّ.
روى عَنْهُ: شيخه الخطيب شِعْرا.
وسكن دمشق في الآخر، وبها تُوُفّي في صَفَر، وله ستٌّ وستون سنة.
وروى عَنْهُ: أبو القاسم بْن عساكر، وجماعة.
"حرف القاف":
٢٦٨- قوام بْن زيد بْن عيسى١. الإمام أبو الفَرَج الْقُرَشِيّ، التَّيْميّ، البكْريّ، الدّمشقيّ، المُرّيّ، الفقيه الشّافعيّ.
سَمِعَ: أبا بَكْر الخطيب بدمشق، والصَّريْفينيّ، وابن الَّنُّقور ببغداد.
روى عنه: الصّائن بْن عساكر، وأخوه الحافظ، وعبد الصّمد بن سعد النسوي، وغيرهم.
قال الحافظ ابن عساكر: كَانَ شيخًا ثقة. حدَّث عَنْهُ الفقيه نصر الله المصيصي. وتوفي في رمضان، وحضرتُ دفنه.
قلت: عاش سبْعًا وسبعين سنة.
"حرف الميم":
٢٦٩- محمد بْن الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْحَسَنِ بْن القاسم الزَّيْنَبيّ بْن إبراهيم طباطبا بْن إسماعيل.
стр. 11417
العلويّ الإصبهانيّ.
شيخ جليل مَعْمَر.
يروي عَنْ: أبي سَعْد عَبْد الرَّحْمَن بْن أحمد بْن عُمَر الصَّفّار.
روى عنه: أبو موسى المَدِينيّ.
وتُوُفّي في ثاني رمضان.
كنيته أبو العسّاف.
٢٧٠- محمد بْن الخلف بْن إسماعيل١. أبو عَبْد الله الصَّدّفيّ، البَلنْسيّ، المعروف بابن علْقَمَة الكاتب.
صنَّف "تاريخ بَلَنْسِيَة"، وحمله النّاس عَنْهُ عَلَى سوء ما رصفه.
تُوُفّي في شوّال، وقد جاوز الثمانين.
٢٧١- محمد بْن أَبِي العافية٢.
أبو عَبْد الله الإشبيليّ النَّحْويّ، المقرئ.
إمام جامع إشبيلية.
أخذ عن: أبي لحجاج الأعلم النَّحْويّ.
وكان بارعًا في النَّحْو، واللغة.
حمل النّاس عَنْهُ. وقد قرأ بالقراءات عَلَى أَبِي عَبْد الله محمد بْن شُرَيح.
٢٧٢- محمد بن علي بن الحسن بن أبي المضاء محمد بْن أحمد بْن أبي المضاء٣. أبو المضاء البَعْلَبَكّيّ، ويُعرف بالشّيخ الدَّيّن.
سَمِعَ: أبا بَكْر الخطيب، وعبد العزيز الكتّانيّ، وجماعة.
روى عنه: الصائن هبة الله.
стр. 11418
وأجاز للحافظ أبي القاسم.
تُوُفّي في شَعْبان وله أربعٌ وثمانون سنة. وأول سماعه سنة ست وأربعين وأربعمائة.
٢٧٣- محمد بْن سَعْد١. الإمام أبو بَكْر البغداديّ، الحَنْبليّ، الغسّال، المقرئ، الملقّب بالتّاريخ.
حدَّث عَنْ: أَبِي نصر الزَّيْنَبيّ، وعدّة.
وكان رأسًا في حفْظ القرآن، وحسن الصَّوت، خيّرا، ثقة، صالحًا. كبير القدْر، محسنًا إلى النّاس.
كانت جنازته مشهودة.
عاش بِضْعًا وأربعين سنة.
٢٧٤- محمد بْن كُمار بْن حسن بْن عليّ. الفقيه أبو سَعِيد الدّيَنَوريّ، ثمّ البغداديّ.
قَالَ: وُلِدتُ سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، وكانت زَوْجَة أَبِي بَكْر الخطيب تُرضِعُني، فلمّا كبرت أسمعني مِن: ابن غَيْلان، وأبي محمد الخلّال، وأبي إسحاق البرمكيّ، وأبي الحَسَن القالي، وغيرهم.
وقرأتُ القرآن عَلَى أَبِي الحَسَن القَزْوينيّ، وسمعت منه الحديث.
وقرأت "المقنع" عَلَى القاضي أبي الطَّيّب الطَّبَريّ، ثمّ علّقت تعليقة كاملة في الخلاف عَنْ أَبِي إسحاق الشّيرازيّ، وقرأت الفرائض على أبي عبد الله الوني، إلا أن كُتُبي ذهبت كلّها في النَّهْب، ولم يبق عندي منها شيء إلّا ما بقى بأيدي النّاس مِن مسموعي. ووزَنّا عشرة دنانير حتّى سمعنا "المُسْنَد" من ابن المُذْهب.
وسمعت مِن الأَزَجيّ، يعني عَبْد العزيز، كتاب "يوم وليلة" للمعْمريّ.
قلت: روى عَنْهُ: الحُسَيْن بْن خُسْرُو البلْخيّ، والسّلَفيّ، عَنِ البرمكيّ، والفالي. ثم انحدر إلى واسط، وبها مات في جمادى الآخرة سنة تسع.
стр. 11419
٢٧٥- محمد بن الهبارية١. هو محمد بن محمد بن صالح بن حمزة بن مُحَمَّد بن عيسى بْن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ داود بْن عِيسَى بْنُ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ بْن عَبْد اللَّه بن عباس، أبو يعلي الهاشمي، العباسي، البصري.
والهبارية هي من جداته، وهي من ذرية هبار بن الأسود بن المطلب.
قرأ الأدب ببغداد، وخالط العلماء، وسمع الحديث، ومدح الوزراء والأكابر.
وله معرفة بالأنساب، وصنَّف كتاب "الصّادح والباغم والحازم والعازم"، نظمه لسيف الدّولة صَدَقة، وضمّنه حكَمًا وأمثالًا، ونظم كليلة ودِمْنة. وله كتاب "مجانين العقلاء"، وغير ذَلِكَ.
وله كتاب "ذِكر الذّكْر وفضل الشّعْر".
وقد بالغ في الهجو حتّى هجا أَبَاهُ وأمّه.
وشعره كثير سائر، فمنه قصيدة شهيرة: أوّلها:
حَيّ عَلَى خير العمل ... عَلَى الغزال والغَزَل
يَقُولُ فيها:
لو كان لي بِضاعهْ ... أو في يدي صِناعهْ
ألقى بها المَجَاعَهْ ... لم أخلع الخلاعةْ
ولم أُفِقْ مِن الخذَل
ولا درستُ مسألَهْ ... ولا رحلت بعملهُ
ولا قطعت مجهلهْ ... ولا طلبت منزلهْ
ولا تعلّمتُ الْجَدَل
ولا دخلتُ مدرسهْ ... سِباعها مفترسهْ
وجوههم معبَّسَهْ ... ما لي وتلك المَنْحَسَةْ
لولا النفاق والخبل
стр. 11420
الأصفر المنقوش ... شيدت بِهِ العروش
بِهِ الفتى يعيش ... وباسمه يطيش
مولاه ما شاء فعل
يا عجبًا كلّ العَجَب ... لا أدبٌ ولا حَسَب
ولا تُقَى ولا نَسَب ... يُغْني الفتى عَنِ الذَّهَب
سبحانه
بؤسًا لربّ المحبره ... وعيشه ما أكدره
ودرسه ودفترهْ ... يا ويله ما أدْبَرَهْ
إنّ لم تصدّقني فَسَل
اصعد إلى تِلْكَ الغُرَف ... وانظر إلى قلب الحِرفَ
وابك لفضلي والشَّرَف ... واحكم لضريّ بالسَّرَف
واضربْ بخذلاني المَثَل
وله أيضًا القصيدة الطّويلة التي أولها:
لو أن لي نَفْسًا هَربتْ لِما ... أَلْقى ولكنْ لَيْسَ لي نَفْسُ
ما لي أُقيمُ لدى زعانفةٍ ... شُمّ القُرُون أُنُوفُهم فُطْسُ
لي مأتمٌ مِن سوء فِعْلِهِمُ ... ولهم بحُسن مدائحي عُرْسُ١
وهجا في هذه القصيدة الوزير، والنقيب، وأرباب الدّولة بأسرهم فأطيح دمه، فاختفى مدّة، ثمّ سافر ودخل إصبهان، وانتشر ذِكره بها، وتقدَّم عند أكابرها، فعاد إلى طبْعه الأوّل، وهجا نظام المُلْك، فأهدر دمه، فاختفى، وضاقت عَليْهِ الأرض. ثمّ رمى نفسه عَلَى الإمام محمد بْن ثابت الخُجَنْديّ، فتشفّع فيه، فعفا عَنْهُ النظام، فاستأذن في مديح، فأذن لَهُ فقام، وقال قصيدته الّتي أوّلها:
بعزّة أمرك دار الفلك ... حنانيك فالخلق والأمر لك
стр. 11421
فقال النظام: كذبْتَ، ذاك هُوَ الله تعالى.
وتمّم القصيدة، ثمّ خرج إلى كَرمان وسكنها١، ومدح بها، وهجا عَلَى جاري طبيعته.
وحدَّث هناك عَنْ: أَبِي جعفر بن المسلمة.
سمع منه: محمد بن عبد الواحد الدقاق، ومحمد بن إبراهيم الصيقلي في آخر سنة ثمان وتسعين.
وروى عنه: القاضي أحمد بن محمد الأرجاني، الشاعر، حديثًا عَنْ مالك البانْياسيّ.
قَالَ ابن النّجّار: فأخبرنا محمد بْن مَعْمَر الْقُرَشِيّ كتابةً، أنّ أبا غالب محمد بْن إبراهيم أخبره: أَنَا أبو يعلى محمد بن محمد بن صالح العبّاسيّ الشّاعر بكَرْمان، أَنَا أبن المسلمة سنة ستين وأربعمائة، أَنَا أبو الفَضْلُ الزُّهْرِيّ، أنبا الفِرْيابيّ، ثنا إبراهيم بْن الحجاج، نا عَبْد الوارث، نا محمد بْن حجادة، فذكر حديثًا.
وقد روى عَنْهُ مِن شِعْره: عُمَر بْن عَبْد الله الحربيّ، وأبو الفتح محمد بْن عليّ النَّطَنْزِيّ٢، وأحمد بن محمد بْن حفص الكاتب، وآخرون.
ومن غُرر قصائده قولّه:
يا صاحبي هات المُدامَة هاتِها ... فصبيحة النَّيْرُوز مِن أوقاتها
كَرْميّة، كَرَميّةً، ذهبيّةً ... لهبيّةً، بِكْرًا تقوم بذاتها
رقَّت وراقت في الزّجاج فخِلْتُها ... جادت بها العشّاق مِن عَبراتها
مِن كفّ هَيْفَاء القوام كأنّما ... عصرت سلّاف الخمْر مِن وَجَناتها
السّحْر في ألحاظها، والغَنْجُ في ... ألفاظها، والدل في حركاتها
أو ما ترى فصلَ الرّبيع وطِيبَه ... قد نَبّه الأرواح مِن رَقَداتها
والطَّيْرُ تصدح في الغُصون كأنمّا ... مدحت نظام الملك في نغماتها
стр. 11422
فانهض بنا وانشط لنأخُذَ فُرصةً ... مِن لذّة الأيّام قبل فَوَاتها
يا صاحِبَيْ سرّى فلا أُخفيكما ... ما أطيب الدُّنيا عَلَى عِلّاتِها
قُمْ فاسقِنيها بالكبير، ورُحْ إلى ... راحٍ تُريح النَّفْس مِن كُرُباتها
إنْ مِتُّ فخلّني وغوايتي ... إنّ الغواية حُلْوةٌ لِجُناتها
ولقد جريت عَلَى الصَّباية والصّبي ... وجذبت أقراني إلى غاياتها
ثمّ ارْعَوَيْتُ وما بكفّي طائل ... مِن لذّة الدُّنيا سوى تبعاتها
وهي قصيدة طويلة.
قَالَ الأرجانيّ: سَأَلت ابن الهبّاريّة عن مولده، فقال: سنة أربع عشرة وأربعمائة.
وقال أبو المكارم يعيش بْن الفَضْلُ الكرماني الكاتب: مات بكرمان في جُمَادَى الآخرة سنة تسع وخمسمائة.
ولابن الهبّاريّة:
وإذا البيادق في الدُّسْوت تَفَرْزَنَتْ ... فالرأي أن يتبيذق الفرزان
خذ جملة البوى ودعْ تفصيلها ... ما في البَريّة كلّها إنسانُ
٢٧٦- مغاور بْن الحَكَم. أبو الحَسَن السُّلَميّ، الشاطبي، المؤدّب.
أخذ القراءات عَنْ: أَبِي الحَسَن بْن الدّش.
وأقرأ النّاس.
أخذ عَنْهُ: ابنه محمد، وأبو عَبْد الله بْن بركة، وعبد الغنيّ بْن مكّيّ.
٢٧٧- مهذّب الدولة١. أمير البطائح. هُوَ أبو العبّاس أحمد بْن محمد بْن عُبَيْد بْن أبي الجبْر الكنانيّ.
أديب، فاضل، شاعر، إخباريّ، دوّن شِعْره.
وُلّي البطيحة وأعمالها. وتولّى النَّظَر بواسط وأعمالها، مضافًا إلى إمرة البطيحة.
ولم يزل آباؤه وأجداده أمراء البطيحة.
стр. 11423
وله شِعْر في المستظهر بالله.
تُوُفّي في المحرَّم.
"حرف الهاء":
٢٧٨- هابيل بْن محمد بْن أحمد بْن هابيل١. أبو جعفر الألْبِيريّ، الأندلسيّ.
أخذ بقُرْطُبَة عَنْ: أَبِي القاسم بْن عَبْد الوهّاب المقرئ، وأبي مروان الطّبنيّ، وأبي مروان بن سِراج.
روى عَنْهُ: أبو الحَسَن بْن الباذش المقرئ.
وتوفي في رمضان سنة تسعٍ، ويُحتمل أن تكون سنة سبْعٍ.
٢٧٩- هبة اللَّه بْن أَحْمَد بْن هِبَة اللَّه بْن الرَّحْبيّ. أبو القاسم الدّبّاس.
مِن أولاد الشّيوخ.
سَمِعَ: أبا الحَسَن القَزْوينيّ، وأحمد بْن محمد الزَّعْفرانيّ، وعليّ بْن المحسّن.
روى عَنْهُ: عمر المغازليّ، وأبو المُعَمَّر الأنصاريّ.
٢٨٠- هبة الله بْن المبارك بْن موسى بْن عليّ٢. أبو البركات السَّقَطيّ، المفيد.
أحد مِن عُني بهذا الشأن، وسمع ببغداد، وإصبهان، والموصل، والكوفة، والبصرة، وواسط.
وتعب وبالَغ. وكان فيه فضل ومعرفة باللُّغة.
جمع الشّيوخ، وخرّج الفوائد، وقيل: إنّه ذيّل عَلَى "تاريخ الخطيب"، وما ظهر ذَلِكَ.
وله "مُعْجم" في مجلَّد، ادّعى فيه لُقيّ أُناس كأبي محمد الجوهريّ، ولم يدركه؛ وضعفه شُجاع الذُّهْليّ، وكذّبه ابن ناصر.
стр. 11424
روى عَنْهُ: ابنه أبو العلاء وجيه، وأبو المعمر الأزجي، وعبد القادر الجيلي، وغيرهم.
وتوفي في ربيع الأوّل، سامحه الله.
٢٨١- هبة اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عليّ بْن المطلب١. أبو المعالي الكرمانيّ، الكاتب الوزير.
مِن رؤساء بغداد. تفرَّد في عصره بكتابه الحساب والدّيوان. ووَزَر للمستظهر سنتين ونصف، ثمّ عُزِل.
وكان فقيهًا شافعيا.
سَمِعَ: عَبْد الصّمد بْن المأمون، وطبقته.
وله معروف وصَدَقات.
روى اليسير. ولَقَبَهُ مجد الدّين.
ولد سنة ٤٤٣، وكان مِن الأذكياء حسن المحاضرة.
عزل سنة اثنتين وخمسمائة.
ومات سنة تسع.
٢٨٢- هشام بْن أحمد بْن سَعِيد٢. أبو الوليد القُرْطُبيّ، المعروف بابن العوّاد.
تلميذ أَبِي جعفر أحمد بْن رزق، وأخذ أيضا عن: أبي مروان بن سراج، ومحمد بْن فَرَج الفقيه، وأبي علي الغساني.
وكان من جلة الأئمة وأعيان المفتين بقرطبة. مقدما في الرأي والمذهب على جميع أصحابه، ذا دين وورع، وانقباض عَنِ الدّولة، وإقبال عَلَى نشر العِلْم وبثّه، واسع الخُلُق، حسن اللّقاء، مُحَبَّبًا إلى النّاس، حليمًا متواضعًا. دُعي إلى القضاء فامتنع.
تفقَّه بِهِ خلْق كثير نفعهم الله به.
стр. 11425
تُوُفّي في صَفَر، وشيعّه عالم كثير، ومتولّي قرطبة.
مولده في سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة. وعاش سبْعًا وخمسين سنة، ﵀، ورضي عَنْهُ.
"حرف الياء":
٢٨٣- يحيى بْن السّلطان تميم بْن المُعِزّ بْن باديس١. المُلْك أبو طاهر الحِمْيَريّ، الصّنْهاجيّ صاحب إفريقية وبلادها.
تسلطن بعد أَبِيهِ، وخلع عَلَى الأمراء، ونشر العدل، وافتتح قِلاعًا لم يتمكّن أَبُوهُ مِن فتحها.
وكان كثير المطالعة لكتب الأخبار والسّيَر، شفوقًا عَلَى الرعيّة والفقراء، مقرَّبًا للعلماء، جوادًا، مُمَدَّحًا.
وفيه يَقُولُ أبو الصّلْت أُمَيَّة بْن عَبْد العزيز بْن أبي الصّلْت:
وارغب بنفسك إلّا عَنْ ندًى ووغًى ... فالمجد أجمعُ بين البأْسِ والْجُودِ
كدأْب يحيى الَّذِي أحْيَتْ مَواهبُهُ ... مَيْتَ الرَّجاء بإنجاز المواعيد
معطي الصوارم والهيف النواعم والـ ... جرد الصُّلادِم والبُزْلِ الْجَلاميدِ
إذا بدا بسريرِ المُلْك مُحْتبِيا ... رَأَيْتَ يوسُفَ في مِحراب داودِ
تُوُفّي يحيى يوم الأضحي فجأة أثناء النّهار، وخلّف ثلاثين ولدًا ذَكَرًا، وقام بالمُلك بعده ابنه عليّ، فبقي ستٌّ سنين ومات، فأقاموا في المملكة ابنه الحسن بن عليّ، وهو صبيّ ابنُ ثلاث عشرة سنة، فامتدت دولته إلى أن أخذت الفرنْج أَطْرابُلُسَ المغرب بالسيّف، وقتلوا أهلها في سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، فخاف الحَسَن وخرج هاربًا مِن المَهدّية هُوَ وأكثرُ أهلها. ثمّ إنّه التجأ إلى السّلطان عَبْد المؤمن بْن عليّ.
وممّا تمَّ ليحيى أن ثلاثة غرباء كتبوا إليه أنهم كيمائيون، فأحضرهم ليعملوا ويتفرَّج. وكان عنده الشّريف أبو الحسن وقائد الجيش إبراهيم، فجذب أحدهم
стр. 11426
سكّينًا، وضرب يحيى، فلم يصنع شيئًا، ورفسه يحيى ألقاه عَلَى ظهره، ودخل المجلس وأغلقه، وأما الثّاني، فضرب الشّريف قتله، وجذب الأمير إبراهيم السّيف وحطّ عليهم، ودخل الغلمان فقتلوا الثّلاثة، وكانوا من الباطنية.
وفيات سنة عشر وخمسمائة:
"حرف الألف":
٢٨٤- أحمد بن الحسين بن علي بْن قريش١. أبو العبّاس البغداديّ، البنّاء، النّسّاج، المقرئ.
سَمِعَ: أبا طَالِب بْن غَيْلان، وأبا إسحاق البرمكيّ، وجماعة.
روى عَنْهُ: إسماعيل بْن السَّمَرْقَنْديّ، وأحمد بْن الطّلّاية الزّاهد، وابن ناصر، والسّلَفيّ، وفارس الحفّار.
ومات في رجب وله خمسٌ وثمانون سنة. وكان صالحًا ثقة. أجاز لابن كليب.
٢٨٥- أحمد بْن عَبْد الله بْن مُظَفَّر بْن محمد بن ماجه. أبو الرجاء الإصبهانيّ.
روى عَنْ: ابن ريذَة، وغيره.
روى عَنْهُ: أبو موسى الحافظ.
٢٨٦- أحمد بْن محمد بن عمر. المركزي أبو البركات.
شيخ مؤدب ببغداد.
كَانَ يروي عَنْ: إِسْحَاق البرمكيّ.
وعنه: السّلَفيّ، وأبو المُعَمَّر الأنصاريّ.
مات في نصف شَعْبان.
٢٨٧- أحمد بْن مُحَمَّد بْن الحَسَن بْن مُحَمَّد بْن سُلَيْم. أبو الفَضْلُ بْن أَبِي بَكْر بْن أبي عليّ.
مِن بيت حديث.
стр. 11427
تُوُفّي في صَفَر.
روى عَنْهُ: أبو موسى المَدِينيّ، عَنْ عليّ بْن أحمد بْن يوسف.
٢٨٨- إبراهيم بْن أحمد١. أبو الفَضْلُ المخرّميّ، البغداديّ.
روى عَنْ: الصَّريْفينيّ، وابن الَّنُّقور.
٢٨٩- إسماعيل بْن الفَضْلُ بْن إسماعيل. أبو القاسم بْن أبي عامر التّميميّ، الْجُرْجاني.
قِدم في هذه السّنة بغداد ليحجّ، فحدّث عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن سَعِيد العسكريّ، عَنْ أبي أحمد الغطْريفيّ.
روى عنه: المبارك بن كامل، وروح بن أحمد الحديثي قاضي القضاة، ويحيى بن هبة الله البزاز، وأحمد بن سالم المقرئ، وأبو الفتح عبد الوهاب بن الحسن الفرضي.
"حرف الحاء":
٢٩٠- حبيب بن أبي مسلم محمد بن أحمد بن يحيى. الفقيه الزاهد الكبير، أبو الطيب الطهراني، الأصبهاني.
روى عَنْ: أَبِي طاهر بْن عَبْد الرحيم.
وعنه: أبو موسى، وغيره.
تُوُفّي ليلة الثّلاثاء، ثاني عشر ربيع الأوّل.
وهو مِن شيوخ السّلَفيّ ومن أقاربه.
٢٩١- الحَسَن بْن أحمد بْن يحيى٢. أبو أحمد بْن أبي سَلَمَة الكاتب، النَّيْسابوريّ، أحد المعروفين بالفضل والشّعْر.
سَمِعَ مِن: الأمير أَبِي الفَضْلُ عُبَيْد الله بْن أحمد الميكالي، وأبي الحسين عبد الغافر.
стр. 11428
روى عَنْهُ: ولده أحمد.
وتوفي في ربيع الأوّل.
٢٩٢- الحَسَن بْن عَبْد الكريم. أبو حرب العبّاسيّ، الإصبهانيّ، النّقيب.
سَمِعَ: أبا أحمد المكفوف.
كتب عَنْهُ: يحيى بْن مَنْدَهْ.
تُوُفّي في المحرَّم.
"حرف الخاء":
٢٩٣- خميس بْن علي بن أحمد بْن علي بْن الحَسَن١. الحافظ، أبو الكرم الواسطيّ، الحَوْزيّ.
ورد بغداد، وسمع: أبا القاسم بْن البُسْري، وطبقته.
وسمع بواسط: عليّ بْن محمد النّديم، وهبة الله بْن الجلخْت، وخلْقًا سواهم، وكتب وجمع.
روى عَنْهُ: أبو الجوائز سَعْد بن عبد الكريم، وأبو طاهر السّلَفيّ، وآخر مِن روى عَنْهُ أبو بِشْر عَبْد الله بْن عِمران الباقلّانيّ، المقرئ.
وله شِعْر جيّد، فمنه:
إذا ما تعلّق بالأشعريّ ... أُناسٌ، وقالوا: وثيق العُرى
وطائفة رأت الاعتزال ... صوابًا، وما هُوَ فيما ترى
وأخرى رَوَافضُ لَا تستحقّ ... إذا ذُكر النّاس أن تذكرا
فنحن معاشرُ أهل الحديث ... علِقْنا بأذيال خير الورى
فمن لم يكن دأبُهُ دأبنا ... فنحن وأحمد منه بُرَا
وقد سال السّلَفيّ خميسًا عَنْ أهل واسط المتأخّرين، فأجابه في جزء، وانتقى
стр. 11429
عليه جزءا سمعناه، وكان يثني عليه ويقول: كان عالما ثقة، يملي علي من حفظه.
وقد ذكره ابن نقطة١، فذكر معه الحسن بن إبراهيم بن سلامويه.
قال: والحوز قرية بشرقي واسط. حدَّث عَنْ عَبْد العزيز بْن علي الأنماطي، ومحمد بن محمد العُكْبَريّ النديم.
قَالَ: وكان لَهُ معرفة بالحديث والأدب.
قَالَ: ومولده في شَعْبان سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة.
ومات أيضًا في شَعْبان.
"حرف الطاء":
٢٩٤- طاهر بْن أحمد بْن الفَضْلُ. أبو القاسم الإصبهانيّ، الخطّاط، المعروف بالبزّاز.
تُوُفّي في شَعْبان، وله تسعون سنة.
روى عَنْ: ابن رِيذَة.
وعنه: أبو موسى المَدِينيّ.
"حرف العين":
٢٩٥- عَبْد الرَّحْمَن بن عبد العزيز بن ثابت٢. أبو محمد الأندلسيّ، ثمّ الشّاطبيّ، البلاليّ.
وبلالة مِن عمل شاطبة. ديّن، عاقل، عالم.
سَمِعَ مِن: ابن عَبْد البَرّ، وأبي العبّاس العُذْري.
وعنه: أبو الوليد يوسف بْن الدّبّاغ، وقال: سَمِعْتُ منه كتاب الصحابة، وكتابي التقصي، وكتاب الأنباء.
стр. 11430
وقرأت عليه "الموطأ" و"السيرة". أَنَا بجميع ذَلِكَ، عَنْ أبي عُمَر، وقال: كَانَ بيننا وبين أَبِي عُمَر مصاهرة.
ومولده في سنة ست وأربعين وأربعمائة.
٢٩٦- عَبْد الغفّار بْن مُحَمَّد بْن الحُسَيْن بْن عليّ بْن شِيرَوَيْه بْن عليّ١. أبو بَكْر الشّيرُويّيّ، النَّيْسابوريّ، التّاجر.
سَمِعَ: أبا بَكْر الحِيريّ، وأبا سَعِيد الصَّيْرفيّ.
وهو آخر من روى فِي الدّنيا عَنْهُمَا.
وروى عَنْ: أبي حسّان المُزَكّيّ، وأحمد بْن محمد بْن الحارث النَّحْويّ، ووالده.
روى عنه: الحافظ أبو سعد السمعاني، وأبو الفتوح الطائي، وعبد المنعم الفراوي، وخلق كثير.
وروى عنه بالإجازة: ذاكر بن كامل الخفاف، وأبو المكارم أحمد بن محمد اللبان.
وكان مولده في ذي الحجَّة سنة أربع عشرة.
وتوفي في ثامن عشر ذي الحجة، وقد استكمل ستا وتسعين سنة.
قال السمعاني في كتاب "الأنساب"٢: كان صالحا، عابدا، معمرا، رحل إليه من البلاد، وسمع الحيريّ، والصَّيْرفيّ، وعبد القاهر بن طاهر، ومحمد بن إبراهيم المزكي.
وقد دخل إصبهان، وسمع بها مِن ابْن رِيذَة، وأَبِي طاهر بْن عَبْد الرحيم. أحضرني والدي مجلسه. وكان أَبُوهُ يروي عَنِ المخلّص.
وهو فقد أجاز لمن شاء الرواية عَنْهُ. وهو مِن قرية كُونابَذ، ثمّ عربت، فقيل: جنابذ، بفتح الباء٣.
стр. 11431
وهي مِن قُهِسْتان مِن رساتيق نَيْسابور.
وكان صالحًا، عفيفًا، تَجَر إلى البلاد مُضاربةً بأموال النّاس، ثمّ عجز، وانقطع لتسميع الحديث. وكان مُكْثِرًا.
ومن شيوخه أبو سَعِيد نصر الدّين بْن أَبِي الخير المِيهَنيّ، وأبو منصور عَبْد القاهر بْن طاهر البغداديّ.
ألْحق الأحفاد بالأجداد، وسمع منه مِن دبّ ودَرَج. وسار ذِكْرُه، ولم تتغير حواسَّه، إلّا بصره فضَعُف١.
ومن شيوخه: أبو عَبْد الله بْن باكُوَيْه السَّرَّاج.
قَالَ الفَضْلُ بْن عَبْد الواحد الإصبهانيّ: سَمِعْتُ الرئيس الثَّقَفيّ يَقُولُ: لَا جادنا مِن خُراسان ناصر إلّا بأبي بَكْر الشّيرُويّيّ، فإنّه أخْيَرهم وأنفعهم٢.
قَالَ السّلَفيّ: سَمِعْتُ منه الكثير، وُلّي ثلاث سنين ونصف بقراءة أبي. وسمّع أخي في الخامسة، فمن ذَلِكَ جزء سُفْيان، وخمسة أجزاء مِن ثمانية مِن "مُسْنَد الشّافعيّ" خمسة أجزاء مِن ثمانية أجزاء.
٢٩٧- عَبْد الله بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن يونس. أبو محمد بْن خَيْرُون الأندلسيّ، القُضاعيّ.
محدّث مُكِثر عَنِ ابن عَبْد البَرّ.
وسمع: أبا الوليد الباجيّ، وابن دلْهاث.
وكان عارفًا بالفقه، والشّعر. وُلّي قضاء قَربيطر.
روى عَنْهُ: أبو محمد بْن عَلْقَمة، ومحمد بْن محمد بْن يعيش، وعبد الوهّاب التُّجَيْبيّ، وآخرون.
стр. 11432
٢٩٨- عليّ بْن أحمد بن محمد بْن بَيَان١. أبو القاسم بْن الرّزّاز، البغداديّ.
مُسْنَد الدُّنيا في عصره.
روى عَنْهُ خلْق لَا يُحْصَوْن.
سمع: أبا الحسن محمد بن محمد بن محمد بن مخلد، وطلحة بن الصقر الكتابي، وأبا علي بن شاذان، وأبا القاسم بن بِشْران الواعظ، وأبا القاسم الحُرْفيّ، وأبا العلاء الواسطي، وجماعة.
ولد سنة ثلاث عشرة وأربعمائة. وكانت إِليْهِ الرحلة مِن الأقطار. وهو آخر مِن حدَّث بنسخة ابن عَرَفَة.
قَالَ أبو سَعْد السّمعانيّ: وكان يأخذ عَلَى روايتها دينارًا عَنْ كلّ واحدٍ عَلَى ما سَمِعْتُ. وأجاز لي، وحدَّثني عَنْهُ جماعة كثيرة.
سَمِعْتُ أبا بَكْر محمد بْن عَبْد الباقي يَقُولُ: كَانَ أبو القاسم بْن بيان يَقُولُ: أنتم ما تطلبون الحديث والعِلْم، أنتم تطلبون العُلُوّ، وإلّا ففي دَرْبي جماعة سمعوا منّي هذا الجزء، فاسمعوه منهم، ومن أراد أن يسمع منّي يَزِن دينارًا.
سَمِعْتُ أبا بَكْر محمد بْن عَبْد العطّار بمَرْو يَقُولُ: وزنت الذّهب لأبي القاسم بْن بيان، حتّى سَمِعْتُ منه جزء ابن عَرَفَة. وكذا ذكر لي محمد بْن أَبِي العبّاس بسمرقند، أنّه أعطاه دينارًا حتّى سَمِعَ منه.
قلت: روى عَنْهُ: أبو الفُتُوح الطّائيّ، والسّلَفيّ، وخطيب المَوْصِل، وأحمد بْن محمد بْن قُضاعة، وأحمد بْن محمد المنبجيّ، وأبو محمد عَبْد الله بْن الخشّاب النَّحْويّ، ومحمد بْن عبد الباقي بن النَّرْسيّ، والمبارك بْن محمد بْن سكّينة، ووفاء بْن أسعد التُّركيّ، والحافظ أبو العلاء العطّار، ومحمد بْن بدر الشّيحيّ، ومحمد بْن جعفر بْن عَقيل، وأبو الفَرَج محمد بْن أحمد حفيد ابن نبهان، وأبو الفتح بْن شاتيل، وَأَحْمَد بْن المبارك بْن دُرّك، وأحمد بْن أَبِي الوفاء الصّائغ، وأبو السّعادات نصر الله القزّاز، وأبو منصور عَبْد الله بْن عَبْد السلام، وعبد المنعم بْن كُلَيب.
تُوُفّي في سادس شعبان.
стр. 11433
٢٩٩- عليّ بْن عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد١. أَبُو الحَسَن النَّيْسابوريّ، الواعظ.
تُوُفّي في سلْخ المحرَّم، وله نيّف وتسعون سنة.
روى بإصبهان عَنْ: ابن حفص بْن مسرور.
وعنه: أبو موسى الحافظ، وأبو طاهر السّلَفيّ، ومحمد بن حمزة الزنجاني، وأبو غانم بْن زينة، وزيد بْن حمزة الطُّوسيّ.
وروى عَنْهُ بالأجازة أبو القاسم بْن عساكر.
وقد سَمِعَ: أبا عثمان الصّابونيّ، وأبا الحُسَيْن عَبْد الغافر الفارسيّ.
وبدمشق: أبا القاسم الحِنائيّ.
رَوَى عَنْهُ: الفقيه نصر المَقْدِسِيّ، قُلْتُ: وَهُوَ أكبر منه، وَأَبُو موسى. وَذَلِكَ يدخل في السابق واللاحق.
قَالَ السّلَفيّ: أَبُو الحَسَن عليّ بْن عَبْد اللَّه بْن الصّبّاغ، ذكر أنّه يُعرف بنَيْسابور بالإصبهانيّ، وبإصبهان بالنَّيْسابوريّ. وكان يعقد المجلس في جامع إصبهان، ثقة.
"حرف الغين":
٣٠٠- غانم بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن سَعِيد. أبو سهل بْن الشَّيْخ أبو الفتح الحدّاد.
يروي عَنْ: أَبِي القاسم بْن أَبِي بَكْر الذَّكْوانيّ، والإصبهانيّين.
وعنه: أبو موسى، وجماعة.
وحدَّث ببغداد عَنْ: الذَّكْوانيّ، وأبي طاهر بْن عَبْد الرحيم، وأبي نصر الكِسائيّ.
تُوُفّي في ربيع الأول. وهو أخو صاحب الأموال الجزيلة أَبِي سعيد الحدّاد ووالد محمد ومحمود.
سَمِعَ أيضًا مِن أَبِي طاهر بن عبد الرحيم، وأبي الوليد الدَّربَنْديّ، وإبراهيم بن محمد الكسائي، وعدة. أجاز للسمعاني.
стр. 11434
"حرف الميم":
٣٠١- المبارك بْن الحُسَيْن بْن أحمد١.
الغسّال أبو الخير البغداديّ، الشّافعيّ، المقرئ.
كَانَ صالحًا، ثقة، متميّزًا. قرأ القرآن عَلَى: أَبِي القاسم بْن الغُوريّ، وأبي بَكْر محمد بْن عليّ الخيّاط، وأبي عليّ الحَسَن بْن غالب المقرئ، وأبي بَكْر بن الأُطْرُوش، وأبي بَكْر اللّحْيانيّ.
ورحل إلى واسط في طلب القراءات، فقرأ عَلَى أَبِي عليّ غلام الهرّاس، وتصدّر للإقراء، وقصده الطلبة.
وكان محافظًا، مجودًا، يتكلّم عَلَى معاني القرآن.
وسمع الحديث من: أبي محمد الخلال، وأبي جعفر بن المسلمة، وأبي يَعْلَى بْن الفرّاء.
روى عَنْهُ: أبو طاهر محمد بْن محمد السّنْجيّ، وعليّ بْن أحمد المحموديّ، وسعد الله بْن محمد. وآخر مِن روى عَنْهُ: عَبْد المنعم بْن كُلَيب.
وقد أجاز لابن السّمعانيّ.
وكان مولده قبل الثلاثين وأربعمائة.
وتوفي في غُرّة جُمَادَى الأولى والغَسّال بغين معجمة.
٣٠٢- المبارك بن محمد بْن عليّ٢. أبو الفَضْلُ الهَمَذَانيّ.
سَمِعَ: أبا يَعْلَى بْن الفرّاء، وابن المسلمة.
وأجاز لَهُ أبو محمد الجوهريّ.
روى عَنْهُ: أبو المُعَمَّر الأنصاريّ، وغيره.
تُوُفّي في ربيع الآخر.
стр. 11435
٣٠٣- محفوظ بْن أحمد بْن الحَسَن بْن الحُسَيْن١. الإمام، أبو الخطّاب الكَلْوذانيّ٢، الأَزَجيّ، شيخ الحنابلة.
كَانَ مُفْتيا، صالحًا، ورِعًا، دينًا، وافر العقل، خبيرًا بالمذهب، مصنَّفا فيه، حسن العِشْرة والمجالسة. لَهُ شِعْر رائق.
صنَّف كتاب "الهداية" المشهور في المذهب، و"رءوس المسائل". وتفقَّه عَلَى: أَبِي يَعْلَى.
وسمع: أبا محمد الجوهريّ، وأبا طَالِب العُشَاريّ، وأبا عليّ محمد بْن الحُسَيْن الجازريّ، حدَّث عَنْهُ بكتاب "الجليس والأنيس" للمعافَى.
روى عَنْهُ: أبو المُعَمَّر الأنصاريّ، والمبارك بْن خُضَيْر، وأبو الكرم بْن الغسال. وتفقَّه عَليْهِ أئمّة.
وكان مولده في سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة٣.
ولأبي الخطّاب قصيدة في العقيدة يَقُولُ فيها:
قَالُوا أَتَزْعُم أنّ عَلَى العرش استوى ... قلت الصّواب كذاك خُبّر سيّدي
قَالُوا فما معنى استواهُ أَبِنْ لنا، ... فأجبتُهُم هذا سؤال المعتدي
قال السمعاني: أنشدنا دلف بن عَبْد الله بْن التّبّان بسَمَرْقَنْد في فتوى جاءت إلى أَبِي الخطّاب:
قلَّ للإمام أبي الخطّاب مسألةً ... جاءت إليك وما إلّا سواك لها
ماذا عَلَى رجلٍ رام الصّلاة، فإذ ... لاحت لناظِرِهِ ذاتُ الْجَمال لَهَا
فكتب في الحال:
قُلْ للأديب الَّذِي وافَى بمسألةٍ ... سَرَّتْ فؤادي لما أن أصخت لها
стр. 11436
المجلد السادس والثلاثون
الطبقة الثالثة والخمسون
سنة إحدى وعشرين وخمسمائة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الطبقة الثالثة والخمسون:
سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ:
حَرْبُ الْخَلِيفَةِ وَالسُّلْطَانِ فِي بَغْدَادَ:
قد ذكرنا أنّ أهل بغداد كانوا بالجانب الغربي، وعسكر محمود في الجانب الشرقي، وتراموا بالنَّشّاب، ثم إن جماعة من عسكر محمود حاولوا الدّخول إلى دار الخلافة من باب النّوبي، فمنعتهم الخاتون، فجاءوا إلي باب الغربة في رابع المحرَّم، ومعهم جمع من الساسة والرُّعاع، فأخذوا مطارق الحدّادين، وكسروا باب الغربة، ودخلوا إلي التاج فنهبوا دار الخلافة من ناحية الشّطّ، فخرج الجواري حاسرات تلْطُمْن، ودخَلْنَ دار خاتون؛ وضجّ الخلْق، فبلغ الخليفة، فخرج من السرداق، وابن صَدَقة بين يديه، وقدّموا السُّفن دفعةً واحدة، ودخل عسكر الخليفة، وألبسوا الملاحين السّلاح، وكشفوا عنهم. ورمى العيّارون أنفسهم في الماء وعبروا. وصاح المسترشد بالله بنفسه، يا آل بني هاشم. فصَدَق الناس معه القتالَ، وعسكرُ السلطان مشغولون بالنَّهْب، فلما رأوا عسكر الخليفة ذلّوا وولوا الأدْبار، ووقع فيهم السيف، واختفوا في السراديب، فدخل وراءهم البغداديون وأسروا جماعة، وقتلوا جماعة من الأمراء ونهب العامة دور أصحاب السلطان، ودار وزيره، ودار العزيز أبى نصر المستوفي، وأبي البركات الطيب وأُخذ من داره ودائع وغيرها بما قيمته ثلاثمائة ألف. وقُتِلَ من أصحاب السلطان عدةٌ وافرةٌ في الدروب والمضائق.
ثم عبر الخليفة إلى داره في سابع المحرَّم بالجيش، وهم ثلاثين ألف مقاتل بالعوام وأهل البر، وحفروا بالليل خنادق عند أبواب الدروب، ورتب على أبواب المحال من يحفظها.
وبقي القتال أيامًا إلى يوم عاشوراء، انقطع القتال، وترددت الرسل، ومال الخليفة إلى الصُّلح والتحالف، فأذعن السلطان وأحب ذلك، وراجع الطاعة، وأطمأن الناس، وطُمَّت الخنادق. ودخل أصحاب السلطان يقولون: لنا ثلاثة أيام ما أكلنا خبزا، ولولا الصلح لمتنا جوعًا.
فكانوا يسلقون القمح ويأكلونه. فما رؤي سلطانٌ
стр. 11437
حاصر فكان هو المحاصَر، إلا هذا.
وظهر منه حلم وافر عن العوام١.
إرسال الخِلَع إلى ابن طراد:
وبعث الخليفة مع علّي بن طِراد إلى سَنْجر خِلعًا وسيفين، وطوقًا ولواءين، ويأمره بإبعاد دُبَيْس من حضرته٢.
مقتل وزير سَنجْر:
وجاء الخبر بأن سنجْر قتل من الباطنية اثني عشر ألفًا، فقتلوا وزيره المعين، لأنه كان يحرّض عليهم وعلى استئصالهم. فتجمل رجل منهم، وخدم سائسا لبغال المعين، فلما وجد الفرصة وثب عليه وهو مطمئن فقتله، وقُتِلَ بعده، وكان هذا الوزير ذا دِين ومروءة، وحُسن سيرة٣.
مرض السلطان محمود:
ومرض السّلطان محمود في الميدان، وغُشى عليه، ووقع من فرسه، واشتد مرضه.
ثم تماثل فركب، ثم انتكس، وأُرجِف بموته ثمّ خُلع عليه وهو مريض، وأشار عليه الطّبيب بالرواح من بغداد، فرحل يطلب هَمَذَان، وفوّض شِحْنكيَّة بغداد إلي عماد الدين زنكي٤.
القبض على المستوفي والوزير:
وبعد أيام جاء الخبر من همذان بأن السلطان قَبض على العزيز المستوفي وصادره وحبسه، وعلى الوزير فصادره فحبسه وكان السبب أنّ الوزير تكلَّم على العزيز، وأن برتقش الزكوي تكلم على الوزير.
وزاره أنوشروان:
ثمّ بعث السلطان إلي أنوشروان بن خالد الملقب بشرف الدين، فاستوزره، فلم
стр. 11438
يكن له ما يتجهَّز به حتى بعث له الوزير جلال الدين من عند الخليفة الخِيَم والخيل، فرحل إلي أصبهان في أول رمضان في السنة. أقام في الوزارة عشرة أشهر، واستعفى وعاد إلي بغداد١.
تفويض بهروز ببغداد والحلَّة:
وفي رمضان وصل مجاهد الدّين بهروز إلي بغداد، وقد فوض إليه السلطان بغداد والحِلَّة٢.
تفويض زنكي الموصل:
وفوّض إلى زنكي الموصل، فسار إليها.
وفاة مسعود بن آقْسُنْقُر:
ومات عزّ الدّين مسعود بن آقْسُنْقُر البُرْسُقيّ في هذه السّنة. وكان قد وصل إلى الموصل بعد قتل والده، واتفق موتُه بالرَّحْبَة، فإنه سار إليها.
وكان بطلًا شجاعًا، عالي الهمَّة. ردّ إليه السُلطان جميع إقطاع والده، وطمع في التّغلُّب على الشّام، فسار بعساكره، فبدأ بالرَّحْبَة، فحاصرها، ومرض مرضًا حادًّا، فتسلم القلعة، ومات بعد ساعة، وبقي مطروحًا على بساط، وتفرق جيشه، ونهب بعضُهم بعضًا، فأراد غلمانه أن يُقيموا ولده، فأشار الوزير أنوشروان بالأتابك زنكي لحاجة الناس إلى من يقوم بإزاء الفرنج، لعنهم الله٣.
سؤال الإسفرائيني عن حديث:
وَفِيهَا سُئِلَ أبو الفتح الإسفرائيني فِي مَجْلِسِهِ بِبَغْدَادَ عَنِ الْحَدِيثِ: "لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ". فَقَالَ: لَمْ يَصِحَّ٤.
стр. 11439
خبر الإسفرائيني:
أبو الفتح الإسفرائيني، رضوان الله عليه من كبار أهل السُّنَّة ومن ذوي الكرامات الظاهرة. وما نسب إليه من الاستخفاف بالقرآن كذِب وزُور هو وغيره من الأشاعرة يصرحون بتكفير من استخفّ بالمصاحف وشيخنا الذّهبيّ غيرّ عادته بهم، وأذن برأيهم، والحديث في الصّحيح.
وقال يومًا على المنبر: قيل لرسول الله ﷺ كيف أصبحت؟ فقال: "أعمى بين العُمْيان، ضالًّا بين الضّالّين".
فاستحضره الوزير، فأقرّ، وأخذ يتأول تأولات فاسدة، فقال الوزير للفُقهاء: ما تقولون؟ فقال ابن سلمان مدرّس النّظاميَّة: لو قال هذا الشّافعي ما قبِلْنا منه، ويجب على هذا أن يجدد إيمانه وتوبته. فمُنع من الجلوس بعد أن استقرّ أنّه يجلس، ويشدّ الزّنّار، ثم يقطعه ويتوب، ثم يرحل. فنصره قومٍ من الأكابر يميلون إلى اعتقاده، وكان أشعريًا. فأعادوه إلى الجلوس، وكان يتكلَّم بما يُسقِط حُرْمة المُصْحَف من قلوب العوامّ، فافتتن به خلْق، وزادت الفِتن بِبغداد. وتعرَّض أصحابه بمسجد ابن جردة فرجموه، ورُجم معهم أبو الفتوح. وكان إذا ركب يلبس الحديد ومعه السيوف مُسَلَّلَة، ثم اجتاز بسوق الثُّلاثاء، فرُجم ورُميت عليه الميتات، ومع هذا يقول: ليس هذا الّذي نتلوه كلام الله، إنما هو عبارة ومجاز.
ولما مات ابن فاعوس انقلبت بغداد، وغُلَّقت الأسواق، وكان عوامّ الحنابلة يصيحون على عادتهم: هذا يوم سُنّيّ حنبلي لَا أشعريّ ولا قُشيَريّ ويصرخون بأبي الفتوح هذا. فمنعه المسترشد بالله من الجلوس، وأمره أن يخرج من بغداد.
وكان ابن صَدَقة يميل إلى السُّنَّة، فنصرهم.
ثم ظهر عند إنسان كرّاس قد اشتراها، فيها مكتوب القرآن، وقد كُتِب بين الأسطر بالأحمر أشعار على وزن أواخر الآيات. ففُتَّش على كاتبها، فإذا هو مؤدب، فكبس بيته، فإذا هو كراريس كذلك، فحُمل إلى الديوان، وسُئل عن ذلك، فأقرّ، وكان من أصحاب أبي الفتوح، فنُودي عليه على حمار، وشُهر، وهمّت العامَّة بإحراقه. ثم أذن لأبي الفتوح، فجلس١.
стр. 11440
ظهور الشيخ عبد القادر الحنبليّ:
وظهر في هذه الأيام الشيخ عبد القادر الحنبليّ، فجلس في الحَلبة، فتشبَّث به أهل السُّنَّة، وانتصروا بحسن اعتقاد الناس فيه١.
وقعة مرج الصُّفَّر:
قال ابن الأثير: كانت وقعة مرج الصُّفَّر بين المسلمين، أنهم التقوا في أواخر ذي الحّجة، واشتد القتال، فسقط طُغتكين، فظن الْجُنْد أنه قُتِلَ فانهزموا إلى دمشق، وركب فرَسَه ولحقهم، فساقت الفرنج وراءهم، وبقية رجالة التركمان قد عجزوا عن الهزيمة، فحملوا على رجَّالة الفرنج، فقتلوا عامّتهم، ونهبوا عسكر الفرنج وخيامهم، ثم عادوا سالمين غانمين إلى دمشق.
ولما ردّت خيالة الفرنج من وراء طُغتِكين، رأوا رجالتهم صَرْعى، وأموالهم قد راحت، فتمّوا منهزمين.
قال: وهذا من الغريب أنّ طائفتين تنهزمان٢.
стр. 11441
وفيات سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة:
وفاة ابن صدقة:
فيها تُوُفّي ابن صَدَقة الوزير، وناب في الوزارة عليّ بن طِراد.
مصالحة السلطان محمود وسنجر:
وفيها ذهب السّلطان محمود إلى السلطان سنجر، فأصلحا بعد خشونة، ثم سلّم سنجر إليه دُبَيْسا وقال: تعزل زنكي ابن آقْسُنْقُر عن الموصل والشّام. وتسلّم البلاد إلى دُبَيْس، وتسأل الخليفة أن يرضى عنه. فأخذه ورحل.
وقال أبو الحسن الزّاغونيّ: تقدم إلى نقيب النُّقباء ليخرج إلى سنجر، فرفع إلى الخزانة ثلاثين ألف دينار، وتقدم إلى شيخ الشّيوخ ليخرج، فرفع إلى الخزانة خمس عشر ألف دينار ليعفى١.
الطموح للوزارة:
وتطاول للوزارة عز الدين بن المطلب، ابن الأنباريّ، وناصح الدّولة ابن المسلمة، وأحمد بن نظام المُلْك، فمُنِعوا من الكلام في ذلك٢.
مَلْك زنكيّ حلب:
وفي أول السّنة سار عماد الدّين زنكي فملك حلب، وعظُم شأنه، واتسعت دولته٣.
стр. 11442
سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة:
الختم عَلَى وقف مدرسة أَبِي حنيفة:
في المحرَّم دخل السلّطان محمود بغداد، وأقام دُبَيْس في بعض الطّريق، واجتهد في أن يُمكن دبيس فامتنع. وأمر السلطان بالختم على أموال وقف مدرسة أبي حنيفة ومطالبة العمّال بالحساب، ووكّل بقاضي القُضاة الزَّيْنَبيّ كذلك. وكان قد قيل للسّلطان إن دَخْلَ المكان ثمانين ألفًا، ما يُنفق عليه عُشْره١.
وزارة علي بن طراد:
وفي ربيع الآخرة خلع المسترشد على أبي القاسم عليّ بن طِراد واستوزره.
إقرار زنكيّ في مكانه:
وضمن زنكي أن ينفذ السلطان مائة ألف دينار، وخيلًا، وثيابًا، على أن يقر في مكانه. واستقر الخليفة على مثل ذلك، على أن لَا يولّي دُبَيْس شيئًا٢.
стр. 11443
بيع عقار للخليفة:
وباع الخليفة عقارًا بالحرم، وقُرئ لذلك، وما زال يصحح.
دخول دُبَيْس بغداد:
ثم إن دُبَيْسًا دخل إلى بغداد بعد جلوس الوزير ابن طِراد، ودخل دار السلطان، وركب في الميدان ورآه الناس.
تسليم الحلَّة بهروز:
وجاء زنكيّ فخدم.
وسلَّمت الحِلَّة والشَّحْنكيَّة إلى بهروز.
خطْف دُبَيس ولدًا للسلطان:
وكانت بنت سنْجر التي عند ابن عمّها السّلطان محمود قد تسلّمت دُبَيْسًا من أبيها، فكانت تشدّ منه وتمانع عنه، فماتت، ومرض السّلطان محمود، فأخذ دُبَيْس ولدًا صغيرًا لمحمود، فلم يعلم به حتّى قُرب من بغداد، فهرب بهروز من الحِلة، فقصدها دُبَيْس ودخلها في رمضان وبعث بهروز عرَّف السّلطان، فطلب قزل والأجهيليّ وقال: أنتما ضمنتما دُبَيْسًا، فلا أعرفه إلا منكما١.
أخْذُ دُبَيْس الأموال من القرى:
وساق الأجهيليّ يطلب العراق، فبعث دُبَيْس إلى المسترشد: إن رضِيتَ عنّي ردْدتُ أضعاف ما نفذ من الأموال. فقال الناس: هذا لَا يؤمن. وباتوا تحت السلاح طول رمضان، ودُبَيْس يجمع الأموال، ويأخذ من القرى، حتّى قيل: إنه حصل خمسمائة ألف دينار٢، وإنه قد دوَّن عشرة آلاف، بعد أن كان قد وصل في ثلاثمائة فارس.
مساومة دُبَيْس للسلطان:
ثمّ قدِم الأجهيليّ بغداد، وقبل يد الخليفة، وقصد الحلة.
стр. 11444
وجاء السّلطان إلى حُلْوان، فبعث دُبَيْس إلى السّلطان رسالة وخمسة وخمسين مهْرًا عربيَّة، وثلاثة أحمال صناديق ذَهب، وذكر أنْه قد أعدَّ إن رضي عنه الخليفة ثلاثمائة حصان، ومائتي ألف دينار، وإنْ لم يرض عنه دخل البّريَّة.
فبلغه أنّ السّلطان حنق عليه، فأخذ الصّبيّ وخرج من الحِلة، وسار إلى البصرة، وأخذ منها أموالا كثيرة. وقدم السّلطان بغداد، فبعث لحربه قزل في عشرة آلاف فارس، فسار دُبَيْس ودخل البرّيَّة١.
غدْرُ زنكيّ بسونج بن بُوري:
وفي سنة ثلاث أظهر عماد الدّين زنكيّ بن آقْسُنْقُر أنّه يريد جهاد الفرنج، وأرسل إلى تاج المُلُوك بوريّ يستنجده، فبعث له عسكرًا بعد أن أخذ عليه العهد والميثاق، وأمر ولده سونج أن يسير إليه من حماة. ففعل فأكرمهم زنكي، وطمنهم أيّامًا، وغدر بهم، وقبض على سونج، وعلى أمراء أبيه، ونهب خيامهم، وحبسهم بحلب، وهرب جُنْدهم.
ثمّ سار ليومه إلى حماة، فاستولى عليها، ونازل حمص ومعه صاحبها خرخان فأمسكه، فحاصرها مدَّة، ولم يقدر عليها ورجع إلى الموصل. ولم يُطْلق سونج ومن معه حتّى اشتراهم تاج الملوك بوري منه بخمسين ألف دينار.
ثم لم يتم ذلك. ومقت النّاس زنكيّ على قبيح فِعْله.
مقتل ابن الخُجَنْدي:
وفيها وثبت الباطنّية على عبد اللطيف بن الخُجَنْدي رئيس الشَافعية بأصبهان، ففتكوا به.
الفتنة في وادي التّيم:
وأما بهرام، فإنه عتى وتمرد على الله، وحدثته نفسه بقتل برق بن جنْدل من مقدّمي وادي التَّيْم لَا لسبب، فخدعه إلى أن وقع في يده فذبحه.
وتألّم النّاس لذلك لشهامته وحُسْنه وحداثة سِنّه، ولعنوا من قتله علانية، فحملت الحميَّة أخاه الضحاك
стр. 11445
وقومه على الأخذ بثأره، فتجمعوا وتحالفوا على بذل المهج في طلب الثأر.
فعرف بهرام الحال، فقصد بجموعه وادي التّيم، وقد استعدوا لحربه، فنهضوا بأجمعهم نهضة الأسود، وبيَّتوه وبذلوا السّيوف في البهراميَّة، وبهرام في مخيَّمه، فثار هو وأعوانه إلى السّلاح، فأزهقتهم سيوف القوم وخناجرهم وسهامهم، وقطع رأسُ بهرام لعنه الله١.
الانتقام من الباطنية في وادي التّيم:
ثمّ قام بعده صاحبه إسماعيل العَجميّ، فجدُّوا في الإضلال والاستغواء، وعامله الوزير المَزْدقانيّ بما كان يعامل به بهرامًا، فلم يُمْهله الله، وأمر الملك بوري بضرب عُنقه في سابع عشر رمضان، وأحرق بدنه، وعلّق رأسه، وانقلب البلد بالسّرور وحُمِد الله وثارت الأحداث والشُّطّار في الحال بالسّيوف والخناجر يقتلون من رأوا من الباطنية وأعوانهم، ومن يتهم بمذهبهم، وتتبعوهم حتى أَفْنَوْهم، وامتلأت الطُرُق والأسواق بجِيَفهم. وكان يومًا مشهودًا أعز الله فيه الإسلام وأهله. وأُخِذ جماعةٌ أعيانٌ منهم شاذي الخادم تربية أبي طاهر الصَائغ الباطنيّ الحلبيّ، وكان هذا الخادم رأس البلاء، فعوقب عقوبة شَفَت القلوب، ثمّ صُلِب هو وجماعة على السُّور٢.
الحذر من الباطنيَّة:
وبقي صاحب دمشق يوسف فيروز، ورئيس دمشق أبو الذّواد مفرّج بن الحسن بن الصّوفيّ يلبسان الدّروع، ويركبان وحولهما العبيد بالسّيوف، لأنهما بالغا في استئصال شأفة الباطنيَّة.
تسليم بانياس للفرنج:
ولمّا سمع إسماعيل الدّاعي وأعوانه ببانياس ما جرى انخذلوا وذلُّوا، وسلَّم إسماعيل بانياس إلى الفرنج، وتسلّل هو وطائفة إلى البلاد الإفرنجيَّة في الذَّلَة والقِلَّة.
стр. 11446
هلاك داعية الباطنية:
ثمّ مرض إسماعيل بالإسهال، وهلك في أوائل سنة أربعٍ وعشرين.
موقعة جسر الخشب:
فلما عرف الفرنج بواقعة الباطنيَّة، وانتقلت إليهم بانياس، قويت نفوسهم، وطمعوا في دمشق، وحشدوا وتألّبوا، وتجمّعوا من الرُّها، وأنطاكّية، وطرابُلُس، والسّواحل، والقدس، ومن البحر، وعليهم كُنْدهر الّذي تملّك عليهم بعد بغدوين، فكانوا نحوًا من ستّين ألفًا، ما بين فارسٍ وراجل، فتأهّب تاج الملوك بوري، وطلب التُّرْكُمان والعرب، وأنفق الخزائن.
وأقبل الملاعين قاصدين دمشق، فنزلوا على جسر الخشب والميدان في ذي القعدة من السّنة، وبرز عسكر دمشق، وجاءت التُّركمان والعرب، وعليهم الأمير مُرَّة بن ربيعة وتعبّوا كراديسٍ في عدَّة جهات، فلم يبرز أحد من الفرنج، بل لزِموا خيامهم، فأقام الناس أيّامًا هكذا، ثمّ وقع المَصَافّ، فحمل المسلمون، وثبت الفرنج، فلم يزل عسكر الإسلام يكرّ عليهم ويفتك بهم إلى أن فشلوا وخُذلوا.
ثمّ ولّى كليام مقدَّم شجعانهم في فريقٍ من الخّيالة، ووضع المسلمون فيهم السّيف، وغُودروا صَرْعَى، وغنم المسلمون غنيمة لَا تُحَدّ ولا توصف، وهرب جيش الفرنج في اللّيل، وابتهج الخلْق بهذا الفتح المبين١.
ومنهم من ذكر هذه الملحمة في سنة أربعٍ كما يأتي، وانفرجت الكُرْبة من نصر الله تعالي ما لم يخطر ببال. وأمن النّاس، وخرجوا إلى ضياعهم، وتبدّلوا بالأمن بعد الخوف.
قتْل الباطنيَّة بدمشق:
وفيها قُتِلَ مَن كان يُرمى بمذهب الباطنيَّة بدمشق، وكان عددهم ستَّة آلاف٢.
قتل الأسداباذي ببغداد:
وكان قد قِتل ببغداد من مُدَيْدَة إبراهيم الأَسَدَاباذيّ، وهرب ابن أخيه بهرام إلى
стр. 11447
الشّام وأضَلّ خلفاءَه واسْتَغْواهم، ثمّ إنّ طُغتكين ولّاه بانياس، فكانت هذه من سيّئات طُغتكين، عفا الله عنه١.
قتال الباطنيّه في وادي التّيم:
وأقام بهرام له بدمشق خليفة يدعو إلى مذهبه، فكُثر بدمشق أتباعه. وملك بهرام عدَّة حصون من الجبال منها القَدْمُوس. وكان بوادي التَّيْم طوائف من الدَّرْزيَّة والنُصَيْريَّة والمجوس، واسم كبيرهم الضَحّاك، فسار إليهم بهرام وحاربهم، فكبس الضّحّاك عسكر بهرام، وقتل طائفة منهم، ورجعوا إلى بانياس بأسوأ حال.
خيانة المزدقاني وقتله:
وكان المَزْدقانيّ وزير دمشق يُعينهم ويُقوّيهم. وأقام بدمشق أبا الوفاء، فكثُر أتباعه وقويت شوكته، وصار حكمه في دمشق مثل حكم طُغتِكين. ثمّ إنّ المَزْدقاني راسلَ الفرنج، لعنهم الله، ليُسلِّم إليهم دمشق، ويُسلَّموا إليه صور. وتواعدوا إلى يوم جمعة، وقررّ المَزْدقاني مع الباطنيَّة أن يحتاطوا ذلك اليوم بأبواب الجامع، لا يمكنون أحدًا من الخروج، ليجيء الفرنج ويملك دمشق. فبلغ ذلك تاج المُلوك بوري، فطلب المَزْدقاني وطمّنه، وقتله وعلَّق رأسه على باب القلعة، وبذل السّيف في الباطنيَّة، فقتل منهم ستة آلاف. وكان ذلك فتحا عظيمًا في الإسلام في يوم الجمعة نصف رمضان.
فخاف الّذين ببانياس وذلُّوا، وسلّموا بانياس إلى الفرنج، وصاروا معهم، وقاسوا ذلًّا وهوانًا٢.
انكسار الفرنج:
وجاءت الفرنج ونازلت دمشق، فجاء إلى بغداد في النّفير عبد الوهّاب الواعظ الحنبليّ، ومعه جماعة من التّجّار، وَهَمُّوا بكسر المنبر، فوُعِدوا بأن ينفّذ إلى السّلطان في ذلك. وتناخى عسكر دمشق والعرب والتركمان، فكسبوا الفرنج، وثبت الفريقان، ونصر الله دينه فقُتل من الفرنج خلق، وأسر منهم ثلاثمائة، وراحوا بشر خيبة، ولله الحمد٣.
стр. 11448
سنة أربع وعشرين وخمسمائة:
المطر والحريق بالموصل:
وردت أخبار بأنّ في جُمَادى الأولى ارتفع سحاب أمطر بلدَ الموصل مطرًا عظيمًا، وأمطر عليهم نارًا أحرقت من البلد مواضع ودُورًا كثيرة، وهرب النّاس١.
كسرة الإفرنج عند دمشق:
وفيها كُسِرت الإفرنج على دمشق، وقُتِلَ منهم نحو عشرة آلاف، ولم يفلت منهم سوى أربعين. وَصَل الخبر إلى بغداد بذلك، وكانت ملْحمة عظيمة٢.
الملحمة بين ابن تاشفين وابن تومرت:
وفيها كانت ملحمة كبرى بين ابن تاشَفين، وبين جيش ابن تومرت، فقُتل من الموحّدين ثلاثة عشر ألفًا، وقُتِلَ قائدهم عبد الله الوَنْشريسيّ، ثم تحيّز عبد المؤمن بباقي الموحدين. وجاء خبر الهزيمة إلى ابن تومرت وهو مريض، ثمّ مات في آخر السّنة.
غدْر زنكي بسونج مرة أخرى:
وفيها راسل زنكيّ ابن آقْسُنْقُر صاحب حلب تاج الملوك بوري يلتمس منه إنفاذ عسكره ليحارب الفرنج، فتوثّق منه بأيمانٍ وعُهُود، ونفذ إلى زنكي خمسمائة فارس، وأرسل إلى ولده سونج وهو على حماة أن يسير إلى زنكيّ، فأحسن ملتقاهم وأكرمهم، ثمّ عمل عليهم، وغدر بهم، وقبض على سونج وجماعة أمراء، ونهب خيامهم، وهرب الباقون.
стр. 11449
تملُّك زنكي حماة:
ثمّ زحف إلى حماة فتملكها، ثم ساق إلى حمص، وغدر بصاحبها خرخان بن قُراجا واعتقله، ونهب أمواله، وتحلّف منه أن يسلّم حمص، ففعل، فأبى عليه بوّابه بها، فحاصرها زنكيّ مدَّة، ورجع إلى الموصل ومعه سونج، ثمّ أطلقه بمالٍ كثير.
مقتل الخليفة الآمر:
وفيها قُتِلَ صاحب مصر الخليفة الآمر بأحكام الله.
استيلاء سنجر على سمرقند:
وفي سنة أربعٍ قُتِلَ أمير سمرقند، فسار السّلطان سنجر فاستولى عليها، ونزل محمد خان من قلعتها بالأمان، وهو زوج بنت سنجر، وأقام سنجر بسمرقند مدَّة١.
انكسار الإفرنج أمام زنكيّ عند الأثارب:
وأمّا أهل حلب فكانوا مع الفرنج الّذين استولوا على حصن الأثارب في ضُرٍّ شديد لقربهم منهم. والأثارب على ثلاثة فراسخ من غربيّ حلب، فجاء عماد الدّين زنكيّ في هذا العام وحاصره، فسارت ملوك الفرنج لنجدته وللكشف عنه، فالتقاهم زنكيّ، واشتدّ الحرب، وثبت الفريقان ثباتًا كُلّيًا ثمّ وقعت الكسرة على الملاعين، ووُضع السّيف فيهم، وأُسِر فيهم خلْق. وكان يومًا عظيمًا. وافتتح زنكيّ الحصن عَنْوةً، وجعله دكًّا٢.
محاصرة زنكيّ حارم:
ثمّ نزل على حارِم، وهي بالقرب من أنطاكيَّة، فحاصرها، وصالحهم على نصف دَخْلها. ومنها ذلَّت الفرنج، وعلموا عجزهم عن زنكيّ، واشتدّ أزر المسلمين٣.
стр. 11450
انهزام صاحب ماردين أمام زنكيّ:
وعدّى زنكيّ الفُرات، فنازل بعض ديار بكر، فحشد صاحب ماردين لقتاله، ونَجَده ابن عمُّه داود بن سُقْمان من حصن كَيْفا، وصاحب آمِد، حتى صاروا في عشرين ألفًا، فهزمهم زنكيّ، وأخذ بعض بلادهم١.
خلافة الحافظ بمصر:
وفيها مات الآمر بأحكام الله صاحب مصر، وولي بعده الحافظ.
وفاة زوجة السلطان:
وفيها ماتت زوجة السّلطان محمود خاتون بنت السّلطان سنجر.
مقتل صاحب أنطاكية:
وفيها قُتِلَ بيمُنْد صاحب أنطاكية.
وزارة ابن الصوفي بدمشق:
وفيها وَزَر بدمشق الرّئيس مفرّج ابن الصّوفي.
ظهور عقارب طيّارة:
وفيها ظهر عقارب طيارة، لها شوكتان، وخاف النّاس منها وقد قتلت جماعة أطفال٢.
ملْك السّلطان قلعة ألَموت:
وفيها ملك السّلطان محمود قلعة ألموت.