← История

История · id 22771

تاريخ الإسلام - ط التوفيقية

شمس الدين الذهبي

Полный текст (11 937 стр.). Показаны 11481–11520 · переход к 11486.

стр. 11481

رَوَت عن: ابن المسلمة، وأبي بكر الخطيب. روى عنها: أبو القاسم بن عساكر، وقال: تُوُفّيت في ربيع الأوّل. روى عنها: ابن ناصر، وأبو الفَرَج بن الجوزيّ. "حرف الهاء": ١٢- هبة اللَّه بْن عَبْد اللَّه بن الحسن ابن البَصيْدائيّ١. وبَصِيدَاء: من قرى بغداد. أبو البقاء؛ أحد الرؤساء والأكابر. سمع: أبا محمد الجوهريّ، وغيره. روى عنه: أبو المعمّر الأنصاريّ، وأبو القاسم الحافظ. تُوُفّي فِي صَفَر. "حرف الياء": ١٣- يحيى بْن عُبَيْد بن سعادة. الزّاهد الخيّر. من أهل الإسكندرية. قال السِّلَفيّ: أنبا عن: أبي العبّاس أحمد بن إبراهيم الرّازي. ١٤- يحيى بن عَمرو بن بقاء٢. أبو بكر الحزاميّ المرجونيّ. نزل قُرْطُبَة، وأخذ بها عن: محمد بن فرج الفقيه، وأبي علي الغساني. وتفقّه عند أبي الحسن بن حمدين. وكان حافظًا للفقه، بارعًا في الشّروط، حصّل منها دينًا. تُوُفّي في جُمَادَى الأولى، وله بضعٌ وستّون سنة.

стр. 11482

وفيات سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة" "حرف الحاء": ١٥- الحسين بن عليّ بن صَدَقة١. أبو عليّ الوزير جلال الدّين، وزير المسترشد بالله. كان من رجال الدّهر رأيًا وحزْمًا؛ وله في مخدومه المسترشد بالله: وجَدتُ الوَرَى كالماء طعْمًا ورِقَّةً ... وأَنّ أمير المؤمنين زُلالُهُ وصوَّرْتُ مَعْنَى العقل شخصًا مصوَّرًا ... وأنَّ أمير المؤمنين مِثالُهُ ولولا مكان الدّين والشَّرْع والتُّقَى ... لَقُلتُ من الإعظام ﷻ تُوُفّي في رجب. قاله ابن الجوزيّ. وقد تكرر ذِكره في الحوادث. وذكره ابن النّجّار فقال: وُلد بنصيبين سنة تسعٍ وخمسين، وخدم إبراهيم بن قرْواش صاحب الموصل، فلما أُمسك هرب جلال الدّين إلى بغداد، ثمّ خدم بها، ولم يزل في ارتقاء إلى أن تزوَّج بابنة الوزير ابن المطّلب. ثمّ ولي وزارة في سنة ثلاث عشرة. ثمّ قُبض عليه بعد ثلاث سنين، ونُهبت داره؛ ورضوا عنه ثمّ أعيد إلى الوزارة سنة سبْع عشرة، فكان يومًا مشهودًا. وكان منسّبًا بليغًا أديبًا. ١٦- الحسين بن علي بن أبي القاسم٢. الشَيخ أبو علي الّلامشيّ السَّمَرْقنْدي الحنفي. قال السّمعاني: إمام فاضل متديّن يُضرب به المثل في النَّظر وعلم الخِلاف. وكان على طريقة السَّلف من طَرْح التّكلُّف والأمر بالمعروف والنَّهي عن المُنْكَر. روى شيخه دينار لنا عن القاضي محمد بن الحسن بن منصور النسفي.

стр. 11483

وسمع أيضًا من: الحافظ عبد الرحمن بن عبد الرحيم القصّار، وأبي علي الحسين بن عبد الملك النَّسفيّ. وتُوُفّي في رمضان. قال ابن الجوزيّ: قدِم رسولًا من خاقان ملك سَمَرْقَنْد. قال السّمعانيّ: مرّ بمْرو رسولًا من ملك سَمَرْقَند محمد بن سليمان. ولامش مِن قُرى فَرغَانَة. سمعتُ منه بقراءة عمّي أبي القاسم. ولد سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، وكان قوّالًا بالحقّ. "حرف السين": ١٧- سهل بن إبراهيم المسْجدي السُّبعيّ١. أبو القاسم النَّيْسابوريّ. يروي عن: أبي حفص بن مسرور، وعبد الغافر الفارسيّ، وأبي محمد الجويني. سمع منه حضورًا أبو سعد السّمعانيّ. وكان والده يقرأ كلّ يوم سُبْعَين، وابنه أحمد بن سهل يروي عن يعقوب بن أحمد الصَّيْرفيّ. تُوُفّي سهل سنة نيَّف وعشرين. قال السّمعاني: كان صالحًا حَسَن السّيرة، كثير العبادة، سمع الكثير، وعمّر الطّويل، وتفرد عن جماعته. قلت: روى عن: أبي عثمان الصّابونيّ، ودِحية بن أبي الطّيّب الحلّاب، والكَنْجَرُوديّ. روى عنه: حفيده محمد بن أحمد، وأبو المعالي بن الفُرَاويّ، وعبد الرحيم بن عبد الرحمن الشّعريّ، وأبو سعد الصّفّار، وابن ياسر الجيّانيّ، وآخرون. وكان خادم مسجد المطرز؛ دين صالح.

стр. 11484

"حرف الطاء": ١٨- طُغْتِكِين١. الأمير أبو منصور، المعروف بأتابك. من أمراء تاج الدولة. زوّجه بأم ولده دُقاق. وكان مع تاج الدّولة لمّا سار إلى الرَّيّ لقتال ابن أخيه. فلما قُتِلَ تاج الدولة رجع إلى دمشق، وصار أتابك دُقاق. فلّما مات دُقاق تملَّك بدمشق. وكان شَهْمًا، مَهِيبًا، شديدًا على الفرنج والمفسدين، ولَقَبُه ظهير الدّين. وهو والد تاج المُلوك بوري بن طُغْتِكِين. قال ابن الأثير: تُوُفّي أتابك طُغْتِكِين -كذا سمّاه ابن الأثير- في ثامن صَفَر، وهو من مماليك الملك تُتُش بن ألْب أرسلان. وكان عاقلًا خبيرًا، كثير الغزوات والجهاد للفرنج، حِسَن السّيرة في رعيته، مُؤْثِرًا للعدل. وملك بعده ابنه بوري أكبر أولاده بوصيةٍ منه، فاقر وزير أبيه أبا علي طاهر بن سعد المَزْدغانيّ على وزارته. وقال سِبْط الجوزيّ: كان طُغْتِكِين شجاعًا، شَهْمًا، عادلًا، حزن عليه أهل دمشق، ولم يبق فيها محلَّة ولا سوق إلا والمأتم قائم عليه فيه، لأنه كان حَسَن السّيرة، ظاهر العدل، مدبّرًا للممالك. أقام حاكمًا على الشّام خمسة وثلاثين سنة. وسار ابنه سيرته ثمّ تغيّرت نيته، وأضمر السُّوء لأصحاب أبيه، والظُّلم للرعية، وتمكن وزيره المَزْدَغاني من أهل دمشق، وصادق الباطنية، واستعان بهم. وقبض بوري على خواصّ أبيه، فاسترابوا به، ونَفَرَت القلوب منه. وقال أبو يَعْلَى بن القلانِسِيّ: مرض أتابك طُغْتِكِين مرضًا أنْهك قوّته، وأَنْحَل جسمه. وتُوُفّي في ثامن صَفَر، فأبكى العيون، وأنكأ القلوب، وفتَّ في الأعضاد، وفتّت الأكباد، وازداد الأسف، فرحمه الله وبرّد مضْجعه. وماتت زوجته الخاتون شرف النّساء، أمّ بوري، بعده بثلاثة أشهر، ودُفنت بتُربتها الّتي خارج باب الفراديس. قلت: ومات في هذه السّنة ودُفن بتُربته، قِبليّ المُصَلَّى ثامن صفر.

стр. 11485

"حرف العين": ١٩- عَبْد اللَّه بْن أحمد بْن سعيد بن سليمان بن يربوع١. الأستاذ الحافظ أبو محمد الأندلسيّ الشَنْتَرينيّ ثمّ الإشبيليّ. نزيل قُرْطُبة. سمع "صحيح البخاريّ" من محمد بن أحمد بن منظور، عن أبي ذَرّ الهَرَويّ. وسمع من: أبي محمد بن خَزْرج، وحاتم بن محمد، وأبي مروان بن سراج، وأبي علي الغساني. وأجاز له أبو العباس العذري. قال ابن بَشْكُوال: وكان حافظًا للحديث وعِلَله، عارفًا برجاله وبالجرح والتّعديل، ضابطًا، ثقة. كتب الكثير، وصحب أبا علي الغسانيّ واختص به. وكان أبو علي يفضله، ويِصفهُ بالمعرفة والذّكاء. صنَّف كتاب "الإقليد في بيان الأسانيد"، وكتاب "تاج الحلية وسراج البغية في معرفة أسانيد الموطأ"، وكتاب "المنهاج في رجال مسلم" وسمعتُ منه مجالس. وتُوُفّي في صَفَر. ومولده في سنة أربعٍ وأربعين وأربعمائة. ٢٠- عبد الرحمن بن سعيد بن هارون٢. أبو المطرف الفهمي السرقسطي المقرئ ابن الوراق. روى عن: أبي عبد الله المغامي، والحسن بن مبشّر، وأبي داود، وغيرهم من القرّاء. وجوّد القراءات. وسمع من: أبي الوليد الباجيّ. وأجاز له أبو عمر بن عبد البر.

стр. 11486

وأقرأ الجناس بجامع قُرْطُبة، وأَمّ بالناسّ فيه. أخذ الناس عنه، وكان ثقة. تُوُفّي في صَفَر، وله ثمانون سنة. أجاز لابن بَشْكُوال. ٢١- علي بن أستِكِين١. الأمير أبو الحسن العميديّ، الحاجّيّ، النَّيْسابوريّ. كان خفيف الرّوح، صالحًا عابدًا. ترك الخدمة ولبس لباس الصّالحين، وقنع بما له من ميراث. وحدَّث عن: أبي الحسن محمد بن محمد الحسينيّ العَلَويّ، والحسن بن محمد الصّفار، وأبي نصر عبد الرحمن التّاجر، وغيرهم. توفي بنيسابور. ٢٢- علي بن الحسن بن علي بن سعيد بن محمد٢. أبو الحسن الدّمشقيّ العطّار. كان أبوه مقدّم الشُّهُود ورئيسهم بدمشق، وكان مُثْريًا فاشترى لابنه جارية مغنِّية، فتعلَّم منها الغناء؛ ثمّ افتقر وتعثّر، فكان يغنّي في مجالس الخمر، ويغنّي ويشرب، ثمّ كبر وضعف. قال ابن عساكر: سمع الكثير من أبي القاسم السميساطي، وأبي القاسم الحِنّائيّ، وأبي بكر الخطيب، فأتيناه فرغّبناه في التّوبة، فتاب وترك الغناء، وسمعنا منه كُتُبًا. تُوُفّي فِي صَفَر. وكان مولده فِي سنة خمسٍ وأربعين وأربعمائة. ٢٣- علي بن الحسن بن محمد بن محمد٣. الإمام أبو القاسم ابن الإمام أبي علي النيسابوري الصفار.

стр. 11487

فاضل، علّامة، متفّنن. روى عن: أبي عثمان البَحِيريّ، وأبي سعد الكَنْجَرُوذيّ، وأحمد بن منصور المغربيّ، وأصحاب الخفاف. ثم عن: أصحاب الحاكم، وابن يوسف. ثمّ عن: أصحاب الحِيريّ. وله النسخ والأجزاء. وكان بإسفرايين وبها مات في رمضان. "حرف الميم": ٢٤- محمد بْن أبي شجاع العُبَيْدي١. الأمير ابن الأمير، المأمون بن نور الدّولة. كان المأمون وزير الآمر بأحكام الله العُبَيْديّ المصريّ ومدبر دولته، بقي على ذلك أربع سنين. ثم قبض الآمر عليه في سنة تسع عشرة وخمسمائة، ثمّ قُتِلَ في رجب سنة اثنتين وعشرين، وصُلِب بظاهر القاهرة. ٢٥- موسى بن أحمد بن محمد٢. أبو القاسم النّشَادريّ، الفقيه الحنبليّ. سمع الكثير، وقرأ بالروايات. وتفقه على أبي الحسن بن الزَّاغُونيّ؛ وناظر. وتُوُفّي في رجب شابًا. "حرف الهاء": ٢٦- هبة اللَّه بْن عَليّ بْن محمد٣.

стр. 11488

أبو القاسم المَرْوَزِيّ، ويُعرف بقاضي مَرْغَرْن، وهي قرية من قرى مَرْو. محدث كثير المحفوظ، حريص على عقْد المجالس. له قبول عند العامَّة، إلّا أنّه غير ثقة. كان لَا يبالي ما يقول بحسب الوقت. سمع: أبا إسماعيل الأنصاريّ بَهَراة. وعاش نيِّفًا وستّين سنة. وفيات سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة: "حرف الجيم": ٢٧- جعفر بن عبد الواحد بن محمد بن محمود بن أحمد١. أبو الفضل الثّقفيّ الأصبهانيّ، الرئيس، النّبيل. سمع: ابن رِيذة الثّاني، وعبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي علي المعدّل، وعبد الرّزّاق بن أحمد الخطيب، وأبا طاهر بن عبد الرحيم، وأحمد بن الفضل الباطِرْقانيّ، وسعيد بن أبي سعيد العَيَّار، ومحمد بن عبد الرحمن بن زياد الأَرْزُنَانيّ. روى عنه: أحمد بن أبي منصور بن الزَّبْرَقان، والحافظ أبو موسى، وأسعد بن أبي طاهر الثَقفيّ، وعبد الواحد بن أبي المطّهر الصيدلانيّ، وعبد الجليل بن أبي نصر بن رجاء، ومحمد بن أحمد المَهَّاد، وناصر بن محمد الوِيرج الأصبهانيون. وقد ذكره السّمعانيّ في "التَّحبير". يقال: كان صالحًا، سديدًا، وكان خير من روى عن الرجال، عن ابن رِيذَة. ومن مَرْوِيّاته: شروط الذّمة لأبي الشَيخ، والسُّنَّة له، والعتْق له، والضّحايا والعقيقة له، والنّوادر له، وفوائد العراقيَّين له، وأحاديث طلحة بن مصرّف له، وكتاب السَّبق والرَّمي له، وكتاب القطع والسّرقة له، وغير ذلك. روى الجميع عن ابن عبد الرحيم، عنه. وكتاب "الأدب" لابن أبي عاصم، وكتاب "معجم ابن المقرئ" و"فوائده" التي

стр. 11489

في خمسة عشر جزءًا، وكتاب "حرملة"، وكتاب "الأسماء والكنى" لأبي عروبة، وكتاب "الجامع" لأحمد بن الفرات، و"سنن الشافعي"، رواية ابن عبد الحكم، وكتاب "الآحاد والمثاني" لابن أبي عاصم، وكتاب "طبقات أصبهان" لأبي الشَيخ، وكتاب "الصّلاة" لأبي نُعَيْم الفضل بن دُكَيْن، وكتاب "البكاء" للفِرْيابيّ، وكتاب "شواهد الشعر" لأبي عروبة. وسمع "صحيح البخاريّ" من سعيد العيّار. وكان مولده في سنة أربعٍ وثلاثين وأربعمائة، وتُوُفّي في تاسع جُمَادى الأولى، وله ثمانون سنة. "حرف الحاء": ٢٨- الحسن بن المظفّر بن الحسن بن المظفّر بن يزيد١. أبو علي بن أبي سعد السِّبْط. كان أبوه سِبْط أبي بكر بن لال الهَمَذَانيّ. سمع: أباه، وأبا محمد الجوهريّ، وأبا الحسين بن المهتديّ بالله. روى عنه: ابنه هبة الله، ويحيى بن يوسف، وأبو القاسم بن عساكر، وآخرون. تُوُفّي في ربيع الأوّل. وثّقه ابن عساكر. ٢٩- حمزة بن هبة اللَّه بْن مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن داود٢. أبو الغنائم بن أبي البركات العَلَوي الحَسَنيّ النَّيْسابوريّ. كان جده محدَّث نَيسابور. وكان هو حَسَن السّيرة محدَّث بالكثير، وتفرّد في وقته. وسمع: أباه، وأبا نصر محمد بن الفضْل النَّسَويّ، وأبا الحسين عبد الغافر

стр. 11490

الفارسيّ، وأبا حفص بن مسرور، وعبد الرحمن بن محمد الأَنْماطيّ صاحب أبي بكر الإسماعيليّ، وعَمْرو بن أبي عَمْرو البَحِيريّ. وحجَّ فسمع ببغداد من: القاضي أبي عبد الله الدَّامَغانيّ، وأبي يوسف عبد السّلام القزوينيّ. وقال ابن السمعاني: أجاز لي، وحدَّثني عنه جماعة. وكان زيديّ المذهب. تُوُفّي في سادس المحرَّم، وله ستٌّ وتسعون سنة. "حرف الطاء": ٣٠- طاهر بن سعد١. الوزير كمال الدين أبو عليّ المَزْدَغَانيّ، وزير صاحب دمشق تاج الملوك بُوري بن طُغْتِكِين. اتهم بمذهب الباطنيَّة، فقُتِلَ في رمضان، ونُصِب رأسه على باب القلعة، ووضع الْجُنْد السَّيف في الباطنيَّة بدمشق، فقتلوا منهم ستَّة آلاف نفس، كما مرَّ في الحوادث. "حرف العين": ٣١- عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بن شاذان٢. أبو الفتح بن عَلُّوَيْه السَّعِيديّ السَّرْخَسِيّ، الفقيه. سمع: اللَّيْث بن الحَسَن اللّيثي، وزهير بن الحَسَن، والحافظ محمد بن محمد بن زيد العَلَويّ. ولد سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. أجاز لابن السّمعانيّ، وقال: مات يوم التَّرْوِية بسَرْخَس. ٣٢- عبد الله بن أبي المعمر شيبان بْن عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد٣. الحافظ أبو محمد البرجي، الأصبهاني، المحتسب.

стр. 11491

وُلِد سنة سبعٍ وأربعين، وسمع: سِبْط حرويه، وجماعة. وكان عارفًا برجال الصّحيحين. وكان صحّافًا. روى عنه: أبو موسى المَدِينيّ. ٣٣- عُبيد الله بن محمد ابن الإمام أبي بكر أحمد بن الحسين بن عليّ١. أبو الحسن البَيْهَقيّ الخُسْرَوْجِرْدِيّ. لم يكن يعرف شيئًا من العلم، بل سمع الكتب من جدّه. وسمع من: أبي يَعْلَى إسحاق بن عبد الرحمن الصّابونيّ، وأبي سعد أحمد بن إبراهيم المقرئ. وقدِم الحجّ بعد العشرين، فحدَّث ببغداد. روى عنه: ابن ناصر، وأبو المُعَمَّر الأنصاريّ، وأبو القاسم بن عساكر، وأبو الفتح المَنْدَائيّ، وآخرون. قال ابن السّمعاني: كره السّماع منه جماعةٌ لقلَّة معرفته بالحديث، وسألت عنه أبا القاسم الدّمشقيّ فقال: ما كان يعرف شيئًا. وكان يتغالى بكُتُب الإجازة ويقول: ما أجيز إلا بطَسُّوج. قال: وسمع لنفسه في جزءٍ، عن جدّه تسميعًا طَريًا. وكان سماعه فيما عداه صحيحًا. وقال أبو محمد بن الخشاب: سألته عن مولده فقال: سنة تسعٍ وأربعين. وقال ابن ناصر: مات في ثالث جُمَادَى الأولى ببغداد. مرض ثلاثة عشر يومًا. ٣٤- علي بن عبد المجيد بن يوسف بن شعيب. أبو الحسن السُّلَمي السَّمَرْقَنْديّ. أحد الأئمة. تُوُفّي في شوال وله اثنتان وثمانون سنة.

стр. 11492

روى عن: أبي حمية محمد بن أحمد الحنْظَليّ. وعنه: عمر النُّسَفيّ. ٣٥- علي بن عبد الواحد بن الحسن بن علي بن شواش١. أبو الحسن الدّمشقيّ المعدّل. سمع: أبا الحسن بن قبيس، وأبا القاسم بن أبي العلاء. روى عَنْهُ: أبو القاسم بْن عساكر، وقال: كان أمينًا على المواريث، ووقْف الأشراف. وكان ثقة. ٣٦- عُمَر بْن أَبِي عِيسَى أَحْمَد بْن عُمَر بن أبي عيسى. الإمام أبو بكر المَدِينيّ الأصبهانيّ المقرئ. وُلِد سنة أربعٍ أو خمسٍ وستين وأربعمائة بمدينة جيّ. ثمّ انتقل به أبوه إلى أصبهان وهو يرضع. روى عن: أبي عَمرو بن مَنْدَهْ، وغيره. روى عنه: ابنه الحافظ أبو موسى، وقال: كانت له يدّ قويَّة في معرفة القرّاء والقراءات وعِلم الفرائض. وتُوُفّي خامس رجب. ٣٧- عيسى بن موسى بن سعيد. أبو الأصْبَغ الأنصاريّ البَلَنْسيّ، ويُعرف بالمُتَوَلّيّ. روى عن: أبيه، وأبي داود المقرئ. وأجاز له أبو الوليد الباجيّ. وقدَّم للشُّورَى. وصَدَق في علم الرأي، واشتغل وأفتى ببلنسية. روى عنه: محمد بن سليمان القَلْعيّ. وتُوُفّي في ربيع الأول.

стр. 11493

"حرف الميم": ٣٨- مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم بْن إسماعيل١. أبو عامر الطُّلَيْطُليّ، نزيل قُرْطُبة. روى عَنْ: أَبِي المُطَرف عَبْد الرَّحْمَن بْن محمد، وأبي المطرّف عبد الرحمن بن أسد، وأبي أحمد جعفر بن عبد الله، ومحمد بن خلف السقاط، ومحمد بن محمد بن جماهر، وجماعة. وأجاز له أبو الوليد الباجي، وأبو العباس العذري، وغيرهم. قال ابن بَشْكُوال: كان مُعتنيًا بلقاء الشّيوخ، جامعًا للكُتُب والأُصُول. كانت عنده جُملة كبيرة من أصول علماء بلده وفوائدهم، وكان ذاكرًا لأخبارهم وأزمانهم. وقد سمع منه أصحابنا. وترك بعضهم التحديث عنه لأشياء اضطرب فيها شاهدتها منه مع غيري، وتوقّفنا في الرِّواية عنه. وقد كنت أخذت عنه كثيرًا ثمّ زهدت فيه لأشياء أوجبت ذلك. تُوُفّي في ربيع الأوّل. وكان مولده سنة ٤٥٣. ٣٩- محمد بن سعد بن الفَرَج بن مهمت. أبو نصر السّيبانيّ الحلْوانيّ المؤدب. شيخ بغداديّ، فاضل، ثقة. روى عن: أبي الغنائم بن المأمون، وأبي الحسين بن المهتدي بالله، وابن النَّقُّور. وخرّج له عبد الوهاب الأنماطيّ فوائد في جزء. وروى عنه: ابن ناصر، وأبو محمد بن سوفتين، وذاكر بن كامل. ٤٠- المقّرب بن الحسين بن الحسن. أبو منصور العُقَيْليّ العِيسَوِيّ النّسّاج، والد أحمد الكَرْخيّ. شيخ صالح، خير.

стр. 11494

سمع: أبا يَعْلَى بن الفرّاء، وأبا جعفر ابن المسلمة، وغيرهما. روى عنه: السَّلَفيّ، وابن بوش. وتُوُفّي ﵀ في ربيع الأوّل. ٤١- منصور بن هبة الله بن محمد المَوْصِليّ. أبو الفوارس الحنفيّ، من كبار أئمة المذهب. وُلي القضاء بأماكن من السّواد. "حرف الياء": ٤٢- يحيى بن مُحَمَّد بن مُوسَى بن عابد. أبو محمد الرِّيَاحِي الأندلسيّ. قال ابن السّمعانيّ: شيخ صالح، عفيف، سمع الكثير ونَسَخ، وبالَغ في الطَّلب؛ وكان ثقة صدوقًا. جاوَرَ مدَّة، وقدِم بغداد، ومضى إلى ما وراء النَّهر. وكان موته ببُخَارَى. سمع: أبا مكتوم عيسى بن أبي ذَرّ، وعلي بن المفرّج الصَّقَلّيّ، وأبا إسماعيل الأنصاريّ، وأبا عبد الله العُمَيْريّ، وأبا بكر بن خَلَف الشّيرازيّ. وسمع أيضًا بسَمَرْقَنْد، ونَسف. وأكثر التّرحال. وروى لي عنه: الأمير أبو علي أحمد بن محمد بن جبريل الطرازي، وجماعة سمعوا منه. وفيات سنة أربع وعشرين وخمسمائة: "حرف الألف": ٤٣- أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن أحمد بن عبد الملك بن رضوان١. أبو نصر البغدادي المراتبي.

стр. 11495

شيخ صالح من باب المراتب. سمع: أبا محمد الجوهريّ؛ وسماعه صحيح. روى عنه: محمد بن طاهر المقدسيّ مع تقدّمه، وأبو القاسم بن عساكر. ومات في جُمادَى الآخرة وله إحدى وثمانون سنة. وقد أجاز له عبد العزيز الأزَجيّ الحافظ. قال ابن النّجّار: روى لنا عنه أبو القاسم ابن السُّبْط. وكان شيخًا صالحًا أمينًا، كثير الصّلاة والصدقة. سمع أيضًا أبا يَعْلَى بن الفرّاء. ٤٤- أَحْمَد بن عبد الواحد بن الحسن بن زُرَيْق. الشَّيْبانيّ البغداديّ القزّاز، عم أبي منصور عبد الرحمن بن محمد. شيخ صالح. سمع: أبا جعفر ابن المسلمة، وأبا الحسين بن النَّقُّور. تُوُفّي في شعبان. روى عنه: أبو القاسم بن عساكر، وأبو المُعَمَّر الأنصاريّ. ٤٥- إبراهيم بن عثمان بن محمد١. أبو إسحاق، وقيل أبو مَدْيَن الكلْبيّ الغزّيّ، الشّاعر المشهور. أحد فُضلاء الدّهر، ومَن يُضرب به المثل في صناعة الشِّعر. ذو الخاطر الوقّاد، والقريحة الجيّدة. تنقّل في البُلدان، ومدحَ الأعيان، وهجا جماعة. ودوَّر في الجبال، وخُراسان. وسار شِعْره. وقد سمع بدمشق من الفقيه نصر سنة إحدى وثمانين وأربعمائة. قال ابن النّجّار: هو إبراهيم بن عثمان بن عيّاش بْن مُحَمَّد بْن عُمَر بْن عَبْد اللَّه الأشهبي الكلبي.

стр. 11496

ثمّ قال: هكذا رأيت نَسَبه بخطّ محمد بن طُرْخان التّركيّ. روى ببغداد كثيرًا من شِعره. وعنه من أهلها: محمد بن جعفر بن عَقِيل البصريّ، ومحمد بن علي بن المِعْوَجّ، وعبد الرحيم بن أحمد ابن الأخوة. وروى السِّلَفيّ عنه. وروى أيضًا عن يوسف بن عبد العزيز المَيُورقيّ، عنه. ومن شِعره: أَغْيدُ للعين حين تَرْمُقُهُ ... سلامةٌ في خلالها عطَبُ واخضرُ في وجْنَتَيْه ... ... ... الماء ينبتُ العشبُ يدير فينا بخدّه قَدَحا ... يجتمع الماءُ فيه واللهَبُ قلت: وقيل: هو إبراهيم بن يحيى بن عثمان بن محمد. أقام بالنّظامية ببغداد سِنين كثيرة. وله ديوان شعر مختار نحو ألْفي بيت. وقال العماد في "الخريدة": مدح ناصر الدّين مُكْرَم بن العلاء وزير كرْمان بالقصيدة الّتي يقول فيها: حملنا من الأيام ما لَا نُطِيقهُ ... كما حمل العظْمُ الكسِيرُ العصائبا وليلٍ رَجَوْنا أن يَدبّ عِذَارُهُ ... فما اختطّ حتّى صار بالصُّبح سائبا قال ابن السّمعانيّ: ما اتّفق أنيّ سمعت منه شيئًا، وكان ضنينًا بشِعْره، إلا أنّه اتّفق له الخروج من مَرْو إلى بلْخ، فباع قريبًا من عشرة أرطال من مُسَوَّدات شِعره من بعض القلانِسيّين، ليفسدها في القلانِس، فاشتراها منه بعض أصدقائي، وحملها إليَّ، فرأيت شِعرًا أُدْهِشْت من حُسنه وجَوْدة صنعته. فبيّضت منه أكثر من خمسة آلاف بيت. وُلِد ﵀ سنة إحدى وأربعين وأربعمائة. وقال ابن نُقْطة في "استدراكه" على الأمير: نبا أبو المعالي محمد بن أبي الفَرَج البغداديّ: حدَّثني سعد بن الحسن التّورانيّ الخُراسانيّ الشاعر قال: كنا نسمع على إبراهيم الغزّيّ ديوانه، فاختلف رجلان في إعراب بيت، فقال: قوموا، فَوَالله لَا أسْمَعْتُ بقيّته، ولأبيعنَّ ورقَهَ للعطّارين يصرّون فيه الحوائج.

стр. 11497

ومن شعره: قالوا تركت الشَّعْر قلت ضرورةً ... باب الدّواعي والبواعث مُغْلَقُ خَلَت الدَّيار فلا كريم يرتجى منه ... النّوالُ ولا مليحٌ يُعشَقُ ومن العجائب أنه لَا يُشْتَرَى ... ومع الكَسَاد يُخانُ فيه ويسرق وله: أإحتمال خدّ يوم وَجرة أمْ جيد ... أمّ اللّحْظُ فيما غازَلَتْكَ المَها الغِيدُ سَفَرْنَ فقال الصُّبح لست بسفيرٍ ... ومِسنَّ فقال البانُ ما فيّ أملودُ وخوطّية المهتزّ أمكن وصْلها ... وطرفٌ رقيت الحيّ بالنوم مصفود لك النّومُ تحت السَّجْف والطّيبُ والحُلَى ... ولى عَزَماتي والعلندات والبيدُ فقالت أَمِطّ عنك القريضَ وذِكْرَهُ ... فما لَكَ في نَظْم القصائدِ تجويدُ وله: طولُ حياةٍ ما لها طائل ... نقص عندي كلّما يُشْتَهى أصبحت مثل الطَّفْل في ضَعْفه ... تشابه المبتدأ والمُنْتَهى فلا تَلُم سمعي وإن خانني ... إن الثّمانين وبُلّغْتُها وله: بجَمْعِ جَفْنيك بين البُرْء والسَّقَم ... لا تَسْفِكي من دموعي بالفِراقِ دمي إشارةٌ منكِ تكفيني وأحسن ما ... رُدَّ السّلامُ وغَدَاة البَيْنِ بالعَنَمِ تَعليقُ قلبي بذاتِ القُرْطِ يُؤلمهُ ... فينكر القُرْطُ تعليقًا بلا ألم وما نسيت ولا أنسى تجشُّمَها ... ومنسم الجوّ غفلٌ غير ذي عَلَمِ حتى إذا طاح منها المِرْط من دهشٍ ... وانْحَلّ بالضّمّ سلْك العُود في الظُّلَم تبسّمت فأضاء الجوّ فالتقطتْ ... حبّات متعثّر في ضوء منتظم وله: إذا ما قلّ عقلُ المرءِ قلّت هُمُومُه ... ومن لم يكنْ ذا مقلةٍ كيف يرمد

стр. 11498

وقد تصقل الضبات وهي كليلةٌ ... وتصيد أحدّ السِّيفِ وهو مُهَنَّد وله: إني لأَشْكُو خُطُوبًا لَا أعيّنها ... ليبرأ النّاسُ من لَومي ومن عذْلي كالشّمع يبكي ولا يُدرى أَعَبْرَتُهُ ... من حُرْقة النّار أو من فرقةِ العَسَلِ وله القصيدة السّائرة: أحِطْ عن الدُّرر الزّهر اليَوَاقِيتا ... واجعل لحجّ تَلاقِينا مواقيتا فثغرك اللؤلؤ المبيض لا الحجر الـ ... ـمسود طالبه يطوي السّباريتا لنا بذِكراك أذكى الطَّيب رائحةً ... ونورُ وجْهِكَ ردّ البَدر مبهوتا وفتية من كُماه التُّرْكِ ما تركَتْ ... للرَّعْد كنانهم صَوْتًا ولا صِيتا قوم إذا قُوبلوا كانوا ملائكةً ... حُسْنًا وإن قُوتلوا كانوا عفاريتا مُدَّت إلى النَّهْب أيديهم وأعيُنُهم ... وزادهم قلق الأخلاق تثبيتا وله: طفقت تقول أسيرة الكَلَل ... لك ناظرٌ أَهدى فؤادَكَ لي وأراك رائد مهمَّة قذف ... ما عاقَهَا القَمَران عن زُحَلِ من ضنها بالطَّيْف توعدنا ... جود النبأ يعد في البخل استغفر الله المركب في أسل ... القُدُودِ لها ذمّ المُقَل فاسننْ عليك دلاص تسليةٍ ... فاللحظ يُبْطل حُجَّةَ البطلِ بك من جواري السّرب نازلةٌ ... بالحُسْن بين مراكز الأَسَلِ بدويَّة الحِلَل افتتنْتُ بها ... لما بَدَت خصريَّة الحُلَلِ يا دُمْيةً سَفَكَت دمي عشارًا ... أنا ابن بجدة حَوْمة الوهلِ ما ضقتُ يومًا بتحيّتي لهم ... إلّا وكان نزالُهُمْ نزلي ومن السّفاهةِ مَقْتُ ذي معةٍ ... ومن العناء عتابُ ذِي ملل

стр. 11499

وله: وربّ خطيبٍ حللْتُ عُقْدَتَه ... بمنزلٍ لَا تحل فيه حبا وما لك جئت نحوه ظلمًا ... فزرته مشرق المُنى شحبا جاد بما يملأ الحقائب لي ... وحدّث بالمدْح يملأ الحُقبا وكم تصيّدته والصِّبى شركي ... شرب ظبا لحاطمين ظبا على عذير بروده نَظَمتْ ... نوادرها حول بدره شُهُبا يدقّ فيه الغمام أسهُمَهُ ... فيكتسي من نصالها حَسَبا ويعجم الطَلّ ما يحطّ على ... صفحته مرّ شمال وصبا ضروب نقشٍ كأنما خلع الز ... هر عليهن بُرده طَرَبا لو كنّ يتّقين ظنّهن صفيّ ... الدّولة الأحرف التي كتبا قال ابن السّمعاني: خرج الغّزي متوجّهًا من مَرْو إلى بلْخ في سنة أربعٍ وعشرين، فأدركته المَنِيَّة في الطريق، فحُمِل إلى بلْخ ودُفن بها، وله ثلاثٌ وثمانون سنة. ٤٦- إسماعيل بن الفضل بن أَحْمَد بن محمد بن علي الإخشيد١. التّاجر الأصبهانيّ المعروف بالسّرّاج. سمع: أبا القاسم بن أبي بكر الذَّكوانيّ، وأبا طاهر بن عبد الرحيم، وعليّ بن القاسم المقرئ، وأبا العباس بن النُّعْمان الصّائغ، وأحمد بن الفضل الباطِرْقانيّ، وأبا الفضل عبد الرحمن بن أحمد الرازيّ، وجماعة. روى عنه: أبو طاهر السِّلَفيّ، وكنّاه أبا سعيد ووثقه، وأبو موسى المديني، ويحيى الثقفي، وناصر الويرج، وخلف بن أحمد الفراء، وأسعد بن أحمد الثقفيّ، وأبو جعفر الصَّيْدلانيّ، وآخرون. سمعه أبو موسى يقول: وُلِدت ليلة نصف شعبان سنة ستٍ وثلاثين وأربعمائة. قال: وكان أبي اسمه محمد، وكنيته أبو الفضل، فغلب عليه الفضل.

стр. 11500

قلت: وكان من المكثرين في السّماع والرّواية، وقرأ القرآن على المشايخ. وكان تاجرًا أمينًا. كنّاه أبو سعد السّمعانيّ أبو الفتح وقال: كان سديد السّيرة. قرأ بروايات، ونسخ أجزاء كثيرة، وكان واسع الرواية، موثوقًا به. كتب لي الإجازة. فمن مسموعاته: "طبقات الصّحابة" لأبي عَروبة، في أربعةٍ وعشرين جزءًا، بروايته عن أبي طاهر بن عبد الرحيم، عن ابن المقري، عنه؛ وكتاب "الإشراف في اختلاف العلماء" لابن المنذر، بروايته عن ابن عبد الرحيم، عن ابن المقري، عنه؛ وكتاب "السُّنَن" للحلوانيّ، رواية الفضل الْجُنْديّ، عنه. قلت: تُوُفّي ﵀ في رمضان، وقيل في شعبان. وله فوائد مَرْوِيَّة. "حرف الخاء": ٤٧- خَلَف بن عمر بن عيسى١. أبو القاسم الحضّرميّ الْقُرْطُبيّ. روى عن: سراج بن عبد الملك. وتفقّه عند: هشام بن أحمد الفقيه. قال ابن بَشْكُوال: عن جماعة معنا. وكان ﵀ من العلماء المتفنّنين. تُوُفّي في رجب. "حرف السين": ٤٨- سهل بْن إبراهيم بْن أَبِي القاسم٢. أبو القاسم النَّيسابوريّ المسجديّ النَّسفيّ، خادم مسجد المطرّز. قال السّمعانيّ، وقد أجاز له: كان شيخًا صالحًا، كثير العبادة، معمَّرًا، متفردًا

стр. 11501

بالرواية عن مثل أبي سعيد بن أبي الخير المِيهَنيّ، وأبي محمد الْجُوَيْنيّ، وأبي عبد الرحمن محمد بن أحمد بن مُحَمَّد الشاذياخي. وسمع من: عبد الغافر الفارسي، وابن مسرور. سمعني والدي منه أجزاء. وُلِد في حدود سنة ثلاثين، وحدَّث في آخر سنة ثلاث، ووفاته بعد ذلك. ٤٩- سهل بن محمود بن محمد بن إسماعيل١. أبو المعالي البخاريّ البَرّاني. وبرّانية من قرى بُخارى. كان إماما، ذكيًا، واعظًا، صالحًا، عابدًا، حجّ على التّجريد، وبقي مع وِفاقه حافيًا عُرْيَانًا، حتى توصلوا إلى مكَّة بعد الرّفقة. وجاوَرَ بمكَّة حتى حجّ. ودخل اليمن، وركب البحر إلى كَرمان. سمع: أباه، والمظفر بن إسماعيل الْجُرْجانيّ. روى عنه: ابنه حمزة. وتُوُفّي ببُخَارَى. "حرف الطاء": ٥٠- طِراد بن علي بن عبد العزيز٢. أبو فِراس السُّلَمي الدّمشقيّ الكاتب المعروف بالبديع. مات متوليًا بمصر. وكان مولده بدمشق في سنة أربع وخمسين. قال السَّلفيّ: علّقت عنه شِعرًا. وكان آيةً في النظم والنثر. له مقامات ورسائل. قلت: ومن شِعره في تاج الدّولة تُتُش بن ألب رسلان: غزالٌ غزا قلبي بعينٍ مريضةٍ لها ضعف أجفانٍ تهدّ قوى صبري

стр. 11502

له لِينُ أعطافٍ أرقُّ من الهَوَى ... وقلبٌ على العُشّاق أقسى من الصَّخْرِ وهى طويلة. ومن شعره أيضًا قوله: قيل لي لما جلست في طرف القو ... م وأنتَ البديعُ ربُّ القوافي قلت: آثرته لأنّ المناديـ ... ـل يُرى طَرْزُها على الأطرافِ وكفاني من الفخار بأني نازلٌ ... في منازلِ الأشرافِ "حرف العين": ٥١- عَبْد اللَّه بْن عَلِيّ بْن عبد الملك١. أبو محمد الهلاليّ الغَرْناطيّ، يعرف بابن سَمَجُون. أحد جِلَّة العُلماء والفُقَهاء. ولي قضاء غَرْناطة. وأخذه عنه: أبو جعفر بن البادش، وعبد الحق بن بونة. وعاش بضعًا وسبعين سنة. يروى عن: أبي علي الغسانيّ، وطبقته. ٥٢- عبد الله بن محمد بن إسْمَاعِيل بن صَدَقة٢. أبو محمد المصريّ، المجاور بمكَّة. ويُعرف بابن الغَزال. شيخ كبير صالح. سمع: أبا عبد الله القُضاعيّ بمصر، وأبا القاسم الحِنّائيّ، والكتّانيّ بدمشق؛ وكريمة المَرْوزية. وطال عُمره وكفّ بصره. قال ابن عساكر: سمعت من لفظه حديثًا واحدًا لصممٍ شديد كان به. لقَّنَّاه الحديث. وذكر لي أن جدّه لُقِب بالغزال لسرعة عدوه.

стр. 11503

تُوُفّي أبو محمد في صفر. وقال السّلفيّ: أجاز لي، وقد أخبرني عنه بأصبهان إسماعيل بن محمد الحافظ سنة ثلاثٍ وتسعين وأربعمائة. وحججت سنة تسعٍ وتسعين ولم أعلم به. سمع: عبد العزيز بن الضّرّاب، وأبا محمد المَحَامليّ، والمقرئ أبا الحسين الشيرازيّ. وكان مقرئًا صالحًا. وسمعت من أخيه إبراهيم بمصر. ٥٣- عَبْد الحق بْن أحْمَد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد الحقّ١. أبو محمد الخَزْرَجيّ القُرْطُبيّ. روى عن: الفقيه محمد بن فَرَج واختص به؛ وناظر عند: أبي جعفر بن رزق، وأبي الحسن بن حمدين. وأجاز له أبو العباس بن العُذْريّ. وكان فقيهًا إمامًا شُرُوطيًّا مدرسًا. تُوُفّي في صَفَر، وله اثنان وسبعون عامًا. ٥٤- عبد العزيز بن محمد بن معاوية٢. أبو محمد الأنصاريّ الدَّوْرقيّ الأطْرُوش. سكن قُرْطُبة. وحدث عن: أبي بكر محمد بن مفوّز، وأبي علي الصَّدفيّ، وأبي عبيد الله الخَوْلانيّ. وكان حافظًا، عارفًا بالعلل والصحيح والسقيم والرجال، مقدّمًا في جميع ذلك على أهل وقته، قاله ابن بَشْكُوال؛ وجمع كُتُبًا مفيدة. سمعنا منه، وكان حرجًا نكد الخلق. تُوُفّي في ربيع الآخر.

стр. 11504

٥٥- عبد الملك بن عبد العزيز بن فِيرَّة بن وهْب١. أبو مروان المُرْسِيّ. سمع من: أبي علي الغسانيّ، وغيره. وحجّ، ودخل بغداد، ودمشق وروى هناك. ولم يذكره ابن عساكر. وكان حافظًا للرأي، ذاكرًا للمسائل، صالحًا خيّرًا. وعاش إحدى وسبعين سنة. ٥٦- عبد المنعم بن مروان بن عبد الملك بن سَمَجون. أبو محمد اللُّواتيّ الطَّنْجيّ. نشأ بغَرْناطَة وتفقه بها على: أبي محمد عبد الواحد بن عيسى. وسمع من: أبي علي الغسانيّ. وكان فقيهًا، جزْلًا، مهيبًا. ولي قضاء إشبيلية بعد عزل أبي مروان الباجيّ. ثمّ نُقِل إلى قضاء غَرْناطَة. وتُوُفّي في شعبان. ٥٧- عَبْد الواحد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الواحد بن سيدة. أبو المظفر الأصبهاني المقرئ. تُوُفّي في رمضان. ٥٨- عثمان بن منصور بن عبد الكريم. أبو عَمْرو الطّرازيّ النّظاميّ. سكن بلخ، وحدَّث عن: أبي الحسن محمد بن محمد الحسينيّ. روى عنه: عبد الله بن عمر الفقيه ببلْخ، ومحمد بن الفضل المارشكيّ بطُوس. وكان رجلا جليل القدر، واعظًا، محتشمًا.

стр. 11505

"حرف الفاء": فاطمة بنت عبد الله بن أحمد بن القاسم بن عَقِيل١. أمّ إبراهيم، وأم الغيث، وأمّ الخير الْجُوزْدانيَّة. قال أبو موسى المَدِينيّ: قدِمت علينا من جُوزدان، وكان مولدها نحو الخمس والعشرين وأربعمائة. وسمعت من: أبي بكر بن رِيذة سنة خمسٍ وثلاثين. وهي آخر أصحابه. قلت: هي أسند أهل العصر مُطلقًا، وهي للأصبهانيّين كابن الحُصَيْن للبغداديّين. سمعَتْ من ابن رِيذَة "المعجم الكبير" و"المعجم الصّغير" للطَّبرانيّ، وكتاب "الفِتَن" لنُعَيم بن حمّاد. روى عنها: أبو العلاء الهَمَذانيّ، وأبو موسى المَدِينيّ، وَمَعْمَرُ بن الفاخر، وأبو جعفر الصَّيدلانيّ، وأبو الفخر أسعد بن سعيد، وعائشة بنت مَعْمَر، وعفيفة بنت أحمد، وأبو سعيد محمد الأَرَّجَانيّ الحلليّ، وعبد الرحيم بن أحمد ابن الأُخوَّة، وداود بن سليمان بن نظام المُلك، وشعيب بن الحسن السَّمَرْقَنْديّ، وفاطمة بنت سعد الخير، لها عنها حضور، وجماعة كثيرة. أنبا أبو علي القلانِسِيّ: أنبأتْنا كريمة: عن أبي مسعود عبد الرحيم الحاجي أنهل تُوُفّيت في غُرَّة شعبان. وقال ابن نُقْطة: في رابع عشر رجب. ٦٠- فضل الله بن محمد بن وهْب الله بن محمد٢. أبو القاسم الأنصاريّ المقرئ. أقرأ بجامع قُرطُبة مدَّة، وأخذ القراءات عن: أبي محمد بن شعيب، وأبي عبد الله بن شُرَيح. وسمع من: محمد بن فَرَج الطّلاعيّ، وأبي محمد بن خزرج.

стр. 11506

روى عنه: ابن بَشْكُوال، وقال: تُوُفّي في رمضان، وله سبعون سنة. وقرأ عليه بالروايات: علي بن محمد بن خاف، شابّ قرْطُبيّ. "حرف الميم": ٦١- محمد بن سعدون بن مُرجيّ بن سعدون١. الإمام أبو عامر القُرَشيّ العَبْدَريّ المَيُورقيّ المغربيّ، نزيل بغداد. أحد الحُفاظ والعلماء المبرزين، ومن كبار الفُقهاء الظّاهرية. رحل إلى بغداد. وسمع: أبا عبد الله البانياسي، وأبا الفضل بن خَيْرُون، وطِراد بن محمد، ويحيى السّبْتيّ، والحُميديّ، وابن البَطر، وخلْقًا سواهم. قال القاضي أبو بكر محمد بن المغربيّ في "مُعجَمه": أبو عامر العَبْدريّ هو أنبل من لقِيته. وقال ابن ناصر: كان فهْمًا، عالمًا، متعففًا، مع فقره، وكان يذهب إلى أنّ المناولة كالسّماع. وذكره السَّلفيّ في "مُعْجَمه" فقال: كان من أعيان علماء الإسلام بمدينة السّلام، متصرفٌ في فنون من العلوم أدبًا ونحْوًا، ومعرفةً بالأنساب. وكان داوودي المذهب، قُرَشِيّ النَّسَب. كتب عنّي وكتبت عنه. ومولده بقُرْطُبَة من مدن الأندلس. قال ابن نقطة: نبا أحمد بن أبي بكر البندنيجيّ أنّ الحافظ ابن ناصر قال: لما دفنوا أبا عامر العَبْدريّ: خلا لكِ الجوُّ فبيضي واصفِري مات أبو عامر حافظ أحاديث رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَنْ شاء فلْيَقُلْ ما شاء. وقال ابن عساكر: كان فقيهًا على مذهب داود، وكان أحفظ شيخٍ لقيته ذكر أنّه دخل الشّام في حياة أبي القاسم بن أبي العلاء، وسمعتُ أبا عامر وقد جرى ذِكر مالك، فقال: جلفٌ جاف، ضرب هشام بن عمار بالدرة.

стр. 11507

وقرأتُ عليه "الأموال" لأبى عُبَيْد، فقال، وقد مرّ قول لأبي عُبَيْد: ما كان إلا حمارًا مغفلًا لَا يعرف الفِقْه. وقيل لي عنه: إنّه قال في إبراهيم النَّخَعيّ: أعورُ سُوء. فاجتمعنا يومًا عند ابن السَّمَرْقَنْديّ في قراءة "الكامل"، فنقل فيه قولًا عن السَّعْديّ، فقال: يكذب ابن عَدِيّ، إنما هو قول إبراهيم الْجَوْزَجانيّ. فقلت له: فهو السَّعْديّ؛ فإلى كم نحتمل منك سوء الأدب. تقول في إبراهيم النَّخَعيّ كذا، وتقول في مالك كذا، وفي أبي عُبَيْد كذا؟! فغضب وأخذته الرِّعْدَة وقال: كان ابن الخاضبة والبَرَدانيّ وغيرهما يخافوني، فآل الأمر إلى أن تقول فيّ هذا. قال له ابن السمرقندي: هذا بذاك. فقلت: إنما نحترمك ما احترمت الأئمَّة. فقال: والله قد علمت من علم الحديث ما لم يعلمه غيري ممّن تقدَّم، وإني لأعلم من "صحيح البخاري" و"مسلم" ما لم يعلماه. فقلت مستهزئًا: فعِلْمُك إذا إلهامٌ. وهجرته. قال: وكان سيئ الاعتقاد، ويعتقد من أحاديث الصّفات ظاهرَهَا. بَلَغَني أنّه قال في سوق باب الأَزَج: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] فضرب على ساقه وقال: ساقٌ كساقي هذه. وبَلَغَني أنّه قال: أهل البِدَع يحتجّون بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ [الشورى: ١١] أي في الإلهيَّة، فأما في الصّورة فهو مثلي ومثلك. قال الله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] أي في الحُرْمة. وسألته يومًا عن أحاديث الصّفات، فقال: اختلف النّاس فيها، فمنهم مَن تأوَّلها، ومنهم من أمسك، ومنهم من اعتقد ظاهرها. ومذهبي آخر هذه الثلاثة مذاهب. وكان يُفْتي على مذهب داود بن علي، فبلغني أنّه سُئل عن وجوب الغُسْل على من جامَعَ ولم يُنْزِل، قال: لَا غُسْل عليه، الآن فعلتُ ذلك بأمّ أبي بكر، يعني ولده، وكان بَشِع الصّورة، زَرِيّ اللّباس.

стр. 11508

وقال ابن السّمعاني: حافظ مبرّز في صَنْعه الحديث، داوودي المذهب، سمع الكثير، ونسخ بخطّه إلى آخر عُمره. وكان يسمع وينسخ. وقال ابن ناصر: فيه تساهُل في السَّماع، يتحدَّث ولا يُصْغي ويقول: يكفيني حضور المجلس. ومذهبه في القراءات مذهب سوء. مات في ربيع الْآخر. قلت: روى عَنْهُ أَبُو القاسم بْن عساكر، ويحيى بن بوش، وأبو الفتح المندائيّ، وجماعة. وخمل ذِكره لبِدْعته. ٦٢- محمد بن عبد الله بن تُومَرْت١. أبو عبد الله الملَّقب نفسَه بالمهديّ المَصْمُودي، الهَرْغيّ، المغربيّ، صاحب دعوة السّلطان عبد المؤمن ملك المغرب. كان يدّعي أنّه حَسَنيّ عَلَويّ، وهو من جبل السَّوس في أقصي المغرب. نشأ هناك، ثمّ رحل إلى المشرق لطلب العِلْم، ولقي أبا حامد الغزّاليّ، وإلِكيا أبا الحسن الهَرّاسيّ، وأبا بكر الطُّرْطُوشيّ. وجاوَرَ بمكة، وحصّل طَرَفًا جيّدًا من العلم. وكان متورّعًا، متنسّكًا، مَهِيبًا، متقّشفًا، مخشَوْشِنًا، أمَّارًا بالمعروف، كثير الإطراق، متعبّدًا، يبتسم إلى من لقِيه، ولا يصحبه من الدنيا إلى عصاةٌ وركْوَة. وكان شجاعًا، جريئًا، عاقلًا، بعيد الغور، فصيحًا في العرب، قد طُبع على النَّهْي عن المُنْكَر، متلذّذًا به، متحملًا المشقَّة والأذى فيه. أوذِي بمكة لذلك، فخرج إلى مصر، وبالغ في الإنكار، فزادوا في أَذَاه وطُرِد. وكان إذا خاف من البْطش وإيقاع الفعل به خلّط في كلامه ليظنّوه مجنونًا، فخرج إلى الإسكندرية، فأقام بها مُدَّة. ثمّ ركب البحر إلى بلاده. وكان قد رأى في منامه وهو بالمشرق كأنه قد شرب ماء البحر جميعه كرّتين، فلمّا ركب السّفينة شرع ينكر، وألْزمهم بالصّلاة والتّلاوة، فلما انتهى إلى المَهْديَّة، وصاحبها يومئذٍ يحيى بن تميم الصَّنْهاجيّ، وذلك في سنة خمسٍ وخمسمائة، نزل بها

стр. 11509

في مسجد مُغْلَق على الطّريق. وكان يجلس في طاقته، فلا يرى مُنْكرًا من آلة الملاهي أو أواني الخُمور إلا نزل وكسرها. فتسامع به الناس، وجاءوا إليه، وقرءوا عليه كُتُبًا في أصول الدّيانة، وبلغ خبرُه الأمير يحيى، فاستدعاه مع جماعةٍ من الفقهاء، فلّما رأى سَمْتَه وسمع كلامه أكرمه، وسأله الدّعاء، فقال له: أَصْلَحَك اللهُ لرعيّتك. ثمّ نزح عن البلد إلى بَجَّايَة، فأقام بها يُنْكر كدأبه، فأخرج منها إلى قرية ملالة، فوجد بها عبد المؤمن بن علي القَيْسيّ، فيقال: إنّ ابن تُومَرْت كان قد وقع بكتاب فيه صفة عبد المؤمن وصفة رجلٍ يظهر بالمغرب الأقصى مِنْ ذُرِّيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ يدعو إلى الله يكون مقامه ومدفنه بموضعٍ من المغرب، يُسَمّى ت ي ن م ل، ويجاوز وقته المائة الخامسة. فوقع في ذهنه أنّه هو. وأخذ يتطلب صفة عبد المؤمن فبلغ إلى أن رأى في الطريق شابًّا قد بلغ أشده على الصفة الّتي معه، فقال: يا شابّ ما أسمك؟ قال: عبد المؤمن. فقال: الله أكبر، أنت بُغْيَتي، فأين مقصِدُك؟ قال: المشرق لطلب العِلم. قال: قد وجدتُ عِلْمًا وَشَرَفًا وصحِبني شلة. ثمّ نظر في حِلْيته فوافَقَتْ، وقال: ممّن أنت؟ قال: من كُومية. فربط الشّابّ، وألقي إليه سرّه. وكان ابن تُومَرْت قد صحِبَه عبدُ الله الوَنْشَرِيسيّ ممّن تهذَّب وتفقّه، وكان جميلًا، فصيحًا في العربية، فتحدَّثا يومًا في كيفية الوصول إلى الأمر المطلوب، فقال لعبد الله: أرى أن تستر ما أنتَ عليه من العلم والفصاحة عن الناس، فتُظْهر من العيّ واللَّكَن والجهل ما تشتهر به، لتجد الخروج عن ذلك، وإظهار العلم دفعةً واحدة، فيكون ذلك معجزة. ففعل ذلك. ثمّ استدنى محمد أشخاصًا أجلادًا في القوى الجسْمانيَّة، أغمارًا، فاجتمع له ستَّة، فتوجهوا إلى مَراكُش، وملِكها علي بن يوسف بن تاشفين، وكان ملكًا حليمًا، عادلًا، متواضعًا، وكان بحضرته مالك بن وُهَيْب الأندلسيّ الفقيه، فأخذ ابن تُومَرْت في الإنكار، حتى أنكر على ابنه الملك، وذلك في قصةٍ طويلة، فبلغ خبرُه الملك، وأنه يحدّث في تغيير الدّولة، فكلّم مالك بن وهيب في أمره، وقال: نخاف من فَتح بابٍ يَعْسُرُ علينا سَدُّه. وكان محمد وأصحابه مقيمين في مسجدٍ خراب بظاهر البلد، فأحضرهم في محفلٍ من العلماء، فقال الملك: سَلُوَا هذا ما يبغي. فكلّموه، وقال: ما الّذي يُذكر عنك من القول في حقّ الملك العادل الحليم المُنْقاد إلى الحق؟ فقال: أما ما نُقِل عنّي،

стр. 11510

فقد قلتُهُ، ولي من ورائه أقوال، وأما قولك: إنّه يُؤْثِرَ طاعةَ الله على هواه، وينقاد إلى الحقّ، فقد حضر اعتبارُ هذا القول عليه، ليعلم بتعرّيه عن هذه الصِّفة. إنّه مغرورٌ بما تقولون له وتُطرونه به، مع عِلمكم أنّ الحُجَّة عليه متوجّهة. فهل بلغك يا قاضي أنّ الخمر تُباع جَهَارًا، وتمشي الخنازير بين المسلمين، وتؤخذ أموال اليتامى؟ وعدّد من ذلك أشياء، حتّى ذَرَفَتْ عينا الملك، وأطرق حياءً، ففهم الدُّهاة من كلامه طَمَعَه في المُلْك. ولّما رأوا سكوت الملك وانخداعه له لم يتكلّموا، فقال مالك بن وُهَيْب: إنّ عندي نصيحة، إنْ قبِلَها الملكُ حَمَدَ عاقبتها، وإنْ تَرَكَها لم آمَنْ عليه. قال: وما هي؟ قال: إنّي خائف عليك من هذا الرجل، وأرى أن تسجنه وأصحابه، وتنفق عليهم كلّ يومٍ دينارًا، وإلّا أنفقْتَ عليه خزائنك. فوافقه الملك، فقال الوزير: أيُّها الملك، يقبح أن تبكي من موعظة هذا، ثمّ تُسيء إليه في مجلسٍ واحد. وأن يظهر منك الخوف مع عِظَم ملْكك، وهو رجل فقير لَا يملك سدّ جوعه. فأخَذتَ المَلِكَ العِزَّةُ، واسْتَهْوَن أمره وصَرَفه، وسأله الدّعاء. وقيل: إنّه لما خرج من عنده لم يزل وجهه تلقاء وجهه، إلى أن فارقه، فقيل له: نراك تأدّبت مع الملك. فقال: أردت أن لَا يفارق وجهي الباطل حتى أغيّره ما استطعت. ولما خرج قال لأصحابه: لَا مُقام لنا بمراكُش مع وجود مالك بن وهيب، فإنا نخاف مكره، وإنا لنا بأَغْمات أخًا في الله فنقصده، فلم نُعدم منه رأيًا ودُعاء. وهو الفقيه عبد الحق بن إبراهيم المصمودي. فسافروا أليه فأنزلهم، وبثوا إليه سرّهم، وما جرى لهم، فقال: هذا الموضع لَا يحميكم، وإنّ أحصن الأماكن المجاورة لهذا البلد تين مل، وهي مسيرة يوم في هذا الجبل، فانقطعوا فيه بُرْهةً ريثما ينسى ذكركم. فلّما سمع ابن تُومَرْت بهذا الاسم تجدد له ذكر اسم الموضع الّذي رآه في الكتاب فقصده مع أصحابه. فلما أتَوْه رآهم أهل ذلك المكان على تلك الصّورة فعلِموا أنّهم طلّاب علم. قال: فتَلَقَّوْهُم وأكرموهم وأنزلوهم.

стр. 11511

وبلغ الملكَ سفرُهُم، فَسُرَّ بذلك. وفشا مع أهل الجبل بوصول ابن تُومَرْت، فجاءوه من النّواحي يتبرَّكون به، وكان كلّ من أتاه استدناه، وعرض عليه ما في نفسه من الخروج، فإنْ أجابه أضافه إلى خواصّه، وإنْ خالَفَه أعرض عنه. وكان يستميل الشّباب والأغمار، وكان ذَوُو الحِلْم والعقل من أهاليهم يَنْهَوْنَهُم ويحذّرونهم من أتِّباعه خوفًا عليهم من المَلِك، فكان لَا يتمّ له مع ذلك حال. وطالت المدَّة، وكثُرَت أتباعُه من أهل جبال دَرَنْ، وهو جبل لَا يفارقه الثَّلْج، وطريقه ضيَّق وعسر. قال الْيَسَع بن حزْم: لَا أعلم مدينة من تينمل، لأنها بين جبلين، ولا يسع الطّريق إليها إلّا الفارس، وقد ينزل عن فرسه في أماكن صَعْبة، وفيها مواضع لَا يُعْبَر فيها إلّا علي خشب، فإذا أُزيلت خشبة لم يمرّ أحد. وهذه الطّريق مسافة يوم. فأخذ أصحابه يغيرون على النّواحي سبْيًا وقتْلًا، وتقوَّوا وكثروا. ثمّ إنّه غدر بأهل تينَمَل الّذين آوَوْهُ ونصروه، وأمر أصحابه، فقتلوا منهم مقتلةً عظيمة، قاتله الله. فقال له الفقيه الإفريقيّ، وهو أحد العشرة، عن ما فعل بأهل تينَمَل: هؤلاء قوم أكرمونا وأنزلونا دُورهم قَتَلْتَهُم؟ فقال لأصحابه: هذا شَكَّ في عصْمتي، خُذُوه فاقتلوه. فقتلوه، وعلّقوه على جِذْع. قال: وكل ما أذكره من حال المَصَامِدة فمنه ما شاهدته، ومنه ما أخذته بنقل التّواتر. وَكَانَ فِي وَصِيَّتِهِ إِلَى قَوْمٍ إِذَا ظَفِرُوا بمرابطٍ أَوْ أحدٍ مِنْ تِلِمْسَانَ أَنْ يُحَرِّقُوهُ. فَلَمَّا كَانَ فِي عَامِ تِسْعَةَ عَشَرَ خَرَجَ إِلَيْهِمْ يَوْمًا، فَقَالَ: تَعْلَمُونَ أَنَّ الْبَشِيرَ، الَّذِي هُوَ الْوَنْشَرِيسِيُّ، إِنَّهُ أُمِّيٌّ لَا يَقْرَأُ وَلَا يَكْتُبُ وَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ عَلَى دَابَّةٍ، وَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ مُبَشِّرًا لَكُمْ مُطَّلِعًا عَلَى أَسْرَارِكُمْ، وَهُوَ آيَةٌ لَكُمْ، فَإِنَّهُ حَفِظَ الْقُرْآنَ، وَتَعَلَّمَ الرُّكُوبَ. ثُمَّ اسْتَعْرَضَهُ الْقُرْآنُ، فَقَرَأَهُ لَهُمْ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَرَكِبَ حِصَانًا وَسَاقَهُ، فَتَعَجَّبُوا وَعَدُّوا ذَلِكَ آيَةً، وَصَحَّ لابْنِ تُومَرْتَ بِذَلِكَ مَا أَطْوَاهُ عَلَى نفوسٍ سَلِيمَةٍ لَا يَعْرِفُونَ بَوَاطِنَ الْأُمُورِ، فَتَحَقَّقَ تَصْدِيقُهُمْ إِيَّاهُ. فَقَامَ خَطِيبًا وَقَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ

стр. 11512

الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال: ٣٧] فَقَالَ: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] . وَهَذَا الْبَشِيرُ مُطَّلِعٌ عَلَى الأَنْفُسِ مُحَدَّثٌ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ فِي أُمَّتِي مُحَدَّثِينَ. وَإِنَّ عُمَرَ مِنْهُمْ" ١. وَقَدْ صَحِبَنَا أقوامٌ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى سِرِّهِمْ وَنِفَاقِهِمْ، وَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِيهِمْ، وَيُتَمِّمُّ الْعَدْلَ فِيهِمْ. ثُمَّ نُودِيَ فِي جِبَالِ المصامدة: من كان مطيعًا للإمام فلْيُقْبِل. فكانوا يأتون قبائل قبائل، فيُعرضون عليه، فيخرجون قومًا على يمينه، ويعدّهم من أهل الجنَّة، وقومًا على يساره، ويقول: هؤلاء شاكّون في الأمر. حتّى كان يؤتى بالرجل فيقول: رُدّوا هذا على اليمين، فإنّه تائب، وقد كان قبل كافرًا، ثمّ أحدَث البارحة توبة، فيَعترف بما أخبر به. واتّفقت له فيهم عجائب. وكان يطلق أهل اليَسَار وهم يعلمون أنّ مآلهم إلى القتْل فلا يفرّ منهم أحد. وكان إذا اجتمع منهم كثير قتلهم قراباتُهُم، يقتل الأب ابنه، والأخُ أخاه، وابن العمّ ابن العَمّ. فالّذي صحّ عندي إنّه قُتِلَ منهم سبعون ألفًا على هذه الصّفة، ويسمُّونها التّمييز. ولما كمل التّمييز وجّه جُمُوعه مع البشير نحو أَغْمات، فالتقوا المرابطين فهزموهم، وَقُتِلَ خلقٌ من المَصَامِدة لكونهم ثبتوا، وَجُرِحَ عمر الهِنْتانيّ جراحات، فحملوه على أعناقهم وهو كالميت، لَا يَنْبض له عِرْق. فقال لهم البشير: إنّه لَا يموت حتّى يفتح البلاد، ويغزو في الأندلس. وبعد مدَّة من استماتته فتح عينيه، فزادهم ذلك إيمانًا بأمرهم. ولّما أَتَوْا عزّاهم ابن تُومَرْت وقال: يومٌ بيوم، وكذلك حرْبُ الرُّسُلِ. ونقل عبد الواحد بن علي التميمي المراكشي في كتاب "المعجب" الذي اختصرته، أن ابن تُومَرْت رحل إلى بغداد، فأخذ الأصول عن أبي بكر الأصوليّ الشّاشيّ، وسمع من المبارك بن عبد الجبار ابن الطيوري.

стр. 11513

وقال: إنّ أمير الإسكندرية نفاه منها؛ فبَلَغَني أنّه استمر يُنكر في المركب إلى أنّ أَلْقوْه في البحر. فأقام نصفَ يومٍ يجري في ماء السّفينة ولم يغرق، فأنزلوا إليه من أطلعه وعظَّموه، إلى أن نزل بَجَّايَة، ووعظ بها، ودرَّس، وحصل له القبول، فأمره صاحبها بالخروج منها خوفًا منه، فخرج، ووقع بعبد المؤمن؛ وكان بارعًا في خطّ الرمْل. ووقع بجفرٍ فيما قيل، وصحِبَهما من ملالة عبدُ الواحد الشّرقيّ، فتوجّه الثّلاثة إلى أقصى المغرب. وقيل إنّه لقي عبد المؤمن ببلاد متيحة، فرآه يعلم الصبيان، فأسر إليه، وعرفه بالعلامات. وكان عبد المؤمن قد رأى رؤيا، وهي أنّه يأكل مع أمير المسلمين علي بن يوسف في صحفةٍ؛ قال: ثمّ زاد أكلي على أكله، ثمّ اختطفت الصَّحْفَة منه. فقصها على عابرٍ فقال: هذه لَا ينبغي أن تكون لك، إنما هي لرجلٍ ثائر يثور على أمير المسلمين، إلى أن يغلب على بلاده. وسار ابن تُومَرْت إلى أن نزل في مسجد بظاهر تِلِمْسان، وكان قد وضع له هيبةً في النُّفُوس. وكان طويل الصَّمت، كثير الانقباض، إذا انفصل عن مجلس العلم لَا يكاد يتكلم. أخبرني شيخٌ عن رجلٍ من الصالحين كان معتكفًا في ذلك المسجد أنّ ابن تُومَرْت خرج ليلةً فقال: أين فُلان؟ قالوا: مسجون. فمضى من وقته ومعه رجلٌ، حتى أتى إلى باب المدينة، فدقّ على البوّاب دقًا عنيفًا. ففتح له بسرعة، فدخل حتّى أتى الحْبس، فابتدر إليه السّجّانون يتمسّحون به. ونادى: يا فُلان. فأجابه، فقال: أخرج، فخرج والسّجّانون باهتون لَا يمانعونه، وخرج به حتّى أتى المسجد. وكانت هذه عادته في كلّ ما يريد، لَا يتعذّر عليه. قد سُخِّرت له الرّجال. وعظُم شانه بتِلَمْسان إلى أن انفصل عنها، وقد استحْوَذَ على قلوب كُبَرائها. فأتى فاسَ، وأظهر الأمر بالمعروف، وكان جلّ ما يدعو إليه عِلم الاعتقاد على طريقة الأشعرية. وكان أهل المغرب ينافرون هذه العلوم، ويعادون من ظهرت عليه.

стр. 11514

فجمع والي فاس الفُقَهاء له، فناظرهم، فظهر عليهم لأنه وجد جوّا خاليًا وناسًا لَا عِلْمَ لهم بالكلام، فأشاروا على المتوليّ بإخراجه. فسار إلى مَراكُش، وكتبوا بخبره إلى ابن تاشفين، فجمع له الفُقهاء، فلم يكن فيهم من يعرف المناظرة إلّا مالك بن وُهَيْب، وكان متفنّنًا قد نظر في الفلسفة. فلّما سمع كلامه استشعر حِدَّته وذكاءه فأشار على أمير المسلمين ابن تاشفين بقتْله، وقال: هذا لَا تُؤمن عائلتُه، وإنْ وقع في بلاد المصامدة قَوِيُّ شرُّه، فتوقّف عن قتْله دِينًا، فأشار عليه بحبْسه، فقال: عَلَامَ أسجن مسلمًا لم يتعيَّن لنا عليه حقّ. ولكنْ يخرج عنّا. فذهب هو وأصحابه إلى السُّوس، ونزل تينمل. ومن هذا الموضع قام أمرُه، وبه قبره، فلّما نزله اجتمع إليه المَصَامِدة، فشرع في بثّ العلم والدّعاء إلى الخير. وكتم أمره، وصنَّف لهم عقيدةً بلسانهم، وعظُم في أعيُنهم، وأحبته قلوبُهُم. فلما استوثق منهم دعا إلى الأمر بالمعروف والنّهي عن المُنْكَر، ونهاهم عن سفْك الدّماء، فأقاموا على ذلك مدَّة، وأمر رجالًا منهم ممّن استصلح عقولهم بنصب الدَّعوة. واستمال رؤساء القبائل، وأخذ يذكّر المَهْديّ ويشوّق إليه، وجمع الأحاديث الّتي جاءت في فضله، فلّما قرّر عندهم عَظَمة المهديّ ونَسَبه ونعته، ادّعى ذلك لنفسه، وقال: أنا محمد بن عبد الله، وسرد له نَسَبًا إلى علي ﵇، وصرَّح بدعوى العِصْمة لنفسه، وأنّه المهديّ المعصوم، وبسط يده للمبايعة فبايعوه، فقال: أبايعكم على ما أبايع عليه أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورسول الله ﷺ ، وصنَّف لهم تصانيف في العِلم، منها كتاب سماه "أعزّ ما يطلب"، وعقائد على مذهب الأشعريّ في أكثر المسائل إلّا في إثبات الصّفات، فإنّه وافق المعتزلةِ في نفْيها، وفي مسائل غيرها قليلة. وكان يُبْطن شيئًا من التَّشَيُّع. ورتَّب أصحابه طبقات، فجعل منهم العشّرة، وهم الأوّلُون السّابقون إلى إجابته. وهم الملقَّبون بالجماعة. وجعل منهم الخمسين، وهم الطّبقة الثّانية. وهذه الطّبقات لَا تجمعها قبيلة، بل هم من قبائل متفرقة. وكان يسمّيهم المؤمنين، ويقول لهم: ما على وجه الأرض من يؤمن إيمانكم، وأنتم العصابة المَعْنيُّون

стр. 11515

بقوله ﷺ : "لَا تزال طائفة بالمغرب ظاهرين على الحقّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ الله" ١. وأنتم الّذين يفتح الله بكم الرّوم، ويقتل بكم الدجال، ومنكم الأمير الذي يصلي بعيسى ابن مريم. هذا مع جزيئات كان يخبرهم بها وقع أكثرها. وكان يقول: لو شئتُ أن أَعُدَّ خُلفاءكم خليفةً خليفةً لَعَدَدْتُ. فعظُمَت فتنةُ العوام به، وبالغوا في طاعته، إلى أن بلغوا حدًّا لو أمر أحدهم بقتْل أبيه أو أخيه أو أبنه لقتله. وسهّل ذلك عليهم ما في طباعهم من القسوة المعهودة في أهل الجبال، لا سيما الخاربة البربر، فإنّهم جُبلوا على الإقدام على الدماء، واقتضاه إقليمهم. حتّى قيل إنّ الإسكندر أُهديت له فرسٌ لَا تُسبق، لكنها لَا تصهل، فلّما حلّ بجبال دَرَنْ، وهي بلاد المَصَامدة هذه، وشربت تلك الفرس من مياهها صهلت. فكتب الإسكندر إلى الحكيم يخبره، فكتب إليه: هذه بلاد سر وقسوة، فعجِّل بالخروج منها. وأنا فقد شاهدت من إقدامهم على القتْل لمّا كنت بالسُّوس ما قضيت منه العجب. قال: وقوي أمر ابن تومرت في سنة خمس عشرة وخمسمائة، فلما كان في سنة سبْع عشرة جهّز جيشًا من المَصَامِدة، جُلُّهم من أهل تينمل والسُّوس، وقال لهم: اقصدوا هؤلاء المارقين المبدّلين الّذين تسمَّوا بالمرابطين، فادْعُوهم إلى إماتة المُنْكَر، وإزالة البِدَع، والإقرار بالإمام المهديّ المعصوم، فإنْ أجابوكم فهُمْ إخوانكم، وإلّا فقاتِلُوهم، وقد أباحت لكم السُّنَّةُ قتالَهم. وقدم عليهم عبد المؤمن، فسار بهم قاصدًا مَرّاكُش، فخرج لقتالهم الزُّبَير بن أمير المسلمين عليّ بْن يُوسُف بْن تاشفين، فلّما تراءى الْجَمْعان كلموا المرابطين بما أمرهم به

стр. 11516

ابن تُومَرْت، فردَوا عليهم أسوأ ردّ، ووقع القتال، فانهزم المَصَامِدة، وَقُتِلَ منهم مقتلة، ونجا عبد المؤمن. فلمّا بلغ الخبرُ ابن تُومَرْت قال: أَلَيْس قد نجا عبد المؤمن؟ قيل: نعم. قال: لم يُفْقَد أحد. ثمّ أخذ يهوّن عليهم، ويقرر عندهم أنّ قتلاهم شُهداء، فزادهم حِرْصًا على الحرب. وقال الأمير عزيز في كتاب "الجمع والبيان في أخبار القيروان" إنّ ابن تُومَرْت أقام بتينمل، وسمّى أصحابه وأتباعه بالموحدين، والمخالفين أمره: مجسّمين. وأقام على ذلك نحو العام، فاشتهر أمره سنة خمس عشرة، وبايعته هَرْغَة على أنّه المهديّ، فجهّز له علي بن يوسف جيشًا من الملثَّمين، فقال ابن تومرت لأصحابه الّذين بايعوه: إنّ هؤلاء قد جاءوا في طلبي، وأخاف عليكم منهم، والرأي أن أخرج عنكم بنفسي إلى غير هذه البلاد لِتَسْلموا أنتم. فقام بين يديه ابن توفيان، من مشايخ هَرْغَة، وقال له: تخاف شيئًا من السماء؟ قال: لَا، بل من السّماء تُنصر. فقال ابن توفيان: فدع كل من في الأرض يأتينا. ووافقه جميع قبيلته على ذَلِكَ القول. فقال: إنما أردت أن أختبر صبرَكم وثَبَاتَكم وأمّا الآن، فأبشروا بالنَّصْر، وأنكم تغلبون هؤلاء الشِّرْذمة، وبعد قليل تستأصِلون دولتهم، وترثون أرضهم. فالتقوا جيش الملثمين فهزموهم، وأخذوا الغنيمة، ووثقت نفوسُهم بالمهديّ، وأقبلت إليه أفواج القبائل من النّواحي ووحَّدَتْ قبيلة هنتانة، وهي من أقوى القبائل؛ إلى أن قال: ثمّ نَهَجَ لهم طريقَ التَّودُّد والآداب، فلا يخاطبون الواحد منهم إلّا بضمير الجْمع في وقارٍ وبشاشة، ولا يلبسون إلّا الثّياب القصيرة الرخيصة، ولا يخلون يومًا من طِراد ومناصفة ونضارة. وكان في كل قبيلةٍ قومٌ أشرارٌ مفسدون، فنظر ابن تُومَرْت في ذلك، فطلب مشايخ القبائل ووعظهم، وقال: لَا يصحّ دِينكم إلّا بالنَّهي عن المُنْكَر، فابحثوا عن كلّ مفسد وانهوه، فإنْ لم ينْتَه فاكتبوا أسماءهم، وارفعوها إليَّ.

стр. 11517

ففعلوا ذلك ثم أمرهم بذلك ثانيًا وثلاثًا. ثمّ جمع الأوراق، فأخذ ما تكرّر من الأسماء، فأفردها عنده. ثمّ جمع القبائل كلّها وحضهم على أن لا يغيب منهم أحد. ودفع الأسماء الّتي أفردها إلى عبد الله الوَنْشَرِيسيّ، الملقَّب بالبشير، ثمّ جعل يعرضهم رجلًا رجلًا، فمن وجد اسمه أفرده في جهة الشّمال، ومن لم يجده جعله في جهة اليمين. إلى أن عرض القبائل جميعها. ثمّ أمر بتكتيف جهة الشّمال، وقال لقبائلهم: هؤلاء أشقياء من أهل النار قد وَجَب قتلُهم. ثمّ أمر كلّ قبيلة أنّ تقتل أشقياءها، فقُتِلوا كلّهم. وكانت واقعة عجيبة. وقال: بهذا الفِعل يصحّ لكم دِينكم ويقوى أمركم. وعلى ذلك استمرّت الحالة في جميع بلادهم. ويسمّونه: التّمييز. وكان له أصحاب عشرة يُسمَّون أهل عشرة. وأصحاب من رءوس القبائل سمّاهم أهل خمسين، كانوا ملازمين مجلسَه. فأما العشرة: فعبد المؤمن، والشَيخ أبو إبراهيم الهَزْرَجيّ، والشَيخ أبو حفص عمر بن يحيى الهِنْتَانيّ المعروف بعمرانينيّ، والشَيخ أبو محمد عبد الله البشير، والشَيخ أبو محمد عبد الواحد الزّواويّ، وكان يُعرف بطير الجنَّة، والشَيخ أبو محمد عبد الله بن أبي بكر، والشَيخ أبو حفص عمر بن أَرْناق، والشَيخ أبو محمد وإسناد الأَغْماتيّ، والشَيخ أبو إسحاق إبراهيم بن جامع، وآخر. فهؤلاء الّذين سبقوا وتعرَّفوا به لأخذ العِلْم عنه. وكان اجتماعهم به أفرادًا في حال تَطْوافه في البلاد، فآثرهم واختصّهم. وفي أوّل سنة أربعٍ وعشرين جهّز جيشًا زُهاء عشرين ألف مقاتل، قدم عليهم البشير، ثمّ دونه عبد المؤمن، بعد أمورٍ وحروب. فساروا إلى مَرّاكُش، وحاصروها عشرين يومًا، فأرسل عليّ بن يوسف بن تاشفين إلى عامله على سجلْماسَة، فجمع جيشًا وجاء من جهة، وخرج ابن تاشفين من البلد من جهة، ووقع الحرب، واستَحَرَّ يومئذٍ القتل بجيش المَصَامِدة، فقتل أميرهم عبد الله البشير، فالتفُّوا على عبد المؤمن، ودام القتال إلى اللّيل. وصلّى بهم عبد المؤمن صلاة الخوف والحرب قائمة. وتكاثر الملثّمون، وتحيّز المصامدة إلى بستانٍ هناك ملتفٍ بالشجر يُعرف بالبحيرة، فلذا

стр. 11518

قيل وقعة البحيرة. وبلغت قتلاهُم ثلاثة عشر ألفًا. وأُنهي الخبر إلى المهديّ فقال: عبد المؤمن سالم؟ قيل: نعم. قال: ما مات أحد، الأمر قائم. وكان مريضًا، فأمر بأتّباع عبد المؤمن، وعقد له من بعده، وسمّاه أمير المؤمنين، وقال لهم: هذا الّذي يفتح الله البلاد على يده، فلا تشُكّوا فيه وأعْضدوه بأموالكم وأنفسكم. ثمّ مات في آخر سنة أربعٍ وعشرين. قال اليَسَع بن حزْم: سَمَّى ابن تُومَرْت أتباع المرابطين مجسّمين، وما كان أهل المغرب يدينون إلّا بتنزيه الله تعالى عمّا لَا يجب له، وصفته بما يجب له، وترك الخوض فيما تقصر العقول عن فهمه. وكان علماء المغرب يعلّمون العامَّة أنّ اللّازم لهم أنَّ اللَّه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البصير؛ إلى أن قال: فكفّرهم ابن تُومَرْت بوجهين، بجهل العرض والجوهر. وأنّ من لَا يعرف ذلك لَا يعرف المخلوق، ولم يعرف الخالق. الوجه الثّاني إنّ من لم يهاجر إليه ولم يقاتل المرابطين معه فهو كافر، حلال الدّم والحريم. وذكر أنّ غضبه لله، وإنّما قام حِسْبةً على قومٍ أغرموا النّاس ما لَا يجب عليهم. وهذا تناقض، لأنّه كفّرهم، وإنّ كانوا مسلمين. فأخذ المرابطين منهم النَّزْر اليسير أشبه من قتْلهم ونهبهم. وحصل له في نفوس أتباعه من التصديق له والبركة ما لا يجوزه الوصف. وقال القاضي شمس الدّين: طالت المدَّة على ابن تُومَرْت، فشرع في حيلة، وذلك أنّه رأى أولاد المصامدة شُقْرًا زُرْقًا، ولون الآباء سُمْر، قال لهم عن ذلك، فلم يجيبوه، فلمّا ألحّ عليهم فقالوا: نحن من رعيَّة أمير المسلمين عليّ، وله علينا خَراج. وفي كلّ سنة تصعد مماليكه إلينا، وينزلون في بيوتنا، ويخرجونا عنها، ويخلُون بنسائنا وما لنا قُدرة على دفع ذلك. فقال ابن تُومَرْت: والله، الموتُ خيرٌ من هذه الحياة. كيف رضيتم بهذا، وأنتم أضربُ خلْق الله بالسّيف وأطعنهم بالرُّمح؟ قالوا: بالرّغم منّا.

стр. 11519

قال: أرأيتم لو أنّ ناصرًا نصركم على هؤلاء، ما كنتم تصنعون؟ قالوا: كنّا نقدَّم أنفسنا بين يديه للموت، فمن هو؟ قال: ضيفكم. فقالوا: السّمع والطّاعة. فبايعهم، ثمّ قال: استعدوا لحضور هؤلاء بالسّلاح. فإذا جاءوكم فأجْرُوهم على عادتهم، ثمّ مِيلُوا عليهم بالخُمُور، فإذا سكروا فآذنوني بهم. فلمّا جاءوهم ففعلوا ذلك بهم وأعلموه، فأمر بقتلاهم، فلم تمض ساعة من اللّيل حتّى أتوا على آخرهم، وأفلت منهم واحد، فلحِق بمَرّاكُش، فأخبر الملك، فندِم على فوات محمد من يده حيث لَا ينفعه النّدم. وجهّز جيشًا. وعرف ابن تُومَرْت أنه لَا بد من عسكرٍ يغشاهم. فأمر أهل الجبل بالقعود على أنقاب الوادي، فلّما وصلت إليهم الخيل نزلت عليهم الحجارة من جانَبي الوادي كالمطر، ودام القتال إلى اللّيل، فرجع العسكر، وأخبروا الملك، فعلم أنّه لَا طاقة لنا بأهل الجبل لتحصُّنهم، فأعرض عنهم. ثمّ قال ابن تُومَرْت لعبد الله الوَنْشَريسيّ: هذا أوان إظهار فضائلك وفصاحتك دفعةً واحدة. ثمّ اتّفقا على أن يُصلّي الصُّبح، ويقول بلسانٍ فصيح: إني رأيت في النّوم أنّه نزل بي مَلَكان من السماء، وشقّا فؤادي، وغسّلاه، وحَشَياه عِلْمًا وحكمة. فلّما أصبح فعل ذلك، فدُهشوا وعجبوا منه، وانقادوا إليه كلّ الانقياد. فقال له ابن تُومَرْت: فعجِّل لنا الْبُشْرَى في نفسنا، وعرّفنا أَسُعَداءُ نحن أمْ أشقياء. فقال له: أمّا أنت فإنّك المهديّ القائم بأمر الله، مَن تبعك سَعد، ومَن خالفك شقي. ثمّ قال: أعرضْ أصحابك حتّى أميّز أهل الجنَّة من أهل النّار. وعمل ذلك حيلةً، قتل فيها من خالف أمر ابن تُومَرْت؛ ثمّ لم يزل إلى أن جهّز، بعد فصولٍ طويلة، عشرة آلاف مقاتل. وأقام هو في الجبل، فنزلوا لحصار مَرّاكُش، فأقاموا عليها شهرًا، ثمّ كُسِروا كسرة شنيعة وهرب من سَلِم من القتْل، وَقُتِلَ الوَنْشَرُيسيّ المذكور. وقال عبد الواحد بن عليّ المَرّاكُشيّ: ثمّ جعلوا يشنون الغارات على قرى

стр. 11520

مَرّاكُش، ويقطعون عنها الْجَلَب، ويقتلون ويَسْبون الحريم. وكثر الدّاخلون في دعوتهم المنحاشون إليهم، وابن تُومَرْت في ذلك كلّه يُكثِر الزُّهد والتَّقَلُّل والعبادة. أخبرني من رآه يضرب على الخمر بالأكمام والنعال وعُشْب النَّخْلِ كفعل الصّحابة. وأخبرني من شهده وقد أُتيَ برجلٍ سَكْران فحدّه، فقال يوسف بن سليمان، أحد الأعيان: لو شَدَدْنا عليه حتى يخبرنا من أين شرِبَها. فأعرض عنه، فأعاد قوله، فقال: أرأيت لو قال شربتها في دار يوسف بن سليمان ما كنّا نصنع؟ فاستحى وسكت. ثمّ ظهر أنّ عبيد يوسف بن سليمان سقَوْه، فزادهم هذا ونحوه فتنةً بابن تُومَرْت. قال اليَسَع بن حزْم: ألّف ابن تُومَرْت كتاب "القواعد"، وممّا فيه: أن التّمادي على ذرةٍ من الباطل كالتمادي على الباطل كله. وألّف لهم كتاب "الإمامة"، يقول فيه: حتّى جاء الله بالمهديّ، يعني نفسه، وطاعته صافية نقيَّة، لَا ضدّ له ولا مثل له، ولا ندّ في الورى. وإنّ به قامت السّموات والأرض. قال اليَسَع: هذا نصّ قوله في الإمامة، وهذا نصّ تلقّيته من قراءة عبد المؤمن بن عليّ. دوّن لهم هذا بالعربيّ وبالبربريّ. فلما قرءوا هذين الكتابين زادهم ذلك شدَّةً في مذهبهم من تكفير النّاس بالذّنوب، وتكفيرهم بالتّأخُّر عن طاعة المهديّ الّذي قامت به السّموات والأرض. هذا نص ما قاله اليَسَع. قال: وأمرهم بجمع العساكر، فخرجوا إلى ناحية مَرّاكُش، فوجدوا جيشًا للمرابطين، فالتقوا، فانهزم المرابطون هزيمة مات فيها أكثر من شهِدَها، وصَبَر فيها الموحِّدون. فلّما كان في سنة إحدى وعشرين تألّفوا في أربعين ألف راجل وأربعمائة فارس، ونزلوا يريدون حضرة مَرّاكُش؛ فحدَّثني جماعة أنّهم نزلوا على باب أَغْمات بعد أن خرج إليهم المرابطون في أكثر من مائة ألف، بين فارسٍ وراجل، فخُذِلوا ودخلوا المدينة في أسوأ حالة. فجاء من الأندلس ابن همبك في مائة فارس، فشجّع أمير المسلمين، وخرج فقاتل، فانتصر المرابطون، وَقُتِلَ من المصامدة نحوٌ من أربعين ألفًا، فما سلِم منهم إلا نحو أربعمائة نفس.
следующие страницы →