← История

История · id 22771

تاريخ الإسلام - ط التوفيقية

شمس الدين الذهبي

Полный текст (11 937 стр.). Показаны 11516–11555 · переход к 11521.

стр. 11516

ابن تُومَرْت، فردَوا عليهم أسوأ ردّ، ووقع القتال، فانهزم المَصَامِدة، وَقُتِلَ منهم مقتلة، ونجا عبد المؤمن. فلمّا بلغ الخبرُ ابن تُومَرْت قال: أَلَيْس قد نجا عبد المؤمن؟ قيل: نعم. قال: لم يُفْقَد أحد. ثمّ أخذ يهوّن عليهم، ويقرر عندهم أنّ قتلاهم شُهداء، فزادهم حِرْصًا على الحرب. وقال الأمير عزيز في كتاب "الجمع والبيان في أخبار القيروان" إنّ ابن تُومَرْت أقام بتينمل، وسمّى أصحابه وأتباعه بالموحدين، والمخالفين أمره: مجسّمين. وأقام على ذلك نحو العام، فاشتهر أمره سنة خمس عشرة، وبايعته هَرْغَة على أنّه المهديّ، فجهّز له علي بن يوسف جيشًا من الملثَّمين، فقال ابن تومرت لأصحابه الّذين بايعوه: إنّ هؤلاء قد جاءوا في طلبي، وأخاف عليكم منهم، والرأي أن أخرج عنكم بنفسي إلى غير هذه البلاد لِتَسْلموا أنتم. فقام بين يديه ابن توفيان، من مشايخ هَرْغَة، وقال له: تخاف شيئًا من السماء؟ قال: لَا، بل من السّماء تُنصر. فقال ابن توفيان: فدع كل من في الأرض يأتينا. ووافقه جميع قبيلته على ذَلِكَ القول. فقال: إنما أردت أن أختبر صبرَكم وثَبَاتَكم وأمّا الآن، فأبشروا بالنَّصْر، وأنكم تغلبون هؤلاء الشِّرْذمة، وبعد قليل تستأصِلون دولتهم، وترثون أرضهم. فالتقوا جيش الملثمين فهزموهم، وأخذوا الغنيمة، ووثقت نفوسُهم بالمهديّ، وأقبلت إليه أفواج القبائل من النّواحي ووحَّدَتْ قبيلة هنتانة، وهي من أقوى القبائل؛ إلى أن قال: ثمّ نَهَجَ لهم طريقَ التَّودُّد والآداب، فلا يخاطبون الواحد منهم إلّا بضمير الجْمع في وقارٍ وبشاشة، ولا يلبسون إلّا الثّياب القصيرة الرخيصة، ولا يخلون يومًا من طِراد ومناصفة ونضارة. وكان في كل قبيلةٍ قومٌ أشرارٌ مفسدون، فنظر ابن تُومَرْت في ذلك، فطلب مشايخ القبائل ووعظهم، وقال: لَا يصحّ دِينكم إلّا بالنَّهي عن المُنْكَر، فابحثوا عن كلّ مفسد وانهوه، فإنْ لم ينْتَه فاكتبوا أسماءهم، وارفعوها إليَّ.

стр. 11517

ففعلوا ذلك ثم أمرهم بذلك ثانيًا وثلاثًا. ثمّ جمع الأوراق، فأخذ ما تكرّر من الأسماء، فأفردها عنده. ثمّ جمع القبائل كلّها وحضهم على أن لا يغيب منهم أحد. ودفع الأسماء الّتي أفردها إلى عبد الله الوَنْشَرِيسيّ، الملقَّب بالبشير، ثمّ جعل يعرضهم رجلًا رجلًا، فمن وجد اسمه أفرده في جهة الشّمال، ومن لم يجده جعله في جهة اليمين. إلى أن عرض القبائل جميعها. ثمّ أمر بتكتيف جهة الشّمال، وقال لقبائلهم: هؤلاء أشقياء من أهل النار قد وَجَب قتلُهم. ثمّ أمر كلّ قبيلة أنّ تقتل أشقياءها، فقُتِلوا كلّهم. وكانت واقعة عجيبة. وقال: بهذا الفِعل يصحّ لكم دِينكم ويقوى أمركم. وعلى ذلك استمرّت الحالة في جميع بلادهم. ويسمّونه: التّمييز. وكان له أصحاب عشرة يُسمَّون أهل عشرة. وأصحاب من رءوس القبائل سمّاهم أهل خمسين، كانوا ملازمين مجلسَه. فأما العشرة: فعبد المؤمن، والشَيخ أبو إبراهيم الهَزْرَجيّ، والشَيخ أبو حفص عمر بن يحيى الهِنْتَانيّ المعروف بعمرانينيّ، والشَيخ أبو محمد عبد الله البشير، والشَيخ أبو محمد عبد الواحد الزّواويّ، وكان يُعرف بطير الجنَّة، والشَيخ أبو محمد عبد الله بن أبي بكر، والشَيخ أبو حفص عمر بن أَرْناق، والشَيخ أبو محمد وإسناد الأَغْماتيّ، والشَيخ أبو إسحاق إبراهيم بن جامع، وآخر. فهؤلاء الّذين سبقوا وتعرَّفوا به لأخذ العِلْم عنه. وكان اجتماعهم به أفرادًا في حال تَطْوافه في البلاد، فآثرهم واختصّهم. وفي أوّل سنة أربعٍ وعشرين جهّز جيشًا زُهاء عشرين ألف مقاتل، قدم عليهم البشير، ثمّ دونه عبد المؤمن، بعد أمورٍ وحروب. فساروا إلى مَرّاكُش، وحاصروها عشرين يومًا، فأرسل عليّ بن يوسف بن تاشفين إلى عامله على سجلْماسَة، فجمع جيشًا وجاء من جهة، وخرج ابن تاشفين من البلد من جهة، ووقع الحرب، واستَحَرَّ يومئذٍ القتل بجيش المَصَامِدة، فقتل أميرهم عبد الله البشير، فالتفُّوا على عبد المؤمن، ودام القتال إلى اللّيل. وصلّى بهم عبد المؤمن صلاة الخوف والحرب قائمة. وتكاثر الملثّمون، وتحيّز المصامدة إلى بستانٍ هناك ملتفٍ بالشجر يُعرف بالبحيرة، فلذا

стр. 11518

قيل وقعة البحيرة. وبلغت قتلاهُم ثلاثة عشر ألفًا. وأُنهي الخبر إلى المهديّ فقال: عبد المؤمن سالم؟ قيل: نعم. قال: ما مات أحد، الأمر قائم. وكان مريضًا، فأمر بأتّباع عبد المؤمن، وعقد له من بعده، وسمّاه أمير المؤمنين، وقال لهم: هذا الّذي يفتح الله البلاد على يده، فلا تشُكّوا فيه وأعْضدوه بأموالكم وأنفسكم. ثمّ مات في آخر سنة أربعٍ وعشرين. قال اليَسَع بن حزْم: سَمَّى ابن تُومَرْت أتباع المرابطين مجسّمين، وما كان أهل المغرب يدينون إلّا بتنزيه الله تعالى عمّا لَا يجب له، وصفته بما يجب له، وترك الخوض فيما تقصر العقول عن فهمه. وكان علماء المغرب يعلّمون العامَّة أنّ اللّازم لهم أنَّ اللَّه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البصير؛ إلى أن قال: فكفّرهم ابن تُومَرْت بوجهين، بجهل العرض والجوهر. وأنّ من لَا يعرف ذلك لَا يعرف المخلوق، ولم يعرف الخالق. الوجه الثّاني إنّ من لم يهاجر إليه ولم يقاتل المرابطين معه فهو كافر، حلال الدّم والحريم. وذكر أنّ غضبه لله، وإنّما قام حِسْبةً على قومٍ أغرموا النّاس ما لَا يجب عليهم. وهذا تناقض، لأنّه كفّرهم، وإنّ كانوا مسلمين. فأخذ المرابطين منهم النَّزْر اليسير أشبه من قتْلهم ونهبهم. وحصل له في نفوس أتباعه من التصديق له والبركة ما لا يجوزه الوصف. وقال القاضي شمس الدّين: طالت المدَّة على ابن تُومَرْت، فشرع في حيلة، وذلك أنّه رأى أولاد المصامدة شُقْرًا زُرْقًا، ولون الآباء سُمْر، قال لهم عن ذلك، فلم يجيبوه، فلمّا ألحّ عليهم فقالوا: نحن من رعيَّة أمير المسلمين عليّ، وله علينا خَراج. وفي كلّ سنة تصعد مماليكه إلينا، وينزلون في بيوتنا، ويخرجونا عنها، ويخلُون بنسائنا وما لنا قُدرة على دفع ذلك. فقال ابن تُومَرْت: والله، الموتُ خيرٌ من هذه الحياة. كيف رضيتم بهذا، وأنتم أضربُ خلْق الله بالسّيف وأطعنهم بالرُّمح؟ قالوا: بالرّغم منّا.

стр. 11519

قال: أرأيتم لو أنّ ناصرًا نصركم على هؤلاء، ما كنتم تصنعون؟ قالوا: كنّا نقدَّم أنفسنا بين يديه للموت، فمن هو؟ قال: ضيفكم. فقالوا: السّمع والطّاعة. فبايعهم، ثمّ قال: استعدوا لحضور هؤلاء بالسّلاح. فإذا جاءوكم فأجْرُوهم على عادتهم، ثمّ مِيلُوا عليهم بالخُمُور، فإذا سكروا فآذنوني بهم. فلمّا جاءوهم ففعلوا ذلك بهم وأعلموه، فأمر بقتلاهم، فلم تمض ساعة من اللّيل حتّى أتوا على آخرهم، وأفلت منهم واحد، فلحِق بمَرّاكُش، فأخبر الملك، فندِم على فوات محمد من يده حيث لَا ينفعه النّدم. وجهّز جيشًا. وعرف ابن تُومَرْت أنه لَا بد من عسكرٍ يغشاهم. فأمر أهل الجبل بالقعود على أنقاب الوادي، فلّما وصلت إليهم الخيل نزلت عليهم الحجارة من جانَبي الوادي كالمطر، ودام القتال إلى اللّيل، فرجع العسكر، وأخبروا الملك، فعلم أنّه لَا طاقة لنا بأهل الجبل لتحصُّنهم، فأعرض عنهم. ثمّ قال ابن تُومَرْت لعبد الله الوَنْشَريسيّ: هذا أوان إظهار فضائلك وفصاحتك دفعةً واحدة. ثمّ اتّفقا على أن يُصلّي الصُّبح، ويقول بلسانٍ فصيح: إني رأيت في النّوم أنّه نزل بي مَلَكان من السماء، وشقّا فؤادي، وغسّلاه، وحَشَياه عِلْمًا وحكمة. فلّما أصبح فعل ذلك، فدُهشوا وعجبوا منه، وانقادوا إليه كلّ الانقياد. فقال له ابن تُومَرْت: فعجِّل لنا الْبُشْرَى في نفسنا، وعرّفنا أَسُعَداءُ نحن أمْ أشقياء. فقال له: أمّا أنت فإنّك المهديّ القائم بأمر الله، مَن تبعك سَعد، ومَن خالفك شقي. ثمّ قال: أعرضْ أصحابك حتّى أميّز أهل الجنَّة من أهل النّار. وعمل ذلك حيلةً، قتل فيها من خالف أمر ابن تُومَرْت؛ ثمّ لم يزل إلى أن جهّز، بعد فصولٍ طويلة، عشرة آلاف مقاتل. وأقام هو في الجبل، فنزلوا لحصار مَرّاكُش، فأقاموا عليها شهرًا، ثمّ كُسِروا كسرة شنيعة وهرب من سَلِم من القتْل، وَقُتِلَ الوَنْشَرُيسيّ المذكور. وقال عبد الواحد بن عليّ المَرّاكُشيّ: ثمّ جعلوا يشنون الغارات على قرى

стр. 11520

مَرّاكُش، ويقطعون عنها الْجَلَب، ويقتلون ويَسْبون الحريم. وكثر الدّاخلون في دعوتهم المنحاشون إليهم، وابن تُومَرْت في ذلك كلّه يُكثِر الزُّهد والتَّقَلُّل والعبادة. أخبرني من رآه يضرب على الخمر بالأكمام والنعال وعُشْب النَّخْلِ كفعل الصّحابة. وأخبرني من شهده وقد أُتيَ برجلٍ سَكْران فحدّه، فقال يوسف بن سليمان، أحد الأعيان: لو شَدَدْنا عليه حتى يخبرنا من أين شرِبَها. فأعرض عنه، فأعاد قوله، فقال: أرأيت لو قال شربتها في دار يوسف بن سليمان ما كنّا نصنع؟ فاستحى وسكت. ثمّ ظهر أنّ عبيد يوسف بن سليمان سقَوْه، فزادهم هذا ونحوه فتنةً بابن تُومَرْت. قال اليَسَع بن حزْم: ألّف ابن تُومَرْت كتاب "القواعد"، وممّا فيه: أن التّمادي على ذرةٍ من الباطل كالتمادي على الباطل كله. وألّف لهم كتاب "الإمامة"، يقول فيه: حتّى جاء الله بالمهديّ، يعني نفسه، وطاعته صافية نقيَّة، لَا ضدّ له ولا مثل له، ولا ندّ في الورى. وإنّ به قامت السّموات والأرض. قال اليَسَع: هذا نصّ قوله في الإمامة، وهذا نصّ تلقّيته من قراءة عبد المؤمن بن عليّ. دوّن لهم هذا بالعربيّ وبالبربريّ. فلما قرءوا هذين الكتابين زادهم ذلك شدَّةً في مذهبهم من تكفير النّاس بالذّنوب، وتكفيرهم بالتّأخُّر عن طاعة المهديّ الّذي قامت به السّموات والأرض. هذا نص ما قاله اليَسَع. قال: وأمرهم بجمع العساكر، فخرجوا إلى ناحية مَرّاكُش، فوجدوا جيشًا للمرابطين، فالتقوا، فانهزم المرابطون هزيمة مات فيها أكثر من شهِدَها، وصَبَر فيها الموحِّدون. فلّما كان في سنة إحدى وعشرين تألّفوا في أربعين ألف راجل وأربعمائة فارس، ونزلوا يريدون حضرة مَرّاكُش؛ فحدَّثني جماعة أنّهم نزلوا على باب أَغْمات بعد أن خرج إليهم المرابطون في أكثر من مائة ألف، بين فارسٍ وراجل، فخُذِلوا ودخلوا المدينة في أسوأ حالة. فجاء من الأندلس ابن همبك في مائة فارس، فشجّع أمير المسلمين، وخرج فقاتل، فانتصر المرابطون، وَقُتِلَ من المصامدة نحوٌ من أربعين ألفًا، فما سلِم منهم إلا نحو أربعمائة نفس.

стр. 11521

كذا قال اليَسَع. وقال ابن خلِّكان: حَضَرت ابن تُومَرْت الوفاةُ، فأوصى أصحابه وشجّعهم، وقال: العاقبة لكم. ومات في سنة أربعٍ وعشرين إثر الوقعة الّتي قُتِلَ فيها الوَنْشَرِيسيّ، ودُفِن بالجبل، وقبرُه مشهورٌ معظّم. ومات كهلًا. وكان رَبْعةً، أسمر، عظيم الهامة، حديد النّظر، مَهِيبًا. وقيل فيه: آثاره تُغنيك عن أخباره حتّى كأنّك بالعَيَان تراه، قدمٌ في الثَّرَى وهامة في الثريا، ونفس ترى إراقة ماء الحياء دون ماء المُحيّا. أغفل المرابطون ربطْه حتّى دبّ دبيب الفَلَق في الغَسَق، وترك في الدّنيا دَوِيًّا. وكان قُوتُه من غزْل أخته رغيفًا في كلّ يومٍ، بقليل سمنٍ أو زيت. فلم ينتقل عن ذلك حين كثُرت عليه الدّنيا. ورأى أصحابه يومًا وقد مالت نفوسُهم إلى كثْرة ما غنموه، فأمر بإحراق جميعه، وقال: من كان يبتغي الدّنيا فما له عندي إلّا هذا، ومن كان يبتغي الآخرة فجزاؤه عند الله. ومن شعره: أخذت بأعضادهم إذْ نأوا ... وخَلْفك القوم إذْ ودّعوا فكم أنت تُنْهَى ولا تنتهي ... وتُسْمع وعظًا ولا تَسْمعُ فيا حجر الشَّحْذ حتّى متى ... تسنّ الحديد ولا تقطعُ وكان يتمثّل كثيرًا من قول: تجرّد من الدّنيا فإنك إنما ... خرجت إلى الدُّنيا وأنت مجرَّدُ ولم يتملك شيئًا من البلاد، وإنما قرّر القواعد ومهّدها، وبَغَتَه الموت. وكانت الفتوحات على يد عبد المؤمن. وقد كان الملك أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن في أيّامه، وقد زار قبر ابن تُومَرْت بمحضرٍ من الموحّدين، فقام شاعر وانشد هذه القصيدة، وفيها جُمل ممّا كان يعتقده ابن تُومَرْت يخبر به: سلامٌ على قبر الإمام الممجَّدِ سلالةِ خير العالِمين محمد

стр. 11522

وشبهه في خلْقه ثمّ في اسْمِه ... وفي اسم أبيه والقَضاء المسدّد أتتنا به البُشْرى بأنْ يملا الدّنا ... بقسطٍ وعدلٍ في الأنام مخلّد ويفتتح الأمصار شرقًا ومغربًا ... ويملك عربًا من ثعير ومنجد فمن وصفه أثني واجلي وأن ... علاماته خمس تبين لمهتدي زمان واسم والمكان ونسبه ... وفعل له في عصمة وتأبُّد ويلبث سبْعًا أو فتِسْعًا يعيشها ... كذا جاء في نصٍّ من النَّقْلِ مُسْندِ فقد عاش تسعًا مثل قَوْل نبيّنا ... فذلكُمُ المهديُّ باللهِ يهتدي وخرج إلى مدْح عبد المؤمن وبنيه. ولابن تُومَرْت أخبار طويلة عجيبة. ٦٣- مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن أَبِي الغنائم عَبْد الصمد بن عليّ بن المأمون. أبو غانم الهاشميّ. يروى عن: جدّه. وعنه: أبو القاسم بن عساكر، وأبو طاهر السِّلَفيّ. ٦٤- محمد بن عليّ بن محمود١. المعمّر أبو منصور الزُّولَهيّ التاجر، المعروف بالكُرَاعيّ، ويقال: إنّ اسمه أحمد. وكتب له محمد وأحمد من قرية زولاه، إحدى قرى مرْو. شيخ صالح صائن، رحلَ إليه النّاس، وصارت زولاه مقصد الطّلبة والفُقهاء بسببه. وكان آخر من روى عن جده لأمّه أبي غانم الكُرَاعيّ. وكان قدّر مسموعاته قريبًا من عشرين جزءًا. سمعت منه. قاله أبو سعد السمعاني.

стр. 11523

وقال: سمعت منه بقراءة السّنجيّ اثني عشر جزءًا. ثمّ أحضره شيخنا الخطيب أبو الفتح محمد بن عبد الرحمن المَرْوَزِيّ في الخانقاه، وقرأ عليه الأجزاء المسموعة له، فسمعتها منه. وُلِد في العشرين من شوّال سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة. ومات في أواخر سنة أربعٍ وعشرين أو في أوائل سنة خمسٍ بقريته. قلت: هو في زمانه لأهل خراسان كفاطمة الْجُوزدَانيَّة لأهل أصبهان، وكابن الحُصَيْن لأهل بغداد، وكالرّازيّ لأهل مصر. وقد حدَّث عنه بالشّام محمد بن محمد بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن المروزي، وبقي إلى سنة ثمانين وخمسمائة. ٦٥- منصور١. أبو عليّ. الآمر بأحكام الله ابن المستعليّ بالله أبي القاسم أحمد بن المستنصر بالله أبي تميم مَعَدّ بن الظّاهر بالله عليّ بن الحاكم بن العزيز بن المُعِزّ العُبَيْديّ المصريّ، صاحب مصر. كان رافضيًا كآبائه. فاسقًا، ظالمًا، جائرًا، مستهزئًا لعّابًا، متظاهرًا باللَّهْو والمُنْكَر، ذا كبرٍ وجَبَرُوت. وكان مدبّر سلطانه الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش. ولي الأمر وهو صبيّ، فلمّا كبر قتل الأفضل وأقام في الوزارة المأمون أبا عبد الله محمد بن مختار بن فاتك البطائحيّ، فظلم وأساء السّيرة إلى أن قبض عليه الآمر سنة تسع عشرة وخمسمائة، وصادره ثمّ قتله في سنة اثنتين وعشرين وصَلَبه، وقتل معه خمسةً من إخوته. وفى أيّام الآمر أخذت الفرنج عكّا سنة سبعٍ وتسعين وأربعمائة، وأخذوا طرابلس الشام في سنة اثنتين وخمسمائة فقتلوا وسبوا، وجاءتها نجدة المصريّين بعد فوات المصلحة؛ وأخذوا عرفة، وبانياس، وجبيل.

стр. 11524

وتسلموا سنة إحدى عشرة وخمسمائة قلعة تبنين، وتسلّموا صور سنة ثمان عشرة، وأخذوا بيروت بالسيف في سنة ثلاثٍ وخمسمائة، وأخذوا صيدا سنة أربع. ثمّ قصد الملك بردويل الإفرنجيّ مصرَ ليأخذها ودخل الفَرَما، وحرق جامعها، والفَرَما قريبة من قطْيا من ناحية البحر، خربت وأحرق مساجدها، فأهلكه الله قبل أن يصل إلى العريش، فشقّ أصحابه بطنه وصبَّروه، ورموا حشوته هناك، فهي تُرجم إلى اليوم بالسَّبْخة، ودفنوه بقُمَامَة. وكان هو الّذي أخذ بيت المقدس، وعكّا، وعدَّة حصونٍ من السّواحل. وذلك كلّه بتخلُّف هذا المشئوم الطَّلْعة. وفي أيّامه ظهر ابن تُومَرْت؛ وفي أيّام أبيه أخذت الفرنج أنطاكّية، والمَعَرَّة، والقدس. وجرى على الشام أمرٌ مهول من ظهر الرَّفْض والسّبّ، ومن استيلاء الفرنج وَالسَّبْيِ والأسْر، نسأل الله العفو والأمن. ووُلِد الآمر في أول سنة تسعين وأربعمائة، واستخلف وله خمسُ سِنين، وبقي في المُلْك تسعًا وعشرين سنة وتسعة أشهر، إلى أن خرج من القاهرة يومًا في ذي القعدة، وعدَى على الجسر إلى الجيزة، فكمن له قومٌ بالسّلاح، فلمّا عبر نزلوا عليه بأسيافهم، وكان في طائفةٍ يسيرة، فردّوه إلى القصر مُثْخَنًا بالجراح، فهلك من غير عقب، وهو العاشر من أولاد المهديّ عُبَيْد الله الخارج بسجلْمَاسَة، وبايعوا بالأمر ابن عمّه الحافظ أبا الميمون عبد المجيد بن محمد بن المستنصر بالله، فعاش إلى سنة أربعٍ وأربعين. وكان الآمر رَبْعةً، شديد الأُدْمَةِ، جاحظَ العينين، حَسَن الخطّ، جيّد العقل والمعرفة. وقد ابتهج النّاس بقتله لعسَفه وسفْكه الدّماء، وكثرة مطاردته، واستحسانه الفواحش. وعاش خمسًا وثلاثين سنة. وبنى وزيره المأمون بالقاهرة الجامع الأقمر.

стр. 11525

"حرف الهاء": ٦١- هبة اللَّه بْن القاسم بْن عطاء بن محمد١. أبو سعد المِهْرانيّ النَّيْسابوريّ. قدِم بغداد، وسمع: أبا محمد الصَّرِيفِينيّ. وكان قد سمع من عبد الغافر الفارسيّ "صحيح مسلم". وسمع من: أبي عثمان الصّابونيّ، وأبي سعد الكنجروذي، وأبو نُعَيْم بسرويه بن محمد. ووُلِد سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. قال أبو سعد السّمعانيّ: كان شيخًا أصيلًا نبيلًا، نظيفًا، من بيت العِلم والزُّهد والورع، حافظًا للقرآن، قانعًا بالكفاف. انزوى في آخر عمره، وترك النّاس، وأقبل على العبادة. أجاز لي؛ وحدَّثني عنه جماعة، منهم: سعيد بن محمد الطُّيُوريّ، وأبو منصور عليّ بن محمد الغيد الطُّرَيْثيثي. وتُوُفّي في العشرين من جُمَادَى الأولى بنَيْسابور، وعمره ثلاث وتسعون سنة. قلت: وروى عنه: أبو بكر محمد بن عليّ بن ياسر الحيّانيّ. "حرف الواو": ٦٧- وَهْبُ الله ابن الحافظ الكبير أَبِي القاسم عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن أحمد بن محمد بن حشكان بن حسين بن عبد الله بن الحَكَم بن الوليد بن عُقْبة بن عامر بن عبد المجيد ابن الأمير عَبْد اللَّه بْن عامر بْن كُرَيز بن ربيعة بن حبيب بن عَبْد شمس بن عبد مَنَاف٢. العبْشَميّ، الكُرَيْزيّ، النَّيْسابوريّ، ابن الحذاء.

стр. 11526

سمع: أباه، وأحمد بن محمد بن مُكْرَم الصَّيْدلانيّ، وأبا يعلى بن الصابوني. مات في سابع شوال عن أربعٍ وسبعين سنة. كنيته أبو الفضل. وفيات سنة خمس وعشرين وخمسمائة: "حرف الألف": ٦٨- أحمد بن حامد بن مُحَمَّد بْن عَبْد الملك بْن عليّ بْن محمود بْن هبة اللَّه بن آله١. وآله هو العقاب بالعجميّ. عزيز الدّين أبو نصر الأصبهانيّ المستوفيّ، عمّ العماد الكاتب. كان رئيسًا نبيلًا، وكاتبًا بليغًا، كثير البر والصلات. روى الحديث عن: أبي مطيع محمد بن عبد الواحد المَدِينيّ. روى عنه: سعد الله بن الدّجاجيّ، وغيره. وقد ولي مناصب في الدولة السلجوقية، ومدحه الشعراء. وفيه يقول الحسن بن أحمد بن حكينا: فميلوا بنا نحو العراق رِكابَكُمْ ... لِنَكْتَال من مالِ العزيز بصاعِهِ وكان في الآخر متولّي خزانة السّلطان محمود بن محمد السَّلْجُوقيّ، فتزوّج محمود ببنت عمّه سَنْجَر، فماتت عنده، فطالبه عمّه بما كان خرج معها، فجحده محمود، وخاف من العزيز أن يشهد عليه بما وصل صُحبتها لأنّه كان مطّلعًا على ذلك، فقبض عليه، وسَيَّره إلى قلعةِ تِكْريت، وكانت له، فحبسه بها. ثمّ قتله على يد متولّيها في أوائل سنة خمسٍ وعشرين، وله ثلاثٌ وخمسون سنة. ٦٩- أحمد بن علي بن محمد٢.

стр. 11527

أبو السّعود بن المُجَلّيّ البغداديّ البزّاز. شيخ، صالح، صَبور على القراءة، ولم يكن يعرف شيئًا من الحديث. وكان يعِظ ويذكّر بجامع المنصور. سمّعه أبوه هبة الله من: القاضي أبي يعلى بن الفراء، وعبد الصمد بن المأمون، وأبي جعفر ابن المسلمة، وابن المهتدي بالله، وأبي بكر الخطيب، وجماعة. روى عنه: أبو القاسم بن عساكر، وابن الْجَوزيّ، وأبو الفتوح بن غَيْث، والحسن بن عبد الرحمن الفارسيّ، وأبو الفتح المندائيّ، وجماعة. وُلِد سنة ثلاثٍ وخمسين وأربعمائة، وتُوُفّي في ثامن ربيع الأوّل ﵀. "حرف الحاء": ٧٠- حماد بن مسلم بن ددوة١. أبو عبد الله الدباس الرّحْبيّ، رحبة مالك بن طَوْق. الزّاهد العارف؛ وُلِد بالرحْبَة، ونشأ ببغداد. وكان له كاركة للدبْس، يجلس في غرفتها. وكان من الأولياء أولي الكرامات. صحِبَه خلْق، فأرشدهم إلى الله تعالى، وظهرت بركته عليهم، وكان يتكلم على الأحوال. وقد كتبوا من كلامه نحوًا من مائة جزء. وكان أميًّا لا يكتب. قال عبد الرحمن بن محمد بن حمزة الشّاهد: رأيت في المنام كأنّ قائلًا يقول لي: حمّاد شيخ العارفين والأبدال. وعن حمّاد قال: مات أبوايَ في يومٍ واحد، ولي نحو ثلاثين سنة. وكانا من أهل الرحْبَة. وقال أحمد بن صالح الجيليّ: سمع من أبي الفضل بن خَيْرُون، وكان يتكلَّم على آفات الأعمال في المعاملات، والرياضات، والورع، والإخلاص. وقد جاهد نفسه بأنواع المجاهدات، وزوال أكثر المهن والصنائع في طلب الحلال.

стр. 11528

وكان كأنه مسلوب الاختيار، مكاشفًا بأكثر الأحوال. ومن كلام الشَيخ حمّاد: إذا أحبّ الله عبدًا أكثر همّه فيما فَرَّط، وإذا أبغض عبدًا أكثر همّه فيما قَسَمه له ووعده به. العلم محجةٌ، فإذا طلبته لغير الله صار حُجَّة. وقال أبو سعد السّمعانيّ: سمعت أبا نصر عبد الواحد بن عبد الملك يقول: كان الشَيخ حمّاد يأكل من النَّذْر، ثمّ تركه لمّا بلغه قوله ﵇: "إنّه يستخرجه به من البخيل" ١، فكره أكْلَ مال البخيل. وصار يأكل بالمنام. كان الإنسان يرى في النّوم أنّ قائلًا يقول له: أعط حمّادًا كذا فيصبح ويحمل ذلك إلى الشَيخ. وقال الشَيخ أبو النّجيب عبد القاهر: مرض الشَيخ حمّاد، فاحتاج إلى التَّنَشُّق بماء ورد، فحمل إليه أبو المظفر محمد بن عليّ الشّهْرُزُورِيّ الفَرَضيّ منه شيئًا، فلما وضع بين يديه قال: رُدّوه فإنه نجِس. فردّوه إلى أبي المُظَفَّر فقال: صَدَق الشَيخ، كان قد وقع في طَرَفه نجاسة وتركته وحده لأريقه، فنسيت. وقال المبارك بن كامل: مات الشَيخ العارف الورع الناطق بالحكمة حمّاد الدّبّاس في سنة خمس، ولم أرَ في زماني مثله صحِبْتُه سنين وسمعت كلامه. وكان مكاشَفًا يتكلَّم على الخواطر، مسلوب الاختيار، زِيّه زي الأغنياء، وتارة زَيّه زِيّ الفقراء متلوّن، كيف أُدير دار. وكان شيخ وقته، يشبه كلامه كلام الحصريّ. كانت المشايخ إذا جاءت إليه كالميت بين يدي الغاسل، لَا يتجاسر الشّخص أن يختلج. وقال ابن الْجَوزي قاتَلَه الله: كان حمّاد الدّبَاس على طريقة التّصوّف، يدّعي المعرفة والمكاشفة وعلوم الباطن، وكان عاريًا عن علم الشَّرْع فلم ينفق إلّا على الْجُهّال. وكان ابن عَقِيل ينفّر النّاس عنه، حتّى بلغه أنّه يعطي كلّ من يشكو الْحُمَّى لوزةً وزبيبة ليأكلها فيبرأ، فبعث إليه ابن عَقِيل: إنْ عُدْت إلى مثل هذا ضربتُ عُنقَك. فكان يقول: ابن عقيل عدوي.

стр. 11529

وصار النّاس يَنْذُرُون له النُّذُور. ثمّ تركه، وصار يأخذ بالمنامات، ويُنْفق على أصحابه ما يُفْتَح له، ومات في رمضان. قلت: وقد نقم "ابن الأثير" و"أبو المظفَّر بن قزغليّ" في تاريخيهما على ابن الجوزيّ، حيث حطّ على الشَيخ حمّاد، فقال أبو المظفَّر: ولو لم يكن لحمّاد من الفضائل الّتي اتّصف بها في زهادته وطريقته، إلّا أنّ الشَيخ عبد القادر أحد تلامذته. "حرف الخاء": ٧١- خَلَف بن مُفَرِّج بن سعيد. أبو القاسم بن الحبان الشّاطبيّ الكِنانيّ. عاش تسعين سنة إلّا أشْهُرًا. وروى عن: أبي الوليد الباجيّ، وأبي عبد الله بن سعدون، وطاهر بن مُفَوَّز. وكان فقيهًا، مشاوَرًا، مدرّسًا. روى عنه: أبو عبد الله بن مفاوز، وعبد الغنيّ بن مكّيّ، وأبو عبد الله المِكْناسيّ. "حرف الزاي": ٧٢- زُهر بْن عَبْد الملك بْن مُحَمَّد بْن مروان بن زهر١. أبو العلاء الإيادي الإشبيلي الطبيب. رحل إلى قرطبة فأخذ عن: أبي عليّ الغسّانيّ، وعبد الله بن أيّوب، وأبي بكر بن مفوّز. وأخذ الطَّبّ عن والده فمهَر فيه، وصنَّف فيه حتّى إنّ الأندلسيين ليفخرون به، وحلَّ من السّلطان محلًا عظيمًا. وكانت إليه رئاسة إشبيلية. وكان بارعًا في الأدب، شاعرًا، محسنًا.

стр. 11530

روى عنه: ابنه أبو مروان، وأبو بكر بن أبي مروان، وأبو عامر بن يبق، وغيرهم. وكان محتشمًا جوادًا، لكن فيه بذاءة لسان. وله كتاب "الخواصّ"، وكتاب "الأدوية المُفْرَدَة"، وكتاب "الإيضاح في الطّب"، وكتاب "حلّ سلوك الرّازيّ على الكتب"، وكتاب "النكت الطبية"، وغير ذلك. وكان أبوه أبو مروان من رءوس الأطبّاء، وكان جدّه محدَثًا، فقيهًا، مشهورًا. وتُوُفّي بقُرْطُبة منكوبًا. ومن شِعره: يا راشقي بسهامٍ ما لها غَرَضُ ... إلّا الفؤاد وما منها لنا عوضُ ومُمْرِضي بجفونٍ كلّها غنجٌ ... صحت وفي طبعها التحريض والمرض جد لي ولو بخيالٍ منك يَطْرُقُني ... وقد يَسُدّ مَسَدَّ الجوهرِ الْعَرَضُ "حرف العين": ٧٣- عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن نجا بن عليّ بن محمد بن شاتيل. أبو محمد المراتبيّ الدّباس. شيخ صحيح السّماع، أضرّ في آخر عمره. وسمع: أبا محمد الجوهريّ، وأبا محمد الصَّرِيفِينيّ. وعنه: أبو المُعَمَّر، وأبو القاسم الحافظ. وكان لَا يعرف شيئًا. وهو والد أبي الفتح عُبَيْد الله. تُوُفّي في نصف المحرَّم. ٧٤- عبد الباقيّ بن الحسين بن إبراهيم. أبو الحسين النّجّاد، كشلة. بغداديّ لهُ دكّان بسوق الثُّلاثاء. سمع: أبا جعفر ابن المسلمة، والصَّرِيفينيّ.

стр. 11531

وقرأ القراءات على: أبي عليّ بن البنّا. قال ابن السّمعانيّ: حدَّثني عنه جماعة، وسمعت أنّه ما كانت له سيرة حسنة. تُوُفّي في نصف المحرَّم أيضًا. ٧٥- عبد الباقيّ بن عامر بن زيد١. أبو المجد الأنصاريّ الهَرَويّ، سِبْط أبي إسماعيل، شيخ الإسلام. واعظ حَسَن الإيراد، بارز العدالة، نبيل، عالم. سمع: جدّه، ومحمد بن عبد العزيز الفارسيّ، وأبا عطاء الجوهري. وأملى مجلسًا بجامع المنصور. وتوفي رجب. ٧٦- عليّ بن طاهر البغداديّ. المغازليّ. قال المبارك بن كامل: هو عمّ والدتي. عاش مائة وعشرين سنة. ورأى: أبا الحسن القَزْوينيّ. وسمع قليلًا. ٧٧- عيسى بْن حزْم بْن عَبْد اللَّه بْن اليَسَع٢. أبو الأصبَغ الغافقيّ، نزيل المَرِيَّة. أخذ القراءات عن: أبيه. وروى عن: أبي داود، وابن الدّوش، وجماعة. وتصدّر للإقراء. وكان محمودًا، محققًا، صالحًا. ولي خطَّة الشُّورى والخطابة بالمرية. وحدث عن: ابن الطلاع، وأبي علي الغساني.

стр. 11532

أخذ عنه: أبو القاسم بن حُبَيْش، وأبو العبّاس البَرَاذِعيّ، وأبو عبد الله بن عبّاد الحِنّائيّ. ولا يعلم وفاته، لكنه حدَّث في هذا العام. وأكثر عنه ولده أبو يحيى اليَسَع صاحب المغرب. "حرف الميم": ٧٨- مالك بن يحيى بن أحمد بن عامر١. أبو عبد الله الإشبيليّ، أحد رجال الكمال والارتسام بمعرفة العلوم على تفارقها. سمع من: أحمد بن محمد الخَوْلانيّ، وغيره. ومات رحمه الله تعالى بمَرّاكُش عن اثنتين وسبعين سنة. ورّخه ابن بَشْكُوال. ٧٩- محمد بْن أحمد بْن إِبْرَاهِيم بْن أَحْمَد٢. أَبُو عَبْد اللَّه الرّازيّ، ثمّ المصريّ. المعدّل الشّاهد؛ ويُعرف بابن الخطّاب. مُسْنِد الدّيار المصرية وشيخ الإسكندريَّة. وُلِد سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، وعُني به أبوه وأسمعه الكثير في سنة أربعين. سمع: أباه، وأبا الحسن بن حِمّصة الحَرّانيّ، وعلي بن ربيعة، ومحمد بن الحسين الطّفّال، وعلي بن محمد الفارسيّ، وأحمد بن محمد بن الفتح الحكيميّ، وأبا الفضل أحمد بن محمد السَّعْديّ، وأَحْمَد بْن عَلِيّ بْن هاشم تاج الْأئمة، وأبا الفتح أحمد بن بابشاذ والد طاهر، وعبد الملك بن مسكين، ومحمد بن الحسين بن سعدون المَوْصِليّ، ومحمد بن الحسين بن التَّرْجُمان، وتتمة سبعة وأربعين شيخًا، تخرج عنهم في مشيخته، وترفد بالرّواية عن كثيرٍ منهم، فانقطع إسنادٌ عالٍ بموته، ﵀. روى عنه: أبو طاهر السَّلَفيّ، ويحيى بن سعدون القُرْطُبيّ، وأبو محمد العثمانيّ، وعبد الواحد بن عسكر المخزوميّ، وأبو القاسم علي بن مهدي الفقيه ابن

стр. 11533

قليتا، وأبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الحضرمي، وبدر الحذاء داوبي، وأبو طالب أحمد بن المسلم التنوخي، والفقيه أبو الطاهر إسماعيل بن عوف، وإسماعيل بن صالح بن ياسين، وخلْق آخرهم موتًا عبد الرحمن بن موقا. وتوفي سادس جُمَادى الأولى، وله إحدى وتسعون سنة. ولو عاش أصحابه بعده كما عاش هو بعد شيوخه لتأخروا إلى سنة عشرٍ وستمائة. والسّماع قسميَّة. ٨٠- محمد بن الحَسَن بن عليّ بن الحسن١. الشيخ أبو غالب الماوردي الصادق. ولد بالبصرة سنة خمسين وأربعمائة. وسمع: أبا عليّ التُّسْتَرِيّ، وعبد الملك بن شُعْبة، وجماعة بالبصرة. وأبا الحسين بن النَّقُّور، وعبد العزيز الأنْماطيّ، وعبد الله بن الحسن الخلّال ببغداد. وأبا عمر بن مَنْدَهْ، ومحمود بن جعفر الكَوْسَج، والبُرَانيّ بأصبهان. ومحمد بن أحمد بن علان أبا الفرج، وأبا الحسن محمد بن الحسن بن المنوّر الْجُهنَيّ بالكوفة. روى عنه: أبو القاسم بن عساكر، وأبو الفَرَج بن الجوزيّ، وأبو أحمد بن سُكَيْنَة، وابن بُوش، وجماعة. قال ابن الجوزيّ: كتب بخطّه الكثير، وكان يورّق للنّاس. وكان صالحًا. تُوُفّي في رمضان ببغداد. قال: ورُؤُيَ في المنام فقال: غفر الله لي ببركات الحديث، وأعطاني جميع ما أَمَّلْتُه. ٨١- محمد بن داود بن عطيَّة. أبو عبد الله العكّيّ القلعي القيرواني الأصل.

стр. 11534

روى بالأندلس عن: عبد الجليل الرَّبَعيّ؛ وأكثر عن أبي علي الغساني. واستقضى بتِلِمْسَان وبعدها بإشبيلية، ثمّ بفاس. وكان من جِلَّة العلماء. وقد حدَّث. تُوُفّي في عاشر ذي القعدة في عَشْر الثّمانين. ٨٢- محمد بن عمر بن عبد العزيز١. أبو بكر البخاريّ الحنفيّ المقرئ المعروف بكاك. إمام أصحاب أبي حنيفة بمكَّة. كان فقيهًا، صالحًا، محدثًا. سمع: عبد الباقيّ بن يوسف المراغيّ، وأبا بكر أحمد بن سهل السّرّاج، وجماعة. وعنه: أبو القاسم بن عساكر، ومحمود بن محمد بن بابشاذ، وغيرهما. وعاش أربعًا وسبْعين سنة. "حرف الهاء": ٨٣- هبة الله بن محمود بن عبد الواحد بن حمد بن العبّاس بن الحُصَيْن٢. أبو القاسم الشَّيْبانيّ الهَمَذَانيّ، ثمّ البغداديّ، الكاتب. مسنِد العراق. وُلِد في سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة في رابع ربيع الأوّل. وسمع: أبا طالب بن غيلان، وأبا علي بن المذهب، وأبا محمد بن المقتدر، وأبا القاسم التَّنُوخيّ، والقاضيّ أبا الطَّيِّب الطَّبَريّ. قال ابن السّمعانيّ: شيخ ثقة، ديّن، صحيح السّماع، واسع الرواية، عُمّر حتّى صار اسْنَد أهل عصره. ورحلَ إليه الطّلبة، وازدحموا عنده. حدث "بمُسْنَد أحمد" وأحاديث أبي بكر الشّافعيّ، واليَشْكُريّات. وهو آخر من حدث بهذه الكتب.

стр. 11535

وحدَّثني عنه: أبو بكر بن أبي القاسم الصّفّار، وأبو عبد الله حامد المَدِينيّ الحافظ، وأبو أحمد مُعَمَّر بن الفاخر، وأبو الخير عبد الرحيم الأصبهانيّ، والحافظ أبو القاسم الشّافعيّ، وجماعة كثيرة. وكانوا يصِفُونه بالسَّداد والأمانة والخيريَّة. وقال ابن الجوزيّ: بكّر به أبوه وبأخيه عبد الواحد فأسمعهما، وعُمّر حتّى صار اسْنَد أهل عصره. وكان ثقة صحيح السَّماع. سمعت منه "المسند" جميعه، و"الغيلانيات" جميعها، وغير ذلك. وأملى عدَّة مجالس باستملاء شيخنا ابن ناصر. قلت: هي أربعون مجلسًا. قال: وتُوُفّي في رابع عشر شوّال، وصلّى عليه ابن ناصر بوصيةٍ منه. تُوُفّي بعد الظُّهر يوم الأربعاء، وتُرِك إلى يوم الجمعة، يعني حتّى دُفِن. قال الحسين بن خسْرُو: دُفِن يوم الجمعة بباب حرْب في اليوم الثالث من وفاته. قلت: حدَّث عنه: الحافظ أبو العلاء الهَمَذَانيّ، والحافظ أبو موسى المَدِينيّ، والإمام أبو الفتح بن الْمُنَى، وقاضي القُضاة أبو الحسن عليّ بن أحمد بن الدّامغَانيّ، وقاضي الشّام أبو سعد بن أبي عصْرون، وأبو منصور عبد الله بن محمد بن حمدِيّه، وأخوه أبو طاهر إبراهيم، وأبو محمد بن شَدقيني، وعبد الرحمن بن سعود القصْريّ، والعلّامة مجير الدّين أبو القاسم محمود بن المبارك الواسطيّ، ويحيى بن ياقوت النّجّار، وعبد الخالق بن هبة الله البُنْدار، والقاضي عُبَيْد الله بن محمد السّاويّ، وعلي بن المبارك بن جابر العدل، وعبد الرحمن بن أبي الكرم بن ملّاح الشّط، وعبد الله بن أبي بكر بن الطَّويلة، وعلي بن عمر الحربيّ الواعظ، وعبد الله بن أبي المجد الحربيّ، وهبة الله بن أبي المجد الحربيّ، وهبة الله بن الحَسَن السِّبْط، وعليّ بن محمد بن عليّ الأنباريّ، وعبد الله بن نصر بن مزروع التّلّاحيّ، وعبد الرحمن بن أحمد العُمريّ، والحسن بن إبراهيم بن أُشْنَانَة، وعبد الله بن محمد بن عُليان الحربيّ، ولاحق بن قَنْدَرَة، روى "المُسْند" سنة ستّمائة، وفاطمة بنت سعد الخير، وأبو القاسم بن شدّقينيّ، وعمر بن جُرَيرة القطّان، والمبارك بن إبراهيم بن مختار بن السّبتي.

стр. 11536

وبقي بعد السّتّمائة من أصحابه: عَبْد الله بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أيّوب البَقَليّ: تُوُفّي سنة إحدى. وحنبل المكبّر: تُوُفّي في أوّل سنة أربع؛ وأبو الفتح محمد بن أحمد المنْدائيّ، وهو آخر من حدَّث بالمُسْنَد كاملًا: تُوُفّي في شعبان سنة خمسٍ، ودُفِن بداره بواسط. والحسين بن أبي نصر بن القارص الحريميّ، وتُوُفّي في شعبان أيضًا. وعبد الوهّاب بن سُكَيْنة، وتُوُفّي سنة سبعٍ في ربيع الآخر. وعمر بن طَبرزد، وفيها تُوُفّي في رجب، وهو آخر أصحابه. وتُوُفّي أبوه محمد بن عبد الواحد الكاتب سنة تسعٍ وستّين. وفيات سنة ست وعشرين وخمسمائة: "حرف الألف": ٨٤- أحمد ابن الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش بدر الجماليّ١. الأرمنيّ، ثمّ المصريّ، صاحب مصر وسلطانها، الملك الأكمل أبو عليّ، ابن صاحبها ووزيرها. ولمّا قُتِلَ أبوه في سنة خمس عشرة وخمسمائة، وأخذ الآمر بأحكام الله جميع أمواله سجَن هذا مدَّة، فلمّا مات الآمر أشغلوا الوقت بعده بابن عمه الحافظ عبد المجيد إلى أن يولد حَمل للآمر، فجاء بنتًا. وأخرجوا من السّجن أبا عليّ عند موت الآمر، وجعلوا الأمور إليه. وكان شَهْمًا شجاعًا مَهِيبًا، عالي الهِمَّة كأبيه وجدّه، فاستولى على الدّيار المصرية، وحفظ على الآمر، ومنعه من الظهور، وأودعه في خزانة، فلا يدخل إليه أحد إلّا بأمر الأكمل. وعمد إلى القصر فأخذ جميع ما فيه إلى داره كما فعل الآمر بأبيه جزاءً وِفاقًا، وأهمل الخلفاء العُبَيْديين والدعاء لهم، لأنه كان في تسنُّن كأبيه. وأظهر التّمسُّك بالإمام المنتظر، فجعل الدعاء في الخطبة له، وأبطَلَ من الأذان "حيِّ على خير العمل" وغيرَّ قواعد الباطنيَّة، فأبغضه الأمراء والدُّعاة.

стр. 11537

وأمر الخُطباء بأن يخطبوا له بهذه الألقاب الّتي نصَّ لهم عليها، وهي: السيّد الأفضل الأجل، سيد ممالك أرباب الدولة، المحامي عن حَوْزة الدّين، ناشر جَناح العدْل على المسلمين، ناصر إمام الحقّ في غيبته وحضوره والقائم بنُصْرته بماضي سيفه وصائب رأيه وتدبيره، أمين الله على عباده، وهادي القُضاة إلى اتباع شرع الحقّ واعتماده، ومرشد دُعاة المؤمنين بواضح بيانه وإرشاده، مولى النِّعَم، ورافع الجور عن الأمم، ومالك فضيلتي السيف والقلم، أبو علي ابن السيد الأجل الأفضل، شاهنشاه أمير الجيوش. فكرهوه وصمموا على قتله، فخرج في العشرين من المحرم للعب بالكرة فكمن له جماعة، وحمل عليه مملوك إفرنجي للحافظ، فطعنه فقتله، وقطعوا رأسه، وأخرجوا الحافظ وبايعوه. ونهب دار أبي علي، وركب الحافظ إلى الدار فاستولى على خزائنه، واستوزر مملوكه أبا الفتح يانس الحافظي، ولقبه أمير الجيوش، فظهر شيطانا ماكرا بعيد الغور، حتى خاف منه الحافظ، فتحيل عليه بكل ممكن، وعجز حتى واطأ فراشه بأن جعل له في الطّهارة ماءً مسمومًا، فاستنجي به، فعمل على سِفْله ودوَّد، فكان يعالج بأن يلصق عليه اللحم الطري، فيتعلق به الدود، فترجع للعافية، وأتاه الحافظ عائدًا، فقام له، وجلس الحافظ عنده لحظةً وانصرف، فمات من ليلته في السّادس والعشرين من ذي الحجَّة من السّنة، وكانت وزارته إحدى عشر شهرًا. واستوزر الحافظ ولده وليَّ عصره الحَسَن الّذي قُتِلَ سنة تسعٍ وعشرين. ٨٥- أَحْمَد بن عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عُبَيْد اللَّه بْن محمد بن أحمد١. أبو العزّ بن كادش، السُّلَمي البغداديّ العُكْبَرِيّ. سمع: أقضى القُضاة أبا الحسن الماوَرْديّ، وهو آخر من حدَّث عنه، وأبا الطَّيَّب الطَّبَريّ، وابن الفتح العُشَاريّ، وأبا محمد الجوهريّ، وأبا عليّ الجازريّ. روى الكثير، وأثنى عليه جماعة. قال ابن الجوزيّ: كان مُكْثِرًا ويفهم الحديث.

стр. 11538

وقال ابن السّمعانيّ: شيخ مُسْنِد سمع بنفسه، وكان يفهم، وأجاز لي، ونبا عن جماعة. ونبا ابن ناصر أنّه سمع إبراهيم بن سليمان يقول: سمعتُ أبا العزّ بن كادش يقول: أنا وضعت حديثًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكان ابن ناصر سيئ الرأي فيه. وقال لي عبد الوهّاب الأنماطيّ: كان مخلِّطًا. وأما أبو القاسم بن عساكر وأبو محمد بن الخشّاب فأثنيا عليه. وروى عنه: ابن عساكر، ويحيى بن بوش، وهبة الله بن الحسن السِّبط، وأبو موسى المَدِينيّ، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أيّوب الحربيّ، وإبراهيم بن بركة البيَّع، وآخرون. وتُوُفّي في جمادى الأولى، وله تسعون سنة أو جازها. قال ابن النّجّار: كان مخلّطًا كذّابًا لَا يُحْتَجّ به. قرأت بخطّ عمر بن عليّ القُرَشيّ القاضي: سمعت أبا القاسم عليّ بن الحسن الحافظ يقول: قال لي أبو العزّ بن كادش: وضع فلان حديثًا في حق علي، فوضعت حديثًا في حقّ أبي بكر، بالله أليس فعلت جيّدًا؟ قال ابن النّجّار: رأيت لأبي العزّ كتابًا سمّاه "الانتصار لدم القِحاب" على نظم جماعةٍ من الشُّعراء يقول فيه: أنشدَتْني فُلانة المغنّية، وأنشدتني ستّوت المغنية بأُوَانا. وخطُّه رديء إلى الغاية في التّعقُّد والتّسلسل. قيل: مولده سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. ٨٦- أحمد بن عمر بن خَلَف١. أبو جعفر بن قِبْلَيْل الهَمْدانيّ، الغَرْناطيّ، الفقيه. روى عن: أبي عليّ الغسّانيّ، وأبي عبد الله الطلاعي، وأصبغ بن محمد. حدَّث عَنْهُ: أبو عبد الله بْن عبد الرحيم، وأبو خالد بن رفاعة، وأبو جعفر بن البادش، وأبو القاسم بن بَشْكُوال. قال ابن الأبّار: دارت عليه الْفُتْيَا ببلده. وكان من جِلَّة الفقهاء المشاوَرين. توفي في ذي القعدة.

стр. 11539

"حرف الجيم": ٨٧- جهور بن إبراهيم بن محمد بن خَلَف١. أبو الحزْم التُّجَيْبيّ الأندلسيّ. حجّ وسمع "صحيح مسلم" من أبي عبد الله الطَّبَريّ. قال ابن بَشْكُوال: بإشبيلية لقيته وأجاز لي. وكان رجلًا فاضلًا، منقبضًا، مُقبلًا على ما يعنيه تولّى الصّلاة بموضعه، يعني بقرية مورور. "حرف الحاف": ٨٨- الحسين بن محمد بن خسْرُو. أبو عبد الله البلْخيّ، ثمّ البغداديّ. السَّمسار، مفيد أهل بغداد ومحدث وقته. سمع من: أبي الحسين الأنباريّ، والبانياسيّ، وعبد الواحد بن فهد العّلاف، وأبي عبد الله الحُمَيْديّ، وطبقتهم، وخلقٍ بعدهم. وسمع بإفادته جماعة كثيرة. روى عنه أبو القاسم بن عساكر، وأبو الفَرَج بن الجوزيّ، وجماعة. قال السّمعانيّ: سألت أبا القاسم الحافظ فقال: ما كان يعرف شيئًا. وسألت ابن ناصر عنه فقال: كان يذهب إلى الاعتزال. وكان حاطبَ ليلٍ، يسمع من كل أحد. ومات ابن خسْرُو في شوّال، ﵀. "حرف العين": ٨٩- عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر محمد بْن عبد الله بْن أحمد٢. العلّامة أبو محمد الخُشْنِيّ المُرْسِيّ، الفقيه. أخذ بقُرْطُبة عن: أبي جعفر أحمد بن رزق الفقيه. وتخرَّج به أبو محمد بن أبي جعفر.

стр. 11540

وسمع من: حاتم بن محمد كتاب "الملخّص" بسماعه من القابسيّ. وحجّ فسمع "صحيح مسلم" من الحسين بن عليّ الطَّبَريّ. وقال القاضي عياض: سمع من: أبي عمر بن عبد البر، وأبي العباس العذري، وابن مسرور، والطليطلي. وقال ابن بشكوال: روى عن: أبو الوليد الباجيّ، ومحمد بن سعدون القرويّ. وكان حافظا للفقه على مذهب مالك، مقدما فيه على جميع أهل وقته، بصيرا بالفتوى، مقدما في الشورى، عارفا بالتفسير، ذاكرا له. يؤخذ عنه الحديث، ويتكلم على بعض معانيه. انتفع به الطلبة. وكان رفيعا في أهل بلده، معظما فيهم، كثير الصدقة والذكر لله تعالى. كتب إلينا بإجازة مروياته. قال محمد بن حمادة الفقيه: كان غالبًا عليه الفقه. دخلتُ عليه بمُرْسِيَة سنة إحدى وعشرين وهو ينام، والقارئ يقرأ عليه، ولُعابه يسيح عن فمه، فسألني عن سبتة وأهلها. ثمّ رفعت مسالةً فيمن خرج باغيًا أو عاديًا، فاضطرّ إلى الميتة، فقلت: مشهورُ مذهب مالك أنّه لَا يباح له أكْلُها. وقال عبد الله بن حبيب: له أكلها. فقال: ليس هو ابن حبيب إنما هو ابن الماجِشُون. ثمّ قال لصبيّ: قُم إلى الخزانة، وأخْرِج السِّفْر الفُلانيّ، ثمّ اقلب منه كذا وكذا ورقة. قال: فإذا بالمسألة كما ذكر. فتعجّبت من حِفْظه وهو على تلك الحال. وأجاز لي كتاب "الموطّأ". وحجّ فسمع منه بسبْتَه قاضينا أبو عبد الله بن عيسى التّميميّ، وجماعة. وطالَ عُمره، ورحلَ النَّاس إِلَيْهِ من الْأقطار. وقد سمع "صحيح مسلم" من أبيه أبي بكر، ومات أبوه في سنة أربعٍ وتسعين وأربعمائة، بسماعه من أبي حفص عمرو الهوزني المذبوح في سنة ستين وأربعمائة، بسماعه من عبد الله بن سعيد السّبتجاليّ، عن أبي سعد بن عمرو بن محمد السجري، عن الْجُلُوديّ نازلًا.

стр. 11541

قال ابن بَشْكُوال: وُلد بمُرْسِية سنة سبعٍ وأربعين وأربعمائة وتُوُفّي في ثالث رمضان. يُعرف بابن أبي جعفر. ٩٠- عَبْد اللَّه بْن مُوسَى بْن عَبْد اللَّه١. أبو محمد القُرْطُبيّ. روى عن: حازم بن محمد، ومحمد بْن فَرَج، وأبي علي الغسّانيّ، وأبي الْحَسَن العبسي المقرئ. وحدَّث. قال ابن بَشْكُوال: عُنِي بالحديث عناية كاملة، وكان متفننًا في عدَّة علوم مع الحِفْظ والإتقان. وتُوُفّي في صفر. ٩١- عبد الرحمن ابن الفقيه محمد ابن الفقيه عبد الرحمن ابن الفقيه عبد الرحيم ابن الفقيه أحمد بن العجوز. الفقيه أبو القاسم الكُتَاميّ السّبتيّ، قاضي الجزيرة الخضراء، ثمّ قاضي سلا. كان أحد الأعلام. قال القاضي عِياض: حضرت مجلسه في تدريس "المدوَّنة"، فما رأيت أحدًا أحسن منه احتجاجًا، ولا أَبْيَن منه تعليلًا. وكان سل سمتٌ وهمَّة. تُوُفّي بفاس. نبا عن أبيه، عن جدّه. ٩٢- عبد الكريم بن حمزة بن الخضر بن العبّاس٢. أبو محمد السُّلميّ الدّمشقيّ الحدّاد. سمع: أبا القاسم الحِنّائيّ، وأبا بكر الخطيب، ومحمد بن مكي الأزدي المصري، وعبد الدائم بن الحسن، وعبد العزيز الكتاني، وأبا الحسن بن أبي الحديد، وعُبَيْد الله بن عبد الله الدّارانيّ، وجماعة.

стр. 11542

وأجاز له: أبو جعفر ابن المسلمة، وأبو الحسن بن مَخْلَد الواسطيّ. روى عَنْهُ: أبو القاسم بْن عساكر وقال: كان ثقة مستورًا سهلًا، قرأتُ عليه الكثير، وتُوُفّي في ذي القعدة؛ وأبو طاهر السِّلَفيّ، وعبد الرحمن بن عليّ الخِرَقيّ، وإسماعيل الخبرويّ، وبركات الخُشُوعيّ، وأبو القاسم بن الحَرَسْتانيّ، وآخرون. وكان من أسند شيوخ الشّام في عصره. ٩٣- عليّ بن الحسين بن محمد بن مهديّ١. الأستاذ أبو الحسن البصْريّ، الصُّوفيّ، العارف. دار في الشام، ومصر، والجزيرة، وأذَرْبَيْجان، ولقي العُبّاد. وكانت له مقامات، وأحوال، وكرامات. وسكن بغداد في الآخر. سمع: أبا الحسن الخِلَقيّ، والمُثَنَّى بن إسحاق القُرَشيّ الأَذَرْبَيْجانيّ. روى عنه: أبو القاسم بن عساكر. ويُروى أنّه حضرت عنده امرأة فقالت: يا سيّدي، ضاع كتابي الّذي شهدت فيه، وأريد أن تشهد. قال: ما أشهد إلّا بشيء حلْو. قال: فتعجّب الحاضرون منه. فمضت وعادت ومعها كاغَد حَلْواء. فضحك وقال: والله ما قلت لكِ إلّا مُزاحًا، اذهبي وأطْعِميه لأولادك. ولمح الكاغد الذي فيه الحلواء فقال: أرينيه. فأرته، فإذا هو كتابُها، وفيها شهادته، فقال: ما ضاعت الحلْواء، هذا كتابك. تُوُفّي أبو الحسن البصْريّ في جُمَادَى الأولى. ٩٤- عمر بن يوسف. القُدوة، الزّاهد، أبو حفص ابن الحذّاء القَيْسيّ الصَّقَليّ، نزيل الثَّغْر. سمع منه: السِّلَفيّ، عن أبي بكر عتيق بن عليّ السْمنْطَاريّ بصقلية: نبا أحمد

стр. 11543

ابن إسحاق المِهرانيّ، ثنا أبو بكر بن خلّاد، ثنا، تمتام، نبا القَعْنَبيّ بحديث: الّذي تفوته العصر. قال السِّلَفيّ: كان من مشاهير الزُّهاد وأعيان العُباد. له مجدٌ كبير عند أهل صَقَلّية. وكان من أهل العِلم. تمنع مِن الرّواية كثيرًا تورُّعًا، وجرى بيني وبينه خطبٌ طويل. وقفت على سماعه من السّمنْطاريّ بموطّأ القَعْنَبيّ، بهذا الإسناد. وُلِد بصَقَلّية سنة ثلاثين وأربعمائة، وحجّ سنة إحدى وخمسين. وقرأ على جماعة القرآن. تُوُفّي في المُحرم، ﵀. "حرف الميم": ٩٥- منصور بن الخيّر بن تمكيّ١. أبو عليّ المغراويّ، المالقيّ، المقرئ الأحدب. حجّ، وأدرك أبا مَعْشَر الطَّبَريّ وأخذ عنه. ولقي أبا عبد الله محمد بن شريح وأخذ عنه. وجالس أبا الوليد الباجيّ. وعُنِي بالقراءات، وصنّف فيها كُتُبًا أخذها عنه الناس. قال ابن بشكوال؛ قال: وسمعت بعض شيوخنا يضعّفه. تُوُفّي بمالقة في شوال. قلت: قرأ عليه: محمد بن أبي العيسى الطُّرْطُوشيّ، ومحمد بن عُبَيْد الله بن العويص. وقيل: إنّه مُتَّهم في لُقِيّ أبي مَعْشَر، مع أنّه رأس في القراءات، قيم بتجويدها وعللها.

стр. 11544

قال اليَسَع بن حزْم: رحلت إليه، فوجدته بحرًا في علوم القراءات، بعيد الغَوْر والغايات، فجلست واستفدت وتشكّلت، فقال: ما حجَّة من جَهَر وحجَّة من أخفى؟ فقلت: حجَّة الجهر ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ﴾ [النحل: ٩٨] ، وأخفوا لئلّا يتوهّم أنهّا آية من القرآن. وذكر باقي الكلام. قال أحمد بن ثعبان: انصرفت من مكَّة، فلقِيَني منصور بن الخيّر فقال: ما فعل أبو مَعْشَر؟ قلت: توفي. فلما حج رجع إلى الأندلس وقال: قرأت على أبي معشر. وفيات سنة سبع وعشرين وخمسمائة: "حرف الألف": ٩٦- أحمد ابن الشَيخ الإمام أبي عليّ الحسن بن أحمد بن عبد الله١. أبو غالب بن البنّا البغداديّ الحنبليّ. شيخ صالح، كثير الرّواية، عالى السَّنَد. سمع: أبا محمد الجوهري، وأبا الحسين بن حسنون النرسي، وأبا يعلى بن الفراء، وأبا الغنائم بن المأمون ووالده، وابن المهتدي، بالله وطائفة. وله مشيخة. وكان مولده في سنة خمسٍ وأربعين وأربعمائة. وأجاز له: أبو الطَّيب الطَّبريّ، وأبو إسحاق البَرْمكيّ، وأبو بكر بن بِشْران، والعُشَاريّ. وثّقه ابن الجوزي، وروى عنه هو، و: أبو القاسم بن عساكر، وأبو موسى المَدِينيّ، وهبة الله بن مسعود البابذينيّ، ومحمد بن هبة الله أبو الفَرَج الوكيل، وعبد الوَهاب بن الشَيخ عبد القادر، وإسماعيل بن عليّ القطّان، وعمر بن طَبَرْزد، وخلْق سواهم. وتُوُفّي في صفر. وقيل: في ربيع الأوّل. وتفرد بالأجزاء القطعيات الّتي لم يبق ببغداد شيء أعلى منها في وقته.

стр. 11545

٩٧- أحمد بن عمّار بن أحمد بن عمّار بن المسلم١. أبو عبد الله الحسينيّ الكوفيّ، مجد الشّرف، الشّاعر المشهور. مدح المسترشد، والوزير أبا عليّ بن صَدَقة. ومن شعره: وباكية أبكت فأبدت محاسنًا ... أراقت فراقت أنفس الركْب عن عمد حبابًا على خمرٍ وليلٍ على ضُحى ... وغصنًا على دعصٍ وذرا على وردِ وله: ناس يسيء برأيه ويري ... صَرْفَ الحوادث غير متَّهمِ لك في الّذي تُبْديه معذرةً ... من نام لم ينفك في حُلمِ عاش اثنتين وخمسين سنة. ٩٨- أسعد بن صاعد بن منصور بن إسماعيل٢. أبو المعالي النَّيْسابوريّ الحنفي، خطيب نيسابور. سمع: جده، وأبا بكر بن خَلَف الشّيرازيّ، وموسى بن عمران الصُّوفيّ، وأبا بكر الشّيرُويّ. كان إليه الخطابة والوعظ والتّدريس ببلده، وكان مقبولًا عند السّلطان. توفي في ذي القعدة، وقد قدم بغداد رسولًا من السّلطان سَنْجَر، فسمع منه ابن عساكر، وغيره. "حرف العين": ٩٩- عَبْد اللَّه بْن أحمد بْن عليّ بن جحشوَيه. المحدِّث المفيد أبو محمد البغدادي. سبط قريش.

стр. 11546

طلب بنفسه وكتب الكثير، وسمع من: النّعاليّ، وطرّاد، وابن البَطِر، وطبقتهم. وحدَّث بأكثر مسموعاته. روى عنه: عبد الله بن أبي المجد الحربيّ، وغيره. قال ابن النّجّار: مات في شوال سنة سبعٍ وعشرين. ١٠٠- عبد الجبّار بن أبي بكر بن محمد١. أبو محمد الأزْديّ، الصَّقَلّيّ، الشّاعر. له ديوان مشهور. دخل الأندلس ومدح المعتمد بن عباد. وتوفي هذه السّنة في رمضان بجزيرة مَيُورقَة. وجزيرة صَقَلّية يحيط بها البحر، وهي بحذاء إفريقية. أخذتْها النصارى في سنة أربعٍ وستين وأربعمائة. ١٠١- عبد الكريم بن إسحاق. أبو زُرْعة البزّاز الرّازيّ. قدِم سنة إحدى وثمانين ببغداد، وسمع عاصم بن الحَسَن، وجماعة. وسمع بالرّي من: عبد الكريم الوزّان؛ وبأصبهان من: أبي عبد الله الرفقي. قال أبو سعد السّمعانيّ: كان صدوقًا، ثقة. حدّثنا عنه جماعة. وعاش سبْعًا وثمانين سنة. ١٠٢- عبد الملك بْن عبد الله بن داود٢. أبو القاسم الحمزيّ. من حمزيّ مدينة بالمغرب. قدِم بغداد وسكنها. قدِم على أبي عليّ التُّسْتَري، فسمع منه "سنن أبي داود".

стр. 11547

وسمع ببغداد من: أبي نصر الزينبي. سمع منه: أبو القاسم بن عساكر السُنَن، وحدَّث عنه هو، وأبو المعمّر. تُوُفّي في ربيع الآخر. ١٠٣- عليّ بن عُبَيْد الله بن نصر بن عُبَيْد الله بن سهل١. الإمام أبو الحسن بن الزاغوني، شيخ الحنابلة ببغداد. سمع الكثير بنفسه، ونسخ بخطه. وولد سنة خمسٍ وخمسين وأربعمائة. حدث عن: أبي جعفر بن المسلمة، وابن هزار مرد، وعبد الصّمد بن المأمون، وعلي بن البُسْريّ، وأبي الحسين بن النَّقُور، وجماعة. وقرأ بالرّوايات، وتفقَّه على يعقوب البَرْزَبِينيّ. وكان إمامًا فقيهًا، متبحّرًا في الأصول والفروع، متفننًا، واعظًا، مُناظرًا، ثقة، مشهور بالصّلاح، والدّيانة، والورع، والصّيانة، كثير التّصانيف. قال ابن الجوزيّ: صحِبته زمانًا، وسمعت منه، وعلَّقت عنه الفِقْه والوعظ. وتُوُفّي في سابع عشر المحرَّم. وكان الْجَمع يفوت الإحصاء. وقال أبو سعد السّمعانيّ: روى لنا عنه: عليّ بن أبي تُراب، وأبو المُعَمَّر الأنصاريّ، وأبو القاسم الحافظ. وسمعت حامد بن أبي الفتح المَدِينيّ: سمعت أبا بكر محمد بن عُبَيْد الله بن الزّاغُونيّ يقول: حكى بعض النّاس ممّن يوثق بهم أنّه رأى في المنام ثلاثة يقول واحد منهم: اخْسِفْ؛ وواحد يقول: أَغْرِق؛ وواحد يقول: أَطْبِق. يعني البلد. فأجاب أحدهم: لَا، لأنّ بالقرب منّا ثلاثة أحدهم أبو الحسن بن الزاغُونيّ، والثاني أحمد بن الطّلّاية، والثالث محمد بن فلان من الحربيَّة. قلت: وروى عنه: بركات بن أبي غالب السقلاطوني، ومسعود بن غيث

стр. 11548

الدّقّاق، وأبو القاسم بن معالي بن شدّقينيّ، وأبو الحسن عليّ بن عساكر، وأبو موسى المَدِينيّ، وأبو حفص بن طَبَرْزَد، وطائفة سواهم. وهو من متكلّمي الحنابلة ومصنّفيهم. أملى عليّ القاضي عبد الرحيم بن عبد الله، أنّه قرأ بخط أبي الحسن بن الزاغُونيّ: قرأ أبو محمد عبد الله بن أبي سعد الضّرير عليَّ القرآن من أوّله إلى آخره، بقراءة أبي عَمْرو، رواية اليَزِيديّ، طريقة ابن مجاهد، وكنت رأيت فِي المنام رسول اللَّه ﷺ وقرأت عليه القرآن من أوله إلى آخره بهذه القراءة المذكورة، وهو ﷺ يسمع، وإني لما بلغت في سورة الحجّ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الحج: ١٤] الْآيَةَ، أشار بيده أي اسمع، ثمّ قال: "هذه الآية من قرأها غُفِر له" ثمّ أشار أن اقرأ، فلمّا بلغت أول يس، قال لي: "هذه السّورة من قرأها أَمن من الفَقْر"؛ فلمّا بلغت إلى سورة الإخلاص قال لي: "هذه السّورة من قرأها، فكأنّما قرأ ثلث القرآن". فلمّا كملت الخْتمة قال لي: "ما أَعطى الله أحدًا ما أُعطي أهل القرآن". وإنّي قلت له كما قال لي. وكتب عليّ بن عُبَيْد الله بن الزاغُونيّ قال: وقرأ عليَّ هذا الكتاب، يعني مختصر الخِرَقيّ، من أوّله إلى آخره أبو محمد الضّرير مِن حِفْظه، ورويته لي عن أبي القاسم الخِرَقيّ ﵀. وكتب ابن الزاغوني سنة تسعٍ وخمسمائة. ١٠٤- عليّ بن يَعْلَى بن عَوَض١. أبو القاسم الهاشميّ العلويّ العُمريّ، من ولد عمر بن عليّ بن أبي طالب. شيخ جليل واعظ مشهور، صاحب قَبُولٍ. من أهل هَرَاة. سمع من: أبي عامر الأزْديّ، ونجيب بن ميمون، ومحمد بن عليّ العُميريّ الزّاهد. وورد بغداد فوعظ بها، وسمع من: أبي القاسم بن الحصين.

стр. 11549

وكان يورد في مجلس وعْظه الأحاديث بأسانيدها، ويُظهر السُّنَّة. قال ابن الجوزيّ: حصل له ببغداد مالٌ وكُتُب وَقَبُولٌ كثير، وحُمِلت إليه وأنا صغير، وحفّظني مجلسًا من الوعظ، فتكلّمت بين يديه يوم ودّع النّاس وسافر إلى مَرْو. وقال ابن السّمعانيّ: سمعتُ منه حديثًا واحدًا. ١٠٥- عمر بْن مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن موسى. أَبُو جعفر الشّاشيّ، نزيل قاشان، إحدى قرى مَرْو. تفقّه على الإمام أبي الفضل التّميميّ، وسمع منه. ومنه: أبو عبد الله محمد بن الحسين المهْربَنْدَشانيّ، وإسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني. وقدم بغداد قبل الثمانين وأربعمائة حاجًا، وسمع أبا عبد الرحمن بن ميمون المتولّي. وحدَّث. تُوُفّي سنة سبعٍ وعشرين، فيُحوَّل إليها. "حرف الكاف": ١٠٦- كريم المُلْك١. أبو الحسن. وأسمه: أحمد بن عبد الرّزّاق. وزير الملك شمس الملوك صاحب دمشق. مات في ذي الحجَّة، وتأسّف النّاس عليه لحسن طريقته، وحميد خلاله، وكثْرة تلاوته. ١٠٧- كريمة بنت الحافظ أبي بكر محمد بن أحمد ابن الخاضبة. رَوَت عن: أبي الحسين بن النقور. وعنها: أبو القاسم بن عساكر، وأبو المعمّر الأنصاري، وغيرهما.

стр. 11550

وتُوُفّيت في رجب. قال ابن السّمعانيّ: رأيت نسخةً "بتاريخ بغداد" كاملةً بخطّها. "حرف الميم": ١٠٨- محمد بن إدريس. أبو عبد الله الجذاميّ الغرناطي. حدث بـ"صحيح البخاريّ"، عن بكّار، عن أبي ذَرّ الهَرَويّ، وكان فقيهًا، مُفْتيًا. روى عنه: أبو خالد بن رفاعة. ١٠٩- محمد بْن الحسين بْن عليّ١. أبو بَكْر البغداديّ المِزْرَفيّ، ومِزْرَفَة بين عُكْبرا وبغداد، الفَرَضيّ الحاجيّ. وُلِد سنة تسعٍ وثلاثين وأربعمائة ببغداد. وسكن به أبوه مُدَّةً في أيّام الفتنة بالمِزْرفة. وقرأ بالروايات وجوّد. وسمع: أبا جعفر ابن المسلمة، وأبا الحسين ابن المهتديّ بالله، وعبد الصّمد بن المأمون، وأبا عليّ بن البنّا، والصَّرِيفينيّ، وخلْقًا سواهم. وتلا على أصحاب الحمّاميّ. روى عنه: ابن عساكر، وأبو الفَرَج بن الجوزيّ، وأبو موسى المَدِينيّ، وأبو الفتح المنْدائيّ، وطائفة. وأقرأ القراءات. ويقول الحافظ ابن عساكر وغيره إنّه مات ساجدًا. مات في أوّل السّنة. وقال ابن الجوزيّ: كان ثقة، عالمًا، حسن العقيدة ﵀.

стр. 11551

١١٠- منصور بن محمد بن محمد بن الطَّيِّب١. أبو القاسم العَلَويّ العُمَريّ الهَرَويّ، المعروف بالفاطميّ. كان فقيهًا، مناظرًا، وواعظًا، رئيسًا. كان رفيع المنزلة عند الخاصّ والعامّ، ذا ثروةٍ وأموال. يقال كان له ثلاثمائة وستون طاحونة. سمع بهَرَاة من: جدّه لأمه أبي العلاء صاعد بن منصور الأزْديّ، ومحلّم بن إسماعيل، ومحمد بن أبي عاصم العُمَريّ. وبنَيْسابور من: أبي القاسم القُشَيْريّ، وأبي شجاع المكيالي. وقَدِم بغداد مرَّتين. وروى عنه: ابن ناصر، والسِّلَفيّ، ويحيى بن بوش. قال ابن السّمعانيّ: كان شيخنا أبو الحسن الأزدي سيئ الرأي فيه، قال: لَا أروي عنه حرفًا. تُوُفّي أبو القاسم الفاطميّ بَهَراة في رمضان. وقال السّمعانيّ في "التّحبير": أجاز لنا، وكان فقيهًا مبّرزًا مدقّقًا، مولده سنة أربعٍ وأربعين وأربعمائة. وفيات سنة ثمان وعشرين وخمسمائة: "حرف الألف": ١١١- أَحْمَد بْن عليّ بْن إِبْرَاهِيم٢. الشَيخ أبو الوفاء الشّيرازيّ، القُدْوة، الزّاهد، الفيروز أباذيّ، شيخ الرِّباط الّذي حِذَاء جامع المنصور ببغداد. قَدِم بغداد وسمع من: أبي طاهر الباقلاني، وأبي الحسن الهكاري شيخ الإسلام.

стр. 11552

وخدم المشايخ، وسكن بالرّباط المذكور. ويُعرف برباط الزَّوْزَنيّ. قال ابن السّمعانيّ: اتّفقَت الأَلْسُن على مدحه. صحب المشايخ بفارس، وكان يحفظ من كلام القوم وسِيَرَهم وأحوالهم، ومن الأشعار المناسبة لذلك شيئًا كثيرًا. واتَّفق أنّ أبا عليّ المغربيّ أحضر رجلًا يقال له: محمد المغربيّ إلى الشَيخ أبي الوفاء وأثنى عليه، وقال: إنّه يصلح لخدمتك، فاستخدمه الشَيخ وقرّبه، وكان يسعى في مَهَمّاته، فضاق منه أبو عليّ المغربيّ، فقال لأبي الوفاء: أريد أن تُخْرجه من الرباط ولا يخدمك. فقال: ما يحسُن هذا. تُثنى على رجلٍ فتقرّبه، ثمّ تضيق منه فتُخْرجه. هذا لَا يليق. فعمل أبو عليّ: إن خلي أبا الوفا ... في صفاي أبي الوفا باع ودّي بردٍ من ... لُطْفه غاية الجفا وقال أبو الفَرَج بن الجوزيّ: كان أبو الوفاء على طريقة مشايخه في سماع الغناء والرَّقْص. وكان يقول لشيخنا عبد الوهاب: إني لأدعو الله في وقت السَّماع. وكان شيخنا يتعجَّب ويقول: أَلَيْس يعتقد أنّ ذلك وقت إجابة، وهذا غاية القُبْح. وحكى أبو الوفاء أنّ فقيرًا كان يموت وعياله يبكون، ففتح عينيه وقال: لمَ تبكون، أَلِمَوْتي؟ قالوا: لَا، الموت لَا بدّ منه، ولكن نبكي على فضيحتنا، لأنّه ليس لك كَفَن. فقال: إنّما نفتضح لو كان لي كفن. قال ابن الجوزيّ: تُوُفّي أبو الوفاء في حادي عشر صفر. وصلّى عليه خلْق، منهم أرباب الدّولة وقاضي القُضاة. ودُفن على باب الرّباط. وعمل له الخادم نَظَر بعد يومين دعوة عظيمة، أنفق فيها مالًا على عادة الصُّوفيَّة، واجتمع فيها خلق. وكان أبو الوفاء ينشد أشعارًا، أنشد مرَّة لأبي منصور الثّعالبيّ:

стр. 11553

وخيط نمَّ في حافّات وجهٍ ... له في كلّ يومٍ ألفُ عاشقٍ كأنّ الرّيحَ قد مرّت بمسكٍ ... وذرَّت ما حَوَتْهُ من الشّقائقِ ١١٢- أحمد بن عليّ بن الحسن بن سَلْمُوَيْه. أبو عبد الله النَّيسابوريّ الصُّوفيّ. شيخ طريفٌ معمَّر. وُلِد قبل الأربعين. وحدَّث عن: عبد الغافر بن محمد الفارسيّ، وعمر بن مسرور، وأبي سعد الكَنْجرُوذيّ. ورحل مع والده، وسمع من: أبي محمد الصَّرِيفِينيّ، وغيره. وخدم أبا القاسم القشيري، وكان يقرئ بين يديه الأبيات بصوت رخيم ليّن. روى عنه: أبو سعد السمعاني، وقال: تُوُفّي سنة ٥٢٨ أو قبلها. ١١٣- أحمد بن عليّ بن محمد بن السَّكَن. أبو محمد بن المِعْوَجّ. سمع: عليّ بن البُسْريّ، وجماعة. وعنه: مُعَمَّر بن الفاخر، ومحمود الخيّام، وغيرهما. ١١٤- أُمَيَّة بن عبد العزيز بن أبي الصَّلْت١. أبو الصَّلْت الأندلسيّ الدّانيّ، مصنّف كتاب "الحديقة". كان عالمًا بالفلسفة، ماهرًا في الطّبّ، إمامًا فيه وفي علوم الأوائل. سكن الإسكندرية مدَّةً، وكان مولده بدانية في سنة ستين وأربعمائة. أخذ عن: أبي الوليد الوقْشيّ قاضي دانية، وغيره. وقَدِم الإسكندرية سنة تسعٍ وثمانين، ونفاه الأفضل شاهنشاه من مصر في سنة خمسٍ وخمسمائة. ثمّ دخل إلى المَهْديَّة، وحلّ من صاحبها عليّ بن يحيى بن باديس بالمحلّ الجليل.

стр. 11554

وكان بارعًا في معرفة النّجوم والوقت، بارعًا في الموسيقى وفي الشَّعر، حاذقًا بلعب الشّطرنج. وله رسالة مشهورة في الأسطُرلاب. وله كتاب "الوجيز" في علم الهيئة، وكتاب "الأدوية المفردة"، وكتاب في المنطق، وكتاب "الانتصار" في أصول الطّب. صنَّف بعضها في سجن الأفضل. وقيل: إنّ أمير الإسكندرية حبسه مُدَّةً لأنّه قدِم إلى الإسكندرية مركبٌ موقرٌ نحاسًا، فغرق وعجزوا عن استخراجه، فقال أبو الصَّلْت: عندي فيه حيلة. فطاوعه الأمير، وبذل له أموالًا لعمل الآلات، وأخذ مركبًا كبيرًا فارغًا، وعمل على جنبيه دواليب بحبالٍ حرير، ونزل الغطّاسون، فأوثقوا المركب الغارق بالحبال، ثمّ أُديرت الدّواليب، فارتفع المركب الغارق بما فيه إلى أن لاطخ المركب الّذي فيه الدّواليب وتمّ ما رامه، لكن انقطعت الحبال وهبط، فغضب الأمر للغرامة وسجنه. ومن شِعره: إذا كان أصلي من تُراب فكلُّها ... بلادي وكُلُّ العالمين أقاربي ولا بُدّ لي أن أسأل العِيسَ حاجَةً ... تشُقَّ على شُمّ الذُّرَى والغَوارِبِ وله: وقائلةٍ ما بالُ مثلِكَ خاملٌ ... أأنت ضعيفُ الرّأي أم أنتَ عاجزُ فقلت لها ذنبي إلى القوم أنني ... لما لم يحُوزُوه من المجدِ حائزُ وله: ومهفهفٌ تركتْ محاسنُ وجهِهِ ... ما مَجَّهُ في الكأسِ من إبريقِهِ فَفِعالُها من مُقْلَتْيه ولَوْنها ... من وجْنَتَيه وطَعْمُها من ريقِهِ وله: عجِبْتُ من طَرْفِكَ في ضَعْفهِ ... كيف يَصيدُ البَطَلَ الأصْيَدا يفعَلُ فينا وهو في غِمْدِهِ ... ما يفعلُ السَّيفُ إذا جُرِّدا ومن شِعره، وأوصى أن يُكتب على قبره، وهو يدلّ على أنّه مسلم الاعتقاد:

стр. 11555

سكنتُك يا دارَ الفَناء مصدِّقًا ... بأنّي إلى دار البقاء أصيرُ وأعظم ما في الأمر أنّي صائرٌ ... إلى عادلٍ في الحُكْم ليسَ يجور فيا ليت شعري، كيف ألفاه عندها ... وزادي قليل، والذّنوبُ كثيرُ فإنْ أك مُجَزِيًا بذنْبي فإنّني ... بشرٌ عقابِ المذنبين جديرُ وأنْ يكُ عفوٌ منه عنّي ورحمةٌ ... فثمّ نعيمٌ دائمٌ وسُرورُ تُوُفّي ﵀ بمرض الاستسقاء بالمهديَّة في منسلخ العام، وقيل: في مستهلّ سنة تسعٍ. "حرف الثاء": ١١٥- ثابت بن منصور الكيليّ١. أبو العزّ مِن أهل العراق. سمع الكثير ونسخ، وعُنِي بالحديث. سمع: رزق الله التّميميّ، وعاصم بن الحسن، ومحمد بن إسحاق الباقَرْحيّ. قال ابن ناصر: هو صحيح السّماع ما يعرف شيئًا. تُوُفّي في ذي الحجَّة. وقال غيره: كان يحفظ ويدريّ. وقال ابن النّجّار: خرَّج في فنون، وكان صدوقًا. روى لنا عنه: مظفّر بن عليّ الخيّاط، وستّ الكَتَبة بنت يحيى الهَمَذانيّ. وروى عنه: السِّلَفيّ وقال: كان فقيهًا على مذهب أحمد. كتب كثيرًا معنا وقبلنا، وكان ثقة زعر الأخلاق. "حرف الحاء": ١١٦- الحسن بن أحمد بن محمد بن جكينا. أبو محمد الحريميّ الشّاعر المشهور، صاحب الرَّشاقة، والحلاوة، والظّرافة في شِعْره. وكان هجّاءً، غوّاصًا على المعاني. ويلقّب بالبرغوث.
следующие страницы →