ولبعضهم:
بكيتُ دمًا عَلَى بغداد لمّا ... فقدتُ غضارة العيش الأنيقِ
أصابتها مِن الحسّاد عينٌ ... فأفْنَتْ أهلها بالمنجنيق١
وهي طويلة.
قتال الغوغاء والعياريين والحرافيش عَنِ الأمين وما قِيلَ فيهم:
وبقي يقاتل عَنِ الأمين غوغاء بغداد والعيّارون والحرافشة وأنكوا في أصحاب طاهر. وكانوا يقاتلون بلا سلاح، فقال بعض الشعراء:
خرّجت هذه الحروب رجالا ... لا لقحطانها ولا لنزارِ
مَعْشَرًا في جواشن الصوف يغدو ... ن إلى الحرب كالأُسود الضَّواري
وعليهمْ مَغٍافرُ الْخُوصِ تجزيـ ... ـهم عَنِ البِيض والتَّراسُ الْبَوَارِي
لَيْسَ يدرون ما الفرار إذا الأبـ ... ـطال عاذوا مِن القَنا بالفرارِ
واحدٌ منهم يُشدّ على ألـ ... ـفين عُرْيَانُ ما لَهُ مِن إزارِ
كم شريفٍ قد أخملِتْهُ وكم قد ... رفعتْ مِن مُقامرٍ عيّارِ
وقال آخر في غوغاء البغاددة:
إذا حضروا قَالُوا بما يعرفونه ... وإن لم يروا شيئًا قبيحًا تخّرصوا
ترى البطلَ المشهورَ في كلّ بلدةٍ ... إذا ما رَأَى العريان يومًا يُبَصْبِصُ
وقعة درب الحجارة:
ثمّ كانت بينهم وقعة درب الحجارة، وكانت لأصحاب محمد الأمين عَلَى أصحاب طاهر، فقُتل فيها خلْق كثير.
وقعة باب الشّماسية:
ثمّ كانت وقعة باب الشّماسيّة، وأُسِر فيها هَرْثَمَة، وانتصر فيها أصحاب محمد.
стр. 4272
وَأُسَرَ هَرْثَمَة رجلٌ مِن العُراة، ولم يعرفه، فحمل بعض أصحاب هَرْثَمَة عَلَى الرجل فقطع يده وخلّصه، فمرّ منهزمًا، وبلغ خبرهُ أهلَ عسكره فتقوضّ بما فيه، وهرب أهله نحو حُلوان. وكان عَلَى العُراة حاتم بْن الصّقْر.
وقعة العُراة وما قِيلَ فيهم:
ثمّ نَجَدَ هَرْثَمَة وأصحابَه طاهرُ بنُ الحسين وأصحابُه، وقتلوا مِن العُراة خلائق، فأيقن محمد بالهلاك، وهرب مِن عنده عَبْد الله بْن خازم بْن خُزَيمة إلى المدائن في السُّفن بعياله.
وقيل في قتل العُراة:
كم قتيلٍ قد رأينا ... ما سألنا لأيش
دارعًا تلقاه وعريا ... ن بجهل وطيش
حبشيًّا يقتل النا ... س عَلَى قطعة خَيْش
مُرتدٍ بالشمس راضٍ ... بالمُنَى من كل عيش
يحمل الحملة لا يقـ ... ـتل إلا رأس الجيش
احذر الرمية يا طا ... هر من كف الجيش
ودام حصار بغداد خمسة عشر شهرًا، هكذا، فلا قّوة إلا بالله.
ظهور السفيانيّ بالشام:
وفيها أوفى السفياني بالشام، واستولى عَلَى سائرها باليَمانية، وهربت القيسيّة مِن الغوطة.
حصار ابن بَيْهس لدمشق:
ثمّ إنّه توثّب عَلَيْهِ مسلمة بْن يعقوب الأموي المروانيّ، وقبض عَلَيْهِ في أثناء السَّنَةِ، وقيده. واستبدّ بالأمر وبايع لنفسه، فلم يبلع رِيقَه حتى حاصره ابن بَيْهَس بدمشق أيامًا، ثمّ نصب عَلَى السور السلالم، كما يأتي١.
стр. 4273
أحداث سنة ثمانٍ وتسعين ومائة:
تُوُفّي فيها: إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ، أيّوب بْن تميم التّميميّ المقرئ، بدمشق، سُفْيان بْن عُيَيْنَة، أبو محمد الهلالّي، صَفْوان بْن عيسى الزُّهْرِيّ، والأصحّ بعد ذَلِكَ، عَبْد الرَّحْمَن بْن مهديّ، أبو سَعِيد، عُمَر بْن حفص العبديّ، في قَوْل، عَمْرو بْن الهيثم، أبو قطن، بصْريّ ثِقة، عَنْبَسة بْن خَالِد الأَيْليّ، مالك بْن سُعير بْن الخمس الكوفيّ، محمد بْن شعيب بْن شابور، في قَوْل، محمد بْن معن الغِفَاريّ المدنيّ، تقريبًا، مسكين بْن بُكَيْر الحرّانيّ الحدّاد، محمد بْن هارون الأمين الخليفة، قُتِل، معن بْن عيسى القزاز المدنيّ، يحيى بْن سَعِيد القطّان، يحيى بْن عبّاد الضُّبَعيّ البصْريّ، ببغداد.
ذكر استيلاء طاهر عَلَى بغداد:
وفيها الحصار كما هُوَ عَلَى بغداد، ففارق محمدًا خُزَيْمَة بْن خازم مِن كبار قوّاده.
وقفز إلى طاهر بْن الحسين هُوَ ومحمد بْن عليّ بْن عيسى بْن ماهان، فوثبا عَلَى جسر دِجلة في ثامن المحرَّم فقطعاه، وركّزا أعلامهما، وخلعا الأمين، ودعيا للمأمون. فأصبح طاهر بْن الحسين وألحّ في القتال عَلَى أصحاب محمد الأمين، وقاتل بنفسه. فانهزم أصحاب محمد، ودخل طاهر قسْرًا بالسيف، ونادي مناديه: مِن لَزِم بيته فهو آمن.
ثمّ أحاط بمدينة المنصور، وبقصر زُبيدة، وقصر الخُلْد، فثبت عَلَى قتال طاهر حاتم بْن الصَّقْر والهِرْش والأفارقة. فنصب المجانيق خَلَف السّور وعلى القصرين ورماهم. فخرج محمد بأمّه وأهله مِن القصر إلى مدينة المنصور، وتفرّق عامة جُنْده وغلمانه، وقلّ عليهم القُوت والماء، وفنيت خزائنه عَلَى كثْرتها.
ذِكر غناء الجارية ضَعْف:
وذُكِر عَنْ محمد بْن راشد: أخبرني إبراهيم بْن المهديّ أنّه كَانَ مَعَ محمد بمدينة المنصور في قصر باب الذهب، فخرج لَيْلَةً مِن القصر مِن الضَّيق والضَّنك، فصار إلى قصر القرار فطلبني، فأتيتُ، فقال: ما ترى طِيبَ هذه الليلة، وحُسن القمر، وضوءه في الماء، هَلْ لك في الشراب؟ قلت: شأنك.
стр. 4274
فدع برطلٍ مِن نبيذ فشرِبه، ثمّ سُقيتُ مثله، وابتدأتُ أُغنّيه مِن غير أن يسألني، لِعِلمي بسوء خُلُقهِ، فغنّيت. فقال: ما تَقُولُ فيمن يضرب عليك؟ فقلت: ما أحْوَجني إلى ذَلِكَ.
فدعا بجاريةٍ اسمها ضَعْف، فتطيّرت مِن اسمها. ثمّ غَنَّتْ بشِعر النّابغة الْجَعْديّ:
كُلَيْبٌ لَعَمْري كَانَ أكثَرَ ناصرًا ... وأيْسَرَ ذَنبًا منك ضُرّج بالدَّم
فتطيّر مِن ذَلِكَ، وقال: غنّي غيرَ هذا، فغنّت:
أبكَى فِراقُهُمُ عينيِ فأرّقها ... إنّ التفرُّقَ للأحباب بَكّاءُ
ما زال يعدو عليهم رَيْبُ دهرهُم ... حتى تفانَوْا وريْبُ الدَّهْر عَدَّاءُ
فاليوم أبكيهمُ جَهْدي وأندُبهم ... حتى أأوب وما في مُقلتي ماءُ
فقال لها: لعنكِ الله، أما تعرفين غير هذا؟ فقالت: ظننتُ أنّك تحبّ هذا! ثمّ غنّت:
أما وَرَبّ السُّكُون والحَرَكِ ... إنّ المنايا كثيرةُ الشَّركِ
ما اختلف اللَّيْلُ والنهار ولا ... وارت نجومُ السماء في الفلكِ
إلا لنقل السلطان عَنْ ملْكٍ ... قد زال سلطانه إلى مَلَكِ
وَمُلْكُ ذيِ العرش دائمٌ أبدًا ... لَيْسَ بفانٍ ولا بمشتَركِ١
فقال لها: قومي لعنك الله. فقامت فَتَعثّرت في قدح بِلَّور لَهُ قيمة فكسرته، فقال: ويحْك يا إبراهيم، أما ترى، والله ما أظنّ أمري إلا وقد قرُب. فقلت: بل يُطيل الله عُمرك، ويُعز مُلكَك. فسمعتُ صوتًا مِن دجلة: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١] . فوثب محمد مغتمّا، ورجع إلى موضعه بالمدينة، وقُتِل بعد لَيْلَةٍ أو ليلتين.
حكاية المسعودي عَنْ مقرطة الأمين:
وحكى المسعودي في المروج قَالَ: ذكر إبراهيم بْن المهديّ قَالَ: استأذنتُ على
стр. 4275
الأمين في شدّة الحصار، فإذا هُوَ قد قطع دِجلة بالشِباك، وكان في القصرِ برْكة عظيمة، يدخُل مِن دجلة إليها الماءُ في شُبّاك حديد. فسلّمتُ وهو مقيم عَلَى الماء، والخَدَم قد انتشروا في تفتيش الماء، وهو كالوَالِه١، فقال: لا تؤذيني يا عمّ، فإنّ مقْرطتي قد ذهبت مِن البركة إلى دجلة، والمقرطة سمكة كانت قد صيدت لَهُ، وهي صغيرة، فقرطها بحلقتي ذَهَب، فيها جوهرتان، وقيل ياقوتتان، فخرجت وأنا آيس مِن فَلاحه.
شدّة بطش الأمين:
وكان محمد فيما نقل المسعوديّ، في نهاية الشدّة والبطْش والحُسْن، إلا أنّه كَانَ مَهينًا، عاجز الرأي، ضعيف التدبير.
وحُكى أنّه اصطبح يومًا، فأتي بسبْعٍ هائلٍ عَلَى جمل في قفص، فوُضع بباب القصر، فقال: افتحوا القفص وخّلوه.
فقيل: يا أمير المؤمنين، إنّه سبعٌ هائل أسود كالثور، كثير الشّعْر.
قَالَ: خلّوا عَنْهُ.
ففعلوا، فخرج فزأر وضرب بذَنَبه الأرضَ، فتهارب الناس، وأغلقت الأبواب، وبقي الأمين وحده غير مكترِث. فأتاه الأسد وقصَده ورفع يده، فجذبه الأمين وقبض عَلَى ذنبه، وغمزه وهزّه ورماه إلى الخلف، فوقع السَّبْع عَلَى عجزه ميتًا. وجلس الأمين كأنّه لم يعمل شيئًا. وإذا أصابعه قد تخلّعت. فشقّوا بطن الأسد فإذا مرارته قد انشقّت عَلَى كبده.
الإشارة عَلَى الأمين بالخروج إلى الجزيرة والشام:
وعن محمد بْن عيسى الْجُلُودي قَالَ: دخل على محمد بْن زُبيدة: حاتمُ بْن صقْر، ومحمد بْن الأغلب الإفريقيّ، وقوّاده، فقالوا: قد آلت حالُنا إلى ما ترى، وقد رأينا أن تختار سبعة آلافِ رجلٍ مِن الْجُنْد فتحملهم عَلَى هذه السبعة آلاف فَرَس التي عندك، وتخرج ليلا، فإنّ الّليل لأهله، فتلحق بالجزيرة والشام، وتصير في مملكة
стр. 4276
واسعة يتسارع إليك الناس. فعزم عَلَى ذَلِكَ، فبلغ الخبر إلى طاهر، فكتب إلى سليمان بْن المنصور، والى محمد بْن عيسى بْن نَهِيك، والسّنْديّ بْن شاهك: لئن لم تَرُدُّوه عَنْ هذا الرأي لا تركتُ لكم ضيعة. فدخلوا عَلَى محمد، وخوّفوه مِن الذين أشاروا عَلَيْهِ أنّهم يأخذونه أسيرًا، ويتقرّبون بِهِ إلى المأمون. وضربوا لَهُ الأمثال، فخاف ورجع إلى قبول ما يبذلونه لَهُ مِن الأَيْمان، ويخرج إلى هَرْثَمَة.
النصح للأمين بالاستسلام لهَرْثَمَة:
وعن عليّ بْن يزيد قَالَ: وفارق محمدًا: سليمان بْن المنصور، وإبراهيم بْن المهديّ ولحِق بعسكر المهديّ. وقوي الحصار عَلَى محمد يوم الخميس والجمعة والسبت، وأشار عَلَيْهِ السّنْديّ بأنّه لَيْسَ لَهُ فرج إلا عند هَرْثَمَة. فقال: وكيف لي بهَرْثَمَة وقد أحاط الموتُ بي مِن كلّ جانب؟ فلمّا همّ بالخروج إِلَيْهِ مِن دون طاهر، اشتدّ ذَلِكَ عَلَى طاهر وقال: هُوَ في جُنْدي، وأنا أخرجته بالحرب، ولا أرضي أن يخرج إلى هَرْثَمَة دوني.
فقالوا لَهُ: هُوَ خائف منك، ولكن يدفع إليك الخاتم والقضيب والبُردة، فلا يفسُد هذا الأمر. فرضي بذلك.
وقوع الأمين في الأسر:
ثمّ إنّ الهِرْش لمّا علم بذلك أراد التقرُّب إلى قلب طاهر، فقال في كتاب إِلَيْهِ: الَّذِي قالوه لك مَكْرٌ، ولا يدفعون إليك شيئًا. فاغتاظ وكَمَن حول قصر أمّ جعفر في السلاح والرجال، وذلك لخمسٍ بقين مِن المحرّم. فلمّا خرج محمد وصار في الحرّاقة رموه بالنّشّاب والحجارة، فانكفأت الحرّاقة، وغرِق محمد وهَرْثَمَة، ومن كَانَ بها. فسبح محمد حتى صار إلى بستان موسى، فعرفه محمد بْن حُمَيْد الطّاهريّ، فصاح بأصحابه، فنزلوا ليأخذوه، فبادر محمد الماء، فأُخذ برجْله وَحُمِلَ عَلَى برْذَوْن، وخلْفه مِن يُمسكه كالأسير.
ما رُوِيَ حول أسر الأمين:
وعن خطّاب بْن زياد أنّ محمدًا وهَرْثَمَة لما غِرقا أتانا محمد بْن حُمَيْد، فأسَرَّ إلى طاهر أنّه أسر محمدًا. فدعا بمولاه قريش الدَّنْدانيّ، وأمره بقتل محمد.
стр. 4277
وأمّا المدائنيّ فروى عَنْ محمد بْن عيسى الْجُلُوديّ: أنّ محمدًا دعا بعد العِشاء بفَرَس أدهم كَانَ يسمّيه الزُّهَيريّ، وقبّل وَلَدَيْه، ودمعت عيناه. ثم ركب وخرجنا بن يديه، فرِكْبنا دوابَّنا، وبين يديه شمعة، وأنا أقِيه بيدي خوفًا مِن أن تَجيئه ضربةُ سيف بغَتةً. ففُتح لنا باب خُراسان، وخرجنا إلى المُشْرَعَة، فإذا حرّاقة هَرْثَمَة، فنزلنا ورجعنا بالفَرَس وغلّقنا باب المدينة، ثمّ سمعنا الضّجّة، فصعدنا إلى أعلى الباب.
وذُكِر عَنْ أحمد بْن سلام صاحب المظالم قَالَ: كنت فيمن كان مع هرثمة من القُوّاد في الحرّاقة، فلمّا دخل محمد الحرّاقة قمنا لَهُ، وجثا هَرْثَمَة عَلَى رُكبتيه فقال: يا سيّدي، لم أقدر عَلَى القيام لمكان النَّقْرس. ثمّ قّبل يديه ورِجْلَيه، وجعل يَقُولُ: يا سيّدي ومولاي، وابن مولاي. وجعل يتصفَّح وجوهنا، ونظر إلى عُبَيْد الله بْن الوضّاح، فقال: أيُّهم أنت؟ قَالَ: عُبَيْد الله. قَالَ: جزال الله خيرًا، فلما أشكرني لِمَا كَانَ منك في أمر الثلج.
فشدّ علينا أصحاب طاهر في الزواريق والحرّاقات، وصَبّحوا، وتعلّق بعضهم بالحرّاقة، وبعضهم يسوقها، وبعضهم يرمي بالآجُرّ والنّشّاب، فنُقبت الحرّاقة، ودخلها الماء وغرِقت. فعلِق الملاح بشعر هَرْثَمَة، فأخرجه وخرجنا. وشقّ محمد عَنْهُ ثيابه ورمى بنفسه. فطلعتُ فعلِق بي رجلٌ مِن أصحاب طاهر، وذهب بي إليه، فقال: ما فعل محمد؟ قلت: قد رَأَيْته حين شقّ ثيابَه وقذف بنفسه. فركِب، وأُخذتُ معهم وفي عنقي حبل، وأنا أعدو، فتعبتُ. فقال الَّذِي يجنُبني: هذا لَيْسَ يُصَاد. فقال: انزل فجُزَّ رأسه.
فقلت: جُعلتُ فِداك، وَلِمَ؟ وأنا رجلٌ مِن الله في نعمة، ولم أقدر عَلَى الْعَدْوِ، وأنا أفدي نفسي بعشرة آلاف درهم.
فقال: وأين هِيَ؟
فقلت: حتى نُصبح أَنَا أرسلُ مِن ترى أنتَ إلى وكيلي في منزلتي بعسكر المهديّ، فإنْ لم يأتِكَ بالعشرة آلاف فاقتلني.
فأمر بحملي فحُملت رِدفًا، وردّوني إلى منزلتهم. وبعد هُويّ مِن اللَّيْلِ إذا نَحْنُ بحركة الْخَيْلِ، ثمّ دخلوا وهم يقولون: يُسَر زُبيدة. فأُدخِل عليّ رجلٌ عُريان عَليْهِ سراويل وعمامة ملثَّم بها، وعلى كِتَفْيه خرقة خَلقة، وصيّروه معي، ووكّلوا بنا. فلمّا
стр. 4278
حسَر العمامة عَنْ وجهة إذا هُوَ محمد. فاستعبرتُ واسترجعت في نفسي. ثمّ قَالَ: مِن أنت؟ قلت: أَنَا مولاك أحمد بْن سلام.
فقال: أعرفكَ كنتَ تأتيني بالرَّقَّة.
قلت: نعم.
قَالَ: كنت تأتيني وتُلْطفني كثيرًا، لستَ مولاي بل أنتَ أخي ومنّي. أُدْنُ مِنّي، فإنّي أجدُ وحشةً شديدة.
فضممته إليّ، ثمّ قَالَ: يا أحمد، ما فعل أخي؟ قلت: هُوَ حيّ.
قَالَ: قبّح الله صاحب البريد ما أكذبه، كَانَ يَقُولُ لي قد مات.
قلت: بل قبّح الله وزراءك.
قَالَ: لا تقُل، فما لَهُم ذنب، ولست أول مِن طلب أمرًا فلم يقدر عَلَيْهِ.
ثمّ قَالَ: ما تراهم يصنعون بي؟ يقتلوني أو يَفُون لي بأمانهم؟ قلت: بل يَفُون لك يا سيّدي.
وجعل يمسك الخِرْقة بعضُدَيْه، فنزعتُ مبطَّنةً عليّ وقلت: أَلْقِها.
فقال: ويْحك! دعني، فهذا مِن الله لي في هذا الموضع خير كثير.
ذكر خبر قتل الأمين:
ثمّ قمت أوتِر، فلمّا انتصف اللَّيْلُ دخل الدار قوم مِن العجم بالسيوف، فقام وقال: إنّا لله وإنّا إِلَيْهِ راجعون، ذَهَبَتْ والله نفسي في سبيل الله، أما مِن حيلةٍ، أما مِن مُغيث. فأحجموا عَنِ التقدُّم، وجعل بعضهم يَقُولُ لبعض: تقدَّم، ويدفع بعضُهم بعضًا، فقمت وصرتُ وراء الحُصُر المُلَفَّفة.
وأخذ محمدٌ بيده وسادة وقال: ويحكم إني ابن عم رسول الله، أَنَا ابن هارون، أَنَا أخو المأمون، الله الله في دَمي. فوثب عَلَيْهِ خمارويه، غلام لقريش الدنْدانيّ، فضربه بالسيف عَلَى مقدَّم رأسه، فضربه محمد بالوسادة واتّكى عَلَيْهِ ليأخذ السيف مِن يده. فصاح خمارويه: قتلني قتلني، فتكاثروا عَلَيْهِ فذبحوه مِن قفاه، وذهبوا برأسه إلى طاهر.
стр. 4279
وذُكِر عَنْ أحمد بْن سلام في هذه القصّة قَالَ: فلقَّنْته لما حدَّثته ذِكَر الله والاستغفارَ، فجعل يستغفر.
قَالَ: ونُصِب رأسه عَلَى حائط بستان. وأقبل طاهر يَقُولُ: هذا رأس المخلوع محمد. ثمّ بعث بِهِ مَعَ البُرْد والقضيب والمصلّي، وهو مِن سَعَفٍ مُبطّن، مَعَ ابن عمّه محمد بْن مُصْعَب، فأمر لَهُ بألف درهم. ولما رَأَى المأمون الرأس سَجد.
رثاء إبراهيم بْن المهديّ للأمين:
ولما بلغ إبراهيم بن المهدب قتْلُ محمد، وأنّ جثته جُرَّت بحبلٍ بكى طويلا، ثمّ قَالَ:
عُوجا بمغْنَى طلل داثرٍ ... بالخُلْد ذات الصخر والأجُرِ
والمَرْمَر المسنونِ يُطلَى بِهِ ... والبابِ باب الذَّهَب الناضرِ
وأبلِغا عنِّي مقالًا إلى الـ ... ـمولى عَنِ المأمور وَالآمِرِ
قولا لَهُ: يا ابنَ وليّ الهُدى ... طهّر بلاد الله مِن طاهرِ
لم يكفه أن جَزَّ أوداجَه ... ذَبْحَ الهدَايا بمُدَى الجازرِ
حتى أتى تُسحبُ أوصاله ... في شَطَنٍ يُفْني بِهِ السّائِرِ
قد برد الموتُ عَلَى جفنه ... فطرفُه منكسِرُ الناظرِ١
وبلغ ذَلِكَ المأمونَ فاشتدّ عَلَيْهِ.
وثوب الْجُنْد بطاهر:
ثمّ إنّ طاهرًا صلّي بالناس يوم الجمعة، وخطبهم خطبةً بليغة. ثمّ إنّ الْجُنْد وثبوا بِهِ للأرزاق، ولم يكن في يديه مال، وضاق بِهِ أمره، فخشي وهرب مِن البُستان، وانتهبوا بعض متاعه، وأحرق الْجُنْد باب الأنبار، وحملوا السلاح يومهم. ومن الغد نادوا: موسى يا منصور. ثمّ تعبّى طاهر ومَن معه لقتالهم، فأتاه الوجوه، واعتذروا بأنّ ما جرى مِن فعل السُّفَهاء الأحداث، فأمر لهم برزق أربعة أشهر، ووصل البريد
стр. 4280
إلى المأمون في ستّة عشر يومًا وهو بمَرْو.
ما قِيلَ في رثاء الأمين:
وممّا قِيلَ في الأمين:
لِمَ نُبَكّيك لماذا لِلطَّربْ ... يا أبا موسى وترْويج اللُّعَبْ
ولِتَرْك الخَمْس في أوقاتها ... حرصًا مِنك عَلَى ماء الْعِنَبْ
وشنَيفٍ أَنَا لا أبكى لَهُ ... وعلى كوثَر لا أخشى الْعَطَبْ
لم تكن تصلُح للمُلْك ولم ... تُعْطكَ الطّاعة بالمُلك الْعَرَبْ
لِمَ نُبَكّيك لما عرَّضْتَنا ... للمجانيق وَطَوْرًا للسَّلَبْ١
وساق ابن جرير عدّة قصائد في مراثيه.
ولخُزَيْمَة بْن الحَسَن عَلَى لسان أمّ جعفر قصيدة يَقُولُ فيها:
أتى طاهرٌ لا طهّر الله طاهرًا ... فما طاهرٌ فيما أتى بمُطهَّرِ
قد خرّجني مَكشوفَةَ الوجه حاسرًا ... وأَنْهَبَ أموالي وأحرق آدُري
يَعُزُّ عَلَى هارون ما قد لِقيتُهُ ... وما مرّ بي مِن ناقص الخلق أعور
تَذَكَّرْ أميرَ المؤمنينَ قَرابتي ... فَدَيْتُكَ مِن ذي حُرمةٍ مُتذكّرِ٢
ذكر إسراف الأمين في اللهو والإنفاق:
قَالَ ابن جرير: ذُكِر عَنْ حُمَيْد بْن سَعِيد بْن بحر قَالَ: لما ملك محمد، ابتاع الخِصْيان، وغالى بهم وصيّرهم لخلْوته، ورفض النّساء والجواري.
وقال حُمَيْد: لما ملك وجَّه إلى البلدان في طل المُلهين، وأجرى لهم الأرزاق، واقتني الوحوش والسباع والطيور، واحتجب عَنْ أهل بيته وأمرائه، واستخفّ بهم. ومَحَقَ ما في بيوت الأموال، وضيّع الجواهر والنفائس. وبنى عدّة قصور لِلَّهْوِ في
стр. 4281
أماكن. وعمل خمس حرّاقات عَلَى خِلْقة الأسد والفيل والعُقاب والحيّة والفَرَس، وأنفق في عملها أموالا. فقال أبو نُواس:
سَخَّر الله للأمين مطايا ... لم تُسخَّر لصاحب المحرابِ
فإذا ما رِكابُه سِرْنَ برًّا ... سار في الماء راكبًا ليث غابِ
أسدًا باسِطًا ذراعيه يهوي ... أهْرَتَ الشَّدْق١ كالحَ الأنيابِ
وعن الحسين بْن الضّحّاك قَالَ: ابتنى الأمين سقيفةً عظيمة، أنفق في عملها نحو ثلاثة آلاف ألف درهم.
وعن أحمد بْن محمد البرمكيّ، أنّ إبراهيم بْن المهديّ غنّي محمد بْن زُبيدة:
هجرتُكِ حتى قلتِ: لا يعرف الهوى ... وزُرْتك حتى قِيلَ: لَيْسَ لَهُ صبرُ
فطرِب محمد وقال: أوقِروا لَهُ زَورقه ذَهَبًا.
وجاء عَنْهُ أخبار في مثل هذا، وكان كثير الأكل.
رجاء ابن حنبل الرحمة للأمين:
قَالَ أحْمَد بْن حنبل: إنّي لأرجو أن يرحم الله الأمين بإنكاره عَلَى إسماعيل بن عُلَيَّة، فإنّه أُدخل عَلَيْهِ فقال لَهُ: يا ابنَ الفاعلة، أنت الَّذِي تَقُولُ: كلام الله مخلوق؟!.
استيلاء ابن بَيْهَس عَلَى دمشق:
وفيها قوي محمد بْن صالح بْن بَيْهَس الكلابيّ، وظهر عَلَى السُّفيانيّ الَّذِي خرج بدمشق، وحاصرها، ثمّ نصب عليها السلالم وتسوّرها٢ أصحابه.
وكان قد تغلّب عَلَى دمشق مَسْلَمة بْن يعقوب الأُمويّ، فهربَ وعمد إلى أَبِي العُمَيْطِر، وكان في حبْسه، ففكّ قيده، ثمّ خرجا بزيّ النّساء في السرّ إلى المِزَّة. واستولى ابن بَيْهَس عَلَى البلد. ثمّ جرى بينه وبين أهل المزرة ودَارَيّا حرب. وبقي حاكمًا عَلَى دمشق مدّة مِن جهة المأمون إلى سنة ثمانٍ ومائتين.
стр. 4282
ذكر خروج ابن الهِرش في سِفْلة الناس:
وفي ذي الحجّة خرج الحَسَن الهِرش في سِفْلة الناس وخلْق مِن الأعراب يدعو إلى الرضا مِن آل محمد. وأتى النّيل، وجبى الخراج، وصادر التّجّار، ونهب القرى والمواشي.
استعمال المأمون للحسن بْن سهل عَلَى جميع البلاد المفتوحة:
وفيها استعمل المأمون الحَسَن بْن سهل أخا الفضل عَلَى جميع ما افتتحه طاهر بْن الحسين مِن كُوَر الجبال والعراق والحجاز واليمن.
ولاية طاهر الجزيرة والشام ومصر والمغرب:
وكتب إلى طاهر أن يسير إلى الرَّقَّةِ لحرب نصر بْن شبث، وولاه الجزيرة والشام ومصر والمغرب.
وأمر هَرْثَمَة أن يردّ إلى خُراسان.
ذِكر ثورة أهل قُرْطُبَة:
وفي رمضان ثار أهل قُرْطُبَة بأميرهم الحَكَم بْن هشام الأمويّ وحاربوه لجوره وفسْقه، وتُسمّى وقعة الرَّبَض. وخرج عَلَيْهِ أهل رَبَض البلد، وشهروا السلاح، وأحاطوا بالقصر، واشتدّ القتال، وعظُم الخطْب، واستظهروا عَلَى أهل القصر. فأمر الحَكَم أمراءه فحملوا عليهم، وأمر طائفةً فَنَقبوا السُّور، وخرج منه عسكر، فأتوا القوم مِن وراء ظهورهم، وقتلوا منهم مقتلةً عظيمة، ونهبوا الدُّور، وأسَروا وعملوا كلّ قبيح، ثمّ لقوا الحَكَم، فانتقى مِن الأسرى ثلاثمائة مِن وجوه البلد، فصُلبوا عَلَى النهر مُنَكَّسِين. وبقي النَّهْب والسَّلْب والحريق في أرباض١ قُرْطُبَة ثلاثة أيام ثمّ أمّنهم، فهجّ أهل قُرْطُبَة وتفرّقوا أيادي سبأ في الطُّرُق، ومضى خلْق منهم إلى الإسكندرية فسكنها٢.
стр. 4283
أحداث سنة تسعٍ وتسعين ومائة:
تُوُفّي فيها: إِسْحَاق بْن سليمان الرّازيّ، أبو يحيى، إبراهيم بْن عُيَيْنَة، في قَوْل، وقد مّر، حفص بْن عبد الرَّحْمَن قاضي نَيْسابور، الحَكَم بْن عَبْد الله، أَبُو مطيع البلْخيّ، سليمان بْن المنصور أَبِي جعفر، في صَفَر، سيّار بْن حاتم، شُعيب بْن اللَّيْثُ بْن سعْد، في صَفَر، عَبْد الله بْن نُمَيْر الخارفي الكوفيّ، عُمَر بْن حفص العبْديّ، بصْريّ، عَمْرو بْن محمد العنقزيّ الكوفي، محمد بْن شُعيب بْن شابور، ببيروت، الهيثم بْن مروان العنْسيّ الدّمشقيّ، يونس بْن بُكَيْر الكوفيّ، راوي المغازي.
وفيها قِدم الحَسَن بْن سهل مِن عند المأمون إلى بغداد، ففرّق عماله في البلاد.
وجهّز أزهر بْن زهير بْن المسيّب إلى الهِرش في المحرَّم فقتل الهِرش.
خروج ابن طباطبا بالكوفة:
وفي جُمَادَى الآخرة خرج بالكوفة محمد بْن إبراهيم بْن طباطبا واسمه إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِب يدعو إلى الرضا مِن آل محمد، والعمل بالكتاب والسُّنَّة. وكان القائم بأمره أبو السرايا سريّ بْن منصور الشَّيْبانيّ. فهاجت الفِتَن، وتسرّع الناس إلى ابن طباطبا، واستوسقت١ لَهُ الكوفة. وأتاه الأعراب وأهل النواحي، فجهّز الحَسَن بْن سهل لحربه زهير بْن المسيّب في عشرة آلاف، فالتقوا، فَهُزِم زُهير واستباحوا عسكره، وغنِموا السلاح والخيل، وقووا في ذَلِكَ في سلخ جُمَادَى الآخرة.
ذكر أمر أَبِي السرايا:
فلمّا كَانَ مِن الغد أصبح محمد بن إبراهيم بن طباطبا ميتًا فجأة. وقيل أنّ أبا السرايا سمّه لكون ابن طباطبا أحرز الغنيمة ولم يُحسن جائزة أَبِي السرايا، أو لغير ذَلِكَ.
وأقام أبو السرايا في الحال مكانه شابا أمرد اسمه محمد بْنُ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبي طالب.
стр. 4284
ثمّ جهّز الحَسَن بْن سهل جيشًا، عليهم عَبْدُوس بْن محمد المَرْوَرُوذيّ لحرب أَبِي السرايا. فالتقوا في رجب، فقُتِل عَبْدُوس، وأُسِر عمّه هارون بْن أَبِي خَالِد، وقُتِل أكثر جيشه وأُسِروا. وقوي الطالبيّون، وضربَ أبو السرايا عَلَى الدراهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤] . الآية.
ثمّ سار أبو السرايا قُدُمًا حتى نزل بقصر ابن هُبَيرة، وجهّز جيوشًا إلى البصرة وإلى واسط فدخلوها، وأوقعوا أمير واسط مِن جهة الحَسَن بْن سهل فهزمه، وانحاز إلى بغداد، وعظُم ذَلِكَ عَلَى الحَسَن، فبعث بردّ هَرْثَمَة بْن أَعْيَن مِن حلوان لحرب أَبِي السرايا، فامتنع، فأرسل إِلَيْهِ ثانيًا يلاطفه، فرجع هَرْثَمَة، وعقد لَهُ الحَسَن بْن سهل عَلَى حرب أَبِي السرايا، وجهّز معه منصور بْن المهديّ. فَعَسكر بنهر صَرْصَرٍ بإزاء أَبِي السرايا، والنهر بينهما. ثمّ تقهقر أبو السرايا فطلبه هَرْثَمَة، وقتل مِن تطرّف مِن جُنْده.
وقعة قصر ابن هبيرة:
ثمّ كانت وقعة عند قصر ابن هبيرة، قُتِل فيها خلْق مِن أصحاب أَبِي السرايا، فتحيّز إلى الكوفة، وعمد محمد بْن محمد والطالبيّون إلى دُور العباسيّين بالكوفة وضياعهم، فأحرقوا ونهبوا أموالهم، وأخرجوهم مِن الكوفة.
توجيه أَبِي السرايا عمّاله عَلَى المدينة ومكة:
ثمّ وجّه أبو السرايا عَلَى المدينة محمد بن سليمان بن داوود بْن الحَسَن بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فدخلها ولم يقاتلْه أحد. ووجّه عَلَى مكّة والموسم حُسين بْن حسن الأفطس بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِب، فلمّا قرُب توقّف عَنْ مكّة هيبة لمن فيها، وأميرها داوود بْن عِيسَى بْنُ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ العباسي، فلما بلغ أميرها داوود ذَلِكَ، جمع موالي بني العباسي وعبيد حوائطهم.
ذكر خروج داوود بْن عيسى مِن مكّة:
وكان مسرور الخادم قد حجّ في تِلْكَ السُّنَّةِ في مائتي فارس، فقال لداوود: أقِم لي شخصك أو شخص بعض ولدك، وأنا أكفيك قتالهم.
فقال داوود: لا أستحلٌ القتال في الحرم، ولئن دخلوا مِن هذا الفجّ لأخرجنّ مِن
стр. 4285
الفجّ الآخر. فقال: تُسلَّم مكّة وولايتك إلى عدوك؟ فقال داوود: أيّ حال لي؟ والله لقد أقمت معكم حتى شختُ، فما وُلِّيتُ ولايةً؛ حتى كبرتُ وفني عُمري، فولّوني مِن الحجاز ما فيه القوت. وإنّما هذا المُلْك لك ولأشباهك، فقاتلْ عليه أو دع.
ثم انحاز داوود إلى جهة المُشاش بأثقاله، فوجّه بها عَلَى درب العراق، وافتعل كتابًا مِن المأمون بتولية ابنه محمد بن داوود عَلَى صلاة الموسم؛ وقال لَهُ: أخرج فَصَلّ بالناس بمِنى الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء، وبتْ بمنى، وصلَّ الصبح، ثمّ اركب دوابّك فانزل طريق عَرَفَة، وخُذ عَلَى يسارك في شِعْب عَمْرو حتى تأخذ طريق المُشاش، حتى تلحقني ببستان ابن عامر.
ففعل ذَلِكَ، فخاف مسرور وخرج في أثر داوود راجعًا إلى العراق، وبقي الوفد بعرفة. فما زالت الشمس حضرت الصلاة، فتدافعها قوم مِن أهل مكّة، فقال أحمد بْن محمد بْن الوليد الأزرقيّ، وهو المؤذّن وقاصُّ الجماعة: إذا لم تحضر الوُلاة يا أهل مكّة، فليُصَلِ قاضي مكّة محمد بْن عَبْد الرَّحْمَن المخزومي، ولْيخُطبْ بهم.
قَالَ: فلمن أدعو، وقد هرب هَؤلاءِ، وأطلّ هَؤلاءِ عَلَى الدخول؟ قَالَ: لا تَدْعُ لأحد.
قَالَ: بل تقدّم أنت.
دخول حسين بْن حسن مكّة وظُلم أهلها:
فأبي الأزرقيّ، حتى قدّموا رجلا فصلّي الصلاة بلا خطبة، ثمّ مضوا فوقفوا بعَرَفَة. ثمّ دفعوا بلا إمام. وحسين بْن حسن متوقّف بسَرف، فبلغه خلو مكة، وهروب داوود، فدخلها قبل المغرب في نحو عشرة، فطافوا وَسَعَوْا، ومضوا بعد المغرب فأتوا عَرَفَة ليلا، فوقفوا ساعة، وأتى مُزْدلفة فصلّي بالناس الفجر.
ثمّ إنه أقام بمكة وعسَف١ وظلم وصادر التجار، وكانت أعوانه تهاجم بيوت التجار لأجل الودائع، فيتهمون البريء ويعذّبونه؛ وأخذ ما في خزائن الكعبة مِن مال.
стр. 4286
ذكر انهزام أَبِي السرايا:
وأما هَرْثَمَة فواقَع أبا السرايا ثانيًا فانكسر، ثمّ ثبت وانهزم أصحاب أَبِي السرايا، ثمّ أخذ هَرْثَمَة يكاتب رؤساء الكوفة.
وثوب عليّ بْن محمد بالبصرة:
وفيها وثب عليّ بْن محمد بْن جعفر الصّادق بالبصرة، واستولى عليها مِن غير حرب.
ظهور إبراهيم بْن عليّ باليمن:
وظهر باليمن إبراهيم بْن عليّ بْن موسى الرضا، فنفى عاملها عَنْهَا، وسبي، وأخذ الأموال.
وكان يقال لَهُ الجزّار لكثرة ما قتل. والله أعلم١.
стр. 4287
أحداث سنة مائتين:
تُوُفّي فيها: أسباط بْن محمد الكوفيّ، في المحرَّم، أُمَيَّة بْن خَالِد البصْريّ، أخو هدْبة، أيّوب بْن المتوكّل البصْريّ المقرئ، أنس بن عِياض، أبو حمزة اللَّيْثي، سَلْم بْن قُتَيْبة الخُراسانيّ، بالبصرة، سيّار بْن حاتم العَقديّ، فيها بخُلْف، صَفْوان بْن عيسى الزُّهْرِيّ البصْريّ، عُمَر بْن عَبْد الواحد السُّلَميّ الدّمشقيّ، عَبْد المُلْك بْن الصّبّاح المسمعيّ، بصْريّ، عِمارة بْن بِشْر، فيها، حدّث بدمشق، قَتَادة بْن الفضيل الرَّهاوي، مبشّر بْن إسماعيل الحلبيّ، محمد بْن إسماعيل بْن أَبِي فُدَيْك المدنيّ، محمد بْن الحَسَن الأسديّ ابن التَّلّ، محمد بْن حُمَيْد السُّليحيّ الحمصيّ، محمد بْن شُعيب بْن شابور، قاله دُحَيْم، مُعَاذ بْن هشام الدَّسْتُوائيّ، معروف الكرْخيّ العابد، عَلَى الأصحّ، المغيرة بْن سَلَمَةَ المخزوميّ، بصْريّ، أبو البَخْتَرِيّ القاضي وهْب بْن وهْب.
مقتل أَبِي السرايا:
وفيها هرب أبو السرايا والطالبيّون مِن الكوفة في المحرَّم إلى القادسيّة، فدخلها
стр. 4288
هَرْثَمَة ومنصور بْن المهديّ وأمّنوا أهلها. ثمّ أتى أبو السرايا إلى ناحية واسط، ثمّ مضى حتى أتى السُّوس وأنفق الأموال. فجاءهم الحَسَن بْن عليّ الباذغيسيّ فأرسل إليهم: اذهبوا حيث شئتم، فلا حاجة لي في قتالكم، ولست بتابعكم. فأتى أبو السرايا إلى قتاله، فالتقوا، فهزمهم الحَسَن واستباح عسكرهم، وجُرح أبو السرايا، وهرب هُوَ ومحمد بْن محمد، وأبو الشوك، وطلبوا رأس العين والجزيرة. فلمّا انتهوا إلى جَلُولا عثر بهم حمّاد الكُنْدُغُوش فأخذهم، وجاء بهم إلى الحَسَن بْن سهل وهو بالنهْروان، فقتل أبا السرايا في عاشر ربيع الأوّل، وبعث محمد بْن زيد بْن عليّ إلى مَرْو إلى المأمون.
افتتاح البصرة واختفاء الطالبيين:
وسار عليّ بْن أبي سَعِيد إلى البصرة فافتتحها، وكان بها زيد بْن موسى بْن جعفر أخو عليّ بْن موسى الرضا، وهو الَّذِي يقال لَهُ زيد النار، لكثرة ما حرّق من دُور العباسيّين بالبصرة. وكان يأتي بالرجل مِن المُسَوَّدَة فيحرّقه بالنار. وانتهب تُجّار البصرة، فأسره عليّ بْن أَبِي سَعِيد، واختفى الطالبيّون.
ذكر ما فعله الأفطس بمكة:
وأما حُسين بْن حسن الأفطس فبدّع بمكة حتى تردّه طائفة مِن أهلها، فهدم دُورهم، وأخذ أبناءهم، وجعل أصحابه يَحلّون ما عَلَى الأساطين مِن الذَّهَب اليسير، ويقلعون الشبابيك. فبلغهم قتْلُ أَبِي السرايا، فأتى حسين إلى محمد بْن جعفر الصّادق، وكان شيخًا فاضلا مُحبّبًا إلى الناس، تاركًا للخروج، قد روى العلم عَنْ أَبِيهِ، فقال: قد تعلم ما لك في الناس، فابرز نبايعك بالخلافة، فلا يختلف عليك اثنان، فأبى ذَلِكَ. فلم يزل بِهِ ابنه عليّ وحسين بْن حسن حتى غلبا عَلَى رأيه، وأقاموه يوم الجمعة في ربيع الآخر، فبايعوه، وحشروا الناسَ لمبايعته طَوْعًا وكرهًا. فأقام كذلك أشهرًا.
ووثب حُسين عَلَى امرَأَة قُرَشِيّة بارعة الحُسن، فأخذها قهرًا مِن بيت زوجها، وبقيت عنده أيامًا، ثمّ هربت.
ووثب علي بن محمد عليّ أمْرَدٍ بديع الجمال، فأخذه مِن دارهم، وأركبه فَرَسه في السَّرْج، وركب عَلَى الكفل، وذهب بِهِ في السّوق حتى خرج بِهِ إلى بئر ميمون
стр. 4289
في طريق مِنى. فاجتمع أهل مكّة والمجاورون، وأغلقت الأسواق، وأتوا محمد بْن جعفر وقالوا: والله لنخلعنّك، ولنقتلنّك، أو لُتردنّ هذا الغلام الَّذِي أخذه ابنك جهرةً.
فقال: والله ما علمتُ.
وأمَرَ حُسَيْنًا أن يذهب إلى ابنه، فقال: إنّك والله لَتَعلم أنّي لا أقوى عَلَى ابنك، وأخاف محاربته.
فقال محمد بْن جعفر لأهل مكّة: أمّنوني حتى أركب إِلَيْهِ، فأمنوه، فركب حتى صار إلى ابنه وأخذ الغلام، فسلّمه إلى أهله.
وبعد قليل أقبل إِسْحَاق بْن موسى بْن عيسى بْن موسى بْن محمد العبّاسيّ فارًا عَنِ اليمن، لِتَغَلُّب إبراهيم بْن موسى بْن جعفر عليها، فنزل المُشَاش؛ فاجتمع العلويّون إلى محمد بْن جعفر فقالوا: قد رأينا أن نُخَنْدِق علينا بأعلي مكّة. ثمّ حشدوا الأعراب، فقاتلهم إِسْحَاق أيامًا، ثمّ كرِه الحربَ وطلب العراق. فلقِيه ورقاء بْن جميل في جُنْدٍ، فقال: ارجعْ بنا إلى مكّة، فرجع.
واجتمع إلى محمد غَوْغاءَ أهل مكّة، وسُودان أهل المياه والأعراب، فعَبّأهم ببئر ميمون، وأقبل ورقاء وإسحاق بْن موسى بمن معهم مِن القُوّاد والْجُنْد فالتقوا وقُتِل جماعة. ثمّ تحاجزوا؛ ثمّ التقوا مِن الغد، فانهزم محمد وأهل مكّة. وطلب محمد الأمان، فأجابوه إِلَيْهِ، ثمّ نزح عَنْ مكّة، ودخلها إِسْحَاق ورقاء في جُمَادَى الآخرة.
ذكر تفرُّق الطالبيّين عَنْ مكّة:
وتفرّق الطالبيّون عَنْ مكّة كلّ قوم ناحية، فأخذ محمد ناحية جُدّة، ثمّ طلب الْجُحْفة. فخرج عَليْهِ محمد بْن حكيم مِن موالي آل العباس. وفد كَانَ الطالبيّون انتهبوا داره بمكة، وبالغوا في عذابه. فجمع عبيدًا ولحِق محمدًا بقرب عُسفان، فانتهب جميع ما معه حتى بقي في وسط سروايل. وهمّ بقتله، ثمّ رحِمَه وطرح عَليْهِ ثوبًا وعمامة، وأعطاه دُريهمات. فمضى وتوصّل إلى بلاد جُهَينة عَلَى الساحل، فأقام هناك أشهرًا يجمع الْجُمُوع، فكان بينه وبين والى المدينة هارون بْن المسيّب وقعات عند الشجرة وغيرها. فهُزم محمد، وفُقئت عينه بسهم، وقُتِل خلْق مِن أصحابه، ورُدّ إلى موضعه. ثمّ طلب الأمان مِن الْجُلُوديّ، ومن ابن عمّ الفضل بْن سهم رجاء، ورُدّ إلى
стр. 4290
مكّة في آخر السَّنَةِ. فصعد عيسى بْن يزيد الْجُلُوديّ المنبرَ بمكة، وصعِد دونه محمد بْن جعفر، عَليْهِ قِباء أسود؛ فخلع نفسه، واعتذر عَنْ خروجه بأنّه بلغه موت المأمون. وقد صحّ عنده الآن أنّه حيّ، وخلع نفسه، واستغفر مِن فِعْله.
ثمّ خرج بِهِ عيسى الْجُلُوديّ إلى العراق، واستخلف عَلَى مكة ابنه محمد بْن عيسى.
فبعث الحَسَن بْن سهل بمحمد إلى المأمون.
ذكر الحج هذا العام:
وأقام الحجّ أبو إِسْحَاق المعتصم بْن الرشيد.
مقتل هَرْثَمَة:
وأما هَرْثَمَة، فلمّا فرغ مِن حرب أَبِي السرايا سار نحو خُرَاسان، فأتته الكتب مِن المأمون أن يرجع فيلي الشام أو الحجاز. فقال: لا أرجع حتى آتي أمير المؤمنين. إدلالا منه عَليْهِ، وليُشافِهه بمصالح، وليؤذي الفضل بْن سهل بأنّه لَيْسَ بناصح لَهُ. ففهم الفضل مُراده، فقال للمأمون: إنّ هَرْثَمَة قد ظاهَرَ عليك عدوّك، وعادي وليك، وخالف كتبك. وإن خلّيته كَانَ ذَلِكَ مفسدةً لغيره. فتوحّشَ عَليْهِ.
وأبطأ هَرْثَمَة، ثمّ قِدم في أواخر السَّنَةِ، فقال لَهُ المأمون: مالأتَ علينا العلويّين، وداهَنْتَ، وحسّنت في السّرّ لأبي السرايا الخروج؟ فذهب هَرْثَمَة ليتكلّم ويدفع عَنْ نفسه، فلم يُقبل منه. وأُمِر بِهِ، فَوُجِئ عَلَى أنفه، ودِيس بطْنُه، وسُحِب وحُبس. ودسّ الفضل إلى الأعوان الغِلْظَة عَليْهِ، ثمّ قتلوه، وقيل مات.
ذكر فتنة الْجُنْد ببغداد:
وفيها هاج الْجُنْد ببغداد، لكون الحسن بن سهل ولم ينصفهم في العطاء، وبقيت الفتنة أيامًا.
رجاء بْن أَبِي الضحّاك لإشخاص عليّ الرضا:
وفيها وجّه المأمون رجاء بْن أبي الضحّاك، وهو الذي قِدم عَليْهِ محمد بْن جعفر ومعه قرناس الخادم، لإشخاص عَلَى بْن موسى الرضا.
стр. 4291
ذكر إحصاء ولد العبّاس:
وفيها أُحْصي وَلَدُ العبّاس، فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفًا ما بين ذكرٍ وأنثى.
ذكر قتل الروم ملكهم اليون:
وفيها قتلت الروم ملكها اليون، وكان قد تملك عليهم سبْعٍ سنين ونصفًا. ثمّ ملّكوا عليهم ميخائيل بْن جورجس ثانية.
ذكر قتل يحيى بْن عامر:
وفيها قتل المأمون يحيى بْن عامر بْن إسماعيل، لكونه أغلظ لَهُ وقال له: يا أمير الكافرين١.
стр. 4292
تراجم الأعيان في هذا العَشْر:
"حرف الألِف":
١- أحمد بن بشير الكوفي١.
أبو بكر مَوْلَى بني مخزوم عَنْ: هاشم بْن هاشم الزُّهْرِيّ، والأعمش، وعبد الله بْن شُبْرُمة، ومجالد، وغيرهم.
وعنه: محمد بْن سلام البيكَنْديّ، وسلْم بْن جُنادة، والحسن بْن عَرَفَة، وغيرهم.
تُوُفّي سنة سبْعٍ وتسعين.
٢- أحمد بْن موسى بْن أَبِي مريم٢.
أبو بَكْر، وقيل أبو عبد الله الخزاعي البصري اللّؤلؤيّ المقرئ.
سَمِعَ: ابن عَوَانة، وأبان بْن تغلب، وعامر الجحدري.
стр. 4293
وروى القراءة عَنْ: عيسى بْن عَمْرو، وعاصم الْجُحْدُريّ، وأبي عَمْرو بْن العلاء، وإسماعيل القسْط.
وروى عَنْهُ: رَوْح بْن عَبْد المؤمن، ومحمد بْن يحيى القطعيّ، وخليفة بْن خيّاط، ونصر الجهضمي، ومحمد بن المثنى، وطائفة.
قال أبو زرعة الرازي: صدوق قدري.
وكنّاه مُسْلِم: أبا بَكْر.
٣- إبراهيم بْن الأغلب بْن سالم التّميميّ القيرواني الشهيد أمير المغرب١.
كَانَ مِن وجوه جنْد مصر، فوثب، بعد موت أبيه، هُوَ واثنا عشر رجلا بمصر، فأخذوا مِن بيت المال مقدار أرزاقهم، لم يزيدوا عَلَى ذَلِكَ، وهربوا فلحقوا بالزّاب مِن نواحي قيروان. فاعتقد إبراهيم بْن الأغلب عَلَى مِن كَانَ في تِلْكَ الناحية مِن الْجُنْد وغيرهم الرياسة. وأقبل بُهدي إلى هَرْثَمَة بْن أَعْيَن أمير القيروان يومئذٍ ويُلاطفه، ويُعلمه أنّي عَلَى الطاعة، وأنّني ما دعاني إلا الحاجة ومطل الديون لي. فاستعمله هَرْثَمَة عَلَى ناحية الزّاب، فكفاه أمرَها وضبطها.
وقِدم عَلَى المغرب محمد بْن مقاتل العكّي، فأساء إلى الناس وَظَلَمَ، فقاموا عَليْهِ، فَنَجَدَه ابنُ الأغلب وأعاده إلى القيروان بعد أن طردوه منها. ثمّ كاتبوا الرشيد يستقيلونه مِن ابن مقاتل. فاستعمل عليهم ابن الأغلب لمّا رَأَى نهضته وحُسْن طاعته وانقيادَ اهل القيروان لَهُ.
وكان فقيهًا، دينًا، خطيبًا، شاعرًا، ذا رأي وحزم وبأس ونجدة، وسياسة، وحُسن سيرة. قَلّ أنْ ولي أفريقيةَ أحدٌ مثله في العدل والسياسة.
وقد طلب العلم وأخذ عَنْ: اللَّيْثُ بْن سعْد، وغيره. وكان اللَّيْثُ يكرمه، وأعطاه جارية حسناء هي أمّ ابنه زيادة الله.
وكان لَهُ بمصر أخ اسمه عَبْد الله، محتشم نبيل. وأرسل أولاده إلى عند عمّهم إبراهيم.
وكان مما رفع منزلة إبراهيم بْن الأغلب عند الرشيد ظَفَرُهُ بإدريس بن عبد الله بن
стр. 4294
حسن الحَسَنيّ نزيل المغرب وقتْله. وأشار هَرْثَمَة بْن أَعْيَن عَلَى الرشيد أيضًا بتوليته. وبالغ في وصفه، فولاه في أثناء سنة أربعٍ وثمانين ومائة.
وردّ محمد العَكّي إلى المشرق، وانقمع١ الشرّ بالمغرب، وحسُنت حال إفريقية. وبني مدينة سمّاها العباسية. وكان يتولّى الصلاة بنفسه في جامع القَيروان.
وكان عالمًا عاملا بعِلْمه، عَثَر يومًا في حصيرة المسجد، فدخل وقال لرؤساء الدّولة: استنكهوني. ففعلوا. فقال: إنّي خشيت أن يقع لأحدكم أنّي سَكْران.
وخرج عَليْهِ بتونس حمديس بْن عبد الرَّحْمَن الكِنْديّ، فحاربه وظفر بِهِ، وقتل عشرة آلاف مِن عسكر حمديس في سنة ستٌّ وثمانين، وبعث برأس حمديس إلى الرشيد.
وكان قائد جيوشه عِمران بْن مَخْلَد، وكان نازلا عنده في قصره، ثمّ خرج عَلَى ابن الأغلب وحشد، واستولى عَلَى أكثر بلاد إفريقية. وخَنْدَق إبراهيم عَلَى نفسه. وأقامت الحرب بينهما سنة، وهما كفَرسَي رهان، فأمدّه الرشيد بخزانة مالٍ مَعَ جماعة قُوّاد. فقوي ابن الأغلب، وتقلّل الْجُنْد عَنِ ابن مَخْلَد، والتفوا عَلَى ابن الأغلب لأخْذ أُعطياتهم.
تُوُفّي ابن الأغلب عَلَى إمرة المغرب لثمان بقين مِن شوّال سنة ستٌّ وتسعين ومائة. وله ستٌّ وخمسون سنة. وولي بعده ابنه عَبْد الله، فأمّن عِمران وأكرمه وصيّره معه في قصره. ثم خاف غائلته٢ فقتله.
واشتغل الأمين والمأمون بأنفسهما واختبط أمر المغرب وغيرهما.
٤- أبان بن عَبْد الحميد الرّقاشيّ٣.
مولاهم البصْريّ الشّاعر الشهير.
مقدّم في الشّعْر والأدب، وله بَصَرٌ بالعِلم والفِقه. وكان ديّنًا خيَّرًا متألهًا، متهجدًا.
стр. 4295
نظم للبرامكة كتاب "كليلة ودِمْنَة" أُرجوزة في أربعة آلاف بيت، فأجازه الوزير يحيى بْن خَالِد بعشرة آلاف دينار، فتصدّق بنصفها.
أثنى عَليْهِ الخطيب، وذكره في تاريخه.
٥- إبراهيم بْن صدقة.
أبو عامر الأنصاريّ١، بصْريّ، قليل الرواية.
سَمِعَ: قيس بْن عُبَيْد، وسُفْيان بْن حسين.
وعنه: محمد بْن الْمُثَنَّى العنْبريّ، وأحمد بْن نصر المقرئ.
٦- إبْرَاهِيم بْن عَبْد العزيز بْن عَبْد المُلْك بْن أَبِي محذورة الْجُمَحيّ الْمَكَّيّ٢ عخ، ت، س. عَنْ: جَدّه، وأبيه.
وعنه: الشافعي، والحميدي، وجماعة.
٧- إبراهيم بْن عُيَيْنَة بْن أَبِي عِمران الهلالّي٣ -د. س. ق.
مولاهم الكوفيّ، أخو سُفْيان، وعِمران، وآدم، ومحمد. يُكَنَّى أبا إِسْحَاق.
روى عَنْ: أبي حيّان يحيى بْن سَعِيد التَّيميّ، ومِسْعر بْن كَدَام، وعَمرو بْن منصور الهمَدانيّ.
وعنه: أحمد بْن بُديل، ويحيى بْن مَعِين، وعليّ بْن محمد الطَّنَافسيّ، والحسن بْن عليّ بْن عفّان العامريّ، وهو آخر أصحابه.
وتوفي سنة سبْعٍ وتسعين أيضًا.
قَالَ النَّسَائيّ: لَيْسَ بالقويّ.
٨- إبراهيم بْن هُدْبة، أبو هُدْبة البصْريّ٤.
يحدث عن أنس بالبواطيل.
стр. 4296
روى عَنْهُ: حُمَيْد بْن الربيع، ومحمد بْن عُبَيْد الله بْن المنادي، وسَعْدان بن نصرة، والخضر بْن أبان، وله عَنْهُ نسخة، ورُسْتَة.
قَالَ أبو نُعَيْم الحافظ: قِدم أصبهان فحدّث عَلَى المنبر، عَنْ أنس، فرُفع ذَلِكَ إلى جرير بن عبد الحميد، فصدقه.
قال: وكن المأمون أيضًا يُصدّقه فيها.
وتصديقهما لا ينفعه، فإنّه ذاهب الحديث، مُتهمٌ عندَ الحُفّاظ بالكِذب.
ولمحمد بْن سُلَيْم المقرئ عَنْهُ نسخة.
قَالَ عَبَّاسٌ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ: قِدم أبو هُدْبة، فاجتمع عَليْهِ الناس وقالوا لَهُ: اخْرِجْ رِجْلَك. خافوا أن تكون رِجْلُه رجلَ حمار أو شيطان. وقال أحمد بْن سيّار القطّان: سَمِعْتُ محمد بْن بلال الكِنْديّ يَقُولُ: كان أبو هدبة عدو الله يحفل١ النغم عندنا بواسط.
وقال أبو حاتم الرّازيّ: كذّاب.
قلت: بقي إلى سنة مائتين.
٩- إبراهيم بْن يزيد بْن مَرْدانبَة الكوفيّ٢.
مولى عَمْرو بْن حُرَيْث.
عَنْ: رَقَبَة بْن مَصْقَلَة، وإسماعيل بْن أَبِي هالة.
وعنه: أبو كُرَيْب، وأبو سَعِيد الأشجّ، ومحمد بْن الْمُثَنَّى، وجماعة.
١٠- إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إسحاق عَمْرو بن عبد الله الهمجاني السَّبِيعيّ الكوفيّ٣ -س. ت. ق.
عَنْ: أَبِيه وجده.
стр. 4297
وعنه: أبو كُرَيْب، وإسحاق بْن منصُور السَّلُوليّ، وأبو عُبَيْدة بن أَبِي السَّفَر.
ضعّفه ابن مَعين.
وقال أبو حاتم: حسن الحديث.
وقال النَّسَائيّ: لَيْسَ بالقويّ.
قلت: حديثه في الصحيحْين.
وتُوُفّي في سنة ثمانٍ وتسعين.
١١- أسامة بْن حفص المدنيّ١.
عَنْ: هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، ويحيى بْن سَعِيد.
وعنه: أبو ثابت محمد بْن عُبَيْد الله المدنيّ، وإبراهيم بْن حمزة الزُّبَيْريّ، وغيرهما.
روى لَهُ الْبُخَارِيّ حديثًا، وأغفله في تاريخه، وكذا ابن أَبِي حاتم.
١٢- أسباط بْن محمد، أبو محمد بْن أَبِي عَمرو الكوفيّ٢ -ع.
والد عُبَيْد بْن أسباط.
عَنْ: الأعمش، وأبي إسحاق الشيباني، وعمرو بْن قيس المُلائيّ، وزكريّا بْن أَبِي زائدة.
وعنه: أحمد، وإسحاق، والحسن الزَّعْفرانيّ، والحسن بْن عليّ بْن عفّان.
وثقه ابن مَعِين.
تُوُفّي سنة مائتين في المحرَّم.
قَالَ ابن عمّار المَوْصِليّ: قَالَ لنا وكيع: إنّ لأسباط بْن محمد الْقُرَشِيّ ألف حديث، فاسمعوا منه.
стр. 4298
١٣- إِسْحَاقَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ بْن الحسين الهاشميّ الحُسَينيّ الْمَدَنِيُّ١ -ت. ق.
عَنْ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جعفر المَخْرميّ، وعبد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر المليكيّ.
وعنه: إبراهيم بْن المنذر الحزاميّ، ويعقوب بْن حميد.
قَالَ ابن مَعِين: ما أراه إلا كَانَ صادقًا.
١٤- إسحاق بْن إسماعيل.
أبو يزيد الرّازيّ حيَّوَيْه٢.
عَنْ: عَمْرو بن أبي قُبَيس، ونُعَيْم بْن مَيْسَرة، ونافع بْن عمر الْجُمَحيّ.
وعنه: محمد بْن سَعِيد بْن الأصبهاني، وإبراهيم بْن موسى الفرّاء، وأبو بكر بْن أبي شَيْبة، وأخوه عثمان، وآخرون.
قَالَ ابن مَعِين: أرجو أن يكون صادقًا.
١٥- إسحاق بْن الربيع العُصْفُري الكوفيّ٣.
عَنْ: الأعمش، وداوود بْن أَبِي هند، ومِسْعَر، وأبي مالك النَّخَعيّ.
وعنه: محمد بن عمر بن الوليد الكندي، وأحمد بْن بُدَيْل، ومحمد بْن إسماعيل الأحْمُسيّ، وغيرهما.
ولا جَرْح فيه.
١٦- إِسْحَاق بْن سليمان الرازي٤ -ع.
أبو يحيى الكوفي. نزل الرَّيّ.
عَنْ: حنظلة بْن أَبِي سُفْيان، وابن أَبِي ذيب، وحَرِيز بْن عثمان، وطبقتهم.
وعنه: محمد، وأحمد، ومحمد بْن رافع، وإسحاق الكوسج، وأحمد بن
стр. 4299
الأزهر، وخِلْق آخرهم الحَسَن بْن مُكْرَم البزّاز.
وكان سيّدًا صالحًا خاشعًا ثقة حُجّة.
قَالَ أحمد بْن الفُرات: رَأَيْته يروي حديثًا. فضحك غلام فأخرجه.
قَالَ: ويقال إنّه كَانَ مِن الأبدال.
تُوُفّي سنة تسعٍ وتسعين، وقيل سنة مائتين.
قَالَ إسحاق الكَوْسج: ما كَانَ أَبْيَنَ خشوعه. كَانَ يبكي كلّ ساعة.
١٧- إسحاق بن عيسى البغدادي١.
أبو هاشم سبط داوود بْن أبي هند.
سَمِعَ: الأعمش، وابن أَبِي ذيب، والثوري.
وعنه: الحسن بن الصباح البزار، وإسحاق بْن بُهْلُولٍ التّنُوخيّ.
قَالَ الخطيب: وكان ثقة. جاور بمكة.
١٨- إسحاق بْن نَجِيح المَلَطيّ٢.
أبو صالح نزيل بغداد.
عَنْ: هشام بْن حسّان، وابن جُريْج، وجماعة.
وعنه: سُوَيد بْن سَعِيد، وعليّ بْن حجر.
قَالَ ابن مَعِين: كذّاب عدوّ الله.
وقال أبو حاتم بْن حيان: هُوَ دجّال مِن الدَّجاجلة.
وقال الفلاس: يضع الحديث.
١٩- إسحاق بن يوسف بن مرداس٣ -ع.
أبو محمد القرشي الواسطي الأزرق الحافظ.
стр. 4300
عَنِ: الأعمش: وابن عَوْن، وفُضَيْل بْن غَزْوان، ومِسْعَر.
وعنه: أحمد، وابن مَعِين، وأحمد بْن مَنِيع، ومحمد بْن الْمُثَنَّى، وسَعْدان بْن نصر، وآخرون.
وكان ثقة ثَبْتًا مِن العابدين.
ولد سنة بضْعَ عشرة ومائة.
وقيل: إنّه مكث عشرين سنة لم يرفع رأسه إلى السماء.
تُوُفّي سنة خمسٍ وتسعين.
وكان أعلم الناس بشرِيك.
وقد قرأ القرآن عَلَى حمزة، وسمع الحروف مِن أَبِي بَكْر بْن عيّاش، وله اختيار في القراءة يروي عَنْ جملة.
عَنْهُ: إسماعيل بْن هُود الواسطيّ، وعبد الله بْن هانس، وغيرهما.
٢٠- إسماعيل بْن إبراهيم بْن مِقْسَم١ -ع.
أبو بشر الأسدي، مولاهم البصْريّ، الإِمَام ابن عُلَيّة، وهي أمّه.
أصله كوفيّ.
سَمِعَ: أيّوب السّخْتيانيّ، وإسحاق بْن سُوَيد العَدويّ، وحُمَيْد الطويل، وعليّ بْن زيد، وعطاء بْن السّائب، ومحمد بْن المُنْكَدِر، وعبد الله بْن أبي نَجِيح، ويونس بْن عُبَيْد، وسُهيل بْن أَبِي صالح، والْجُريريّ، وأبا التّيّاح الضُّبعيّ، وعبد العزيز بْن صُهَيب، وليث بْن أَبِي سُلَيْم، وابن عَوْن، وطائفة.
وعنه: شُعبة، وابن جُرَيج، وحمّاد بْن زيد وهم أكبر منه. وعبد الرَّحْمَن بْن مهديّ، وأحمد، وإسحاق، وابن مَعِين، وعليّ بْن المَدِينيّ، وبُنْدار، وخلْق كثير آخرهم موسى بْن سهل الوشّاء.
وكان حُجّة حافظًا فقيهًا.
ولد سنة عشرٍ ومائة.
стр. 4301
وكان يَقُولُ: مَن قَالَ ابن عُلَيّة فقد اغتابني.
قَالَ مؤمّل بْن هشام: سمعته يَقُولُ: لقيت محمد بْن المُنْكَدِر، وسَمِعْتُ منه أربعة أحاديث. فَقُلْتُ: ذا شيخ. فلمّا قدمت البصرة إذا أيّوب يَقُولُ: ثنا محمد بْن المُنْكَدِر.
وقال غُنْدَر: نشأت في الحديث يوم نشأن وليس أحدٌ يُقَدَّم في الحديث عَلَى ابن علية.
وقال أبو داوود: ما أحدٌ مِن المحدّثين إلا أخطأ، إلا ابن عُلَيَّة، وبِشْر بْن الْمُفَضَّلِ، وقال ابن مَعِين: كَانَ ابن عُلَيَّة ثقة ورِعًا تقيًا.
وقال يُونُس بْن بُكَيْر: سَمِعْت شُعْبَة يَقُولُ: ابْن علية سيد المحدثين.
وقال عمرو بْن زُرارة: صحِبْتُ ابنَ عُلَيَّة أربَعَ عشرةَ سنة فما رَأَيْته تبسّم فيها.
قَالَ عفّان: نا خَالِد بْن الحارث قَالَ: كنّا نُشبّه ابن عُلَيَّة بيونس بْن عُبَيْد.
وقال إبراهيم بْن عَبْد الله الهروي: سَمِعْتُ يزيد بْن هارون يَقُولُ: دخلت البصرة وما بها خلقٌ يفضل عَلَى ابن عُلَيَّة في الحديث.
وقال زياد بْن أيوب: ما رأيتُ لابن عُلَيَّة كتابًا قطّ.
وكان يُقال ابنُ عُلَيَّة يَعُدّ الحروف.
وقال حَمّاد بْن سَلَمََةَ: ما كُنَّا نُشبّه شمائل إسماعيل إلا بشمائل يونس بْن عُبَيْد، حتى دخل فيما دخل فيه.
قلت: وقد ولي القضاء ولعث إِلَيْهِ ابن المبارك يُعنّفه بأبياتٍ حسنة لدخوله في الصَّدَقات.
وروى الخطيب في تاريخه: إنّ الحديث الَّذِي أُخِذ عَليْهِ شيء يتعلّق بالكلام في القرآن.
دخل عَلَى محمد بْن هارون الأمين فشتمه، فقال: أخطأت.
وكان حدَّث بهذا: تجيء البقرة وآل عِمران كأنّهما غمامتان يُحَاجّان عَنْ صاحبهما. فقيل لابن عُلَيَّة: أَلَهُما لسان؟ قَالَ: نعم.
стр. 4302
فقالوا: إنّه يَقُولُ القرآن مخلوق؛ وإنّما غلط.
وقال الفضل بْن زياد: سَأَلت أحمد بْن حنبل عَنْ وُهيب وابن عُلَيَّة: أيُّهما أحبّ إليك إذا اختلفا؟ قَالَ: وُهيب، ما زال إسماعيل وضيعًا مِن الكلام الَّذِي تكلّم فيه إلى أن مات. قلتُ: أليس قد رجع وتاب على رؤوس الناس؟ قَالَ: بلى، ولكنْ ما زال لأهل الحديث. بعد كلامه ذَلِكَ مبغضًا وكان لا ينصف في الحديث كان يحدّث بالشفاعات١.
وكان معنا رجلٌ مِن الأنصار يختلف إلى الشيوخ فأدخلني عَليْهِ، فلمّا رآني غضب، وقال: مَن أدخل هذا عليَّ؟
قَالَ أحمد: وبلغني أنّه أُدخِل عَلَى الأمين، فلمّا رآه زحف إليه وقال: يا ابن -يا ابن تتكلَّم في القرآن؟ وجعل إسماعيل يَقُولُ: جعلني الله فِداك، زَلَّةٌ مِن عالم.
ثمّ قَالَ أحمد: إنّ يغفر الله لَهُ فيها، يعني الأمين.
ثمّ قَالَ: وإسماعيل ثَبْت.
وقال الفضل بْن زياد: قلت يا أبا عَبْد الله إنّ عَبْد الوهاب قَالَ: لا يحبّ قلبي إسماعيل أبدًا. لقد رَأَيْته في المنام وكان وجهه أسود.
فقال: عافي الله عَبْد الوهاب.
ثمّ قَالَ أحمد: لقد لزِمتُ إسماعيل عشرَ سِنين إلا أن أُغيب. ثمّ جعل يحرّك رأسه كأنه يتلهَّف، ثمّ قَالَ: وكان لا يُنْصِف في التحديث، ويحدّث بالشفاعات.
قَالَ المؤلّف: لا ينبغي إلا تعظيم ابن عُلَيَّة، فقد كانت منه هفوة ثمّ تاب منها.
فكان ماذا؟ مات ابن عُلَيَّة في ذي القِعْدة سنة ثلاثٍ وتسعين.
وحديثه بعُلُوّ درجتين في الغيلانيّات.
٢١- إسماعيل بْن إبراهيم الكرابيسيّ البصْريّ٢ -ق. صاحب القُوهيّ.
عَنْ: ابن عَوْن، وسُلَيْم القاصّ.
стр. 4303
وعنه: محمد بْن عَبْد الله بْن حفص الأنصاري، وحفص بن عمرو الربالي، ومُثَنَّى بْن مُعَاذ.
تُوُفّي سنة أربعٍ وتسعين.
وثّقه حد.
٢٢- إسماعيل بْن إبراهيم، أبو يحيى التَّيْميّ الكوفيّ الأحْوَل١ -ت. ن.
عَنْ: عطاء بن السائب، والأعمش، ومخارق الأحمسيّ، ومطر، وطائفة.
وعنه: أبو سَعِيد الأشجّ، وأبو كُرَيْب، ومحمد بْن عُبَيْد المحاربيّ، وآخرون.
ضعّفه ن، وغيره.
وقال ابن نُمَير: ضعيف جدّا.
٢٣- إسماعيل بْن حكيم.
صاحب الزيّاديّ. بصْريّ٢.
روى عن: محمد بن المنكدر، والفضل بن عيسى الرقاشي، والْجُرَيريّ، وجماعة.
وعنه: عٌقبة بْن مُكْرَم، وأزهر بْن جميل، وعبد الرَّحْمَن بْن عُمَر رسْتة. كذا ذكره ابن أَبِي حاتم ولم يُضعّفْه.
٢٤- إسماعيل بن زياد -ت.
أو ابن زياد السكوني قاضي المَوْصِل٣.
عَنْ: ثور بْن يزيد، وابن جُرِيج، والثَّوْريّ، وشُعْبَة.
وعنه: مسعود بْن جُوَيْرية، ونائل بْن نَجيح، ومحمد بْن الحسين البُرْجُلانيّ، وآخرون.
قال ابن عدي: منكر الحديث.
стр. 4304
وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: لا يَحِلُّ ذِكْرُهُ فِي الكُتُب إلا عَلَى سبيل القدْح فيه.
٢٥- إِسْمَاعِيلَ بْنِ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ بْن ثابت، أبو مُصْعَب الأنصاريّ١ نافلة كاتب الوحي ﵁.
روى عَنْ: أَبِيه، وأبي حازم الأعرج.
وعنه: إبراهيم بْن حمزة الزُّبَيْريّ، وأبو بَكْر عَبْد الرحمن بْن شَيبة الحزاميّ.
قَالَ أبو حاتم: مدنيّ ضعيف الحديث.
وقال غيره: إنّه عُمّر إحدى وتسعين سنة.
٢٦- إسماعيل بْن محمد بْن جُحادة الكوفيّ العطّار الضّرير٢.
عن: أبيه، وداوود بْن أَبِي هند، وأبي مالك الأشجعيّ، وغيرهم.
وعنه: الأشجّ، وسُفْيان بْن وكيع، ونصر الْجَهْضَميّ، وأحمد بْن بُدَيْل، وجماعة.
قَالَ أبو حاتم: صَدُوق.
٢٧- إسماعيل بْن يحيى بْن عُبَيْد الله التَّيميّ البكْريّ الكوفيّ٣. أبو عليّ.
عَنْ: إسماعيل بْن أَبِي خَالِد، وأبي حنيفة، وغيرهما.
وعنه: محمد بْن حرب النَّسَائيّ، وسَعْدان بْن نصر.
قَالَ صالح جزرة وغيره: كان يضع الحديث.
وقال ابن حبان: لا تحل الرواية عنه، ولا الاحتجاج بِهِ بحال.
وقال: يروي عَنْ مِسْعَر، وفِطْر بْن خليفة أيضا.
٢٨- أشجع بن عمرو السلمي٤.
الشاعر، بصري.
стр. 4305
له نظم بديع، مدح الرشيد وغيره؛ وكان جعفر البرمكي يجري عليه في الجمعة مائة دينار.
٢٩- أشعث بن عبد الرحمن بن زبيد اليامي الكوفي١ -ت.
عن: مجالد، وعبيد الله بن عمر.
وعنه: أحمد بن منيع، وأبو سعيد الأشج، والحسن بن عرفة.
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حاتم: محله الصدق.
٣٠- أشعث بن عبد الله الخراساني السجستاني٢ -د.
نزيل البصرة.
عَنْ: إسماعيل بْن أَبِي خَالِد، وعوف، وشُعْبَة.
وعنه: محمد بْن أَبِي بَكْر المُقَدَّميّ، ومحمد بْن عُمَر المُقَدَّميّ، ونصر بن علي الجهضمي، والفلاس.
وثقه أبو داوود.
روى له حديثًا.
٣١- أشعث بن شعبة -د.
أبو أحمد المصيصي٣.
أصله خُرَاسانيّ، سكن الثَّغْر.
روى عَنْ: إبراهيم بن أدهم، وأرطأة بن المنذر، والمنهال بن خليفة، وورقاء بن عمر.
وعنه: محمد بن عيسى بن الطباع، والمسيب بن وضاح، وأبو الطاهر بن السرح، ويعقوب بن كعب الأنطاكي.
стр. 4306
قال أبو زرعة: لين.
وذكره ابن حبان في الثقات.
٣٢- أمية بن خالد القيسي١ -م. د. ن.
أبو عبد الله، أخو هدبة. بصري، ثبت.
روى عن: شُعْبَة، والثَّوْريّ، وأبي الجارية العبْديّ، وطائفة.
وعنه: أبو حفص الفلاس، وبُنْدار، ومحمد بْن مُثَنَّى، وطبقتهم.
وثّقه أبو حاتم.
مات في آخر سنة مائتين عَلَى الصحيح.
قَالَ الأثرم: سَمِعْتُ أبا عَبْد الله يُسأل عَنْ أُمَيَّة بْن خَالِد فلم أره يحمده في الحديث وقال: إنّما كَانَ يحدَّث مِن حِفْظه ولا يُخْرِج.
٣٣- أنس بن عياض الليثي٢ -ع.
أبو ضمرة المدني، بقيّة المُسْنِدين الثَّقات.
ولد سنة أربعٍ ومائة.
وروى عَنْ: شَريك بْن أَبِي نَمِر، وَسُهَيْلِ بْن أَبِي صالح، وهشام بْن عُرْوة، وأبي خازم الأعرج، وربيعة الرأي، وصَفْوان بْن سُلَيْم، وطبقتهم مِن صغار التّابعين.
وعنه: أحمد بْن حنبل، وابن المَدِينيّ، وأحمد بْن صالح، ومحمد بْن عَبْد الله بْن عَبْد الحَكَم، وخلْق كثير.
وروى عَنْهُ مِن أقرانه بقيّة بْن الوليد.
قَالَ أبو زُرعة، والنَّسَائيّ: لا بأس بِهِ.
وقَالَ يُونُس بْن عَبْد الأعلى: ما رَأَيْت أحدًا أحسنَ خُلُقًا من أَبِي ضَمْرة، ولا أسمح بِعلْمه منه. قَالَ لنا: والله لو تهيّأ لي أن أحدّثكم بكلّ ما عندي في مجلس لفعلت.
стр. 4307
قلت: مات سنة مائتين، وله ستٌّ وتسعون سنة.
٣٤- أوس بْن عَبْد الله بْن بُريدة بْن الحُصَيْب الأسلميّ المَرْوَزِيّ١.
روى عَنْ: أخيه سهيل، والحسين بْن واقد. ولم يدرك أَبَاهُ، لعلّه مات وأوس حَمْل.
روى عَنْهُ: سليمان بْن عُبَيْد الله، ومحمد بْن مقاتل، والحسين بْن حُرَيْث المَرْوَزِيُّون.
قَالَ أبو حاتم: سألنا المَرَاوِزة عَنْهُ فعرفوه وقالوا: تَقَادَمَ موتُه.
٣٥- أوس بْن عَبْد الله السَّلُوليّ البصْريّ٢.
عَنْ: بُرَيْد بْن أَبِي مريم.
وَعَنْهُ: مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، ومُسَدّد، وغيرهم.
وهو قديم الوفاة.
٣٦- أيّوب بْن تميم، أبو سليمان التّميميّ الدّمشقيّ٣.
مقرئ أهل الشام.
قرأ عَلَى: يحيى الذَّماريّ، وأبي عَبْد المُلْك الذَّماريّ.
تلا عَليْهِ: ابن ذَكْوان، والوليد بْن عُتْبة.
وحمل عَنْهُ الحروف: أبو مُسْهٍر، وهشام بْن عمّار.
وقد روى الحديث عَنْ: الأوزاعيّ، وعثمان بْن أَبِي العاتكة، وغيرهما.
حدَّث عَنْه: هشام، ودُحَيْم، وآخرون.
وهو ثقة، في الحديث والقراءة.
مات بعد التّسعين ومائة.
стр. 4308
٣٧- أيّوب بْن حسّان الْجُرشيّ الدّمشقيّ١.
أبو حسّان.
عَنْ: هشام بْن عُرْوة، ويونس بْن يزيد، والأوزاعي، وثور بْن يزيد، وطائفة.
وعنه: هشام بْن عمّار، ودُحَيْم، وسليمان الشُّرَحْبيليّ.
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: صَالِحُ الْحَدِيثِ.
وَقَالَ أَبُو زُرْعة الدّمشقيّ: مقارِب.
٣٨- أيّوب بْن المتوكّل البصْريّ الصَّيْدلانيّ٢.
المقرئ الإِمَام.
سَمِعَ: فَضَيْلَ بْن سليمان، وطبقته.
وتلا عَلَى: الكِسائيّ، وعلى: سلام الطّويل، وحُسين الْجُعْفيّ. واختار لنفسه مَقْرءًا.
روى عَنْهُ: عليّ بْن المَدِينيّ، ويحيى بْن مَعِين، ومحمد بْن يحيى القُطَعيّ.
وَأَجَلُّ مِن تلا عَليْهِ القُطَعيّ.
قَالَ ابن المَدِينيّ: نا أيّوب بْن المتوكّل، عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن مهديّ قَالَ: لا يكون إمامًا مِن أخذ بالشاذّ مِن العِلْم، ولا مِن روى عَنْ كلّ أحد، ولا مِن روى كلّ ما سمِع.
ويقال: إنّ يعقوبَ الحضرميّ وقف عَلَى قبر أيّوب لما دُفِن، وقال: يرحمك الله يا أيّوب، ما تركتَ خَلَفًا أعلم بكتاب الله منك.
وعن أيّوب قَالَ: ما غلبتُ يعقوبَ إلا بالأثر.
وقال إسحاق بْن إبراهيم الشهيديّ: دخلت الكوفة فأتيتُ ابنَ إدريس الأَوْديّ، فأوّل ما سألني عَنْ أيّوب، ما فعل أيّوب؟ قلت: بخير، قَالَ: يُقرئ؟ قلت: نعم! قال: ذاك أقرأ الناس.
стр. 4309
وقال أحمد بْن سِنان القطّان: سَمِعْتُ أيّوب بْن المتوكّل يَقُولُ: قرأت عَلَى يحيى القطّان، وطلب منّي كتاب الحروف، فسمِعه منه.
قَالَ أبو حاتم السّجسْتانيّ: أيّوب بْن المتوكّل مِن أقرأ القرّاء وأرواهم للآثار في القرآن.
قلت: وثّقه ابن المَدِينيّ.
ومات سنة مائتين كهْلا.
٣٩- أيّوب بْن واصل البصْريّ١.
سَمِعَ: ابن عَوْن.
وعنه: إبراهيم بن المنذر، وعَبْد اللَّه بْن محمد المسِنديّ، ومحمد بْن أسد الخشنيّ، وجماعة.
وهو قليل الحديث.
قَالَ أبو حاتم: يكتب حديثه.
٤٠- أيوب بن واقد الكوفي٢ -ت.
أبو الحسن، ويقال أبو سهل.
سكن البصرة وحدَّث عَنْ: هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، وعثمان بْن حكيم.
وعنه: بِشْر بْن مُعَاذ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، وَدَاهِرُ بْنُ نوح، وجماعة.
قَالَ أحمد: ضعيف الحديث.
وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: عَامَّةُ مَا يَرْوِيهِ لا يُتابع عَليْهِ.
"حرف الباء":
٤١- بشّار بْن قيراط.
стр. 4310
أبو نُعَيْم النَّيْسابوريّ نزيل الرَّيّ١. وهو أخو حمّاد بْن قيراط.
روى عَنْ: هشام بْن حسّان، وابن جُرَيج، وبكر بن معروف، والثوري، وجعفر بن محمد، وشعبة، وطبقتهم.
وعنه: عبد الله بن الوليد بن مهران، وعمرو بن رافع القزويني، ونوح بن أنس.
قال أبو حاتم: لا يُحْتَجّ بِهِ.
وقال أبو زُرعة: يكذب، وأخوه حمّاد صَدُوق.
وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: هُوَ إِلَى الضَّعْفِ أَقْرَبُ.
٤٢- بَزِيع بْن حسّان.
أبو الخليل البصْريّ الخصّاف٢.
عَنْ: الأعمش، وهشام بْن عُرْوة، وثابت البُنانيّ.
وعنه: عَبْد الرَّحْمَن بْن المبارك، وأزهر بْن جميل، ومحمد بْن بكّار، ويحيى بْن سَعِيد العطّار، ومحمد بْن صدران.
وهو متروك، اتهمه ابن حيان، وغيره، أتى بعجائب لا تُحتَمل.
٣٤- بِشْر بْن إبراهيم الأنصاريّ المفلوج٣.
عَنْ: ثور بْن يزيد، والأوزاعي، وأبي مُرَّة الرّقاشيّ، ومبارك بْن فَضَالَةَ.
وعنه: داهر بْن نوح، وعبد الله بْن يوسف الْجُبيريّ، ويوسف بْن بحر، ومحمد بْن عبد الله بن بزيع، وجماعة.
ضعفه أبو حاتم، وغيره، وقال ابن عَدِيّ: هُوَ عندي ممّن يضع الحديث.
٤٤- بِشْر بْن الحَسَن -ن.
أبو مالك البصري٤، أخو حسين بن الحسن.