← История

История · id 22771

تاريخ الإسلام - ط التوفيقية

شمس الدين الذهبي

Полный текст (11 937 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

وقد مرّ في الحديث دولة الأمين وحروبه وما صار إِليْهِ. وكنّاه بعضهم أبا موسى. عاش سبْعًا وعشرين سنة. وآخر أمره خُلِع ثمّ أُسِر وقُتِل صبرًا في المحرَّم سنة ثمانٍ وتسعين ومائة بظاهر بغداد، وطيف برأسه. الصُّوليّ: ثنا أبو العَيناء: حدَّثني محمد بْن عَمْرو الرُّوميّ قَالَ: خرج كوثر خادم الأمين ليرى الحرب فأصابته رجمة في وجهه، فجلس يبكي، وجعل الأمين يمسح الدم عَنْ وجهه ثمّ قَالَ: ضربوا قُرَّةَ عيني ... مِن أجلي ضربوه أخذ الله لقلبي ... مِن أناسٍ احرقوه قَالَ: ولم يؤاته طبعه لزيادة، فأحضر عَبْد الله بْن أيّوب التَّيْميّ الشّاعر، وقال لَهُ: قلَّ عليهما. فقال: ما لمن أهوى شَبيهُ ... فَبِهِ الدنيا تتيهُ وَصْلُهُ حلوٌ ولكن ... هجرهُ مرٌّ كريهُ مَنْ رَأَى الناسُ لَهُ ... فضلا عليهم حسدوه مثل ما حسد القا ... ئم بالمُلْك أَخُوهُ فقال الأمين: أحسنَت والله. بحياتي يا عبّاسيّ، أنظر، فإنْ كَانَ جاء عَلَى ظهرٍ فأوقره لَهُ، وإن كَانَ جاء في زورق فأوقره له. قال: فأوقر له ثلاثة أبغال دراهم. وقيل: إنّ سليمان بْن منصور رفع إلى الأمين أنّ أبا نواس هجاه، فقال: يا عمّ، أأقتله بعد قوله: أهدي الثَّناء إلى الأمينِ محمدٍ ... ما بعده بتجارةٍ متربَّصُ صَدَقَ الثَّناءُ عَلَى الأمين محمدٍ ... ومِن الثناء تكذّبٌ وتخرُّصُ قد يَنْقُصُ البدرُ المنيرُ إذا اسْتَوَى ... وبهاءُ نورِ محمدٍ ما ينقُصُ وإذا بُنوا المنصورِ عُدّ حَصَاهُم ... فمحمدٌ ياقوتُها المتخلّص

стр. 4447

فغضب سليمان، فقال الأمين: فكيف يا عمّ أعمل بقوله، ثمّ أنشده أبياتًا أخَر، ثمّ أبياتًا، ثمّ أرضى سليمان بحبْس أَبِي نُواس. وكانت خلافته أربع سنين وأيامًا. ٢٩٨- مَخْلَد بْن الحسين١ -ن. م. س. أبو محمد الأزدي المهلبي البصري، نزيل المصَّيصة. وكان أحد أوعية العِلْم. روى عَنْ: موسى بْن عُقْبة، وهشام بْن حسّان، ويونس الأَيْليّ، والأوزاعي، وعدة. وعنه: حجاج الأعور، والحسن بن الربيع البوراني، وأبو صالح محبوب الفراء، والمسيب بن واضح، وموسى بن أيوب النصيبي، وجماعة. قال أحمد العجلي: ثقة، رجل صالح عاقل. وقال أبو داود: كان أعقل أهل زمانه. وروي أنّ هارون الرشيد قَالَ لَهُ: ما قرابة بينك وبين هشام بْن حسّان؟ قَالَ: هُوَ والد إخوتي، يعني لم يَقُلْ زوج أمّي. قَالَ سُنيد بْن داود: سَمِعْتُ مَخْلَد بْن الحسين يَقُولُ: ما ندب الله العباد إلى شيء إلا اعترض فيه إبليس بأمرين، ما يبالي بأيّهما أُظْفِر: إمّا غُلُوٌّ فيه، وإمّا تقصيرٌ عَنْهُ. مات مَخْلَد سنة إحدى وتسعين ومائة. وعن بعضهم أنّه تُوُفّي سنة ستٌّ وتسعين ومائة. ٢٩٩- مَخْلَد بْن يزيد الحراني٢ -خ. م. د. ن. ق. عَنْ: يحيى بْن سَعِيد الأنصاريّ، وابن جُرَيْج، وجعفر بْن بُرْقان، وحنظلة بْن أبي سُفْيان، والأوزاعي. وعنه: أحمد، وإسحاق، وابنا أَبِي شَيبة، وابن نُمَير، ومحمد بْن سلام البيكندي، وآخرون.

стр. 4448

قَالَ أبو حاتم: صدوق. قلت: مُجْمَعٌ عَلَى ثقته. مات سنة ثلاثٍ وتسعين ومائة. ٣٠٠- مُرَجّي بن وداع الراسبيّ البصْريّ١. عَنْ: عطاء السُّلَميّ الزّاهد، وغالب القطّان، وأيّوب بْن وائل، وجماعة. وعنه: سيَّار بْن حاتم، وعارم، وأحمد بْن حنبل، وعليّ بْن الحسين الدَّرهميّ، وَجَمَاعَةٌ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لا بَأْسَ بِهِ. وقال ابن مَعِين: ضعيف. ٣٠١- مروان بْن معاوية بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسْمَاءَ بْنِ خَارِجَةَ بْنِ عُيَيْنَة بْن حصن الفَزَاري٢ الحافظ -ع. أبو عبد الله الكوفي نزيل مكّة، ثمّ دمشق. وهو ابن عم الإمام أَبِي إِسْحَاق الفَزَاريّ. روى عَنْ: حُمَيْد الطّويل، وعاصم الأحول، وابن أَبِي خَالِد، وأبي مالك سعْد بْن طارق الأشجعيّ، ومحمد بْن سُوقة، وموسى الْجُهَنّي، وخلْق كثير فيهم عدد من المجاهيل، فإنه كان طلابة للحديث، يكتب عَنْ كل واحد. روى عَنْهُ: أحمد بْن حنبل، وإسحاق، وابن خَيْثَمَة، والحسين بْن حُرَيْث، والحسن بْن عَرَفَة، ودُحَيْم، وأبو كُرَيْب، ومحمد بْن هشام بْن ملاس، وأُمم سواهم. قَالَ أحْمَد بْن حنبل: ثَبْت حافظ، كَانَ يحفظ حديثه كله. وقال ابن المديني: ثقة فيما روى عن المعروفين. وقال غيره: أكثر عَنِ المجهولين، فينبغي أن يُتَأمّل حال شيوخه، وهو في نفسه ثقة.

стр. 4449

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ: كَانَ يلتقط الشيوخ مِن السَّكك. وقال يحيى بْن مَعِين: وجدت عند مروان بخطّه: وكيع رافضيّ. فقلت لَهُ: وكيع خيرٌ منك. فسبَّني. وقيل: كَانَ مروان فقيرًا مُعِيلا، كَانَ الناس يَبُرُّونه. قِيلَ: مات فجأة في عشر ذي الحجّة سنة ثلاث وتسعين ومائة. ٣٠٢- مُزاحم بْن زُفَر التَّيْميّ الكوفيّ١. أخو عثمان بْن زُفَر. روى عَنْ: فِطْر بْن خليفة، وشُعْبَة، وأيّوب بْن خُوط. وعنه: أبو مُسْهِر، وإبراهيم بْن المنذر الحزاميّ، وهارون بْن موسى، وأبو الربيع الزّهْرانيّ. وكان من أشراف أهل الكوفة. حدَّث بدمشق، ولا رواية لَهُ في الكُتُب السّتّة. وقد وثّقه ابن حِبّان. وله سَميٌّ وهو: مزاحم بْن زُفَر. مِن طبقة صغار التابعين، قد ذُكِر. ٣٠٣- مَسْعَدة بْن اليَسَع الباهليّ البصْريّ٢. أحد الضعفاء. عَنْ: بَهْز بْن حكيم، وجعفر بْن محمد، ومحمد بْن حُمَيْد. وعنه: عُمَر بْن حفص، والحسن بْن عَرَفَة، وأحمد بْن أَبِي الحواريّ، ومُغيرة بْن أحمد، ومحمد بْن وزير الواسطيّ. قَالَ أحْمَد بْن حنبل: خرقنا حديثه مِن دهرٍ.

стр. 4450

روى ذَلِكَ الْبُخَارِيّ عَنْ أحمد. وقال أبو حاتم: يكذب عَلَى جعفر بْن محمد. وكذا كذّبه أبو داود، ومحمد بْن وزير. نَا مَسْعَدَةُ بْنُ الْيَسَعَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَسَا عَلِيًّا عِمَامَةً يُقَالُ لَهَا السَّحَابُ، فَأَقْبَلَ وَهِيَ عَلَيْهِ، فَقَالَ ﵇: "هَا عَلِيٌّ قَدْ أَقْبَلَ فِي السَّحَابِ"١. قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: قَالَ أَبِي: فَحَرَّفَهَا هَؤُلاءِ وَقَالُوا: عَلِيٌّ فِي السَّحَابِ. ٣٠٤- مسكين بْن بكير الحراني الحذاء -ع. أبو عبد الرحمن. عَنْ: ثابت بْن عَجْلان، وأرطأة بْن المنذر، وجعفر بْن بُرْقان، والأوزاعيّ، وشُعْبَة. وعنه: العُقَيْليّ، وأحمد بْن حنبل، وأحمد بْن شُعيب الحرّانيّ، وولده الحَسَن بْن أحمد، ومحمد بْن وهْب بْن أبي كريمة، وموسى بْن أيّوب النَّصيبيّ، وَآخَرُونَ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لا بَأْسَ بِهِ، صالح الحديث. وقال غير واحد: صدوق. وقيل: لَهُ عَنْ شُعْبَة ما يُنكر. وقال أبو أحمد الحاكم: لَهُ مناكير كثيرة، كذا قَالَ. قِيلَ: مات سنة ثمانٍ وتسعين ومائة. ٣٠٥- مُسْلِم بْن الوليد. صريع الغّواني٣، شاعر. مولى الأنصار أبو الوليد. أحد فُحُولِ الشُّعَراء. مدح الرشيد وآل برمك، وسار شعره.

стр. 4451

ويُقال إنّ الرشيد هُوَ الَّذِي لقّبه بصريع الغواني لقوله: أديرا عليّ الكأسَ لا تَشْربا قبلي ... ولا تَطْلُبا مِن عند قاتلتي ذَحْلي هَلِ العيشُ إلا أن تَرُوح مَعَ الصَّبا ... وَتَغْدُو صريعَ الكأس والأَعْيُنِ النُّجْلِ١ وهو القائل: أرادو لِيُخْفُوا قبره عَنْ عدوّهِ ... فطِيبُ تُرابِ القبرِ دلّ عَلَى القبرِ٢ ومن هجائه ما قَزَع: أمّا الهجاءُ فَدَقَّ عِرضك دونَه ... والمدحُ فيك كما علمتَ قليلُ فاذْهَبْ فأنت طليقُ عِرْضك إنّه ... عرضُ عَزَزْتَ بِهِ وأنت ذليلُ قَالَ الخطيب: ومسلم بْن الوليد كوفيّ نزل بغداد، وكان مدّاحًا مفوَّهًا بليغًا. قَالَ بعضهم: لمسلم ثلاثة أبيات: أرثَى بيت، وأمدح بيت، وأهجي بيت. فالأول: أرادوا ليُخْفُوا قبَره. والبيت الثاني، وهو أمدح بيت، قوله: يجود بالنَّفسِ إذ ضنّ البخيلُ بها ... والْجُودُ بالنَّفس أقصى غايةِ الْجُود والثالث قوله: قَبُحَتْ مَنَاظِرُهُ، فحِين خبْرتُهُ ... حُسنَتْ مَنَاظِرُهُ لقُبْح المُخبرِ وله في الشّيب: أكره شَيْبيْ وآسَى أن يُزَايِلَني ... أعجبُ بشيءٍ عَلَى البغضاء مودودِ وله يمدح يزيد بْن مَزْيَد الشَّيْبانيّ مِن قصيدة: يكسو السُّيُوفَ نفوس النّاكثين بها ... ويجعل الهام تِيجان القنا الُّذبُل إذا انتضى سيفَه كانت مسالكُهُ ... مسالكَ الموت في الأبدان والقلل

стр. 4452

كالّليث إنْ هجَّهُ فالموتُ راحتُهُ ... لا يستريح إلى الأيّام والدُّوَلِ قد عوَّد الطَّيْرَ عاداتٍ وثِقْنَ بها ... فهنَّ يَصْحَبْنَه في كلّ مُرْتحَلِ لله مِن هاشمٍ في أرضه جبلُ ... وأنت وابنُك رُكْنا ذَلِكَ الجبلِ١ وله في جعفر البرمكيّ: كأنّه قمر أو ضيغمٌ هصرٌ ... أو حيّةٌ ذكرٌ أو عارضٌ هَطِلُ لا يضحك الدَّهر إلا حين تسألُه ... ولا يُعبَّسُ إلا حين لا يُسَلُ ٣٠٦- مسروح. أبو شهاب الكوفيّ٢. عَنْ: الحَسَن بْن عُمارة، وسُفيان الثَّوْريّ، وعَمْرو بْن خَالِد. وعنه: يزيد بْن مَوْهب الرَّمليّ، وعمر بْن زُرَارة الحَدَثيّ. قَالَ أبو أحمد الحاكم: لَيْسَ حديثه بالقائم. ٣٠٧- مَسْلَمة بْن يعقوب بْن مَسْلَمة بْن عَبْد المُلْك بْن مروان الأُمويّ٣. أحد أشراف الشاميّين. كَانَ أحد مِن خرج عَلَى الدّولة العباسية. وذلك أنّ أبا العُميطر الأُمويّ السُّفْيانيّ لمّا ظهر وغلب عَلَى دمشق في سنة خمسٍ وتسعين ومائة، وبعدها تمكّن مَسْلَمة هذا مِن الأمور، وعمل عَلَى أَبِي العُميطر وقبض عَليْهِ، لأنّ أبا العُميطر كَانَ شيخًا كبيرًا، فقيّده ودعا لنفسه وبايعوه. ثمّ قام عَليْهِ محمد بْن صالح بْن بَيْهس الكلابيّ أمير العرب، فأخذ منه دمشق. فبادر مَسْلَمة وفَكّ قيد أَبِي العُميطر، وخرجا هاربَيْن بزيّ النَّساء إلى المِزّة. ثمّ إنّ مسلمة جاءه الموت بالمِزّة، فصلّي عَليْهِ أبو العُميطر، ثمّ مات بعده بقليل، وعَمّوا قبَره لئلا يُنبش، وذلك في حدود المائتين. ٣٠٨- مُسْهِر بْن عَبْد المُلْك بْن سَلَع الهمَدانيّ الكوفيّ٤.

стр. 4453

روى عَنْ: أَبِيهِ، وعن: الأعمش، وعيسى بْن عُمَر القارئ. وعنه: إِسْحَاق بْن راهَوَيْه، والحسن بْن عليّ الحلوانيّ، ومحمد بْن عَبْد الله المخرميّ، وجماعة. قَالَ الْبُخَارِيّ: فيه بعض النظر. ٣٠٩- مطرف بن مازن١. قاضي صنعاء. روى عَنْ: ابن جُرَيج، ومَعْمَر. وعنه: الشافعيّ، وداود بْن رشيد. وكان من الأخيار الصُّلحاء، لكنّه واهٍ. قَالَ النَّسَائِيُّ: لَيْسَ بِثِقَةٍ. وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: كذاب. وأسقطه ابن حِبّان، وضعّفه آخرون. وأما أبو أحمد بْن عَدِيّ فقال: لم أر لَهُ شيئًا مُنْكَرا. وسمعتُ عُمَر بْن سِنان: نا حاجب بْن سليمان قَالَ: كَانَ مطرَّف بْن مازن قاضي صنعاء، وكان رجلا صالحًا، فأتاه رجلٌ وقال: حلفتُ بطلاق امرأتي ثلاثًا أنّي أخرا عَلَى رأسك. فقام ودخل ووضع عَلَى رأسه منديلا، ثمّ قَالَ للرجل: اصعد واقلل، أو كما قَالَ. ٣١٠- مُطَهَّرُ بنُ الهيثم الطّائيّ البصْريّ٢ -ق. روى عَنْ: عَلْقَمة بْن أَبِي حمزة الضُّبَعيّ، وموسى بْن عليّ بْن رباح. وعنه: عَبّاد بْن الوليد الغُبْريّ، ومحمد بْن المُثَنَّى، وعبد الرَّحْمَن بْن محمد بن منصور كزبران، وجماعة.

стр. 4454

قَالَ ابن حِبّان: مُنْكَر الحديث. وقال ابن يونس: متروك. ٣١١- مُعَاذ بْن مُعَاذ بْن نصر بن حسان -ع. الإمام أبو المثنى العنبري التيمي البصري الحافظ، قاضي البصرة١. روى عَنْ: حُمَيْد، وسليمان التَّيْميّ، وابن عَوْن، وبَهْز بْن حكيم، وعوف، ومحمد بْن عَمْرو، وشُعْبَة، وآخرون. وعنه: ابناه عُبَيْد الله والمثني، وأحمد، وإسحاق، وبُنْدار، وإسحاق بْن موسى، وعبد الله بْن هاشم الطّوسيّ، وسَعدان بْن نصر، وخلْق كثير. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: إِلَيْهِ الْمُنْتَهَى فِي التَّثَبُّت بالبصرة. ما رأينا أحدًا أعقل منه. وقال يحيى بْن سَعِيد القطّان: ما بالبصرة ولا بالكوفة ولا بالحجاز أثبت مِن مُعَاذ بْن مُعَاذ. قلت: كَانَ مِن أقران القطّان. قَالَ النَّسَائِيُّ: ثِقَةٌ ثَبْتٌ. وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ، وأبو حاتم: ثقة. قلت: يحيى القطّان أسنّ منه بشهرين. قَالَ أحمد بْن حنبل: ولد مُعَاذ بْن مُعَاذ سنة ستٌّ عشرة ومائة. وقال المدائني: كان جده نصر واليًا لخالد القسر بإصْطَخْر، ومُعَاذ بْن نصر مات في حياة نصر سنة تسع عشرة ومائة. قلت: مات مُعَاذ بْن مُعَاذ في ربيع الآخر سنة ستٌّ وتسعين ومائة. ٣١٢- مُعَاذ بْن هشام بْن أبي عبد الله الدستوائي٢ -ع. البصري الحافظ.

стр. 4455

عَنْ: أَبِيهِ، وابن عَوْن، وأشعث بْن عَبْد المُلْك، وغيرهم. وعنه: أحمد بْن حنبل، وإسحاق، وبُنْدار، وابن المَدِينيّ، ومحمد بْن إسماعيل بْن أَبِي سُمَينة، وعمرو الفلاس، وأبو سَعِيد الأشجّ، ومحمد بْن المُثَنَّى، وإسحاق الكَوْسج، ويزيد بْن سِنان البصْريّ، وجماعة. قَالَ ابن عَدِيّ: ربّما يغلط وأرجو أنّه صدوق. وروى عبّاس، عَنِ ابن مَعِين: صَدُوق، وليس بحجّة. وقال عَبَّاس بْن عَبْد العظيم الحافظ: كَانَ عنده، عَنْ أَبِيه، عشرة آلاف حديث. قلت: وفاته في ربيع الآخر سنة مائتين. ٣١٣- معروف الكَرْخيّ١. هُوَ زاهد العراق، وشيخ الوقت. أبو محفوظ معروف بْن الفَيْرزان، وقيل ابن فَيْروز، مِن أهل كرْخ بغداد. وقيل: كنيته أبو الحَسَن. وكان أَبُوهُ مِن أعمال واسط مِن الصّابئة. وعن أَبِي عليّ الدّقّاق قَالَ: كَانَ أبواه نَصْرانيّين فاسلماه إلى مؤدّب نَصرانيّ، فكان يَقُولُ لَهُ: قل ثالث ثلاثة، فيقول معروف: بل هُوَ الواحد. فيضربه. فهرب، فكان أبواه يقولان: ليته رجع. ثمّ أسلم أبواه٢. وذكر السُّلَميّ أن معرومًا داود الطّائيّ ولم يصحّ. أَنْبَأَنَا الْمُسْلِمُ بْنُ عِلانَ، وَمُؤَمَّلٌ الْبَالِسِيُّ قَالا: أَنَا الْكِنْدِيُّ، أَنَا الشَّيْبَانِيُّ، أَنَا الْخَطِيبُ، أَنَا ابْنُ رِزْقٍ، ثنا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، أَنَا مَعْرُوفٌ الْكَرْخِيُّ: حَدَّثَنِي الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَوْ أَدْرَكْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مَا سَأَلْتُ اللَّهَ إِلا العفو والعافية٣.

стр. 4456

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ السُّلَمِيُّ، أَنَا الْبَهَاءُ عَبْد الرَّحْمَن بْن إبراهيم، أنا تجنّي الوَهْبانيّة، أنا الحسين بْن طلحة، أَنَا أبو الحَسَن بْن رزقوْية، أَنَا إسماعيل الصَّفّار، نا زكريّا بْن يحيى بْن أسد المَرْوَزِيّ، ثنا معروف الكَرْخيّ قَالَ: قَالَ بَكْر بْن خُنَيْس: إن في جهنم لواديا تتعوذ جهنم من ذَلِكَ الوادي كل يوم سبع مرات. وإنّ في الوادي لَجُبًّا يتعوّذ الوادي وجهنّمُ مِن ذَلِكَ الْجُبّ كلّ يوم سبْع مرّات. وإن في الجب لحية يتعوذ الجب والوادي وجهنم من تِلْكَ الحية كل يوم سبع مرات. يُبدأ بِفَسَقة حَمَلَة القرآن، فيقولون: أيْ ربّ بُديء بنا قبل عَبَدَة الأوثان؟! قِيلَ لهم: لَيْسَ من يعلم كمن لا يعلم. وقد روى معروف عَنْ بَكْر بْن خُنَيْس، وابن السّمّاك شيئًا يسيرًا، وعن: الربيع بْن صُبَيْح. روى عَنْهُ: خَلَف البزّار، وزكريّا بْن يحيى المَرْوَزِيّ، ويحيى بْن أَبِي طَالِب، وغيرهم. وقد ذُكِر معروف عند أحمد بْن حنبل فقالوا: قصير العِلْم. فقال للقائل: أمسِكْ، وهل يُراد مِن العِلْم إلا ما وصل إليه معروف؟. قَالَ إسماعيل بْن شدّاد: قَالَ لنا سُفْيان بْن عُيَيْنَة: ما فعل ذَلِكَ الْحَبْرُ الَّذِي فيكم ببغداد؟. قُلْنَا: مَن هُوَ؟. قَالَ: أبو محفوظ، معروف!. قلنا: بخير. قَالَ: لا يزال أهل تِلْكَ المدينة بخيرٍ ما بقي فيهم. وقال السَّرَّاج، أَنَا أبو بَكْر بْن أَبِي طَالِب قَالَ: دخلت مسجد معروف، فخرج وقال: حيّاكم الله بالسّلام، ونَعِمْنا وإيّاكم بالأحزان. ثمّ أذّن، فارتعد ووقف شِعْره، وانحنى حتّى كاد يسقط.

стр. 4457

وعن معروف قَالَ: إذا أراد الله بعبدٍ شرًا أغلق عَنْهُ باب العمل، وفتح عَليْهِ باب الجدل. وقال جُشَم بْن عيسى: سَمِعْتُ عمّي معروف بْن الفيرُزان يَقُولُ: سَمِعْتُ بَكْر بْن خُنَيْس يَقُولُ: كيف تتّقي وأنت لا تدري ما تتّقي؟ رواها أحمد الدَّوْرقيّ عَنْ معروف قَالَ: ثمّ يَقُولُ معروف: إذا كنت لا تُحسن تتّقي أكلت الرَّبا، ولقيت المرأة فلم تغَضّ طَرْفَك، ووضعت سيفك عَلَى عاتقك، إلى أن قَالَ: ومجلسي هذا ينبغي أن يُتّقى، ومجيئكم معي مِن المسجد ينبغي لنا أن نتّقيه، فإنّه فتنةٌ للمتبوع، وذلةٌ للتابع١. وعن معروف، وبعث إليه رَجُل بعشرة دنانير فلم يأخذها. ومرّ سائل فأعطاها لَهُ. وقيل: كَانَ يبكي ثمّ يَقُولُ: يا نفس كم تبكين، أَخْلِصي تَخْلُصي. وقيل: سأله رَجُل: يا أبا محفوظ كيف تصوم؟ فبقي يغالطه ويقول: صوم نبينا ﷺ كَانَ كذا، وصوم داود كَانَ كذا. فألحّ عَليْهِ فقال: أصبح دهري صائمًا، فمن دعاني أكلت، ولم أقل إنّي صائم. وقيل: قصّ إنسان شاربَ معروف وهو يُسبَّح فقال: كيف أقصّ وأنت تسبّح؟ فقال: أنت تعمل وأنا أعمل. وقال رَجُل: حضرتُ معروفًا، فاغتاب رجلٌ رجلا عنده، فقال: أذكر القُطْن إذا وُضع عَلَى عَيْنَيْك. وعنه قَالَ: ما أكثر الصالحين، وما أقلّ الصّادقين. وعنه قَالَ: مِن كابر الله صَرَعه، ومن نازعه قَمَعه، ومن ماكَرَه خَدَعه، ومن توكَّل عَليْهِ مَنَعه، ومن تواضَعَ لَهُ رَفَعه وعنه: كلام العبد فيما لا يعنيه خِذْلان مِن الله. وقيل جاءه ملهوف وقال: ادع لي أن يرد الله علي كيسي، سرق منه ألف دينار.

стр. 4458

فقال: ماذا أدعو ما زَوَيْتَه عَنْ أنبيائك وأوليائك، فردّه عَليْهِ. وقيل: إنّه أنشد مرّة في السَّحَر: ما يضرّ الذُّنوب لو اعتقتني ... رحمةً لي، فقد علاني المَشِيب١ وعنه قَالَ: مَن لعن إمامَهُ حُرِمَ عَدْلَهُ. وعن محمد بْن منصور الطّوسيّ قَالَ: قعدت مرّة إلى جنب معروف، فلعلّه قَالَ: وَاغَوْثاه بالله عشرة آلاف مرّة. وتلا: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] . وعن ابن شِيرَوَيْه: قلت لمعروف: بلغني أنّك تمشي عَلَى الماء. قَالَ: ما وقع هذا، ولكنْ إذا هَممتُ بالعُبور جُمع لي طرفًا النَّهر فأتخَطَاه. أبو العبّاس بْن مسروق: نا محمد بْن منصور الطّوسيّ قَالَ: كنت عند معروف، ثمّ جئت وفي وجهه أثر. فسأله رجلٌ عَنِ الأثر فقال: سلْ عمّا يعنيك عافاك الله. فألحّ عَليْهِ وأقسم عَليْهِ، فتغيّر ثمّ قَالَ: صلَّيت البارحة هنا، واشتهيت أن أطوف بالبيت، فمضيت إلى مكّة فطفتُ، وجئت لأشرب مِن زمزم، فزلقتُ، فأصاب وجهي هذا٢. وقال ابن مسروق: نا يعقوب ابن أخي معروف قَالَ: قَالُوا لمعروف: استسقِ لنا، وكان يومًا حارًا، فقال: ارفعوا ثيابكم. قَالَ: فما استتمُّوا رفْعَ ثيابهم حتّى مُطِروا. وقد استجاب الله لمعروف في غير ما قضية. وقد أفرد ابن الجوزيّ كتابًا في مناقبه. وقال عُبَيْد بْن محمد الورّاق: مرّ معروف وهو صائم بسقّاء يَقُولُ: رحم الله مِن شرب، فشربَ رجاء الرحمة. وقد حكى السلمي شيئًا منكرًا، وهو أنّ معروفًا كَانَ يحجب عليّ بْن موسى الرّضا، قَالَ: فكسروا ضلْع معروفٍ فمات. فهذا إنْ صحّ، يكون حاجبٌ اسمُهُ باسم معروف.

стр. 4459

وعن إبراهيم الحربيّ قَالَ: قبر معروف التّرياق المجرَّب. يُريد الدّعاء عنده، لأن البقاع المباركة يستجاب فيها الدعاء. كما أن الدعاء في المساجد وفي السَّحَر أفضل. ودعاء المُضطَّر مجابٌ في كلّ مكان. قَالَ محمد بْن عُبَيْد الله بْن المنادي، وثعلب: مات معروف سنة مائتين. وقال عَبْد الرّزّاق بْن منصور: سنة إحدى ومائتين. وشدّ يحيى بْن أَبِي طَالِب فقال: مات سنة أربعٍ ومائتين. وقال أبو بَكْر الخطيب: الصحيح سنة مائتين، ﵀ ورضي عنه. ٣١٤- معمر بن سليمان الرقي١ -د. ت. ن. ق. أبو عبد الله النخعي. عَنْ: خُصَيف، وإسماعيل بْن أَبِي خَالِد، وحَجّاج بْن أرطأة، وزيد بْن حبان الرَّقَّيّ، وطائفة. وعنه: أبو عُبَيْد، وأحمد بْن حنبل، وأبو بَكْر بْن أَبِي شَيبة، وعليّ بْن حُجْر، وَأَبُو سَعِيد الأشجّ، وسَعدان بْن نصر، وجماعة. وثّقه ابن مَعِين. وذكره أحمد فذكر مِن فضله وهيبته. وقال أبو عُبَيْد: كَانَ مِن خير من رَأَيْت. قلت: مات في شَعْبان سنة إحدى وتسعين ومائة. وقع لي مِن عواليه. ٣١٥- معن بْن عيسى بْن يحيى بْن دينار بْن عَبْد الله الأشجعيّ٢ -ع. مولاهم الْمَدَنِيّ القزّاز الحافظ أبو يحيى، أحد الأعلام. كَانَ صاحب حانوت وأُجَراء ينسجون لَهُ الْقَزَّ.

стр. 4460

روى عَنْ: ابن أَبِي ذئب، ومالك، وأُبَيّ بْن عَبَّاس بْن سهل، وأبي الغصن ثابت بْن قيس، وزُهير بْن محمد، وسعيد بْن السّائب الطّائفيّ، وهشام بْن سعْد، ومعاوية بْن صالح، وموسى بْن عليّ، وإبراهيم بن طَهْمان، وطبقتهم. ولزِم مالكًا زمانًا، وكان مِن خيار أصحابه ومتقنيهم ومُفتيهم. روى عَنْهُ: أحمد بْن خالد، وإبراهيم بْن المنذر الحزاميّ، وأبو خَيْثَمَة، وهارون الحمّال، ويونس بْن عَبْد الأعلى، وخلْق سواهم. قَالَ أبو حاتم: هُوَ أوثق أصحاب مالك وأثبتهم. وقال ابن سعْد: كَانَ يعالج القزّ بالمدينة، وله غلمان حاكة. وقيل: كَانَ مالك يتّكيء عَلَى يده في خروجه إلى المسجد، حتّى كان يقال لَهُ: عصا مالك. وقال أبو حاتم أيضا: هو أحب إلي مِن ابن وهْب. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ، وَالْفَتْحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْعَاصِي، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النَّقُّورِ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَرْبِيُّ، نَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الصُّوفِيُّ، نَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، نَا مَعْنٌ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يُصَافِحُ امْرَأَةً قَطُّ"١. أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي كِتَابِ مَالِكٍ مِنْ تَأْلِيفِهِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ مَعِينٍ. فَوَقَعَ لَنَا عَالِيًا جِدًّا. تُوُفّي معن في شوّال سنة ثمانٍ وتسعين ومائة. ٣١٦- المغيرة بن سلمة -م. د. ن. ق. أبو هشام المخزومي البصري٢. عَنْ: أبان العطّار، ونافع بْن عمر، والقاسم بن المفضل الحداني.

стр. 4461

وعنه: إِسْحَاق بْن راهَوَيْه، وإسحاق الكَوْسج، وبُنْدار، وعلي بن المديني، ومحمد بن عبد الله المخرمي. قَالَ ابن المَدِينيّ: ما رَأَيْت قُرَشيًا أفضل منه، ولا أشدّ تَوَاضُعًا. أخبرني بعض جيرانه: كَانَ يصلّي طول اللَّيْلِ، ﵁. قلت: مات سنة مائتين. أرخه البخاري، واستشهد به في "الصحيج". وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة ثبتا. ٣١٧- المفضّل بْن صالح الكوفيّ١. أبو جميلة الدّلال النّخّاس. عَنْ: زياد بْن عِلاقة، وابن المنكدر، وعمرو بْن دينار، وجماعة. وعنه: محمد بْن عُمَر بْن الوليد الكِنْديّ، ومحمد بْن إسماعيل الأحمسيّ، وأحمد بْن بُديل، ومحمد بْن عُبَيْد المُحَاربيّ، وآخرون. وعُمَّر دهرًا. قَالَ الْبُخَارِيُّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: يروي المقلوبات عَنِ الثَّقات حتى يتّهمه القلبُ. وقال التَّرْمِذيّ: لَيْسَ بذاك الحافظ. ٣١٨- منصور بْن عَبْد الحميد بْن راشد٢. أبو رياح. عَنْ: أنس بْن مالك، وابن عمر، وأبي أمامة. وعن: طاووس اليَمَانيّ، وعدّة. حدَّث بمَرْو عَنْهُمْ قُبَيْلَ المائتين.

стр. 4462

وعنه: مُعَاذ بْن أسد، وسلمة بْن سليمان المَرْوَزِيّان، ويحيى بْن خالد البلْخيّ، وعبد الله بْن مُثَنَّى الحلميّ، وغيرهم. لَيْسَ بثقة. وهّاه ابن حِبّان. وقال ابن عساكر في سُباعيّاته: ذكر هبة الله بن فاخر السحزي هذا، وأنّ الرواية لا تحلّ عَنْهُ. ٣١٩- منصور بْن عمّار بْن كثير. أبو السَّريّ السُّلَميّ الخُراساني١. ويُقال إنّه بصْريّ. كَانَ زاهدًا، واعظًا، كبير الشأن. روى عَنْ: اللَّيْثُ، وابن لهيعة، والمنكدر بن محمد، ومعروف الخياط، والهقل بن زياد، وبشير بن طلحة، وآخرين. وعنه: ابناه سليم، وداود، وزهير بن عباد الرؤاسي، ومحمد بن جعفر الأحول، وأحمد بن منيع، وعلي بن خشرم، ومنصور بن الحارث، وعبد الرحمن بن يونس الرقي، وغيرهم. وكان إليه المنتهى في بلاغة الموعظة وتحريك القلوب إلى الله. أقام ببغداد مدة، ووعظ بها وبالشام ومصر. وسار ذكره وبعد صيته. قال أبو حاتم: صاحب مواعظ لَيْسَ بالقويّ. وقال ابن عَدِيّ: مُنْكَر الحديث. وقال الدّارَقُطْنيّ: لَهُ أحاديث لا يُتَابع عليها. قَالَ ابن يونس: قصّ بمصر عَلَى النّاس، وسمعه اللَّيْثُ فأعجبه ووصله بألف دينار. وقد حدّث عَنْهُ أيضًا: يحيى بْن بُكَيْر، وسعيد بْن عُفَير. ما قصّ عَلَى الناس أحدٌ مثله.

стр. 4463

أبو شُعيب الحرّانيّ: نا عليّ بْن خشرم: قَالَ منصور بْن عمّار: لما قدِمتُ مصر كانوا في قَحْط، فلمّا صلّوا الجمعة ضجّوا بالبكاء والدعاء. فحضرتني نيةٌ، فصرت إلى الصح وقلت: يا قوم تقرَّبوا إلى الله بالصَّدَقة، فما تُقرَّب إليه بأفضل منها. ثمّ رميت بكِسائي وَقُلْتُ: الّلهمّ هذا كسائيِ وهو جَهْدي. فتصدّقوا حتى جعلت المرأة تُلقي خُرْصَها، حتى فاض الكِساء مِن أطرافه، ثمّ هطلت السماء ومُطِرنا. فخرج الناس في الطّين والمطر، فَدُفِعَت، يعني الصدقات، إلى الليث وابن لهيعة، فنظرا إلى كثرة المال فقال أحدهما لصاحبه: لا يُحَرَّك. ووكّلوا بِهِ الثَّقات حتى أصبحوا. فرحتُ أَنَا إلى الإسكندريّة، فبينا أَنَا أطوف عَلَى حصنها إلى رجلٌ يرمقني، فقلت: ما لك؟ قَالَ: أنت المتكلّم يوم الجمعة؟ قلت: نعم! قَالَ: إنّك صرت فتنة. قَالُوا: ذاك الخَضِر دعا، فاستُجيب لَهُ. قلت: بل أَنَا العبد الخاطئ. فقدِمتُ مصر، فلقيت اللَّيْثُ فلمّا نظر إلى قَالَ: أنت المتكلّم يوم الجمعة؟ قلت: نعم!. فأقطعني خمسة عشر فَدَّانًا، وصرت إلى ابن لهيعة فأقطعني خمسة فدادين١. عليّ بْن خَشْرم: نا منصور ح وأبو داود، عَنْ قُتَيْبة، عَنْ منصور قَالَ: قدِمت مصر وبها قحط، فتكلّمتُ، فبذلوا صدقات كثيرة. فأُتيّ بي إلى اللَّيْثُ فقال: ما حملك على أن تكلّمت ببلدنا بغير أمرنا. قلتُ: أصلحك الله، أعرضُ عليك، فإن كَانَ مكروهًا نهيتني. قَالَ: تكلّم. فتكلَّمت، فقال: قم، لا يحلّ أن أسمع هذا وحدي. قَالَ: وأخرج إليّ بعد هذا حلية قيمتها ثلاثمائة دينار. ثمّ لمّا خرج النّاس ناولني كيسًا فيه ألف دينار، وقال: لا تُعْلِم بِهِ ابني فتهون عَليْهِ٢. وقال أبو حاتم: نا سُلَيْم بْن منصور، نا أَبِي قَالَ: أعطاني اللَّيْثُ ألف دينار. قَالَ عليّ بْن خَشْرَم: سمعت منصورًا يَقُولُ: المتكلّمون ثلاثة: الحَسَن البصْريّ، وعمر بْن عَبْد العزيز، وعون بْن عَبْد الله. قلت: فأنت الرابع.

стр. 4464

وقيل: إنّ الرشيد لمّا سَمِعَ وعظه قَالَ: مِن أَيْنَ تعلّمت هذا؟ قَالَ: تَفَلَ في فيَّ النَّبِيَّ ﷺ فِي النَّوْمِ وقال: "يا منصور قُلْ"١. السَّرَّاج: نا أحمد بن موسى الأنصاري قَالَ: قَالَ منصور بْن عمّار: حججتُ فَبِتّ بالكوفة، فخرجت في الظَّلْماء فإذا بصارخٍ يَقُولُ: إلهي وعزّتك ما أردتُ بمعصيتي مخالفتك، ولقد عصيتك وما أَنَا بنَكالِك جاهل، ولكنْ خطيئة عرضت أعانني عليها شقائي، وغرّني سَتْرُك، والآن مِن ينقذني؟ فتلوت هذه الآية ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] فسمعت دكدكةً، فلمّا كَانَ مِن الغد مررتُ هناك، فإذا بجنازةٍ، وإذا عجوز تَقُولُ: مرّ البارحة رجلٌ فَتَلا آية، فتفطّرت مرارته، فوقع مَيْتًا٢. قَالَ أبو بَكْر، وعثمان ابنا أبي شَيبة: كنا عند ابن عُيَيْنَة فجاء منصور بْن عمار فسأله عَنِ القرآن، فزبره وأشار بالعكاز إليه. وانتهره. فقيل: يا أبا محمد إنّه عابد. قَالَ: ما أرى إلا شيطانًا. قَالَ منصور: دخلت عَلَى سُفْيان بْن عُيَيْنَة، فحدَّثني ووعظته، فلمّا أثارت الأحزان دموعه رفع رأسه وردها في عينيه، فقلت: هلا أسبلتها إسبالا، وتركتها تجري سجالا. قَالَ: إنّ الدمعة إذا بقيت كَانَ أبقى للحزن في الجوف. قَالَ سُلَيْم بْن منصور: كتب بِشْر المريْسي إلى أَبِي: أخبرني عَنِ القرآن. فكتب إليه: عافانا الله وإيّاك، وجعلنا مِن أهل السُّنَّةِ، فإن يفعل فأعظم بها منّه، وإلا فهي الهلكة. نَحْنُ نرى أنّ الكلام في القرآن بدعة تشارك فيها السّائل والمجيب. تعاطى السائل ما ليس له، وتكلف المجيب ما لَيْسَ عَليْهِ. وما أعرفُ خالقًا إلا الله، وما دونه مخلوق، والقرآن كلام الله. فانْتَهِ بنفسك وبالمختلفين فيه معك إلى أسمائه الّتي سمّاه الله بها، ولا تُسَمَّ القرآن باسمٍ مِن عندك، فتكون مِن الضّالّين٣. رواها أبو الحسن الميمونيّ، وغيره، عَنْ سُلَيْم.

стр. 4465

أبو عليّ الكوكبيّ: نا حريز بْن أحمد بْن أَبِي داود: حدَّثني سلمويه بْن عاصم قَالَ: كتب بِشْر إلى منصور بْن عمار يسأله عَنْ قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] كَيْفَ اسْتَوَى؟. فكتب إليه: استواؤه غير محدود، والجواب فيه تكلف، مساءلتك عَنْهُ بدعة، والإيمان بجملة ذَلِكَ واجب. عَنْ عَبْدَك العابد قَالَ: قِيلَ لمنصور بْن عمّار: تتكلّم بهذا الكلام، ونرى منك أشياء؟ قَالَ: احسبوني دُرّة وجدتموها عَلَى كناسة. وعن بِشْر الحافي أنّه كتب إلى منصور بْن عمّار أنِ اكتب إليَّ بما منَّ الله علينا. فكتب إليه: يا أخي، قد أصبحنا في نعمٍ لا نُحصيها في كثرة ما نعصي. فلا أدري كيف أشكره بجميل ما نَشَرَ، أو قبيح ما سَتَر. قلت: ساق ابن عَدِيّ لمنصور تسعة أحاديث منكرة. وَرُوِيَ أنّه رُئي بعد موته فَقِيلَ: ما فعل اللَّه بك؟. قَالَ: غُفِر لي وقال: يا منصور قد غفرتُ لك عَلَى تخليطك، إلا أنّك تحوش١ الناس إلى ذكري٢. وقيل هذا لأبي العتاهية: إنّ يومَ الحسابِ يومٌ عسيرٌ ... لَيْسَ للظّالمين فيه مجير فاتّخذ عدّةً لمطلع القبـ ... ـر وَهَوْلِ الصَّراط يا منصور٣ ٣٢٠- منصور بن وردان الأسدي الكوفي٤. عَنْ: أبان بْن تَغْلِب، وعليّ بْن عَبْد الأعلى الثعلبي.

стр. 4466

وعنه: أحمد بْن حنبل، وعليّ بْن محمد الطّنافسيّ، وابن نُمَير، والحسن بْن محمد الزَّعْفرانيّ. وثقه أحمد. وله سَمِيّ في طبقة منصور بْن المعتمر. وقال بعض الحُفَّاظ: إنّ صاحب الترجمة لا يُحْتَجّ بِهِ، بل هُوَ صُوَيْلح. ٣٢١- مؤرَّجُ بْن عَمْرو السَّدُوسيّ البصْريّ النَّحْويّ١. أبو فَيْد، أحد أئمّة العربية واللُّغة. أخذ عَنْ: أَبِي عَمْرو بْن العلاء، وشُعْبَة، والخليل بْن أحمد. وسكن نَيْسابور وبثّ بها علومه، وأخذ عَنْهُ أهلُها، وصنّف غريب القرآن. أخذ عَنْ: أحمد بْن خَالِد الذُّهْليّ، وخليل بْن أسد، وغيرهما. وكان يَقُولُ: اسمي وكنيتي غريبان. تَقُولُ العرب: أرّتّ بين القوم، إذا حَرّشت بينهم. والفَيْد وَرْدُ الزَّعْفران، وفاد الرجل فَيْدًا: مات. تُوُفّي أبو فَيْد سنة خمسٍ وتسعين ومائة. ٣٢٢- موسى بْن إبراهيم بْن كثير الأنصاريّ الحزامي المدني٢ -ت. ق. عَنْ: طلحة بن خِراش، ويحيى بْن عَبْد الله بْن أبي قَتَادة. وعنه: إبراهيم بْن المنذر الحَزاميّ، وعَبده بْن عَبْد اللَّه الصَّفّار، وعلي بْن المَدِينيّ، ودُحَيْم، ويحيى بْن حبيب بْن عربيّ. صدوق، مُقِلّ. ٣٢٣- موسى بن طارق -ن. أبو قرة الزبيدي٣، قاضي زبيد وعالمها.

стр. 4467

روى عَنْ: عُبَيْد الله بْن عُمَير، وموسى بْن عُقْبة، وابن جُرَيج، وأيمن بن نابل، وأخذ القراءة عن: نافع بن أبي نعيم. وصنّف السُّنَن. روى عَنْهُ: أحمد، وإسحاق، وصامت بْن مُعَاذ، وأبو جُمّة محمد بْن يوسف الزُّبَيْديّ. قَالَ أبو حاتم: محلُّه الصَّدْق. ٣٢٤- موسى بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب. أبو الحَسَن الهاشميّ العلويّ المدنيّ١. أخو محمد وإبراهيم اللّذين حاربا المنصور. روى عن: أبيه. وعنه: عَبْد العزيز الدَّرَاوَرْديّ مَعَ تقدُّمه، ومروان بْن محمد الطَّاطَريّ، وإبراهيم بْن عَبْد الله الهَرَويّ، وَسَلَمَةُ بْن بِشْر، وولده عَبْد الله بْن موسى. اختفى مدّةً بالبصْرة بعد قتل أخَوَيه، ثمّ أُخِذَ فَحُمِلَ إلى المنصور، فضربه سبعين سَوْطًا، ثمّ عفا عَنْهُ. قَالَ أبو بَكْر الخطيب: روى شيئًا كثيرًا عَنْ أبيه. وقال يحيى بْن مَعِين: قد رَأَيْته وهو ثقة. وقال الْبُخَارِيّ: فيه نظر. وقيل: إنّه امتنع مِن التحديث، وله شِعْر حسنٌ سائر. ٣٢٥- موسى بْن يحيى بْن خَالِد بْن بَرْمَك٢. مِن كبار أمراء الدّولة، ولاه الرشيد إمرة الشام في أيام فتنة أَبِي الهيذام، فقدِم وأصلح بين القيسية واليمانية.

стр. 4468

وكان شابًا شجاعًا كافيًا ذا دَهاء ورأي. عزم المأمون أن يولّيه ثغر السَّند لشجاعته. حكى عَنْهُ: ابنه هارون، والأصمعيّ، وعليّ بْن المَدِينيّ. ولا أعلم مَتَى تُوُفّي. ٣٢٦- مؤمّل بْن عبد الرَّحْمَن بْن العبّاس البصْريّ١. أبو العبّاس. حدَّث بمصر عَنْ: حُمَيْد الطّويل، وعَوْن، وابن عَجْلان، وأبي أُمَيَّة بْن يَعْلَى. وعنه: أبو يحيي الوتّار، وعبد الغني بْن عبد العزيز العسّال، وعمرو بْن سَوّار، ومحمد بْن عَبْد الله بْن ميمون، وآخرون. عِداده في الضًّعفاء. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: ضَعِيفٌ. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: عامّة حديثه غير محفوظ. ٣٢٧- مَيْسَرةُ بنُ عَبْد ربّه التُّسْتَرِيّ٢. عَنْ: سُفْيان الثَّوْريّ، وموسى بْن عُبَيْدة، وابن جُرَيج. وعنه: يحيى بْن يزيد الخوّاص، وعمر بْن مطر السَّكسكيّ. قَالَ الْبُخَارِيّ: يُرمى بالكِذب. وقال النَّسَائيّ: متروك الحديث قلت: هُوَ واضع كتاب العقل، وقد تقدّم ذِكره أيضًا. "حرف النون": ٣٢٨- نَصْر بْن باب. أبو سهل الخراساني٣.

стр. 4469

سَمِعَ: أبا إِسْحَاق السَّبِيعيّ، وإسماعيل بْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَدَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ. وعنه: عليّ بْن المَدِينيّ، وأحْمَد بْن حنبل، ومحمد بْن رافع، ومحمد بْن يزيد السُّلَميّ، وعليّ بْن سَلَمَةَ، وأهل نَيْسابور. وثّقه أحمد. وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقَالَ ابْنُ حِبّان: لا يُحْتَجّ بِهِ. وقال الْبُخَارِيّ: يرمونه بالكذب. وقال غير واحد: متروك. ٣٢٩- النضر بن كثير -د. ن. أبو سهل البصري العابد١. عَنْ: عَبْد الله بْن طاوس، وداود بْن أَبِي هند، ويحيى بْن سَعِيد، وجماعة. وعنه: أحمد بْن حنبل، وعُقبة بْن مُكْرَم، وأحمد بْن إبراهيم الدَّوْرقيّ، وعمر بْن شَبَّه. وقال الفلاس: كَانَ يُعَدّ مِن الأبدال. وقال أحْمَد: ضعيف الحديث. وقال الْبُخَارِيّ: عنده مناكير. "حرف الهاء": ٣٣٠- هارون بْن أَبِي عيسى٢ -ن. روى السّيرة النَّبويَّة عَنِ ابن إسحاق. قَالَ الْبُخَارِيّ: يخطئ عَنْ غير ابن إسحاق. قلت: حدَّث عَنْهُ ابنه عَبْد الله، وَمُعَلَّى بْن أسد.

стр. 4470

٣٣١- هارون الرشيد١. أمير المؤمنين أبو جعفر بْن محمد المهديّ بن المنصور أَبِي جعفر عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عبد الله بْن عباس العبّاسيّ البغداديّ. استُخْلِف بعهدٍ مِن أبيه سنة سبعين ومائة عند موت أخيه الهادي. حدَّث عَنْ: أَبِيهِ، وجدّه المنصور، ومبارك بن فضالة. روى عنه: ابنه المأمون، وغيره. وكان من أميز الخلفاء، وأجل ملوك الدنيا. وكان كثير الغزو والحج كما قيل فيه: فمن يطلب لقاك أو يرده ... فبالحرمين أو أقصى الثغور مولده بالري حين كان أبوه أميرا عليها وعلى خراسان، في سنة ثمانٍ وأربعين ومائة. وأمه أُمّ ولد اسمها الخَيْزُران. وكان أبيض طويلا جميلا مليحًا، مُسمَّنًا، فصيحًا، لَهُ نظر في العِلْم والآداب، وقد وَخَطَه الشَّيْب. أغزاه والده أرضَ الروم وهو ابن خمس عشرة سنة. وبلغني أنّه كَانَ يصلّي في خلافته في اليوم مائة ركعة إلى أن مات. ويتصدّق كلَّ يوم مِن صُلْب ماله بألف درهم، فالله أعلم. وكان يحبّ العِلْم وأهله، ويُعظَّم حُرُمات الإسلام، ويبغض المِراء في الدّين، والكلام في معارضة النَّصّ. وكان يبكي عَلَى نفسه وعلى إسرافه وذنوبه، سيّما إذا وُعِظ. وكان يحبّ المديح ويُجيز عَليْهِ الأموال الجزيلة الجليلة. وله: شعرٌ يروق. دخل عَليْهِ مرّةً ابن السّمّاك الواعظ، فبالَغَ في احترامه، فقال لَهُ ابن السّمّاك: تواضُعك في شرفك أشرفُ مِن شَرَفك. ثمّ وعظه فأبكاه.

стр. 4471

وقد وعظه الفُضَيْل بْن عياض حتى جعل يشهق بالبكاء. وكان هُوَ أتى بنفسه إلى بيت الفُضَيْل. ومن محاسنه أنّه لمّا بلغه موتُ ابن المبارك جلس للعزاء، وأمر الأعيان أن يُعَزُّوه في ابن المبارك. قَالَ نِفْطَوَيْه في تاريخه: حكى بعض أصحاب الرّشيد أنّ الرشيد كَانَ يصلّي في اليوم مائة ركعة، لم يتركها إلا لِعلّة. وكان يقتفي آثار جدّه أَبِي جعفر، إلا في الحرْص وَالْبُخْلِ. قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ: مَا ذَكَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ بَيْنَ يَدَيِ الرَّشِيدِ إِلا قَالَ: صَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِي. وَحَدَّثْتُهُ بِحَدِيثِهِ ﷺ : وَدِدْتُ أَنِّي أُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ ثُمَّ أَحْيَى ثُمَّ أُقْتَلُ، فَبَكَى حَتَّى انْتَحَبَ١. وعن خُرَّزاذ القائد قَالَ: كنت عند الرشيد، فدخل أبو معاوية الضّرير، وعنده رَجُل مِن وجوه قريش، فذكر أبو معاوية حديث: "احتجّ آدمُ وموسى" ٢، فقال الْقُرَشِيّ: فأين لِقيه؟ فغضب الرشيد وقال: النَّطْع والسيّف، زنديق يطعن في حديث النَّبِيّ ﷺ . فما زال أبو معاوية يُسَكَّنه ويقول: يا أمير المؤمنين كانت منه بادرة، حتّى سكن٣. وعن أَبِي معاوية قَالَ: أكلت مَعَ الرشيد يومًا، ثمّ صَبَّ عَلَى يديّ رجلٌ لا أعرفه. ثمّ قَالَ الرشيد: تدري مِن يصبّ عليك؟ قلت: لا!. قَالَ: أَنَا، إجلالا للعِلم. وقال منصور بْن عمّار: ما رَأَيْت أغزر دمعًا عَنِ الذّكِر مِن ثلاثة: الفُضَيْل بْن عِياض، والرشيد، وآخر. وقال عُبَيْد الله القَواريريّ: لمّا لقي الرشيد فضيلا قَالَ لَهُ: يا حَسَن الوجه، أنت المسؤول عن هذه الأمة.

стр. 4472

ثنا ليث، عَنْ مجاهد: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٩٩] قَالَ: الْوُصَلُ التي كانت بينهم في الدنيا. فجعل هارون يبكي ويشهق. قَالَ الأصمعيّ: قَالَ لي الرشيد: يا أصمعيّ، ما أغفلك عنّا، وأجفاك لنا؟ قلت: والله يا أمير المؤمنين، ما ألاقَتْني بلادٌ بعدك حتّى أتيتك. فسكتَ، فلمّا تفرّق الناسُ قَالَ: اجلس، فلم يبق سوى الغِلمان، ما ألاقتني؟. فقال الأصمعيّ: كفاك كفّ ما تُليق بدرهم ... جودًا وأخرى تُعْطِ بالسّيف الدّما فقال: أحسنتَ، وهكذا فكنْ، وقَّرْنا في المَلأ، وعَلَّمْنا في الخلاء. وأمر لي، بخمسة آلاف دينار. رواها أبو حاتم عَنْهُ. قَالَ الثعالبيّ في كتاب لطائف المعارف: قَالَ الصُّوليّ: خَلَف الرشيد مائة ألف ألف دينار. قَالَ الثعالبيّ: وحكى غيره أنّ الرشيد خَلَف مِن الأثاث والعَين والوَرِق والجواهر والدّوابّ ما قيمته مائة ألف ألف دينار وخمسة وعشرون ألف دينار. وفي مروج المسعوديّ قَالَ: رام الرشيد أن يوصل ما بين بحر الروم وبحر القُلْزُم ممّا يلي الفَرَما، فقال لَهُ يحيى بْن خَالِد البرمكيّ: كَانَ يختطف الرومُ الناسَ مِن المسجد الحرام وتدخل مراكبهم إلى الحجاز، فتركه. وَرُوِيَ عَنْ إسحاق المَوْصِليّ أنّ الرشيد أجازه مرّة بمائتي ألف درهم. وعن العبّاس بْن الأحنف أنّ الرشيد قَالَ في خطية لَهُ مِن أشعاره: أَمَا يَكْفِيكِ أَنَّكِ تَمْلِكِينِي ... وَأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ عَبِيدِي وَأَنَّكِ لَوْ قَطَعْتِ يَدِي وَرِجْلِي ... لَقُلْتُ مِن الهوى أحسنت زِيدي١ قَالَ عَبْد الرّزّاق بْن همّام: كنتُ مَعَ الفُضَيْل بمكّة، فمرّ هارون، فقال فُضَيْل: النّاسُ يكرهون هذا، وما في الأرض أعزّ عليّ منه، لو مات لرأيت أمورًا عظامًا. قَالَ الجاحظ: اجتمع للرشيد ما لم يجتمع لغيره: وزراؤه البرامكة، وقاضيه أبو

стр. 4473

يوسف، وشاعره مروان بْن أَبِي حفصة، ونديمه العبّاس بْن محمد عمّ أَبِيهِ، وحاجبه الفضل بْن الربيع أَتْيَه الناسِ وأعظمهم، ومغّنيه إبراهيم المَوْصِليّ، وزوجته زُبَيدة١. ويُروَى أنّ الرشيد أعطى سُفْيان بْن عُيَيْنَة مرّة مائة ألف. وأخبارُ الرشيد يطول شرحها. ومحاسنها جَمَّة، وله أخبار في الّلهْو واللَّذّات المحظورة والغناء، والله يسامحه. قَالَ أبو محمد بْن حزم: أُراه كَانَ لا يشرب النّبيذ المختلف فيه إلا الخمر المتَّفق عَلَى تحريمها، ثمّ جاهر بها جهارًا قبيحًا. قلت: تُوُفّي في الغزو بمدينة طُوس مِن خُراسان في ثالث شهر جُمَادَى الآخرة سنة ثلاثٍ وتسعين ومائة، وصلّي عَليْهِ ابنه صالح، ودُفِن بطوس، ﵀. عاش خمسًا وأربعين سنة. ٣٣٢- هاشم بْن أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن الْقُرَشِيّ التَّيْميّ البكْريّ٢. أبو بَكْر المدنيّ الفقيه. وُلّي قضاء مصر، فقدِمَها بعد انفصال العُمريّ عَنْهَا. ولاه الأمين في سنة أربع وتسعين ومائة. وكان قد تفقَّه بالكوفة عَلَى مذهب أَبِي حنيفة، وكان يتناول النّبيذ ولم تطل ولايته. ومات في المحرَّم سنة ستٍ وتسعين ومائة. ٣٣٣- هاشم بْن القاسم التَّيْميّ الكوفيّ٣. روى عَنِ: الأعمش. وعنه: حُمَيْد بْن الربيع، والعباس بن يزيد البحراني.

стр. 4474

٣٣٤- هُذَيْلُ بْن ميمون الْجُعْفيّ الكوفيّ١. عَنْ: يحيى بْن أبي أنيسه، ومطرح الشّاميّ. وعنه: محمد بْن الصّبّاح الجرجرائيّ، وأحمد بْن حنبل. ٣٣٥- هشام بْن سليمان بْن عِكرمة بْن خَالِد المخزوميّ الْمَكَّيّ -م. ق. عَنْ: هشام بْن عُرْوة، وابن جُرَيج، ويونس بْن يزيد الأَيْليّ. وعنه: إبراهيم بْن المنذر، وسعيد بْن عَبْد الرَّحْمَن المخزومي، وسُوَيد بْن سَعِيد، ومحمد العَدَنيّ. صَدْوق فيه أدنى شيء، وله أثر في البيوع مِن الْبُخَارِيّ. ٣٣٦- هشام بْن عَبْد الله بْن عِكْرمة بْن خالد المخزوميّ الْمَكَّيّ١. ابن عم الَّذِي قبله من نبلاء الشرفاء. صحب هشام بن عُرْوَة، وَكَانَ من خاصته، فأكثر عَنْهُ، إلا أَنَّهُ لم يحدث. وَكَانَ جليل القدر يحتسب، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر. ذكر هَذَا ابن سَعْد، ثُمَّ قَالَ: دخل على الرشيد، فدعا لَهُ، -وكلمه بكلامٍ أعجبه، ووعظه، فولاه قضاء المدينة، وأجازه بأربعة آلاف دينار. وَكَانَ سخيا، وصولا لرحمه. قُلْتُ: كنيته أَبُو الوليد. وقد غمزه ابن حبان لأجل الحديث الذي أخبرناه أحمد بن محمد الْحَافِظُ، وَجَمَاعَةٌ قَالُوا: أَنَا أَبُو الْمُنَجَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. ح، وَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُؤَيَّدِ، أَنَا زَكَرِيَّا الْعُلِيُّ قَالا: أَنَا أَبُو الْوَقْتِ، أَنَا يُبْنَى الْهَرْثَمِيَّةُ، أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، ثَنَا الْبَغَوِيُّ، نا مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِمْلاءً سَنَةَ ثمانٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ: حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ

стр. 4475

عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْتَمِسُوا الرِّزْقَ فِي خَبَايَا الأَرْضِ"١. هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، تَفَرَّدَ بِهِ مُصْعَبٌ، عَنْ هِشَامٍ. قَالَ عَبْد الملك بن حبيب الفقيه: قَالَ لي مُطَرِّف بن عَبْد الله: أتى هشام بن عَبْد الله وَهُوَ قاضي المدينة، ومن صالح قضاتها برجلٍ خبيثٍ معروف باتباع الصبيان، قد لصق بصبي في زحمةٍ حَتَّى أفضى. فجلده أربعمائة سوط وسجنه، فما لبث أن مات. ٣٣٧- هشام بن يوسف الصنعاني الفقيه٢ -خ. ٤. أبو عبد الرحمن قاضي صنعاء وعالمها. روى عَنْ: ابن جُرَيج، ومَعْمَر، والثَّوْريّ، والقاسم بْن فياض، وجماعة. وعنه: ابن المَدِينيّ، وإبراهيم بْن موسى الفرّاء، وإسحاق بْن راهَوَيْه، وابن مَعِين، وعبد الله بْن محمد المُسنْديّ، وجماعة. قَالَ ابن مَعِين: هُوَ أثبت من عبد الرزاق في ابن جُرَيج. وقال أبو حاتم: ثقة متقنّ. وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ بعض أصحابنا قَالَ مرةً: قَالَ يحيى بْن مَعِين: كتب لي عَبْد الرّزّاق إلى هشام قَالَ: إنّك تأتي رجلا إنّ كَانَ غيّره السلطان، فإنّه لم يغيّر حديثه. وقال يحيى: مكثنا عَلَى باب هشام بْن يوسف خمسين يومًا، لا يحدّثنا بحديث، نذهب معه إلى باب الأمير. وقال أحمد: سَمِعْتُ عَبْد الرّزّاق قَالَ: أتاه، يعني يحيى، فأجزره شاةً، وفعل به وفعل. قال أحمد: هشام ألأم مِن أن يُذْبَح لَهُ. قلت: توفي سنة سبعٍ وتسعين ومائة.

стр. 4476

قَالَ إبراهيم بْن موسى الفرّاء: سَمِعْتُ هشام بْن يوسف يَقُولُ: قدِم الثَّوْريّ اليمنَ، فقال: اطلبوا لي كاتبًا سريع الخطّ. فارتادوني، فكنت أكتب. قَالَ أبو زُرْعة: هشام أصحّ اليَمانيّين كتابًا. وقال عبد الرّزّاق: إنْ حدّثكم القاضي فلا عليكم أن لا تكتبوا عَنْ غيره. ٣٣٨- الهيثم بْن مروان العَنْسيّ١. أبو الحَكَم الدّمشقيّ. عَنْ: يونس بْن مَيْسَرة. وعنه: هشام بْن عمّار، ومحمود بْن خَالِد، وأبو همام السكوني، وجماعة. وعمر دهرًا، لم أرد لأحدٍ فيه كلامًا. محلُّه الصَّدْق. مات سنة تسعٍ وتسعين ومائة. "حرف الواو": ٣٣٩- والبة بْن الحُباب. أبو أسامة الكوفيّ٢. شاعر مشهور، مُحِسن النَّعْت للغزل والخمر عَلَى منهاج الشُّعَراء. وكان بينه وبين أَبِي العَتَاهية مُهَاجاة. وكان أبو نُواس يُثْني عَلَى شِعْره. ولما مات والبة رثاه أبو نُواس. ٣٤٠- وَرْش المقرئ٣. عثمان بْن سَعِيد بْن عَبْد الله بْن عَمْرو بْن سليمان.

стр. 4477

وقيل: عثمان بْن سَعِيد بْن عَدِيّ بْن غَزْوان بْن داود بْن سابق القبطيّ الْمَصْرِيّ المقرئ. إمام القراء أبو سعيد، ويقال: أو عمرو، ويقال: أبو القاسم. أصله مِن القَيْروان، وعِدادُه في مَوَالِي آل الزُّبَيْر بْن العوّام. ويقال لَهُ الرّآس. وشيخه نافع هُوَ الَّذِي لقّبه بِورْش لشدّة بياضه. والوَرْش: شيء يُصنع مِن اللَّبن. وقيل: بل لقبه وَرْشان، باسم طائر معروف. فكان يُعجبه هذا الَّلقب ويقول: أستاذي نافع سمّاني بِهِ. ويفتخر بذلك. وكان في حداثته رأسًا في ما قِيلَ، ثمّ اشتغل وبرع في التلاوة، وانتهت إليه رئاسة الإقراء بالدّيار المصرية. وكان بصيرًا بالعربية. وكان أبيض أشقر أزرق، سمينًا مربوعًا، يلبس ثيابًا، قصارًا. مولده سنة عشر ومائة، وكذا أرّخه الأهوازي. وكانت قراءته عَلَى نافع في سنة خمسٍ وخمسين ومائة. قَالَ أبو عَمْرو الدّانيّ: تلا عَلَى نافع ختْمات كثيرة، ثمّ رجع إلى مصر. قلتُ: قرأ عَليْهِ: أبو يعقوب الأزرق، وأحمد بْن صالح، وداود بْن أَبِي طيْبة، وأبو الأزهر عبد الصمد بْن عَبْد الرَّحْمَن العتَقيّ، ويونس بْن عَبْد الأعلى، وطائفة سواهم. وقد وقع لي إسناد القرآن العظيم مِن طريقه في غاية العُلُوّ: تلوتُ كتابَ الله عَلَى سُحْنُون الفقيه، عَنْ قراءته عَلَى ابن الصَّفْراويّ، عَنِ ابن عطية، عَنِ ابن الفحّام، عَنِ ابن نفيس، عَنْ أَبِي عَدِيّ، عَنْ أَبِي بَكْر بْن سيف، عَنِ الأزرق، عَنْ وَرْش، عَنْ نافع، عَنْ خمسةٍ مِن أصحاب أُبيّ بْن كعب، وزيد، عَنِ النَّبِيّ ﷺ . وقد استوفيت أخبار وَرْش في "طبقات القرّاء". وهو ثَبْت حُجّة في القراءة. مات بمصر في سنة وتسعين ومائة؛ ولا أعلمه روى حديثًا.

стр. 4478

٣٤١- وكيع بن الجراح بن مليح١ -ع. الإمام أبو سفيان الرؤاسي الأعور الكوفي. أحد الأعلام. ورُؤاس بطنٌ مِن قيس عَيْلان. ولد سنة تسعِ وعشرين ومائة، وأصله مِن خُراسان. سَمِعَ مِن: الأعمش، وهشام بْن عُرْوة، وإسماعيل بْن أَبِي خَالِد، وابن عَوْن، وابن جُرَيج، وداود بْن يزيد الأوْديّ، وأسود بْن شيبان، ويونس بن أبي إسحاق، وهشام بْن الغاز، والأوزاعي، وشُعْبَة، والثَّوْريّ، وإسرائيل، وجعفر بن برقان، وحنظلة بْن أَبِي سُفيان، وزكريا بْن أَبِي زائدة، وطلحة بْن عَمْرو الْمَكَّيّ، وطلحة بْن يحيى التَّيْميّ، وفضيل بْن غزوان، وموسى بْن عليّ، وهشام الدَّسْتُوائيّ، وأبي جِناب الكلبيّ، وخلْق. وعنه: ابن المبارك وهو أكبر منه، وعبد الرَّحْمَن بْن مهديّ، ويحيى بْن آدم، والحُمَيْديّ، ومُسددَّ، وأحمد بْن حنبل، وإسحاق، وابن المَدِينيّ، وابن مَعِين، وأبو خَيْثَمَة، وابنا أَبِي شَيبة، وأبو كُرَيْب، وعبد الله بْن هاشم الطّوسيّ، وإبراهيم بْن عَبْد الله القصّار، وأُمَم سواهم. وكان رأسًا في العِلْم والعمل. وكان أَبُوهُ الجرّاح بن مليح بن عدي بن فرس بن جُمجمة ناظرًا عَلَى بيت المال بالكوفة. وقد أراد الرشيد أن يُوليّ وكيعًا القضاءَ فامتنع. قال يحيى بن يمان: لما مات الثوري، جلس وكيع موضعه. قال القعنبي: كنا عند حماد بن زيد، فلما خرج وكيع قَالُوا: هذا راوية سُفْيان. فقال حمّاد: إنّ شئتم قلت: أرجح مِن سُفْيان. وعن يحيى بْن أيّوب المَقَابِريّ قَالَ: ورث وكيع مِن أمّه مائة ألف درهم. وقال الفضل بْن محمد الشّعرانيّ: سَمِعْتُ يحيى بْن أكثم يَقُولُ: صحِبْت وكيعًا في الحَضَر والسَّفَر، وكان يصوم الدَّهر، ويختم القرآن كل ليلة.

стр. 4479

قَالَ يحيى بْن مَعِين: وكيع في زمانه كالأوزاعي في زمانه. وقال أحمد بْن حنبل: ما رَأَيْت أوعى للعِلم ولا أحفظ مِن وكيع. وقال أحمد بْن سهل بْن بحر النَّيْسابوريّ الحافظ: دخلت عَلَى أحمد بْن حنبل بعد المحنة، فسمعته يَقُولُ: كَانَ وكيع إمام المسلمين في وقته. وروى نوح بْن حبيب، عَنْ عَبْد الرّزّاق قال: رأيت الثوري ومَعْمَرا ومالكًا، فما رأت عيناي مثل وكيع قط. وقال ابن معين: ما رأيت أفضل من وكيع. كان يحفظ حديثه، ويقوم الليل، ويسرد الصوم، ويفتي بقول أبي حنيفة. وكان يحيى القطان يفتي بقول أبي حنيفة أيضًا. وقال قتيبة: سَمِعْتُ جريرًا يَقُولُ: جاءني ابن المبارك. فقلت: مِن رَجُل الكوفة اليوم؟ فسكت عنّي ثمّ قَالَ: رَجُل المصْرَين ابن الجرّاح، يعني وكيعًا. قَالَ سَلْم بْن جُنادة: جالستُ وكيعًا سبْعٍ سنين، فما رَأَيْته بَزَق، ولا مسّ حَصاةً، ولا جلس مجلسًا فتحرّك. ولا رَأَيْته إلا استقبل القِبلة، وما رَأَيْته يحلف بالله. وقد روى غير واحدٍ أنّ وكيعًا كَانَ يترخّص في شُرب النَّبيذ. قَالَ إسحاق بْن بُهْلُولٍ الحافظ: قِدم علينا وكيع، يعني الأنبارَ، فنزل في المسجد عَلَى الفُرات. فصِرت إِليْهِ لأسمع منه. فطلب منّي نبيذًا، فجئته بِهِ، فأقبل يشرب وأنا أقرأ عَليْهِ. فلمّا نفذ أطفأ السراج، فقلت: ما هذا؟. قال: لو زدتنا لزدناك!. وقال أبو سَعِيد الأشجّ: كنّا عند وكيع، فجاءه رَجُل يدعوه، إلى عُرْسٍ فقال: أثَمَّ نبيذ؟ قَالَ: لا! قَالَ: لا نحضُر عرسًا لَيْسَ فيه نبيذ. قَالَ: فإنيّ آتيكم بِهِ. فقام. قَالَ ابن مَعِين: سال رَجُل وكيعًا أنّه شربَ نبيذًا، فرأى في النّوم كأن رجلا يقول

стр. 4480

له: إنّك شربت خمرًا. فقال وكيع: ذاك الشيطان١. وقال نُعَيْم بْن حمّاد: سمعتُ وكيعًا يَقُولُ: هُوَ عندي أحلّ مِن ماء الفُرات. ويُروى عَنْ وكيع أنّ رجلا أغلظ لَهُ، فدخل بيتًا فعقر وجهه ثمّ خرج إلى الرجل وقال: زد وكيعًا بذنْبه. فلولاه ما سُلَّطت عَليْهِ. وقال إبراهيم بْن شِمَاس: لو تمنّيت كنت أتمني عقل ابن المبارك وورعه، وزُهد فُضَيْل ورِقَّته، وعِبادة وكيع وحِفظه، وخشوع عيسى بْن يونس، وصبر حُسين الْجُعْفيّ. وقال نصر بْن المغيرة البخاريّ: سَمِعْتُ إبراهيم بْن شِماس يَقُولُ: رَأَيْت أفقه الناس وكيعًا، وأحفظ الناس ابن المبارك، وأورع الناس فُضَيْل بْن عِياض. وقال مروان بن محمد الطّاطَريّ: ما رأيتُ فيمن رَأَيْت أخشع مِن وكيع. وما وُصفَ لي أحدٌ قطّ إلا رَأَيْته دون الصّفة، إلا وكيعًا، فإنّي رَأَيْته فوق ما وُصِفَ لي. قَالَ سَعِيد بْن منصور: قِدم وكيع مكّة، وكان سمينًا، فقال له الفضيل بن عياض: ما هذال السُّمْن وأنت راهبُ العراق؟. قَالَ: هذا مِن فرحي بالإسلام! فأفحمه. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ: ما كان بالكوفة في زمان وكيع أفقه ولا أعلم بالحديث منه. وقال أبو داود: ما رُؤي لوكيع كتاب قط، ولا لهُشَيم، ولا لحمّاد، ولا لمَعْمَر. قَالَ أحمد بْن حنبل: ما رأت عيني مثل وكيع قطّ. يحفظ الحديث، ويذاكر بالفقه، فيحسن مع ورع واجتهاد. ولا يتكلّم في أحد. قَالَ حمّاد بْن مَسْعَدة: قد رَأَيْت سُفْيان الثَّوْريّ، فما كَانَ مثل وكيع. وقال أحمد أيضًا: ما رَأَيْت أوعى للعلم مِن وكيع. كَانَ حافظًا. وقال ابن أَبِي خَيْثَمَة، وغيره: سمعنا يحيى بْن مَعِين يَقُولُ: مِن فضّلَ عَبْد الرَّحْمَن بْن مهديّ على وكيع فعليه، وذكر اللعنة٢.

стр. 4481

قلت: ما أدري ما عُذر يحيى في هذا اللعن. وقال أبو حاتم: وكيع أحفظ مِن ابن المبارك. وقال أحمد بْن حنبل: عليكم بمُصَنَّفات وكيع. وقال عليّ بْن المَدِينيّ: كان وكيع يلحن، ولو حَدّثت عَنْهُ بألفاظه لكان عجبًا. كَانَ يَقُولُ: عَنْ عَيْثة. وروى أبو هشام الرفاعيّ، وغيره، عَنْ وكيع قَالَ: مَن زعم أنّ القرآن مخلوق فقد كفر. قَالَ وكيع: الجهر بالبسملة بِدْعة. سمعها أبو سَعِيد الأشجّ منه. قَالَ أحمد بْن زُهير: نا محمد بْن يزيد: حدَّثني حُسين أخو زيدان قَالَ: كنتُ مَعَ وكيع، فأقبلنا جميعًا مِن المصَّيصة أو طَرَسُوس فأتينا الشامَ. فما أتينا بلدًا، إلا استقبلنا واليها، وشهدْنا الجمعة بدمشق. فلمّا سلّم الإمام أطافوا بوكيع، فما انصرف إلى أهله. فحدّثت بِهِ مليحًا ولدهُ فقال: رأيتُ في جسده آثارًا خضراء مما زُحِم. قَالَ الفضل بْن عَنْبَسة: ما رَأَيْت مثل وكيع مِن ثلاثين سنة. محمود بْن غَيْلان: سمعتُ وكيعًا يَقُولُ: اختلفتُ إلى الأعمش سنتين. قَالَ ابن راهَوَيْه: حِفْظي وحِفْظ ابن المبارك تكلُّف. وحفظ وكيع أصلي. قام وكيع واستند وحدث بسبعمائة حديث حفظًا. وقال محمود بْن آدم: تذاكر بِشْر بْن السَّريّ ووكيع ليلة وأنا أراهما مِن العشاء، إلى أن نُودي بالصبُّح. فقلت لبِشْر: كيف رَأَيْته؟. قَالَ: ما رأيت أحفظ منه. وكذا قَالَ سهل بْن عثمان: ما رأيت أحفظ مِن وكيع. وقال عَبْد الله بْن أحمد: سمعتُ أَبِي يَقُولُ: وكيع مطبوع الحفظ، كان حافظًا حافظًا، كَانَ أحفظ مِن عَبْد الرَّحْمَن بكثير. وقال ابن نُمَير: كانوا إذا رأوا وكيعًا سكتوا. يعني في الحِفظ والإجلال.

стр. 4482

وقال أبو حاتم: سُئِل أحمد عَنْ وكيع، ويحيى، وابن مهديّ فقال: كَانَ وكيع أسردهم. قَالَ أبو زُرعة الرّازيّ: سَمِعْتُ أبا جعفر الجمّال يَقُولُ: أتينا وكيعًا، فخرج بعد ساعة وعليه ثياب مغسولة، فلمّا بصُرنا بِهِ فزعنا مِن النّور الَّذِي رأينا يتلألأ مِن وجهه. فقال رجل بجنبي: أهذا مَلَك؟ فتعجّبنا مِن ذَلِكَ النّور. قَالَ أحمد بْن سِنان القطّان: رأيتُ وكيعًا إذا قام في الصلاة لَيْسَ يتحرّك منه شيء، لا يزول ولا يميل عَلَى رِجلٍ دون الأخرى. وقال أحمد بْن أَبِي الحواريّ: سمعتُ وكيعًا يَقُولُ: ما نعيش إلا في سُترة، ولو كُشِف الغطاء لكُشِف عَنْ أمرٍ عظيم. وسَمِعْتُهُ يَقُولُ: الصَّدْق النِّيّة. قَالَ صالح بْن أحمد: قلت لأبي: أيهُّما أصلح، وكيع أو يزيد؟. فقال: ما منهما والحمد لله إلا كلّ، ولكنّ وكيع لم يختلط بالسلطان. قَالَ الفلاس: ما سَمِعْتُ وكيعًا ذاكرًا أحدًا بسوءٍ قط. وقال ابن عمّار: أحْرَمَ وكيع مِن بيت المقدس. وقال ابن سعْد: كَانَ وكيع ثقة مأمونًا رفيعًا كثير الحديث حُجّة. وقال محمد بْن خَلَف التَّيْميّ: أَنَا وكيع قَالَ: أتيتُ الأعمش فقلت: حدَّثني. قَالَ: ما اسمك؟. قلت: وكيع!. قَالَ: اسمٌ نبيل، وما أحسب إلا سيكون لك نبأ. أَيْنَ تنزل مِن الكوفة؟. قلت: في بني رؤاس!. قال: ابن من منزل الجراح؟. قلت: هو أبي. وكان عَلَى بيت المال. قَالَ: اذهب فجئني بعطائي، وتعال حتى أحدثك بخمسة أحاديث.

стр. 4483

فجئت أب فقال: خذ نصف العطاء واذهب. فإذا حدّثك بالخمسة فخذ النصف الآخر، حتّى تكون عشرة. فأتيته بذلك، فأملي عليّ حديثين، فقلت: وعدتني خمسة. قَالَ: فأين الدراهم كلّها؟ أحسب أن أباك درّبك بهذا ولم يدرِ أنّ الأعمش مدرَّب قد شهد الوقائع. قَالَ: فكنت إذا جئته بالعطاء في كلّ شهر حدَّثني بخمسة. قَالَ قاسم الحَرَميّ: كَانَ سُفْيان يتعجبّ مِن حفظ وكيع ويقول: تعال يا رُؤاسي، ويتبسَّم١. قَالَ ابن عمّار: سمعتُ وكيعًا يَقُولُ: ما نظرت في كتابٍ منذ خمس عشرة سنة، إلا في صحيفة يومًا. فقلت لَهُ: عَدّوا عليك بالبصرة أربعة أحاديث غلطت فيها. قَالَ: وحدثتهم بعبادان بنحو من ألف وخمسمائة حديث. أربعة ما هِيَ كثيرة في ذَلِكَ. قَالَ ابن مَعِين: سمعتُ وكيعًا يَقُولُ: ما كتبتُ عَنِ الثَّوْريّ: حَدَّثَنَا قطّ. إنّما كنت أحفظ، فإذا رجعتُ كتبتها. قَالَ يحيى بْن يَمَان: نظر سُفيان في عينيّ وكيع فقال: لا يموت هذا حتى يكون لَهُ شأن. فمات سُفْيان وجلس وكيع مكانه. قَالَ سليمان الشاذكونيّ: قَالَ لنا أبو نُعَيْم: ما دام هَذَا التَّنَّين حيًا ما يُفلح أحدٌ معه. يعني وكيعًا. وقال يحيى بْن أيّوب العابد: حدَّثني صاحب لوكيع أنّ وكيعًا كَانَ لا ينام حتّى يقرأ ثُلُث القرآن، ثمّ يقوم في آخر اللَّيْلِ فيقرأ المفصَّل، يجلس فيأخذ في الاستغفار حتى يطلع الفجر. قَالَ إبراهيم بْن وكيع: كَانَ أَبِي يصلّي اللَّيْلَ، فلا يبقي في دارنا أحدٌ إلا صلّي، حتى جارية لنا سوداء. ابن مَعِين: سمعتُ وكيعًا يقول: أي يوم لنا من الموت.

стр. 4484

وأخذ وكيعًا في قراءة كتاب الزُّهْد، فلمّا بلغ حديثًا منه قام فلم يحدّث، وكذا فعل مِن الغد. وهو حديث: "كن في الدنيا كأنّك غريب" ١. الدّارَقُطْنيّ: نا القاضي أبو الحَسَن محمد بْن علي بْن أمّ شيبان، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن بْن سُفيان، عَنْ وكيع، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ أَبِي يجلس لأصحاب الحديث مِن بكرة إلى ارتفاع النهار، ثمّ ينصرف فيقبل، ثمّ يصلّي الظهر، ويقصد طريق المشرعة التي يصعد منها أصحاب الزوايا، فيريحون نواضحهم، فيعلّمهم مِن القرآن ما يؤدّون بِهِ الْفَرْضَ إلى حدود العصر، ثمّ يرجع إلى مسجده، فيصلّي العصر، ثمّ يجلس يتلو ويذكر الله إلى آخر النهار. ثمّ يدخل منزله فيُفْطر عَلَى نحو عشرة أرطال نبيذ، فيشرب منها، ثمّ يصلّي وِرده، كلّما صلّي ركعتين شرب منها حتّى ينفذها ثمّ ينام٢. قَالَ نُعَيْم بْن حمّاد: تعشَّينا عند وكيع، فقال: أيّ شيء تريدون أجيئكم بنبيذ الشيوخ أو نبيذ الفتيان؟ فقلت: تتكلّم بهذا؟!. قَالَ: هُوَ عندي أحلّ مِن ماء الفُرات. قلت: ماء الفرات لم يُختلف فيه، وقد اختُلف في هذا. وقال الفسَويّ: قد سُئل أحمد إذا اختلف وكيع وعبد الرَّحْمَن فقال: عَبْد الرَّحْمَن يوافق أكثر خاصّة في سُفْيان. وعبد الرَّحْمَن كَانَ يسلّم عَليْهِ السَّلَف ويجتنب المسكِر، ولا يرى أن يزرع في أرض الفرات. وقال عَبَّاس: قلت لابن مَعِين: إذا اختلف وكيع وأبو معاوية في حديث الأعمش، قالَ: يوقف حتى يجيء مِن يتابع أحدهما. ثمّ قَالَ: كانت الرحلة إلى وكيع في زمانه. قَالَ ابن مَعِين: لقيت عند مروان بْن معاوية لوحًا فيه: فلان رافضيّ، وفلان كذا، ووكيع رافضيّ، فقلت لمروان: وكيع خيرٌ منك. فبلغ وكيعًا ذَلِكَ، فقال: يحيى صاحبنا. وكان بعد ذَلِكَ يعرف لي ويُرَحَّب.

стр. 4485

قَالَ أحمد بن سنان: كَانَ وكيع يكونون في مجلسه كأنّهم في صلاة. فإن أنكر مِن أحدٍ شيئًا قام. وكان عَبْد الله بْن نُمَير يغضب ويصيح، وإذا رَأَى مِن يبري قلمًا تغيّر وجهه غضبًا. قَالَ تميم بْن محمد الطّوسيّ: سَمِعْتُ أحمد يَقُولُ: عليكم بمُصَنَفَّات وكيع. وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، عَنْ أَبِيهِ قال: أخطأ وكيع في خمسمائة حديث. قَالَ أبو هشام الرفاعيّ: سمعتُ وكيعًا يَقُولُ: مَن زعم أنّ القرآن مخلوق فقد زعم أنّه مُحدَث، ومن زعم أنّ القرآن مُحدَث فقد كفر. فيقول: احتجّ بعض المبتدعة بقول الله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [الأنبياء: ٢] مُحْدَث، وبقوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] ، وهذا قَالَ فيه علماء السلف معنا، وأنّه أحدث إنزاله إلينا، وكذا في الحديث الصحيح: "إنّ الله يُحدِث مِن أمره ما شاء" ١. وإنّ ممّا أحدث أن لا تكلّموا في الصلاة. فالقرآن العظيم كلام الله ووحيه وتنزيله، وهو غير مخلوق. قَالَ أحمد بْن الحواري: ذكرت لابن مَعِين وكيعًا، فقال: وكيع عندنا ثَبْت. وقال عَبْد الرَّحْمَن بْن الحَكَم بْن بشير: وكيع، عَنْ سُفْيان غاية الإسناد، لَيْسَ بعده شيء. ما أعدل بوكيع أحدًا. فقيل لَهُ: أبو معاوية، فنفَر مِن ذَلِكَ. نوح بْن حبيب: نا وكيع، ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مهديّ قَالَ: حضرت موت سُفْيان، فكان عامّة كلامه: ما أشدّ الموت. قَالَ نوح: فأتيتُ ابن مهديّ وقلتُ: حَدَّثَنَا وكيع عنك، وحَكيت لَهُ الكلام، وكان متَّكئًا فقعد وقال: أَنَا حدّثت أبا سُفْيان؟ جزى الله أبا سُفْيان خيرًا، ومن مثل أَبِي سُفْيان، وما يقال لمثل أبي سفيان.
следующие страницы →