فقالت لهم قريش: يا معشر يهود، إنّكم أهلُ كتاب وعِلْمٍ بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد.
أَفَدِيننا خيرٌ أم دينُه؟ قالوا: بل دينكم خيرٌ من دينه وأنتم أولى بالحقّ وفيهم نزل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١] الآيات١.
فلما قالوا ذَلِكَ لقريش سَرَّهم ونشطوا إلى الحرب واستعدُّوا له, ثُمَّ خرج أولئك النّفر اليهود حتى جاءوا غَطفان، فدعوهم فوافقوهم.
فخرجت قريش، وخرجت غَطفان وقائدهم عُيَيْنَة في بني فِزارة، والحارث بن عَوْف المُرِّي في قومه، ومسعود بن رُخَيلة فيمن تابعه من قومه أشْجَع, فلما سَمِعَ بهم النّبيّ ﷺ حفر الخندق عَلَى المدينة وعمل فيه بيده، وأبطأ عَنِ المسلمين في عمله رجالٌ منافقون، وعمل المسلمون فيه حتى أحكموه.
وكان في حفْره أحاديث بلغتني، منها: بلغني أنّ جابرًا كان يحدّث أنّهم اشتدّت عليهم كدية٢ فشكوها إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فدعا بإناء من ماء فَتَفَلَ فيه، ثُمَّ دعا بما شاء الله، ثُمَّ نضح الماء عَلَى الكُدْية حتى عادت كثيبًا٣.
وحدّثني سعيد بن ميناء، عَنْ جابر بن عبد الله قَالَ: عملنا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الخندق، فكانت عندي شُوَيْهة، فقلت: والله لو صنعناها لرَسُول اللَّهِ ﷺ فأمرتُ امرأتي فطحنتْ لنا شيئًا من شعير، فصنعتْ لنا منه خُبزًا، وذبحت تِلْكَ الشاة فشَوَيْناها، فلما أمسينا وأراد رَسُول اللَّهِ ﷺ الانصراف، وكنّا نعمل فِي الخندق نهارًا فإذا أمسينا رجعنا إلى أهالينا، فقلت: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إنّي قد صنعت كذا وكذا، وأحبّ أن تنصرف معي. وإنّما أريد أن ينصرف معي وحده. فلما قلت له ذَلِكَ، قَالَ: "نعم". ثُمَّ أمر صارخًا فصرخ أنِ انصرفوا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إلى بيت جابر. فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، فأقبل وأقبل النّاس معه، فجلس وأخرجناها إليه، فبرك وسمى،
стр. 597
ثُمَّ أكل، وتواردها النّاس، كلّما فرغ قومٌ قاموا وجاء ناسٌ، حتى صدر أهلُ الخندق عنها١.
وحدّثني سعيد بن ميناء أنّه حُدِّث أنّ ابنة لبشير بن سعد قَالَت: دعتني أمّي عمرةُ بنتُ رَواحة فأعطتني حفنة من تمر في ثوبي، ثُمَّ قَالَتْ: أي بُنَيَّة! اذهبي إلى أبيك وخالك، عبد الله بغدائهما.
فانطلقتُ بِهَا فمررت برَسُول اللَّهِ ﷺ وأنا ألتمس أبي وخالي, فقال: "ما هذا معك"؟ قلت: تمر بَعَثَتْ به أمي إلى أبي وخالي، قَالَ: "هاتيه". فَصَبَبْتُهُ في كَفَّيْ رَسُول اللَّهِ ﷺ فما ملأتهما ثُمَّ أمر بثوبٍ فُبِسط، ثُمَّ دحا بالتمر عليه فتبدّد فوق الثوب، ثُمَّ قَالَ لِإنسان عنده: "اصرخ في أهل الخندق أنْ هلموا إلى الغداء". فاجتمعوا فجعلوا يأكلون مِنْهُ وجعل يزيد، حَتَّى صَدَرَ أهلُ الخندق عنه وإنه لَيَسْقُط من أطراف الثوب٢.
وحدّثني من لا أَتّهم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ كان يَقْولُ حين فُتِحَت هذه الأمصار في زمان عُمَر وعثمان وما بعده: افتحوا ما بدا لكم، والذي نفس أبي هُريرة بيده، ما افتتحتم من مدينةٍ ولا تفتحونها إلى يوم القيامة إلّا وقد أعطى الله محمدًا مفاتيحها قبل ذَلِكَ.
قال: وحدثت عن سلمان الفارسيّ قَالَ: ضربت في ناحيةٍ من الخندق فغلُظَتْ عليّ، ورَسُول اللَّهِ ﷺ قريبٌ منّي، فلما رآني أضرب نزل وأخذ المِعْوَلَ فضرب به ضربة فلمعتْ تحت المِعْوَل بَرْقَةٌ، ثُمَّ ضرب أخرى فلمعت تحته أخرى، ثُمَّ ضرب الثالثة فلمعت أخرى. قلت: بأبي أنت وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا؟ قَالَ: "أوَ قد رأيتَ"؟ قلت: نعم. قَالَ: "أمّا الأولى، فإنّ الله فتح عليّ بِهَا اليمن، وأمّا الثانية، فإنّ الله فتح عليّ بِهَا الشامَ والمغرب، وأمّا الثالثة, فإنّ الله فتح عليّ بِهَا المشرق" ٣.
قَالَ ابن إسحاق: ولما فرغ النّبيّ ﷺ من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع السُّيول من رُومة بين الجُرْف وزَغَابة في عشرة آلاف من أحابيشهم ومَن تبعهم من
стр. 598
بني كنانة وأهل تهامة وغطفان، فنزلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد بذنب نقمي١ إلى جانب أُحُد. وخرج رَسُول اللَّهِ ﷺ والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سَلْع في ثلاثة آلاف، فعسكروا هنالك، والخندق بينه وبين القوم. فذهب حُيَيّ بنُ أخطب إلى كعب بن أسد القُرظي صاحب عهد بني قريظة وعقدهم، وقد كان وادع رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى قومه، فلما سَمِعَ كعبُ بحُيَيّ أغلق دونه الحصْنَ فأبى أن يفتح له، فناداه: يا كعب افتحْ لي.
قَالَ: إنّك امرؤٌ مشئوم، وإني قد عاهدت محمدًا فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلّا وفاء وصدقًا. قال: ويلك افتح لي أكلمك. قَالَ: ما أنا بفاعل. قَالَ: والله إنْ أغلقت دوني إلّا عَنْ جُشَيْشَتك٢ أن آكل معك منها. فأحْفَظَه ففتح له فقال: ويحك يا كعب، جئتك بعزّ الدّهر وببحر طام، جئتك بقريش عَلَى قادتها وسَادتها حَتَّى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان عَلَى قادتها وسادتها فأنزلتهم بذَنَب نَقَمَى إلى جانب أُحُد، قد عاهدوني وعاقدوني عَلَى أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدًا ومن معه. قَالَ له كعب: جئتني والله بذُلّ الدَّهْر وبجهام٣ قد هراق ماءه برعد وَبرْقٍ لَيْسَ فيه شيء، يا حُيَيّ فَدَعْنِي وما أنا عليه فإنّي لم أر من محمدٍ إلّا صدْقًا ووفاءً. فلم يزل حُيَيّ بكعب حتى سمح له بأنْ أعطاه عهدًا لئن رجعتْ قريش وغَطفان ولم يصيبوا محمدًا أنْ أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك.
فنقض كعب عهده وبرئ ممّا كان بينه وبين النّبيّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٤.
ولما انتهى الخبر إلى النّبيّ ﷺ بعث سعد بن مُعاذ، وسعد بن عُبَادة سيّدَ الأنصار، ومعهما عبد الله بن رَوَاحة وخَوّات بن جُبَيْر ﵃ فقال: "انطلقوا حتى تنظروا أحَقٌ ما بلغنا عَنْ هَؤُلاءِ؟ فإنْ كان حقًا فالحنوا لي لحنًا أعرفه، ولا تَفُتُّوا في أعضاد النّاس، وإن كانوا عَلَى الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للنّاس". فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم عَلَى أخبث ما بلغهم، فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه، وكان
стр. 599
فيه حدة، فقال له ابن عُبَادة: دع عنك مُشاتمتهم فما بيننا وبينهم أربى من المُشاتمة. ثُمَّ رجعوا إلى النَّبيّ ﷺ فسلموا عليه وقالوا: عضل والقارة. أي: كغدر عضل والقارة بأصحاب الرّجيع خُبيب وأصحابه.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُ أكبر! أبشروا يا معشر المسلمين". فعظم عند ذَلِكَ الخوف١.
قَالَ الله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١٠-١١] الآيات.
وتكلّم المنافقون حتى قَالَ مُعَتّب بن قُشَيْر أحدُ بني عَمْرو بن عَوْف: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوزَ كِسْرى وقيصر وأحدُنا اليوم لا يأمن عَلَى نفسه أن يذهب إلى الغائط. فأقام رَسُول اللَّهِ ﷺ وأقام عليه المشركون بضْعًا وعشرين ليلة لم يكن بينهم حرب إلّا الرَّمْيُ بالنَّبل والحصار.
ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ بعث إلى عُيَيْنَة بن حصْن وإلى الحارث بن عَوْف، فأعطاهما ثُلُثَ ثمار المدينة عَلَى أن يرجعا بمن معهما، فجرى بينه وبينهما الصُّلح، حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصّلح، إلّا المراوضة في ذَلِكَ.
فلما أنْ أراد رَسُول اللَّهِ ﷺ إِنَّ يفعل، بعث إلى السَّعْدين فاستشارهما فقالا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أمرًا تحبّه فنصنعه، أم شيئًا أمرك الله به لا بُدَّ لنا منه، أم شيئًا تصنعه لنا؟ قَالَ: "بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذَلِكَ إلّا لأنّي رأيت العربَ قد رمتكم عَنْ قَوسٍ واحدة، فأردت أنْ أكسر عنكم من شوكتهم". فقال سعد بن مُعاذ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قد كنّا نحن وهؤلاء القوم عَلَى الشرّك ولا يطعمون أن يأكلوا منّا تمرة إلّا قِرًى٢ أو بيعًا، أَفَحِين أكرمنا الله بالِإسلام وأَعَزَّنَا بك نعطيهم أموالنا؟ ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلّا السَّيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قَالَ: "فأنتَ وذاك". فأخذ سعد الصحيفة فمحاها، ثم قال: ليجهدوا علينا٣.
стр. 600
وأقام رسول الله ﷺ والأحزاب، فلم يكن بينهم قتالٌ إلّا فوارس من قريش، منهم عَمْرو بن عبد وُدّ، وعِكْرِمة بن أبي جهل، وهُبَيْرَة بن أبي وهب، وضِرار بن الخطّاب، تلبَّسوا للقتال ثُمَّ خرجوا عَلَى خيلهم، حتى مرُّوا بمنازل بني كنانة، فقالوا: تهيَّئوا للقتال يا بني كِنانة فستعلمون من الفُرسان اليوم، ثُمَّ أقبلوا تُعْنِق بهم خيلهم حتى وقفوا عَلَى الخندق، فلما رأوه قالوا: والله إنّ هذه لمكِيدةٌ ما كانت العربُ تكِيدها. فتيمَّموا مكانًا من الخندق ضيّقًا فضربوا خيلهم، فاقتحمت منه فجالت بهم في السَّبخة بين الخندق وسَلع.
وخرج عليّ ﵁ في نفرٍ من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة، فأقبلت الفرسان تعنق نحوهم، وكان عَمْرو بن عبد وُدّ قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد يوم أُحُد، فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه، فلما وقف هو وخيلُه قَالَ: من يبارزني؟ فبرز له عليّ ﵁ فقال له عليّ: يا عَمْرو إنّك كنت عاهدتَ الله لا يدعوك رجلٌ من قريشٍ إلى إحدى خلّتين إلّا أخذتها منه. قَالَ له: أجل. قَالَ له: فإنّي أدعوك إلى الله ورسوله وإلى الِإسلام. قَالَ: لا حاجة لي بذلك. قَالَ: فإنّي أدعوك إلى النزال. قال له: لم يابن أخي! فَوَالله ما أحبّ أن أقتلك. قَالَ عليّ ﵁: لكّني والله أحبّ أن أقتلك. فحمي عَمْرو واقتحم عَنْ فرسه فعقره وضرب وجهه، ثُمَّ أقبل عَلَى عليّ فتنازلا وتجاولا، فقتله عليّ.
وخرجتْ خيلُهم منهزمة حتى اقتحمت من الخندق. وألقى عِكْرِمة يومئذٍ رُمْحه وانهزم١. وقال عليّ ﵁ في ذَلِكَ:
نَصَرَ الحجارةَ من سفاهةِ رأيهِ ... ونَصَرتُ دينَ محمّدٍ بضرابِ
نازلتُهُ فتركتُهُ مُتَجدّلًا ... كالجذْع بين دَكَادكٍ وروابي
لا تَحْسَبَنَّ الله خاذلٌ دينَهُ ... ونبيَّه يا معشر الأحزابِ
وحدّثني أبو ليلى عبد الله بن سهل، أنّ عائشة ﵂ كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق، وكانت أمّ سعد بن مُعاذ معها في الحصن، فمرّ سعد وعليه درعٌ مُقَلَّصَة قد خرجت منها ذراعهُ كلّها، وفي يده حربة يرفل بِهَا ويقول:
لَبّثْ قليلًا يَشْهَدِ الهَيْجا حمل ... لا بأسَ بالموت إذا حان الأجل
стр. 601
فقالت له أُمُّهُ: الحق أي بُنَيّ فقد أخرت. قالت عائشة: فقلت لَهَا: يا أمّ سعد لوددت أنّ درع سعِد كانت أسبغ مما هي١. فرمي سعد بسهم قطع منه الأكْحَل٢ رماه ابن العَرِقة، فلما أصابه قَالَ: خُذها منّي وأنا ابن العرقة. فقال له سَعْد: عرَّق الله وجهكَ في النّار، اللهُمّ إنْ كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا فأبقني لَهَا فإنّه لا قوم أحبّ إليّ أن أجاهدهم فيك من قوم آذوا رسولكَ وكذَّبوه وأخرجوه، الّلهُمّ إنْ كنت وضعتَ الحربَ بيننا وبينهم فاجعله لي شهادة ولا تُمِتْني حتى تقرّ عيني من بني قريظة٣.
وكانت صفية بنتُ عبد المطّلب في فارع٤ -حصن حسّان بن ثابت- وكان معها فيه مع النّساء والولْدان. قَالَتْ: فمرّ بنا يهودي فجعل يطيف بالحصْن، وقد حاربت بنو قُرَيظة ونقضت وليس بيننا وبينهم أحدٌ يدفع عنّا، والنّبيّ ﷺ والمسلمون في نُحور عدوّهم لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا. فقلت: يا حسّان إنّ هذا اليهوديّ كما ترى يطيف بالحصن، وإني والله ما آمنُه أن يدل عَلَى عورتنا من وَراءنا من يهود، وقد شُغِل عنّا رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فانزِلْ إليه فاقُتْله. قَالَ: يغفر لك الله يا ابنةَ عبد المطّلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا. فلما قَالَ لي ذَلِكَ ولم أر عنده شيئًا، احتجزت٥ ثُمَّ أخذت عمودًا ونزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته. فلما فرغتُ رجعت إلى الحصن فقلت: يا حسّان انزل إليه فاسلبه، فإنّه لم يمنعني من سلبه إلّا أنّه رجل. قال: ما لي بسلبه من حاجة٦.
стр. 602
وأقام رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ فيما وصف الله من الخوف والشدة لتظاهر عدّوهم عليهم وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
وروى نحوه يونس بن بُكَيْر، عَنْ هشام بن عُرْوَة، عَنْ أبيه.
ثُمَّ إنّ نُعَيْم بن مسعود الغَطفاني أتى رَسُول الله فأسلم, وقال: إنّ قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت يا رسول الله! قَالَ: "إنّما أنت فينا رجلٌ واحد فاخذل عنّا ما استطعت فإنّ الحرب خُدْعة".
فأتى قريظة -وكان نديمًا لهم في الجاهلية- فقال لهم: قد عرفتم وُدّي إيّاكم. قالوا صدقتَ. قَالَ: إنّ قريشًا وغَطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكُم به أموالكم وأولادكم ونساؤكم، لا تقدرون عَلَى أنْ تتحوّلوا منه إلى غيره، وإنّ قريشًا وغَطفان قد جاءوا لحرب محمدٍ وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدُهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فليسوا كأنتم، فإن رأوا نهزة أصابوها، وإنْ كان غير ذَلِكَ لحقوا ببلادهم وخلّوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، فلا طاقة لكم به إنْ خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رَهنًا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم عَلَى أن يقاتلوا معكم محمدًا حتى تناجزوه. فقالوا: لقد أشرت بالرأي.
ثم خرج حتى أتى قريشًا فقال لأبي سُفيان ومَن معه: قد عرفتم وُدّي لكم وفراقي محمدًا، وإنّه قد بلغني أمرٌ قد رأيت عليّ حقًا أن أُبلِّغكموه نصحًا لكم فاكتموه عليّ. قالوا: نفعل. قال: تعلمون أنّ معشر يهود قد ندموا عَلَى ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد, وأرسلوا إليه أنّا قد ندِمنا عَلَى ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين، قريش وغطفان، رجالا من أشرافهم، فنعطيكهُم فتضرب أعناقهم، ثُمَّ نكون معك عَلَى من بقي منهم حتى تستأصلهم. فأرسل إليهم: "نعم". فإنْ بعثت إليكم يهود يلتمسون رهنًا منكم من رجالكم فلا تفعلوا.
ثُمَّ خرج فأتى غَطفان فقال: يا معشر غَطفان أنتم أصلي وعشيرتي وأحبّ النّاس إليّ، ولا أراكم تتّهموني. قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمُتَّهم. قَالَ: فاكتموا عنّي. قالوا: نفعل. ثُمَّ قَالَ لهم مثل ما قَالَ لقريش، وحذّرهم ما حذّرهم.
فلما كانت ليلة السبت من شوّال، وكان من صُنعِ الله لرسوله أنه أرسل
стр. 603
أبو سفيان ورءوس غَطفان، إلى بني قُريظة، عِكْرِمَة بنَ أبي جهل في نفرٍ من قريش وغَطفان، فقالوا: إنّا لسنا بدار مقام، قد هلك الخُفّ والحافر، فاغْدُوا للقتال حتى نناجز محمدًا. فأرسلوا إليهم أنّ اليوم يوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئًا، وقد كان بعضُنا أحدث فيه حَدَثًا فأصابه ما لم يخفَ عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدًا حتى تعطونا رُهُنًا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نُناجز محمدًا، فإنّا نخشى إنْ ضرَّستكم الحربُ أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلادنا، ولا طاقة لنا بذلك.
فلما رجعت إليهم الرُسلُ بما قَالَتْ بنو قُرَيْظة قَالَتْ قريش وغَطفان: والله لقد حدّثكم نعيم بن مسعود بحقّ. فأرسلوا إلى بني قُريظة: إنّا والله ما ندفع إليكم رجلا من رجالنا، فإنْ كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا.
فقالت بنو قُرَيظة حين انتهت إليهم الرُّسلُ بهذا: إنّ الذي ذكر لكم نُعَيْم لَحَقّ، ما يريد القوم إلّا أن يقاتلوا، فإنْ رأوا فرصة انتهزوها, وإنْ كان غير ذَلِكَ انشَمَرْوا إلى بلادهم. فأرسلوا إلى قريش وغَطفان: إنّا والله لا نقاتل معكم حتى تعطُونا رُهُنًا. فأَبَوا عليهم. وخذل الله بينهم.
فلما انتهى ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، دعا حُذَيْفة بنَ اليَمان فبعثه ليلًا لينظر ما فعل القوم.
قَالَ: فحدّثني يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن كعب القُرَظي: قَالَ رجل من أهل الكوفة لحُذَيْفَة: يا أبا عبد الله، رأيتم رَسُول اللَّهِ ﷺ وصحِبْتُموه؟ قَالَ: نعم يابن أخي. قَالَ: فكيف كنتم تصنعون؟ قَالَ: والله لقد كنّا نجهد. فقال: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي عَلَى الأرض ولَحَمَلناه عَلَى أعناقنا. فقال: يابن أخي والله لقد رأيتنا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بالخندق، وصلّى هَوِيًّا١ من الليل، ثُمَّ التفت إلينا فقال: "مَن رجلٌ يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثُمَّ يرجع -يشرُطُ لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ الرَّجعة- أَسأَل الله أن يكون رفيقي في الجنّة". فما قام أحدٌ من شدّة الخوف وشدّة الجوع والبرد. فلما لم يقم أحدٌ دعاني فلم يكن لي من القيام بُدٌّ حين دعاني، فقال: "يا حذيقة اذهب فادخل في القوم، فانظر ماذا يفعلون ولا تحدث شيئًا حتى تأتينا".
стр. 604
فذهبتُ فدخلتُ في القوم، والرّيح وجنودُ الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قِدْرًا ولا نارًا ولا بناء. فقام أبو سُفيان فقال: يا معشر قريش، إنّكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكُراع والخُفّ، وأخلفتنا بنو قُريظة وَبَلَغَنَا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدّة الريح ما ترون، ما تطمئنّ لنا قِدْر ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناءٌ، فارتحلوا فإنّي مُرْتحل. ثُمَّ قام إلى جَمَله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به عَلَى ثلاث، فَوَالله ما أطلق عقاله إلّا وهو قائم. ولولا عهدُ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "أن لا تحدث شيئًا حتى تأتيني". وإن شئتُ لقتلتُه بسهم.
قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وهو قائم يصليّ في مرطٍ١ لبعض نسائه مراجل -وهو ضربٌ "من وشي اليمن"٢ فسّره ابن هشام- فلما رآني أدخلني إلى رِجليه وطرح عليّ طَرَفَ المِرْط، ثُمَّ ركع وسجد وإنّي لَفِيه فلما سلّم أخبرتُه الخبر.
وسمعتْ غَطفان بما فعلت قُريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم.
قَالَ الله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] .
وهذا كلُّه من رواية البكّائيّ عَنْ محمد بن إسحاق.
وقال يونس بن بكير، عن هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، أنّ رجلًا قَالَ لحُذَيْفة: صَحِبْتُم رَسُول اللَّهِ ﷺ وأدركتموه، فذكر الحديث نحو حديث محمد بن كعب، وفي آخره: فجعلت أُخُبر رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ أبي سُفيان، فجعل يضحك حتى جعلتُ أنظر إلى أنيابه.
وقال موسى بن عُقْبة، عَنِ ابن شهاب، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قاتل يوم بدر في رمضان سنة اثنتين, ثُمَّ قاتل يوم أُحُد في شوّال سنة ثلاث, ثُمَّ قاتل يوم الخندق -وهو يوم الأحزاب وبني قُرَيْظة- في شوّال سنة أربع، وكذا قَالَ عُرْوة في حديث ابن لَهِيعة عَنْ أبي الأسود عنه. كذا قالا: سنة أربع، وقالا في قصّة الخندق إنها كانت بعد أحد بسنتين.
стр. 605
وقال قَتَادة من رواية شَيْبان عنه: كان يومُ الأحزاب بعد أُحُد بسنتين، فهذا هو المقطوع به.
وقول موسى وعُرْوة: إنّها في سنة أربعٍ وَهَمٌ بين، ويُشْبُهُه قول عُبَيْد اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَر: "عرضني رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُد، وَأَنَا ابنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، فَلَمْ يُجِزْني, فلما كان يوم الخندق عُرِضتُ عليه وأنا ابن خمس عشرة فأجازني". فيُحْمَل قولُه عَلَى أنّه كان قد شرع في أربع عشرة، وأنه يوم الخندق كان قد استكمل خمس عشرة سنة، وزاد عليها بعد تِلْكَ الزيادة. والعرب تفعل هذا في مددها وتواريخها وأعمارها كثيرًا، فتارة يعتدّون بالكسر ويعدُّونه سنة، وتارة يُسقِطونه. وذهب بعض العلماء إلى ظاهر هذا الحديث وعضَّدوه بقول موسى بن عُقْبة: "وغزوة الأحزاب في شوّال سنة أربع" وذلك مخالفٌ لقول الجماعة، ولما اعترف به موسى وعُرْوة من أنّ بين أُحُد والخندق سنتين والله أعلم.
وقال أبو إسحاق الفزاري، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ إِلَى الْخَنْدَقِ، وَالْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ بِأَيْدِيهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبِيدٌ: فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنَ الْجُوعِ وَالنَّصَبِ قَالَ:
اللَّهُمَّ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَهْ ... فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ
فَقَالُوا مُجِيبِينَ لَهُ:
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا ... عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. وَلِمُسْلِمٍ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ١.
وَقَالَ عَبْدُ الْوَارِثِ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ نَحْوَهُ، وَزَادَ قَالَ: وَيُؤْتُونَ بِمِلْءِ حِفْنَتَيْنِ شَعِيرًا يُصْنَعُ لَهُمْ بِإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ وَهِيَ بَشِعَةٌ فِي الْحَلْقِ، فَتُوضَعُ بَيْنَ يَدَيِ الْقَوْمِ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ٢.
وَقَالَ شُعْبَةُ وَغَيْرُهُ: أَبُو إِسْحَاقَ، سَمِعَ الْبَرَاءَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ، وَقَدْ وَارَى التُّرَابُ بياض بطنه وهو يقول:
واستُشْهد يوم الأحزاب: عبد الله بن سهل بن رافع الأشهلي، تفرّد ابن هشام بأنّه شهد بدرًا.
وأَنَس بن أَوْس بن عتيك الأشهلي، والطُّفَيْل بن النُّعمان بن خنساء، وثعلبة بن غنمة؛ كلاهما من بني جَشَم بن الخزرج.
وكعب بن زيد أحد بني النَّجَّار، أصابه سهم غرِب، وقد شهد هَؤُلَاءِ الثلاثة بدرًا.
ذكر ابن إسحاق أنّ هَؤُلَاءِ الخمسة قُتِلوا يوم الأحزاب.
وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: قُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ؛ أَقْبَلَ عَلَى فَرَسٍ لَهُ لِيُوَثِّبَهُ الْخَنْدَقَ فَوَقَعَ فِي الْخَنْدَقِ فَقَتَلَهُ اللَّهُ، وَكَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَأَرْسَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنَّا نُعْطِيَكُمُ الدِّيَةَ عَلَى أَنْ تَدْفَعُوهُ إِلَيْنَا فَنَدْفِنَهُ. فَرَدَّهُ إِلَيْهِمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "أَنَّهُ خَبِيثُ الدِّيَةِ لَعَنَهُ اللَّهُ وَلَعَنَ دِيَتَهُ وَلا نَمْنَعُكُمْ أَنْ تَدْفِنُوهُ، وَلا أَرَبَ لَنَا فِي ديته".
إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ. فَلَبِسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأْمَتَهُ، وَأَذِنَ بِالرَّحِيلِ، ثُمَّ مَرَّ عَلَى بَنِي غَنْمٍ فَقَالَ: "مَنْ مَرَّ بِكُمْ"؟ قَالُوا: دِحْيَةُ. وَكَانَ دِحْيَةُ تُشْبِهُ لِحْيَتُهُ وَوَجْهُهُ جِبْرِيلَ. فَأَتَاهُمْ فَحَاصَرَهُمْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ١.
وقال يونس، عَنِ ابن إسحاق: قدِم رَسُول اللَّهِ ﷺ علينا معه رايته وابتَدَرَ النّاس.
وقال موسى بن عقبة: وخرج رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي أثر جبريل، فمر على مجلس بني غنم وهم ينتظرون رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فسألهم: "مَرَّ عليكم فارس آنفًا"؟ فقالوا: مرّ علينا دحية عَلَى فرسٍ أبيض تحته نمطٌ أو قطيفة من ديباج عليه اللأّمة. قَالَ: "ذاك جبريل". وكأن رَسُول اللَّهِ ﷺ يشبّه دِحيةَ بجبريل. قَالَ: ولما رأى عليّ بن أبي طالب رَسُول اللَّهِ ﷺ مُقْبِلا تلقّاه. وقال: ارجع يَا رَسُولَ اللَّهِ! فإنّ الله كافيك اليهود. وكان علي سمع منهم قولا سبيبيا٢ لرَسُول اللَّهِ ﷺ وأزواجه. فكره عليّ أن يسمع ذَلِكَ، فقال: "لِمَ تأمرني بالرجوع"؟ فكتمه ما سَمِعَ منهم. فقال: "أظنّك سَمِعْتُ لي منهم أذى؟ فامضِ فإنّ أعداء الله لو قد رأوني لم يقولوا شيئًا ممّا سَمِعْتُ".
فلما نَزَلَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بحصنهم، وكانوا في أعلاه، نادى بأعلى صوته نفرًا من أشرافهم حتى أسمعهم فقال: "أجيبونا يا معشر يهود يا أخوة القِرَدَة، لقد نزل بكم خِزْي الله". فحاصرهم ﷺ بكتائب المسلمين بضع عشرة ليلة، وردّ الله حُيَيّ بنَ أخطب حتى دخل حصنَهُم، وقذف الله في قلوبهم الرُّعب، واشتدّ عليهم الحصار، فصرخوا بأبي لُبابة بن عبد المنذر وكانوا حلفاء الأنصار. فقال: لا آتيهم حتى يأذن لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ: "قد أذِنْتُ لك". فأتاهم، فبكوا وقالوا: يا أبا لُبابة، ماذا ترى، فأشار بيده إلى حلْقه، يريهم إنّما يراد بكم القتل. فلما انصرف سُقِط في يده ورأى أنّه قد أصابته
стр. 614
فتنةٌ عظيمة, فقال: والله لا أنظر في وَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أحدِث لله توبةً نَصُوحًا يعلمها الله من نفسي. فرجع إلى المدينة فربط يديه إلى جذعٍ من جذوع المسجد. فزعموا أنّه ارتبط قريبًا من عشرين لَيْلَةٍ.
فَقَالَ رَسُول اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١، كما ذُكر، حين راث عليه أبو لُبابة: "أما فرغ أبو لُبابة من حلفائه"؟ قالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قد والله انصرف من عند الحصن، وما ندري أين سلك. فقال: "قد حدث له أمر". فأقبل رجل فقال: يَا رَسُولَ الله! رأيت أبا لبابة ارتبط بحبل إلى جِذْعٍ من جذوع المسجد. فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "لقد أصابته بعدي فتنة، ولو جاءني لاستغفرت لَهُ, فإذا فعل هذا فلن أحرّكه من مكانه حتى يقضي الله فيه ما شاء".
قَالَ ابْنُ لَهِيعة، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَة، فذكر نحو ما قص موسى بن عقبة. وعنده: فلبس رَسُول اللَّهِ ﷺ لأمَتَه وأذَّن بالخروج، وأمرهم أن يأخذوا السّلاح, ففرغ النّاس للحرب، وبعث عليًّا عَلَى المقدّمة ودفع إليه اللواء, ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى آثارهم. ولم يقل بضع عشرة ليلة.
وقال يونس بن بُكَيْرَ، والبكائي -واللَّفظ له- عَنِ ابن إسحاق قَالَ: حاصرهم رَسُول اللَّهِ ﷺ خمسًا وعشرين ليلةً، حتى جهدهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرُّعب, وكان حُيَيّ بنُ أخطب دخل مع بني قُرَيْظة في حصنهم حين رجعت عنهم قُريش وغَطفان، وفاءً لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه، فلما أيقنوا بأنّ رَسُول اللَّهِ ﷺ غير منصرف عنهم حتى يناجزهم، قَالَ كعب بن أسد: يا معشر يهود! قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإنّي عارضٌ عليكم خِلالًا ثلاثًا، فخُذُوا أيّها شئتم. قالوا: وما هي؟ قَالَ: نبايع هذا الرجل ونَصْدُقُه، فَوَالله لقد تعيّن لكم أنّه لَنَبِيّ مُرْسَل، وأنّه للَّذي تجدونه في كتابكم، فتأْمَنون عَلَى دمائكم وأموالكم. قالوا: لا نفارق حُكم التَّوراة أبدًا ولا نستبدل به غيرَه. قَالَ: فإذا أبيتم عَلَى هذه. فهلُمَّ فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثُمَّ نخرج إلى محمد وأصحابه مصلتين السيوف لم نترك وراءنا ثقلا، حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك ولم نترك وراءنا نَسْلًا نخشى عليه، وإنْ نظهر فَلَعَمْري لَنَتّخِذَنَّ النّساء والأبناء. قالوا: نقتل هَؤُلاءِ المساكين، فما خير العيش بعدهم؟ قَالَ فإنْ أبيتم هذه فإنّ الليلة ليلة السبت وإنّه عسى أنْ يكون محمدٌ وأصحابه قد أمنوا
стр. 615
فيها فانزلوا لعلَّنا نُصيب من محمد وأصحابه غِرَّة. قالوا: نُفسد سبْتَنَا وتحدث فيه ما لم يحدث من كان قبلنا، إلّا مَن قد علِمْتَ فأصابه ما لم يخْفَ عليك من المَسْخ؟ قَالَ: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمُّهُ ليلةً واحدة من الدَّهر حازمًا.
رَوَاهُ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ. لكّنه قَالَ عَنْ أبيه، عَنْ مَعْبَد بن كعب بن مالك، فذكره وزاد فيه: ثُمَّ بعثوا يطلبون أبا لُبابة، وذكر ربْطَه نفسه.
وقال سعيد بن المسيّب: إنَّ ارتباطه بسارية التَّوبة كان بعد تخلُّفه عَنْ غزوة تبوك حين أعرض عَنْهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عليمٌ، بما فعل يوم قُرَيْظة، ثُمَّ تخلّف عَنْ غزوة تَبُوك فيمن تخلّف. والله أعلم.
وذكر عليّ بن أبي طلحة، وعطّية العَوْفي، عَنِ ابن عبّاس في ارتباطه حين تخلّف عَنْ تبوك ما يؤكد قولَ ابن المسيّب، قَالَ: نزلت هذه الآية في أبي لبابة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [الأنفال: ٢٧] .
وقال البكائي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ، أَنَّ تَوْبَةَ أَبِي لُبَابَةَ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ السَّحَرِ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: مِمَّ تَضْحَكُ؟ قَالَ: تِيبَ عَلَى أَبِي لُبَابَةَ.
قَالَتْ: قُلْتُ: أَفَلا أُبَشِّرُهُ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتِ. قَالَ: فَقَامَتْ عَلَى بَابِ حُجْرَتِهَا، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهِنَّ الْحِجَابُ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا لُبَابَةَ، أَبْشِرْ فَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَيْكَ. قَالَتْ: فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ لِيُطْلِقُوهُ.
قَالَ: لا وَاللَّهِ حَتَّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ الَّذِي يُطْلِقُنِي بِيَدِهِ. فَلَمَّا مَرَّ عَلَيْهِ خَارِجًا إِلَى صَلاةِ الصُّبْحِ أَطْلَقَهُ.
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ: أَقَامَ أَبُو لُبَابَةَ مُرْتَبِطًا بِالْجِذْعِ سِتَّ لَيَالٍ: تَأْتِيهِ امْرَأَتُهُ فِي وَقْتِ كُلِّ صَلاةٍ تُحِلُّهُ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَرْتَبِطُ بِالْجِذْعِ، فِيمَا حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَالآيَةُ الَّتِي نَزَلَتْ فِي تَوْبَتِهِ: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢] الآية١.
стр. 616
قَالَ ابن إسحاق: ثُمَّ إنّ ثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وأسيد بن عُبَيْد، وهم نفر من بني هدل، أسلموا تِلْكَ الليلة التي نزل فيها بنو قُرَيْظة على حكم رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَقَالَ شُعْبَةُ: أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعْدٍ قَالَ: نَزَلَ أَهْلُ قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَتَاهُ عَلَى حِمَارٍ, فَلَمَّا دَنَا قَرِيبًا مِنَ الْمَسْجِدِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قوموا إِلَى سَيِّدِكُمْ، أَوْ إِلَى خَيْرِكُمْ". فَقَالَ: "إِنَّ هَؤُلاءِ قَدْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ". فَقَالَ: نَقْتُلُ مُقَاتِلَتَهُمْ وَنُسْبِي ذَرَارِيَّهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَقَدْ حَكَمْتُ عَلَيْهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ". وَرُبَّمَا قَالَ: "بِحُكْمِ الْمَلِكِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قال: فأومئوا إليه فقالوا: يا أبا عَمْرو، قد ولّاك رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ مواليكم لتحكم فيهم. فقال سعد: عليكم بذلك عهدُ الله وميثاقه؟ قالوا: نعم. قَالَ: وعلى من ههنا من النّاحية التي فيها النّبيّ ﷺ ومَن معه، وهو مُعرضٌ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ إجلالًا له؛ فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "نِعْمَ". فقال سعد: أحكم بأنْ تقتل الرجال وتقسّم الأموال وتسبي الذّراري.
وقال شُعْبة وغيره، عَنْ عبد الملك بن عُمَيْر، عَنْ عطّية القرظِيّ قَالَ: كنت في سبْي قُرَيْظة، فأمر رسول الله ﷺ بمن أنبت أن يُقْتَلَ١، فكنت فيمن لم يُنْبِت.
قَالَ موسى بن عُقْبة: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ حين سألوه أن يحكِّم فيهم رجلًا: "اختاروا من شئتم من أصحابي"؟ فاختاروا سعد بن مُعاذ، فرضي بذلك رسول الله ﷺ ، فنزلوا عَلَى حُكْمه. فأمر رَسُول اللَّهِ ﷺ بسلاحهم فجُعِل في قُبَّته، وأمر بهم فكُتِّفوا وأوثقوا وجعلوا في دار أُسامة، وبعث رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى سعد، فأقبل عَلَى حمار أعرابيّ يزعمون أنّ وِطاء بَرْذَعَته من ليف، واتبعه رجل من بني عبد الأشهل،
стр. 617
فجعل يمشي معه ويعظّم حقَّ بني قُرَيْظة ويذكر حِلْفَهم والذي أَبْلوه يوم بعاث، ويقول: اختاروك عَلَى من سواك رجاءَ رحمتِك وتحنُّنك عليهم، فاسْتَبْقِهِم فإِنَّهم لك جمال وعُدَد. فأكثر ذَلِكَ الرجل، وسعد لا يرجع إليه شيئًا، حتى دَنَوْا، فقال الرجل: ألا ترجع إليّ فيما أكلّمك فيه؟ فقال سعد: قد آن لي أن لا تأخذني في الله لَوْمَةُ لائم. ففارقه الرجل، فأتى قومه, فقالوا: ما وراءك؟ فأخبرهم أنّه غير مستبقيهم، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قتل مقاتلتهم، وكانوا فيما زعموا ستمائة مُقاتل قُتِلوا عند دار أبي جهم بالبلاط، فزعموا أنّ دماءهم بلغتْ أحجار الزَّيت التي كانت بالسّوق، وسبى نساءهم وذراريهم، وقسّم أموالهم بين مَن حضر من المسلمين. وكانت خيل المسلمين ستًّا وثلاثين فرسًا. وأخرج حُيَيّ بنَ أخطب فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "هل أخزاك الله"؟ قَالَ له: ظهرتَ عليَّ وما ألوم إلّا نفسي في جهادك والشدة عليك. فأمر به فضُرِبَتْ عُنُقُه. كلّ ذَلِكَ بعين سعد١.
وكان عَمْرو بن سعد اليهودي في الأسرى، فلما قدَّموه ليقتلوه ففقدوه فقيل: أين عَمْرو؟ قالوا: والله ما نراه، وإنّ هذه لرمّته٢ التي كان فيها، فما ندري كيف انفلت؟ فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "أفلت بما علم الله في نفسه". وأقبل ثابت بن قيس بن شماس إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: هب لي الزُّبَير؛ يعني: ابن باطا وامرأته. فوهبهما له، فرجع ثابت إلى الزُّبَير. فقال: يا أبا عبد الرحمن هل تعرفني؟ -وكان الزبير يومئذٍ كبيرًا أعمى- قَالَ: هل ينكر الرجل أخاه؟ قَالَ ثابت: أردت أن أجزيك اليوم بيدك. قَالَ: أفعل، فإنّ الكريم يجزي الكريم، فأطلقه.
فقال: لَيْسَ لي قائد، وقد أخذتم امرأتي وبَنيّ. فرجع ثابت إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فسأله ذرّيَة الزُّبَير وامرأته، فوهبهم له، فرجع إليه فقال: قد ردّ إليك رَسُول اللَّهِ ﷺ امرأتك وبنيك. قَالَ الزُّبير: فحائط لي فيه أعذق لَيْسَ لي ولأهلي عيش إلّا به. فوهب لَهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ له ثابت: أسلم. قال: ما فعل المجلسان؟ فذكر رجالا من قومه بأسمائهم. فقال ثابت: قد قُتِلوا وفُرِغ منهم، ولعلّ الله أنْ يهديك. فقال الزُّبَير: أسألك بالله وبيدي عندك إلّا ما ألحقتني بهم, فما في العيش خير بعدهم.
стр. 618
فذكر ذلك ثابت لرسول الله ﷺ فأمر بالزُّبَير فقتل.
قَالَ الله تعالى في بني قُرَيْظة في سياق أمر الأحزاب: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ﴾ يعين الذين ظاهروا قُريشًا: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ [الأحزاب: ٢٦] .
وقال عُرْوَة في قوله: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب: ٢٧] . هي خَيْبَر.
وَقَالَ الْبَكَّائِيُّ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عَمْرِو بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِسَعْدٍ: "لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ"١.
وقال البكّائي، عَنِ ابن إسحاق: فحبسهم رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي دار بنت الحارث النَّجَّارية، وخرج إلى سوق المدينة، فخندق بِهَا خنادق، ثُمَّ بعث إليهم فضرب أعناقهم في تِلْكَ الخنادق, وفيهم حُيَيّ بن أخطب، وكعب بن أسد رأس القوم، وهم ستمائة أو سبعمائة، والمكثر يقول: كانوا بين الثمانمائة والتسعمائة. وقد قالوا لكعب وهو يذهب بهم إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ أرسالًا٢: يا كعب ما تراه يصنع بنا؟ قَالَ: أفي كل موطن لا تعقلون. أما ترون الدّاعي لا ينزع، وأنّه من ذهب منكم لا يرجع؟ هو والله القتْل. وأتى حُيَيّ بن أخطب وعليه حلة فقاحية قد شقّها من كل ناحية قدر أنمُلَة لئلّا يسلبها، مجموعة يداه إلى عُنُقه بحبل، فلما نظر إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ: أما والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولكنه من يخذل الله يُخذل. ثُمَّ أقبل عَلَى النّاس فقال: أيّها النّاس إنّه لا بأس بأمر الله, كتاب وقدر وملحمة كُتبت عَلَى بني إسرائيل. ثُمَّ جلس فضُربت عُنُقُه.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمِّهِ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمْ يُقْتَلْ مِنْ نِسَائِهِمْ إِلا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، قَالَتْ: إِنَّهَا وَاللَّهِ لَعِنْدِي تُحَدِّثُ مَعِي وَتَضْحَكُ ظَهْرًا وَبَطْنًا، وَرَسُولُ الله ﷺ يَقْتُلُ رِجَالَهُمْ بِالسُّيُوفِ؛ إِذْ هَتَفَ هَاتِفٌ: يَا بِنْتَ فُلانَةٍ. قَالَتْ: أَنَا وَاللَّهِ. قُلْتُ: وَيْلَكِ، مَا لَكِ؟ قَالَتْ: أُقْتَلُ. قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَتْ: حَدَثٌ أَحْدَثْتُهُ. فَانْطَلَقَ بِهَا فَضُرِبَتْ عُنُقُهَا.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَغَيْرُهُ: صَيَاصِيهِمْ: حُصُونُهُمْ.
وقال يونس، عَنِ ابن إسحاق: ثُمَّ بعث النّبيّ ﷺ سعدَ بن زيد، أخا بني عبد الأشهل بسبايا بني قُرَيْظة إلى نجد, فابتاع له بهم خيلًا وسلاحًا, وكأن النَّبِيُّ ﷺ قد اصطفى لنفسه رَيْحانة بنت عَمْرو بن خنافة، وكانت عنده حتى تُوُفّي وهي في مِلْكه، وعرض عليها أن يتزوَّجها، ويضرب عليها الحجاب، فقالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ بل تتركني في مالك فهو أخفّ عليك وعليّ, فتركها. وقد كانت أوّلًا توقّفت عَنِ الإِسلام ثُمَّ أسلمت، فَسَرَّ النّبيّ ﷺ ذَلِكَ.
وفي ذي الحجة من هذه السنة:
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، أَنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ نَزَلُوا على حكم رسول الله ﷺ فَأَرْسَلَ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَأُتِيَ به محمولا على حمر وَهُوَ مُضْنًى مِنْ جُرْحِهِ، فَقَالَ لَهُ: "أشِرْ عَلَيَّ فِي هَؤُلاءِ". فَقَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَكَ فِيهِمْ بِأَمْرٍ أَنْتَ فَاعِلُهُ. قَالَ: "أَجَلْ، وَلَكِنْ أَشِرْ عَلَيَّ فِيهِمْ". فَقَالَ: لَوْ وُلِّيتُ أَمْرَهُمْ قَتَلْتُ مُقَاتِلَتَهُمْ وَسَبَيْتُ ذَرَارِيَّهُمْ وَقَسَّمْتُ أَمْوَالَهُمْ. فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ أَشَرْتَ فِيهِمْ بِالَّذِي أَمَرَنِي اللَّهُ بِهِ".
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: أَنْبَأَ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ التَّمَّارُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعَ عَامِرَ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا حَكَمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ أَنْ يُقْتَلَ مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَقَدْ حَكَمَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ الذي حكم به" من فوق سبع سماوات١.
وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: أنا يَزِيدُ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ قَالَ: لَمَّا قَضَى سَعْدٌ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ ثُمَّ رَجَعَ انْفَجَرَ جُرْحُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَتَاهُ فَأَخَذَ رَأْسَهُ فَوَضَعَهُ فِي حِجْرِهِ، وَسُجِّيَ بِثَوْبٍ أَبْيَضَ إِذَا مُدَّ عَلَى وَجْهِهِ بَدَتْ رِجْلاهُ، وَكَانَ رَجُلا أَبْيَضَ جَسِيمًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ إِنَّ سَعْدًا قَدْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِكَ وَصَدَّقَ رَسُولَكَ وَقَضى الَّذِي عَلَيْهِ، فَتَقَبَّلْ رُوحَهُ بِخَيْرِ مَا تَقَبَّلْتَ رُوحَ رَجُلٍ". فَلَمَّا سَمِعَ سَعْدٌ كَلامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَحَ عَيْنَيْهِ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: وَأُمُّهُ تَبْكِي وَتَقُولُ:
وَيْلُ أُمِّ سَعْدٍ سَعْدَا ... حَزَامَةً وَجِدَّا
فَقِيلَ لَهَا: أَتَقُولِينَ الشِّعْرَ عَلَى سَعْدٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "دَعُوهَا فَغَيْرُهَا مِنَ الشُّعَرَاءِ أَكْذَبُ".
وقال عبد الرحمن بن الغسيل، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ محمود بن لبيد قَالَ: لما أُصيب أَكْحَلُ سعدٍ حولوه عند امرأةٍ يقال لَهَا رُفَيْده، وكانت تداوي الجَرْحَى، قَالَ: وكان النّبيّ ﷺ إذا مرّ به يَقْولُ: "كيف أصبحت"؟ وإذا أمسى قَالَ: "كيف أمسيتَ"؟ فتخبره، فذكر القصّة. وقال: فأسرع النّبيّ ﷺ المشي إلى سعد، فشكا ذَلِكَ إليه أصحَابه، فقال: "إنّي أخاف أن تسبقنا إليه الملائكة فتغسله كما غسلت حنظلة".
стр. 623
فانتهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى البيت وهو يغسل، وَأُمُّهُ تَبْكِي وَتَقُولُ:
وَيْلُ أُمِّ سَعْدٍ سَعْدَا ... حَزَامَةً وجِدّا
فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "كلّ نائحة تكذب إلّا أمّ سعد". ثُمَّ خرج به فقالوا: ما حَمَلْنا ميتًا أخفَّ منه. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا يمنعه أن يَخِفّ عليكم وقد هبط من الملائكة كذا وكذا لم يهبطوا قطّ، قد حملوه معكم" ١.
وقال شُعبة: أخبرني سِماك بن حرب، سَمِعْتُ عبد الله بنَ شدّاد يَقْولُ: دَخَلَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى سعد بن مُعاذ وَهوَ يكيد بنفسه فقال: "جزاك الله خيرًا من سيّد قومٍ، فقد أنجزت الله ما وعدْتَه وليُنْجزنَّك الله ما وَعَدَكَ".
وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ شَهِدَ سَعْدًا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَمْ يَنْزِلُوا إِلَى الأَرْضِ.
زَادَ غَيْرُهُ: عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ فَقَالَ: عن ابن عمر.
وقال شبابة: أنا أبو معشر، عن المقبري قال: لَمَّا دَفَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَعْدًا قَالَ: "لَوْ نَجَا أَحَدٌ مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ لَنَجَا سَعْدٌ وَلَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً اخْتَلَفَتْ فِيهَا أَضْلاعُهُ مِنْ أَثَرِ الْبَوْلِ" ٢.
وقال يزيد بن هارون: أنا محمد بن عمرو، عَنْ محمد بن المنكدر, عَنْ محمد بن شُرَحبيل، أن رجلًا أخذ قبضةً من تراب قبر سعد يوم دُفِن، ففتحها بعد فإذا هي مِسْك.
وقال محمد بن موسى الفِطري: أنا مُعاذ بن رِفاعة الزُّرقي قَالَ: دُفن سعد بن مُعاذ إلى أُسّ دار عقيل بن أبي طَالِب.
قَالَ محمد بن عَمْرو بن عَلْقَمَةَ حدّثني عاصم بن عُمَر بن قَتَادَةَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ استيقظ فجاءه جبريل، أو قَالَ: مَلَكٌ, فَقَالَ: من رجل من أُمَّتك مات الليلة استبشر بموته أهلُ السماء؟ قَالَ: "لا أعلمه، إلّا أنّ سعد بن مُعاذ أمسى دنيّا. ما فعل سعد"؟ قالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قُبِض, وجاء قومُه فاحتملوه إلى دارهم. فصلّى رسول الله ﷺ
الحارث بن الخزرج بْن عَمْرو بْن مالك بْن الأوس؛ أخي الخزرج؛ وهما ابنا حارثة بن عَمْرو؛ ويُدعى حارثة العنقاء؛ وإليه جماع الأوس والخزرج أَنْصَارَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وُيكنى سعد أبا عَمْرو، وأمّه المذكورة كَبْشة بنت رافع الأنصارية، من المُبايعات, أسلم هو وأسيد بن الحُضَير عَلَى يد مُصْعب بن عُمَيْر, وكان مُصْعب قَدِم المدينة قبل العقبة الآخرة يدعو إلى الإسلام ويُقْرئ القرآن, فلما أسلم سعد لم يبق من بني عبد الأشهل -عشيرة سعد- أحدٌ إلّا أسلم يومئذٍ. ثُمَّ كان مُصْعب في دار سعد هو وأسعد بن زرارة،، يدعون إلى الله, وكان سعد وأسعد ابني خالة, وآخى النّبيّ ﷺ بين سعد بن مُعاذ وأبي عُبَيْدة بن الجرّاح.
قاله ابن إسحاق.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَغَيْرِهِ: آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ.
شهد سعد بدرًا، وَثَبَتَ مَع رَسُول اللَّهِ ﷺ يوم أُحُد حين ولّى النّاس.
رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْعَبْدِيُّ، ثنا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ الْحُمَّى, فَقَالَ: "مَنْ كَانَتْ بِهِ فَهِيَ حَظُّهُ مِنَ النَّارِ". فَسَأَلَهَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ رَبَّهُ، فَلَزِمَتْهُ فَلَمْ تُفَارِقْهُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا.
وكان لسعد من الولد: عَمْرو، وعبد الله، وأمُّهما: عمّة أسيد بن الحُضَير هند بنت سماك من بني عبد الأشهل، صحابيّة. وكان تزوّجها أوس بن مُعاذ أخو سعد -وقيل: عبد الله بن عَمْرو بن سعد- يوم الْحَرَّةِ.
وكان لعمرو من الولد: واقد بن عَمْرو، وجماعة قِيلَ: إنّهم تسعة.
وقتل عَمْرو وأخو سعد بن مُعاذ يوم أُحد. وقتل ابن أخيهما الحارث بن أوس يومئذٍ شابًا, وقد شهدوا بدرًا, والحارث أصابه السيف ليلة قتل كعب بن الأشرف، واحتمله أصحابه, وشهد بعد ذَلِكَ أُحُدًا.
روى عَنْ سعد بن مُعاذ: عبد الله بن مسعود، وقصّته بمكة مع أُميَّة بن خلف، وذلك في صحيح البخاري.
وحصن بني قُرَيْظة عَلَى أميالٍ من المدينة، حاصرهم النّبيّ ﷺ خمسًا وعشرين ليلة.
واستشهد من المسلمين: خلّاد بن سُويد الأنصاري الخزرجي، طُرحت عليه رَحَى، فَشَدَخَتْه.
ومات في مدّة الحصار أبو سنان بن محصَن، بدري مهاجري، وهو أخو عكّاشة بن مِحصَن الأسدي.
شهد هو وابنه سِنان بدْرًا. ودُفن بمقبرة بني قُرَيْظة التي يتدافن بِهَا من نزل دُورهم من المسلمين. وعاش أربعين سنة. ومنهم من قَالَ: بقي إلى أن بايع تحت الشَّجرة.
стр. 627
إسلام ابني سَعْيَة وأسد بْن عُبَيْد:
قَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عاصم بْن عُمَر بْن قَتَادَة، عَنْ شيخ من بني قُرَيْظة قَالَ: هل تدري عَمَّ كَانَ إسلامُ ثَعْلَبَة وأسد ابني سَعْيَة، وأسد بْن عُبَيْد، نفر من هَدْل، لم يكونوا من بني قُرَيْظة ولا نَضير، كانوا فوق ذَلِكَ، قلت: لا. قَالَ: إنّه قدِم علينا رَجُل من الشام يهوديّ، يقال لَهُ ابن الهَيْبَان، ما رأينا خيرًا منه. فكنّا نقول إذا احتبس المطر: استسْق لنا. فيقول: لا والله، حتى تُخْرِجوا صدقة صاعٍ من تمر أو مُدَّيْن من شعير. فنفعل، فيخرج بنا إلى ظاهر حرّتنا. فَوَالله ما يبرح مجلسه حتى تمر بنا الشعاب بسيل. وفعل ذَلِكَ غير مرّة ولا مرتين. فلما حضرته الوفاة قَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ؛ مَا تَرَوْنَهُ أَخْرَجَنِي مِنْ أَرْضِ الْخَمْرِ وَالْخَمِيرِ إِلَى أَرْضِ الْبُؤْسِ والجوع؟ قُلْنَا: أنت أعلم. قَالَ: أخرجني نبيُّ أتوقعه يُبعث الآن فهذه البلدة مُهَاجره، وإنّه يُبعث بسفك الدماء وسبي الذرية، فلا يمنعنّكم ذَلِكَ منه ولا تُسبقنَّ إِلَيْهِ. ثُمَّ مات.
زاد يونس بْن بُكَيْر فِي حديثه: فلما كانت الليلة التي افتُتِحت فيها قُرَيْظة قَالَ أولئك الثلاثة، وكانوا شبابًا أحداثًا: يا معشر يهود، هذا الَّذِي كَانَ ذكر لكم ابن الهَيبان. قَالُوا: ما هُوَ؟ قَالُوا: بلى والله إنّه لهو بصفته. ثُمَّ نزلوا فأسلموا وخلُّوا أموالَهم وأهلَهم١، وكانت فِي الحصن، فلما فتح رد ذلك عليهم.
стр. 628
أحداث السنة السادسة
غزوة الغابة
...
أحداث السنة السادسة:
قَالَ البكّائي، عَنِ ابن إِسْحَاق: ثُمَّ أقام رسول الله ﷺ بالمدينة ذا الْحَجَّةِ والمحرَّم وصَفَرًا وشهرَيْ ربيع، وخرج فِي جُمَادى الأولى إلى بني لحْيان يطلب بأصحاب الرَّجيع: خُبَيْب بْن عَدِيّ وأصحابه، وأظهر أنه يريد الشام ليصيب من القوة غرة، فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رؤس الجبال. فقال: لو أن هبطنا عُسْفان لرأى أهلُ مكة أنّا قد جئنا مكة. فهبط فِي مائتي راكب من أصحابه حتى نزلوا عسفان. ثم بعث فارسَيْن من أصحابه حتى بلغا كِراعَ الغَمِيم، ثُمَّ كَرّا. وراح قافلًا.
غزوة الغابة:
أو غزوة ذي قرد: ثم قدم فأقام بِهَا ليالي، فأغار عُيَيْنَة بْن حصْن فِي خيل من غَطفان عَلَى لِقَاحِ النَّبِيّ ﷺ بالغابة١، وفيها رَجُل من بني غِفار وامرأة، فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة فِي اللّقاح.
وكان أوّل من نذر بهم سَلَمَةُ بْن الأكْوَع، غدا يريد الغَابة ومعه غلام لطلحة بْن عُبَيْد الله معه فَرَسه، حتى إذا علا ثَنِيَّةَ الوداع٢ نظر إلى بعض خيولهم فأشرف فِي ناحية من سَلْع، ثم صرخ: وا صباحاه، ثُمَّ خرج يشتدّ فِي آثار القوم، وكان مثل السّبع، حتى لحق بالقوم, وجعل يردّهم بنَبْله، فإذا وُجّهت الخيل نحوه هرب ثُمَّ عارضهم فإذا أمكنه الرمْي رمى. وبلغ رَسُول اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ فصرخ بالمدينة: الفزع الفَزَعَ. فنزلت الخيول إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وكان أول من انتهى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْ الفرسان المِقداد وعَبّاد بْن بشْر، وأسيد بْن ظُهَيْر، وعُكّاشة بْن مِحْصَن وغيرهم. فأمر عليهم سعدَ بْن زيد، ثُمَّ قَالَ: "أخرج فِي طلب القوم حتى ألحقك بالنّاس". وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فيما بلغني لأبي عَيّاش: "لو أعطيت فرسك رجلًا منك". فقلت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أفرس النّاس, وضربت الفرسَ فَوَالله ما مشى بي إلّا خمسين ذراعًا حتى طرحني فعجبت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لو أعطيته أفرس منك وجوابي لَهُ".
ولم يكن سَلَمَةَ بْن الأكْوَع يومئذٍ فارسًا، وكان أوّل من لحق القومَ عَلَى رِجْلَيْه. وتلاحق الفُرسان فِي طلب القوم, فأول من أدركهم محرز بن نضلة الأسدي.
مقتل ابن أبي الحُقَيْق:
وهو سلّام بْن أبي الحُقَيْق؛ وقيل: عَبْد الله بْن أَبِي الحُقَيْق اليهودي، لعنه الله.
قَالَ البكّائي، عَنِ ابن إِسْحَاق: ولما انقضى شأن الخندق وأمرُ بني قُرَيْظة، وكان سلّام بْن أَبِي الحُقَيْق أَبُو رافع فيمن حزَّب الأحزاب عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ . وكانت الأوس قبل أحد قتلت كعب بن الأشرف. فاستأذنت الخزرجُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي قتل ابن أبي الحُقَيْق وهو بخيبر، فأَذِن لهم.
وحدّثني الزُّهري، عَنْ عَبْد الله بْن كعب بْن مالك قَالَ: كَانَ مما صنع الله لرسوله ﷺ أنّ هذين الحيَّيْن من الأنصار كانا يتصاولان مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ تصاول الفحلين لا تصنع الأوس شيئًا فيه غناء عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلا قَالَتْ الخزرج: والله لا تذهبون بهذه فضلًا علينا عِنْدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وفي الْإِسْلَام. فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلَها. وإذا فعلت الخزرج شيئًا قَالَتْ الأوس مثل ذَلِكَ.
ولما أصابت الأوس كعبَ بْن الأشرف في عداوته لرسول الله ﷺ ، قَالَتْ الخزرج: والله لا تذهبون بهذه فضلًا علينا. فتذاكروا من رَجُل لرَسُول اللَّهِ ﷺ كابن الأشرف، فذكروا ابن أَبِي الحُقَيْق وهو بخيبر. فاستأذنوا رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فأذن لهم. فخرج إِلَيْهِ من الخزرج خمسة من بني سَلَمَةَ: عَبْد الله بْن عَتيك، ومسعود بْن سنان، وعبد الله بْن أنيس، وأبو قَتَادة بْن ربعي، وآخر هُوَ أسود بْن خُزَاعيّ، حليف لهم. فأمر عليهم ابن عَتيك، فخرجوا حتى قدِموا خيبر، فأتوا دار ابن أَبِي الحُقَيْق ليلًا، فلم يَدعوا بيتًا فِي الدار إلّا أغلقوه عَلَى أهله، ثُمَّ قاموا عَلَى بابه فاستأذنوا، فخرجت إليهم امرأته فقالت: من أنتم؟ قالوا: نلتمس الميرة. قالت: ذاك صاحبكم، فادخلوا عَلَيْهِ.
قَالَ: فلما دخلنا عَلَيْهِ أغلقنا علينا وعليها الحُجْرة تخوُّفًا أن يكون دونه مجاولة تحول بيننا وبينه.
стр. 634
قَالَ: فصاحت امرأته فنَّوَهت بنا، وابتدرناه وهو عَلَى فراشه، والله ما يدلّنا عَلَيْهِ فِي سواد البيت إلّا بياضه، كأنّه قِبْطِيّة١ مُلْقاه. فلما صاحت علينا جعل الرجل منّا يرفع سيفه عليها ثُمَّ يذكر نَهْيَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ قتل النساء، فيكف يده, فلما ضربناه بأسيافنا تحامل عَلَيْهِ عَبْد الله بن أنيس فِي بطنه حتى أنفذه، وهو يَقْولُ: قطني قطني، أي حسبي. قَالَ: وخرجنا، وكان ابن عتيك سيئ البصر فوقع من الدرجة، فوثِئَتْ يدُه وَثْئًا شديدًا وحملناه حتى نأتي مَنْهَرًا من عيونهم فندخل فِيهِ. فأوقدوا النّيران واشتدّوا فِي كلّ وجه يطلبوننا، حتى إذا يئسوا رجعوا إلى صاحبهم فاكتنفوه. فقلنا: كيف لنا بأن نعلم أنّه هلك؟ فقال رَجُل منّا: أَنَا أذهب فأنظر لكم.
فانطلق حتى دخل فِي النّاس. قَالَ: فوجدتُها وفي يدها المصباح وحوله رجال وهي تنظر فِي وجهه وتحدّثهم وتقول: أما والله لقد سَمِعْتُ صوت ابن عَتيك ثُمَّ أكذبت نفسي فقلت: أنّي ابن عَتيك بهذه البلاد؟ ثُمَّ أقبَلَتْ عَلَيْهِ تنظر فِي وجهه، ثُمَّ قَالَتْ: فاظ، وإله يهود. فما سَمِعْتُ من كلمة كانت ألذّ إليّ منها. قَالَ: ثُمَّ جاء فأخبرنا بالخبر، فاحتملنا صاحبَنا فقدِمْنا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فأخبرناه واختلفنا فِي قتله، فكلّنا يدّعيه. فقال: "هاتوا أسيافكم". فجئناه بِهَا، فقال لسيف عَبْد الله بْن أنيس: "هذا قَتَلَه، أرى فِيهِ أثر الطّعام والشراب" ٢.
وَقَالَ زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَهْطًا مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَى أَبِي رَافِعٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ بَيْتَهُ لَيْلًا فَقَتَلَهُ وَهُوَ نَائِمٌ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
وَقَالَ إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى أبي رَافِعٍ رِجَالا مِنَ الأَنْصَارِ، عَلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِيَ ابْنَ عَتِيكٍ. وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَيُعِينُ عَلَيْهِ. وَكَانَ فِي حِصْنٍ لَهُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ. فَلَمَّا دَنَوْا وَقَدْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَرَاحَ النَّاسُ بِسَرْحِهِمْ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ لأَصْحَابِهِ: اجْلِسُوا مَكَانَكُمْ فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ فَمُتَلَطِّفٌ لِلْبَوَّابِ لَعَلِّي أَدْخُلُ. فَأَقْبَلَ حَتَّى دَنَا مِنَ الْبَابِ ثُمَّ تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ كَأَنَّهُ يَقْضِي حَاجَتَهُ. وَقَدْ دَخَلَ النَّاسُ، فَهَتَفَ بِهِ الْبَوَّابُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ تريد أن تدخل فادخل لأغلق.